الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7476
الحديث رقم 7476 من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب في المشيئة والإرادة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٧٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ
⦗١٤٠⦘
أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ وَرُبَّمَا قَالَ جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ.
٧٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ وَليَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا مُكْرِهُ لَهُ
٧٤٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرٌو حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى أَهُوَ خَضِرٌ فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ قَالَ نَعَمْ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿بَيْنَا مُوسَى فِي مَلَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ فَقَالَ مُوسَى لَا فَأُوحِيَ إِلَى مُوسَى بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ فَكَانَ مُوسَى يَتْبَعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ قَالَ مُوسَى ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا خَضِرًا وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ﴾
٧٤٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ نَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ يُرِيدُ الْمُحَصَّبَ
٧٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ حَاصَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَفْتَحْهَا فَقَالَ إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ نَقْفُلُ وَلَمْ نَفْتَحْ قَالَ فَاغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ فَغَدَوْا فَأَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ قال النبي ﷺ: "إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَكَأَنَّ ذَلِكَ أَعْجَبَهُمْ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
قَوْلُهُ: بَابٌ فِي الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ) قَالَ الرَّاغِبُ: الْمَشِيئَةُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ سَوَاءٌ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَشِيئَةَ فِي الْأَصْلِ إِيجَادُ الشَّيْءِ وَإِصَابَتُهُ فَمِنَ اللَّهِ الْإِيجَادُ وَمِنَ النَّاسِ الْإِصَابَةُ، وَفِي الْعُرْفِ تُسْتَعْمَلُ مَوْضِعَ الْإِرَادَةِ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَشِيئَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ خَلْقَهُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ دُونَهُمْ فَقَالَ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فَلَيْسَتْ لِلْخَلْقِ مَشِيئَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ إِلَى الرَّبِيعِ قَالَ: سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ:
مَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ … وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ
الْأَبْيَاتَ، ثُمَّ سَاقَ مِمَّا تَكَرَّرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَشِيئَةِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ مَوْضِعًا مِنْهَا - غَيْرُ مَا ذُكِرَ فِي التَّرْجَمَةِ - قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ وَقَوْلُهُ فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَوْلُهُ فِي النِّسَاءِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْأَنْعَامِ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ الْآيَةَ فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَقَالُوا: إِنَّ فِيهَا رَدًّا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ تَمَسَّكُوا بِأَصْلٍ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَرَاهِينُ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ مَخْلُوقٍ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَخْلُقَ الْمَخْلُوقُ شَيْئًا، وَالْإِرَادَةُ شَرْطٌ فِي الْخَلْقِ وَيَسْتَحِيلُ ثُبُوتُ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ، فَلَمَّا عَانَدَ الْمُشْرِكُونَ الْمَعْقُولَ وَكَذَّبُوا الْمَنْقُولَ الَّذِي جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ وَأُلْزِمُوا الْحُجَّةَ بِذَلِكَ تَمَسَّكُوا بِالْمَشِيئَةِ وَالْقَدَرِ السَّابِقِ، وَهِيَ حُجَّةٌ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَدَرَ لَا تَبْطُلُ بِهِ الشَّرِيعَةُ وَجَرَيَانُ الْأَحْكَامِ عَلَى الْعِبَادِ بِأَكْسَابِهِمْ فَمَنْ قَدَّرَ عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ قَدَّرَ عَلَيْهِ الْعِقَابَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ الْمُشْرِكِينَ، وَمَنْ قَدَّرَ عَلَيْهِ بِالطَّاعَةِ كَانَ ذَلِكَ
عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ قَدَّرَ عَلَيْهِ بِالثَّوَابِ، وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قَاسُوا الْخَالِقَ عَلَى الْمَخْلُوقِ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَوْ عَاقَبَ مَنْ يُطِيعُهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ عُدَّ ظَالِمًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ مَالِكًا لَهُ بِالْحَقِيقَةِ، وَالْخَالِقُ لَوْ عَذَّبَ مَنْ يُطِيعُهُ لَمْ يُعَدَّ ظَالِمًا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِلْكُهُ فَلَهُ الْأَمْرُ كُلُّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَا وَمَوْقُوفَةٌ عَلَيْهَا مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى تَعْلِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَةِ الزُّهْرِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي الزّ هْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْمُرُ بِرِوَايَةِ قَصِيدَةِ لَبِيدٍ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرٌ نَفَلْ … وَبِإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ
أَحْمَدُ اللَّهَ فَلَا نِدَّ لَهُ … بِيَدَيْهِ الْخَيْرُ مَا شَاءَ فَعَلْ
مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى … نَاعِمَ الْبَالِ وَمَنْ شَاءَ أَضَلْ
وَحَرْفُ النِّزَاعِ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْإِرَادَةَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ تَابِعَةٌ لِلْعِلْمِ وَعِنْدَهُمْ تَابِعَةٌ لِلْأَمْرِ، وَيَدُلُّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ﴾ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ إِثْبَاتُ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِرَادَتُهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَزَعَمَ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّهَا صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ إِرَادَتَهُ لَوْ كَانَتْ مُحْدَثَةً لَمْ يَخْلُ أَنْ يُحْدِثَهَا فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ لَا فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا.
وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ
مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ، وَالثَّانِي فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْغَيْرُ مُرِيدًا لَهَا، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي مُرِيدًا إِذِ الْمُرِيدُ مَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الْإِرَادَةُ وَهُوَ الْغَيْرُ كَمَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا إِذَا أَحْدَثَ الْعِلْمَ فِي غَيْرِهِ، وَحَقِيقَةُ الْمُرِيدِ أَنْ يَكُونَ الْإِرَادَةُ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَالرَّابِعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ قِيَامَهَا بِنَفْسِهَا، وَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ صَحَّ أَنَّهُ مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ هِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَيَكُونُ تَعَلُّقُهَا بِمَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مُرَادًا، فَمَا وَقَعَ بِإِرَادَتِهِ قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا يَشَاءُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَقَالَ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ اقْتِتَالَهُمُ الْوَاقِعَ مِنْهُمْ لِكَوْنِهِ مُرِيدًا لَهُ، وَإِذَا كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِاقْتِتَالِهِمْ فَهُوَ الْمُرِيدُ لِمَشِيئَتِهِمْ وَالْفَاعِلُ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كَسْبَ الْعِبَادِ إِنَّمَا هُوَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ وُقُوعَهُ مَا وَقَعَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْإِرَادَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: إِرَادَةُ أَمْرٍ وَتَشْرِيعٍ، وَإِرَادَةُ قَضَاءٍ وَتَقْدِيرٍ، فَالْأُولَى تَتَعَلَّقُ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ سَوَاءٌ وَقَعَتْ أَمْ لَا، وَالثَّانِيَةُ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ الْحَادِثَاتِ طَاعَةً وَمَعْصِيَةً، وَإِلَى الْأَوَّلِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وَإِلَى الثَّانِي الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْإِرَادَةِ وَالرِّضَا فَقَالُوا: يُرِيدُ وُقُوعَ الْمَعْصِيَةِ وَلَا يَرْضَاهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ يَعْنِي بِعِبَادِهِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ بِقَوْلِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَأَرَادَ عِبَادَهُ الْمُخْلِصِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ فَحَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ مَعْنَاهُ وَمَا تَشَاءُونَ الطَّاعَةَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ قَسَرَكُمْ عَلَيْهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا قَالَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ فِي مَوْضِعِ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ لِلِاسْتِقْبَالِ وَصَرْفُ الْمَشِيئَةِ إِلَى الْقَسْرِ تَحْرِيفٌ لَا إِشْعَارَ لِلْآيَةِ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ مَشِيئَةُ الِاسْتِقَامَةِ كَسْبًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ مِنَ الْعِبَادِ، وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أَيْ يُعْطِي مَنِ اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ الْمُلْكَ، يُرِيدُونَ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِي رِعَايَةَ الْمَصْلَحَةِ وَيَدَّعُونَ وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنْ يُعْطِيَ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ سَوَاءٌ كَانَ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ أَمْ لَا مِنْ غَيْرِ رِعَايَةِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا وُجُوبٍ وَلَا أَصْلَحَ بَلْ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَكْفُرُ بِهِ وَيَكْفُرُ نِعْمَتَهُ حَتَّى يُهْلِكَهُ كَكَثِيرٍ مِنَ الْكُفَّارِ مِثْلَ نُمْرُودَ وَالْفَرَاعِنَةِ، وَيُؤْتِيهِ إِذَا شَاءَ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَيَدْعُو إِلَى دِينِهِ وَيَرْحَمُ بِهِ الْخَلْقَ مِثْلَ يُوسُفَ، وَدَاوُدَ، وَسُلَيْمَانَ، وَحِكْمَتُهُ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ عِلْمُهُ وَإِحْكَامُهُ بِإِرَادَتِهِ تَخْصِيصَ مَقْدُورَاتِهِ. قَوْلُهُ ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقَصَصِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى وَبَعْضُهُ فِي الْجَنَائِزِ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَعْنَى ﴿لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لِأَنَّكَ لَا تَعْلَمُ الْمَطْبُوعَ عَلَى قَلْبِهِ فَيُقْرَنُ بِهِ اللُّطْفُ حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى الْقَبُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ الْقَابِلِينَ لِذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اللُّطْفَ الَّذِي يَسْتَنِدُونَ إِلَيْهِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَمُرَادُهُمْ بِمَنْ يَقْبَلُ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ مَنْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ لِذَاتِهِ لَا بِحُكْمِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أَيِ الَّذِينَ
خَصَّصَهُمْ بِذَلِكَ فِي الْأَزَلِ.
قَوْلُهُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ هَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا تَمَسَّكَ بِهَا الْمُعْتَزِلَةُ لِقَوْلِهِمْ فَقَالُوا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْمَعْصِيَةَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَعْنَى إِرَادَةِ الْيُسْرِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَمَعَ الْمَرَضِ وَالْإِفْطَارِ بِشَرْطِهِ، وَإِرَادَةِ الْعُسْرِ الْمَنْفِيَّةِ الْإِلْزَامُ بِالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، فَالْإِلْزَامُ هُوَ الَّذِي لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ وَبِهَذَا تَظْهَرُ الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِهَا عَنِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَالْفَصْلِ بَيْنَ آيَاتِ الْمَشِيئَةِ وَآيَاتِ الْإِرَادَةِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْإِرَادَةِ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ أَيْضًا، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا مَا يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّهُ مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آمِرًا بِهَا، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لَا يُرِيدُ الشَّرَّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَطَلَبَهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ نَفْسُ الْإِرَادَةِ وَشَنَّعُوا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ الْفَحْشَاءَ مُرَادَةٌ لِلَّهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُنَزَّهَ عَنْهَا، وَانْفَصَلَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُرِيدُ الشَّيْءَ لِيُعَاقِبَ عَلَيْهِ، وَلِثُبُوتِ أَنَّهُ خَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَخَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَأَلْزَمُوا الْمُعْتَزِلَةَ بِأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَنَّهُ يَقَعُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ، وَيُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أُحْضِرَ لِلْمُنَاظَرَةِ مَعَ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَمَّا جَلَسَ الْمُعْتَزِلِيُّ قَالَ: سُبْحَانَ مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الْفَحْشَاءِ، فَقَالَ السُّنِّيُّ: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يَشَاءُ، فَقَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ:
أَيَشَاءُ رَبُّنَا أَنْ يُعْصَى؟ فَقَالَ السُّنِّيُّ: أَفَيُعْصَى رَبُّنَا قَهْرًا؟ فَقَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ: أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَنِي الْهُدَى وَقَضَى عَلَيَّ بِالرَّدَى أَحْسَنَ إِلَيَّ أَوْ أَسَاءَ؟ فَقَالَ السُّنِّيُّ: إِنْ كَانَ مَنَعَكَ مَا هُوَ لَكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَإِنْ كَانَ مَنَعَكَ مَا هُوَ لَهُ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ فَانْقَطَعَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ فِيهِ سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا فِيهَا كُلِّهَا ذِكْرُ الْمَشِيئَةِ، وَتَقَدَّمَتْ كُلُّهَا فِي أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَنَسٍ: إِذَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ أَيِ اجْزِمُوا وَلَا تَرَدَّدُوا، مِنْ عَزَمْتُ عَلَى الشَّيْءِ إِذَا صَمَّمْتَ عَلَى فِعْلِهِ، وَقِيلَ: عَزْمُ الْمَسْأَلَةِ الْجَزْمُ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ فِي الطَّلَبِ، وَقِيلَ هُوَ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ فِي الْإِجَابَةِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ فِي التَّعْلِيقِ صُورَةَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ وَعَنِ الْمَطْلُوبِ، وَقَوْلُهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ أَيْ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ يُوهِمُ إِمْكَانَ إِعْطَائِهِ عَلَى غَيْرِ الْمَشِيئَةِ وَلَيْسَ بَعْدَ الْمَشِيئَةِ إِلَّا الْإِكْرَاهُ وَاللَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عَلِيٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ: إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، وَأَقَرَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ فَقَالَ لَهُمْ وَكَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ يَبْعَثَنَا إِشَارَةٌ إِلَى نَفْسِهِ وَإِلَى مَنْ عِنْدَهُ، وَقَوْلُهُ فِيهِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَأَخُوهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ هُوَ أَبُو بَكْرٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنَ اسْمِهِ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ وَقَدْ سَمِعَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ سُلَيْمَانَ بِلَا وَاسِطَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الرِّقَاقِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ يَقْصِمُهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي سَبَقَتْ إِرَادَتُهُ أَنْ يَقْصِمَهُ فِيهِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي الْمُبَايَعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَائِلَ الْكِتَابِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فِي قَوْلِ سُلَيْمَانَ ﵇: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي عَدَدِ نِسَائِهِ، وَذَكَرَهُ هُنَا بِلَفْظِ لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، أَيْ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى قَوْلِ
إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الطِّبِّ وَذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ نَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ، ذَكَرَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا وَتَقَدَّمَ بِأَتَمَّ مِنْهُ فِي بَابِ الْأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فِي قِصَّةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَ الْيَهُودِيَّ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ فِيهِ: أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْمَدِينَةِ وَفِيهِ: وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَشَيْخُهُ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي عِيسَى لَيْسَ لَهُ إِلَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ.
الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ: حَدِيثُهُ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ فَنَزَعْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ، وَفِي الْفِتَنِ وَيَسَرَةُ شَيْخُهُ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ بِوَزْنِ بَشَرَةَ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَةٍ وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَخَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ زَادَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ، وَالزُّهْرِيِّ صَالِحًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مَسْعُودٍ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ قَبْلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: إِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ كَذَلِكَ، وَقَالَ يَبْعُدُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْغَلَطِ، وَقَالَ الْبَرْقَانِيُّ: فِي كُلِّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّهْرِيِّ صَالِحًا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى: اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَشُرِحَ هُنَاكَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ أَيْ يُظْهِرُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ بِالْوَحْيِ أَوِ الْإِلْهَامِ مَا قَدَّرَهُ فِي عِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَقَعُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ مَعَ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُبْدَأِ بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي صَاحِبِ مُوسَى، وَالْخَضِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي التَّفْسِيرِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَشَيْخُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمُسْنَدِيُّ، وَشَيْخُ الْمُسْنَدِيِّ أَبُو حَفْصٍ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ التِّنِّيسِيُّ بِمُثَنَّاةٍ وَنُونٍ ثَقِيلَةٍ مَكْسُورَةٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ أَبُوهُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قَوْلَ ذَلِكَ يُرْجَى فِيهِ النُّجْحُ وَوُقُوعُ الْمَطْلُوبِ غَالِبًا وَقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ وُقُوعَهُ كَمَا سَيَأْتِي مِثَالُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ.
الْحَدِيثُ السادس عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: حَاصَرَ النَّبِيُّ ﷺ الطَّائِفَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْغَزَوَاتِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ تَابِعِيِّهِ هَلْ هُوَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِضَمِّ الْعَيْنِ أَوْ بِفَتْحِهَا وَبَيَانُ الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ، وَذُكِرَ هُنَا لِقَوْلِهِ إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَرَّتَيْنِ، فَمَا قَفَلُوا فِي الْأُولَى، وَقَفَلُوا فِي الثَّانِيَةِ.
٣٢ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ وَقَالَ مَسْرُوقٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عمله في غاية الإجادة ونهاية الإصلاح (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ حَوْلَهُ بِعَطَنٍ) وهو الموضع الذي تُساق إليه الإبل بعد السَّقي للاستراحة، وهذا مثالٌ لما جرى للعمرَين ﵄ في خلافتهما (١)، وانتفاع النَّاس بهما بعده ﷺ، فكان ﵇ هو صاحب الأمر قام به أكمل قيامٍ، وقرَّر قواعد الإسلام، ومهَّد أساسه، وأوضح أصوله وفروعه، فخلفه أبو بكرٍ ﵁ وقطع دابر أهل الرِّدَّة، فخلفه عمر فاتَّسع الإسلام في زمانه، فشبَّه أمر المسلمين بالقليب لما فيها من الماء الذي به حياتهم، وأميرهم بالمستقي لهم، وليس في قوله: «وفي نزعه ضعفٌ» حطٌّ من مرتبة أبي بكرٍ وترجيحٌ لعمر (٢) عليه، إنَّما هو إخبارٌ عن قصر مدَّة ولايته، وطول مدَّة عمر، وكثرة انتفاع النَّاس به؛ لاتِّساع بلاد الإسلام، وأمَّا قوله: «والله يغفر له» فهي كلمةٌ يدعم بها المتكلِّم كلامه ونعمت الدِّعامة، وليس فيها تنقيصٌ ولا إشارةٌ إلى ذنبٍ، قاله في «الكواكب».
وسبق ذلك وغيره في «المناقب» [خ¦٣٦٦٤] مع غيره، وذكرته هنا لطول العهد به.
٧٤٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، ابن عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء عامرٍ، أو الحارث (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ وَرُبَّمَا قَالَ: جَاءَهُ السَّائِلُ (٣) أَوْ صَاحِبُ الحَاجَةِ قَالَ) لمن عنده من أصحابه: (اشْفَعُوا) في حاجته لديَّ (فَلْتُؤْجَرُوا) بسبب شفاعتكم، قال في «المصابيح»: لم أتحرَّر الرِّواية في لام «فلتؤجروا» هل هي ساكنةٌ أو محرَّكةٌ؟ فإن كانت ساكنةً
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَوْله: هًهٌ هٍ أَي: مِقْدَار ذَلِك لِأَن الْيَوْم يعرف بِطُلُوع الشَّمْس، وغروبها، وَلم يكن يومئذٍ شمس وَلَا قمر، وَالْحكمَة فِي خلقهَا فِي سِتَّة أَيَّام مَعَ قدرته على خلقهَا فِي لَحْظَة وَاحِدَة لوجوه: الأول: أَنه أَرَادَ أَن يُوقع فِي كل يَوْم أمرا تستعظمه الْمَلَائِكَة وَمن يُشَاهِدهُ، وَهَذَا عِنْد من يَقُول: خلق الْمَلَائِكَة قبل السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَالثَّانِي: ليعلم عباده التثبت فِي الْأُمُور فالتثبت أبلغ فِي الْحِكْمَة والتعجيل أبلغ فِي الْقُدْرَة. الثَّالِث: أَن الْإِمْهَال فِي خلق شَيْء بعد شَيْء أبعد من أَن يظنّ أَن ذَلِك وَقع بالطبع أَو بالِاتِّفَاقِ. الرَّابِع: ليعلمنا بذلك الْحساب. لِأَن أصل الْحساب من سِتَّة، وَمِنْه يتَفَرَّع سَائِر الْأَعْدَاد. قَوْله: {ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش} قد ذكرنَا معنى الاسْتوَاء عَن قريب، وَخص الْعَرْش بذلك لِأَنَّهُ أعظم الْمَخْلُوقَات، وَالْعرش فِي اللُّغَة: السرير، قَالَه الْخَلِيل. قَوْله: {يغشى اللَّيْل وَالنَّهَار} الإغشاء إلباس الشَّيْء الشَّيْء. وَقَالَ الزّجاج: الْمَعْنى أَن اللَّيْل يَأْتِي على النَّهَار فيغطيه، وَإِنَّمَا لم يقل: ويغشى النَّهَار اللَّيْل، لِأَن فِي الْكَلَام دَلِيلا، عَلَيْهِ كَقَوْلِه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} قَالَ فِي مَوضِع آخر: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لَاِجَلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} قَوْله: {يَطْلُبهُ حثيثاً} أَي: يطْلب اللَّيْل النَّهَار محثوثاً أَي: بالسرعة. قَوْله: {مسخرات} أَي: مذللات لما يُرَاد مِنْهُنَّ من طُلُوع وأفول وسير على حسب الْإِرَادَة. قَوْله: {أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر} وَالْغَرَض من إِيرَاد الْآيَة هُنَا هُوَ أَن يعلم أَن الْأَمر غير الْخلق لِأَن بَينهمَا حرف الْعَطف، وَعَن ابْن عُيَيْنَة: فرق بَين الْخلق وَالْأَمر فَمن جمع بَينهمَا فقد كفر أَي: من جعل الْأَمر من جملَة مَا خلقه فقد كفر، وَفِيه خلاف الْمُعْتَزلَة، وَمعنى هَذَا الْبَاب إِثْبَات الْكَلَام لله تَعَالَى صفة لذاته وَلم يزل متكلماً وَلَا يزَال كمعنى الْبَاب الَّذِي قبله، وَإِن كَانَ وصف الله كَلَامه بِأَنَّهُ كَلِمَات فَإِنَّهُ شَيْء وَاحِد لَا يتجزىء وَلَا يَنْقَسِم، وَكَذَلِكَ يعبر عَنهُ بعبارات مُخْتَلفَة تَارَة عَرَبِيَّة وَتارَة سريانية وبجميع الْأَلْسِنَة الَّتِي أنزلهَا الله على أنبيائه وَجعلهَا عبارَة عَن كَلَامه الْقَدِيم الَّذِي لَا يشبه كَلَام المخلوقين، وَلَو كَانَت كَلِمَاته مخلوقة لنفدت كَمَا ينْفد الْبحار وَالْأَشْجَار وَجَمِيع المحدثات، فَكَمَا لَا يحاط بوصفه تَعَالَى كَذَلِك لَا يحاط بكلماته وَجَمِيع صِفَاته.
٧٤٦٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنَا مالِكٌ، عنْ أبي الزِّناددِ عنِ الأعْرَجِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: تَكَفَّلَ الله لِمَنْ جاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ، إلَاّ الجِهادُ فِي سَبِيلِهِ وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِما نالَ مِنْ أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وتصديق كَلمته وَفِي رِوَايَة عَن أبي ذَر، كَلِمَاته، بِصِيغَة الْجمع.
والْحَدِيث مر عَن قريب بشرحه، وَأخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك.
٣١ - (بابٌ فِي المَشِيئَةِ والإرَادَةِ {وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله} )
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الْمَشِيئَة والإرادة، قَالَ الرَّاغِب: الْمَشِيئَة عِنْد الْأَكْثَر كالإرادة سَوَاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وللإرادة تعريفات مثل: اعْتِقَاد النَّفْع فِي الْفِعْل أَو تَركه، وَالأَصَح أَنَّهَا صفة مخصصة لأحد طرفِي الْمُقدر بالوقوع، والمشيئة ترادفها، وَقيل: هِيَ الْإِرَادَة الْمُتَعَلّقَة بِأحد الطَّرفَيْنِ، وَفِي التَّوْضِيح معنى الْبَاب إِثْبَات الْمَشِيئَة والإرادة لله تَعَالَى، وَأَن مَشِيئَته وإرادته وَرَحمته وغضبه وَسخطه وكراهته كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد أَسمَاء مترادفة، وَهِي رَاجِعَة كلهَا إِلَى معنى الْإِرَادَة، كَمَا يُسَمِّي الشَّيْء الْوَاحِد بأسماء كَثِيرَة، وإرادته تَعَالَى صفة من صِفَات ذَاته خلافًا لمن يَقُول من الْمُعْتَزلَة: إِنَّهَا مخلوقة من أَوْصَاف أَفعاله.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} {إِلَاّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لَاِقْرَبَ مِنْ هَاذَا رَشَدًا} {إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ وَرُبَّمَا قَالَ جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ.
٧٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ وَليَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا مُكْرِهُ لَهُ
٧٤٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرٌو حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى أَهُوَ خَضِرٌ فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ قَالَ نَعَمْ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿بَيْنَا مُوسَى فِي مَلَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ فَقَالَ مُوسَى لَا فَأُوحِيَ إِلَى مُوسَى بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ فَكَانَ مُوسَى يَتْبَعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ قَالَ مُوسَى ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا خَضِرًا وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ﴾
٧٤٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ نَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ يُرِيدُ الْمُحَصَّبَ
٧٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ حَاصَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَفْتَحْهَا فَقَالَ إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ نَقْفُلُ وَلَمْ نَفْتَحْ قَالَ فَاغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ فَغَدَوْا فَأَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ قال النبي ﷺ: "إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَكَأَنَّ ذَلِكَ أَعْجَبَهُمْ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
قَوْلُهُ: بَابٌ فِي الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ) قَالَ الرَّاغِبُ: الْمَشِيئَةُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ سَوَاءٌ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَشِيئَةَ فِي الْأَصْلِ إِيجَادُ الشَّيْءِ وَإِصَابَتُهُ فَمِنَ اللَّهِ الْإِيجَادُ وَمِنَ النَّاسِ الْإِصَابَةُ، وَفِي الْعُرْفِ تُسْتَعْمَلُ مَوْضِعَ الْإِرَادَةِ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَشِيئَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ خَلْقَهُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ دُونَهُمْ فَقَالَ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فَلَيْسَتْ لِلْخَلْقِ مَشِيئَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ إِلَى الرَّبِيعِ قَالَ: سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ:
مَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ … وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ
الْأَبْيَاتَ، ثُمَّ سَاقَ مِمَّا تَكَرَّرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَشِيئَةِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ مَوْضِعًا مِنْهَا - غَيْرُ مَا ذُكِرَ فِي التَّرْجَمَةِ - قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ وَقَوْلُهُ فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَوْلُهُ فِي النِّسَاءِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْأَنْعَامِ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ الْآيَةَ فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَقَالُوا: إِنَّ فِيهَا رَدًّا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ تَمَسَّكُوا بِأَصْلٍ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَرَاهِينُ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ مَخْلُوقٍ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَخْلُقَ الْمَخْلُوقُ شَيْئًا، وَالْإِرَادَةُ شَرْطٌ فِي الْخَلْقِ وَيَسْتَحِيلُ ثُبُوتُ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ، فَلَمَّا عَانَدَ الْمُشْرِكُونَ الْمَعْقُولَ وَكَذَّبُوا الْمَنْقُولَ الَّذِي جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ وَأُلْزِمُوا الْحُجَّةَ بِذَلِكَ تَمَسَّكُوا بِالْمَشِيئَةِ وَالْقَدَرِ السَّابِقِ، وَهِيَ حُجَّةٌ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَدَرَ لَا تَبْطُلُ بِهِ الشَّرِيعَةُ وَجَرَيَانُ الْأَحْكَامِ عَلَى الْعِبَادِ بِأَكْسَابِهِمْ فَمَنْ قَدَّرَ عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ قَدَّرَ عَلَيْهِ الْعِقَابَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ الْمُشْرِكِينَ، وَمَنْ قَدَّرَ عَلَيْهِ بِالطَّاعَةِ كَانَ ذَلِكَ
عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ قَدَّرَ عَلَيْهِ بِالثَّوَابِ، وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قَاسُوا الْخَالِقَ عَلَى الْمَخْلُوقِ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَوْ عَاقَبَ مَنْ يُطِيعُهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ عُدَّ ظَالِمًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ مَالِكًا لَهُ بِالْحَقِيقَةِ، وَالْخَالِقُ لَوْ عَذَّبَ مَنْ يُطِيعُهُ لَمْ يُعَدَّ ظَالِمًا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِلْكُهُ فَلَهُ الْأَمْرُ كُلُّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَا وَمَوْقُوفَةٌ عَلَيْهَا مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى تَعْلِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَةِ الزُّهْرِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي الزّ هْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْمُرُ بِرِوَايَةِ قَصِيدَةِ لَبِيدٍ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرٌ نَفَلْ … وَبِإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ
أَحْمَدُ اللَّهَ فَلَا نِدَّ لَهُ … بِيَدَيْهِ الْخَيْرُ مَا شَاءَ فَعَلْ
مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى … نَاعِمَ الْبَالِ وَمَنْ شَاءَ أَضَلْ
وَحَرْفُ النِّزَاعِ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْإِرَادَةَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ تَابِعَةٌ لِلْعِلْمِ وَعِنْدَهُمْ تَابِعَةٌ لِلْأَمْرِ، وَيَدُلُّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ﴾ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ إِثْبَاتُ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِرَادَتُهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَزَعَمَ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّهَا صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ إِرَادَتَهُ لَوْ كَانَتْ مُحْدَثَةً لَمْ يَخْلُ أَنْ يُحْدِثَهَا فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ لَا فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا.
وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ
مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ، وَالثَّانِي فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْغَيْرُ مُرِيدًا لَهَا، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي مُرِيدًا إِذِ الْمُرِيدُ مَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الْإِرَادَةُ وَهُوَ الْغَيْرُ كَمَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا إِذَا أَحْدَثَ الْعِلْمَ فِي غَيْرِهِ، وَحَقِيقَةُ الْمُرِيدِ أَنْ يَكُونَ الْإِرَادَةُ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَالرَّابِعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ قِيَامَهَا بِنَفْسِهَا، وَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ صَحَّ أَنَّهُ مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ هِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَيَكُونُ تَعَلُّقُهَا بِمَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مُرَادًا، فَمَا وَقَعَ بِإِرَادَتِهِ قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا يَشَاءُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَقَالَ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ اقْتِتَالَهُمُ الْوَاقِعَ مِنْهُمْ لِكَوْنِهِ مُرِيدًا لَهُ، وَإِذَا كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِاقْتِتَالِهِمْ فَهُوَ الْمُرِيدُ لِمَشِيئَتِهِمْ وَالْفَاعِلُ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كَسْبَ الْعِبَادِ إِنَّمَا هُوَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ وُقُوعَهُ مَا وَقَعَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْإِرَادَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: إِرَادَةُ أَمْرٍ وَتَشْرِيعٍ، وَإِرَادَةُ قَضَاءٍ وَتَقْدِيرٍ، فَالْأُولَى تَتَعَلَّقُ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ سَوَاءٌ وَقَعَتْ أَمْ لَا، وَالثَّانِيَةُ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ الْحَادِثَاتِ طَاعَةً وَمَعْصِيَةً، وَإِلَى الْأَوَّلِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وَإِلَى الثَّانِي الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْإِرَادَةِ وَالرِّضَا فَقَالُوا: يُرِيدُ وُقُوعَ الْمَعْصِيَةِ وَلَا يَرْضَاهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ يَعْنِي بِعِبَادِهِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ بِقَوْلِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَأَرَادَ عِبَادَهُ الْمُخْلِصِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ فَحَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ مَعْنَاهُ وَمَا تَشَاءُونَ الطَّاعَةَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ قَسَرَكُمْ عَلَيْهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا قَالَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ فِي مَوْضِعِ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ لِلِاسْتِقْبَالِ وَصَرْفُ الْمَشِيئَةِ إِلَى الْقَسْرِ تَحْرِيفٌ لَا إِشْعَارَ لِلْآيَةِ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ مَشِيئَةُ الِاسْتِقَامَةِ كَسْبًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ مِنَ الْعِبَادِ، وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أَيْ يُعْطِي مَنِ اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ الْمُلْكَ، يُرِيدُونَ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِي رِعَايَةَ الْمَصْلَحَةِ وَيَدَّعُونَ وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنْ يُعْطِيَ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ سَوَاءٌ كَانَ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ أَمْ لَا مِنْ غَيْرِ رِعَايَةِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا وُجُوبٍ وَلَا أَصْلَحَ بَلْ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَكْفُرُ بِهِ وَيَكْفُرُ نِعْمَتَهُ حَتَّى يُهْلِكَهُ كَكَثِيرٍ مِنَ الْكُفَّارِ مِثْلَ نُمْرُودَ وَالْفَرَاعِنَةِ، وَيُؤْتِيهِ إِذَا شَاءَ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَيَدْعُو إِلَى دِينِهِ وَيَرْحَمُ بِهِ الْخَلْقَ مِثْلَ يُوسُفَ، وَدَاوُدَ، وَسُلَيْمَانَ، وَحِكْمَتُهُ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ عِلْمُهُ وَإِحْكَامُهُ بِإِرَادَتِهِ تَخْصِيصَ مَقْدُورَاتِهِ. قَوْلُهُ ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقَصَصِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى وَبَعْضُهُ فِي الْجَنَائِزِ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَعْنَى ﴿لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لِأَنَّكَ لَا تَعْلَمُ الْمَطْبُوعَ عَلَى قَلْبِهِ فَيُقْرَنُ بِهِ اللُّطْفُ حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى الْقَبُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ الْقَابِلِينَ لِذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اللُّطْفَ الَّذِي يَسْتَنِدُونَ إِلَيْهِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَمُرَادُهُمْ بِمَنْ يَقْبَلُ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ مَنْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ لِذَاتِهِ لَا بِحُكْمِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أَيِ الَّذِينَ
خَصَّصَهُمْ بِذَلِكَ فِي الْأَزَلِ.
قَوْلُهُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ هَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا تَمَسَّكَ بِهَا الْمُعْتَزِلَةُ لِقَوْلِهِمْ فَقَالُوا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْمَعْصِيَةَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَعْنَى إِرَادَةِ الْيُسْرِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَمَعَ الْمَرَضِ وَالْإِفْطَارِ بِشَرْطِهِ، وَإِرَادَةِ الْعُسْرِ الْمَنْفِيَّةِ الْإِلْزَامُ بِالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، فَالْإِلْزَامُ هُوَ الَّذِي لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ وَبِهَذَا تَظْهَرُ الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِهَا عَنِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَالْفَصْلِ بَيْنَ آيَاتِ الْمَشِيئَةِ وَآيَاتِ الْإِرَادَةِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْإِرَادَةِ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ أَيْضًا، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا مَا يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّهُ مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آمِرًا بِهَا، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لَا يُرِيدُ الشَّرَّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَطَلَبَهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ نَفْسُ الْإِرَادَةِ وَشَنَّعُوا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ الْفَحْشَاءَ مُرَادَةٌ لِلَّهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُنَزَّهَ عَنْهَا، وَانْفَصَلَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُرِيدُ الشَّيْءَ لِيُعَاقِبَ عَلَيْهِ، وَلِثُبُوتِ أَنَّهُ خَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَخَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَأَلْزَمُوا الْمُعْتَزِلَةَ بِأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَنَّهُ يَقَعُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ، وَيُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أُحْضِرَ لِلْمُنَاظَرَةِ مَعَ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَمَّا جَلَسَ الْمُعْتَزِلِيُّ قَالَ: سُبْحَانَ مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الْفَحْشَاءِ، فَقَالَ السُّنِّيُّ: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يَشَاءُ، فَقَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ:
أَيَشَاءُ رَبُّنَا أَنْ يُعْصَى؟ فَقَالَ السُّنِّيُّ: أَفَيُعْصَى رَبُّنَا قَهْرًا؟ فَقَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ: أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَنِي الْهُدَى وَقَضَى عَلَيَّ بِالرَّدَى أَحْسَنَ إِلَيَّ أَوْ أَسَاءَ؟ فَقَالَ السُّنِّيُّ: إِنْ كَانَ مَنَعَكَ مَا هُوَ لَكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَإِنْ كَانَ مَنَعَكَ مَا هُوَ لَهُ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ فَانْقَطَعَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ فِيهِ سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا فِيهَا كُلِّهَا ذِكْرُ الْمَشِيئَةِ، وَتَقَدَّمَتْ كُلُّهَا فِي أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَنَسٍ: إِذَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ أَيِ اجْزِمُوا وَلَا تَرَدَّدُوا، مِنْ عَزَمْتُ عَلَى الشَّيْءِ إِذَا صَمَّمْتَ عَلَى فِعْلِهِ، وَقِيلَ: عَزْمُ الْمَسْأَلَةِ الْجَزْمُ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ فِي الطَّلَبِ، وَقِيلَ هُوَ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ فِي الْإِجَابَةِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ فِي التَّعْلِيقِ صُورَةَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ وَعَنِ الْمَطْلُوبِ، وَقَوْلُهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ أَيْ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ يُوهِمُ إِمْكَانَ إِعْطَائِهِ عَلَى غَيْرِ الْمَشِيئَةِ وَلَيْسَ بَعْدَ الْمَشِيئَةِ إِلَّا الْإِكْرَاهُ وَاللَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عَلِيٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ: إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، وَأَقَرَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ فَقَالَ لَهُمْ وَكَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ يَبْعَثَنَا إِشَارَةٌ إِلَى نَفْسِهِ وَإِلَى مَنْ عِنْدَهُ، وَقَوْلُهُ فِيهِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَأَخُوهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ هُوَ أَبُو بَكْرٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنَ اسْمِهِ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ وَقَدْ سَمِعَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ سُلَيْمَانَ بِلَا وَاسِطَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الرِّقَاقِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ يَقْصِمُهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي سَبَقَتْ إِرَادَتُهُ أَنْ يَقْصِمَهُ فِيهِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي الْمُبَايَعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَائِلَ الْكِتَابِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فِي قَوْلِ سُلَيْمَانَ ﵇: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي عَدَدِ نِسَائِهِ، وَذَكَرَهُ هُنَا بِلَفْظِ لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، أَيْ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى قَوْلِ
إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الطِّبِّ وَذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ نَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ، ذَكَرَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا وَتَقَدَّمَ بِأَتَمَّ مِنْهُ فِي بَابِ الْأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فِي قِصَّةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَ الْيَهُودِيَّ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ فِيهِ: أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْمَدِينَةِ وَفِيهِ: وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَشَيْخُهُ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي عِيسَى لَيْسَ لَهُ إِلَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ.
الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ: حَدِيثُهُ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ فَنَزَعْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ، وَفِي الْفِتَنِ وَيَسَرَةُ شَيْخُهُ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ بِوَزْنِ بَشَرَةَ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَةٍ وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَخَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ زَادَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ، وَالزُّهْرِيِّ صَالِحًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مَسْعُودٍ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ قَبْلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: إِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ كَذَلِكَ، وَقَالَ يَبْعُدُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْغَلَطِ، وَقَالَ الْبَرْقَانِيُّ: فِي كُلِّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّهْرِيِّ صَالِحًا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى: اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَشُرِحَ هُنَاكَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ أَيْ يُظْهِرُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ بِالْوَحْيِ أَوِ الْإِلْهَامِ مَا قَدَّرَهُ فِي عِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَقَعُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ مَعَ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُبْدَأِ بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي صَاحِبِ مُوسَى، وَالْخَضِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي التَّفْسِيرِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَشَيْخُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمُسْنَدِيُّ، وَشَيْخُ الْمُسْنَدِيِّ أَبُو حَفْصٍ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ التِّنِّيسِيُّ بِمُثَنَّاةٍ وَنُونٍ ثَقِيلَةٍ مَكْسُورَةٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ أَبُوهُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قَوْلَ ذَلِكَ يُرْجَى فِيهِ النُّجْحُ وَوُقُوعُ الْمَطْلُوبِ غَالِبًا وَقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ وُقُوعَهُ كَمَا سَيَأْتِي مِثَالُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ.
الْحَدِيثُ السادس عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: حَاصَرَ النَّبِيُّ ﷺ الطَّائِفَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْغَزَوَاتِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ تَابِعِيِّهِ هَلْ هُوَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِضَمِّ الْعَيْنِ أَوْ بِفَتْحِهَا وَبَيَانُ الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ، وَذُكِرَ هُنَا لِقَوْلِهِ إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَرَّتَيْنِ، فَمَا قَفَلُوا فِي الْأُولَى، وَقَفَلُوا فِي الثَّانِيَةِ.
٣٢ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ وَقَالَ مَسْرُوقٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عمله في غاية الإجادة ونهاية الإصلاح (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ حَوْلَهُ بِعَطَنٍ) وهو الموضع الذي تُساق إليه الإبل بعد السَّقي للاستراحة، وهذا مثالٌ لما جرى للعمرَين ﵄ في خلافتهما (١)، وانتفاع النَّاس بهما بعده ﷺ، فكان ﵇ هو صاحب الأمر قام به أكمل قيامٍ، وقرَّر قواعد الإسلام، ومهَّد أساسه، وأوضح أصوله وفروعه، فخلفه أبو بكرٍ ﵁ وقطع دابر أهل الرِّدَّة، فخلفه عمر فاتَّسع الإسلام في زمانه، فشبَّه أمر المسلمين بالقليب لما فيها من الماء الذي به حياتهم، وأميرهم بالمستقي لهم، وليس في قوله: «وفي نزعه ضعفٌ» حطٌّ من مرتبة أبي بكرٍ وترجيحٌ لعمر (٢) عليه، إنَّما هو إخبارٌ عن قصر مدَّة ولايته، وطول مدَّة عمر، وكثرة انتفاع النَّاس به؛ لاتِّساع بلاد الإسلام، وأمَّا قوله: «والله يغفر له» فهي كلمةٌ يدعم بها المتكلِّم كلامه ونعمت الدِّعامة، وليس فيها تنقيصٌ ولا إشارةٌ إلى ذنبٍ، قاله في «الكواكب».
وسبق ذلك وغيره في «المناقب» [خ¦٣٦٦٤] مع غيره، وذكرته هنا لطول العهد به.
٧٤٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، ابن عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء عامرٍ، أو الحارث (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ وَرُبَّمَا قَالَ: جَاءَهُ السَّائِلُ (٣) أَوْ صَاحِبُ الحَاجَةِ قَالَ) لمن عنده من أصحابه: (اشْفَعُوا) في حاجته لديَّ (فَلْتُؤْجَرُوا) بسبب شفاعتكم، قال في «المصابيح»: لم أتحرَّر الرِّواية في لام «فلتؤجروا» هل هي ساكنةٌ أو محرَّكةٌ؟ فإن كانت ساكنةً
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَوْله: هًهٌ هٍ أَي: مِقْدَار ذَلِك لِأَن الْيَوْم يعرف بِطُلُوع الشَّمْس، وغروبها، وَلم يكن يومئذٍ شمس وَلَا قمر، وَالْحكمَة فِي خلقهَا فِي سِتَّة أَيَّام مَعَ قدرته على خلقهَا فِي لَحْظَة وَاحِدَة لوجوه: الأول: أَنه أَرَادَ أَن يُوقع فِي كل يَوْم أمرا تستعظمه الْمَلَائِكَة وَمن يُشَاهِدهُ، وَهَذَا عِنْد من يَقُول: خلق الْمَلَائِكَة قبل السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَالثَّانِي: ليعلم عباده التثبت فِي الْأُمُور فالتثبت أبلغ فِي الْحِكْمَة والتعجيل أبلغ فِي الْقُدْرَة. الثَّالِث: أَن الْإِمْهَال فِي خلق شَيْء بعد شَيْء أبعد من أَن يظنّ أَن ذَلِك وَقع بالطبع أَو بالِاتِّفَاقِ. الرَّابِع: ليعلمنا بذلك الْحساب. لِأَن أصل الْحساب من سِتَّة، وَمِنْه يتَفَرَّع سَائِر الْأَعْدَاد. قَوْله: {ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش} قد ذكرنَا معنى الاسْتوَاء عَن قريب، وَخص الْعَرْش بذلك لِأَنَّهُ أعظم الْمَخْلُوقَات، وَالْعرش فِي اللُّغَة: السرير، قَالَه الْخَلِيل. قَوْله: {يغشى اللَّيْل وَالنَّهَار} الإغشاء إلباس الشَّيْء الشَّيْء. وَقَالَ الزّجاج: الْمَعْنى أَن اللَّيْل يَأْتِي على النَّهَار فيغطيه، وَإِنَّمَا لم يقل: ويغشى النَّهَار اللَّيْل، لِأَن فِي الْكَلَام دَلِيلا، عَلَيْهِ كَقَوْلِه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} قَالَ فِي مَوضِع آخر: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لَاِجَلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} قَوْله: {يَطْلُبهُ حثيثاً} أَي: يطْلب اللَّيْل النَّهَار محثوثاً أَي: بالسرعة. قَوْله: {مسخرات} أَي: مذللات لما يُرَاد مِنْهُنَّ من طُلُوع وأفول وسير على حسب الْإِرَادَة. قَوْله: {أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر} وَالْغَرَض من إِيرَاد الْآيَة هُنَا هُوَ أَن يعلم أَن الْأَمر غير الْخلق لِأَن بَينهمَا حرف الْعَطف، وَعَن ابْن عُيَيْنَة: فرق بَين الْخلق وَالْأَمر فَمن جمع بَينهمَا فقد كفر أَي: من جعل الْأَمر من جملَة مَا خلقه فقد كفر، وَفِيه خلاف الْمُعْتَزلَة، وَمعنى هَذَا الْبَاب إِثْبَات الْكَلَام لله تَعَالَى صفة لذاته وَلم يزل متكلماً وَلَا يزَال كمعنى الْبَاب الَّذِي قبله، وَإِن كَانَ وصف الله كَلَامه بِأَنَّهُ كَلِمَات فَإِنَّهُ شَيْء وَاحِد لَا يتجزىء وَلَا يَنْقَسِم، وَكَذَلِكَ يعبر عَنهُ بعبارات مُخْتَلفَة تَارَة عَرَبِيَّة وَتارَة سريانية وبجميع الْأَلْسِنَة الَّتِي أنزلهَا الله على أنبيائه وَجعلهَا عبارَة عَن كَلَامه الْقَدِيم الَّذِي لَا يشبه كَلَام المخلوقين، وَلَو كَانَت كَلِمَاته مخلوقة لنفدت كَمَا ينْفد الْبحار وَالْأَشْجَار وَجَمِيع المحدثات، فَكَمَا لَا يحاط بوصفه تَعَالَى كَذَلِك لَا يحاط بكلماته وَجَمِيع صِفَاته.
٧٤٦٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنَا مالِكٌ، عنْ أبي الزِّناددِ عنِ الأعْرَجِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: تَكَفَّلَ الله لِمَنْ جاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ، إلَاّ الجِهادُ فِي سَبِيلِهِ وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِما نالَ مِنْ أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وتصديق كَلمته وَفِي رِوَايَة عَن أبي ذَر، كَلِمَاته، بِصِيغَة الْجمع.
والْحَدِيث مر عَن قريب بشرحه، وَأخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك.
٣١ - (بابٌ فِي المَشِيئَةِ والإرَادَةِ {وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله} )
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الْمَشِيئَة والإرادة، قَالَ الرَّاغِب: الْمَشِيئَة عِنْد الْأَكْثَر كالإرادة سَوَاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وللإرادة تعريفات مثل: اعْتِقَاد النَّفْع فِي الْفِعْل أَو تَركه، وَالأَصَح أَنَّهَا صفة مخصصة لأحد طرفِي الْمُقدر بالوقوع، والمشيئة ترادفها، وَقيل: هِيَ الْإِرَادَة الْمُتَعَلّقَة بِأحد الطَّرفَيْنِ، وَفِي التَّوْضِيح معنى الْبَاب إِثْبَات الْمَشِيئَة والإرادة لله تَعَالَى، وَأَن مَشِيئَته وإرادته وَرَحمته وغضبه وَسخطه وكراهته كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد أَسمَاء مترادفة، وَهِي رَاجِعَة كلهَا إِلَى معنى الْإِرَادَة، كَمَا يُسَمِّي الشَّيْء الْوَاحِد بأسماء كَثِيرَة، وإرادته تَعَالَى صفة من صِفَات ذَاته خلافًا لمن يَقُول من الْمُعْتَزلَة: إِنَّهَا مخلوقة من أَوْصَاف أَفعاله.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} {إِلَاّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لَاِقْرَبَ مِنْ هَاذَا رَشَدًا} {إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56