الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥٤١
الحديث رقم ٦٥٤١ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١١٣⦘
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ.»
٦٥٤١ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ وَحَدَّثَنِي أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
يخبرنا حُصين بن عبد الرحمن رحمه الله عن محاورة جرت بينه وبين سعيد بن جبير رحمه الله في شأن الرقية، وذلك أن حصينًا لدغته عقرب وارتقى منها بالرقية المشروعة، ولما سأله سعيد عن دليله أخبره بحديث الشعبي الذي يبيح الرقية من العين والسم، فامتدحه سعيد على ذلك، ولكنه روى له حديثًا يحبذ ترك الرقية، هو حديث ابن عباس الذي يتضمن الصفات الأربع التي من اتصف بها استحق الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهي عدم طلب الرقية، وعدم الاكتواء، وعدم التشاؤم، وصدق الاعتماد على الله تعالى ولما طلب عكاشة من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعو له أن يكون منهم أخبره بأنه معهم، ولما قام رجل آخر لنفس الغرض تلطف معه النبي صلى الله عليه وسلم في المنع سدًّا للباب وقطعًا للتسلسل.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَمْرَةٍ، زَادَ وَكِيعٌ فِي رِوَايَتِهِ: فَلْيَفْعَلْ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى: فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ أَيِ اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا وِقَايَةً مِنَ الصَّدَقَةِ، وَعَمَلِ الْبِرِّ، وَلَوْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ.
قَوْلُهُ: قَالَ الْأَعْمَشُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ، وَبَيَّنَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي زَادَهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ لِلْأَعْمَشِ فِي حَدِيثِهِ عَنْ خَيْثَمَةَ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَقَدْ مَضَى الْحَدِيثُ بِأَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا فِي رِوَايَةِ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ فِي الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنِي عَمْرُو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ.
قَوْلُهُ: اتَّقُوا النَّارَ ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ أَظْهَرَ الْحَذَرَ مِنْهَا، وَقَالَ الْخَلِيلِيُّ: أَشَاحَ بِوَجْهِهِ عَنِ الشَّيْءِ نَحَّاهُ عَنْهُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُشِيحُ الْحَذِرُ، وَالْجَادُّ فِي الْأَمْرِ، وَالْمُقْبِلُ فِي خِطَابِهِ، فَيَصِحُّ أَحَدُ هَذِهِ الْمَعَانِي أَوْ كُلُّهَا أَيْ حَذِرُ النَّارِ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَوْ جَدَّ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِاتِّقَائِهَا، أَوْ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي خِطَابِهِ بَعْدَ أَنْ أَعْرَضَ عَنِ النَّارِ لَمَّا ذَكَرَهَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ مَعْنَى أَشَاحَ صَدَّ وَانْكَمَشَ، وَقِيلَ: صَرَفَ وَجْهَهُ كَالْخَائِفِ أَنْ تَنَالَهُ.
قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ مِنْ قَوْلِهِ: أَعْرَضَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فِي أَوَّلِهِ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّارَ فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ.
قَوْلُهُ: ثَلَاثًا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ وَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَابْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي حَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ؛ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الصَّدَقَةِ وَلَوْ قُلْتُ: وَقَدْ قُيِّدَتْ فِي الْحَدِيثِ بِالْكَسْبِ الطَّيِّبِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ احْتِقَارِ الْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الزُّهْدِ حَيْثُ قَالُوا: الْمُلْتَفِتُ هَالِكٌ يُؤْخَذُ مِنْ أَنَّ نَظَرَ الْمَذْكُورِ، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فِيهِ صُورَةُ الِالْتِفَاتِ؛ فَلِذَا لَمَّا نَظَرَ أَمَامَهُ اسْتَقْبَلَتْهُ النَّارُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قُرْبِ النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ مُرْسَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهْ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ رَفَعَهُ: كَأَنِّي أَرَاكُمْ بِالْكَوَمِ جُثًى مِنْ دُونِ جَهَنَّمَ وَقَوْلُهُ: جُثًى بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ مَقْصُورٌ جَمْعُ جَاثٍ، وَالْكَوَمُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْوَاوِ السَّاكِنَةِ الْمَكَانُ الْعَالِي الَّذِي تَكُونُ عَلَيْهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى تَلٍّ عَالٍ، وَفِيهِ أَنَّ احْتِجَابَ اللَّهِ عَنْ عِبَادِهِ لَيْسَ بِحَائِلٍ حِسِّيٍّ، بَلْ بِأَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتِهِ، يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى قُدَّامَهُ شَيْئًا، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: الْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ هُنَا يَدُلُّ عَلَى هُدًى أَوْ يُرَدُّ عَنْ رَدًى، أَوْ يُصْلِحُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ يَفْصِلُ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ، أَوْ يَحُلُّ مُشْكِلًا أَوْ يَكْشِفُ غَامِضًا، أَوْ يَدْفَعُ ثَائِرًا أَوْ يُسَكِّنُ غَضَبًا، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
٥٠ - بَاب يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ
٦٥٤١ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ح. وَحَدَّثَنِي أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْأُمَّةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، هَؤُلَاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٥٤١ - وبه قال (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدّ الميمنة، المِنْقَرِيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، محمَّدٌ، واسم جدِّه: غزوان الضَّبيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيُّ السُّلميُّ الكوفيُّ، أبو الهذيل (وَحَدَّثَنِي) بالواو والإفراد، ولأبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ (١): «وحدَّثني» (أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة، أبو محمَّد الجمَّال -بالجيم- مولى عليِّ بن صالحٍ القرشيُّ الكوفيُّ، وهو من أفراد البخاريِّ، ضعيفٌ وليس له في البخاريِّ (٢) إلَّا هذا الموضع، ولقد قرنَه بعمران بن ميسَرةَ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابن بشيرٍ الواسطيُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضم الحاء، هو (٣) ابنُ عبد الرَّحمن، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر) الوالبيِّ (فَقَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عُرِضَتْ) بضم العين مبنيًّا للمفعول (عَلَيَّ الأُمَمُ) بالرَّفع وتشديد ياء «عليَّ» أي: ليلة الإسراء، كما عند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من رواية عَبْثَر (٤) بن القاسم -بموحدة فمثلثة بوزن جعفر- في روايتهِ عن حُصين بن عبد الرَّحمن، وهو يدلُّ على تعدادِ (٥) الإسراء، وأنَّه وقع بالمدينةِ غير الَّذي وقع بمكَّة (فَأَخَذَ النَّبِيُّ) بخاء وذال معجمتين مفتوحتين بلفظ الفعل الماضي، و «النَّبيُّ» رفع فاعلٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فأجِدُ» بجيم مكسورة فدال مهملة بلفظ المضارع «النَّبيَّ» نصب مفعول (يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ) أي: العددُ الكثير (وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ) اسم جمعٍ يقعُ على جماعة الرِّجال خاصَّةً ما بين الثَّلاثة إلى العشرةِ، ولغير الكُشميهنيِّ: «والنَّبيُّ
معه النَّفر» (وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ) بفتح الشين، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «العشِيْرة» بكسر الشين وزيادة تحتية ساكنة، القبيلة (وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «يمرُّ» (فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ) شخصٌ يُرى من بعيدٍ، ووصفَه بالكثرة إشارةً إلى أنَّ المراد الجنسُ لا الواحد، وزاد في رواية حُصين بن نُميرٍ السَّابقة في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٥٢] «سدّ الأُفُق» وهو ناحية السَّماء (قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ هَؤُلَاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا) في رواية حُصين بن نُميرٍ: «فرجوتُ أن تكون أمَّتي فقال: هذا موسى في قومهِ» (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا (١) سَوَادٌ كَثِيرٌ) زاد في روايةِ سعيد بنِ منصورٍ: «فقيل لي: انظرْ إلى الأُفُق الآخر، فنَظرتُ فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: انظرْ إلى الأُفُق الآخر مثله» وفي رواية أحمد (٢): «فرأيتُ أمَّتي قد مَلؤوا السَّهل والجبل فأعجبنِي كثرتهم» (قَالَ) جبريل: (هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ) زاد في رواية أحمدٍ: «فقيل: أرضيتَ يا محمَّد؟ قلت: نعم يا ربِّ» (وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ) ولسعيدِ بن منصورٍ: «معهم» بدل: «قُدَّامهم» (لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ) والمراد بالمعيَّة المعيَّة المعنويَّة فإنَّ السَّبعين ألفًا المذكورين من جملةِ أمَّته لم يكونوا في الَّذين عُرضوا إذ ذاك، فأُريد الزِّيادة في تكثيرِ أمَّته بإضافة السَّبعين ألفًا إليهم (قُلْتُ: وَلِمَ؟) بكسر اللام وفتح الميم وتسكَّن، يُستفهم بها عن السَّبب (قَالَ) جبريلُ: (كَانُوا لَا يَكْتَوُون وَلَا يَسْتَرْقُونَ) بغير القرآن، كعزائمِ أهل الجاهليَّة (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) ولا يتشاءمون بالطُّيور (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وقيل: إنَّ استعمال الرُّقى والكيِّ قادحٌ في التَّوكُّل؛ إذ البُرْءُ فيهما مُتوهَّمٌ بخلافِ غيرهما من أنواعِ الطِّبِّ، فإنَّه محقَّقٌ كالأكلِ والشُّرب فلا يقدحُ؟
وأُجيب بأنَّ أكثر أنواع الطِّبِّ موهومٌ، والرُّقى بأسماء الله مُقتَضٍ للتَّوكُّل عليه والالتجاءِ إليه والرَّغبة فيما لديهِ، ولو قَدح هذا في التَّوكُّل قَدح فيه الدُّعاء إذ لا فرقَ، وفي حديثِ أحمد وصحَّحه ابنا خُزيمة وحبَّان عن رفاعة الجهنيِّ مرفوعًا: «وعدنِي ربِّي أن يدخُلَ من أمَّتي الجنَّةَ سبعِين ألفًا بغيرِ حسابٍ، وإنِّي لأرجُو أن لَا يدخلُوهَا حتَّى تبوَّؤُوا أنتُم ومن صلحَ من أزواجكُم وذرِّياتِكُم
مساكنَ في الجنَّةِ» إذ (١) مزيَّة السَّبعين بالدُّخول بغيرِ حسابٍ لا يستلزمُ أنَّهم أفضلُ من غيرهم بل فيمَن يُحاسب في الجملة مَن يكون أفضل منهم، وهل المرادُ بالعددِ المذكور التَّكثير أو حقيقتُه؟
وفي حديثِ أبي هريرة عند أحمدَ والبيهقيِّ في «البعث» قال: «سألتُ ربِّي ﷿ فوعدنِي أن يدخلَ الجنَّةَ من أمَّتِي زمرةً هم سبعُونَ ألفًا» وزاد: «فاستزدْتُ ربِّي فزادنِي مع كلِّ ألفٍ ألفًا» وسنده جيِّدٌ، وفي التِّرمذيِّ وحسَّنه عن أبي أُمامة رفعه: «وعدَنِي ربِّي أن يدخلَ الجنَّةَ من أمَّتِي (٢) سبعِينَ ألفًا مَع كلِّ ألفٍ سبعينَ (٣) ألفًا لا حسابَ عليهِم، ولا عذابَ، وثلاثُ حَثَياتٍ من حَثَياتِ رَبِّي». وفي حديثِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق عند أحمدَ وأبي يَعلى: «أعطَاني مع كلِّ واحدٍ مَن السَّبعين ألفًا سبعين ألفًا»، لكن في سنده راوٍ ضعيف الحفظ، وآخر لم يسمَّ. وعند الكلاباذيِّ في «معاني الأخبار» بسندٍ واهٍ (٤) عن عائشةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّ آتيًا أتانِي من ربِّي، فبشَّرنِي أنَّ اللَّه يدخلُ من أمَّتِي سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ، ثمَّ أتانِي فبشَّرنِي أنَّ اللَّه يدخلُ من أمَّتي (٥) مكانَ كلِّ واحدٍ من السَّبعين ألفًا سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ، ثمَّ أتانِي فبشَّرنِي أنَّ اللَّه يدخلُ من أمَّتي مكانَ كلِّ واحدٍ من السَّبعينَ (٦) المضاعفَةِ سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ، فقلتُ: يا ربِّ لا تبلغُ هذا أمَّتِي. قال: أكملهُم لك منَ الأعرابِ ممَّن لا يصومُ ولا يصلِّي».
قال الكلاباذيُّ: المراد بـ «الأمَّة» أوَّلًا: أمَّة الإجابة، وبقوله آخرًا: «أمَّتي» أمَّة الاتِّباع، فإنَّ أمَّته ﷺ على ثلاثةِ أقسامٍ أحدُها أخصُّ من الآخر: أمَّة الاتِّباع، ثمَّ أمَّة الإجابة، ثمَّ أمَّة الدَّعوة، فالأُولى أهل العمل الصَّالح، والثَّانية مُطلق المسلمين، والثَّالثة من عَداهم ممَّن بُعِث إليهم.
(فَقَامَ إِلَيْهِ) ﷺ (عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بضم العين المهملة وفتح الكاف مشددة وتخفَّف، و «مِحْصَن» بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون، ابن حُرْثان -بضم الحاء المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة- من بني أسد بن خُزيمة، وكان عُكَّاشة من السَّابقين (فَقَالَ): يا رسول الله (ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ) هو سعدُ بن عبادة، كما عند الخطيب في «المُبهمات» واستُبعد هذا من جهة جلالة سعدِ بن عبادة (قَالَ): يا رسول الله (ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ ﷺ: سَبَقَكَ بِهَا) بالصِّفات الَّتي هي التَّوكُّل وسابقه (عُكَّاشَةُ) أو أراد بذلك حسم المادَّة؛ إذ لو أجابَ الثَّاني لقام ثالثٌ ورابعٌ وهلُمَّ جرًّا، وليس كلُّ أحدٍ يصلحُ لذلك، أو أنَّه أجاب عُكاشة بوحي ولم يوحَ إليه في غيرهِ، أو أنَّ السَّاعة الَّتي سَأل فيها عُكَّاشة ساعة إجابةٍ، ثمَّ انقضت، وهذا أولى من قول (١) إنَّه كان مُنافقًا؛ لأنَّ الأصلَ في الصَّحابة عدم النِّفاق، وأيضًا فإنَّ مثل هذا السُّؤال قلَّ أن يَصدر إلَّا عن قصدٍ صحيحٍ، وفي حديث جابرٍ عند الحاكم والبيهقيِّ في «الشعب» (٢) رفعه: «من زادَتْ حسناتهُ على سيِّئاتهِ فذلكَ الَّذي يدخلُ الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ، ومن استوَت حسناتُهُ وسيِّئاتُهُ، فذاكَ (٣) الَّذِي يحاسبُ حسابًا يسيرًا، ومَن أَوْبَقَ نفسهُ فهو الَّذي يُشْفَعُ فيهِ بعدَ أن يعذَّب».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
عَن أَبِيه هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن أنس. وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن معمر بِفَتْح الميمين الْقَيْسِي الْمَعْرُوف بالبحراني ضد البراني عَن روح بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: { (٢) وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} (الْبَقَرَة: ٠٣) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من وَجه آخر عَن أنس وَهنا ذكره من طَرِيقين وَسَاقه بِلَفْظ سعيد.
قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (أَكنت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (مَا هُوَ أيسر من ذَلِك) أَي: أَهْون وَهُوَ التَّوْحِيد.
٩٣٥٦ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدّثنا أبي قَالَ: حدّثني الأعْمَشُ قَالَ: حدّثني خَيْثَمَةُ عنْ عَدِيِّ ابنِ حاتِمٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ وَسَيُكَلِّمُهُ الله يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الله تُرْجُمانٌ. ثُمَّ يَنْظُرُ فَلا يَرى شَيْئاً قُدَّامَهُ، ثمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمْ أنْ يَتَّقِيَ النَّارَ ولوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٣١٤١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا أَن فِيهِ نوع مناقشة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن عبد الرَّحْمَن الْجعْفِيّ عَن عدي بن حَاتِم الطَّائِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى مطولا فِي الزَّكَاة فِي: بَاب الصَّدَقَة قبل الرَّد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من وَجه آخر عَن عبد الله بن مُحَمَّد إِلَى آخِره.
قَوْله: (مَا مِنْكُم من أحد) ، ظَاهر الْخطاب للصحابة وَيلْحق بهم الْمُؤْمِنُونَ كلهم. قَوْله: (إلاّ وسيكلمه الله) وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (إلاّ يكلمهُ ربه) ، وَالْوَاو فِيهِ إِن صَحَّ فَهُوَ مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: إِلَّا سيخاطبه وسيكلمه. قَوْله: (لَيْسَ بَينه وَبَين الله) ، ويروى: (لَيْسَ بَين الله وَبَينه) . قَوْله: (ترجمان) ، بِضَم التَّاء وَفتحهَا وَفتح الْجِيم وَضمّهَا، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ بِفَتْح التَّاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فلك أَن تضم التَّاء بضمة الْجِيم يُقَال: ترْجم، كَلَامه إِذا فسره بِكَلَام آخر. قَوْله: (قدامه) أَي: أَمَامه، وَفِي التَّوْحِيد على مَا سَيَأْتِي: (فَينْظر أَيمن مِنْهُ فَلَا يرى إلَاّ مَا قدم، وَينظر أشأم فَلَا يرى إلَاّ مَا قدم) . . وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَلَا يرى شَيْئا إلَاّ شَيْئا قدمه) ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن خَليفَة: (فَينْظر عَن يَمِينه فَلَا يرى إلَاّ النَّار، وَينظر عَن شِمَاله فَلَا يرى إلَاّ النَّار) . وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة: نظر الْيَمين وَالشمَال هُنَا كالمثل لِأَن الْإِنْسَان من شَأْنه إِذا دهمه أَمر أَن يلْتَفت يَمِينا وَشمَالًا يطْلب الْغَوْث، وَقيل: يحْتَمل أَن يطْلب طَرِيقا يهرب مِنْهُ لينجو من النَّار فَلَا يرى إلَاّ مَا يقْضِي الله بِهِ من دُخُول النَّار. قَوْله: (فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم) جَزَاؤُهُ مَحْذُوف أَي: فَلْيفْعَل، وَوَقع كَذَا فِي رِوَايَة وَكِيع.
٠٤٥٦ - قَالَ الأعْمَشُ: حدّثني عَمْرٌ وعنْ خَيْثَمَةَ عنْ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اتَّقُوا النَّارَ) ثُمَّ أعْرَضَ وأشاحَ، ثُمَّ قَالَ: (اتَّقُوا النَّارَ) ، ثُمَّ أعْرَضَ وأشاحَ ثَلاثاً حتَّى ظَنَنَّا أنّهُ يَنْظُرُ إلَيْها، ثُمَّ قَالَ: قَوْله: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) .
أَي قَالَ سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور عَن عَمْرو هُوَ ابْن مرّة عَن خَيْثَمَة، وروى الْأَعْمَش أَولا عَن خَيْثَمَة بِلَا وَاسِطَة، ثمَّ روى ثَانِيًا بالواسطة.
وَقد أخرجه مُسلم من رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش كَذَلِك، وَقد مضى الحَدِيث بأتم من هَذَا فِي كتاب الزَّكَاة من رِوَايَة مُحَمَّد بن خَليفَة.
قَوْله: (وأشاح) بالشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة أَي: صرف وَجهه. وَقَالَ الْخَلِيل: أشاح بِوَجْهِهِ عَن الشَّيْء نحاه عَنهُ، وَقيل: صرف وَجهه كالخائف أَن يَنَالهُ. قَوْله: (فَمن لم يجد) أَي: مَا يتَصَدَّق بِهِ على السَّائِل. قَوْله: (فبكلمة طيبَة) أَي يَدْفَعهُ أَي: السَّائِل بِكَلِمَة تطيب قلبه.
٠٥ - (بابٌ يَدْخُلُ الجَنَةَ سَبْعُونَ ألْفاً بِغَيْرِ حِسابٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يدْخل الْجنَّة ... إِلَى آخِره، وَفِي بعض النّسخ: بَاب يدْخلُونَ الْجنَّة سَبْعُونَ ألفا على لُغَة: أكلوني البراغيث.
١٤٥٦ - حدّثنا عِمْرانُ بنُ مَيْسَرَة حدّثنا ابنُ فُضَيْلٍ حدّثنا حُصَيْنٌ قالَ أبُو عَبْدِ الله: وحَدثني أسِيُد ابنُ زَيْدٍ حَدثنَا هُشَيْمٌ عنْ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حدّثني ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فأخَذَ النبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، والنبيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذا سَوادُ كَثِير، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! هؤُلاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا ولاكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذا سَوادٌ كَثِيرٌ، قَالَ: هاؤلاءِ أُمَّتُكَ، وهاؤُلاءِ سَبْعُونَ ألْفاً قُدَّامَهُمْ لَا حِسابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عذابَ. قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كانُوا لَا يَكْتوونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فقامَ إلَيْهِ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ) ثُمَّ قامَ إلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ: ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: (سَبَقَكَ بهَا عُكَّاشَةُ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن عمرَان بن ميسرَة ضد الميمنة عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن غَزوَان الضَّبِّيّ الْكُوفِي عَن حُصَيْن بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ. وَالطَّرِيق الآخر: عَن أسيد بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة ابْن زيد من الزِّيَادَة أبي مُحَمَّد الْجمال بِالْجِيم مولى صَالح الْقرشِي الْكُوفِي عَن هشيم بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن بشير الوَاسِطِيّ عَن حُصَيْن ... إِلَى آخِره. وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى رِوَايَته عَن أسيد الْمَذْكُور بقوله: قَالَ أَبُو عبد الله، وَهُوَ البُخَارِيّ. وحَدثني أسيد بن زيد ... إِلَى آخِره، وَلم يرو البُخَارِيّ عَنهُ، إلَاّ فِي هَذَا الْموضع فَقَط مَقْرُونا بعمران بن ميسرَة. فَإِن قلت: أسيد هَذَا ضَعِيف جدا ضعفه جمَاعَة مِنْهُم يحيى بن معِين وأفحش القَوْل فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: كانو يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ.
قلت: قَالَ أَبُو مَسْعُود: لَعَلَّه كَانَ ثِقَة عِنْده، وَهَذَا لَا يجدي فِي الِاحْتِجَاج بِهِ، وَلِهَذَا روى عَنهُ مَقْرُونا بعمران بن ميسرَة. فَإِن قلت: مَا كَانَ الدَّاعِي لهَذَا والإسناد الأول كَانَ كَافِيا؟ .
قلت: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ فِرَارًا من تكَرر الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، فَإِنَّهُ أخرج السَّنَد الأول فِي الطِّبّ فِي: بَاب من اكتوى. ثمَّ أَعَادَهُ هُنَا فأضاف إِلَيْهِ طَرِيق هشيم. انْتهى. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ قد وَقع فِي البُخَارِيّ أَسَانِيد كَثِيرَة تَكَرَّرت بِعَينهَا فِي غير مَوضِع، وَلَا يخفى هَذَا على من يتَأَمَّل ذَلِك. وَأما الَّذِي ذكره فِي الطِّبّ فَهُوَ مطول أخرجه: عَن عمرَان بن ميسرَة عَن ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن عَن عَامر عَن عمرَان بن حُصَيْن الحَدِيث. وَأخرجه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مُخْتَصرا عَن مُسَدّد وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (عرضت عَليّ) بتَشْديد الْيَاء (والأمم) بِالرَّفْع. قَوْله: (الْأمة) أَي: الْعدَد الْكثير. قَوْله: (فَأخذ) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة والذال الْمُعْجَمَة فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة وضع لدنو الْخَبَر على وَجه الشُّرُوع فِيهِ وَالْأَخْذ فِيهِ، فَتَارَة يسْتَعْمل: أَخذ اسْتِعْمَال: عَسى، فَيدْخل أَن فِي خَبره، وَتارَة يسْتَعْمل اسْتِعْمَال: كَاد، بِغَيْر أَن، ويروى: فاجد، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْجِيم وبالدال الْمُهْملَة، فعلى هَذَا لفظ النَّبِي مَنْصُوب على المفعولية، وعَلى الأول هُوَ مَرْفُوع على أَنه اسْم أَخذ. وَقَوله: (يمر) خَبره. قَوْله: (النَّفر) هُوَ رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. قَوْله: (مَعَه الْعشْرَة) بِفَتْح الشين اسْم الْعدَد الْمعِين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: الْعَشِيرَة، بِكَسْر الشين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الْقَبِيلَة. قَوْله: (فَإِذا سَواد كثير) السوَاد بِلَفْظ. ضد الْبيَاض هُوَ الشَّخْص الَّذِي يُرى من بعيد وَوَصفه بِالْكَثْرَةِ إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد بِلَفْظِهِ الْجِنْس. قَوْله: (فَإِذا سَواد كثير) كلمة: إِذا، للمفاجأة، وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور: عَظِيم، مَوضِع: كثير. قَوْله: (قدامهم) فِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور، وَمَعَهُمْ، بدل: قدامهم، وَفِي رِوَايَة حُصَيْن بن نمير وَمَعَ هَؤُلَاءِ. قَوْله: (وَلم؟) يكسر اللَّام وَفتح الْمِيم وَيجوز تسكينها يستفهم بهَا عَن السَّبَب. قَوْله: (لَا يَكْتَوُونَ) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي عِنْد غير الضَّرُورَة والاعتقاد بِأَن الشِّفَاء من الكي.
قلت: فِيهِ تَأمل. قَوْله: (ول
ايسترقون) أَي: بالأمور الَّتِي هِيَ غير الْقُرْآن كعزائم أهل الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) أَي: لَا يتشاءمون بالطيور وَأَنَّهُمْ الَّذين يتركون أَعمال الْجَاهِلِيَّة وعقائدهم، قيل: هم أَكثر من هَذَا الْعدَد، وَأجِيب: الله أعلم بذلك مَعَ احْتِمَال أَن يُرَاد بالسبعين الْكثير، وَقَالَ بَعضهم: إِن الْعدَد الْمَذْكُور على ظَاهره. وقوّي كَلَامه بِأَحَادِيث مِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة رَفعه: وَعَدَني رَبِّي أَن يدْخل الْجنَّة من أمتِي سبعين ألفا لَا حِسَاب عَلَيْهِم وَلَا عَذَاب، وَثَلَاث حثيات من حثيات رَبِّي.
قلت: احْتِمَال الزِّيَادَة فِي السّبْعين بَاقٍ، لِأَن المُرَاد مِنْهُ لَيْسَ خُصُوص الْعدَد، والحثيات كِنَايَة عَن الْمُبَالغَة فِي الْكَثْرَة. قَالَه ابْن الْأَثِير: قَوْله: (رجل آخر) قيل: هُوَ سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ سيد الْخَزْرَج.
قلت: أخرجه الْخَطِيب فِي (المبهمات) : من طَرِيق أبي حُذَيْفَة إِسْحَاق بن بشر أحد الضُّعَفَاء، وَقيل: يستبعد هَذَا السُّؤَال من سعد بن عبَادَة فَلَعَلَّ هَذَا سعد بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ وصحفه النَّاقِل. قَوْله: (سَبَقَك بهَا عكاشة) اخْتلفُوا فِي الْحِكْمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِهَذَا القَوْل، فَقَالَ الْفراء: كَانَ الآخر منافقاً، ورد هَذَا بِأَن الأَصْل فِي الصَّحَابَة عدم النِّفَاق، وَقيل: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، علم بِالْوَحْي أَنه يُجَاب فِي عكاشة وَلم يَقع ذَلِك فِي حق الآخر، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يظْهر لي الأول سَأَلَ عَن صدق قلب فَأُجِيب، وَأما الثَّانِي فَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ حسم الْمَادَّة، فَلَو قَالَ للثَّانِي: نعم، فَلَا شكّ أَن يقوم ثَالِث ورابع إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ، وَلَيْسَ كل النَّاس يصلح لذَلِك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لم يكن عِنْد الثَّانِي من تِلْكَ الْأَحْوَال مَا كَانَ عِنْد عكاشة، فَلذَلِك لم يجب. وَقَالَ السُّهيْلي: الَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّهَا كَانَت سَاعَة إِجَابَة علمهَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاتفقَ أَن الرجل قَالَ بَعْدَمَا انْقَضتْ، وَالله أعلم.
٢٤٥٦ - حدّثنا مُعاذُ بنُ أسَدٍ أخبرنَا عبدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني سَعيدُ بنُ المُسَيَّب أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حدَّثهُ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (يَدْخُلُ الجَنَّة مِنْ أُمَّتى زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ ألْفاً تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إضاءَةَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) .
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فقامَ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنِ الأسَدِيُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةً عليْهِ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله {ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعلْهُ مِنْهُمْ) ثُمَّ قامَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقَالَ: يَا رَسولَ الله} ادْعُ الله أنْ يَجْعَلني عَنْهمْ. فَقَالَ: (سَبَقَكَ بهَا عُكَاشَةُ) . (انْظُر الحَدِيث ١١٨٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومعاذ بِضَم الْمِيم ابْن أَسد أَبُو عبد الله الْمروزِي نزل الْبَصْرَة، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حَرْمَلَة عَن يحيى.
قَوْله: (نمرة) هِيَ كسَاء فِيهِ خطوط بيض وسود كَأَنَّهَا أخذت من جلد النمر.
٣٤٥٦ - حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حدّثنا أبُو غَسَّانَ قَالَ: حدّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِيَدْخُلَنَّ الجَنَةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفاً) أَو سَبْعُمائَةِ ألْفٍ شَكَّ فِي أحَدِهِما (مِتَماسِكِينَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حتَّى يَدْخُلَ أوَّلُهُمْ وآخرُهُمُ الجَنَّةَ وَوُجُوهُمْ عَلى ضوْءٍ القمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٤٢٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين مُحَمَّد بن مطرف، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي صفة الْجنَّة.
قَوْله: (شكّ فِي أَحدهمَا) وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن أبي حَازِم: لَا يدْرِي أَبُو حَازِم أَيهمَا قَالَ. قَوْله: (متماسكين) نصب على الْحَال، وَفِي رِوَايَة مُسلم: متماسكون، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هم متماسكون. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كَذَا فِي بعض النّسخ، وَفِي بَعْضهَا بِالنّصب فكلاهما صَحِيح. قَوْله: (آخذ بَعضهم بِبَعْض) أَي: بَعضهم آخذ بِبَعْض وآخذ بِالْمدِّ وَكسر الْخَاء وَفِي رِوَايَة مُسلم: أَخذ بَعضهم بَعْضًا. قَوْله: (حَتَّى يدْخل أَوَّلهمْ وَآخرهمْ الْجنَّة) هَذَا غَايَة للتماسك الْمَذْكُور، وَالْأَخْذ بِالْأَيْدِي وَفِي رِوَايَة فُضَيْل بن سُلَيْمَان الَّتِي مَضَت فِي: بَاب صفة الْجنَّة: لَا يدْخل أَوَّلهمْ حَتَّى يدْخل آخِرهم.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَمْرَةٍ، زَادَ وَكِيعٌ فِي رِوَايَتِهِ: فَلْيَفْعَلْ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى: فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ أَيِ اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا وِقَايَةً مِنَ الصَّدَقَةِ، وَعَمَلِ الْبِرِّ، وَلَوْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ.
قَوْلُهُ: قَالَ الْأَعْمَشُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ، وَبَيَّنَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي زَادَهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ لِلْأَعْمَشِ فِي حَدِيثِهِ عَنْ خَيْثَمَةَ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَقَدْ مَضَى الْحَدِيثُ بِأَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا فِي رِوَايَةِ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ فِي الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنِي عَمْرُو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ.
قَوْلُهُ: اتَّقُوا النَّارَ ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ أَظْهَرَ الْحَذَرَ مِنْهَا، وَقَالَ الْخَلِيلِيُّ: أَشَاحَ بِوَجْهِهِ عَنِ الشَّيْءِ نَحَّاهُ عَنْهُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُشِيحُ الْحَذِرُ، وَالْجَادُّ فِي الْأَمْرِ، وَالْمُقْبِلُ فِي خِطَابِهِ، فَيَصِحُّ أَحَدُ هَذِهِ الْمَعَانِي أَوْ كُلُّهَا أَيْ حَذِرُ النَّارِ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَوْ جَدَّ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِاتِّقَائِهَا، أَوْ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي خِطَابِهِ بَعْدَ أَنْ أَعْرَضَ عَنِ النَّارِ لَمَّا ذَكَرَهَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ مَعْنَى أَشَاحَ صَدَّ وَانْكَمَشَ، وَقِيلَ: صَرَفَ وَجْهَهُ كَالْخَائِفِ أَنْ تَنَالَهُ.
قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ مِنْ قَوْلِهِ: أَعْرَضَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فِي أَوَّلِهِ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّارَ فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ.
قَوْلُهُ: ثَلَاثًا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ وَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَابْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي حَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ؛ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الصَّدَقَةِ وَلَوْ قُلْتُ: وَقَدْ قُيِّدَتْ فِي الْحَدِيثِ بِالْكَسْبِ الطَّيِّبِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ احْتِقَارِ الْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الزُّهْدِ حَيْثُ قَالُوا: الْمُلْتَفِتُ هَالِكٌ يُؤْخَذُ مِنْ أَنَّ نَظَرَ الْمَذْكُورِ، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فِيهِ صُورَةُ الِالْتِفَاتِ؛ فَلِذَا لَمَّا نَظَرَ أَمَامَهُ اسْتَقْبَلَتْهُ النَّارُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قُرْبِ النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ مُرْسَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهْ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ رَفَعَهُ: كَأَنِّي أَرَاكُمْ بِالْكَوَمِ جُثًى مِنْ دُونِ جَهَنَّمَ وَقَوْلُهُ: جُثًى بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ مَقْصُورٌ جَمْعُ جَاثٍ، وَالْكَوَمُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْوَاوِ السَّاكِنَةِ الْمَكَانُ الْعَالِي الَّذِي تَكُونُ عَلَيْهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى تَلٍّ عَالٍ، وَفِيهِ أَنَّ احْتِجَابَ اللَّهِ عَنْ عِبَادِهِ لَيْسَ بِحَائِلٍ حِسِّيٍّ، بَلْ بِأَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتِهِ، يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى قُدَّامَهُ شَيْئًا، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: الْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ هُنَا يَدُلُّ عَلَى هُدًى أَوْ يُرَدُّ عَنْ رَدًى، أَوْ يُصْلِحُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ يَفْصِلُ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ، أَوْ يَحُلُّ مُشْكِلًا أَوْ يَكْشِفُ غَامِضًا، أَوْ يَدْفَعُ ثَائِرًا أَوْ يُسَكِّنُ غَضَبًا، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
٥٠ - بَاب يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ
٦٥٤١ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ح. وَحَدَّثَنِي أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْأُمَّةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، هَؤُلَاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٥٤١ - وبه قال (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدّ الميمنة، المِنْقَرِيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، محمَّدٌ، واسم جدِّه: غزوان الضَّبيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيُّ السُّلميُّ الكوفيُّ، أبو الهذيل (وَحَدَّثَنِي) بالواو والإفراد، ولأبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ (١): «وحدَّثني» (أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة، أبو محمَّد الجمَّال -بالجيم- مولى عليِّ بن صالحٍ القرشيُّ الكوفيُّ، وهو من أفراد البخاريِّ، ضعيفٌ وليس له في البخاريِّ (٢) إلَّا هذا الموضع، ولقد قرنَه بعمران بن ميسَرةَ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابن بشيرٍ الواسطيُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضم الحاء، هو (٣) ابنُ عبد الرَّحمن، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر) الوالبيِّ (فَقَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عُرِضَتْ) بضم العين مبنيًّا للمفعول (عَلَيَّ الأُمَمُ) بالرَّفع وتشديد ياء «عليَّ» أي: ليلة الإسراء، كما عند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من رواية عَبْثَر (٤) بن القاسم -بموحدة فمثلثة بوزن جعفر- في روايتهِ عن حُصين بن عبد الرَّحمن، وهو يدلُّ على تعدادِ (٥) الإسراء، وأنَّه وقع بالمدينةِ غير الَّذي وقع بمكَّة (فَأَخَذَ النَّبِيُّ) بخاء وذال معجمتين مفتوحتين بلفظ الفعل الماضي، و «النَّبيُّ» رفع فاعلٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فأجِدُ» بجيم مكسورة فدال مهملة بلفظ المضارع «النَّبيَّ» نصب مفعول (يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ) أي: العددُ الكثير (وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ) اسم جمعٍ يقعُ على جماعة الرِّجال خاصَّةً ما بين الثَّلاثة إلى العشرةِ، ولغير الكُشميهنيِّ: «والنَّبيُّ
معه النَّفر» (وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ) بفتح الشين، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «العشِيْرة» بكسر الشين وزيادة تحتية ساكنة، القبيلة (وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «يمرُّ» (فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ) شخصٌ يُرى من بعيدٍ، ووصفَه بالكثرة إشارةً إلى أنَّ المراد الجنسُ لا الواحد، وزاد في رواية حُصين بن نُميرٍ السَّابقة في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٥٢] «سدّ الأُفُق» وهو ناحية السَّماء (قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ هَؤُلَاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا) في رواية حُصين بن نُميرٍ: «فرجوتُ أن تكون أمَّتي فقال: هذا موسى في قومهِ» (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا (١) سَوَادٌ كَثِيرٌ) زاد في روايةِ سعيد بنِ منصورٍ: «فقيل لي: انظرْ إلى الأُفُق الآخر، فنَظرتُ فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: انظرْ إلى الأُفُق الآخر مثله» وفي رواية أحمد (٢): «فرأيتُ أمَّتي قد مَلؤوا السَّهل والجبل فأعجبنِي كثرتهم» (قَالَ) جبريل: (هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ) زاد في رواية أحمدٍ: «فقيل: أرضيتَ يا محمَّد؟ قلت: نعم يا ربِّ» (وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ) ولسعيدِ بن منصورٍ: «معهم» بدل: «قُدَّامهم» (لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ) والمراد بالمعيَّة المعيَّة المعنويَّة فإنَّ السَّبعين ألفًا المذكورين من جملةِ أمَّته لم يكونوا في الَّذين عُرضوا إذ ذاك، فأُريد الزِّيادة في تكثيرِ أمَّته بإضافة السَّبعين ألفًا إليهم (قُلْتُ: وَلِمَ؟) بكسر اللام وفتح الميم وتسكَّن، يُستفهم بها عن السَّبب (قَالَ) جبريلُ: (كَانُوا لَا يَكْتَوُون وَلَا يَسْتَرْقُونَ) بغير القرآن، كعزائمِ أهل الجاهليَّة (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) ولا يتشاءمون بالطُّيور (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وقيل: إنَّ استعمال الرُّقى والكيِّ قادحٌ في التَّوكُّل؛ إذ البُرْءُ فيهما مُتوهَّمٌ بخلافِ غيرهما من أنواعِ الطِّبِّ، فإنَّه محقَّقٌ كالأكلِ والشُّرب فلا يقدحُ؟
وأُجيب بأنَّ أكثر أنواع الطِّبِّ موهومٌ، والرُّقى بأسماء الله مُقتَضٍ للتَّوكُّل عليه والالتجاءِ إليه والرَّغبة فيما لديهِ، ولو قَدح هذا في التَّوكُّل قَدح فيه الدُّعاء إذ لا فرقَ، وفي حديثِ أحمد وصحَّحه ابنا خُزيمة وحبَّان عن رفاعة الجهنيِّ مرفوعًا: «وعدنِي ربِّي أن يدخُلَ من أمَّتي الجنَّةَ سبعِين ألفًا بغيرِ حسابٍ، وإنِّي لأرجُو أن لَا يدخلُوهَا حتَّى تبوَّؤُوا أنتُم ومن صلحَ من أزواجكُم وذرِّياتِكُم
مساكنَ في الجنَّةِ» إذ (١) مزيَّة السَّبعين بالدُّخول بغيرِ حسابٍ لا يستلزمُ أنَّهم أفضلُ من غيرهم بل فيمَن يُحاسب في الجملة مَن يكون أفضل منهم، وهل المرادُ بالعددِ المذكور التَّكثير أو حقيقتُه؟
وفي حديثِ أبي هريرة عند أحمدَ والبيهقيِّ في «البعث» قال: «سألتُ ربِّي ﷿ فوعدنِي أن يدخلَ الجنَّةَ من أمَّتِي زمرةً هم سبعُونَ ألفًا» وزاد: «فاستزدْتُ ربِّي فزادنِي مع كلِّ ألفٍ ألفًا» وسنده جيِّدٌ، وفي التِّرمذيِّ وحسَّنه عن أبي أُمامة رفعه: «وعدَنِي ربِّي أن يدخلَ الجنَّةَ من أمَّتِي (٢) سبعِينَ ألفًا مَع كلِّ ألفٍ سبعينَ (٣) ألفًا لا حسابَ عليهِم، ولا عذابَ، وثلاثُ حَثَياتٍ من حَثَياتِ رَبِّي». وفي حديثِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق عند أحمدَ وأبي يَعلى: «أعطَاني مع كلِّ واحدٍ مَن السَّبعين ألفًا سبعين ألفًا»، لكن في سنده راوٍ ضعيف الحفظ، وآخر لم يسمَّ. وعند الكلاباذيِّ في «معاني الأخبار» بسندٍ واهٍ (٤) عن عائشةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّ آتيًا أتانِي من ربِّي، فبشَّرنِي أنَّ اللَّه يدخلُ من أمَّتِي سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ، ثمَّ أتانِي فبشَّرنِي أنَّ اللَّه يدخلُ من أمَّتي (٥) مكانَ كلِّ واحدٍ من السَّبعين ألفًا سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ، ثمَّ أتانِي فبشَّرنِي أنَّ اللَّه يدخلُ من أمَّتي مكانَ كلِّ واحدٍ من السَّبعينَ (٦) المضاعفَةِ سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ، فقلتُ: يا ربِّ لا تبلغُ هذا أمَّتِي. قال: أكملهُم لك منَ الأعرابِ ممَّن لا يصومُ ولا يصلِّي».
قال الكلاباذيُّ: المراد بـ «الأمَّة» أوَّلًا: أمَّة الإجابة، وبقوله آخرًا: «أمَّتي» أمَّة الاتِّباع، فإنَّ أمَّته ﷺ على ثلاثةِ أقسامٍ أحدُها أخصُّ من الآخر: أمَّة الاتِّباع، ثمَّ أمَّة الإجابة، ثمَّ أمَّة الدَّعوة، فالأُولى أهل العمل الصَّالح، والثَّانية مُطلق المسلمين، والثَّالثة من عَداهم ممَّن بُعِث إليهم.
(فَقَامَ إِلَيْهِ) ﷺ (عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بضم العين المهملة وفتح الكاف مشددة وتخفَّف، و «مِحْصَن» بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون، ابن حُرْثان -بضم الحاء المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة- من بني أسد بن خُزيمة، وكان عُكَّاشة من السَّابقين (فَقَالَ): يا رسول الله (ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ) هو سعدُ بن عبادة، كما عند الخطيب في «المُبهمات» واستُبعد هذا من جهة جلالة سعدِ بن عبادة (قَالَ): يا رسول الله (ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ ﷺ: سَبَقَكَ بِهَا) بالصِّفات الَّتي هي التَّوكُّل وسابقه (عُكَّاشَةُ) أو أراد بذلك حسم المادَّة؛ إذ لو أجابَ الثَّاني لقام ثالثٌ ورابعٌ وهلُمَّ جرًّا، وليس كلُّ أحدٍ يصلحُ لذلك، أو أنَّه أجاب عُكاشة بوحي ولم يوحَ إليه في غيرهِ، أو أنَّ السَّاعة الَّتي سَأل فيها عُكَّاشة ساعة إجابةٍ، ثمَّ انقضت، وهذا أولى من قول (١) إنَّه كان مُنافقًا؛ لأنَّ الأصلَ في الصَّحابة عدم النِّفاق، وأيضًا فإنَّ مثل هذا السُّؤال قلَّ أن يَصدر إلَّا عن قصدٍ صحيحٍ، وفي حديث جابرٍ عند الحاكم والبيهقيِّ في «الشعب» (٢) رفعه: «من زادَتْ حسناتهُ على سيِّئاتهِ فذلكَ الَّذي يدخلُ الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ، ومن استوَت حسناتُهُ وسيِّئاتُهُ، فذاكَ (٣) الَّذِي يحاسبُ حسابًا يسيرًا، ومَن أَوْبَقَ نفسهُ فهو الَّذي يُشْفَعُ فيهِ بعدَ أن يعذَّب».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
عَن أَبِيه هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن أنس. وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن معمر بِفَتْح الميمين الْقَيْسِي الْمَعْرُوف بالبحراني ضد البراني عَن روح بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: { (٢) وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} (الْبَقَرَة: ٠٣) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من وَجه آخر عَن أنس وَهنا ذكره من طَرِيقين وَسَاقه بِلَفْظ سعيد.
قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (أَكنت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (مَا هُوَ أيسر من ذَلِك) أَي: أَهْون وَهُوَ التَّوْحِيد.
٩٣٥٦ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدّثنا أبي قَالَ: حدّثني الأعْمَشُ قَالَ: حدّثني خَيْثَمَةُ عنْ عَدِيِّ ابنِ حاتِمٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ وَسَيُكَلِّمُهُ الله يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الله تُرْجُمانٌ. ثُمَّ يَنْظُرُ فَلا يَرى شَيْئاً قُدَّامَهُ، ثمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمْ أنْ يَتَّقِيَ النَّارَ ولوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٣١٤١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا أَن فِيهِ نوع مناقشة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن عبد الرَّحْمَن الْجعْفِيّ عَن عدي بن حَاتِم الطَّائِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى مطولا فِي الزَّكَاة فِي: بَاب الصَّدَقَة قبل الرَّد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من وَجه آخر عَن عبد الله بن مُحَمَّد إِلَى آخِره.
قَوْله: (مَا مِنْكُم من أحد) ، ظَاهر الْخطاب للصحابة وَيلْحق بهم الْمُؤْمِنُونَ كلهم. قَوْله: (إلاّ وسيكلمه الله) وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (إلاّ يكلمهُ ربه) ، وَالْوَاو فِيهِ إِن صَحَّ فَهُوَ مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: إِلَّا سيخاطبه وسيكلمه. قَوْله: (لَيْسَ بَينه وَبَين الله) ، ويروى: (لَيْسَ بَين الله وَبَينه) . قَوْله: (ترجمان) ، بِضَم التَّاء وَفتحهَا وَفتح الْجِيم وَضمّهَا، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ بِفَتْح التَّاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فلك أَن تضم التَّاء بضمة الْجِيم يُقَال: ترْجم، كَلَامه إِذا فسره بِكَلَام آخر. قَوْله: (قدامه) أَي: أَمَامه، وَفِي التَّوْحِيد على مَا سَيَأْتِي: (فَينْظر أَيمن مِنْهُ فَلَا يرى إلَاّ مَا قدم، وَينظر أشأم فَلَا يرى إلَاّ مَا قدم) . . وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَلَا يرى شَيْئا إلَاّ شَيْئا قدمه) ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن خَليفَة: (فَينْظر عَن يَمِينه فَلَا يرى إلَاّ النَّار، وَينظر عَن شِمَاله فَلَا يرى إلَاّ النَّار) . وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة: نظر الْيَمين وَالشمَال هُنَا كالمثل لِأَن الْإِنْسَان من شَأْنه إِذا دهمه أَمر أَن يلْتَفت يَمِينا وَشمَالًا يطْلب الْغَوْث، وَقيل: يحْتَمل أَن يطْلب طَرِيقا يهرب مِنْهُ لينجو من النَّار فَلَا يرى إلَاّ مَا يقْضِي الله بِهِ من دُخُول النَّار. قَوْله: (فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم) جَزَاؤُهُ مَحْذُوف أَي: فَلْيفْعَل، وَوَقع كَذَا فِي رِوَايَة وَكِيع.
٠٤٥٦ - قَالَ الأعْمَشُ: حدّثني عَمْرٌ وعنْ خَيْثَمَةَ عنْ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اتَّقُوا النَّارَ) ثُمَّ أعْرَضَ وأشاحَ، ثُمَّ قَالَ: (اتَّقُوا النَّارَ) ، ثُمَّ أعْرَضَ وأشاحَ ثَلاثاً حتَّى ظَنَنَّا أنّهُ يَنْظُرُ إلَيْها، ثُمَّ قَالَ: قَوْله: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) .
أَي قَالَ سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور عَن عَمْرو هُوَ ابْن مرّة عَن خَيْثَمَة، وروى الْأَعْمَش أَولا عَن خَيْثَمَة بِلَا وَاسِطَة، ثمَّ روى ثَانِيًا بالواسطة.
وَقد أخرجه مُسلم من رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش كَذَلِك، وَقد مضى الحَدِيث بأتم من هَذَا فِي كتاب الزَّكَاة من رِوَايَة مُحَمَّد بن خَليفَة.
قَوْله: (وأشاح) بالشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة أَي: صرف وَجهه. وَقَالَ الْخَلِيل: أشاح بِوَجْهِهِ عَن الشَّيْء نحاه عَنهُ، وَقيل: صرف وَجهه كالخائف أَن يَنَالهُ. قَوْله: (فَمن لم يجد) أَي: مَا يتَصَدَّق بِهِ على السَّائِل. قَوْله: (فبكلمة طيبَة) أَي يَدْفَعهُ أَي: السَّائِل بِكَلِمَة تطيب قلبه.
٠٥ - (بابٌ يَدْخُلُ الجَنَةَ سَبْعُونَ ألْفاً بِغَيْرِ حِسابٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يدْخل الْجنَّة ... إِلَى آخِره، وَفِي بعض النّسخ: بَاب يدْخلُونَ الْجنَّة سَبْعُونَ ألفا على لُغَة: أكلوني البراغيث.
١٤٥٦ - حدّثنا عِمْرانُ بنُ مَيْسَرَة حدّثنا ابنُ فُضَيْلٍ حدّثنا حُصَيْنٌ قالَ أبُو عَبْدِ الله: وحَدثني أسِيُد ابنُ زَيْدٍ حَدثنَا هُشَيْمٌ عنْ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حدّثني ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فأخَذَ النبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، والنبيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذا سَوادُ كَثِير، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! هؤُلاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا ولاكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذا سَوادٌ كَثِيرٌ، قَالَ: هاؤلاءِ أُمَّتُكَ، وهاؤُلاءِ سَبْعُونَ ألْفاً قُدَّامَهُمْ لَا حِسابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عذابَ. قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كانُوا لَا يَكْتوونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فقامَ إلَيْهِ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ) ثُمَّ قامَ إلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ: ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: (سَبَقَكَ بهَا عُكَّاشَةُ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن عمرَان بن ميسرَة ضد الميمنة عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن غَزوَان الضَّبِّيّ الْكُوفِي عَن حُصَيْن بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ. وَالطَّرِيق الآخر: عَن أسيد بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة ابْن زيد من الزِّيَادَة أبي مُحَمَّد الْجمال بِالْجِيم مولى صَالح الْقرشِي الْكُوفِي عَن هشيم بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن بشير الوَاسِطِيّ عَن حُصَيْن ... إِلَى آخِره. وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى رِوَايَته عَن أسيد الْمَذْكُور بقوله: قَالَ أَبُو عبد الله، وَهُوَ البُخَارِيّ. وحَدثني أسيد بن زيد ... إِلَى آخِره، وَلم يرو البُخَارِيّ عَنهُ، إلَاّ فِي هَذَا الْموضع فَقَط مَقْرُونا بعمران بن ميسرَة. فَإِن قلت: أسيد هَذَا ضَعِيف جدا ضعفه جمَاعَة مِنْهُم يحيى بن معِين وأفحش القَوْل فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: كانو يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ.
قلت: قَالَ أَبُو مَسْعُود: لَعَلَّه كَانَ ثِقَة عِنْده، وَهَذَا لَا يجدي فِي الِاحْتِجَاج بِهِ، وَلِهَذَا روى عَنهُ مَقْرُونا بعمران بن ميسرَة. فَإِن قلت: مَا كَانَ الدَّاعِي لهَذَا والإسناد الأول كَانَ كَافِيا؟ .
قلت: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ فِرَارًا من تكَرر الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، فَإِنَّهُ أخرج السَّنَد الأول فِي الطِّبّ فِي: بَاب من اكتوى. ثمَّ أَعَادَهُ هُنَا فأضاف إِلَيْهِ طَرِيق هشيم. انْتهى. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ قد وَقع فِي البُخَارِيّ أَسَانِيد كَثِيرَة تَكَرَّرت بِعَينهَا فِي غير مَوضِع، وَلَا يخفى هَذَا على من يتَأَمَّل ذَلِك. وَأما الَّذِي ذكره فِي الطِّبّ فَهُوَ مطول أخرجه: عَن عمرَان بن ميسرَة عَن ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن عَن عَامر عَن عمرَان بن حُصَيْن الحَدِيث. وَأخرجه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مُخْتَصرا عَن مُسَدّد وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (عرضت عَليّ) بتَشْديد الْيَاء (والأمم) بِالرَّفْع. قَوْله: (الْأمة) أَي: الْعدَد الْكثير. قَوْله: (فَأخذ) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة والذال الْمُعْجَمَة فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة وضع لدنو الْخَبَر على وَجه الشُّرُوع فِيهِ وَالْأَخْذ فِيهِ، فَتَارَة يسْتَعْمل: أَخذ اسْتِعْمَال: عَسى، فَيدْخل أَن فِي خَبره، وَتارَة يسْتَعْمل اسْتِعْمَال: كَاد، بِغَيْر أَن، ويروى: فاجد، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْجِيم وبالدال الْمُهْملَة، فعلى هَذَا لفظ النَّبِي مَنْصُوب على المفعولية، وعَلى الأول هُوَ مَرْفُوع على أَنه اسْم أَخذ. وَقَوله: (يمر) خَبره. قَوْله: (النَّفر) هُوَ رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. قَوْله: (مَعَه الْعشْرَة) بِفَتْح الشين اسْم الْعدَد الْمعِين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: الْعَشِيرَة، بِكَسْر الشين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الْقَبِيلَة. قَوْله: (فَإِذا سَواد كثير) السوَاد بِلَفْظ. ضد الْبيَاض هُوَ الشَّخْص الَّذِي يُرى من بعيد وَوَصفه بِالْكَثْرَةِ إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد بِلَفْظِهِ الْجِنْس. قَوْله: (فَإِذا سَواد كثير) كلمة: إِذا، للمفاجأة، وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور: عَظِيم، مَوضِع: كثير. قَوْله: (قدامهم) فِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور، وَمَعَهُمْ، بدل: قدامهم، وَفِي رِوَايَة حُصَيْن بن نمير وَمَعَ هَؤُلَاءِ. قَوْله: (وَلم؟) يكسر اللَّام وَفتح الْمِيم وَيجوز تسكينها يستفهم بهَا عَن السَّبَب. قَوْله: (لَا يَكْتَوُونَ) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي عِنْد غير الضَّرُورَة والاعتقاد بِأَن الشِّفَاء من الكي.
قلت: فِيهِ تَأمل. قَوْله: (ول
ايسترقون) أَي: بالأمور الَّتِي هِيَ غير الْقُرْآن كعزائم أهل الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) أَي: لَا يتشاءمون بالطيور وَأَنَّهُمْ الَّذين يتركون أَعمال الْجَاهِلِيَّة وعقائدهم، قيل: هم أَكثر من هَذَا الْعدَد، وَأجِيب: الله أعلم بذلك مَعَ احْتِمَال أَن يُرَاد بالسبعين الْكثير، وَقَالَ بَعضهم: إِن الْعدَد الْمَذْكُور على ظَاهره. وقوّي كَلَامه بِأَحَادِيث مِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة رَفعه: وَعَدَني رَبِّي أَن يدْخل الْجنَّة من أمتِي سبعين ألفا لَا حِسَاب عَلَيْهِم وَلَا عَذَاب، وَثَلَاث حثيات من حثيات رَبِّي.
قلت: احْتِمَال الزِّيَادَة فِي السّبْعين بَاقٍ، لِأَن المُرَاد مِنْهُ لَيْسَ خُصُوص الْعدَد، والحثيات كِنَايَة عَن الْمُبَالغَة فِي الْكَثْرَة. قَالَه ابْن الْأَثِير: قَوْله: (رجل آخر) قيل: هُوَ سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ سيد الْخَزْرَج.
قلت: أخرجه الْخَطِيب فِي (المبهمات) : من طَرِيق أبي حُذَيْفَة إِسْحَاق بن بشر أحد الضُّعَفَاء، وَقيل: يستبعد هَذَا السُّؤَال من سعد بن عبَادَة فَلَعَلَّ هَذَا سعد بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ وصحفه النَّاقِل. قَوْله: (سَبَقَك بهَا عكاشة) اخْتلفُوا فِي الْحِكْمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِهَذَا القَوْل، فَقَالَ الْفراء: كَانَ الآخر منافقاً، ورد هَذَا بِأَن الأَصْل فِي الصَّحَابَة عدم النِّفَاق، وَقيل: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، علم بِالْوَحْي أَنه يُجَاب فِي عكاشة وَلم يَقع ذَلِك فِي حق الآخر، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يظْهر لي الأول سَأَلَ عَن صدق قلب فَأُجِيب، وَأما الثَّانِي فَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ حسم الْمَادَّة، فَلَو قَالَ للثَّانِي: نعم، فَلَا شكّ أَن يقوم ثَالِث ورابع إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ، وَلَيْسَ كل النَّاس يصلح لذَلِك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لم يكن عِنْد الثَّانِي من تِلْكَ الْأَحْوَال مَا كَانَ عِنْد عكاشة، فَلذَلِك لم يجب. وَقَالَ السُّهيْلي: الَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّهَا كَانَت سَاعَة إِجَابَة علمهَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاتفقَ أَن الرجل قَالَ بَعْدَمَا انْقَضتْ، وَالله أعلم.
٢٤٥٦ - حدّثنا مُعاذُ بنُ أسَدٍ أخبرنَا عبدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني سَعيدُ بنُ المُسَيَّب أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حدَّثهُ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (يَدْخُلُ الجَنَّة مِنْ أُمَّتى زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ ألْفاً تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إضاءَةَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) .
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فقامَ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنِ الأسَدِيُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةً عليْهِ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله {ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعلْهُ مِنْهُمْ) ثُمَّ قامَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقَالَ: يَا رَسولَ الله} ادْعُ الله أنْ يَجْعَلني عَنْهمْ. فَقَالَ: (سَبَقَكَ بهَا عُكَاشَةُ) . (انْظُر الحَدِيث ١١٨٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومعاذ بِضَم الْمِيم ابْن أَسد أَبُو عبد الله الْمروزِي نزل الْبَصْرَة، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حَرْمَلَة عَن يحيى.
قَوْله: (نمرة) هِيَ كسَاء فِيهِ خطوط بيض وسود كَأَنَّهَا أخذت من جلد النمر.
٣٤٥٦ - حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حدّثنا أبُو غَسَّانَ قَالَ: حدّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِيَدْخُلَنَّ الجَنَةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفاً) أَو سَبْعُمائَةِ ألْفٍ شَكَّ فِي أحَدِهِما (مِتَماسِكِينَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حتَّى يَدْخُلَ أوَّلُهُمْ وآخرُهُمُ الجَنَّةَ وَوُجُوهُمْ عَلى ضوْءٍ القمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٤٢٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين مُحَمَّد بن مطرف، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي صفة الْجنَّة.
قَوْله: (شكّ فِي أَحدهمَا) وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن أبي حَازِم: لَا يدْرِي أَبُو حَازِم أَيهمَا قَالَ. قَوْله: (متماسكين) نصب على الْحَال، وَفِي رِوَايَة مُسلم: متماسكون، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هم متماسكون. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كَذَا فِي بعض النّسخ، وَفِي بَعْضهَا بِالنّصب فكلاهما صَحِيح. قَوْله: (آخذ بَعضهم بِبَعْض) أَي: بَعضهم آخذ بِبَعْض وآخذ بِالْمدِّ وَكسر الْخَاء وَفِي رِوَايَة مُسلم: أَخذ بَعضهم بَعْضًا. قَوْله: (حَتَّى يدْخل أَوَّلهمْ وَآخرهمْ الْجنَّة) هَذَا غَايَة للتماسك الْمَذْكُور، وَالْأَخْذ بِالْأَيْدِي وَفِي رِوَايَة فُضَيْل بن سُلَيْمَان الَّتِي مَضَت فِي: بَاب صفة الْجنَّة: لَا يدْخل أَوَّلهمْ حَتَّى يدْخل آخِرهم.