«بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَقْتَلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٩١

الحديث رقم ٧١٩١ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «بعث إلي أبو بكر لمقتل أهل اليمامة وعنده…

«بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَقْتَلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ.

⦗٧٥⦘

قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ مُرَاجَعَتِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَيَا، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَالرِّقَاعِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ، أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ، فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا، وَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ﷿، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: اللِّخَافُ يَعْنِي الْخَزَفَ.

سند حديث: ٧١٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ…

٧١٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «بعث إلي أبو بكر لمقتل أهل اليمامة وعنده…

يحكي زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق أرسل إليه في خلافته بعد قتال الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- مسيلمة الكذاب ببلاد اليمامة سنة إحدى عشرة، بسبب ادعائه النبوة وارتداد كثير من العرب، وقد قُتل فيها كثير من الصحابة، فذهب إليه فوجد عنده عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- فقال أبو بكر لزيد: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد اشتد وكثر في الصحابة في حرب مسيلمة الكذاب، وإني أخاف أن يكثر القتل بقراء القرآن وحفاظه في الحروب التي يقع فيها القتال مع الكفار، فيذهب كثير من القرآن، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لي عمر: جمع القرآن واللهِ خير من تركه. قال أبو بكر: فلم يزل عمر يكلمني في جمع القرآن حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت أن أجمع القرآن. قال زيد بن ثابت: قال أبو بكر ذلك وعمر عنده جالس لا يتكلم. ثم قال أبو بكر لزيد: إنك يا زيد رجل شاب عاقل ولا نتهمك بكذب ولا نسيان، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فتتبع القرآن فاجمعه. وقد كان القرآن كله كُتب في العهد النبوي لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور. قال زيد: فوالله لو كلفني أبو بكر نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن. ثم قال زيد لأبي بكر وعمر: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال له أبو بكر: هو والله خير. قال زيد: فلم يزل أبو بكر يكلمني في جمع القرآن حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت أن أجمع القرآن؛ لما في ذلك من المصلحة العامة. فقام زيد بتتبع القرآن ليجمعه من «الرقاع» ومن «الأكتاف» جمع كتف وهو عظم عريض في أصل كتف الحيوان ينشف ويكتب فيه، ومن جريد النخل الذي يكشطون خوصه فيكتبون في طرفه العريض، ومن صدور الرجال الذين جمعوا القرآن وحفظوه كاملًا في حياته صلى الله عليه وسلم كأُبي بن كعب ومعاذ بن جبل فيكون ما في الرقاع والأكتاف وغيرهما تقريرا على تقرير، حتى وجد زيد آيتين من سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم يجدهما مكتوبتين مع أحد غيره: {لقد جاءكم رسولٌ من أنفسِكم عزيزٌ عليه ما عَنِتُّم حريصٌ عليكم} [التوبة: 128] إلى آخرهما. وكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر -رضي الله تعالى عنهم أجمعين-.
وقد اعترضت الرافضة على فعل أبي بكر في جمعه القرآن، وأنه فعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس في فعله رضي الله عنه ما يُنكر؛ إذ هو من النصح لله ولرسوله ولكتابه، وقد أذن فيه -عليه الصلاة والسلام- بقوله في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم: «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن»، وغايته جمعُ ما كان مكتوبا قبل ذلك، فلا يتوجه اعتراض الرافضة على الصديق.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حفظ الله -تعالى- لكتابه من التغيير والتبديل, وأنه جمع في ذلك بين حفظه في الصدور والسطور.
  • شدة اتباع الصحابة لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-, وبعدهم عن مخالفته.
  • جمع القرآن من أعظم فضائل أبي بكر الصديق حين سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد من الأمة.
  • أن من سبقت له معرفة بالأمر فإنه أولى بالولاية، وأحق بها ممن لا سابقة له في ذلك ولا معرفة.
  • الأخذ بمبدإ الشورى سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسنة الخلفاء الراشدين من بعده.
  • جواز اتخاذ الكاتب للسلاطين والحكام، وأنه ينبغى أن يكون الكاتب عاقلاً فطنًا مقبول الشهادة.
  • جواز مراجعة الكاتب للسلطان فى الرأي ومشاركته له فيه.
  • العمل بالمصلحة المرسلة فيما لم يرد به نص.
  • في الحديث منقبة لعمر ولزيد بن ثابت -رضي الله عنهما-.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «بعث إلي أبو بكر لمقتل أهل اليمامة وعنده…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَوْلُهُ: يَحْمَدُ اللَّهَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَحَمِدَ اللَّهَ بِالْفَاءِ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ، وَفِي قَوْلِهِ: لَمْ يَكُنْ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ هَضْمٌ لِنَفْسِهِ وَتَوَاضُعٌ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ لِي وَلَا لِأَبِي بَكْرٍ وَعَادَةُ الْعَرَبِ إِذَا عَظَّمَتِ الرَّجُلَ ذَكَرَتْهُ بِاسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ أَوْ لَقَبِهِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ تَنْسُبُهُ إِلَى أَبِيهِ وَلَا تُسَمِّيهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِقْهُ التَّرْجَمَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى جَوَازِ مُبَاشَرَةِ الْحَاكِمِ الصُّلْحَ بَيْنَ الْخُصُومِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ تَصْحِيفًا فِي الْحُكْمِ، وَعَلَى جَوَازِ ذَهَابِ الْحَاكِمِ إِلَى مَوْضِعِ

الْخُصُومِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمْ إِمَّا عِنْدَ عِظَمِ الْخَطْبِ وَإِمَّا لِيَكْشِفَ مَا لَا يُحَاطُ بِهِ إِلَّا بِالْمُعَايَنَةِ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ تَخْصِيصًا وَلَا تَمْيِيزًا وَلَا وَهَنًا.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ يَقُلْ هَذَا الْحَرْفَ يَا بِلَالُ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ غَيْرُ حَمَّادٍ.

٣٧ - بَاب يُسْتَحَبُّ لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَاقِلًا

٧١٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَبُو ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَقْتَلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ مُرَاجَعَتِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَيَا فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَالرِّقَاعِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ فَوَجَدْتُ آخِرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا، وَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ﷿ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: اللِّخَافُ يَعْنِي الْخَزَفَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ يُسْتَحَبُّ لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَاقِلًا) أَيْ كَاتِبُ الْحُكْمِ وَغَيْرُهُ.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قِصَّتِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فِي جَمْعِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.

وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، لِزَيْدٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَسَّرَ اللِّخَافَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهِيَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِالْخَزَفِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا فَاءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِهَا هُنَاكَ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَقْلَ أَصْلُ الْخِلَالِ الْمَحْمُودَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْ زَيْدًا بِأَكْثَرَ مِنَ الْعَقْلِ وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِائْتِمَانِهِ وَرَفْعِ التُّهْمَةِ عَنْهُ.

قُلْتُ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ذَكَرَ عَقِبَ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبَ الْوَحْيَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧١٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن محمَّد بن زيدٍ (أَبُو ثَابِتٍ) مولى عثمان بن عفَّان القرشيُّ المدنيُّ الفقيه، قال (١): (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ) بضمِّ العين في الأوَّل، وفتح المهملة والموحَّدة المشدَّدة وبعد الألف قافٌ، الثَّقفيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الخزرجيِّ كاتب الوحي رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (لِمَقْتَلِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٢): «مَقْتَلَ» بإسقاط اللَّام والنَّصب (أَهْلِ اليَمَامَةِ) من اليَمَنِ، وبها قُتِل مسيلمة، ومن القرَّاء سبعون أو سبع مئةٍ (وَعِنْدَهُ عُمَرُ) بن الخطَّاب (فَقَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) بالسِّين المهملة السَّاكنة بعدها فوقيَّةٌ فحاءٌ مهملةٌ فراءٌ مشدَّدةٌ: اشتدَّ وكثر (يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ) وسقط

للكشميهنيِّ «قد» من قوله: قد استحرَّ (وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ) يشتدَّ (القَتْلُ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ فِي المَوَاطِنِ كُلِّهَا، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ) قال أبو بكر لزيدٍ: (قُلْتُ) لعمر: (كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ؟ فَقَالَ) لي (عُمَرُ: هُوَ) أي: جمعُه (وَاللهِ خَيْرٌ) واستُشكل التَّعبير بـ «خير» الذي هو «أفعل» التَّفضيل؛ لأنَّه يلزم من فعلهم هذا أن يكون خيرًا من تركه في الزَّمن النَّبويِّ، وأُجيب بأنَّه خيرٌ بالنِّسبة لزمانهم، والتَّرك كان خيرًا في الزَّمن النَّبويِّ؛ لعدم تمام النُّزول واحتمال النَّسخ؛ إذ لو جُمع بين الدَّفَّتين وسارت به الرُّكبان إلى البلدان، ثم نُسِخ؛ لأدى ذلك إلى اختلافٍ عظيمٍ، قال أبو بكرٍ: (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ (١) صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ) : (وَإِنَّكَ) يا زيدُ، وللكشميهنيِّ: «إنَّك» (رَجُلٌ) بإسقاط الواو، وأشار بقوله: (شَابٌّ) إلى حِدَّة نظره وقوَّة ضبطه (عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ) ذكر له أربع صفاتٍ مقتضيةٍ لخصوصيَّته بذلك؛ كونه شابًّا فيكون أنشط لذلك، وكونه عاقلًا فيكون أوعى له، وكونه لا يُتَّهم فتركنُ النَّفس إليه، وكونه كان كاتب الوحي فيكون أكثر ممارسةً له، وقول ابن بطَّالٍ عن المهلَّب: «إنَّه يدلُّ على أنَّ العقل أجلُّ الخصال المحمودة؛ لأنَّه لم يوصف زيدٌ بأكثر من العقل، وجعله سببًا لائتمانه ورفع (٢) التُّهمة عنه» تعقَّبه في «الفتح» بأنَّ أبا بكرٍ ذكر عقب الوصف المذكور: وقد (٣) كنت تكتب الوحي، فمِن ثَمَّ اكتفى بوصفه بالعقل؛ لأنَّه لو لم تثبت أمانته وكفايته وعقله؛ لما استكتبه النَّبيُّ الوحي، وإنَّما وصفه بالعقل وعدم الاتِّهام دون ما عداهما (٤) إشارةً إلى استمرار ذلك له، وإلَّا؛ فمُجرَّد قوله: «لا نتَّهمك» مع قوله: «عاقلٌ» لا يكفي في ثبوت الأمانة والكفاية، فكم من بارعٍ في العقل والمعرفة وُجِدت منه الخيانة. (فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «واجمعه» (قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفَنِي) أبو بكر (نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ؛ مَا كَانَ) نقله (بِأَثْقَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِمَّا كَلَّفَنِي) به أبو بكرٍ (مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ) أي: للعُمَرين: (كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ

يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ؟! قَالَ أَبُو بَكْرٍ) : (هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ) بالمثلَّثة بعد المهملة المضمومة، ولأبي ذرٍّ: «يُحِبُّ» (مُرَاجَعَتِي) بالموحَّدة بدل المثلَّثة وضمِّ أوَّله (حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي (١) رَأَيَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ) بضمِّ العين والسِّين المهملتين، آخره موحَّدةٌ: جريد النَّخل العريض المكشوط عنه الخوص المكتوب فيه (وَالرِّقَاعِ) بالرَّاء المكسورة والقاف وبعد الألف (٢) عينٌ مهملةٌ: جمع رقعةٍ من جلدٍ أو ورقٍ، وفي روايةٍ أخرى: «وقطع الأديم» (وَاللِّخَافِ) باللَّام المشدَّدة المكسورة والمعجمة وبعد الألف فاءٌ: الحجارة الرَّقيقة أو الخزف؛ كما في هذا الباب (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) الذين حفظوه وجمعوه في صدورهم في حياته كاملًا؛ كأُبيِّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ (فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ) بن ثابتٍ بن الفاكِه -بالفاء والكاف المكسورة- الأنصاريِّ الأوسيِّ الذي جعل النَّبيُّ شهادته شهادة رجلين (أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) بن أبي (٣) أوسٍ بن يزيد، وهو مشهورٌ بكنيته، الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ، بالشَّكِّ، وعند أحمد والتِّرمذيِّ من رواية عبد الرَّحمن بن مهديٍّ عن إبراهيم بن سعدٍ: مع خزيمة بن ثابتٍ، وفي رواية شعيبٍ في آخر «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٩] مع خزيمة الأنصاريِّ، وفي «مسند الشَّاميِّين» من طريق أبي اليمان عند الطَّبرانيِّ: خزيمة بن ثابتٍ الأنصاريِّ، ولكنَّ قول من قال: «مع أبي خزيمة» أصحُّ، وقد اختُلِف فيه على الزُّهريِّ؛ فمنْ قائلٍ: مع أبي خزيمة، ومِنْ قائلٍ: مع خُزيمة، ومِن شاكٍّ (٤) فيه يقول: خزيمة أو أبي خزيمة، والأرجح أنَّ الذي وُجِدَ معه آخر «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٩] أبو خزيمة بالكُنية، والذي معه آية الأحزاب خُزيمة، وعند (٥) أبي داود في «كتاب المصاحف» من طريق ابن إسحاق: حدَّثني يحيى بن عبَّاد، عن أبيه عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير

قال: أتى الحارث بن خَزَمة (١) إلى عمر بهاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩] إلى آخر السُّورة، فقال: أشهد أنِّي سمعتهما (٢) من رسول الله ووعيتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما، وخَزَمة: قال في «الإصابة» (٣): بفتح المعجمة والزَّاي، ابن عديِّ بن أُبيّ غنم (٤) بن سالمٍ الخزرجيُّ الأنصاريُّ (فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا، وَكَانَتِ الصُّحُفُ) التي كتبوا فيها القرآن، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكانت» «بالفاء» بدل: «الواو»، (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) (حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ﷿، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) .

(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن محمَّد بن زيد مولى عثمان بن عفَّان شيخ البخاريِّ المذكور أوَّل هذا الباب: (اللِّخَافُ) المذكور في الحديث (يَعْنِي) به: (الخَزَفَ) بالخاء والزَّاي المعجَمتين ثم فاءٍ، وفي الحديث: اتِّخاذ الحاكم الكاتبَ، وأن يكون الكاتب عاقلًا فَطِنًا مقبول الشَّهادة، ومراجعة الكاتب للحاكم في الرَّأي ومشاركته له فيه.

والحديث سبق في «براءة» [خ¦٤٦٧٩]، وغيرها.

(٣٨) (باب كِتَابِ الحَاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ) بضمِّ العين وتشديد الميم، جمع «عامل»، وهو من يولِّيه على بلدٍ يجمع (٥) خراجها أو (٦) زكاتها ونحو ذلك (وَ) كتاب (القَاضِي إِلَى أُمَنَائِهِ) بضمِّ الهمزة، جمع «أمينٍ»؛ وهو من يولِّيه في ضبط أموال النَّاس؛ كالجُباة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَوْلُهُ: يَحْمَدُ اللَّهَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَحَمِدَ اللَّهَ بِالْفَاءِ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ، وَفِي قَوْلِهِ: لَمْ يَكُنْ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ هَضْمٌ لِنَفْسِهِ وَتَوَاضُعٌ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ لِي وَلَا لِأَبِي بَكْرٍ وَعَادَةُ الْعَرَبِ إِذَا عَظَّمَتِ الرَّجُلَ ذَكَرَتْهُ بِاسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ أَوْ لَقَبِهِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ تَنْسُبُهُ إِلَى أَبِيهِ وَلَا تُسَمِّيهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِقْهُ التَّرْجَمَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى جَوَازِ مُبَاشَرَةِ الْحَاكِمِ الصُّلْحَ بَيْنَ الْخُصُومِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ تَصْحِيفًا فِي الْحُكْمِ، وَعَلَى جَوَازِ ذَهَابِ الْحَاكِمِ إِلَى مَوْضِعِ

الْخُصُومِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمْ إِمَّا عِنْدَ عِظَمِ الْخَطْبِ وَإِمَّا لِيَكْشِفَ مَا لَا يُحَاطُ بِهِ إِلَّا بِالْمُعَايَنَةِ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ تَخْصِيصًا وَلَا تَمْيِيزًا وَلَا وَهَنًا.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ يَقُلْ هَذَا الْحَرْفَ يَا بِلَالُ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ غَيْرُ حَمَّادٍ.

٣٧ - بَاب يُسْتَحَبُّ لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَاقِلًا

٧١٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَبُو ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَقْتَلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ مُرَاجَعَتِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَيَا فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَالرِّقَاعِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ فَوَجَدْتُ آخِرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا، وَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ﷿ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: اللِّخَافُ يَعْنِي الْخَزَفَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ يُسْتَحَبُّ لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَاقِلًا) أَيْ كَاتِبُ الْحُكْمِ وَغَيْرُهُ.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قِصَّتِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فِي جَمْعِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.

وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، لِزَيْدٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَسَّرَ اللِّخَافَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهِيَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِالْخَزَفِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا فَاءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِهَا هُنَاكَ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَقْلَ أَصْلُ الْخِلَالِ الْمَحْمُودَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْ زَيْدًا بِأَكْثَرَ مِنَ الْعَقْلِ وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِائْتِمَانِهِ وَرَفْعِ التُّهْمَةِ عَنْهُ.

قُلْتُ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ذَكَرَ عَقِبَ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبَ الْوَحْيَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧١٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن محمَّد بن زيدٍ (أَبُو ثَابِتٍ) مولى عثمان بن عفَّان القرشيُّ المدنيُّ الفقيه، قال (١): (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ) بضمِّ العين في الأوَّل، وفتح المهملة والموحَّدة المشدَّدة وبعد الألف قافٌ، الثَّقفيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الخزرجيِّ كاتب الوحي رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (لِمَقْتَلِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٢): «مَقْتَلَ» بإسقاط اللَّام والنَّصب (أَهْلِ اليَمَامَةِ) من اليَمَنِ، وبها قُتِل مسيلمة، ومن القرَّاء سبعون أو سبع مئةٍ (وَعِنْدَهُ عُمَرُ) بن الخطَّاب (فَقَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) بالسِّين المهملة السَّاكنة بعدها فوقيَّةٌ فحاءٌ مهملةٌ فراءٌ مشدَّدةٌ: اشتدَّ وكثر (يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ) وسقط

للكشميهنيِّ «قد» من قوله: قد استحرَّ (وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ) يشتدَّ (القَتْلُ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ فِي المَوَاطِنِ كُلِّهَا، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ) قال أبو بكر لزيدٍ: (قُلْتُ) لعمر: (كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ؟ فَقَالَ) لي (عُمَرُ: هُوَ) أي: جمعُه (وَاللهِ خَيْرٌ) واستُشكل التَّعبير بـ «خير» الذي هو «أفعل» التَّفضيل؛ لأنَّه يلزم من فعلهم هذا أن يكون خيرًا من تركه في الزَّمن النَّبويِّ، وأُجيب بأنَّه خيرٌ بالنِّسبة لزمانهم، والتَّرك كان خيرًا في الزَّمن النَّبويِّ؛ لعدم تمام النُّزول واحتمال النَّسخ؛ إذ لو جُمع بين الدَّفَّتين وسارت به الرُّكبان إلى البلدان، ثم نُسِخ؛ لأدى ذلك إلى اختلافٍ عظيمٍ، قال أبو بكرٍ: (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ (١) صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ) : (وَإِنَّكَ) يا زيدُ، وللكشميهنيِّ: «إنَّك» (رَجُلٌ) بإسقاط الواو، وأشار بقوله: (شَابٌّ) إلى حِدَّة نظره وقوَّة ضبطه (عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ) ذكر له أربع صفاتٍ مقتضيةٍ لخصوصيَّته بذلك؛ كونه شابًّا فيكون أنشط لذلك، وكونه عاقلًا فيكون أوعى له، وكونه لا يُتَّهم فتركنُ النَّفس إليه، وكونه كان كاتب الوحي فيكون أكثر ممارسةً له، وقول ابن بطَّالٍ عن المهلَّب: «إنَّه يدلُّ على أنَّ العقل أجلُّ الخصال المحمودة؛ لأنَّه لم يوصف زيدٌ بأكثر من العقل، وجعله سببًا لائتمانه ورفع (٢) التُّهمة عنه» تعقَّبه في «الفتح» بأنَّ أبا بكرٍ ذكر عقب الوصف المذكور: وقد (٣) كنت تكتب الوحي، فمِن ثَمَّ اكتفى بوصفه بالعقل؛ لأنَّه لو لم تثبت أمانته وكفايته وعقله؛ لما استكتبه النَّبيُّ الوحي، وإنَّما وصفه بالعقل وعدم الاتِّهام دون ما عداهما (٤) إشارةً إلى استمرار ذلك له، وإلَّا؛ فمُجرَّد قوله: «لا نتَّهمك» مع قوله: «عاقلٌ» لا يكفي في ثبوت الأمانة والكفاية، فكم من بارعٍ في العقل والمعرفة وُجِدت منه الخيانة. (فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «واجمعه» (قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفَنِي) أبو بكر (نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ؛ مَا كَانَ) نقله (بِأَثْقَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِمَّا كَلَّفَنِي) به أبو بكرٍ (مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ) أي: للعُمَرين: (كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ

يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ؟! قَالَ أَبُو بَكْرٍ) : (هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ) بالمثلَّثة بعد المهملة المضمومة، ولأبي ذرٍّ: «يُحِبُّ» (مُرَاجَعَتِي) بالموحَّدة بدل المثلَّثة وضمِّ أوَّله (حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي (١) رَأَيَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ) بضمِّ العين والسِّين المهملتين، آخره موحَّدةٌ: جريد النَّخل العريض المكشوط عنه الخوص المكتوب فيه (وَالرِّقَاعِ) بالرَّاء المكسورة والقاف وبعد الألف (٢) عينٌ مهملةٌ: جمع رقعةٍ من جلدٍ أو ورقٍ، وفي روايةٍ أخرى: «وقطع الأديم» (وَاللِّخَافِ) باللَّام المشدَّدة المكسورة والمعجمة وبعد الألف فاءٌ: الحجارة الرَّقيقة أو الخزف؛ كما في هذا الباب (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) الذين حفظوه وجمعوه في صدورهم في حياته كاملًا؛ كأُبيِّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ (فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ) بن ثابتٍ بن الفاكِه -بالفاء والكاف المكسورة- الأنصاريِّ الأوسيِّ الذي جعل النَّبيُّ شهادته شهادة رجلين (أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) بن أبي (٣) أوسٍ بن يزيد، وهو مشهورٌ بكنيته، الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ، بالشَّكِّ، وعند أحمد والتِّرمذيِّ من رواية عبد الرَّحمن بن مهديٍّ عن إبراهيم بن سعدٍ: مع خزيمة بن ثابتٍ، وفي رواية شعيبٍ في آخر «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٩] مع خزيمة الأنصاريِّ، وفي «مسند الشَّاميِّين» من طريق أبي اليمان عند الطَّبرانيِّ: خزيمة بن ثابتٍ الأنصاريِّ، ولكنَّ قول من قال: «مع أبي خزيمة» أصحُّ، وقد اختُلِف فيه على الزُّهريِّ؛ فمنْ قائلٍ: مع أبي خزيمة، ومِنْ قائلٍ: مع خُزيمة، ومِن شاكٍّ (٤) فيه يقول: خزيمة أو أبي خزيمة، والأرجح أنَّ الذي وُجِدَ معه آخر «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٩] أبو خزيمة بالكُنية، والذي معه آية الأحزاب خُزيمة، وعند (٥) أبي داود في «كتاب المصاحف» من طريق ابن إسحاق: حدَّثني يحيى بن عبَّاد، عن أبيه عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير

قال: أتى الحارث بن خَزَمة (١) إلى عمر بهاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩] إلى آخر السُّورة، فقال: أشهد أنِّي سمعتهما (٢) من رسول الله ووعيتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما، وخَزَمة: قال في «الإصابة» (٣): بفتح المعجمة والزَّاي، ابن عديِّ بن أُبيّ غنم (٤) بن سالمٍ الخزرجيُّ الأنصاريُّ (فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا، وَكَانَتِ الصُّحُفُ) التي كتبوا فيها القرآن، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكانت» «بالفاء» بدل: «الواو»، (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) (حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ﷿، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) .

(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن محمَّد بن زيد مولى عثمان بن عفَّان شيخ البخاريِّ المذكور أوَّل هذا الباب: (اللِّخَافُ) المذكور في الحديث (يَعْنِي) به: (الخَزَفَ) بالخاء والزَّاي المعجَمتين ثم فاءٍ، وفي الحديث: اتِّخاذ الحاكم الكاتبَ، وأن يكون الكاتب عاقلًا فَطِنًا مقبول الشَّهادة، ومراجعة الكاتب للحاكم في الرَّأي ومشاركته له فيه.

والحديث سبق في «براءة» [خ¦٤٦٧٩]، وغيرها.

(٣٨) (باب كِتَابِ الحَاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ) بضمِّ العين وتشديد الميم، جمع «عامل»، وهو من يولِّيه على بلدٍ يجمع (٥) خراجها أو (٦) زكاتها ونحو ذلك (وَ) كتاب (القَاضِي إِلَى أُمَنَائِهِ) بضمِّ الهمزة، جمع «أمينٍ»؛ وهو من يولِّيه في ضبط أموال النَّاس؛ كالجُباة.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله