«إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٩٢

الحديث رقم ٦٤٩٢ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يتقى من محقرات الذنوب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من…

«إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا نَعُدُّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ الْمُوبِقَاتِ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ.

سند حديث: ٦٤٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ…

٦٤٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من…

خاطب الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه جماعة من المتساهلين في الأعمال قائلا: إنكم تستهينون ببعض المعاصي لعدم نَظَرِكم إلى عظم المعصي بها، فهي عندكم صغيرة جدا، أما عند الصحابة فكانوا يعدونها من المهلكات لعظم من يعصونه، ولشدة خوفهم ومراقبتهم ومحاسبتهم لأنفسهم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الاستخفاف بالذنب يدل على قلة الخشية من الله تعالى، على العكس من استعظامه؛ فإنه يدل على كمال الخشية وعظيم المراقبة لله تعالى.
  • أعلم الناس بالله تعالى بعد الأنبياء وأكملهم ورعا وأشدهم خشية هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، فلقد كانوا يرون الأمور التي استهان بها غيرهم من المهلكات؛ لعظم شهودهم جلال الله وكمال معرفتهم له.
  • التحذير من ركون المرء إلى أعماله فيعجب بها ويستخف بالمعاصي، فإن محقرات الذنوب تحيط به، فيلقى الله ولا يقدر على الفكاك منها فتوبقه وتهلكه.
  • فهم الصحابة لكتاب الله وسنة رسوله صلى اللله عليه وسلم هو المعتبر؛ لأنه سبيل المؤمنين، فمن سار على نهجهم نجا، ومن حاد هلك وأهلك.

درجة الحديث: صحيح وهو موقوف هلى أنس بن مالك

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِثْلَهَا﴾ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَمَالِيهِ: فَائِدَةُ التَّأْكِيدِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ إِذَا عَمِلَ السَّيِّئَةَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةُ الْعَمَلِ وَأُضِيفَتْ إِلَيْهَا سَيِّئَةُ الْهَمِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّمَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدِ اسْتَثْنَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وُقُوعَ الْمَعْصِيَةِ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ.

قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: هَلْ وَرَدَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّيِّئَةَ تُكْتَبُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا، مَا سَمِعْتُ إِلَّا بِمَكَّةَ لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ لَكِنْ قَدْ يَتَفَاوَتُ بِالْعِظَمِ وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ لِأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ تَعْظِيمًا لِحَقِّ النَّبِيِّ لِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْ نِسَائِهِ يَقْتَضِي أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْفَاحِشَةِ وَهُوَ أَذَى النَّبِيِّ وَزَادَ مُسْلِمٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَوْ يَمْحُوهَا: وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ أَيْ مَنْ أَصَرَّ عَلَى التَّجَرِّي عَلَى السَّيِّئَةِ عَزْمًا وَقَوْلًا وَفِعْلًا وَأَعْرَضَ عَنِ الْحَسَنَاتِ هَمًّا وَقَوْلًا وَفِعْلًا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضْلِ اللَّهِ الْعَظِيمِ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ، لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ كَادَ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ، لِأَنَّ عَمَلَ الْعِبَادِ لِلسَّيِّئَاتِ أَكْثَرُ مِنْ عَمَلِهِمُ الْحَسَنَاتِ ; وَيُؤَيِّدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ مِنَ الْإِثَابَةِ عَلَى الْهَمِّ بِالْحَسَنَةِ وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْهَمِّ بِالسَّيِّئَةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ إِذْ ذَكَرَ فِي السُّوءِ الِافْتِعَالَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْمُعَالَجَةِ وَالتَّكَلُّفِ فِيهِ بِخِلَافِ الْحَسَنَةِ، وَفِيهِ مَا يَتَرَتَّبُ لِلْعَبْدِ عَلَى هِجْرَانِ لَذَّتِهِ وَتَرْكِ شَهْوَتِهِ مِنْ أَجْلِ رَبِّهِ رَغْبَةً فِي ثَوَابِهِ وَرَهْبَةً مِنْ عِقَابِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَفَظَةَ لَا تَكْتُبُ الْمُبَاحَ لِلتَّقْيِيدِ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ

بِأَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ عَدَّ الْمُبَاحَ مِنَ الْحَسَنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ الْمُبَاحُ وَلَوْ سُمِّيَ حَسَنًا كَذَلِكَ.

نَعَمْ قَدْ يُكْتَبُ حَسَنَةً بِالنِّيَّةِ وَلَيْسَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ حِفْظِ اللِّسَانِ قَرِيبًا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ جَعَلَ الْعَدْلَ فِي السَّيِّئَةِ وَالْفَضْلَ فِي الْحَسَنَةِ، فَضَاعَفَ الْحَسَنَةَ وَلَمْ يُضَاعِفِ السَّيِّئَةَ، بَلْ أَضَافَ فِيهَا إِلَى الْعَدْلِ الْفَضْلَ فَأَدَارَهَا بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعَفْوِ بِقَوْلِهِ: كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةٌ أَوْ يَمْحُوهَا وَبِقَوْلِهِ فَجَزَاؤُهُ بِمِثْلِهَا أَوْ أَغْفِرُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْكَعْبِيِّ فِي زَعْمِهِ أَنْ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ مُبَاحٌ بَلِ الْفَاعِلُ إِمَّا عَاصٍ وَإِمَّا مُثَابٌ، فَمَنِ اشْتَغَلَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُثَابٌ، وَتَعَقَّبُوهُ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي يُثَابُ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ بِتَرْكِهَا رِضَا اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ يَلْزَمهُ أَنَّ الزَّانِيَ مَثَلًا مُثَابٌ لِاشْتِغَالِهِ بِالزِّنَا عَنْ مَعْصِيَةٍ أُخْرَى وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.

٣٢ - بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ

٦٤٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ مِنْ الْمُوبِقَاتِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ) التَّعْبِيرُ بِالْمُحَقَّرَاتِ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَفَعَهُ إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى جَمَعُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذُ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكُهُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَنَحْوُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

قَوْلُهُ: مَهْدِيٌّ هُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، وَغَيْلَانُ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ وَزْنَ عَجْلَانَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣٢) (بابُ مَا يُتَّقَى) بضم أوله وفتح ثالثه، أي: ما يُجتنَب (مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ) بفتح القاف المشددة، وهي الَّتي يحتقرها فاعلُها.

٦٤٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدال المهملة بعدها تحتية مشددة، ابن ميمونٍ الأزديُّ (عَنْ غَيْلَانَ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية بوزن عجلان. قال في «المقدِّمة»: هو ابنُ جريرٍ. وقال في «الفتح»: هو ابن جامعٍ، والسَّند كلُّه بصريُّون. انتهى.

وما في «المقدِّمة» هو الصَّواب، فإنَّ ابن جامعٍ وهو المحاربيُّ كوفيٌّ قاضيها، يروي عن قتادةَ وسماك وابن جريرٍ، وهو الأزديُّ المِعْوَليُّ بصريٌّ، يروي (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ) بلام التَّأكيد (أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ) بفتح الهمزة والدال المهملة وتشديد القاف، أفعلُ تفضيل من الدِّقة، بكسر الدال المهملة (١)، أي: أحقرُ وأهونُ (فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ) بفتح المعجمة والمهملة (إِنْ كُنَّا نَعُدُّ) «إن» مخفَّفة من الثَّقيلة، وحذف الضَّمير من «نعدُّ» واللام، وهو رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي. قال ابن مالكٍ (٢): جاز استعمال «إن» المخفَّفة بدون اللَّام الفارقة بينها وبين النَّافية (٣) عند الأمن من الالتباس، وللكُشميهنيِّ: «نعدُّها» أي: الأعمال، ولغيرهِ كما قال في «الفتح»: إنَّه للأكثر: «لنعدُّها» (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) أي: زمنه وأيَّامه، ولأبي ذرٍّ: «على عهدِ رسولِ الله» ( المُوبِقَاتِ) بموحدةٍ وقاف، وللكُشميهنيِّ: «من الموبقات».

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (يَعْنِي بِذَلِكَ) أي: بالموبقات (المُهْلِكَاتِ) بكسر اللام، وسقط

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَإِن هم العَبْد بِالْحَسَنَة فعملها قَوْله: (عشر حَسَنَات) قَالَ عز وَجل: {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا} (الْأَنْعَام: ٠٦١) قَوْله: (إِلَى سَبْعمِائة ضعف) أَي: مثل، والضعف يُطلق على الْمثل وعَلى المثلين، قَالَ الله تَعَالَى: {مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم} (الْبَقَرَة: ١٦٢ و ٥٦٢) الْآيَة قَوْله: (إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة) قَالَ الله تَعَالَى: {وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء} (الْبَقَرَة: ١٦٢) . قيل: لما كَانَ الْهم بِالْحَسَنَة مُعْتَبرا بِاعْتِبَار أَنه فعل الْقلب لزم أَن يكون بِالسَّيِّئَةِ أَيْضا كَذَلِك. وَأجِيب: بِأَن هَذَا من فضل الله على عباده حَيْثُ عَفا عَنْهُم، وَلَوْلَا هَذَا الْفضل الْعَظِيم لم يدْخل أحد الْجنَّة لِأَن السَّيِّئَات من الْعباد أَكثر من الْحَسَنَات، فلطف الله عز وَجل بعباده بِأَن ضاعف لَهُم الْحَسَنَات دون السَّيِّئَات. قيل: إِذا هم العَبْد بِالسَّيِّئَةِ وَلم يعْمل بهَا فغايته أَن لَا تكْتب لَهُ سَيِّئَة فَمن أَيْن أَن تكْتب لَهُ حَسَنَة؟ وَأجِيب: بِأَن الْكَفّ عَن الشَّرّ حَسَنَة. قيل: اتّفق الْعلمَاء على أَن الشَّخْص إِذا عزم على ترك صَلَاة بعد عشْرين سنة عصى فِي الْحَال؟ وَأجِيب: بِأَن الْعَزْم وَهُوَ توطين النَّفس على فعله غير الْهم الَّذِي هُوَ تحديث النَّفس من غير اسْتِقْرَار، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِذا حدث العَبْد نَفسه بالمعصية لم يُؤَاخذ، فَإِذا عزم فقد خرج عَن تحديث النَّفس فَيصير من أَعمال الْقلب، فَإِن عقد النِّيَّة على الْفِعْل فحينئذٍ يَأْثَم، وَبَيَان الْفرق بَين الْهم والعزم أَنه لَو حدث نَفسه فِي الصَّلَاة وَهُوَ فِيهَا بقطعها لم تَنْقَطِع، فَإِذا عزم حكمنَا بقطعها.

ثمَّ إعلم أَن حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا مَعْنَاهُ الْخُصُوص لمن همَّ بسيئة فَتَركهَا لوجه الله تَعَالَى، وَأما من تَركهَا مكْرها على تَركهَا بِأَن يُحَال بَينه وَبَينهَا فَلَا تكْتب لَهُ حَسَنَة، فَلَا يدْخل فِي نَص الحَدِيث. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَفِي هَذَا الحَدِيث تَصْحِيح مقَالَة من يَقُول: إِن الْحفظَة تكْتب مَا يهم بِهِ العَبْد من حَسَنَة أَو سَيِّئَة، وَتعلم اعْتِقَاده كَذَلِك، ورد مقَالَة من زعم أَن الْحفظَة لَا تكْتب إلَاّ مَا ظهر من عمل العَبْد وَتسمع. فَإِن قيل: الْملك لَا يعلم الْغَيْب فَكيف يعلم بهم العَبْد؟ قيل لَهُ: قد جَاءَ فِي الحَدِيث أَنه اذا هم بحسنة فاحت مِنْهُ رَائِحَة طيبَة، وَإِذا هم بسيئة فاحت مِنْهُ رَائِحَة كريهة.

قلت: هَذَا الحَدِيث أخرجه الطَّبَرِيّ عَن أبي معشر الْمدنِي، وَسَيَأْتِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي التَّوْحِيد بِلَفْظ: (إِذا اراد عَبدِي أَن يعْمل سَيِّئَة فَلَا تكتبوها عَلَيْهِ حَتَّى يعملها) .

وَفِيه: دَلِيل على أَن الْملك يطلع على مَا فِي الْآدَمِيّ إِمَّا باطلاع الله إِيَّاه، وَإِمَّا بِأَن يخلق الله لَهُ علما يدْرك بِهِ ذَلِك.

٢٣ - (بابُ مَا يُتَّقى مِنْ مُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يتقى أَي: مَا يجْتَنب من محقرات الذُّنُوب، وَجَاء هَذَا اللَّفْظ فِي حَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهَا: (يَا عَائِشَة! إياك ومحقرات الذُّنُوب فَإِن لَهَا من الله طَالبا) . وَصَححهُ ابْن حبَان، والمحقرات جمع محقرة وَهِي الذُّنُوب الَّتِي يحتقرها فاعلها.

٢٩٤٦ - حدّثنا أبُو الوَلِيد حدّثنا مَهْدِيُّ عنْ غَيْلانَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أعْمالاً هِيَ أدَقُّ فِي أعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ إنْ كُنَّا نَعدُّ عَلى عَهْدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المُوبِقاتِ.

قَالَ أبُو عَبْدِ الله: يَعْنِي بِذالِكَ المُهْلِكاتِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، ومهدي هُوَ ابْن مَيْمُون الْأَزْدِيّ، وغيلان بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن جرير، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ غيلَان بن جَامع، وَهُوَ غلط صَرِيح لِأَن غيلَان بن جرير من أهل الْبَصْرَة، وغيلان بن جَامع كُوفِي قَاضِي الْكُوفَة.

وَرِجَال السَّنَد كلهم بصريون. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (لتعملون) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (هِيَ أدق) أفعل التَّفْضِيل من الدقة بِكَسْر الدَّال، وَأَرَادَ بِهِ أَنهم كَانُوا يحقرونها ويهونونها. قَوْله: (إِن كُنَّا تعدها) إِن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، وَجَاز اسْتِعْمَالهَا بِدُونِ اللَّام الفارقة بَينهَا وَبَين النافية عِنْد الْأَمْن من الالتباس، وتعدها، بِدُونِ اللَّام فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَعند الْأَكْثَرين: لنعدها، بلام التَّأْكِيد وَأَيْضًا بالضمير وَعِنْدَهُمَا بِحَذْف الضَّمِير أَيْضا، وَلَفْظهمَا: إِن كُنَّا نعد. قَوْله: (على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: فِي زَمَنه وأيامه. قَوْله: (الموبقات)

أَي: المهلكات هَكَذَا فسره البُخَارِيّ على مَا يَجِيء الْآن، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: من الموبقات، وَسُقُوط كلمة: من، فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي.

قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، (يَعْنِي بذلك) أَي بِلَفْظ الموبقات يَعْنِي أَرَادَ بهَا: المهلكات، وَهِي جمع موبقة أَي: مهلكة، وثلاثيه: وبق يبْق فَهُوَ وبق إِذا هلك، وأوبقه غَيره فَهُوَ موبق، فالفاعل بِكَسْر الْبَاء وَالْمَفْعُول بِفَتْحِهَا وَمعنى الحَدِيث رَاجع إِلَى قَوْله عز وَجل: {وتحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم} (النُّور: ٥١) وَكَانَت الصَّحَابَة يعدون الصَّغَائِر من الموبقات لشدَّة خشيتهم لله وَلم تكن لَهُم كَبَائِر، والمحقرات، إِذا كثرت صَارَت كَبَائِر للإصرار عَلَيْهَا.

٣٣ - (بابٌ الأعْمالُ بِالخَواتِيمِ وَمَا يخافُ مِنْها)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ الْأَعْمَال بالخواتيم أَي: بالعواقب، وَهُوَ جمع خَاتِمَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : يُقَال: خَاتم بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا، وعد اللُّغَات السِّت الَّتِي فِيهِ ثمَّ قَالَ: وَالْجمع الخواتيم.

قلت: هَذَا تصرف عَجِيب فَإِنَّهُ ظن أَن الخواتيم هُنَا جمع الْخَاتم الَّذِي يلبس، وَلَيْسَ لهَذَا هُنَا دخل، وَإِنَّمَا المُرَاد بالخواتيم الْأَعْمَال الَّتِي يخْتم بهَا عمل الرجل عِنْد مَوته.

٣٩٤٦ - حدّثنا عَلِيُّ بن عَيَّاشٍ حدّثنا أبُو غَسَّانَ قَالَ: حدّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: نَظَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى رَجلٍ يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ، وكانَ مِنْ أعْظَمِ المُسْلِمِينَ غَناءً عَنْهُمْ، فَقَالَ: (مَنْ أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظرْ إِلَى هاذا) فَتَبَعهُ رَجُلٌ فَلَمْ يَزَلْ عَلى ذالِكَ حتَّى جُرِحَ فاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، وَقَالَ بِذُبابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْه، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيما يَرى النَّاسُ عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ وإنهُ لِمَنْ أهْلِ النَّارِ، ويَعْمَلُ فِيمَا يَرى النَّاسُ عَمَلَ أهْلِ النَّارِ وهْوَ مِنْ أهْلِ الجنةِ، وإنَّما الأعْمالُ بِخَواتِيمها) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَعلي بن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة الْأَلْهَانِي بالنُّون الْحِمصِي، وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة مُحَمَّد بن مطرف، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة ابْن دِينَار.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد مطولا فِي: بَاب لَا يُقَال: فلَان شَهِيد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة عَن يَعْقُوب بن عبد الرحمان عَن أبي حَازِم ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. وَمضى أَيْضا فِي الْمَغَازِي، وَسَيَأْتِي فِي الْقدر أَيْضا.

قَوْله: (إِلَى رجل) اسْمه قزمان بِضَم الْقَاف وبالزاي ... قَوْله: (غناء) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالمد يُقَال: غنى عَن فلَان غناء نَاب عَنهُ، وأجرى مجْرَاه. قَوْله: (وَقَالَ بذبابة سَيْفه) يَعْنِي: طعن بذبابة سَيْفه، وَهُوَ حَده وطرفه بَين ثدييه، وَقد تقدم فِيمَا مضى: بنصل سَيْفه، فَلَا مُنَافَاة لِإِمْكَان الْجمع بَينهمَا. قَوْله: (فتحامل عَلَيْهِ) أَي: اتكأ عَلَيْهِ بقوته.

٤٣ - (بابٌ العُزْلَةُ راحَةٌ مِنْ خُلَاّطِ السُّوءِ)

أَي: هَذَا بَاب مترجم بترجمة هِيَ الْعُزْلَة أَي: الاعتزال والانفراد رَاحَة من خلاط السوء بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام جمع خليط وَهُوَ جمع غَرِيب وخليط الرجل الَّذِي يخالطه ويعاشره يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع وَيجمع الخليط أَيْضا على خالط بِضَمَّتَيْنِ، ذكره الصغاني فِي اللّبَاب، وَقَالَ بَعضهم: ذكره الْكرْمَانِي بِلَفْظ: خلط بِغَيْر ألف، يَعْنِي مثل مَا ذكره الصغاني.

قلت: لم يذكر الْكرْمَانِي هَكَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ: خلاط بِضَم الْخَاء وَتَشْديد اللَّام جمع خليط وبكسرها وَالتَّخْفِيف مصدر أَي: المخالطة، هَذَا الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي وَلم يرد بقوله: وبكسرها ... إِلَى آخِره أَنه التَّرْجَمَة، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا لزِيَادَة الْفَائِدَة، على أَنه يجوز أَن يكون أَشَارَ بِهِ إِلَى جَوَاز الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْله: من خلاط السوء. أَحدهمَا: أَن يكون جمعا وَالْآخر: إِن يكون مصدرا من خالط يخالط مُخَالطَة وخلاطاً. قَوْله: (رَاحَة، أَصله رَوْحَة قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، قَالَ الْجَوْهَرِي: الرّوح والراحة من الاسْتِرَاحَة وَهُوَ سُكُون النَّفس مَعَ سَعَة من غير تنكد بِشَيْء، وَهَذِه مَادَّة وَاسِعَة تسْتَعْمل لمعان كَثِيرَة.

وَفِي الْعُزْلَة عَن النَّاس فَوَائِد كَثِيرَة وأقلها الْبعد من شرِّهم وَقد قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: وجدت النَّاس أكبر ثقلة، وروى ابْن الْمُبَارك: أخبرنَا

شُعْبَة عَن حبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن حَفْص بن عَاصِم: أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: خُذُوا حظكم من الْعُزْلَة، وَفِي رِوَايَة قَالَ عمر: الْعُزْلَة رَاحَة من خليط السوء، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: أَلا أخْبركُم بِخَير النَّاس منزلا؟ قُلْنَا: بلَى يَا رَسُول الله {قَالَ: رجل أَخذ بعنان فرسه فِي سَبِيل الله} وأخبركم بِالَّذِي يَلِيهِ؟ رجل معتزل فِي شعب يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة، ثمَّ قَالَ: فَإِن قَالَ قَائِل: أَيْن مَا روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من قَوْله: الْمُسلم الَّذِي يخالط النَّاس ويصبر على أذاهم خير من الْمُسلم الَّذِي لَا يخالط النَّاس وَلَا يصبر على أذاهم؟ وَيُجَاب بِأَنَّهُ لَا تضَاد بَينهمَا لِأَن قَوْله: رجل أَخذ بعنان فرسه، خرج مخرج الْعُمُوم، وَالْمرَاد بِهِ الْخُصُوص فَالْمَعْنى فِيهِ أَنه من خير النَّاس، كَمَا ذكره غَيره بِمثل ذَلِك، فَقَالَ: خير النَّاس من طَال عمره وَحسن عمله، أَو يكون المُرَاد بتفضيله فِي وَقت من الْأَوْقَات لَا فِي كل الْأَوْقَات.

٤٩٤٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدثنِي عَطاءُ بنُ يَزِيدَ أنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ: حَدثنَا الأوْزاعِيُّ حَدثنَا الزُّهْرِيُّ عنْ عَطاءٍ ابنِ يَزِيدَ اللّيْثِيِّ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رسولَ الله! أيُّ الناسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (رَجلٌ جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ورَجْلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشّعابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ ويَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) . (انْظُر الحَدِيث ٦٨٧٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَرجل فِي شعب)

إِلَى آخِره.

وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَعَطَاء بن يزِيد من الزِّيَادَة وَاسم أبي سعيد سعد بن مَالك، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن.

والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل الْجِهَاد فِي: بَاب أفضل النَّاس مُؤمن مُجَاهِد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان ... إِلَى آخِره.

قَوْله: (وَقَالَ مُحَمَّد بن يُوسُف) هُوَ الْفرْيَابِيّ قرنه هُنَا بِرِوَايَة أبي الْيَمَان وأفرد أَبَا الْيَمَان فِي الْجِهَاد، وَرَوَاهُ مُسلم عَن عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف. قَوْله: (أَعْرَابِي) لم يدر اسْمه. قَوْله: (أَي النَّاس خير؟) وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة بِلَفْظ: أفضل. قَوْله: (رجل جَاهد) أَي: خير النَّاس رجل جَاهد، وَلَا يُعَارضهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه) ، وَمثل ذَلِك، لِأَن اخْتِلَاف هَذَا بِحَسب اخْتِلَاف الْأَوْقَات والأقوام وَالْأَحْوَال. قَوْله: (فِي شعب) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة: الطَّرِيق فِي الْجَبَل ومسيل المَاء وَمَا انفرج بَين الجبلين. قَوْله: (ويدع) أَي: يتْرك.

تابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ وسُلَيْمانُ بنُ كَثِيرٍ والنُّعْمانُ عنِ الزُّهْرِيِّ

أَي: تَابع شعيباً فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ الزبيدِيّ، وَكَذَا تَابع الْأَوْزَاعِيّ فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ، والزبيدي هُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد السَّامِي نِسْبَة إِلَى زبيد بِضَم الزاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ مُنَبّه بن صَعب وَهُوَ زبيد الْأَكْبَر، وَإِلَيْهِ يرجع قبائل زبيد، وروى مُتَابَعَته مُسلم عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم: حَدثنَا يحيى بن حَمْزَة عَن الزبيدِيّ. قَوْله: وَسليمَان، بِالرَّفْع عطف على: الزبيدِيّ، وروى مُتَابَعَته أَبُو دَاوُد عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ عَن سُلَيْمَان بِهِ. قَوْله: والنعمان هُوَ ابْن رَاشد الْجَزرِي وروى مُتَابَعَته أَحْمد عَن وهب بن جرير: حَدثنَا أبي سَمِعت النُّعْمَان بن رَاشد بِهِ.

وَقَالَ مَعْمَرٌ: عَن الزُّهْريِّ عنْ عَطاءِ أوْ عُبَيْدِ الله عنْ أبي سَعِيدٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

أَي قَالَ معمر بن رَاشد: عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد أَو عبيد الله بِالشَّكِّ، وَهُوَ عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود الْهُذلِيّ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَحْمد عَن عبد الرَّزَّاق، وَقَالَ فِي سِيَاقه: معمر، يشك، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي حميد: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن مُحَمَّد عَن عَطاء، بِغَيْر شكّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِثْلَهَا﴾ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَمَالِيهِ: فَائِدَةُ التَّأْكِيدِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ إِذَا عَمِلَ السَّيِّئَةَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةُ الْعَمَلِ وَأُضِيفَتْ إِلَيْهَا سَيِّئَةُ الْهَمِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّمَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدِ اسْتَثْنَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وُقُوعَ الْمَعْصِيَةِ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ.

قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: هَلْ وَرَدَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّيِّئَةَ تُكْتَبُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا، مَا سَمِعْتُ إِلَّا بِمَكَّةَ لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ لَكِنْ قَدْ يَتَفَاوَتُ بِالْعِظَمِ وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ لِأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ تَعْظِيمًا لِحَقِّ النَّبِيِّ لِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْ نِسَائِهِ يَقْتَضِي أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْفَاحِشَةِ وَهُوَ أَذَى النَّبِيِّ وَزَادَ مُسْلِمٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَوْ يَمْحُوهَا: وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ أَيْ مَنْ أَصَرَّ عَلَى التَّجَرِّي عَلَى السَّيِّئَةِ عَزْمًا وَقَوْلًا وَفِعْلًا وَأَعْرَضَ عَنِ الْحَسَنَاتِ هَمًّا وَقَوْلًا وَفِعْلًا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضْلِ اللَّهِ الْعَظِيمِ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ، لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ كَادَ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ، لِأَنَّ عَمَلَ الْعِبَادِ لِلسَّيِّئَاتِ أَكْثَرُ مِنْ عَمَلِهِمُ الْحَسَنَاتِ ; وَيُؤَيِّدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ مِنَ الْإِثَابَةِ عَلَى الْهَمِّ بِالْحَسَنَةِ وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْهَمِّ بِالسَّيِّئَةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ إِذْ ذَكَرَ فِي السُّوءِ الِافْتِعَالَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْمُعَالَجَةِ وَالتَّكَلُّفِ فِيهِ بِخِلَافِ الْحَسَنَةِ، وَفِيهِ مَا يَتَرَتَّبُ لِلْعَبْدِ عَلَى هِجْرَانِ لَذَّتِهِ وَتَرْكِ شَهْوَتِهِ مِنْ أَجْلِ رَبِّهِ رَغْبَةً فِي ثَوَابِهِ وَرَهْبَةً مِنْ عِقَابِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَفَظَةَ لَا تَكْتُبُ الْمُبَاحَ لِلتَّقْيِيدِ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ

بِأَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ عَدَّ الْمُبَاحَ مِنَ الْحَسَنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ الْمُبَاحُ وَلَوْ سُمِّيَ حَسَنًا كَذَلِكَ.

نَعَمْ قَدْ يُكْتَبُ حَسَنَةً بِالنِّيَّةِ وَلَيْسَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ حِفْظِ اللِّسَانِ قَرِيبًا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ جَعَلَ الْعَدْلَ فِي السَّيِّئَةِ وَالْفَضْلَ فِي الْحَسَنَةِ، فَضَاعَفَ الْحَسَنَةَ وَلَمْ يُضَاعِفِ السَّيِّئَةَ، بَلْ أَضَافَ فِيهَا إِلَى الْعَدْلِ الْفَضْلَ فَأَدَارَهَا بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعَفْوِ بِقَوْلِهِ: كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةٌ أَوْ يَمْحُوهَا وَبِقَوْلِهِ فَجَزَاؤُهُ بِمِثْلِهَا أَوْ أَغْفِرُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْكَعْبِيِّ فِي زَعْمِهِ أَنْ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ مُبَاحٌ بَلِ الْفَاعِلُ إِمَّا عَاصٍ وَإِمَّا مُثَابٌ، فَمَنِ اشْتَغَلَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُثَابٌ، وَتَعَقَّبُوهُ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي يُثَابُ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ بِتَرْكِهَا رِضَا اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ يَلْزَمهُ أَنَّ الزَّانِيَ مَثَلًا مُثَابٌ لِاشْتِغَالِهِ بِالزِّنَا عَنْ مَعْصِيَةٍ أُخْرَى وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.

٣٢ - بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ

٦٤٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ مِنْ الْمُوبِقَاتِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ) التَّعْبِيرُ بِالْمُحَقَّرَاتِ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَفَعَهُ إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى جَمَعُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذُ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكُهُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَنَحْوُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

قَوْلُهُ: مَهْدِيٌّ هُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، وَغَيْلَانُ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ وَزْنَ عَجْلَانَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣٢) (بابُ مَا يُتَّقَى) بضم أوله وفتح ثالثه، أي: ما يُجتنَب (مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ) بفتح القاف المشددة، وهي الَّتي يحتقرها فاعلُها.

٦٤٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدال المهملة بعدها تحتية مشددة، ابن ميمونٍ الأزديُّ (عَنْ غَيْلَانَ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية بوزن عجلان. قال في «المقدِّمة»: هو ابنُ جريرٍ. وقال في «الفتح»: هو ابن جامعٍ، والسَّند كلُّه بصريُّون. انتهى.

وما في «المقدِّمة» هو الصَّواب، فإنَّ ابن جامعٍ وهو المحاربيُّ كوفيٌّ قاضيها، يروي عن قتادةَ وسماك وابن جريرٍ، وهو الأزديُّ المِعْوَليُّ بصريٌّ، يروي (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ) بلام التَّأكيد (أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ) بفتح الهمزة والدال المهملة وتشديد القاف، أفعلُ تفضيل من الدِّقة، بكسر الدال المهملة (١)، أي: أحقرُ وأهونُ (فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ) بفتح المعجمة والمهملة (إِنْ كُنَّا نَعُدُّ) «إن» مخفَّفة من الثَّقيلة، وحذف الضَّمير من «نعدُّ» واللام، وهو رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي. قال ابن مالكٍ (٢): جاز استعمال «إن» المخفَّفة بدون اللَّام الفارقة بينها وبين النَّافية (٣) عند الأمن من الالتباس، وللكُشميهنيِّ: «نعدُّها» أي: الأعمال، ولغيرهِ كما قال في «الفتح»: إنَّه للأكثر: «لنعدُّها» (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) أي: زمنه وأيَّامه، ولأبي ذرٍّ: «على عهدِ رسولِ الله» ( المُوبِقَاتِ) بموحدةٍ وقاف، وللكُشميهنيِّ: «من الموبقات».

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (يَعْنِي بِذَلِكَ) أي: بالموبقات (المُهْلِكَاتِ) بكسر اللام، وسقط

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَإِن هم العَبْد بِالْحَسَنَة فعملها قَوْله: (عشر حَسَنَات) قَالَ عز وَجل: {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا} (الْأَنْعَام: ٠٦١) قَوْله: (إِلَى سَبْعمِائة ضعف) أَي: مثل، والضعف يُطلق على الْمثل وعَلى المثلين، قَالَ الله تَعَالَى: {مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم} (الْبَقَرَة: ١٦٢ و ٥٦٢) الْآيَة قَوْله: (إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة) قَالَ الله تَعَالَى: {وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء} (الْبَقَرَة: ١٦٢) . قيل: لما كَانَ الْهم بِالْحَسَنَة مُعْتَبرا بِاعْتِبَار أَنه فعل الْقلب لزم أَن يكون بِالسَّيِّئَةِ أَيْضا كَذَلِك. وَأجِيب: بِأَن هَذَا من فضل الله على عباده حَيْثُ عَفا عَنْهُم، وَلَوْلَا هَذَا الْفضل الْعَظِيم لم يدْخل أحد الْجنَّة لِأَن السَّيِّئَات من الْعباد أَكثر من الْحَسَنَات، فلطف الله عز وَجل بعباده بِأَن ضاعف لَهُم الْحَسَنَات دون السَّيِّئَات. قيل: إِذا هم العَبْد بِالسَّيِّئَةِ وَلم يعْمل بهَا فغايته أَن لَا تكْتب لَهُ سَيِّئَة فَمن أَيْن أَن تكْتب لَهُ حَسَنَة؟ وَأجِيب: بِأَن الْكَفّ عَن الشَّرّ حَسَنَة. قيل: اتّفق الْعلمَاء على أَن الشَّخْص إِذا عزم على ترك صَلَاة بعد عشْرين سنة عصى فِي الْحَال؟ وَأجِيب: بِأَن الْعَزْم وَهُوَ توطين النَّفس على فعله غير الْهم الَّذِي هُوَ تحديث النَّفس من غير اسْتِقْرَار، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِذا حدث العَبْد نَفسه بالمعصية لم يُؤَاخذ، فَإِذا عزم فقد خرج عَن تحديث النَّفس فَيصير من أَعمال الْقلب، فَإِن عقد النِّيَّة على الْفِعْل فحينئذٍ يَأْثَم، وَبَيَان الْفرق بَين الْهم والعزم أَنه لَو حدث نَفسه فِي الصَّلَاة وَهُوَ فِيهَا بقطعها لم تَنْقَطِع، فَإِذا عزم حكمنَا بقطعها.

ثمَّ إعلم أَن حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا مَعْنَاهُ الْخُصُوص لمن همَّ بسيئة فَتَركهَا لوجه الله تَعَالَى، وَأما من تَركهَا مكْرها على تَركهَا بِأَن يُحَال بَينه وَبَينهَا فَلَا تكْتب لَهُ حَسَنَة، فَلَا يدْخل فِي نَص الحَدِيث. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَفِي هَذَا الحَدِيث تَصْحِيح مقَالَة من يَقُول: إِن الْحفظَة تكْتب مَا يهم بِهِ العَبْد من حَسَنَة أَو سَيِّئَة، وَتعلم اعْتِقَاده كَذَلِك، ورد مقَالَة من زعم أَن الْحفظَة لَا تكْتب إلَاّ مَا ظهر من عمل العَبْد وَتسمع. فَإِن قيل: الْملك لَا يعلم الْغَيْب فَكيف يعلم بهم العَبْد؟ قيل لَهُ: قد جَاءَ فِي الحَدِيث أَنه اذا هم بحسنة فاحت مِنْهُ رَائِحَة طيبَة، وَإِذا هم بسيئة فاحت مِنْهُ رَائِحَة كريهة.

قلت: هَذَا الحَدِيث أخرجه الطَّبَرِيّ عَن أبي معشر الْمدنِي، وَسَيَأْتِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي التَّوْحِيد بِلَفْظ: (إِذا اراد عَبدِي أَن يعْمل سَيِّئَة فَلَا تكتبوها عَلَيْهِ حَتَّى يعملها) .

وَفِيه: دَلِيل على أَن الْملك يطلع على مَا فِي الْآدَمِيّ إِمَّا باطلاع الله إِيَّاه، وَإِمَّا بِأَن يخلق الله لَهُ علما يدْرك بِهِ ذَلِك.

٢٣ - (بابُ مَا يُتَّقى مِنْ مُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يتقى أَي: مَا يجْتَنب من محقرات الذُّنُوب، وَجَاء هَذَا اللَّفْظ فِي حَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهَا: (يَا عَائِشَة! إياك ومحقرات الذُّنُوب فَإِن لَهَا من الله طَالبا) . وَصَححهُ ابْن حبَان، والمحقرات جمع محقرة وَهِي الذُّنُوب الَّتِي يحتقرها فاعلها.

٢٩٤٦ - حدّثنا أبُو الوَلِيد حدّثنا مَهْدِيُّ عنْ غَيْلانَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أعْمالاً هِيَ أدَقُّ فِي أعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ إنْ كُنَّا نَعدُّ عَلى عَهْدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المُوبِقاتِ.

قَالَ أبُو عَبْدِ الله: يَعْنِي بِذالِكَ المُهْلِكاتِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، ومهدي هُوَ ابْن مَيْمُون الْأَزْدِيّ، وغيلان بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن جرير، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ غيلَان بن جَامع، وَهُوَ غلط صَرِيح لِأَن غيلَان بن جرير من أهل الْبَصْرَة، وغيلان بن جَامع كُوفِي قَاضِي الْكُوفَة.

وَرِجَال السَّنَد كلهم بصريون. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (لتعملون) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (هِيَ أدق) أفعل التَّفْضِيل من الدقة بِكَسْر الدَّال، وَأَرَادَ بِهِ أَنهم كَانُوا يحقرونها ويهونونها. قَوْله: (إِن كُنَّا تعدها) إِن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، وَجَاز اسْتِعْمَالهَا بِدُونِ اللَّام الفارقة بَينهَا وَبَين النافية عِنْد الْأَمْن من الالتباس، وتعدها، بِدُونِ اللَّام فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَعند الْأَكْثَرين: لنعدها، بلام التَّأْكِيد وَأَيْضًا بالضمير وَعِنْدَهُمَا بِحَذْف الضَّمِير أَيْضا، وَلَفْظهمَا: إِن كُنَّا نعد. قَوْله: (على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: فِي زَمَنه وأيامه. قَوْله: (الموبقات)

أَي: المهلكات هَكَذَا فسره البُخَارِيّ على مَا يَجِيء الْآن، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: من الموبقات، وَسُقُوط كلمة: من، فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي.

قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، (يَعْنِي بذلك) أَي بِلَفْظ الموبقات يَعْنِي أَرَادَ بهَا: المهلكات، وَهِي جمع موبقة أَي: مهلكة، وثلاثيه: وبق يبْق فَهُوَ وبق إِذا هلك، وأوبقه غَيره فَهُوَ موبق، فالفاعل بِكَسْر الْبَاء وَالْمَفْعُول بِفَتْحِهَا وَمعنى الحَدِيث رَاجع إِلَى قَوْله عز وَجل: {وتحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم} (النُّور: ٥١) وَكَانَت الصَّحَابَة يعدون الصَّغَائِر من الموبقات لشدَّة خشيتهم لله وَلم تكن لَهُم كَبَائِر، والمحقرات، إِذا كثرت صَارَت كَبَائِر للإصرار عَلَيْهَا.

٣٣ - (بابٌ الأعْمالُ بِالخَواتِيمِ وَمَا يخافُ مِنْها)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ الْأَعْمَال بالخواتيم أَي: بالعواقب، وَهُوَ جمع خَاتِمَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : يُقَال: خَاتم بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا، وعد اللُّغَات السِّت الَّتِي فِيهِ ثمَّ قَالَ: وَالْجمع الخواتيم.

قلت: هَذَا تصرف عَجِيب فَإِنَّهُ ظن أَن الخواتيم هُنَا جمع الْخَاتم الَّذِي يلبس، وَلَيْسَ لهَذَا هُنَا دخل، وَإِنَّمَا المُرَاد بالخواتيم الْأَعْمَال الَّتِي يخْتم بهَا عمل الرجل عِنْد مَوته.

٣٩٤٦ - حدّثنا عَلِيُّ بن عَيَّاشٍ حدّثنا أبُو غَسَّانَ قَالَ: حدّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: نَظَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى رَجلٍ يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ، وكانَ مِنْ أعْظَمِ المُسْلِمِينَ غَناءً عَنْهُمْ، فَقَالَ: (مَنْ أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظرْ إِلَى هاذا) فَتَبَعهُ رَجُلٌ فَلَمْ يَزَلْ عَلى ذالِكَ حتَّى جُرِحَ فاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، وَقَالَ بِذُبابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْه، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيما يَرى النَّاسُ عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ وإنهُ لِمَنْ أهْلِ النَّارِ، ويَعْمَلُ فِيمَا يَرى النَّاسُ عَمَلَ أهْلِ النَّارِ وهْوَ مِنْ أهْلِ الجنةِ، وإنَّما الأعْمالُ بِخَواتِيمها) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَعلي بن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة الْأَلْهَانِي بالنُّون الْحِمصِي، وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة مُحَمَّد بن مطرف، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة ابْن دِينَار.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد مطولا فِي: بَاب لَا يُقَال: فلَان شَهِيد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة عَن يَعْقُوب بن عبد الرحمان عَن أبي حَازِم ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. وَمضى أَيْضا فِي الْمَغَازِي، وَسَيَأْتِي فِي الْقدر أَيْضا.

قَوْله: (إِلَى رجل) اسْمه قزمان بِضَم الْقَاف وبالزاي ... قَوْله: (غناء) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالمد يُقَال: غنى عَن فلَان غناء نَاب عَنهُ، وأجرى مجْرَاه. قَوْله: (وَقَالَ بذبابة سَيْفه) يَعْنِي: طعن بذبابة سَيْفه، وَهُوَ حَده وطرفه بَين ثدييه، وَقد تقدم فِيمَا مضى: بنصل سَيْفه، فَلَا مُنَافَاة لِإِمْكَان الْجمع بَينهمَا. قَوْله: (فتحامل عَلَيْهِ) أَي: اتكأ عَلَيْهِ بقوته.

٤٣ - (بابٌ العُزْلَةُ راحَةٌ مِنْ خُلَاّطِ السُّوءِ)

أَي: هَذَا بَاب مترجم بترجمة هِيَ الْعُزْلَة أَي: الاعتزال والانفراد رَاحَة من خلاط السوء بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام جمع خليط وَهُوَ جمع غَرِيب وخليط الرجل الَّذِي يخالطه ويعاشره يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع وَيجمع الخليط أَيْضا على خالط بِضَمَّتَيْنِ، ذكره الصغاني فِي اللّبَاب، وَقَالَ بَعضهم: ذكره الْكرْمَانِي بِلَفْظ: خلط بِغَيْر ألف، يَعْنِي مثل مَا ذكره الصغاني.

قلت: لم يذكر الْكرْمَانِي هَكَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ: خلاط بِضَم الْخَاء وَتَشْديد اللَّام جمع خليط وبكسرها وَالتَّخْفِيف مصدر أَي: المخالطة، هَذَا الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي وَلم يرد بقوله: وبكسرها ... إِلَى آخِره أَنه التَّرْجَمَة، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا لزِيَادَة الْفَائِدَة، على أَنه يجوز أَن يكون أَشَارَ بِهِ إِلَى جَوَاز الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْله: من خلاط السوء. أَحدهمَا: أَن يكون جمعا وَالْآخر: إِن يكون مصدرا من خالط يخالط مُخَالطَة وخلاطاً. قَوْله: (رَاحَة، أَصله رَوْحَة قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، قَالَ الْجَوْهَرِي: الرّوح والراحة من الاسْتِرَاحَة وَهُوَ سُكُون النَّفس مَعَ سَعَة من غير تنكد بِشَيْء، وَهَذِه مَادَّة وَاسِعَة تسْتَعْمل لمعان كَثِيرَة.

وَفِي الْعُزْلَة عَن النَّاس فَوَائِد كَثِيرَة وأقلها الْبعد من شرِّهم وَقد قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: وجدت النَّاس أكبر ثقلة، وروى ابْن الْمُبَارك: أخبرنَا

شُعْبَة عَن حبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن حَفْص بن عَاصِم: أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: خُذُوا حظكم من الْعُزْلَة، وَفِي رِوَايَة قَالَ عمر: الْعُزْلَة رَاحَة من خليط السوء، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: أَلا أخْبركُم بِخَير النَّاس منزلا؟ قُلْنَا: بلَى يَا رَسُول الله {قَالَ: رجل أَخذ بعنان فرسه فِي سَبِيل الله} وأخبركم بِالَّذِي يَلِيهِ؟ رجل معتزل فِي شعب يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة، ثمَّ قَالَ: فَإِن قَالَ قَائِل: أَيْن مَا روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من قَوْله: الْمُسلم الَّذِي يخالط النَّاس ويصبر على أذاهم خير من الْمُسلم الَّذِي لَا يخالط النَّاس وَلَا يصبر على أذاهم؟ وَيُجَاب بِأَنَّهُ لَا تضَاد بَينهمَا لِأَن قَوْله: رجل أَخذ بعنان فرسه، خرج مخرج الْعُمُوم، وَالْمرَاد بِهِ الْخُصُوص فَالْمَعْنى فِيهِ أَنه من خير النَّاس، كَمَا ذكره غَيره بِمثل ذَلِك، فَقَالَ: خير النَّاس من طَال عمره وَحسن عمله، أَو يكون المُرَاد بتفضيله فِي وَقت من الْأَوْقَات لَا فِي كل الْأَوْقَات.

٤٩٤٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدثنِي عَطاءُ بنُ يَزِيدَ أنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ: حَدثنَا الأوْزاعِيُّ حَدثنَا الزُّهْرِيُّ عنْ عَطاءٍ ابنِ يَزِيدَ اللّيْثِيِّ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رسولَ الله! أيُّ الناسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (رَجلٌ جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ورَجْلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشّعابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ ويَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) . (انْظُر الحَدِيث ٦٨٧٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَرجل فِي شعب)

إِلَى آخِره.

وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَعَطَاء بن يزِيد من الزِّيَادَة وَاسم أبي سعيد سعد بن مَالك، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن.

والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل الْجِهَاد فِي: بَاب أفضل النَّاس مُؤمن مُجَاهِد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان ... إِلَى آخِره.

قَوْله: (وَقَالَ مُحَمَّد بن يُوسُف) هُوَ الْفرْيَابِيّ قرنه هُنَا بِرِوَايَة أبي الْيَمَان وأفرد أَبَا الْيَمَان فِي الْجِهَاد، وَرَوَاهُ مُسلم عَن عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف. قَوْله: (أَعْرَابِي) لم يدر اسْمه. قَوْله: (أَي النَّاس خير؟) وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة بِلَفْظ: أفضل. قَوْله: (رجل جَاهد) أَي: خير النَّاس رجل جَاهد، وَلَا يُعَارضهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه) ، وَمثل ذَلِك، لِأَن اخْتِلَاف هَذَا بِحَسب اخْتِلَاف الْأَوْقَات والأقوام وَالْأَحْوَال. قَوْله: (فِي شعب) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة: الطَّرِيق فِي الْجَبَل ومسيل المَاء وَمَا انفرج بَين الجبلين. قَوْله: (ويدع) أَي: يتْرك.

تابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ وسُلَيْمانُ بنُ كَثِيرٍ والنُّعْمانُ عنِ الزُّهْرِيِّ

أَي: تَابع شعيباً فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ الزبيدِيّ، وَكَذَا تَابع الْأَوْزَاعِيّ فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ، والزبيدي هُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد السَّامِي نِسْبَة إِلَى زبيد بِضَم الزاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ مُنَبّه بن صَعب وَهُوَ زبيد الْأَكْبَر، وَإِلَيْهِ يرجع قبائل زبيد، وروى مُتَابَعَته مُسلم عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم: حَدثنَا يحيى بن حَمْزَة عَن الزبيدِيّ. قَوْله: وَسليمَان، بِالرَّفْع عطف على: الزبيدِيّ، وروى مُتَابَعَته أَبُو دَاوُد عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ عَن سُلَيْمَان بِهِ. قَوْله: والنعمان هُوَ ابْن رَاشد الْجَزرِي وروى مُتَابَعَته أَحْمد عَن وهب بن جرير: حَدثنَا أبي سَمِعت النُّعْمَان بن رَاشد بِهِ.

وَقَالَ مَعْمَرٌ: عَن الزُّهْريِّ عنْ عَطاءِ أوْ عُبَيْدِ الله عنْ أبي سَعِيدٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

أَي قَالَ معمر بن رَاشد: عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد أَو عبيد الله بِالشَّكِّ، وَهُوَ عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود الْهُذلِيّ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَحْمد عَن عبد الرَّزَّاق، وَقَالَ فِي سِيَاقه: معمر، يشك، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي حميد: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن مُحَمَّد عَن عَطاء، بِغَيْر شكّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.6 / 29.5
الإضاءة 76%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله