«أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤١٦

الحديث رقم ٦٤١٦ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: كن في الدنيا…

«أَخَذَ رَسُولُ اللهِ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.

سند حديث: ٦٤١٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ…

٦٤١٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْمُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: كن في الدنيا…

ذَكَرَ ابنُ عُمر رضي الله عنهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بمنكبه -وهو مَجْمَع العَضُد والكَتِف- وقال له: كن في الدنيا كأنك غريب، قَدِمَ بلدًا لا مَسْكن لَهُ فيه يؤويه، ولا ساكن يسليه، خالٍ عن الأهل والعيال والعلائق، التي هي سبب الاشتغال عن الخالق، بل كن أشدَّ من الغريب وهو عابر السبيل المار على الطريق طالبًا وطنه؛ لأن الغريب قد يسكن في بلاد الغُرْبة ويُقيم فيها، بخلاف عابر السبيل القاصد للبلد، فإن من شأنه التخفف وعدم التوقف، والحرص على وصول بلده، فكما أن المسافر لا يحتاج إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المَحل.

فعمل ابن عمر بهذه النصيحة وكان يقول: إذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وعُدَّ نفسك في أهل القبور، ولأن العمرَ لا يخلو عن صحة ومرض؛
فبادر أيام صحتك بالطاعة لمرضك؛ واغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها المرض، واغتنم حياتك في الدنيا، فاجمع فيها ما ينفعك بعد موتك.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • وضع المُعلّم كفَّه على كتف المتعلم عند التعليم للتأنيس والتنبيه.
  • الابتداء بالنصيحة والإرشاد لمن لم يطلب ذلك.
  • حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الأمثال المُقْنِعَة، بقوله: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَريْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ".
  • اختلاف الناس في سيْرهم إلى الآخرة؛ فعابر السبيل، منزلة أعلى في الزهد من منزلة الغريب.
  • بيان قِصَر الأمل، والاستعداد للموت.
  • الحديث لا يدل على ترك الرزق وتحريم ملذات الدنيا؛ ولكن يدل على الترغيب في الزهد فيها، والتَّقَلُّل منها.
  • المسارعة إلى الأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها، ويحول مرض أو موت.
  • فضيلة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث تأثّر بهذه الموعظة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • وطن المؤمنين هي الجنة فهو غريب على الدنيا، وهو مسافر للدار الآخرة، فلا يُعلِّق قلبه بشيء من بلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، وإقامته في الدنيا ليقضي حاجته وجهازه للرجوع إلى وطنه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: كن في الدنيا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالنَّبَاتِ فَلَا يُعْجِبُهُمْ إِلَّا الْمُعْجِبُ حَقِيقَةً انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْآيَةِ ﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يُوقَفُ عَلَى شَدِيدٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ أَنَّهَا إِمَّا عَذَابٌ شَدِيدٌ وَإِمَّا مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ، وَاسْتَحْسَنَ غَيْرُهُ الْوَقْفَ عَلَى شَدِيدٍ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ مِنَ الدُّنْيَا وَالتَّقْدِيرُ لِلْكَافِرِينَ، وَيَبْتَدِئُ ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ أَيْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ قَسِيمٌ لِقولِهِ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، وَالْأَوَّلُ صِفَةُ الدُّنْيَا وَهِيَ اللَّعِبُ وَسَائِرُ مَا ذَكَرَ، وَالثَّانِي صِفَةُ الْآخِرَةِ وَهِيَ عَذَابٌ شَدِيدٌ لِمَنْ عَصَى وَمَغْفِرَةٌ وَرِضْوَانٌ لِمَنْ أَطَاعَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ .. إِلَخْ فَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا سَبَقَ أَيْ تَغُرُّ مَنْ ركَنَّ إِلَيْهَا وَأَمَّا التَّقِيُّ فَهِيَ لَهُ بَلَاغٌ إِلَى الْآخِرَةِ، وَلَمَّا أَوْرَدَ الْغَزَالِيُّ حَدِيثَ الْمُسْتَوْرِدِ فِي الْإِحْيَاءِ عَقَّبَهُ بِأَنْ قَالَ مَا مُلَخَّصُهُ: اعْلَمْ أَنَّ مَثَلَ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي غَفْلَتِهِمْ كَمَثَلِ قَوْمٍ رَكِبُوا سَفِينَةً فَانْتَهَوْا إِلَى جَزِيرَةٍ مُعْشِبَةٍ فَخَرَجُوا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَحَذَّرَهُمُ الْمَلَّاحُ مِنَ التَّأَخُّرِ فِيهَا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ وَحَذَّرَهُمْ أَنْ يُقْلِعَ بِالسَّفِينَةِ وَيَتْرُكَهُمْ فَبَادَرَ بَعْضُهُمْ فَرَجَعَ سَرِيعًا فَصَادَفَ أَحْسَنَ الْأَمْكِنَةِ وَأَوْسَعَهَا فَاسْتَقَرَّ فِيهِ وَانْقَسَمَ الْبَاقُونَ فِرَقًا: الْأُولَى: اسْتَغْرَقَتْ فِي النَّظَرِ إِلَى أَزْهَارِهَا الْمُونِقَةِ وَأَنْهَارِهَا الْمُطَّرِدَةِ وَثِمَارِهَا الطَّيِّبَةِ وَجَوَاهِرِهَا وَمَعَادِنهَا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَبَادَرَ إِلَى السَّفِينَةِ فَلَقِيَ مَكَانًا دُونَ الْأَوَّلِ فَنَجَا فِي الْجُمْلَةِ، الثَّانِيَةُ: كَالْأُولَى لَكِنَّهَا أَكَبَّتْ عَلَى تِلْكَ الْجَوَاهِرِ وَالثِّمَارِ وَالْأَزْهَارِ وَلَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ لِتَرْكِهَا فَحَمَلَ مِنْهَا مَا قَدَرَ عَلَيْهِ فَتَشَاغَلَ بِجَمْعِهِ وَحَمْلِهِ فَوَصَلَ إِلَى السَّفِينَةِ فَوَجَدَ مَكَانًا أَضْيَقَ مِنَ الْأَوَّلِ وَلَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِرَمْيِ مَا اسْتَصْحَبَهُ فَصَارَ مُثْقَلًا بِهِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ ذَبَلَتِ الْأَزْهَارُ وَيَبِسَتِ الثِّمَارُ وَهَاجَتِ الرِّيَاحُ فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ إِلْقَاءِ مَا اسْتَصْحَبَهُ حَتَّى نَجَا بِحُشَاشَةِ نَفْسِهِ، الثَّالِثَةُ: تَوَلَّجَتْ فِي الْغِيَاضِ وَغَفَلَتْ عَنْ وَصِيَّةِ الْمَلَّاحِ ثُمَّ سَمِعُوا نِدَاءَهُ بِالرَّحِيلِ فَمَرَّتْ فَوَجَدَتِ السَّفِينَةَ سَارَتْ فَبَقِيَتْ بِمَا اسْتَصْحَبَتْ فِي الْبَرِّ حَتَّى هَلَكَتْ، وَالرَّابِعَةُ: اشْتَدَّتْ

بِهَا الْغَفْلَةُ عَنْ سَمَاعِ النِّدَاءِ وَسَارَتِ السَّفِينَةُ فَتَقَسَّمُوا فِرَقًا، مِنْهُمْ مَنِ افْتَرَسَتْهُ السِّبَاعُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَاهَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى هَلَكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَاتَ جُوعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَشَتْهُ الْحَيَّاتُ. قَالَ: فَهَذَا مِثْلُ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي اشْتِغَالِهِمْ بِحُظُوظِهِمُ الْعَاجِلَةِ وَغَفْلَتِهِمْ عَنْ عَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ، ثُمَّ خَتَمَ بِأَنْ قَالَ: وَمَا أَقْبَحَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ بَصِيرٌ عَاقِلٌ أَنْ يَغْتَرَّ بِالْأَحْجَارِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْهَشِيمِ مِنَ الْأَزْهَارِ وَالثِّمَارِ وَهُوَ لَا يَصْحَبُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

٣ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.

٦٤١٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو المُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ) هَكَذَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ الْخَبَرِ إِشَارَةً إِلَى ثُبُوتِ رَفْعِ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ وَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا قَصَّرَ فِيهِ.

قَوْلُهُ (عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ) أَنْكَرَ الْعُقَيْلِيُّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهِيَ حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ وَقَالَ: إِنَّمَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ بِصِيغَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ، كَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ الْأَعْمَشِ عَنْهُ وَكَذَا

أَصْحَابُ الطُّفَاوِيِّ عَنْهُ، وَتَفَرَّدَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ بِالتَّصْرِيحِ قَالَ: وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْأَعْمَشُ مِنْ مُجَاهِدٍ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْهُ فَدَلَّسَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِالْعَنْعَنَةِ وَقَالَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ مَا سَأَلَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ إِلَّا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي رَوْضَةِ الْعُقَلَاءِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيِّ، عَنِ الطُّفَاوِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ أَيْضًا وَقَالَ مَكَثْتُ مُدَّةً أَظُنُّ أَنَّ الْأَعْمَشَ دَلَّسَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ لَيْثٍ حَتَّى رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ رَوَاهُ عَنِ الطُّفَاوِيِّ فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ يُشِيرُ إِلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الَّتِي فِي الْبَابِ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَلَيْثٌ، وَأَبُو يَحْيَى ضَعِيفَانِ، وَالْعُمْدَةُ عَلَى طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ؛ لِأَنَّ رُوَاتَهُ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ عَبْدَةَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ (أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَنْكِبِي) فِيهِ تَعْيِينُ مَا أُبْهِمَ فِي رِوَايَةِ لَيْثٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَخَذَ بِبَعْضِ جَسَدِي وَالْمَنْكِبُ بِكَسْرِ الْكَافِ مَجْمَعُ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ وَضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِالتَّثْنِيَةِ.

قَوْلُهُ (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى بَلْ فَشَبَّهَ النَّاسِكَ السَّالِكَ بِالْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ يَأْوِيهِ وَلَا مَسْكَنٌ يَسْكُنُهُ ثُمَّ تَرَقَّى وَأَضْرَبَ عَنْهُ إِلَى عَابِرِ السَّبِيلِ لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَسْكُنُ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ بِخِلَافِ عَابِرِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ لِبَلَدٍ شَاسِعٍ وَبَيْنَهُمَا أَوْدِيَةٌ مُرْدِيَةٌ وَمَفَاوِزُ مُهْلِكَةٌ وَقُطَّاعُ طَرِيقٍ فَإِنَّ مَنْ شَأْنَهُ أَنْ لَا يُقِيمَ لَحْظَةً وَلَا يَسْكُنَ لَمْحَةً وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرُ الصَّبَاحَ إِلَخْ، وَبِقَوْلِهِ وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ، وَالْمَعْنَى اسْتَمِرَّ سَائِرًا وَلَا تَفْتُرْ فَإِنَّكَ إِنْ قَصَّرْتَ انْقَطَعْتَ وَهَلَكْتَ فِي تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ وَهَذَا مَعْنَى الْمُشَبَّهِ بِهِ وَأَمَّا الْمُشَبَّهُ فَهُوَ قَوْلُهُ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ أَيْ أَنَّ الْعُمُرَ لَا يَخْلُو عَنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ، فَإِذَا كُنْتَ صَحِيحًا فَسِرْ سَيْرَ الْقَصْدِ وَزِدْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ قُوَّتِكَ مَا دَامَتْ فِيكَ قُوَّةٌ بِحَيْثُ يكُونُ مَا بِكَ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ قَائِمًا مَقَامَ مَا لَعَلَّهُ يُفَوِّتُ حَالَةَ الْمَرَضِ وَالضَّعْفِ، زَادَ عَبْدَةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَكُنْ فِي الدُّنْيَا الْحَدِيثَ، وَزَادَ لَيْثٌ فِي رِوَايَتِهِ: وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَكَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمَّا كَانَ الْغَرِيبُ قَلِيلَ الِانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ بَلْ هُوَ مُسْتَوْحِشٌ مِنْهُمْ إِذْ لَا يَكَادُ يَمُرُّ بِمَنْ يَعْرِفُهُ مُسْتَأْنِسٌ بِهِ، فَهُوَ ذَلِيلٌ فِي نَفْسِهِ خَائِفٌ وَكَذَلِكَ عَابِرُ السَّبِيلِ لَا يَنْفُذُ فِي

سَفَرِهِ إِلَّا بِقُوَّتِهِ عَلَيْهِ وَتَخْفِيفِهِ مِنَ الْأَثْقَالِ غَيْرَ مُتَثَبِّتٍ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ قَطْعِ سَفَرِهِ مَعَهُ زَادُهُ وَرَاحِلَتُهُ يُبَلِّغَانِهِ إِلَى بُغْيَتِهِ مِنْ قَصْدِهِ شَبَّهَهُ بِهِمَا وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى إِيثَارِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَأَخْذِ الْبُلْغَةِ مِنْهَا وَالْكَفَافِ فَكَمَا لَا يَحْتَاجُ الْمُسَافِرُ إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا يُبَلِّغُهُ إِلَى غَايَةِ سَفَرِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا يُبَلِّغُهُ الْمَحَلَّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْحَثِّ عَلَى الْفَرَاغِ عَنِ الدُّنْيَا وَالزُّهْدِ فِيهَا وَالِاحْتِقَارِ لَهَا وَالْقَنَاعَةِ فِيهَا بِالْبُلْغَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا تَتَّخِذْهَا وَطَنًا وَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْبَقَاءِ فِيهَا وَلَا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرِيبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَابِرُ السَّبِيلِ هُوَ الْمَارُّ عَلَى الطَّرِيقِ طَالِبًا وَطَنَهُ، فَالْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا كَعَبْدٍ أَرْسَلَهُ سَيِّدُهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ فَشَأْنُهُ أَنْ يُبَادِرَ بِفِعْلِ مَا أُرْسِلَ فِيهِ ثُمَّ يَعُودَ إِلَى وَطَنِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ أَنْ يُنَزِّلَ الْمُؤْمِنُ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا مَنْزِلَةَ الْغَرِيبِ فَلَا يَعْلَقُ قَلْبَهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَلَدِ الْغُرْبَةِ بَلْ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِوَطَنِهِ الَّذِي يَرْجِعُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(فِي سَبِيلِ اللهِ) شاملٌ للجهاد وغيره (أَوْ رَوْحَةٌ) للتَّنويع لا للشَّكِّ (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا).

(٣) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) سقط لأبي ذرٍّ «أو عابر سبيل».

٦٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو المُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ) بضم الطاء المهملة بعدها فاء فألف فواو فتحتية، نسبة إلى بني طفاوة أو موضع بالبصرة (عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ) سقط «سليمان» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبرٍ المفسِّر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ) سقط «عبد الله» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ بِمَنْكِبِي) بكسر الكاف والموحدة وتخفيف التَّحتية، مجمعُ العضد والكتف. قال في «الفتح»: وضُبِطَ في بعض الأصول: «بمنكبَيَّ» بلفظ التَّثنية (فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ) قَدِمَ بلدًا لا مسكنَ له فيها يؤويه، ولا سكنَ يسلِّيه، خالٍ عن الأهلِ والعيال والعلائق الَّتي هي سبب الاشتغال عن الخالق، ولمَّا شبَّه النَّاسك السَّالك بالغريب الَّذي ليس له مسكنٌ ترقَّى وأضربَ عنه بقوله: (أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) لأنَّ الغريب قد يسكنُ في بلاد الغربةِ ويقيم فيها، بخلاف عابر السَّبيل القاصد للبلد الشَّاسع، وبينه وبينها أوديةٌ مُرْدِيةٌ ومفاوز مهلكةٌ، وهو بمرصدٍ من قطَّاع الطَّريق، فهل له أن يُقيم لحظةً أو يسكن لمحةً، ومن ثمَّ عقَّبه بقوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) (يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ) أي: سِرْ دائمًا ولا تفتر عن السَّير ساعةً، فإنَّك

إن قصَّرت في السَّير انقطعتَ عن المقصودِ، وهلكتَ في تلك الأودية هذا معنى المُشبَّه به، وأمَّا المُشبَّه فهو قوله: (وَخُذْ مِنْ) زمن (صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ) وفي رواية ليثِ بن أبي سُلَيمٍ عن مجاهدٍ -عند أحمد والتِّرمذيِّ-: «لسَقَمِك» أي: سِر سيرك القصد في حال صحَّتك بل لا تقنعْ به، وزدْ عليه بقدر قوَّتك ما دامتْ فيك قوَّةٌ بحيث يكون ما بك (١) من تلك الزِّيادة قائمًا مقام ما لعلَّه يفوت حالَ المرض والضَّعف، أو اشتغل في الصِّحَّة بالطَّاعة بحيث لو حصلَ تقصيرٌ في المرضِ لانجبر بذلك، وفي قوله: (وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ) إشارةٌ إلى أخذِ نصيب الموت، وما يحصل فيه من الفتورِ من السَّقم، يعني: لا تقعد في المرض عن السَّير كلَّ القعود بل ما أمكنك منه، فاجتهدْ فيه حتَّى تنتهي إلى لقاءِ الله وما عندَه من الفلاح والنَّجاح، وإلَّا خِبتَ وخسرت، وزاد ليث: «فإنَّك لا تدرِي يا عبد الله ما اسمُك غدًا». أي: هل يُقال لك: شقيٌّ أم سعيدٌ؟ أو هل يُقال لك: حيٌّ أو ميِّتٌ؟ وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند الحاكمِ أنَّ النَّبيَّ قال لرجلٍ وهو يعظه: «اغتنِم خمسًا قبلَ خمسٍ: شبابَكَ قبلَ هرمِكَ، وصحَّتكَ قبلَ سقمِكَ، وغناكَ قبلَ فقركَ، وفراغكَ قبلَ شُغلكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ» فالعاقلُ إذا أمسىَ لا ينتظر الصَّباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظنُّ أنَّ أجلهُ يدركهُ قبل ذلك، فيعملُ ما يَلْقَى نفعَه بعد موته، ويبادرُ أيَّام صحَّته بالعملِ الصَّالح، فإنَّ المرض قد يطرأُ فيمنعُ من العملِ فيخشى على من فرَّط في ذلك أن يصلَ إلى المعاد بغير زادٍ، فمَن لم ينتهزِ الفرصة يندمْ، وما أحسن قول من قال:

إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا … فَإِنِّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ

وَلَا تَغْفُلْ عَنْ الإِحْسَانِ فِيْهَا … فَمَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ

إِذَا ظَفِرَتْ يَدَاكَ فَلَا تُقَصِّر … فَإِنَّ الدَّهْرَ عَادَتُهُ يَخُوْنُ (٢)

والحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ.

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (فِي الأَمَلِ وَطُوْلِهِ) بفتح الهمزة والميم، وهو الرَّجاء فيما تحبُّه النَّفس من طول عمرٍ، وزيادة غنًى. يقال: أَمَّلَ خيرَه يأمله أملًا، وكذلك التَّأميل، ومعناه قريبٌ من التَّمنِّي، وقيل: الفرق بينهما: أنَّ الأمل ما تقدَّم سببه والتَّمنِّي بخلافهِ، وقيل: الأملُ إرادةُ الشَّخص تحصيل شيءٍ يمكن (١) حصولهُ، فإذا فاته تمنَّاه، والرَّجاء تعليق القلب بمحبوبٍ؛ ليحصل في المستقبل، والفرقُ بين الرَّجاء والتَّمنِّي؛ أنَّ التَّمنِّي يورثُ صاحبه (٢) الكسلَ، ولا يسلك طريق الجهدِ والجدِّ، وبعكسه صاحب الرَّجاء، فالرَّجاء محمودٌ، والتَّمنِّي معلولٌ كالأمل إلَّا للعالم في العلمِ، فلولا طولُ أملهِ ما صنَّف ولا ألَّف، وفي الأملِ سرٌّ لطيفٌ؛ لأنَّه لولا الأملُ ما تهنَّى أحدٌ بعيشٍ ولا طابتْ نفسُه أن يشرعَ في عملٍ من أعمالِ الدُّنيا، وإنَّما المذمومُ منه الاسترسالُ فيه، وعدمُ الاستعداد لأمرِ الآخرة.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «وقوله تعالى»: (﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾) بَعُدَ (﴿عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾) ظفرَ بالخيرِ، وقيل: فقد حصلَ له الفوزُ المُطلق، وقيل: الفوزُ نيلُ المحبوب، والبعدُ عن المكروهِ (﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]) المتاعُ ما يتمتعُ به وينتفعُ، والغرورُ يجوزُ أن يكون مصدرًا من قولكَ: غررت فلانًا غرورًا، شبَّه الدُّنيا بالمتاعِ الَّذي يُدَلَّسُ به على المستامِ ويُغَرُّ حتَّى يشتريهِ، ثمَّ يتبيَّن له فسادهُ ورداءتهُ، والشَّيطان هو المُدلِّس الغَرور، وقرأ عبدُ الله بفتح الغين، وفسّر بالشَّيطان، ويجوز أن يكون فعولًا بمعنى مفعول، أي: متاعُ المَغْرور، أي: المخدُوع، وأصل الغَرَر (٣): الخَدْع. قال سعيدُ بن جبيرٍ: هذا في حقِّ من آثرَ الدُّنيا على الآخرة، وأمَّا من طلبَ متاع الدُّنيا للآخرة فإنَّها نِعْمَ المتاع. وعن الحسنِ: كخضرةِ النَّبات ولعب البنات لا حاصلَ لها، فينبغي للإنسان أنْ يأخذَ من هذا المتاع بطاعةِ الله تعالى ما استطاع (بِمُزَحْزِحِهِ) أي:

(بِمُبَاعِدِهِ) بكسر العين، يعني: أنَّ معنى قوله: ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ (١) بُوعِدَ، وأصل الزَّحزحة: الإزالة، ومن أزيلَ عن شيءٍ فقد بُوْعِدَ منه، وهذا ثابتٌ هنا لأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾» إلى آخر قوله «﴿الْغُرُورِ﴾».

(وقَوْلِهِ) تعالى: (﴿ذَرْهُمْ﴾) أمرُ إهانةٍ، أي: اقطَعْ طمعَك من ارعوائهم، وَدَعْ عنك (٢) النَّهي عمَّا هم عليه بالتَّذكرة والنَّصيحة وخلِّهم (﴿يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾) بدُنياهم فهي خلاقهم، ولا خَلاق لهم في الآخرة (﴿وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾) يشغلُهم الأملُ عن الأخذِ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]) إذا وردوا القيامةَ وذَاقوا وبالَ صنيعِهم، وفيه تنبيهٌ على أنَّ إيثار التَّلذُّذ والتَّنعُّم وما يؤدِّي إليه طولُ الأمل ليسَ من أخلاقَ المؤمنين، وهذا تهديدٌ ووعيدٌ، وقال بعضُ العلماء: ﴿ذَرْهُمْ﴾ تهديدٌ، و ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: تهديدٌ آخر، فمتى يهنأ العيشُ بين تهديدين، والآية نسختها آية القتال، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿وَيَتَمَتَّعُواْ﴾: «الآية».

(وَقَالَ عَلِيٌّ) من قوله موقوفًا، ولأبي ذرٍّ: «عليُّ بن أبي طالبٍ»: (ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا) حال كونها (مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ (٣) الآخِرَةُ) حالَ كونها (مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) من الآخرةِ والدُّنيا، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «منها» (بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ) قال في «الكواكب»: فإن قلتَ: اليوم ليس عملًا بل فيه العملُ، ولا يمكن تقدير «في» وإلَّا وجبَ نصب «عملٍ»؟ وأجاب بأنَّه جعلهُ نفس العمل مبالغةً كقولهم: أبو حنيفة فقهٌ، ونهاره صائمٌ (وَلَا حِسَابَ) فيه (وَغَدًا حِسَابٌ) بالرَّفع (وَلَا عَمَلَ) فيه، أي: فإنَّه على أنَّ اسمَ «إنَّ» ضمير شأن (٤) حذفَ، وهو عندَهم قليلٌ، أو هو على حذفِ مضافٍ إمَّا من

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث من حَيْثُ إِن قدر مَوضِع سَوط إِذا كَانَ خيرا من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا تكون الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَة كلا شَيْء كَمَا ذَكرْنَاهُ.

وَعبد الْعَزِيز يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار عَن سهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ رَضِي الله عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى.

قَوْله: (ولغدوة) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (فِي سَبِيل الله) أَعم من الْجِهَاد. قَوْله: (أَو رَوْحَة) ، كلمة: أَو: للتنويع لَا لشك الرَّاوِي.

٣ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كُنْ فِي الدُّنْيا كأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عابِرُ سَبِيلٍ))

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كن فِي الدُّنْيَا)

إِلَى آخِره، وَهَذِه تَرْجَمَة بِبَعْض حَدِيث الْبَاب. قيل: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن حَدِيث الْبَاب مَرْفُوع، وَأَن من رَوَاهُ مَوْقُوفا قصر فِيهِ.

٤ - (بابٌ فِي الأمَلِ وطُولِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْهَاء الأمل عَن الْعَمَل، والأمل مَذْمُوم لجَمِيع النَّاس إلَاّ الْعلمَاء فلولا أملهم وَطوله لما صنفوا وَلما ألفوا، وَقد نبه عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ بقوله:

(وآمال الرِّجَال لَهُم فضوح ... سوى أمل المُصَنّف ذِي الْعُلُوم)

وَالْفرق بَين الأمل وَالتَّمَنِّي أَن الأمل مَا يقوم بِسَبَب وَالتَّمَنِّي بِخِلَافِهِ، وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: إِن الْإِنْسَان لَا يَنْفَكّ عَن الأمل فَإِن فَاتَهُ الأمل عول على التَّمَنِّي وَقيل: كَثْرَة التَّمَنِّي تخلق الْعقل وتفسد الدّين وتطرد القناعة، وَقَالَ الشَّاعِر:

(الله أصدق والآمال كَاذِبَة ... وَجل هَذَا المنى فِي الصَّدْر وسواس)

وَقَوْلِ الله تَعَالَى: { (٣) فَمن زحزح عَن النَّار وادخل الْجنَّة. . مَتَاع الْغرُور} (آل عمرَان: ٥٨١) . إِلَى قَوْله: {ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فَسَوف يعلمُونَ} (الْحجر: ٣) .

هَاتَانِ الْآيَتَانِ: الأولى: مسوقة بِتَمَامِهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ هَكَذَا: {فَمن زحزح عَن النَّار وادخل الْجنَّة فقد فَازَ} الْآيَة. وَالثَّانيَِة: فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا مسوقة. إِلَى آخرهَا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا {ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا} ... الْآيَة وَبَين الْآيَتَيْنِ سقط لفظ: قَوْله، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه مُنَاسبَة الْآيَة الأولى بالترجمة صدرها وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {كل نفس ذائقة الْمَوْت} أَو عجزها وَهُوَ {وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا الامتاع الْغرُور} وَهَذَا يبين أَن مُتَعَلق الأمل لَيْسَ بِشَيْء قَوْله: {فَمن زحزح} أَي: أبعد قَوْله: {فَازَ} أَي: نجا. قَوْله: {ذرهم} الْأَمر فِيهِ للتهديد أَي: ذَر الْمُشْركين يَا مُحَمَّد يَأْكُلُوا فِي هَذِه الدُّنْيَا ويتمتعوا من لذاتها إِلَى أَجلهم الَّذِي أجل لَهُم، وَفِيه زجر عَن الانهماك فِي ملاذ الدُّنْيَا. قَوْله: {ويلههم الأمل} أَي: يشغلهم عَن عمل الْآخِرَة.

وَقَالَ عَلِيٌّ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيا مُدْبِرَةً وارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَة ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُما بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أبْناءِ الآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أبْناءِ الدُّنْيا، فإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسابَ، وغَداً حِسابٌ وَلَا عَمَلَ.

أَي: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، وَهَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ، ومطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من أَوله لِأَن الدُّنْيَا لما كَانَت مُدبرَة فالأمل فِيهَا مَذْمُوم، وَمن كَلَام عَليّ هَذَا أَخذ بعض الْحُكَمَاء قَوْله: الدُّنْيَا مُدبرَة وَالْآخِرَة مقبلة فَعجب لمن يقبل على الْمُدبرَة وَيُدبر عَن الْمُقبلَة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : روينَا فِي كتاب أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي، رَحمَه الله قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (صَلَاح أول هَذِه الْأمة بالزهد وَالْيَقِين وَيهْلك آخرهَا بالبخل والأمل) قلت: روى هَذَا الحَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَفعه، أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا، وَأثر عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه ابْن الْمُبَارك فِي (رقائقه) وَرَوَاهُ نعيم بن حَمَّاد عَن سُلَيْمَان ابْن خَلاد: حَدثنَا سُفْيَان عَن زبيد اليامي عَن مهَاجر الطَّبَرِيّ عَنهُ. قَوْله: (فَإِن الْيَوْم عمل) ، قيل الْيَوْم لَيْسَ عملا بل فِيهِ الْعَمَل وَلَا يُمكن تَقْدِير: فِي وإلَاّ وَجب نصب عمل. وَأجِيب: بِأَنَّهُ جعله نفس الْعَمَل مُبَالغَة كَقَوْلِهِم: أَبُو حنيفَة فقه ونهاره صَائِم. قَوْله: (وَلَا حِسَاب) بِالْفَتْح أَي: لَا حِسَاب فِيهِ. وَيجوز بِالرَّفْع أَي: لَيْسَ فِي الْيَوْم حِسَاب، وَمثله شَاذ عِنْد النُّحَاة، وَهَذَا حجَّة عَلَيْهِم.

٧١٤٦ - حدّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخبرنَا يَحْيَى عنْ سُفْيانَ قَالَ: حدّثني أبي عنْ مُنذرٍ عنْ رَبِيعِ بنِ خُثَيْمٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: خَط النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطا مُرَبَّعاً، وخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خارِجاً منْهُ، وخَطَّ خُطُطاً صِغاراً إِلَى هاذا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جانبِهِ الّذِي فِي الوَسَطِ، وَقَالَ: (هاذَا الإنْسانُ وهاذَا أجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ أَو: قَدْ أحاطَ بِهِ: وهاذَا الذِي هُوَ خارِجٌ أمَلُهُ وهاذِهِ الخَطُطُ الصِّغَارُ الأعْرَاضُ، فإنْ أخْطأهُ هاذَا نَهَشَهُ هاذَا وإنْ أخْطأهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مِثَال أمل الْإِنْسَان وأجله والأعراض الَّتِي تعرض عَلَيْهِ وَمَوته عِنْد وَاحِد مِنْهَا، فَإِن سلم مِنْهَا فيأتيه الْمَوْت عِنْد انْقِضَاء أَجله.

ويحيي هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ يروي عَن أَبِيه سعيد بن مَسْرُوق، وَسَعِيد بن مَسْرُوق، وَسَعِيد يروي عَن مُنْذر على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار ابْن يعلى على وزن يرضى بِفَتْح الْيَاء الثَّوْريّ الْكُوفِي يروي عَن ربيع بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن خثيم بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالميم الثَّوْريّ أَيْضا.

وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة ثوريون كوفيون، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن ابْن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرقَاق عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالنَّبَاتِ فَلَا يُعْجِبُهُمْ إِلَّا الْمُعْجِبُ حَقِيقَةً انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْآيَةِ ﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يُوقَفُ عَلَى شَدِيدٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ أَنَّهَا إِمَّا عَذَابٌ شَدِيدٌ وَإِمَّا مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ، وَاسْتَحْسَنَ غَيْرُهُ الْوَقْفَ عَلَى شَدِيدٍ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ مِنَ الدُّنْيَا وَالتَّقْدِيرُ لِلْكَافِرِينَ، وَيَبْتَدِئُ ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ أَيْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ قَسِيمٌ لِقولِهِ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، وَالْأَوَّلُ صِفَةُ الدُّنْيَا وَهِيَ اللَّعِبُ وَسَائِرُ مَا ذَكَرَ، وَالثَّانِي صِفَةُ الْآخِرَةِ وَهِيَ عَذَابٌ شَدِيدٌ لِمَنْ عَصَى وَمَغْفِرَةٌ وَرِضْوَانٌ لِمَنْ أَطَاعَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ .. إِلَخْ فَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا سَبَقَ أَيْ تَغُرُّ مَنْ ركَنَّ إِلَيْهَا وَأَمَّا التَّقِيُّ فَهِيَ لَهُ بَلَاغٌ إِلَى الْآخِرَةِ، وَلَمَّا أَوْرَدَ الْغَزَالِيُّ حَدِيثَ الْمُسْتَوْرِدِ فِي الْإِحْيَاءِ عَقَّبَهُ بِأَنْ قَالَ مَا مُلَخَّصُهُ: اعْلَمْ أَنَّ مَثَلَ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي غَفْلَتِهِمْ كَمَثَلِ قَوْمٍ رَكِبُوا سَفِينَةً فَانْتَهَوْا إِلَى جَزِيرَةٍ مُعْشِبَةٍ فَخَرَجُوا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَحَذَّرَهُمُ الْمَلَّاحُ مِنَ التَّأَخُّرِ فِيهَا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ وَحَذَّرَهُمْ أَنْ يُقْلِعَ بِالسَّفِينَةِ وَيَتْرُكَهُمْ فَبَادَرَ بَعْضُهُمْ فَرَجَعَ سَرِيعًا فَصَادَفَ أَحْسَنَ الْأَمْكِنَةِ وَأَوْسَعَهَا فَاسْتَقَرَّ فِيهِ وَانْقَسَمَ الْبَاقُونَ فِرَقًا: الْأُولَى: اسْتَغْرَقَتْ فِي النَّظَرِ إِلَى أَزْهَارِهَا الْمُونِقَةِ وَأَنْهَارِهَا الْمُطَّرِدَةِ وَثِمَارِهَا الطَّيِّبَةِ وَجَوَاهِرِهَا وَمَعَادِنهَا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَبَادَرَ إِلَى السَّفِينَةِ فَلَقِيَ مَكَانًا دُونَ الْأَوَّلِ فَنَجَا فِي الْجُمْلَةِ، الثَّانِيَةُ: كَالْأُولَى لَكِنَّهَا أَكَبَّتْ عَلَى تِلْكَ الْجَوَاهِرِ وَالثِّمَارِ وَالْأَزْهَارِ وَلَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ لِتَرْكِهَا فَحَمَلَ مِنْهَا مَا قَدَرَ عَلَيْهِ فَتَشَاغَلَ بِجَمْعِهِ وَحَمْلِهِ فَوَصَلَ إِلَى السَّفِينَةِ فَوَجَدَ مَكَانًا أَضْيَقَ مِنَ الْأَوَّلِ وَلَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِرَمْيِ مَا اسْتَصْحَبَهُ فَصَارَ مُثْقَلًا بِهِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ ذَبَلَتِ الْأَزْهَارُ وَيَبِسَتِ الثِّمَارُ وَهَاجَتِ الرِّيَاحُ فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ إِلْقَاءِ مَا اسْتَصْحَبَهُ حَتَّى نَجَا بِحُشَاشَةِ نَفْسِهِ، الثَّالِثَةُ: تَوَلَّجَتْ فِي الْغِيَاضِ وَغَفَلَتْ عَنْ وَصِيَّةِ الْمَلَّاحِ ثُمَّ سَمِعُوا نِدَاءَهُ بِالرَّحِيلِ فَمَرَّتْ فَوَجَدَتِ السَّفِينَةَ سَارَتْ فَبَقِيَتْ بِمَا اسْتَصْحَبَتْ فِي الْبَرِّ حَتَّى هَلَكَتْ، وَالرَّابِعَةُ: اشْتَدَّتْ

بِهَا الْغَفْلَةُ عَنْ سَمَاعِ النِّدَاءِ وَسَارَتِ السَّفِينَةُ فَتَقَسَّمُوا فِرَقًا، مِنْهُمْ مَنِ افْتَرَسَتْهُ السِّبَاعُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَاهَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى هَلَكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَاتَ جُوعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَشَتْهُ الْحَيَّاتُ. قَالَ: فَهَذَا مِثْلُ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي اشْتِغَالِهِمْ بِحُظُوظِهِمُ الْعَاجِلَةِ وَغَفْلَتِهِمْ عَنْ عَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ، ثُمَّ خَتَمَ بِأَنْ قَالَ: وَمَا أَقْبَحَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ بَصِيرٌ عَاقِلٌ أَنْ يَغْتَرَّ بِالْأَحْجَارِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْهَشِيمِ مِنَ الْأَزْهَارِ وَالثِّمَارِ وَهُوَ لَا يَصْحَبُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

٣ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.

٦٤١٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو المُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ) هَكَذَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ الْخَبَرِ إِشَارَةً إِلَى ثُبُوتِ رَفْعِ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ وَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا قَصَّرَ فِيهِ.

قَوْلُهُ (عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ) أَنْكَرَ الْعُقَيْلِيُّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهِيَ حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ وَقَالَ: إِنَّمَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ بِصِيغَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ، كَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ الْأَعْمَشِ عَنْهُ وَكَذَا

أَصْحَابُ الطُّفَاوِيِّ عَنْهُ، وَتَفَرَّدَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ بِالتَّصْرِيحِ قَالَ: وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْأَعْمَشُ مِنْ مُجَاهِدٍ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْهُ فَدَلَّسَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِالْعَنْعَنَةِ وَقَالَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ مَا سَأَلَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ إِلَّا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي رَوْضَةِ الْعُقَلَاءِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيِّ، عَنِ الطُّفَاوِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ أَيْضًا وَقَالَ مَكَثْتُ مُدَّةً أَظُنُّ أَنَّ الْأَعْمَشَ دَلَّسَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ لَيْثٍ حَتَّى رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ رَوَاهُ عَنِ الطُّفَاوِيِّ فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ يُشِيرُ إِلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الَّتِي فِي الْبَابِ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَلَيْثٌ، وَأَبُو يَحْيَى ضَعِيفَانِ، وَالْعُمْدَةُ عَلَى طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ؛ لِأَنَّ رُوَاتَهُ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ عَبْدَةَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ (أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَنْكِبِي) فِيهِ تَعْيِينُ مَا أُبْهِمَ فِي رِوَايَةِ لَيْثٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَخَذَ بِبَعْضِ جَسَدِي وَالْمَنْكِبُ بِكَسْرِ الْكَافِ مَجْمَعُ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ وَضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِالتَّثْنِيَةِ.

قَوْلُهُ (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى بَلْ فَشَبَّهَ النَّاسِكَ السَّالِكَ بِالْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ يَأْوِيهِ وَلَا مَسْكَنٌ يَسْكُنُهُ ثُمَّ تَرَقَّى وَأَضْرَبَ عَنْهُ إِلَى عَابِرِ السَّبِيلِ لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَسْكُنُ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ بِخِلَافِ عَابِرِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ لِبَلَدٍ شَاسِعٍ وَبَيْنَهُمَا أَوْدِيَةٌ مُرْدِيَةٌ وَمَفَاوِزُ مُهْلِكَةٌ وَقُطَّاعُ طَرِيقٍ فَإِنَّ مَنْ شَأْنَهُ أَنْ لَا يُقِيمَ لَحْظَةً وَلَا يَسْكُنَ لَمْحَةً وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرُ الصَّبَاحَ إِلَخْ، وَبِقَوْلِهِ وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ، وَالْمَعْنَى اسْتَمِرَّ سَائِرًا وَلَا تَفْتُرْ فَإِنَّكَ إِنْ قَصَّرْتَ انْقَطَعْتَ وَهَلَكْتَ فِي تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ وَهَذَا مَعْنَى الْمُشَبَّهِ بِهِ وَأَمَّا الْمُشَبَّهُ فَهُوَ قَوْلُهُ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ أَيْ أَنَّ الْعُمُرَ لَا يَخْلُو عَنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ، فَإِذَا كُنْتَ صَحِيحًا فَسِرْ سَيْرَ الْقَصْدِ وَزِدْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ قُوَّتِكَ مَا دَامَتْ فِيكَ قُوَّةٌ بِحَيْثُ يكُونُ مَا بِكَ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ قَائِمًا مَقَامَ مَا لَعَلَّهُ يُفَوِّتُ حَالَةَ الْمَرَضِ وَالضَّعْفِ، زَادَ عَبْدَةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَكُنْ فِي الدُّنْيَا الْحَدِيثَ، وَزَادَ لَيْثٌ فِي رِوَايَتِهِ: وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَكَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمَّا كَانَ الْغَرِيبُ قَلِيلَ الِانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ بَلْ هُوَ مُسْتَوْحِشٌ مِنْهُمْ إِذْ لَا يَكَادُ يَمُرُّ بِمَنْ يَعْرِفُهُ مُسْتَأْنِسٌ بِهِ، فَهُوَ ذَلِيلٌ فِي نَفْسِهِ خَائِفٌ وَكَذَلِكَ عَابِرُ السَّبِيلِ لَا يَنْفُذُ فِي

سَفَرِهِ إِلَّا بِقُوَّتِهِ عَلَيْهِ وَتَخْفِيفِهِ مِنَ الْأَثْقَالِ غَيْرَ مُتَثَبِّتٍ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ قَطْعِ سَفَرِهِ مَعَهُ زَادُهُ وَرَاحِلَتُهُ يُبَلِّغَانِهِ إِلَى بُغْيَتِهِ مِنْ قَصْدِهِ شَبَّهَهُ بِهِمَا وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى إِيثَارِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَأَخْذِ الْبُلْغَةِ مِنْهَا وَالْكَفَافِ فَكَمَا لَا يَحْتَاجُ الْمُسَافِرُ إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا يُبَلِّغُهُ إِلَى غَايَةِ سَفَرِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا يُبَلِّغُهُ الْمَحَلَّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْحَثِّ عَلَى الْفَرَاغِ عَنِ الدُّنْيَا وَالزُّهْدِ فِيهَا وَالِاحْتِقَارِ لَهَا وَالْقَنَاعَةِ فِيهَا بِالْبُلْغَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا تَتَّخِذْهَا وَطَنًا وَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْبَقَاءِ فِيهَا وَلَا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرِيبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَابِرُ السَّبِيلِ هُوَ الْمَارُّ عَلَى الطَّرِيقِ طَالِبًا وَطَنَهُ، فَالْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا كَعَبْدٍ أَرْسَلَهُ سَيِّدُهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ فَشَأْنُهُ أَنْ يُبَادِرَ بِفِعْلِ مَا أُرْسِلَ فِيهِ ثُمَّ يَعُودَ إِلَى وَطَنِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ أَنْ يُنَزِّلَ الْمُؤْمِنُ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا مَنْزِلَةَ الْغَرِيبِ فَلَا يَعْلَقُ قَلْبَهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَلَدِ الْغُرْبَةِ بَلْ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِوَطَنِهِ الَّذِي يَرْجِعُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(فِي سَبِيلِ اللهِ) شاملٌ للجهاد وغيره (أَوْ رَوْحَةٌ) للتَّنويع لا للشَّكِّ (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا).

(٣) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) سقط لأبي ذرٍّ «أو عابر سبيل».

٦٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو المُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ) بضم الطاء المهملة بعدها فاء فألف فواو فتحتية، نسبة إلى بني طفاوة أو موضع بالبصرة (عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ) سقط «سليمان» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبرٍ المفسِّر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ) سقط «عبد الله» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ بِمَنْكِبِي) بكسر الكاف والموحدة وتخفيف التَّحتية، مجمعُ العضد والكتف. قال في «الفتح»: وضُبِطَ في بعض الأصول: «بمنكبَيَّ» بلفظ التَّثنية (فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ) قَدِمَ بلدًا لا مسكنَ له فيها يؤويه، ولا سكنَ يسلِّيه، خالٍ عن الأهلِ والعيال والعلائق الَّتي هي سبب الاشتغال عن الخالق، ولمَّا شبَّه النَّاسك السَّالك بالغريب الَّذي ليس له مسكنٌ ترقَّى وأضربَ عنه بقوله: (أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) لأنَّ الغريب قد يسكنُ في بلاد الغربةِ ويقيم فيها، بخلاف عابر السَّبيل القاصد للبلد الشَّاسع، وبينه وبينها أوديةٌ مُرْدِيةٌ ومفاوز مهلكةٌ، وهو بمرصدٍ من قطَّاع الطَّريق، فهل له أن يُقيم لحظةً أو يسكن لمحةً، ومن ثمَّ عقَّبه بقوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) (يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ) أي: سِرْ دائمًا ولا تفتر عن السَّير ساعةً، فإنَّك

إن قصَّرت في السَّير انقطعتَ عن المقصودِ، وهلكتَ في تلك الأودية هذا معنى المُشبَّه به، وأمَّا المُشبَّه فهو قوله: (وَخُذْ مِنْ) زمن (صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ) وفي رواية ليثِ بن أبي سُلَيمٍ عن مجاهدٍ -عند أحمد والتِّرمذيِّ-: «لسَقَمِك» أي: سِر سيرك القصد في حال صحَّتك بل لا تقنعْ به، وزدْ عليه بقدر قوَّتك ما دامتْ فيك قوَّةٌ بحيث يكون ما بك (١) من تلك الزِّيادة قائمًا مقام ما لعلَّه يفوت حالَ المرض والضَّعف، أو اشتغل في الصِّحَّة بالطَّاعة بحيث لو حصلَ تقصيرٌ في المرضِ لانجبر بذلك، وفي قوله: (وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ) إشارةٌ إلى أخذِ نصيب الموت، وما يحصل فيه من الفتورِ من السَّقم، يعني: لا تقعد في المرض عن السَّير كلَّ القعود بل ما أمكنك منه، فاجتهدْ فيه حتَّى تنتهي إلى لقاءِ الله وما عندَه من الفلاح والنَّجاح، وإلَّا خِبتَ وخسرت، وزاد ليث: «فإنَّك لا تدرِي يا عبد الله ما اسمُك غدًا». أي: هل يُقال لك: شقيٌّ أم سعيدٌ؟ أو هل يُقال لك: حيٌّ أو ميِّتٌ؟ وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند الحاكمِ أنَّ النَّبيَّ قال لرجلٍ وهو يعظه: «اغتنِم خمسًا قبلَ خمسٍ: شبابَكَ قبلَ هرمِكَ، وصحَّتكَ قبلَ سقمِكَ، وغناكَ قبلَ فقركَ، وفراغكَ قبلَ شُغلكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ» فالعاقلُ إذا أمسىَ لا ينتظر الصَّباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظنُّ أنَّ أجلهُ يدركهُ قبل ذلك، فيعملُ ما يَلْقَى نفعَه بعد موته، ويبادرُ أيَّام صحَّته بالعملِ الصَّالح، فإنَّ المرض قد يطرأُ فيمنعُ من العملِ فيخشى على من فرَّط في ذلك أن يصلَ إلى المعاد بغير زادٍ، فمَن لم ينتهزِ الفرصة يندمْ، وما أحسن قول من قال:

إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا … فَإِنِّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ

وَلَا تَغْفُلْ عَنْ الإِحْسَانِ فِيْهَا … فَمَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ

إِذَا ظَفِرَتْ يَدَاكَ فَلَا تُقَصِّر … فَإِنَّ الدَّهْرَ عَادَتُهُ يَخُوْنُ (٢)

والحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ.

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (فِي الأَمَلِ وَطُوْلِهِ) بفتح الهمزة والميم، وهو الرَّجاء فيما تحبُّه النَّفس من طول عمرٍ، وزيادة غنًى. يقال: أَمَّلَ خيرَه يأمله أملًا، وكذلك التَّأميل، ومعناه قريبٌ من التَّمنِّي، وقيل: الفرق بينهما: أنَّ الأمل ما تقدَّم سببه والتَّمنِّي بخلافهِ، وقيل: الأملُ إرادةُ الشَّخص تحصيل شيءٍ يمكن (١) حصولهُ، فإذا فاته تمنَّاه، والرَّجاء تعليق القلب بمحبوبٍ؛ ليحصل في المستقبل، والفرقُ بين الرَّجاء والتَّمنِّي؛ أنَّ التَّمنِّي يورثُ صاحبه (٢) الكسلَ، ولا يسلك طريق الجهدِ والجدِّ، وبعكسه صاحب الرَّجاء، فالرَّجاء محمودٌ، والتَّمنِّي معلولٌ كالأمل إلَّا للعالم في العلمِ، فلولا طولُ أملهِ ما صنَّف ولا ألَّف، وفي الأملِ سرٌّ لطيفٌ؛ لأنَّه لولا الأملُ ما تهنَّى أحدٌ بعيشٍ ولا طابتْ نفسُه أن يشرعَ في عملٍ من أعمالِ الدُّنيا، وإنَّما المذمومُ منه الاسترسالُ فيه، وعدمُ الاستعداد لأمرِ الآخرة.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «وقوله تعالى»: (﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾) بَعُدَ (﴿عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾) ظفرَ بالخيرِ، وقيل: فقد حصلَ له الفوزُ المُطلق، وقيل: الفوزُ نيلُ المحبوب، والبعدُ عن المكروهِ (﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]) المتاعُ ما يتمتعُ به وينتفعُ، والغرورُ يجوزُ أن يكون مصدرًا من قولكَ: غررت فلانًا غرورًا، شبَّه الدُّنيا بالمتاعِ الَّذي يُدَلَّسُ به على المستامِ ويُغَرُّ حتَّى يشتريهِ، ثمَّ يتبيَّن له فسادهُ ورداءتهُ، والشَّيطان هو المُدلِّس الغَرور، وقرأ عبدُ الله بفتح الغين، وفسّر بالشَّيطان، ويجوز أن يكون فعولًا بمعنى مفعول، أي: متاعُ المَغْرور، أي: المخدُوع، وأصل الغَرَر (٣): الخَدْع. قال سعيدُ بن جبيرٍ: هذا في حقِّ من آثرَ الدُّنيا على الآخرة، وأمَّا من طلبَ متاع الدُّنيا للآخرة فإنَّها نِعْمَ المتاع. وعن الحسنِ: كخضرةِ النَّبات ولعب البنات لا حاصلَ لها، فينبغي للإنسان أنْ يأخذَ من هذا المتاع بطاعةِ الله تعالى ما استطاع (بِمُزَحْزِحِهِ) أي:

(بِمُبَاعِدِهِ) بكسر العين، يعني: أنَّ معنى قوله: ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ (١) بُوعِدَ، وأصل الزَّحزحة: الإزالة، ومن أزيلَ عن شيءٍ فقد بُوْعِدَ منه، وهذا ثابتٌ هنا لأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾» إلى آخر قوله «﴿الْغُرُورِ﴾».

(وقَوْلِهِ) تعالى: (﴿ذَرْهُمْ﴾) أمرُ إهانةٍ، أي: اقطَعْ طمعَك من ارعوائهم، وَدَعْ عنك (٢) النَّهي عمَّا هم عليه بالتَّذكرة والنَّصيحة وخلِّهم (﴿يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾) بدُنياهم فهي خلاقهم، ولا خَلاق لهم في الآخرة (﴿وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾) يشغلُهم الأملُ عن الأخذِ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]) إذا وردوا القيامةَ وذَاقوا وبالَ صنيعِهم، وفيه تنبيهٌ على أنَّ إيثار التَّلذُّذ والتَّنعُّم وما يؤدِّي إليه طولُ الأمل ليسَ من أخلاقَ المؤمنين، وهذا تهديدٌ ووعيدٌ، وقال بعضُ العلماء: ﴿ذَرْهُمْ﴾ تهديدٌ، و ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: تهديدٌ آخر، فمتى يهنأ العيشُ بين تهديدين، والآية نسختها آية القتال، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿وَيَتَمَتَّعُواْ﴾: «الآية».

(وَقَالَ عَلِيٌّ) من قوله موقوفًا، ولأبي ذرٍّ: «عليُّ بن أبي طالبٍ»: (ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا) حال كونها (مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ (٣) الآخِرَةُ) حالَ كونها (مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) من الآخرةِ والدُّنيا، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «منها» (بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ) قال في «الكواكب»: فإن قلتَ: اليوم ليس عملًا بل فيه العملُ، ولا يمكن تقدير «في» وإلَّا وجبَ نصب «عملٍ»؟ وأجاب بأنَّه جعلهُ نفس العمل مبالغةً كقولهم: أبو حنيفة فقهٌ، ونهاره صائمٌ (وَلَا حِسَابَ) فيه (وَغَدًا حِسَابٌ) بالرَّفع (وَلَا عَمَلَ) فيه، أي: فإنَّه على أنَّ اسمَ «إنَّ» ضمير شأن (٤) حذفَ، وهو عندَهم قليلٌ، أو هو على حذفِ مضافٍ إمَّا من

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث من حَيْثُ إِن قدر مَوضِع سَوط إِذا كَانَ خيرا من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا تكون الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَة كلا شَيْء كَمَا ذَكرْنَاهُ.

وَعبد الْعَزِيز يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار عَن سهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ رَضِي الله عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى.

قَوْله: (ولغدوة) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (فِي سَبِيل الله) أَعم من الْجِهَاد. قَوْله: (أَو رَوْحَة) ، كلمة: أَو: للتنويع لَا لشك الرَّاوِي.

٣ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كُنْ فِي الدُّنْيا كأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عابِرُ سَبِيلٍ))

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كن فِي الدُّنْيَا)

إِلَى آخِره، وَهَذِه تَرْجَمَة بِبَعْض حَدِيث الْبَاب. قيل: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن حَدِيث الْبَاب مَرْفُوع، وَأَن من رَوَاهُ مَوْقُوفا قصر فِيهِ.

٤ - (بابٌ فِي الأمَلِ وطُولِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْهَاء الأمل عَن الْعَمَل، والأمل مَذْمُوم لجَمِيع النَّاس إلَاّ الْعلمَاء فلولا أملهم وَطوله لما صنفوا وَلما ألفوا، وَقد نبه عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ بقوله:

(وآمال الرِّجَال لَهُم فضوح ... سوى أمل المُصَنّف ذِي الْعُلُوم)

وَالْفرق بَين الأمل وَالتَّمَنِّي أَن الأمل مَا يقوم بِسَبَب وَالتَّمَنِّي بِخِلَافِهِ، وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: إِن الْإِنْسَان لَا يَنْفَكّ عَن الأمل فَإِن فَاتَهُ الأمل عول على التَّمَنِّي وَقيل: كَثْرَة التَّمَنِّي تخلق الْعقل وتفسد الدّين وتطرد القناعة، وَقَالَ الشَّاعِر:

(الله أصدق والآمال كَاذِبَة ... وَجل هَذَا المنى فِي الصَّدْر وسواس)

وَقَوْلِ الله تَعَالَى: { (٣) فَمن زحزح عَن النَّار وادخل الْجنَّة. . مَتَاع الْغرُور} (آل عمرَان: ٥٨١) . إِلَى قَوْله: {ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فَسَوف يعلمُونَ} (الْحجر: ٣) .

هَاتَانِ الْآيَتَانِ: الأولى: مسوقة بِتَمَامِهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ هَكَذَا: {فَمن زحزح عَن النَّار وادخل الْجنَّة فقد فَازَ} الْآيَة. وَالثَّانيَِة: فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا مسوقة. إِلَى آخرهَا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا {ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا} ... الْآيَة وَبَين الْآيَتَيْنِ سقط لفظ: قَوْله، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه مُنَاسبَة الْآيَة الأولى بالترجمة صدرها وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {كل نفس ذائقة الْمَوْت} أَو عجزها وَهُوَ {وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا الامتاع الْغرُور} وَهَذَا يبين أَن مُتَعَلق الأمل لَيْسَ بِشَيْء قَوْله: {فَمن زحزح} أَي: أبعد قَوْله: {فَازَ} أَي: نجا. قَوْله: {ذرهم} الْأَمر فِيهِ للتهديد أَي: ذَر الْمُشْركين يَا مُحَمَّد يَأْكُلُوا فِي هَذِه الدُّنْيَا ويتمتعوا من لذاتها إِلَى أَجلهم الَّذِي أجل لَهُم، وَفِيه زجر عَن الانهماك فِي ملاذ الدُّنْيَا. قَوْله: {ويلههم الأمل} أَي: يشغلهم عَن عمل الْآخِرَة.

وَقَالَ عَلِيٌّ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيا مُدْبِرَةً وارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَة ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُما بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أبْناءِ الآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أبْناءِ الدُّنْيا، فإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسابَ، وغَداً حِسابٌ وَلَا عَمَلَ.

أَي: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، وَهَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ، ومطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من أَوله لِأَن الدُّنْيَا لما كَانَت مُدبرَة فالأمل فِيهَا مَذْمُوم، وَمن كَلَام عَليّ هَذَا أَخذ بعض الْحُكَمَاء قَوْله: الدُّنْيَا مُدبرَة وَالْآخِرَة مقبلة فَعجب لمن يقبل على الْمُدبرَة وَيُدبر عَن الْمُقبلَة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : روينَا فِي كتاب أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي، رَحمَه الله قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (صَلَاح أول هَذِه الْأمة بالزهد وَالْيَقِين وَيهْلك آخرهَا بالبخل والأمل) قلت: روى هَذَا الحَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَفعه، أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا، وَأثر عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه ابْن الْمُبَارك فِي (رقائقه) وَرَوَاهُ نعيم بن حَمَّاد عَن سُلَيْمَان ابْن خَلاد: حَدثنَا سُفْيَان عَن زبيد اليامي عَن مهَاجر الطَّبَرِيّ عَنهُ. قَوْله: (فَإِن الْيَوْم عمل) ، قيل الْيَوْم لَيْسَ عملا بل فِيهِ الْعَمَل وَلَا يُمكن تَقْدِير: فِي وإلَاّ وَجب نصب عمل. وَأجِيب: بِأَنَّهُ جعله نفس الْعَمَل مُبَالغَة كَقَوْلِهِم: أَبُو حنيفَة فقه ونهاره صَائِم. قَوْله: (وَلَا حِسَاب) بِالْفَتْح أَي: لَا حِسَاب فِيهِ. وَيجوز بِالرَّفْع أَي: لَيْسَ فِي الْيَوْم حِسَاب، وَمثله شَاذ عِنْد النُّحَاة، وَهَذَا حجَّة عَلَيْهِم.

٧١٤٦ - حدّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخبرنَا يَحْيَى عنْ سُفْيانَ قَالَ: حدّثني أبي عنْ مُنذرٍ عنْ رَبِيعِ بنِ خُثَيْمٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: خَط النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطا مُرَبَّعاً، وخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خارِجاً منْهُ، وخَطَّ خُطُطاً صِغاراً إِلَى هاذا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جانبِهِ الّذِي فِي الوَسَطِ، وَقَالَ: (هاذَا الإنْسانُ وهاذَا أجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ أَو: قَدْ أحاطَ بِهِ: وهاذَا الذِي هُوَ خارِجٌ أمَلُهُ وهاذِهِ الخَطُطُ الصِّغَارُ الأعْرَاضُ، فإنْ أخْطأهُ هاذَا نَهَشَهُ هاذَا وإنْ أخْطأهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مِثَال أمل الْإِنْسَان وأجله والأعراض الَّتِي تعرض عَلَيْهِ وَمَوته عِنْد وَاحِد مِنْهَا، فَإِن سلم مِنْهَا فيأتيه الْمَوْت عِنْد انْقِضَاء أَجله.

ويحيي هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ يروي عَن أَبِيه سعيد بن مَسْرُوق، وَسَعِيد بن مَسْرُوق، وَسَعِيد يروي عَن مُنْذر على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار ابْن يعلى على وزن يرضى بِفَتْح الْيَاء الثَّوْريّ الْكُوفِي يروي عَن ربيع بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن خثيم بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالميم الثَّوْريّ أَيْضا.

وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة ثوريون كوفيون، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن ابْن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرقَاق عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19 / 29.5
الإضاءة 81%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا إله إلا الله