من أجازه (١)، إذ لو لم يشترط فحبس بعلة؛ كان له أن يبعث بالهدي.
وحديث ابن عمر في حصر العدو (٢): أن المحرم إذا منع بعدو، أنه ينحر هديه ويحل حيث أحصر في حل أو حرم.
[ومن باب إهلال النفساء والحائض بالحج]
[١١٨] حديث: (نُفِسَت أَسْمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبا بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، أَن تَعْتَسِلَ وَتُهِلَّ) (٣)، نُفِست المرأة: إذا ولدت، ويقال لها إذا وضعت: نفَساء، وإنما أمرها بالغسل على وجه التنظُّف؛ لا على وجه إزالة الحدث، وفيه دلالة أن الإحرام لا يفسد بالنِّفاس، وإنما تمنع النفساء من الطواف بالبيت، فإنها لا تطوف حتى تطهر.
[ومن باب ما جاء في الإفراد والقران والتمتع]
[١١٩] حديث عائشة ﵂: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ) (٤)، وفي حديث ابن شهاب عن عروة: (فَأَهْلَلَنَا بِعُمْرَةٍ)، وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم: (وَنَحْنُ لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ) (٥)، أي: لا ننوي إلا ما
فُرض علينا في الحج المفروض في كتاب الله ﷿.
ثم لما جاءت عائشة ﵂ إلى بيان النسك؛ فصلت فقالت: (أَهلَلَنَا بِعُمرَةٍ)، وسن النبي ﷺ وأن من كان معه هدي؛ وكان معتمرا؛ أن يُدخل الحج على عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، وقولها: (حَتَّى جِئنَا سَرِفَ)، سَرِف: اسم موضع، (فَطَمِثْتُ) أي: حضت، والطامث الحائض، قال أهل اللغة (١): طمِئت وطمَثت لغتان، والطَّمث: المس أيضا في غير هذا الموضع، يقال طمَث الرجل المرأة أي: مسَّها بالجماع.
وقوله: (لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قُلتُ: نَعَم)، قيل: نَفِست المرأة: إذا حاضت بفتح النون، ونُفست المرأة غلاما إذا وضعته، تنفَس نِفاسا وهي منفوسة، ونفِسْتُ عليك بالشيء أنفس نفاسة أي: بخلت (٢).
وقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: (انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عُمْرَتِكِ) (٣)، وفي رواية: (وَدَعِي العُمرَةَ) أي عملَ العمرة، إذ عملُها الطواف؛ ولا يجوز إلا بالطهارة، وقولها: (فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت)، وصفت حال المتمتعين: ألا ترى أنها قالت: (ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ) وهو طواف الزيارة، (بَعدَ أَن رَجَعُوا مِن مِنًى)، وذلك وقته.
وقوله ﷺ: (عَقْرَى حَلْقَى) العَقر: الجرح، يقال: عقرت الفرس بالسيف: إذا ضربت قوائمه، وقيل: العقر: أن يقطع رأس النخلة؛ فلا يخرج من ساقها شيء أبدا، ويقال: جدَعا لفلان وعقرًا وللمرأة: عقرى حلقى أي: عقر الله جسدها عقرا فأصابها بداء في حلقها، وكلبٌ عَقور.
ثم وصفت حال من جمع بالعمرة والحج أنهم لم يحلوا، وأنهم طافوا طوافا واحدا لحجهم وعمرتهم، وهو خلاف ما ذهب إليه أهل الرأي (١): أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. وفي قول النبي ﷺ: (لولا أَنِّي أَهدَيتُ لأَهلَلتُ بِعُمرَةٍ)، اختيار التمتع، وكذلك قوله: (لَوِ اسْتَقبَلتُ مِن أَمرِي مَا اسْتَدبَرتُ مَا سُقت الهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمَرَةً) (٢)، وقولها: (فَلَمَّا قَضَيتُ حَجَّتِي أَمَرَ عَبدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ) (٣) وكانت تلك عمرة مستحبة، ولم تكن عمرة قضاء، وقولها: (مَكَانَ عُمَرَتِي الَّتِي سَكَتُّ عَنهَا) (٤) أي: التي تركت عملها للحيض.
وفيه من الفقه أن أحدا لا يهل بعمرة من جوف مكة، فإنما يُهل لها من الحل، وأن المرأة لا تخرج إلى سفر - وإن قلَّت مسافته - إلا مع ذي محرم، و (التَّنعِيم): أدنى الحل.
أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِيحًا أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ فَفِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِشَارَةٌ إِلَى الرِّفْقِ بِهِمْ والا كرام لَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَجَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى رِيحًا مِنَ الْيَمَنِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ الْكِتَابِ عَقِبَ أَحَادِيثِ الدَّجَّالِ رِيحًا مِنْ قِبَلِ الشَّامِ وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا رِيحَانِ شَامِيَّةٌ وَيَمَانِيَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَبْدَأَهَا مِنْ أَحَدِ الْإِقْلِيمَيْنِ ثُمَّ تَصِلُ الْآخَرَ وَتَنْتَشِرُ عِنْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(باب الْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالْأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ
[١١٨] فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) مَعْنَى الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَعَذُّرِهَا وَالِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِمَا يَحْدُثُ مِنَ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ الْمُتَكَاثِرَةِ الْمُتَرَاكِمَةِ كَتَرَاكُمِ ظَلَامِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ لَا الْمُقْمِرِ وَوَصَفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوْعًا مِنْ شَدَائِدِ تِلْكَ الْفِتَنِ وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِي مُؤْمِنًا ثُمَّ يُصْبِحُ كَافِرًا أَوْ عَكْسُهُ شَكَّ الرَّاوِي وَهَذَا لِعِظَمِ الْفِتَنِ يَنْقَلِبُ الْإِنْسَانُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ هَذَا الِانْقِلَابَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ)
صوت النبى الْآيَةَ وَكَانَ ثَابِتٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَهِيرَ الصَّوْتِ وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَكَانَ خَطِيبَ الْأَنْصَارِ وَلِذَلِكَ اشْتَدَّ حَذَرُهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ وَكَبِيرِ الْقَوْمِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَصْحَابَهُ وَيَسْأَلَ عَمَّنْ غَابَ مِنْهُمْ وَقَوْلُ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ (حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ) فِيهِ لَطِيفَةٌ وَهُوَ أَنَّهُ اسناد كله بصريون وقطن بفتح القاف والطاء المهملة وبالنون ونسير بَنُونَ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتُ سَاكِنَةٍ ثُمَّ رَاءٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ نُسَيْرٌ غَيْرُهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ الْمَذْكُورَةِ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ إِنْكَارَ مَنْ أَنْكَرَ عَلَى مُسْلِمٍ رِوَايَتَهُ عَنْهُ وَجَوَابَهُ وَفِي