«أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 806

الحديث رقم 806 من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل السجود.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا…

«أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟. قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟. قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ،

⦗١٦١⦘

مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟. قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي اللهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ، رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللهُ ﷿ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ، قَالَ اللهُ ﷿ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا قَوْلَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ».

سند حديث: ٨٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ…

٨٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا…

سأل بعضُ الصحابة النبيَّ صلى الله عليه وسلم: هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: نعم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون الشمس في منتصف النهار والقمر ليلة البدر من غير ازدحام ولا منازعة، والتشبيه إنما وقع في الوضوح وزوال الشك والمشقة والاختلاف، فهو تشبية للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي. وهذه الرؤية غير الرؤية التي هي ثواب للأولياء وكرامة لهم في الجنة؛ إذ هذه للتمييز بين مَن عبد الله وبين من عبد غيره.
ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ينادي مناد يوم القيامة: من كان يعبد شيئا من دون الله فليتبعه، وفي رواية صحيحة: أن الله هو الذي ينادي سبحانه، فيُجمع من كان يعبد الأصنام من دون الله ويُقذفون في نار جهنم. فلا يبقى إلا من كان يعبد الله سواء كان مطيعًا أو عاصيًا وبعض بقايا قليلة من يهود ونصارى، وأما معظمهم وجُلُّهم فقد ذُهب بهم مع أوثانهم إلى جهنم، ويؤتى بجهنم تُعرض على الناس في ذلك الموقف كأنها سراب، فيجاء باليهود، فيقال لهم: مَن كنتم تعبدون؟ قالوا: كنَّا نعبدُ عُزَيرَ ابنَ الله. فيقال لهم: كذبتم في قولكم: عُزَيرُ ابنُ الله؛ فإن الله لم يتخذ زوجة ولا ولدًا، ثم يقال لهم: فماذا تريدون؟ فيقولون: نريد أن نشرب. وقد صار أول مطلبهم الماء؛ لأنه في ذلك الموقف يشتد الظمأ لتوالي الكربات، وترادف الشدائد المهولات، وقد مُثِّلت لهم جهنم كأنها ماء، فيقال لهم: اذهبوا إلى ما ترون وتظنونه ماء، فاشربوا. فيذهبون فيجدون جهنم يكسر بعضها بعضاً؛ لشدة اتقادها وتلاطم أمواج لهبها فيتساقطون فيها، ومثل ذلك يقال للنصارى بعدهم.
حتى إذا لم يَبْق إلا مَن كان يعبد اللهَ من مطيع وعاص، فيقال لهم ما يوقفكم هذا الموقف وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس في الدنيا ونحن اليوم أحوج إلى مفارقتهم؛ وذلك لأنهم عصوا الله وخالفوا أمره، فعاديناهم لذلك، بغضاً لهم في الله، وإيثاراً لطاعة ربنا، ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبده في الدنيا، فيأتيهم الله تعالى في صورة غير الصورة التي رأو فيها أول مرة، وفي هذا بيان صريح أنهم قد رأوه في صورة عرفوه فيها، قبل أن يأتيهم هذه المرة، ولا يصح تأويل الصورة، بل يجب الإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل. فإذا أتاهم الله تعالى قال لهم: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، فرحًا بذلك واستبشارًا، وعند ذلك لا يكلمه سبحانه إلا الأنبياء، فيقول الله لهم: هل بينكم وبينه آيةٌ تعرفونه بها؟
فيقولون: الساق. فيكشف سبحانه عن ساقه فيعرفه المؤمنون بذلك فيسجدون له، وأما المنافقون الذين يراءون الناس بعبادتهم، فمُنعوا من السجود، وجُعلت ظهورهم طبقاً واحداً، لا يستطيعون الانحناء، ولا السجود؛ لأنهم ما كانوا في الحقيقة يسجدون لله في الدنيا، وإنما كانوا يسجدون لأغراضهم الدنيوية.
ففي ذلك إثبات الساق صفة لله تعالى، ويكون هذا الحديث ونحوه تفسيراً لقوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ} وتفسير الساق في هذا الموضع بالشدة أو الكرب مرجوح، ويجب مع ذلك إثبات صفة الساق لله تعالى من السنة، ودلالة الآية على الصفة هو الراجح والأصح، وذلك من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل.
ثم يؤتى بالصراط، فيُجعل في وسط جهنم، وهذا الصراط لا تستمسك فيه الأقدام، ولا تثبت، وعلى هذا الصراط خطاطيف، وهو الحديدة المعقوفة المحددة؛ لأجل أن تمسك من أريد خطفه بها، فهي قريبة من الكلوب، وعلى الصراط أيضًا أشواك غليظة عريضة، يمر الناس على هذا الصراط على قدر إيمانهم وأعمالهم، فمن كان إيمانه كاملاً، وعمله صالحاً خالصاً لله، فإنه يمر من فوق جهنم كلمح البصر، ومن كان دون ذلك يكون مروره بحسب إيمانه وعمله، كما فُصِّل ذلك في الحديث، ومُثِّل بالبرق، والريح، إلى آخره. والمارون على الصراط أربعة أصناف:
الأول: الناجي المسلَّم من الأذى، وهؤلاء يتفاوتون في سرعة المرور عليه كما سبق.
والثاني: الناجي المخدوش، والخدش هو الجرح الخفيف، يعني: أنه أصابه من لفح جهنم، أو أصابته الكلاليب والخطاطيف التي على الصراط بخدوش.
والثالث: المكدوس في النار، الملقى فيها بقوة.
والرابع: الذي يُسحب على الصراط سحباً قد عجزت أعماله عن حمله.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: «فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم، من المؤمن يومئذ للجبار» هذا من كرم الله، ورحمته، حيث أذن لعباده المؤمنين في مناشدته وطلب عفوه عن إخوانهم الذين أُلقوا في النار، بسبب جرائمهم التي كانوا يبارزون بها ربهم، ومع ذلك أَلْهم المؤمنين الذين نجوا من عذاب النار وهول الصراط، ألهمهم مناشدته، والشفاعة فيهم، وأذن لهم في ذلك؛ رحمة منه لهم تبارك وتعالى.
«يقولون: ربنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا» مفهوم هذا أن الذين لا يصلون مع المسلمين، ولا يصومون معهم، لا يشفعون فيهم، ولا يناشدون ربهم فيهم. وهو يدل على أن هؤلاء الذين وقعت مناشدة المؤمنين لربهم فيهم كانوا مؤمنين، موحدين؛ لقولهم: «إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا»، ولكن ارتكبوا بعض المآثم، التي أوجبت لهم دخول النار.
وفي هذا رد على طائفتين ضالتين: الخوارج، والمعتزلة، في قولهم: إن من دخل النار لا يخرج منها، وإن صاحب الكبيرة في النار.
فيقول الله تعالى لهم: اذهبوا، فمن وجدتُم في قلبه مقدار دِينار من إيمان فأخرجوه من النار، ويُحَرِّمُ اللهُ على النار أن تأكل وجوههم، فيأتونهم فيجدون بعضهم قد أخذته النار إلى قدمِه، وبعضهم إلى أنصاف ساقَيْه، فيُخْرِجون مَن عَرَفوا منهم، ثم يعودون، فيقول الله لهم: اذهبوا فمَن وجدتُم في قلبه مقدار نصف دينار من إيمان فأخرجوه من النار، فيُخْرِجون مَن عَرَفوا منهم، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مقدار ذرة من إيمان فأخرجوه، فيُخْرِجون مَن عَرَفوا منهم، وعند ذلك قال أبو سعيد الخدري: فإنْ لم تُصَدِّقوني فاقرءوا: {إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} واستشهاد أبي سعيد بالآية ظاهر في أن العبد إذا كان معه مثقال ذرة من إيمان، فإن الله يضاعفه له، فينجيه بسببه.
ثم قال: «فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون» وهذا صريح في أن هؤلاء الأقسام الثلاثة يشفعون، ولكن يجب أن يُعلم أن شفاعة أي شافع، لا تقع إلا بعد أن يأذن الله فيها، كما تقدم في مناشدتهم ربهم وسؤالهم إياه، ثم يأذن لهم فيقول: اذهبوا فمن وجدتم، إلى آخره.
قوله: «فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواماً قد امتحشوا» والمراد بشفاعته تعالى رحمته لهؤلاء المعذبين، فيخرجهم من النار. قوله: «فيقبض قبضة» فيه إثبات القبض لله تعالى، وكم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من نص يثبت اليد والقبضة، ولكن أهل التأويل الفاسد المحرِّفين يأبون قبول ذلك، والإيمان به، وسوف يعلمون أن الحق ما قاله الله وقاله رسوله، وأنهم قد ضلوا السبيل في هذا الباب.
فيقبض سبحانه قبضة من النار، فيخرج أقواماً قد احترقوا وصاروا فحما، قوله: «فيُلْقَوْن في نهرٍ بأفواه الجنة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه» أي: فيُطرحون في نهر بأطراف الجنة يُعرف بماء الحياة، أي الماء الذي يحيي من انغمس فيه، وعند ذلك تنبت لحومهم وأبصارهم وعظامهم التي احترقت في النار بجانب هذا النهر، قوله: «كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى الظل كان أبيض» يعني بذلك: سرعة خروج لحومهم؛ لأن النبت في حميل السيل - كما ذكر - يخرج بسرعة، ولهذا يكون من جانب الظل أبيض، ومن جانب الشمس أخضر، وذلك لضعفه ورقته، ولا يلزم أن يكون نبتهم كذلك - كما قاله بعضهم: بأن الذي من جانب الجنة يكون أبيض، والذي من جانب النار يكون أخضر - بل المراد تشبيههم بالنبت المذكور في سرعة خروجه، ورقته، ولذلك قال: «فيخرجون كأنهم اللؤلؤ» يعني: في صفاء بشرتهم، وحسنها.
قوله: «فيجعل في رقابهم الخواتيم» وهذه الخواتيم يكتب فيها: «عتقاء الرحمن من النار» كما ذكر في الرواية الأخرى.
قوله: «فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة، بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه» يعني: أنهم لم يعملوا صالحاً في الدنيا، وإنما معهم أصل الإيمان، الذي هو شهادة أن لا إله إلا الله والإيمان برسولهم.
قوله: فيقال لهم: «لكم ما رأيتم، ومثله معه» يظهر أنهم يدخلون أماكن من الجنة خالية، ولهذا قيل لهم ذلك.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • إثبات النداء لله تعالى، ومعلوم أن النداء هو رفع الصوت بالكلام، فهذا دليل قوي على إثبات تكلم الله تعالى حقيقة.
  • فيه إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين.
  • فيه دليل على أن الناس في ذلك اليوم يكونون على عقائدهم في الدنيا؛ لأن هؤلاء اليهود والنصارى لما سُئلوا عما كانوا يعبدون قالوا: عزيزاً ابن الله، والمسيح ابن الله. فهم لا يزالون يعتقدون أن عزيز ابن الله، وكذلك النصارى يظنون ذلك في المسيح.
  • إثبات الإتيان والمجيء لله عز وجل وهما صفتان خبريتان - من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
  • إثبات الصورة لله تعالى وهي صفة ذاتية خبرية - من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
  • إثبات الساق لله تعالى من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
  • الجبار من الأسماء الحسنى.
  • هذا الحديث نصٌّ في أن الإيمان في القلوب يتفاضل.
  • فيه حجة لأهل السنة على المرجئة حيث عُلم منه دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار؛ إذ مذهب المرجئة أنه لا يضر مع الإيمان معصية، فلا يدخل العاصي النار.
  • فيه حجة على المعتزلة حيث دل على عدم تخليد العاصي في النار.
  • إثبات شفاعة النبيين، والملائكة، والمؤمنين، ولكن يجب أن يُعلم أن شفاعة أي شافع، لا تقع إلا بعد أن يأذن الله فيها.
  • فيه إثبات القبض لله تعالى.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَذْكُورَةَ مَرْفُوعَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ: (قَالَا) يَعْنِي أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبَا سَلَمَةَ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِمَا، وَالْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ يَأْتِي فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا.

وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا فِي الْبَابِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ مَا يَقُولُ فِي الِاعْتِدَالِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَعَلَى أَنَّ تَسْمِيَةَ الرِّجَالِ بِأَسْمَائِهِمْ فِيمَا يُدْعَى لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ.

حَفِظَ كَذَا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَكَ الْحَمْدُ. حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَنَا عِنْدَهُ: فَجُحِشَ سَاقُهُ الْأَيْمَنُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ فَرَسٍ وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ - وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - مِنْ فَرَسٍ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِتَثَبُّتِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَافَظَتِهِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَأَنَّ قَوْلَهُ جُحِشَ أَيْ خُدِشَ، وَوَقَعَ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ فَجُحِشَ أَوْ خُدِشَ عَلَى الشَّكِّ.

قَوْلُهُ: (كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ) الْقَائِلُ هُوَ سُفْيَانُ، وَالْمَقُولُ لَهُ عَلِيٌّ، وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ قَبْلَ كَذَا مُقَدَّرَةٌ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ نَعَمْ) كَأَنَّ مُسْتَنَدَ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ فَإِنَّهُ مِنْ مَشَايِخِهِ، بِخِلَافِ مَعْمَرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَإِنَّمَا يَرْوِي عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَكَلَامُ الْكِرْمَانِيِّ يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَقَدْ حَفِظَ) أَيْ حِفْظًا جَيِّدًا، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِقُوَّةِ حِفْظِ سُفْيَانَ بِحَيْثُ يَسْتَجِيدُ حِفْظَ مَعْمَرٍ إِذَا وَافَقَهُ، وَقَوْلُهُ: كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَلَكَ الْحَمْدُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرِ الْوَاوَ فِي وَلَكَ الْحَمْدُ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ.

قَوْلُهُ: (حَفِظْتُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ وَحَفِظْتُ بِزِيَادَةِ وَاوٍ وَهِيَ أَوْضَحُ، وَقَوْلُهُ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ إِلَخْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَوْدَةِ ضَبْطِ سُفْيَانَ، لِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ سَمِعَهُ مَعَهُمْ مِنَ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ شِقِّهِ فَحَدَّثَ بِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ سَاقِهِ وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ شِقِّهِ، لَكِنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ عَرَفَ مِنَ الزُّهْرِيِّ فِي وَقْتٍ آخَرَ أَنَّ الَّذِي خُدِشَ هُوَ سَاقُهُ لِبُعْدِ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الدَّلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، وَقَوْلُهُ وَأَنَا عِنْدَهُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَوْ جُمْلَةٍ حَالِيَّةٍ مِنْ فَاعِلِ قَالَ مُقَدَّرًا، إِذْ تَقْدِيرُهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَنَا عِنْدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَقُولَ سُفْيَانَ، وَالضَّمِيرُ لِابْنِ جُرَيْجٍ. قُلْتُ: وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ، وَمَقُولُ ابْنِ جُرَيْجٍ هُوَ فَجُحِشَ إِلَخْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢٩ - بَاب فَضْلِ السُّجُودِ

٨٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنْ

الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو.

حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ؛ فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ؛ فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ قَدْ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ؛ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِي اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا، سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ. فَيَقُولُ: لَا، وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ.

فَيَقُولُ اللَّهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَضْحَكُ اللَّهُ ﷿ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ. فَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ؛ قَالَ اللَّهُ ﷿: مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الْأَمَانيُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، لِأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا قَوْلَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ.

[الحديث ٨٠٦ - طرفاه ٦٥٧٣، ٧٤٣٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ السُّجُودِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ الْبَعْثِ وَالشَّفَاعَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ آثَارَ السُّجُودِ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ أَيْضًا فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مَعَ ذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ رُوَاتِهِ.

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: آثَارَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٢٩) (بابُ فَضْلِ السُّجُودِ).

٨٠٦ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي: ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ:

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى) أي: نبصر (رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ) ﵊: (هَلْ تُمَارُونَ) بضمِّ التَّاء والرَّاء من المُماراة؛ وهي المجادلة، وللأَصيليِّ: «تَمارَون» بفتح التَّاء والرَّاء، وأصله: تتمارون، حذفت إحدى التَّاءين، أي: هل تشكُّون (فِي) رؤية (القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ): (فَهَلْ تُمَارُونَ) بضمِّ التَّاء والرَّاء، وبفتحهما (١) (فِي الشَّمْسِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «في رؤية الشمس» (لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ) وللأَصيليِّ: «قالوا: لا يا رسول الله، قال»: (فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ) تعالى (كَذَلِكَ) بلا مِرْيةٍ، ظاهرًا جليًّا، ينكشف تعالى لعباده بحيث تكون نسبة ذلك الانكشاف إلى ذاته المخصوصة كنسبة الإبصار إلى هذه المُبْصَرات المادِّيَّة، لكنَّه يكون مُجرَّدًا عن ارتسام صورة المرئيِّ، وعن اتِّصال الشُّعاع بالمرئيِّ، وعن المحاذاة والجهة والمكان لأنَّها وإن كانت أمورًا لازمة للرُّؤية عادةً فالعقل يُجوِّز ذلك بدونها (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ) الله تعالى، أو: فيقول القائل: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ) بتشديد المثنَّاة الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فليتَّبِعه» بضمير المفعول مع التَّشديد والكسر، أو التَّخفيف مع الفتح، وهو الَّذي في «اليونينيَّة» لا غير (فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ) بالتَّشديد (وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ القَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ) جمع طاغوت، الشَّيطان أو الصَّنم، أو كلُّ رأسٍ في الضَّلال (٢)، أو كلُّ ما عُبِدَ من دون الله وصدَّ عن عبادة الله، أو السَّاحر، أو الكاهن، أو مردة أهل الكتاب، «فعلوت» من الطُّغيان، قُلِبَ (٣) عينه ولامه (وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ) المحمَّدية (فِيهَا مُنَافِقُوهَا) يستترون بها كما كانوا في الدُّنيا، واتَّبعوهم لما انكشفت لهم

الحقيقة لعلَّهم ينتفعون بذلك، حتَّى ﴿ضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) ﷿، أي: يظهر لهم في غير صورته، أي: في غير صفته الَّتي يعرفونها من الصِّفات الَّتي تعبَّدهم بها في الدُّنيا؛ امتحانًا منه ليقع التَّمييز بينهم وبين غيرهم ممَّن يعبد غيره تعالى (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ) فيستعيذون بالله منه لأنَّه لم يظهر لهم بالصِّفات الَّتي يعرفونها، بل بما استأثر بعلمه تعالى لأنَّ معهم منافقين لا يستحقُّون الرُّؤية، وهم عن ربِّهم مَحجوبون (فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا) بالرَّفع خبر المبتدأ الَّذي هو اسم الإشارة (حَتَّى يَأْتِيَنَا) يظهر لنا (رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ) ظهر (رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) ﷿، أي: يظهر متجلِّيًا بصفاته المعروفة عندهم، وقد تميَّز المؤمن من المنافق (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ) فإذا رأوا ذلك عرفوه به تعالى (فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا) ويحتمل أن يكون الأوَّل قول المنافقين، والثَّاني قول المؤمنين، وقيل: الآتي في الأوَّل مَلَكٌ، ورجَّحه عياضٌ، أي: يأتيهم ملكُ الله، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعُورضَ بأنَّ الملَك معصوم، فكيف يقول: أنا ربكم، وأُجِيْبَ بأنَّا لا نسلِّم عصمته من هذه الصَّغيرة، ورُدَّ بأنَّه يلزم منه أن يكون قول فرعون: أنا ربُّكم من الصَّغائر فالصَّواب ما سبق (فَيَدْعُوهُمْ) ربُّهم (فَيُضْرَبُ) بالفاء وضمِّ الياء وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول، ولأبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكر:

«ويضرب» (الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ) بفتح الظَّاء وسكون الهاء وفتح النُّون، أي: ظَهْرَي، فزيدت الألف والنُّون للمبالغة، أي: على وسط جهنَّم (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ) بالواو، وفي بعض النُّسخ: «يُجيز» بالياء مع ضمِّ أوَّله، وهي لغة في «جاز»، يقال: «جاز» و «أجاز» بمعنًى، أي: يقطع مسافة الصِّراط (مِنَ الرُّسُلِ) عليهم الصلاة والسلام (بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ) لشدَّة الهول (يَوْمَئِذٍ) أي: حال الإجازة على الصِّراط (أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ) على الصِّراط: (اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) شفقةً منهم على الخلق ورحمةً (وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ) جمع: «كَلُّوب» بفتح الكاف وضمِّ اللَّام (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح أوَّلِه؛ نبتٌ له شوكٌ من جيِّد مراعي الإبل، يُضرَب به المثل، فيقال: «مرعًى ولا كالسَّعدان» (هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ) رأيناه (١) (قَالَ:

فَإِنَّهَا) أي: الكلاليب (١) (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا (٢) إِلَّا اللهُ) تعالى (تَخْطَفُ) بفتح الطَّاء في الأفصح، وقد تُكسَر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فتختطِف (٣)» بالفاء في أوَّله وفوقية بعد الخاء (٤) وكسر الطَّاء، أي: تأخذ (النَّاسَ) بسرعة (بِأَعْمَالِهِمْ) أي: بسبب أعمالهم السَّيئة، أو على حسب أعمالهم، أو بقدرها (فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ) بموحَّدة مبنيًّا للمفعول، أي: يهلك (بِعَمَلِهِ) وقال الطبريُّ: يُوثَق؛ بالمثلَّثة من الوثاق (وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ) بخاء مُعجَمَة ودالٍ مهملة، وعن أبي عُبيد: بالذَّال المُعجَمَة، أي: يقطع صغارًا؛ كالخردل، والمعنى: أنَّه تقطِّعُه كلاليب الصِّراط حتَّى يهويَ إلى النَّار، وللأَصيليِّ: بالجيم من الجردلة؛ بمعنى: الإشراف على الهلاك (ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ) ﷿ (رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي: الدَّاخلين فيها وهم المؤمنون الخلَّص؛ إذ الكافر لا ينجو منها أبدًا (أَمَرَ اللهُ المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا) منها (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ) وحدَه (فَيُخْرِجُونَهُمْ) منها (وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ) ﷿ (عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) أي: موضع أثره؛ وهي الأعضاء السَّبعة، أو الجبهة خاصَّةً لحديث: «إنَّ قومًا يخرجون من النَّار يحترقون فيها إلَّا دارات وجوهُهم» رواه مسلمٌ، وهذا موضع التَّرجمة، واستشهَد له ابن بطَّالٍ بحديث: «أقرب ما يكون العبد إذا سجد» وهو واضحٌ، وقال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] قال بعضهم: إنَّ الله تعالى

يباهي بالسَّاجدين من عبيده ملائكته المُقرَّبين، يقول لهم: يا ملائكتي أنا قرَّبتكم ابتداءً، وجعلتكم من خواصِّ ملائكتي، وهذا عبدي جعلت بينه وبين القربة حجبًا كثيرةً، وموانع عظيمةً؛ من أغراض (١) نفسيَّة، وشهوات حسيَّة، وتدبير أهل ومال وأهوال، فقطع كلَّ ذلك وجاهد حتَّى سجد واقترب، فكان من المُقرَّبين (٢)، قال: ولعن الله (٣) إبليسَ لإبائه عن السُّجود لعنةً أبلسه بها، وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة. انتهى. وعورض بأنَّ السُّجود الَّذي أمر به إبليس لا تُعلَم (٤) هيئته، ولا تقتضي اللَّعنةُ اختصاصَ السُّجودِ بالهيئة العرفيَّة، وأيضًا فإبليس إنَّما استوجب اللَّعنة بكفره حيث جحد ما نصَّ الله عليه من فضلِ آدمَ، فجنح إلى قياسٍ فاسدٍ يعارض به النَّصَّ ويكذِّبه، لعنه الله، قاله ابن المُنَيِّر. (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ

ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ) أي: فكلُّ أعضاء ابن آدم تأكلها النَّار (إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ) أي: مواضع أثره (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا) بالمثنَّاة الفوقيَّة والمهملة المفتوحتين والشِّين المعجمة بالبناء للفاعل، وفي بعض النُّسخ: «امتُحِشوا» بضمِّ المثنَّاة وكسر الحاء وبالبناء للمفعول، أي: احترقوا واسودُّوا (فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ) بضمِّ المثنَّاة مبنيًّا للمفعول، والنَّائب عن الفاعل قولُه: (مَاءُ الحَيَاةِ) الَّذي من شرب منه أو صُبَّ عليه لم يمت أبدًا (فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة: بزور الصَّحراء ممَّا ليس بقوتٍ (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المُهمَلة وكسر الميم؛ ما جاء به من طينٍ ونحوِه، شبَّه (١) به لأنَّه أسرع في الإنبات (ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ) الإسناد فيه مجازيٌّ (٢) لأنَّ الله تعالى لا يشغله شأن عن شأنٍ، فالمراد إتمام الحكم بين العباد بالثَّواب والعقاب (وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ) حال كونه (مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهتها، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت (٣)

وابن عساكر: «مقبلٌ» بالرَّفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مقبلٌ (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «من النار» (قَدْ) ولأبي ذَرٍّ: «فقد» (قَشَبَنِي) بقاف فشينٍ مُعجمَةٍ مُخفَّفَةٍ فموحَّدةٍ مفتوحاتٍ، والَّذي في اللُّغة: بتشديد الشِّين، أي: سمَّني وأهلكني (رِيحُهَا) وكلُّ مسموم قشيب، أي: صار ريحها كالسمِّ في أنفي (وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) بفتح الدَّال المُعجَمَة والمدِّ، وهو الَّذي في فرع «اليونينيَّة»، قال النَّوويُّ: وهو الَّذي وقع في جميع الرِّوايات، أي: أحرقني لهبُها واشتعالُها وشدَّة وهجها، ولأبي ذَرٍّ مما في هامش الفرع، وصحَّح عليه: «ذكاها» بالفتح والقصر، قال النَّوويُّ: وهو الأشهر في اللُّغة، وذكر جماعة أنَّهما لغتان. انتهى. وعُورِضَ بأنَّ «ذكا النَّار مقصور» يُكتَب بالألف؛ لأنَّه من الواويِّ من قولهم: ذَكَتِ النَّار تذكو ذكوًا (١)، فأمَّا «ذكاءٌ» بالمدِّ فلم يأتِ عنهم في النَّار، وإنَّما جاء في الفهم. (فَيَقُولُ) الله تعالى: (هَلْ عَسَِيْتَ) بفتح السِّين وكسرها، وهي لغة مع تاء الفاعل مطلقًا، ومع «نا»، ومع نون الإناث، نحو: عسينا وعسين، وهي لغة الحجاز، لكنَّ قول الفرَّاء: لست أستحبُّها لأنَّها شاذَّة يأبى كونها حجازية، وأُجيبَ بأنَّ المراد بكونها شاذَّةً، أي: قليلة بالنِّسبة إلى الفتح، وإن ثبتت فعند أقلِّهم؛ جمعًا بين القولين (إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ) الصَّرف الَّذي يدلُّ عليه قوله الآتي إن شاء الله تعالى: اصرف وجهي عن النَّار، والهمزة من «إنَّ» مكسورةٌ حرفُ شرطٍ،

و «فُعِل» بضمِّ الفاء وكسر العين مبنيًّا للمفعول (بِكَ أَنْ تَسْأَلَ) بفتح همزة «أنَّ» الخفيفة، وتاليها نصب بها (غَيْرَ ذَلِكَ) بالنَّصب بـ «تسأل» (فَيَقُولُ) الرَّجل: (لَا، وَ) حقِّ (عِزَّتِكَ) لا أسأل غيره (فَيُعْطِي اللهَ) أي: الرَّجل (مَا يَشَاءُ) بياء المُضارَعَة، ولأبي ذَرٍّ والأصيلي وابن عساكر: «ما شاء» (مِنْ عَهْدٍ) يمين (وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللهُ) تعالى (وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا) أي: حسنها ونضارتها، وهذه الجملة بدلٌ من جملة: «أقبل على الجنَّة» (سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ) ﷿ (لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العُهُودَ وَالميثاقَ) اسمُ «ليس» ضمير الشَّأن، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «والمواثيق» (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ) أعطيت العهود، ولكنَّ كرمك يُطْمِعُني (لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ) قال الكِرمانيُّ: أي: لا أكون كافرًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا أكوننَّ» وقال السَّفاقسيُّ: المعنى: إن أنت أبقيتني على هذه الحالة، ولا تدخلني الجنة لأكوننَّ (١) أشقى خلقك الَّذين دخلوها، والألف زائدة في: لا أكون. (فَيَقُولُ) الله: (فَمَا عَسَِيْتَ) بكسر السِّين وفتحها (إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ) التقدِّيم إلى باب الجنَّة (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَهُ) بكسر همزة «إن» الأولى: شرطيَّةٌ، وفتح الثَّانية: مصدريَّة وضمِّ همزة: «أُعطيت»، و «لا» زائدةٌ كهي في

﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] أو أصليَّةٌ، وما في قوله: «فما عسيت» نافيَّة، ونفي النَّفي إثبات، أي: عسيت أن تسأل غيره، و «ألَّا تسأل»: خبر «عسى»، و «ذلك»: مفعول ثانٍ لـ «أُعطيت»، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «أن تسأل» بإسقاط «لا»، فـ «ما» استفهاميَّةٌ، وإنَّما قال الله تعالى ذلك (١)، وهو عالمٌ بما كان وما يكون إظهارًا لما عُهِد من بني آدم من نقضِ العهد، وأنَّهم أحقُّ بأنَّ يُقَال لهم ذلك، فمعنى: «عسى» راجع للمخاطب، لا إلى الله تعالى. (فَيَقُولُ) الرَّجل: (لَا وَ) حقِّ (عِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «لا أسألك» (غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي) الرَّجل (رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ) الله (إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا) بفاء العطف على «بلغ» كقوله: (وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ) بالضَّاد المُعْجَمَة السَّاكنة، أي: البهجة (وَالسُّرُورِ) تحيَّرَ (فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ) بالفاء التَّفسيريَّة، و «أنْ»: مصدريَّة، أي: ما شاء الله سكوتَه حياءً من ربِّه، وهو تعالى يحبُّ سؤالَه؛ لأنَّه يحبُّ صوته، فيباسِطُه بقوله: لعلَّك إن أُعطيت هذا تسأل غيره؟ وهذه حالة المقصر، فكيف حالة المطيع؟! وليس نقض هذا العبد عهده جهلًا منه، ولا قلَّةَ مبالاةٍ، بل علمًا منه أنَّ نقض هذا العهد أولى من الوفاء لأنَّ سؤالَه ربَّه أولى من إبرار قسمه، قال ﵊: «من حلف

على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليأتِ (١) الَّذي هو خير»، وجواب «إذا» محذوفٌ، وتقديره (٢) نحو (٣): تحيَّرَ، كما مرَّ.

(فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ) ﷿: (وَيْحَكَ) نُصِب بفعلٍ محذوفٍ، وهي كلمة رحمةٍ، كما أنَّ «ويلك» (٤) كلمةُ عذابٍ (يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ!) صيغة (٥) تعجُّبٍ من الغدر؛ وهو ترك الوفاء (أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العَهْدَ وَالمِيثَاقَ) بفتح الهمزة والطَّاء مبنيًّا للفاعل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «العهود والمواثيق» (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللهُ ﷿ مِنْهُ) أي: من فعل هذا الرَّجل، وليس في رواية الأَصيليِّ لفظ: «منه» والمراد من الضَّحك هنا لازمه، وهو الرِّضا وإرادة الخير، كسائر الإسنادات في مثلِه ممَّا يستحيل على الباري تعالى، فإنَّ المراد لوازمها (ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ) الله تعالى (فِي دُخُولِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ له: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «انقطعت» (أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللهُ ﷿ له: (زِدْ مِنْ كَذَا وَكَذَا) أي:

من (١) أمانيِّك الَّتي كانت لك قبل أن أذكِّرك بها، ثبت لأبي ذرٍّ، ولابن عساكر: «تمنَّ كذا وكذا» بدل: من قوله: «زد» (أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ) ﷿ الأمانيَّ، بدل من قوله: «قال الله ﷿: زِدْ» (٢) (حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ) بتشديد الياء، جمع أمنية (قَالَ اللهُ تَعَالَى) له: (لَكَ ذَلِكَ) الَّذي سألته من الأمانيِّ (وَمِثْلُهُ مَعَهُ) جملة حاليَّة من المبتدأ والخبر.

(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ) ﷿: (لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) أي: أمثال ما سألت. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا قَوْلَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «لم أحفظه» بضمير المفعول. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ (٣): إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ذَلِكَ لَكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لك ذلك» (وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) ولا تنافيَ بين الرِّوايتين، فإنَّ الظَّاهر أنَّ هذا كان أوَّلًا، ثمَّ تكرَّم الله، فأخبر به ﵊، ولم يسمعه أبو هريرة.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: ثلاثة من التَّابعين، والتَّحديث والإِخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صفة الجنَّة» [خ¦٦٥٧٣]، ومسلمٌ في «الإيمان».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَذْكُورَةَ مَرْفُوعَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ: (قَالَا) يَعْنِي أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبَا سَلَمَةَ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِمَا، وَالْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ يَأْتِي فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا.

وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا فِي الْبَابِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ مَا يَقُولُ فِي الِاعْتِدَالِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَعَلَى أَنَّ تَسْمِيَةَ الرِّجَالِ بِأَسْمَائِهِمْ فِيمَا يُدْعَى لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ.

حَفِظَ كَذَا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَكَ الْحَمْدُ. حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَنَا عِنْدَهُ: فَجُحِشَ سَاقُهُ الْأَيْمَنُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ فَرَسٍ وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ - وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - مِنْ فَرَسٍ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِتَثَبُّتِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَافَظَتِهِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَأَنَّ قَوْلَهُ جُحِشَ أَيْ خُدِشَ، وَوَقَعَ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ فَجُحِشَ أَوْ خُدِشَ عَلَى الشَّكِّ.

قَوْلُهُ: (كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ) الْقَائِلُ هُوَ سُفْيَانُ، وَالْمَقُولُ لَهُ عَلِيٌّ، وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ قَبْلَ كَذَا مُقَدَّرَةٌ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ نَعَمْ) كَأَنَّ مُسْتَنَدَ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ فَإِنَّهُ مِنْ مَشَايِخِهِ، بِخِلَافِ مَعْمَرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَإِنَّمَا يَرْوِي عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَكَلَامُ الْكِرْمَانِيِّ يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَقَدْ حَفِظَ) أَيْ حِفْظًا جَيِّدًا، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِقُوَّةِ حِفْظِ سُفْيَانَ بِحَيْثُ يَسْتَجِيدُ حِفْظَ مَعْمَرٍ إِذَا وَافَقَهُ، وَقَوْلُهُ: كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَلَكَ الْحَمْدُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرِ الْوَاوَ فِي وَلَكَ الْحَمْدُ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ.

قَوْلُهُ: (حَفِظْتُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ وَحَفِظْتُ بِزِيَادَةِ وَاوٍ وَهِيَ أَوْضَحُ، وَقَوْلُهُ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ إِلَخْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَوْدَةِ ضَبْطِ سُفْيَانَ، لِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ سَمِعَهُ مَعَهُمْ مِنَ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ شِقِّهِ فَحَدَّثَ بِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ سَاقِهِ وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ شِقِّهِ، لَكِنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ عَرَفَ مِنَ الزُّهْرِيِّ فِي وَقْتٍ آخَرَ أَنَّ الَّذِي خُدِشَ هُوَ سَاقُهُ لِبُعْدِ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الدَّلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، وَقَوْلُهُ وَأَنَا عِنْدَهُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَوْ جُمْلَةٍ حَالِيَّةٍ مِنْ فَاعِلِ قَالَ مُقَدَّرًا، إِذْ تَقْدِيرُهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَنَا عِنْدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَقُولَ سُفْيَانَ، وَالضَّمِيرُ لِابْنِ جُرَيْجٍ. قُلْتُ: وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ، وَمَقُولُ ابْنِ جُرَيْجٍ هُوَ فَجُحِشَ إِلَخْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢٩ - بَاب فَضْلِ السُّجُودِ

٨٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنْ

الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو.

حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ؛ فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ؛ فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ قَدْ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ؛ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِي اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا، سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ. فَيَقُولُ: لَا، وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ.

فَيَقُولُ اللَّهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَضْحَكُ اللَّهُ ﷿ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ. فَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ؛ قَالَ اللَّهُ ﷿: مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الْأَمَانيُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، لِأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا قَوْلَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ.

[الحديث ٨٠٦ - طرفاه ٦٥٧٣، ٧٤٣٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ السُّجُودِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ الْبَعْثِ وَالشَّفَاعَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ آثَارَ السُّجُودِ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ أَيْضًا فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مَعَ ذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ رُوَاتِهِ.

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: آثَارَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٢٩) (بابُ فَضْلِ السُّجُودِ).

٨٠٦ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي: ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ:

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى) أي: نبصر (رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ) ﵊: (هَلْ تُمَارُونَ) بضمِّ التَّاء والرَّاء من المُماراة؛ وهي المجادلة، وللأَصيليِّ: «تَمارَون» بفتح التَّاء والرَّاء، وأصله: تتمارون، حذفت إحدى التَّاءين، أي: هل تشكُّون (فِي) رؤية (القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ): (فَهَلْ تُمَارُونَ) بضمِّ التَّاء والرَّاء، وبفتحهما (١) (فِي الشَّمْسِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «في رؤية الشمس» (لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ) وللأَصيليِّ: «قالوا: لا يا رسول الله، قال»: (فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ) تعالى (كَذَلِكَ) بلا مِرْيةٍ، ظاهرًا جليًّا، ينكشف تعالى لعباده بحيث تكون نسبة ذلك الانكشاف إلى ذاته المخصوصة كنسبة الإبصار إلى هذه المُبْصَرات المادِّيَّة، لكنَّه يكون مُجرَّدًا عن ارتسام صورة المرئيِّ، وعن اتِّصال الشُّعاع بالمرئيِّ، وعن المحاذاة والجهة والمكان لأنَّها وإن كانت أمورًا لازمة للرُّؤية عادةً فالعقل يُجوِّز ذلك بدونها (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ) الله تعالى، أو: فيقول القائل: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ) بتشديد المثنَّاة الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فليتَّبِعه» بضمير المفعول مع التَّشديد والكسر، أو التَّخفيف مع الفتح، وهو الَّذي في «اليونينيَّة» لا غير (فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ) بالتَّشديد (وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ القَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ) جمع طاغوت، الشَّيطان أو الصَّنم، أو كلُّ رأسٍ في الضَّلال (٢)، أو كلُّ ما عُبِدَ من دون الله وصدَّ عن عبادة الله، أو السَّاحر، أو الكاهن، أو مردة أهل الكتاب، «فعلوت» من الطُّغيان، قُلِبَ (٣) عينه ولامه (وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ) المحمَّدية (فِيهَا مُنَافِقُوهَا) يستترون بها كما كانوا في الدُّنيا، واتَّبعوهم لما انكشفت لهم

الحقيقة لعلَّهم ينتفعون بذلك، حتَّى ﴿ضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) ﷿، أي: يظهر لهم في غير صورته، أي: في غير صفته الَّتي يعرفونها من الصِّفات الَّتي تعبَّدهم بها في الدُّنيا؛ امتحانًا منه ليقع التَّمييز بينهم وبين غيرهم ممَّن يعبد غيره تعالى (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ) فيستعيذون بالله منه لأنَّه لم يظهر لهم بالصِّفات الَّتي يعرفونها، بل بما استأثر بعلمه تعالى لأنَّ معهم منافقين لا يستحقُّون الرُّؤية، وهم عن ربِّهم مَحجوبون (فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا) بالرَّفع خبر المبتدأ الَّذي هو اسم الإشارة (حَتَّى يَأْتِيَنَا) يظهر لنا (رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ) ظهر (رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) ﷿، أي: يظهر متجلِّيًا بصفاته المعروفة عندهم، وقد تميَّز المؤمن من المنافق (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ) فإذا رأوا ذلك عرفوه به تعالى (فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا) ويحتمل أن يكون الأوَّل قول المنافقين، والثَّاني قول المؤمنين، وقيل: الآتي في الأوَّل مَلَكٌ، ورجَّحه عياضٌ، أي: يأتيهم ملكُ الله، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعُورضَ بأنَّ الملَك معصوم، فكيف يقول: أنا ربكم، وأُجِيْبَ بأنَّا لا نسلِّم عصمته من هذه الصَّغيرة، ورُدَّ بأنَّه يلزم منه أن يكون قول فرعون: أنا ربُّكم من الصَّغائر فالصَّواب ما سبق (فَيَدْعُوهُمْ) ربُّهم (فَيُضْرَبُ) بالفاء وضمِّ الياء وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول، ولأبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكر:

«ويضرب» (الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ) بفتح الظَّاء وسكون الهاء وفتح النُّون، أي: ظَهْرَي، فزيدت الألف والنُّون للمبالغة، أي: على وسط جهنَّم (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ) بالواو، وفي بعض النُّسخ: «يُجيز» بالياء مع ضمِّ أوَّله، وهي لغة في «جاز»، يقال: «جاز» و «أجاز» بمعنًى، أي: يقطع مسافة الصِّراط (مِنَ الرُّسُلِ) عليهم الصلاة والسلام (بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ) لشدَّة الهول (يَوْمَئِذٍ) أي: حال الإجازة على الصِّراط (أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ) على الصِّراط: (اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) شفقةً منهم على الخلق ورحمةً (وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ) جمع: «كَلُّوب» بفتح الكاف وضمِّ اللَّام (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح أوَّلِه؛ نبتٌ له شوكٌ من جيِّد مراعي الإبل، يُضرَب به المثل، فيقال: «مرعًى ولا كالسَّعدان» (هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ) رأيناه (١) (قَالَ:

فَإِنَّهَا) أي: الكلاليب (١) (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا (٢) إِلَّا اللهُ) تعالى (تَخْطَفُ) بفتح الطَّاء في الأفصح، وقد تُكسَر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فتختطِف (٣)» بالفاء في أوَّله وفوقية بعد الخاء (٤) وكسر الطَّاء، أي: تأخذ (النَّاسَ) بسرعة (بِأَعْمَالِهِمْ) أي: بسبب أعمالهم السَّيئة، أو على حسب أعمالهم، أو بقدرها (فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ) بموحَّدة مبنيًّا للمفعول، أي: يهلك (بِعَمَلِهِ) وقال الطبريُّ: يُوثَق؛ بالمثلَّثة من الوثاق (وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ) بخاء مُعجَمَة ودالٍ مهملة، وعن أبي عُبيد: بالذَّال المُعجَمَة، أي: يقطع صغارًا؛ كالخردل، والمعنى: أنَّه تقطِّعُه كلاليب الصِّراط حتَّى يهويَ إلى النَّار، وللأَصيليِّ: بالجيم من الجردلة؛ بمعنى: الإشراف على الهلاك (ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ) ﷿ (رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي: الدَّاخلين فيها وهم المؤمنون الخلَّص؛ إذ الكافر لا ينجو منها أبدًا (أَمَرَ اللهُ المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا) منها (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ) وحدَه (فَيُخْرِجُونَهُمْ) منها (وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ) ﷿ (عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) أي: موضع أثره؛ وهي الأعضاء السَّبعة، أو الجبهة خاصَّةً لحديث: «إنَّ قومًا يخرجون من النَّار يحترقون فيها إلَّا دارات وجوهُهم» رواه مسلمٌ، وهذا موضع التَّرجمة، واستشهَد له ابن بطَّالٍ بحديث: «أقرب ما يكون العبد إذا سجد» وهو واضحٌ، وقال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] قال بعضهم: إنَّ الله تعالى

يباهي بالسَّاجدين من عبيده ملائكته المُقرَّبين، يقول لهم: يا ملائكتي أنا قرَّبتكم ابتداءً، وجعلتكم من خواصِّ ملائكتي، وهذا عبدي جعلت بينه وبين القربة حجبًا كثيرةً، وموانع عظيمةً؛ من أغراض (١) نفسيَّة، وشهوات حسيَّة، وتدبير أهل ومال وأهوال، فقطع كلَّ ذلك وجاهد حتَّى سجد واقترب، فكان من المُقرَّبين (٢)، قال: ولعن الله (٣) إبليسَ لإبائه عن السُّجود لعنةً أبلسه بها، وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة. انتهى. وعورض بأنَّ السُّجود الَّذي أمر به إبليس لا تُعلَم (٤) هيئته، ولا تقتضي اللَّعنةُ اختصاصَ السُّجودِ بالهيئة العرفيَّة، وأيضًا فإبليس إنَّما استوجب اللَّعنة بكفره حيث جحد ما نصَّ الله عليه من فضلِ آدمَ، فجنح إلى قياسٍ فاسدٍ يعارض به النَّصَّ ويكذِّبه، لعنه الله، قاله ابن المُنَيِّر. (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ

ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ) أي: فكلُّ أعضاء ابن آدم تأكلها النَّار (إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ) أي: مواضع أثره (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا) بالمثنَّاة الفوقيَّة والمهملة المفتوحتين والشِّين المعجمة بالبناء للفاعل، وفي بعض النُّسخ: «امتُحِشوا» بضمِّ المثنَّاة وكسر الحاء وبالبناء للمفعول، أي: احترقوا واسودُّوا (فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ) بضمِّ المثنَّاة مبنيًّا للمفعول، والنَّائب عن الفاعل قولُه: (مَاءُ الحَيَاةِ) الَّذي من شرب منه أو صُبَّ عليه لم يمت أبدًا (فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة: بزور الصَّحراء ممَّا ليس بقوتٍ (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المُهمَلة وكسر الميم؛ ما جاء به من طينٍ ونحوِه، شبَّه (١) به لأنَّه أسرع في الإنبات (ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ) الإسناد فيه مجازيٌّ (٢) لأنَّ الله تعالى لا يشغله شأن عن شأنٍ، فالمراد إتمام الحكم بين العباد بالثَّواب والعقاب (وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ) حال كونه (مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهتها، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت (٣)

وابن عساكر: «مقبلٌ» بالرَّفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مقبلٌ (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «من النار» (قَدْ) ولأبي ذَرٍّ: «فقد» (قَشَبَنِي) بقاف فشينٍ مُعجمَةٍ مُخفَّفَةٍ فموحَّدةٍ مفتوحاتٍ، والَّذي في اللُّغة: بتشديد الشِّين، أي: سمَّني وأهلكني (رِيحُهَا) وكلُّ مسموم قشيب، أي: صار ريحها كالسمِّ في أنفي (وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) بفتح الدَّال المُعجَمَة والمدِّ، وهو الَّذي في فرع «اليونينيَّة»، قال النَّوويُّ: وهو الَّذي وقع في جميع الرِّوايات، أي: أحرقني لهبُها واشتعالُها وشدَّة وهجها، ولأبي ذَرٍّ مما في هامش الفرع، وصحَّح عليه: «ذكاها» بالفتح والقصر، قال النَّوويُّ: وهو الأشهر في اللُّغة، وذكر جماعة أنَّهما لغتان. انتهى. وعُورِضَ بأنَّ «ذكا النَّار مقصور» يُكتَب بالألف؛ لأنَّه من الواويِّ من قولهم: ذَكَتِ النَّار تذكو ذكوًا (١)، فأمَّا «ذكاءٌ» بالمدِّ فلم يأتِ عنهم في النَّار، وإنَّما جاء في الفهم. (فَيَقُولُ) الله تعالى: (هَلْ عَسَِيْتَ) بفتح السِّين وكسرها، وهي لغة مع تاء الفاعل مطلقًا، ومع «نا»، ومع نون الإناث، نحو: عسينا وعسين، وهي لغة الحجاز، لكنَّ قول الفرَّاء: لست أستحبُّها لأنَّها شاذَّة يأبى كونها حجازية، وأُجيبَ بأنَّ المراد بكونها شاذَّةً، أي: قليلة بالنِّسبة إلى الفتح، وإن ثبتت فعند أقلِّهم؛ جمعًا بين القولين (إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ) الصَّرف الَّذي يدلُّ عليه قوله الآتي إن شاء الله تعالى: اصرف وجهي عن النَّار، والهمزة من «إنَّ» مكسورةٌ حرفُ شرطٍ،

و «فُعِل» بضمِّ الفاء وكسر العين مبنيًّا للمفعول (بِكَ أَنْ تَسْأَلَ) بفتح همزة «أنَّ» الخفيفة، وتاليها نصب بها (غَيْرَ ذَلِكَ) بالنَّصب بـ «تسأل» (فَيَقُولُ) الرَّجل: (لَا، وَ) حقِّ (عِزَّتِكَ) لا أسأل غيره (فَيُعْطِي اللهَ) أي: الرَّجل (مَا يَشَاءُ) بياء المُضارَعَة، ولأبي ذَرٍّ والأصيلي وابن عساكر: «ما شاء» (مِنْ عَهْدٍ) يمين (وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللهُ) تعالى (وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا) أي: حسنها ونضارتها، وهذه الجملة بدلٌ من جملة: «أقبل على الجنَّة» (سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ) ﷿ (لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العُهُودَ وَالميثاقَ) اسمُ «ليس» ضمير الشَّأن، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «والمواثيق» (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ) أعطيت العهود، ولكنَّ كرمك يُطْمِعُني (لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ) قال الكِرمانيُّ: أي: لا أكون كافرًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا أكوننَّ» وقال السَّفاقسيُّ: المعنى: إن أنت أبقيتني على هذه الحالة، ولا تدخلني الجنة لأكوننَّ (١) أشقى خلقك الَّذين دخلوها، والألف زائدة في: لا أكون. (فَيَقُولُ) الله: (فَمَا عَسَِيْتَ) بكسر السِّين وفتحها (إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ) التقدِّيم إلى باب الجنَّة (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَهُ) بكسر همزة «إن» الأولى: شرطيَّةٌ، وفتح الثَّانية: مصدريَّة وضمِّ همزة: «أُعطيت»، و «لا» زائدةٌ كهي في

﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] أو أصليَّةٌ، وما في قوله: «فما عسيت» نافيَّة، ونفي النَّفي إثبات، أي: عسيت أن تسأل غيره، و «ألَّا تسأل»: خبر «عسى»، و «ذلك»: مفعول ثانٍ لـ «أُعطيت»، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «أن تسأل» بإسقاط «لا»، فـ «ما» استفهاميَّةٌ، وإنَّما قال الله تعالى ذلك (١)، وهو عالمٌ بما كان وما يكون إظهارًا لما عُهِد من بني آدم من نقضِ العهد، وأنَّهم أحقُّ بأنَّ يُقَال لهم ذلك، فمعنى: «عسى» راجع للمخاطب، لا إلى الله تعالى. (فَيَقُولُ) الرَّجل: (لَا وَ) حقِّ (عِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «لا أسألك» (غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي) الرَّجل (رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ) الله (إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا) بفاء العطف على «بلغ» كقوله: (وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ) بالضَّاد المُعْجَمَة السَّاكنة، أي: البهجة (وَالسُّرُورِ) تحيَّرَ (فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ) بالفاء التَّفسيريَّة، و «أنْ»: مصدريَّة، أي: ما شاء الله سكوتَه حياءً من ربِّه، وهو تعالى يحبُّ سؤالَه؛ لأنَّه يحبُّ صوته، فيباسِطُه بقوله: لعلَّك إن أُعطيت هذا تسأل غيره؟ وهذه حالة المقصر، فكيف حالة المطيع؟! وليس نقض هذا العبد عهده جهلًا منه، ولا قلَّةَ مبالاةٍ، بل علمًا منه أنَّ نقض هذا العهد أولى من الوفاء لأنَّ سؤالَه ربَّه أولى من إبرار قسمه، قال ﵊: «من حلف

على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليأتِ (١) الَّذي هو خير»، وجواب «إذا» محذوفٌ، وتقديره (٢) نحو (٣): تحيَّرَ، كما مرَّ.

(فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ) ﷿: (وَيْحَكَ) نُصِب بفعلٍ محذوفٍ، وهي كلمة رحمةٍ، كما أنَّ «ويلك» (٤) كلمةُ عذابٍ (يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ!) صيغة (٥) تعجُّبٍ من الغدر؛ وهو ترك الوفاء (أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العَهْدَ وَالمِيثَاقَ) بفتح الهمزة والطَّاء مبنيًّا للفاعل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «العهود والمواثيق» (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللهُ ﷿ مِنْهُ) أي: من فعل هذا الرَّجل، وليس في رواية الأَصيليِّ لفظ: «منه» والمراد من الضَّحك هنا لازمه، وهو الرِّضا وإرادة الخير، كسائر الإسنادات في مثلِه ممَّا يستحيل على الباري تعالى، فإنَّ المراد لوازمها (ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ) الله تعالى (فِي دُخُولِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ له: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «انقطعت» (أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللهُ ﷿ له: (زِدْ مِنْ كَذَا وَكَذَا) أي:

من (١) أمانيِّك الَّتي كانت لك قبل أن أذكِّرك بها، ثبت لأبي ذرٍّ، ولابن عساكر: «تمنَّ كذا وكذا» بدل: من قوله: «زد» (أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ) ﷿ الأمانيَّ، بدل من قوله: «قال الله ﷿: زِدْ» (٢) (حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ) بتشديد الياء، جمع أمنية (قَالَ اللهُ تَعَالَى) له: (لَكَ ذَلِكَ) الَّذي سألته من الأمانيِّ (وَمِثْلُهُ مَعَهُ) جملة حاليَّة من المبتدأ والخبر.

(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ) ﷿: (لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) أي: أمثال ما سألت. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا قَوْلَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «لم أحفظه» بضمير المفعول. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ (٣): إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ذَلِكَ لَكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لك ذلك» (وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) ولا تنافيَ بين الرِّوايتين، فإنَّ الظَّاهر أنَّ هذا كان أوَّلًا، ثمَّ تكرَّم الله، فأخبر به ﵊، ولم يسمعه أبو هريرة.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: ثلاثة من التَّابعين، والتَّحديث والإِخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صفة الجنَّة» [خ¦٦٥٧٣]، ومسلمٌ في «الإيمان».

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.9 / 29.5
الإضاءة 66%
البدر بعد 6 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56