«بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» يَعْنِي: إِصْبَعَيْنِ تَابَعَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥٠٥

الحديث رقم ٦٥٠٥ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي بعثت أنا والساعة كهاتين.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «بعثت أنا والساعة كهاتين» يعني: إصبعين تابعه…

«بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» يَعْنِي: إِصْبَعَيْنِ تَابَعَهُ إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ.

بَابٌ

سند حديث: ٦٥٠٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ…

٦٥٠٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «بعثت أنا والساعة كهاتين» يعني: إصبعين تابعه…

كان سول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب أصبحت عيناه حمراء، وارتفع صوته، واشتد غضبه، وإنما يفعل ذلك؛ إزالة للغفلة من قلوب الناس؛ حتى يتمكن فيها الوعظ ويؤثر فيها، أو لأنه يتوجه فكره إلى الموعظة، فتظهر عليه آثار الهيبة الإلهية، واستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته وكلامه، كمن ينذر قومًا من قرب جيش عظيم قصد الإغارة عليهم، يقول ذلك المنذر: نزل بكم العدو صباحًا أو مساءً، والمراد أنه سينزل، وعبر بصيغة الماضي؛ لتحققه، فهو ينذرهم بإغارة الجيش في الصباح والمساء، ويقول عليه الصلاة والسلام: بعثت أنا والساعة مثل هاتين الإصبعين، ويجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى، والتشبيه في قلة التفاوت بينهما، فإن الوسطى تزيد على السبابة بقليل، فكأن ما بينه صلى الله عليه وسلم وبين الساعة في القلة قدر زيادة الوسطى على المسبحة، ويقول عليه الصلاة والسلام: أما بعد، فإن أفضل الحديث كتاب وكلام الله، وهو القرآن الكريم، وأحسن الطرق طريق محمد صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته في سائر أمور الحياة، وشر الأمور هي المحدثات في الدين، التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة والجواز، وهي المسماة بالبدع، ولذلك حكم عليها بأن كل بدعة ضلالة، ثم يقول عليه الصلاة والسلام: أنا أحق بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فهو ميراث لأهله ومن ترك دينًا فعلي وفاء دينه، وإلي كفالة عياله.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية الخطبة.
  • وجوب اجتناب البدع.
  • ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم-من شدة الاهتمام في التحذير عن المعاصي، والحث على الطاعات، ومن أجل شدة الاهتمام بذلك ينشأ غضبه، بحيث تحمر عيناه، ويتغير حاله، فكأن من سمع خطبته في تلك الحال يتصوره كأنه منذر جيش جرار، قد دنا اجتياحه لقومه، وهم في غفلتهم ساهون، وفي مستلذاتهم لاهون، وذلك نتيجة حرصه على هداية أمته، ورحمته ورأفته بهم.
  • ينبغي للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، فيرفع صوته، ويجزل كلامه؛ حتى يكون مطابقًا للفصل الذي يتكلم فيه، من ترغيب، أو ترهيب.
  • بيان قرب الساعة، فإن بعثته صلى الله عليه وسلم إحدى علاماتها.
  • مشروعية ضرب المثل للإيضاح.
  • استحباب قول: أما بعد في خطب الوعظ، والجمعة، والعيد، وغيرها.
  • كون كلام الله سبحانه وتعالى خير الكلام.
  • هدي النبي صلى الله عليه وسلم خير الهدي، وأكمله، وأحسنه وأفضله.
  • البدع التي لا أصل لها من الكتاب والسنة شر الأمور، وأنها هي الضلالة بعينها، فيجب اجتنابها، والحذر منها، والبعد عن أهلها.
  • كون النبي صلى الله عليه وسلم أولى بكل مؤمن من نفسه.
  • من مات وعليه دين، ولم يترك وفاء، أو ترك عيالًا لا كافل لهم، فعلى الإمام أن يتولى ذلك من بيت المال.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «بعثت أنا والساعة كهاتين» يعني: إصبعين تابعه…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أنَّه (قَالَ: بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ) أي: معها، ولأبي ذرٍّ: «أنا والسَّاعة» (كَهَاتَيْنِ) و (١) في مسلمٍ من طريق خالد بن الحارث، عن شُعبة: «هكذا، وقَرَن شُعبة المُسبِّحة والوسطى». ولمسلمٍ أيضًا من طريق غندرٍ عن شُعبة، عن قتادة، قال شُعبة: وسمعت قتادةَ يقول في قَصصهِ: كفضلِ إحداهما على الأخرى، فلا أدري أَذكره عن أنسٍ، أو قاله قتادة، أي: من قِبل نفسه. قال القاضِي البيضاويُّ: معنى الحديث: أنَّ نسبةَ تقدُّم بعثته على قيام السَّاعة كنسبةِ فضلِ إحدى الإصبعين على الأُخرى.

وقال التُّوربشتيُّ: ويحتمل وجهًا آخر، وهو: أن يكون المراد منه: ارتباط دعوتهِ بالسَّاعة لا تفترق إحداهما عن الأُخرى، كما أنَّ السَّبَّابة لا تفترقُ عن الوسطى، وقال الطِّيبيُّ: قوله: «كفضلِ إحداهما» بدل من قوله: «كهاتين»، وموضِّحٌ له، وهو يؤيِّد الوجه الأوَّل، والرَّفع على العطف، والمعنى: بعثتُ أنا والسَّاعةُ بعثًا مُتفاضِلًا مِثلَ فضلِ إحداهما على الأُخرى، ومعنى النَّصب لا يستقيمُ على هذا (٢). انتهى.

وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الفتن».

٦٥٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) أبو زكريَّا الزَّمِّي (٣)

قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَبُو بَكْرٍ) هو ابنُ عيَّاشٍ، بالتحتية المشددة آخره شين معجمة (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصم (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (١) (قَالَ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ) بالرَّفع في «اليونينيَّة» (كَهَاتَيْنِ. يَعْنِي: إِصْبَعَيْنِ) وعند الطَّبريِّ: عن هنَّاد بن السَّري، عن أبي بكر بن عيَّاشٍ: «وأشار بالسَّبَّابة والوسطى». بدل قوله: «يعني: إصبعين» (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا بكرٍ (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) يعني: سندًا ومتنًا، وقد وصلها الإسماعيليُّ.

قال الكِرمانيُّ: قيل: هو إشارة إلى قُرب المجاورة، وقيل: إلى تقَارُب ما بينهما طولًا، وفضل الوسطى على السَّبَّابة؛ لأنَّها أطولُ منها بشيءٍ يسيرٍ (٢)، فالوجه الأوَّل بالنَّظر إلى العرض، والثَّاني بالنَّظر إلى الطُّول، وقيل: أي: ليس بينه وبين السَّاعة نبيٌّ غيره مع التَّقريب لحينها. انتهى.

والَّذي يتَّجه القول بأنَّه إشارة إلى قُرب ما بينهما، ولو كان المراد قُرب المجاورة لقامتِ السَّاعة؛ لاتِّصال إحدى الإصبعين بالأُخرى.

وقال السَّفاقسيُّ: قيل: قوله: «كما بين السَّبَّابة والوسطى» أي: في الطُّول، وقال في «المفهم»: على رواية نصب «والسَّاعةَ» يكون التَّشبيه وقع بالانضمامِ، وعلى الرَّفع بالتَّفاوت. وفي «تذكرة القُرطبي»: المعنى: تقريب أمر السَّاعة. قال: ولا مُنافاةَ بينه وبين قولهِ في الحديثِ الآخر: «ما المسؤولُ عنها بأعلَم من السَّائلِ» فإنَّ المراد بحديثِ الباب أنَّه ليس بينه وبينها نبيٌّ، كما ليسَ بين السَّبَّابة والوسطى (٣) إصبعٌ أُخرى، ولا يَلزم منه علم وقتها بعينه، نعم سياقه يُفيد قُربها وأنَّ (٤) أشراطَها متتابعةٌ.

وقال الضَّحَّاك: أوَّل أشراطِها بعثةُ محمَّد ، وقد قيل: إنَّ نسبةَ ما بين الإصبعين

كنسبةِ ما بقي من الدُّنيا إلى (١) ما مضى، وأنَّ جُملتها سبعة آلاف سنةٍ، كما قال ابن جريرٍ في «مقدمة تاريخه» عن ابن عبَّاسٍ، من طريق يحيى بن يعقوب، عن حمَّاد بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبيرٍ، عنه: «الدُّنيا جُمُعَةٌ من جُمَعِ الآخرة سبعةُ آلاف سنة». بالموحدة بعدها عين مهملة، وقد مضى ستَّة آلاف ومئة سنةٍ، ويحيى هو القاضي الأنصاريُّ، قال البخاريُّ: مُنكر الحديث، وشيخه هو فقيه الكوفة، وفيه مقالٌ. وفي حديثِ أبي داود: «واللهُ لا يُعجِزُ هذهِ الأمَّةَ من نصفِ يومٍ» ورُواته ثقات، لكن رجَّح البخاريُّ وقفَه. وعند أبي داودٍ أيضًا مرفوعًا: «لأرجُو أن لا يعْجِزَ أمَّتي عندَ ربِّها أن يؤخِّرهُم نصفَ يومٍ» وفسَّره بخمس مئة سنةٍ، فيؤخذُ من ذلك أنَّ الَّذي بقي نصف سُبْعٍ، وهو قريب ما بين السَّبَّابة والوسطى في الطُّول، لكنَّ الحديث وإن كان رُواته موثَّقين إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا، وقد ظهرَ عدم صحَّة ذلك على ما لا يخفى؛ لوقوع خلافه ومُجاوزة هذا المقدار ولو كان ذلك ثابتًا لم يقعْ خلافه. وقال ابن العربيِّ: قيل: الوسطى تزيد على السَّبَّابة نصف سُبُعِها، وكذلك الباقي من الدُّنيا من البعثة إلى قيام السَّاعة، وهذا بعيدٌ ولا يُعْلَمُ (٢) مقدارُ الدُّنيا، فكيف يتحصَّل لنا نصفُ سُبُعِ أَمَدٍ مجهولٍ؟!

وفي «الصَّحيحين» من حديثِ ابن عمر مرفوعًا [خ¦٣٤٥٩] «أجَلكُم فِي أجلِ من كانَ قبلكُم من صلَاةِ العصرِ إلى مغربِ الشَّمسِ» وعند أحمد -بسندٍ حسنٍ- من طريق مجاهدٍ، عن ابن عمر: «كنَّا عند النَّبيِّ والشَّمس على قُعَيْقِعَان مرتفعةٌ بعد العصرِ فقال: ما أعمَاركُم في أعمارِ من مضَى إلَّا كما بقيَ من هذا النَّهارِ فيما مضَى منهُ».

قال في «الفتح»: وحديث ابنِ عمر صحيحٌ متَّفقٌ عليه، فالصَّواب الاعتمادُ عليه وله محملان:

أحدُهما: أنَّ المراد بالتَّشبيه: التَّقريب ولا يُراد حقيقة المقدار فيه.

والثَّاني: أن يُحمَلَ على ظاهرهِ، فيكون فيه دَلالةٌ على أنَّ مدَّة هذه الأمَّة قدر خُمس النَّهار تقريبًا.

وقال صاحب «الكشف»: إنَّ الَّذي دلَّت عليه الآثار أنَّ مدَّة هذه الأمَّة تزيدُ على ألف سنةٍ ولا تبلغ الزِّيادة عليها خمس مئة سنةٍ، وذلك أنَّه وردَ من طرق أنَّ مدَّة الدُّنيا سبعة آلاف سنةٍ، وأنَّ النَّبيَّ بُعث في آخر الألف السَّادسة، وورد أنَّ الدَّجَّال يخرج على رأس مئةٍ، ويَنْزِلُ عيسى فيقتلُه، ثمَّ يمكث في الأرض أربعين سنة، وأنَّ النَّاس يمكثون بعد طلوع الشَّمس من مَغْربها مئةً وعشرين سنة، وأنَّ بين النَّفختين أربعين سنةٍ، فهذه المئتا سنةٍ لابدَّ منها، والباقِي الآن من الألف سنة وسنتان، وإلى الآن لم تطلعِ الشَّمس من مَغْربها، ولا خرج الدَّجَّال الَّذي خُروجه قبل طلوع الشَّمس بعدَّة سنين، ولا ظهر المهديُّ الَّذي ظُهوره قبل الدَّجَّال بسبع سنين، ولا وقعتِ الأشراطُ الَّتي قبل ظهور المهديِّ، ولا بقي ما يمكن خروجُ الدَّجَّال من قرنٍ؛ لأنَّه إنَّما يخرُج عند رأس مئةٍ، وقبله مُقدِّماتٍ تكون في سنين كثيرةٍ، فأقلُّ ما يكون أنَّه يجوزُ خروجه على

رأسِ الألف إن لم يتأخَّر إلى مئةٍ بعدها، وإن اتَّفق خروجُه على رأسِ الألف مكثتِ الدُّنيا بعده أكثر من نحو مئتي (١) سنةٍ، المئتين المُشار إليهما والباقي ما بين خروج الدَّجَّال وطلوع الشَّمس من مَغْربها، ولا ندرِي كم هو؟ وإن تأخَّر الدَّجَّال عن رأسِ الألف إلى مئةٍ أُخرى كانت المدَّة أكثر، ولا يمكن أن تكون المدَّة ألفًا وخمس مئةٍ أصلًا، واستدلَّ بأحاديث ضعيفةٍ على عادته، قال: إنَّه اعتمدَ عليها في أنَّ مدَّة الدُّنيا سبعةُ آلاف سنةٍ، وأنَّ النَّبيَّ بُعث في آخرِ الألف السَّادسة؛ منها: حديث الضَّحَّاك بن زملٍ الجُهنيِّ، قال: «رأيتُ رؤيا فقصصتُها على رسولِ الله … وفيه: فإذا أَنا بك يا رسولَ الله على منبرٍ فيه سبعُ درجاتٍ، وأنتَ في أعلاهَا درجة. فقال رسولُ الله : أمَّا (٢) المنبرُ الَّذي رأيتَ فيه سبعَ درجاتٍ وأنا في أعلاها درجَة، فالدُّنيا سبعةُ آلافٍ وأنا في آخرهَا ألفًا» رواه البيهقيُّ في «دلائله»، فقولُه (٣): «وأنا في آخرِهَا ألفًا» أي: معظم المدَّة في الألف السَّابعة؛ ليُطابق أنَّ بعثته (٤) في أواخر الألف السَّادسة، ولو كان بُعث أوَّل الألف السَّابعة كانت الأشراطُ الكُبرى كالدَّجَّال وُجدت قبل اليوم بأكثر من مئة سنةٍ لتقوم السَّاعة عند تمام الألف، ولم يوجدْ شيءٌ من ذلك، فدلَّ على أنَّ الباقي من الألف السَّابعة أكثر من ثلاث مئة. انتهى.

قلت: قال الحافظُ ابن حَجر: إنَّ سند هذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، وأخرجه ابن السَّكن في «الصَّحابة» -وقال: إسنادهُ مجهولٌ، وليس ابن زملٍ بمعروفٍ في الصَّحابة- وابن قتيبة في «غريب الحديث»، وأورده ابن الجوزيِّ في «الموضوعات».

وقال ابنُ الأثير: ألفاظه مصنوعةٌ (٥)، وقد أخبر مَعمر في «الجامع» عن ابن أبي نَجيحٍ،

عن مجاهدٍ، قال معمرٌ: بلغني عن عكرمةٍ في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قال: الدُّنيا من أوَّلها إلى آخرها يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ (١) لا يدري كم مضى ولا كم بقي إلَّا الله تعالى.

تنبيه: وأمَّا ما اشتُهر على الألسنة من أنَّ النَّبيَّ لا يمكث في قبره ألف سنةٍ، فباطلٌ لا أصل له، كما صرَّح به الشَّيخ عبد العزيز الدَّيرينيُّ في «الدُّرر الملتقطة في المسائل المختلطة» لكنَّه قال: إنَّه ممَّا نُقل عن علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سَلَام وكعبٍ الأحبار. انتهى.

ولا يصحُّ ذلك بل كلُّ ما ورد فيه تحديدٌ إمَّا أن يكون لا أصل له أو لا يثبتُ.

وقال الحافظُ عماد الدِّين بن كثير في «البداية» بعد أن ذكر حديث: «ألَا إنَّ مثلَ آجالكُم في آجالِ الأُممِ قبلكُم كما بينَ صلاةِ العَصرِ إلى مغربِ الشَّمسِ»: هذا يدلُّ على أنَّ ما بقي بالنِّسبة إلى ما مضى كالشَّيء اليسير، لكن لا يَعلم مقدار ما مَضى إلَّا الله ﷿، ولم يجئْ فيه تحديدٌ يصحُّ سنده عن المعصوم (٢) حتَّى يُصار إليه ويُعلم نسبة ما بقي بالنِّسبة إليه، ولكنَّه قليلٌ جدًّا بالنِّسبة إلى الماضي، وتعيين وقت السَّاعة لم يأتِ به حديثٌ صحيحٌ، بل الآيات والأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّ علم ذلك ممَّا استأثرَ الله به دون أحدٍ من خلقهِ، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال : «ما المسؤولُ بأعلَم من السَّائلِ» فالخوض في ذلك لا يجدي نفعًا، ولا يأتي بطائلٍ، والله الموفِّق.

(٤٠) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين بغير (٤) ترجمةٍ، فهو كالفصلِ من الباب السَّابق، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «باب طلوع الشَّمس من مغربها».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ) لَفْظَة: بِهِ، فِي رِوَايَة الْكشميهني لَا غَيره. قَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا كُله من الْمجَاز، يَعْنِي أَنه، يحفظه كَمَا يحفظ العَبْد جوارحه لِئَلَّا يَقع فِي مهلكة. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه أَمْثَال وَالْمعْنَى: وَالله أعلم توفيقه فِي الْأَعْمَال الَّتِي بَاشَرَهَا بِهَذِهِ الْأَعْضَاء وتيسير الْمحبَّة لَهُ فِيهَا بِأَن يحفظ جوارحه عَلَيْهِ ويعصمه من مُوَافقَة مَا يكره الله تَعَالَى من الإصغاء إِلَى اللَّهْو مثلا، وَمن النّظر إِلَى مَا نهى عَنهُ، وَمن الْبَطْش بِمَا لَا يحل لَهُ، وَمن السَّعْي فِي الْبَاطِل بِرجلِهِ، أَو بِأَن يسْرع فِي إِجَابَة الدُّعَاء، والإلحاح فِي الطّلب وَذَلِكَ أَن مساعي الْإِنْسَان إِنَّمَا تكون بِهَذِهِ الْجَوَارِح الْأَرْبَع. قَوْله: (وبصره الَّذِي يبصر بِهِ) وَفِي حَدِيث عَائِشَة فِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد: عينه الَّتِي يبصر بهَا، وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بن مُجَاهِد: عَيْنَيْهِ اللَّتَيْنِ يبصر بهما، وَكَذَا قَالَ فِي الْأذن وَالْيَد وَالرجل، وَزَاد عبد الْوَاحِد فِي رِوَايَته: (وفؤاده الَّذِي يعقل بِهِ، وَلسَانه الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ) وَقيل: الْمَعْنى: إجعل لَهُ مقاصده كَأَنَّهُ ينالها بسمعه وبصره ... إِلَى آخِره، وَقيل: كنت لَهُ فِي النُّصْرَة كسمعه وبصره وَيَده وَرجله فِي المعاونة على عدوه، وَقيل فِيهِ: مُضَاف مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: كنت حَافظ سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ فَلَا يسمع إلَاّ مَا يحل سَمَاعه، وحافظ بَصَره كَذَلِك إِلَى آخِره، قيل: إِن الاتحادية زَعَمُوا أَنه على حَقِيقَته وَأَن الْحق عين العَبْد، وَاحْتَجُّوا بمجيء جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي صُورَة دحْيَة، قَالُوا: فَهُوَ روحاني خلع صورته وَظهر بمظهر الْبشر، قَالُوا: فَالله أقدر على أَن يظْهر فِي صُورَة الْوُجُود الْكُلِّي أَو بِبَعْضِه تَعَالَى الله سُبْحَانَهُ عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا. قَوْله: (يبطش) بِكَسْر الطَّاء. قَوْله: (وَإِن سَأَلَني) أَي: عَبدِي، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد. قَوْله: (لأعطينه) اللَّام للتَّأْكِيد والهمزة مَضْمُومَة وَالْفِعْل مُؤَكد بالنُّون الثَّقِيلَة. قَوْله: (استعاذ بِي) بِالْبَاء الْمُوَحدَة بعد الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقيل: بالنُّون مَوضِع الْبَاء. قَوْله: (لأعيذنه) أَي: مِمَّا يخَاف، فَإِن قيل: كثير من الصلحاء والعباد دعوا وبالغوا وَلم يجابوا. قيل لَهُ: الْإِجَابَة تتنوع، فَتَارَة يَقع الْمَطْلُوب بِعَيْنِه على الْفَوْر، وَتارَة يَقع وَلَكِن يتَأَخَّر الحكم، وَتارَة قد تقع الْإِجَابَة وَلَكِن بِغَيْر الْمَطْلُوب حَيْثُ لَا يكون فِي الْمَطْلُوب مصلحَة ناجزة، وَفِي الْوَاقِع مصلحَة ناجزة، أَو أصلح مِنْهَا. قَوْله: (وَمَا ترددت عَن شَيْء التَّرَدُّد) مثل لِأَنَّهُ محَال على الله، وَقَالَ الْخطابِيّ: التَّرَدُّد فِي حق الله غير جَائِز، والبداء عَلَيْهِ فِي الْأُمُور غير سَائِغ، لَكِن لَهُ تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا: أَن العَبْد قد يشرف على الْهَلَاك فِي أَيَّام عمره من دَاء يُصِيبهُ أَو فاقة تنزل بِهِ، فيدعو الله فيشفيه مِنْهَا وَيدْفَع عَنهُ مكروهها. فَيكون ذَلِك من فعله كترديد من يُرِيد أمرا ثمَّ يَبْدُو لَهُ فِيهِ فيتركه ويعرض عَنهُ، وَلَا بُد من لِقَائِه إِذا بلغ الْكتاب أَجله، لِأَن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بِالْبَقَاءِ لنَفسِهِ. وَالثَّانِي: أَن يكون مَعْنَاهُ: مَا رددت رُسُلِي فِي شَيْء أَنا فَاعله، كترديدي إيَّاهُم فِي نفس الْمُؤمن كَمَا روى فِي قصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَمَا كَانَ من لطمه عين ملك الْمَوْت، وتردده إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى. قَالَ: وَحَقِيقَة الْمَعْنى على الْوَجْهَيْنِ عطف الله على العَبْد ولطفه بِهِ وشفقته عَلَيْهِ. قَوْله: (وإساءته) ، ويروى: مساءته، أَي: حَيَاته لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ يبلغ إِلَى النَّعيم الْمُقِيم لَا فِي الْحَيَاة، أولأن حَيَاته تُؤدِّي إِلَى أرذل الْعُمر. وتنكيس الْخلق وَالرَّدّ إِلَى أَسْفَل سافلين أَو أكره مكروهه الَّذِي هُوَ الْمَوْت فَلَا أسْرع بِقَبض روحه فَأَكُون كالمتردد. [/ شَرّ

٩٣ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (بُعِثْتُ أَنا والسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (بعثت)

إِلَى آخِره. قَالَ الْكرْمَانِي: السَّاعَة بِالرَّفْع وَالنّصب، وَاخْتصرَ على هَذَا.

قلت: وَجه النصب أَن الْوَاو بِمَعْنى: مَعَ، وَمِنْهُم من منع الرّفْع لفساد الْمَعْنى لِأَنَّهُ لَا يُقَال: بعثت السَّاعَة، وَجزم عِيَاض بِأَن الرّفْع أحسن لِأَنَّهُ عطف على ضمير الْمَجْهُول فِي: بعثت قَوْله: (كهاتين) أَي: الإصبعين السبابَة وَالْوُسْطَى.

{وَمَا أَمر السَّاعَة إِلَّا كلمح الْبَصَر أَو هُوَ أقرب إِن الله على كل شَيْء قدير} (النَّحْل: ٧٧)

تَقْدِيره: وَقَول الله عز وَجل: {وَمَا أَمر السَّاعَة} الْآيَة بِتَمَامِهَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر {وَمَا أَمر السَّاعَة إلاّ كلمح الْبَصَر} ... الْآيَة، وَإِنَّمَا قُلْنَا: تَقْدِيره: وَقَول الله عز وَجل، لِأَنَّهُ يُوهم أَن تكون بَقِيَّة الحَدِيث، على أَن فِي بعض النّسخ. وَقَول الله مَوْجُود. قَوْله: {وَمَا أَمر السَّاعَة} أَي: وَمَا شَأْن الْقِيَامَة إلَاّ كلمح الْبَصَر، اللمح سرعَة إبصار الشَّيْء. أَو هُوَ أَي أَمر السَّاعَة أقرب من لمح الْبَصَر.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أنَّه (قَالَ: بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ) أي: معها، ولأبي ذرٍّ: «أنا والسَّاعة» (كَهَاتَيْنِ) و (١) في مسلمٍ من طريق خالد بن الحارث، عن شُعبة: «هكذا، وقَرَن شُعبة المُسبِّحة والوسطى». ولمسلمٍ أيضًا من طريق غندرٍ عن شُعبة، عن قتادة، قال شُعبة: وسمعت قتادةَ يقول في قَصصهِ: كفضلِ إحداهما على الأخرى، فلا أدري أَذكره عن أنسٍ، أو قاله قتادة، أي: من قِبل نفسه. قال القاضِي البيضاويُّ: معنى الحديث: أنَّ نسبةَ تقدُّم بعثته على قيام السَّاعة كنسبةِ فضلِ إحدى الإصبعين على الأُخرى.

وقال التُّوربشتيُّ: ويحتمل وجهًا آخر، وهو: أن يكون المراد منه: ارتباط دعوتهِ بالسَّاعة لا تفترق إحداهما عن الأُخرى، كما أنَّ السَّبَّابة لا تفترقُ عن الوسطى، وقال الطِّيبيُّ: قوله: «كفضلِ إحداهما» بدل من قوله: «كهاتين»، وموضِّحٌ له، وهو يؤيِّد الوجه الأوَّل، والرَّفع على العطف، والمعنى: بعثتُ أنا والسَّاعةُ بعثًا مُتفاضِلًا مِثلَ فضلِ إحداهما على الأُخرى، ومعنى النَّصب لا يستقيمُ على هذا (٢). انتهى.

وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الفتن».

٦٥٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) أبو زكريَّا الزَّمِّي (٣)

قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَبُو بَكْرٍ) هو ابنُ عيَّاشٍ، بالتحتية المشددة آخره شين معجمة (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصم (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (١) (قَالَ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ) بالرَّفع في «اليونينيَّة» (كَهَاتَيْنِ. يَعْنِي: إِصْبَعَيْنِ) وعند الطَّبريِّ: عن هنَّاد بن السَّري، عن أبي بكر بن عيَّاشٍ: «وأشار بالسَّبَّابة والوسطى». بدل قوله: «يعني: إصبعين» (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا بكرٍ (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) يعني: سندًا ومتنًا، وقد وصلها الإسماعيليُّ.

قال الكِرمانيُّ: قيل: هو إشارة إلى قُرب المجاورة، وقيل: إلى تقَارُب ما بينهما طولًا، وفضل الوسطى على السَّبَّابة؛ لأنَّها أطولُ منها بشيءٍ يسيرٍ (٢)، فالوجه الأوَّل بالنَّظر إلى العرض، والثَّاني بالنَّظر إلى الطُّول، وقيل: أي: ليس بينه وبين السَّاعة نبيٌّ غيره مع التَّقريب لحينها. انتهى.

والَّذي يتَّجه القول بأنَّه إشارة إلى قُرب ما بينهما، ولو كان المراد قُرب المجاورة لقامتِ السَّاعة؛ لاتِّصال إحدى الإصبعين بالأُخرى.

وقال السَّفاقسيُّ: قيل: قوله: «كما بين السَّبَّابة والوسطى» أي: في الطُّول، وقال في «المفهم»: على رواية نصب «والسَّاعةَ» يكون التَّشبيه وقع بالانضمامِ، وعلى الرَّفع بالتَّفاوت. وفي «تذكرة القُرطبي»: المعنى: تقريب أمر السَّاعة. قال: ولا مُنافاةَ بينه وبين قولهِ في الحديثِ الآخر: «ما المسؤولُ عنها بأعلَم من السَّائلِ» فإنَّ المراد بحديثِ الباب أنَّه ليس بينه وبينها نبيٌّ، كما ليسَ بين السَّبَّابة والوسطى (٣) إصبعٌ أُخرى، ولا يَلزم منه علم وقتها بعينه، نعم سياقه يُفيد قُربها وأنَّ (٤) أشراطَها متتابعةٌ.

وقال الضَّحَّاك: أوَّل أشراطِها بعثةُ محمَّد ، وقد قيل: إنَّ نسبةَ ما بين الإصبعين

كنسبةِ ما بقي من الدُّنيا إلى (١) ما مضى، وأنَّ جُملتها سبعة آلاف سنةٍ، كما قال ابن جريرٍ في «مقدمة تاريخه» عن ابن عبَّاسٍ، من طريق يحيى بن يعقوب، عن حمَّاد بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبيرٍ، عنه: «الدُّنيا جُمُعَةٌ من جُمَعِ الآخرة سبعةُ آلاف سنة». بالموحدة بعدها عين مهملة، وقد مضى ستَّة آلاف ومئة سنةٍ، ويحيى هو القاضي الأنصاريُّ، قال البخاريُّ: مُنكر الحديث، وشيخه هو فقيه الكوفة، وفيه مقالٌ. وفي حديثِ أبي داود: «واللهُ لا يُعجِزُ هذهِ الأمَّةَ من نصفِ يومٍ» ورُواته ثقات، لكن رجَّح البخاريُّ وقفَه. وعند أبي داودٍ أيضًا مرفوعًا: «لأرجُو أن لا يعْجِزَ أمَّتي عندَ ربِّها أن يؤخِّرهُم نصفَ يومٍ» وفسَّره بخمس مئة سنةٍ، فيؤخذُ من ذلك أنَّ الَّذي بقي نصف سُبْعٍ، وهو قريب ما بين السَّبَّابة والوسطى في الطُّول، لكنَّ الحديث وإن كان رُواته موثَّقين إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا، وقد ظهرَ عدم صحَّة ذلك على ما لا يخفى؛ لوقوع خلافه ومُجاوزة هذا المقدار ولو كان ذلك ثابتًا لم يقعْ خلافه. وقال ابن العربيِّ: قيل: الوسطى تزيد على السَّبَّابة نصف سُبُعِها، وكذلك الباقي من الدُّنيا من البعثة إلى قيام السَّاعة، وهذا بعيدٌ ولا يُعْلَمُ (٢) مقدارُ الدُّنيا، فكيف يتحصَّل لنا نصفُ سُبُعِ أَمَدٍ مجهولٍ؟!

وفي «الصَّحيحين» من حديثِ ابن عمر مرفوعًا [خ¦٣٤٥٩] «أجَلكُم فِي أجلِ من كانَ قبلكُم من صلَاةِ العصرِ إلى مغربِ الشَّمسِ» وعند أحمد -بسندٍ حسنٍ- من طريق مجاهدٍ، عن ابن عمر: «كنَّا عند النَّبيِّ والشَّمس على قُعَيْقِعَان مرتفعةٌ بعد العصرِ فقال: ما أعمَاركُم في أعمارِ من مضَى إلَّا كما بقيَ من هذا النَّهارِ فيما مضَى منهُ».

قال في «الفتح»: وحديث ابنِ عمر صحيحٌ متَّفقٌ عليه، فالصَّواب الاعتمادُ عليه وله محملان:

أحدُهما: أنَّ المراد بالتَّشبيه: التَّقريب ولا يُراد حقيقة المقدار فيه.

والثَّاني: أن يُحمَلَ على ظاهرهِ، فيكون فيه دَلالةٌ على أنَّ مدَّة هذه الأمَّة قدر خُمس النَّهار تقريبًا.

وقال صاحب «الكشف»: إنَّ الَّذي دلَّت عليه الآثار أنَّ مدَّة هذه الأمَّة تزيدُ على ألف سنةٍ ولا تبلغ الزِّيادة عليها خمس مئة سنةٍ، وذلك أنَّه وردَ من طرق أنَّ مدَّة الدُّنيا سبعة آلاف سنةٍ، وأنَّ النَّبيَّ بُعث في آخر الألف السَّادسة، وورد أنَّ الدَّجَّال يخرج على رأس مئةٍ، ويَنْزِلُ عيسى فيقتلُه، ثمَّ يمكث في الأرض أربعين سنة، وأنَّ النَّاس يمكثون بعد طلوع الشَّمس من مَغْربها مئةً وعشرين سنة، وأنَّ بين النَّفختين أربعين سنةٍ، فهذه المئتا سنةٍ لابدَّ منها، والباقِي الآن من الألف سنة وسنتان، وإلى الآن لم تطلعِ الشَّمس من مَغْربها، ولا خرج الدَّجَّال الَّذي خُروجه قبل طلوع الشَّمس بعدَّة سنين، ولا ظهر المهديُّ الَّذي ظُهوره قبل الدَّجَّال بسبع سنين، ولا وقعتِ الأشراطُ الَّتي قبل ظهور المهديِّ، ولا بقي ما يمكن خروجُ الدَّجَّال من قرنٍ؛ لأنَّه إنَّما يخرُج عند رأس مئةٍ، وقبله مُقدِّماتٍ تكون في سنين كثيرةٍ، فأقلُّ ما يكون أنَّه يجوزُ خروجه على

رأسِ الألف إن لم يتأخَّر إلى مئةٍ بعدها، وإن اتَّفق خروجُه على رأسِ الألف مكثتِ الدُّنيا بعده أكثر من نحو مئتي (١) سنةٍ، المئتين المُشار إليهما والباقي ما بين خروج الدَّجَّال وطلوع الشَّمس من مَغْربها، ولا ندرِي كم هو؟ وإن تأخَّر الدَّجَّال عن رأسِ الألف إلى مئةٍ أُخرى كانت المدَّة أكثر، ولا يمكن أن تكون المدَّة ألفًا وخمس مئةٍ أصلًا، واستدلَّ بأحاديث ضعيفةٍ على عادته، قال: إنَّه اعتمدَ عليها في أنَّ مدَّة الدُّنيا سبعةُ آلاف سنةٍ، وأنَّ النَّبيَّ بُعث في آخرِ الألف السَّادسة؛ منها: حديث الضَّحَّاك بن زملٍ الجُهنيِّ، قال: «رأيتُ رؤيا فقصصتُها على رسولِ الله … وفيه: فإذا أَنا بك يا رسولَ الله على منبرٍ فيه سبعُ درجاتٍ، وأنتَ في أعلاهَا درجة. فقال رسولُ الله : أمَّا (٢) المنبرُ الَّذي رأيتَ فيه سبعَ درجاتٍ وأنا في أعلاها درجَة، فالدُّنيا سبعةُ آلافٍ وأنا في آخرهَا ألفًا» رواه البيهقيُّ في «دلائله»، فقولُه (٣): «وأنا في آخرِهَا ألفًا» أي: معظم المدَّة في الألف السَّابعة؛ ليُطابق أنَّ بعثته (٤) في أواخر الألف السَّادسة، ولو كان بُعث أوَّل الألف السَّابعة كانت الأشراطُ الكُبرى كالدَّجَّال وُجدت قبل اليوم بأكثر من مئة سنةٍ لتقوم السَّاعة عند تمام الألف، ولم يوجدْ شيءٌ من ذلك، فدلَّ على أنَّ الباقي من الألف السَّابعة أكثر من ثلاث مئة. انتهى.

قلت: قال الحافظُ ابن حَجر: إنَّ سند هذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، وأخرجه ابن السَّكن في «الصَّحابة» -وقال: إسنادهُ مجهولٌ، وليس ابن زملٍ بمعروفٍ في الصَّحابة- وابن قتيبة في «غريب الحديث»، وأورده ابن الجوزيِّ في «الموضوعات».

وقال ابنُ الأثير: ألفاظه مصنوعةٌ (٥)، وقد أخبر مَعمر في «الجامع» عن ابن أبي نَجيحٍ،

عن مجاهدٍ، قال معمرٌ: بلغني عن عكرمةٍ في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قال: الدُّنيا من أوَّلها إلى آخرها يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ (١) لا يدري كم مضى ولا كم بقي إلَّا الله تعالى.

تنبيه: وأمَّا ما اشتُهر على الألسنة من أنَّ النَّبيَّ لا يمكث في قبره ألف سنةٍ، فباطلٌ لا أصل له، كما صرَّح به الشَّيخ عبد العزيز الدَّيرينيُّ في «الدُّرر الملتقطة في المسائل المختلطة» لكنَّه قال: إنَّه ممَّا نُقل عن علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سَلَام وكعبٍ الأحبار. انتهى.

ولا يصحُّ ذلك بل كلُّ ما ورد فيه تحديدٌ إمَّا أن يكون لا أصل له أو لا يثبتُ.

وقال الحافظُ عماد الدِّين بن كثير في «البداية» بعد أن ذكر حديث: «ألَا إنَّ مثلَ آجالكُم في آجالِ الأُممِ قبلكُم كما بينَ صلاةِ العَصرِ إلى مغربِ الشَّمسِ»: هذا يدلُّ على أنَّ ما بقي بالنِّسبة إلى ما مضى كالشَّيء اليسير، لكن لا يَعلم مقدار ما مَضى إلَّا الله ﷿، ولم يجئْ فيه تحديدٌ يصحُّ سنده عن المعصوم (٢) حتَّى يُصار إليه ويُعلم نسبة ما بقي بالنِّسبة إليه، ولكنَّه قليلٌ جدًّا بالنِّسبة إلى الماضي، وتعيين وقت السَّاعة لم يأتِ به حديثٌ صحيحٌ، بل الآيات والأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّ علم ذلك ممَّا استأثرَ الله به دون أحدٍ من خلقهِ، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال : «ما المسؤولُ بأعلَم من السَّائلِ» فالخوض في ذلك لا يجدي نفعًا، ولا يأتي بطائلٍ، والله الموفِّق.

(٤٠) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين بغير (٤) ترجمةٍ، فهو كالفصلِ من الباب السَّابق، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «باب طلوع الشَّمس من مغربها».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ) لَفْظَة: بِهِ، فِي رِوَايَة الْكشميهني لَا غَيره. قَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا كُله من الْمجَاز، يَعْنِي أَنه، يحفظه كَمَا يحفظ العَبْد جوارحه لِئَلَّا يَقع فِي مهلكة. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه أَمْثَال وَالْمعْنَى: وَالله أعلم توفيقه فِي الْأَعْمَال الَّتِي بَاشَرَهَا بِهَذِهِ الْأَعْضَاء وتيسير الْمحبَّة لَهُ فِيهَا بِأَن يحفظ جوارحه عَلَيْهِ ويعصمه من مُوَافقَة مَا يكره الله تَعَالَى من الإصغاء إِلَى اللَّهْو مثلا، وَمن النّظر إِلَى مَا نهى عَنهُ، وَمن الْبَطْش بِمَا لَا يحل لَهُ، وَمن السَّعْي فِي الْبَاطِل بِرجلِهِ، أَو بِأَن يسْرع فِي إِجَابَة الدُّعَاء، والإلحاح فِي الطّلب وَذَلِكَ أَن مساعي الْإِنْسَان إِنَّمَا تكون بِهَذِهِ الْجَوَارِح الْأَرْبَع. قَوْله: (وبصره الَّذِي يبصر بِهِ) وَفِي حَدِيث عَائِشَة فِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد: عينه الَّتِي يبصر بهَا، وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بن مُجَاهِد: عَيْنَيْهِ اللَّتَيْنِ يبصر بهما، وَكَذَا قَالَ فِي الْأذن وَالْيَد وَالرجل، وَزَاد عبد الْوَاحِد فِي رِوَايَته: (وفؤاده الَّذِي يعقل بِهِ، وَلسَانه الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ) وَقيل: الْمَعْنى: إجعل لَهُ مقاصده كَأَنَّهُ ينالها بسمعه وبصره ... إِلَى آخِره، وَقيل: كنت لَهُ فِي النُّصْرَة كسمعه وبصره وَيَده وَرجله فِي المعاونة على عدوه، وَقيل فِيهِ: مُضَاف مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: كنت حَافظ سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ فَلَا يسمع إلَاّ مَا يحل سَمَاعه، وحافظ بَصَره كَذَلِك إِلَى آخِره، قيل: إِن الاتحادية زَعَمُوا أَنه على حَقِيقَته وَأَن الْحق عين العَبْد، وَاحْتَجُّوا بمجيء جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي صُورَة دحْيَة، قَالُوا: فَهُوَ روحاني خلع صورته وَظهر بمظهر الْبشر، قَالُوا: فَالله أقدر على أَن يظْهر فِي صُورَة الْوُجُود الْكُلِّي أَو بِبَعْضِه تَعَالَى الله سُبْحَانَهُ عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا. قَوْله: (يبطش) بِكَسْر الطَّاء. قَوْله: (وَإِن سَأَلَني) أَي: عَبدِي، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد. قَوْله: (لأعطينه) اللَّام للتَّأْكِيد والهمزة مَضْمُومَة وَالْفِعْل مُؤَكد بالنُّون الثَّقِيلَة. قَوْله: (استعاذ بِي) بِالْبَاء الْمُوَحدَة بعد الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقيل: بالنُّون مَوضِع الْبَاء. قَوْله: (لأعيذنه) أَي: مِمَّا يخَاف، فَإِن قيل: كثير من الصلحاء والعباد دعوا وبالغوا وَلم يجابوا. قيل لَهُ: الْإِجَابَة تتنوع، فَتَارَة يَقع الْمَطْلُوب بِعَيْنِه على الْفَوْر، وَتارَة يَقع وَلَكِن يتَأَخَّر الحكم، وَتارَة قد تقع الْإِجَابَة وَلَكِن بِغَيْر الْمَطْلُوب حَيْثُ لَا يكون فِي الْمَطْلُوب مصلحَة ناجزة، وَفِي الْوَاقِع مصلحَة ناجزة، أَو أصلح مِنْهَا. قَوْله: (وَمَا ترددت عَن شَيْء التَّرَدُّد) مثل لِأَنَّهُ محَال على الله، وَقَالَ الْخطابِيّ: التَّرَدُّد فِي حق الله غير جَائِز، والبداء عَلَيْهِ فِي الْأُمُور غير سَائِغ، لَكِن لَهُ تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا: أَن العَبْد قد يشرف على الْهَلَاك فِي أَيَّام عمره من دَاء يُصِيبهُ أَو فاقة تنزل بِهِ، فيدعو الله فيشفيه مِنْهَا وَيدْفَع عَنهُ مكروهها. فَيكون ذَلِك من فعله كترديد من يُرِيد أمرا ثمَّ يَبْدُو لَهُ فِيهِ فيتركه ويعرض عَنهُ، وَلَا بُد من لِقَائِه إِذا بلغ الْكتاب أَجله، لِأَن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بِالْبَقَاءِ لنَفسِهِ. وَالثَّانِي: أَن يكون مَعْنَاهُ: مَا رددت رُسُلِي فِي شَيْء أَنا فَاعله، كترديدي إيَّاهُم فِي نفس الْمُؤمن كَمَا روى فِي قصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَمَا كَانَ من لطمه عين ملك الْمَوْت، وتردده إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى. قَالَ: وَحَقِيقَة الْمَعْنى على الْوَجْهَيْنِ عطف الله على العَبْد ولطفه بِهِ وشفقته عَلَيْهِ. قَوْله: (وإساءته) ، ويروى: مساءته، أَي: حَيَاته لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ يبلغ إِلَى النَّعيم الْمُقِيم لَا فِي الْحَيَاة، أولأن حَيَاته تُؤدِّي إِلَى أرذل الْعُمر. وتنكيس الْخلق وَالرَّدّ إِلَى أَسْفَل سافلين أَو أكره مكروهه الَّذِي هُوَ الْمَوْت فَلَا أسْرع بِقَبض روحه فَأَكُون كالمتردد. [/ شَرّ

٩٣ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (بُعِثْتُ أَنا والسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (بعثت)

إِلَى آخِره. قَالَ الْكرْمَانِي: السَّاعَة بِالرَّفْع وَالنّصب، وَاخْتصرَ على هَذَا.

قلت: وَجه النصب أَن الْوَاو بِمَعْنى: مَعَ، وَمِنْهُم من منع الرّفْع لفساد الْمَعْنى لِأَنَّهُ لَا يُقَال: بعثت السَّاعَة، وَجزم عِيَاض بِأَن الرّفْع أحسن لِأَنَّهُ عطف على ضمير الْمَجْهُول فِي: بعثت قَوْله: (كهاتين) أَي: الإصبعين السبابَة وَالْوُسْطَى.

{وَمَا أَمر السَّاعَة إِلَّا كلمح الْبَصَر أَو هُوَ أقرب إِن الله على كل شَيْء قدير} (النَّحْل: ٧٧)

تَقْدِيره: وَقَول الله عز وَجل: {وَمَا أَمر السَّاعَة} الْآيَة بِتَمَامِهَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر {وَمَا أَمر السَّاعَة إلاّ كلمح الْبَصَر} ... الْآيَة، وَإِنَّمَا قُلْنَا: تَقْدِيره: وَقَول الله عز وَجل، لِأَنَّهُ يُوهم أَن تكون بَقِيَّة الحَدِيث، على أَن فِي بعض النّسخ. وَقَول الله مَوْجُود. قَوْله: {وَمَا أَمر السَّاعَة} أَي: وَمَا شَأْن الْقِيَامَة إلَاّ كلمح الْبَصَر، اللمح سرعَة إبصار الشَّيْء. أَو هُوَ أَي أَمر السَّاعَة أقرب من لمح الْبَصَر.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله