الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ١٨٥
الحديث رقم ١٨٥ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح مسلم، تحت باب: (٨٢) باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٧٣⦘
حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ. فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ. فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ. ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ. فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ.
٣٠٧ - (١٨٥) وحدثناه محمد بن المثنى وابن بشار؛ قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة عن أَبِي مَسْلَمَةَ؛ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ. إِلَى قَوْلِهِ: فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٣٠٦ - (١٨٥) وحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ (يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ) عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ قَالَ:
📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي
[ومن باب مكة حرام]
[١٨٥] حديث: (إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِبًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ) (١)، الخَرْبة: الفساد، وفي حديث عبد الله: (وَلَا سَتَرْتَ الخَرَبَة) (٢) يعني العورة، يقال: ما فيه خرَبة: أي: عيب، والخارب: اللصّ.
وفي الحديث حجة للشافعي ﵀ أن ولي المقتول عمدا مخير بين القوَد والديّة (٣).
[١٨٦] وقوله: (بِخَيرِ النَّظَرَينِ) (٤) أي: الاختيار له فإن رأى الفداء خيرا له أخذ، وإن رأى القود خيرا له اقتص (٥)، وقوله: (حَبَسَ عَن مَكَّةَ الفِيلَ) يعني: الفيل الذي أتى به أبرهة ليخرِّب الكعبة.
وفي الحديث دليل أن لُقطة مكة مخصوصة لا يحل لملتقطها منها شيء؛ إلا إنشادها وهو تعريفها؛ حتى يردها إلى صاحبها، وقوله: (لَا يُختَلَى) أي: لا يقطع، والخلى - مقصور -: الحشيش، قال صاحب المجمل (٦): خلَيت دابتي أخلِيها خلْيا: إذا جززت لها الخلى، والخلاء - ممدود -: المكان الذي لا شيء
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُرَادُ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَرَوَاهُ عَنْ زَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ فَأَمَّا رِوَايَتَا حَفْصٍ وَسَعِيدٍ فَتَقَدَّمَتَا مُبَيَّنَتَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَأَمَّا رِوَايَةُ هِشَامٍ فهي من حيث الاسناد باسنادهما ومن حديث الْمَتْنِ نَحْوَ حَدِيثِ حَفْصٍ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أعلم
(باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النَّارِ)
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ عَقْلًا وَوُجُوبُهَا سَمْعًا بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قولا وقوله ولا يشفعون الا لمن ارتضى وَأَمْثَالِهِمَا وَبِخَبَرِ الصَّادِقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ الَّتِي بَلَغَتْ بِمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُرَ بِصِحَّةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْآخِرَةِ لِمُذْنِبِي الْمُؤْمِنِينَ وَأَجْمَعَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَيْهَا وَمَنَعَتِ الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهَا وَتَعَلَّقُوا بِمَذَاهِبِهِمْ فِي تَخْلِيدِ الْمُذْنِبِينَ فِي النَّارِ وَاحْتَجُّوا بقوله تعالى فما تنفعهم شفاعة الشافعين وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شفيع يطاع وَهَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْكُفَّارِ وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ بِكَوْنِهَا فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فَبَاطِلٌ وَأَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ فِي الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ صَرِيحَةٌ فِي بُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ وَإِخْرَاجِ مَنِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ لَكِنَّ الشَّفَاعَةَ خمسة أقسام أولها مختصة بنبينا صلى الله عليه سلم وَهِيَ الْإِرَاحَةُ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ وَتَعْجِيلُ الْحِسَابِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا الثَّانِيَةُ فِي إِدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهَذِهِ وَرَدَتْ أَيْضًا لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الثَّالِثَةُ الشَّفَاعَةُ لِقَوْمٍ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ فَيَشْفَعُ فِيهِمْ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَسَنُنَبِّهُ عَلَى مَوْضِعِهَا قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّابِعَةُ فِيمَنْ دخل النار
مِنَ الْمُذْنِبِينَ فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَلَائِكَةِ وَإِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ يُخْرِجُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لَا يَبْقَى فِيهَا إِلَّا الْكَافِرُونَ الْخَامِسَةُ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِهَا وَهَذِهِ لَا يُنْكِرُهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَلَا يُنْكِرُونَ أَيْضًا شَفَاعَةَ الْحَشْرِ الْأَوَّلِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَدْ عُرِفَ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ سُؤَالُ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ شَفَاعَةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَغْبَتَهُمْ فِيهَا وَعَلَى هَذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْإِنْسَانُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ شَفَاعَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لِلْمُذْنِبِينَ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَمَا قَدَّمْنَا لِتَخْفِيفِ الْحِسَابِ وَزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ ثُمَّ كُلُّ عَاقِلٍ مُعْتَرِفٌ بِالتَّقْصِيرِ مُحْتَاجٌ إِلَى الْعَفْوِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِعَمَلِهِ مُشْفِقٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ وَيَلْزَمُ هَذَا الْقَائِلَ أَلَّا يَدْعُوَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لِأَنَّهَا لِأَصْحَابِ الذُّنُوبِ وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ مَا عُرِفَ مِنْ دُعَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٨٤] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدِ امْتَحَشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَا فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) أَمَّا الْحُمَمُ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ وَهُوَ الْفَحْمُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ بَيَانُ الْحِبَّةِ وَالنَّهَرِ وَبَيَانُ امْتَحَشُوا وَأَنَّهُ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَقِيلَ بِضَمِّهَا وَمَعْنَاهُ احْتَرَقُوا وَقَوْلُهُ الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَا هَكَذَا وَقَعَ هُنَا وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَقَدْ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ بِأَنَّ هَذَا الشَّكَّ مِنْ مَالِكٍ وَرِوَايَاتِ غَيْرِهِ الْحَيَاةِ بِالتَّاءِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ثُمَّ إِنَّ الْحَيَا هُنَا مقصور
وَهُوَ الْمَطَرُ سُمِّيَ حَيَا لِأَنَّهُ تَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ وَلِذَلِكَ هَذَا الْمَاءُ يَحْيَا بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَرِقُونَ وَتَحْدُثُ فِيهِمُ النَّضَارَةُ كَمَا يُحْدِثُ ذَلِكَ الْمَطَرُ فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَ) هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَبِالْمَدِّ وَآخِرُهُ هَاءٌ وَهُوَ كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ السَّيْلُ وَقِيلَ الْمُرَادُ مَا احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنَ الْبُذُورِ وَجَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي غُثَاءِ السَّيْلِ بِحَذْفِ الْهَاءِ مِنْ آخِرِهِ وَهُوَ مَا احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنَ الزَّبَدِ وَالْعِيدَانِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْأَقْذَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَفِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ حَمِئَةٍ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهِيَ الطِّينُ الْأَسْوَدُ الَّذِي يَكُونُ فِي أَطْرَافِ النَّهَرِ وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ حَمِيلَةِ وَهِيَ وَاحِدَةُ الْحَمِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الرِّوَايَاتِ الأخر بِمَعْنَى الْمَحْمُولِ وَهُوَ الْغُثَاءُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ السَّيْلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٨٥] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حتى اذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجئ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الْجَنَةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ أَهْلُ النَّارِ وَفِي بَعْضِهَا أَمَّا أَهْلُ النَّارِ بِزِيَادَةِ أَمَّا وَهَذَا أَوْضَحُ وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ وَتَكُونُ الْفَاءُ فِي فَإِنَّهُمْ زَائِدَةً وَهُوَ جَائِزٌ وَقَوْلُهُ (فَأَمَاتَهُمْ) أَيْ أَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً وَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ وَفِي بَعْضِ النسخ فأماتتهم
بِتَاءَيْنِ أَيْ أَمَاتَتْهُمُ النَّارُ وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَالظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ وَالْمُسْتَحِقُّونَ لِلْخُلُودِ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ حَيَاةً يَنْتَفِعُونَ بِهَا وَيَسْتَرِيحُونَ مَعَهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عنهم من عذابها وَكَمَا قَالَ تَعَالَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا ولا يحيى وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دَائِمٌ وَأَنَّ عَذَابَ أَهْلِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ دَائِمٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ إِلَى آخِرِهِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُذْنِبِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُمِيتُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِمَاتَةً بَعْدَ أَنْ يُعَذَّبُوا الْمُدَّةَ الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَهَذِهِ الْإِمَاتَةُ إِمَاتَةٌ حَقِيقِيَّةٌ يَذْهَبُ مَعَهَا الْإِحْسَاسُ وَيَكُونُ عَذَابُهُمْ عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ يُمِيتُهُمْ ثُمَّ يَكُونُونَ مَحْبُوسِينَ فِي النَّارِ مِنْ غَيْرِ إِحْسَاسٍ الْمُدَّةَ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ مَوْتَى قَدْ صَارُوا فَحْمًا فَيُحْمَلُونَ ضَبَائِرَ كَمَا تُحْمَلُ الْأَمْتِعَةُ وَيُلْقَوْنَ عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فيصب عليهم ماء الحياة فيحيون وَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ فِي سُرْعَةِ نَبَاتِهَا وَضَعْفِهَا فَتَخْرُجُ لِضَعْفِهَا صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً ثُمَّ تَشْتَدُّ قُوَّتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَصِيرُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَتَكْمُلُ أَحْوَالُهُمْ فَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا إِمَاتَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَالثَّانِي لَيْسَ بِمَوْتٍ حَقِيقِيٍّ وَلَكِنْ تَغَيَّبَ عَنْهُمْ إِحْسَاسُهُمْ بِالْآلَامِ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ آلَامُهُمْ أَخَفَّ فَهَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالْمُخْتَارُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ وَالْأُصُولِ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ مُكَرَّرٌ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَهُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ جَمْعُ ضِبَارَةٍ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُمَا أَشْهَرُهُمَا الْكَسْرُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَّا الْكَسْرَ وَيُقَالُ فِيهَا أَيْضًا إِضْبَارَةٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الضَّبَائِرُ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ وَرَوَى ضُبَارَاتٍ ضُبَارَاتٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَبُثُّوا) فَهُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ وَمَعْنَاهُ فُرِّقُوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أبى سعيد الخدرى) أما أبو سعيد فاسمعه سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ
سِنَانٍ وَأَمَّا أَبُو نَضْرَةَ فَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قِطْعَةَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَأَمَّا أَبُو مَسْلَمَةَ فَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ السِّينِ وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٨٦] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ كِلَيْهِمَا) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ كِلَيْهِمَا بِالْيَاءِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا كِلَاهُمَا بِالْأَلْفِ مُصَلَّحًا وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْفُصُولِ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بَيَانَ جَوَازِهِ بِالْيَاءِ قَوْلُهُ (عَنْ عَبِيدَةَ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى زَحْفًا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْحَبْوُ الْمَشْيُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَرُبَّمَا قَالُوا عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَرُبَّمَا قَالُوا عَلَى يَدَيْهِ وَمَقْعَدَتِهِ وَأَمَّا الزَّحْفُ فقال بن دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ هُوَ الْمَشْيُ عَلَى الِاسْتِ مَعَ افراشه بصدره فحصل من هذا أن الحبو والزحف مُتَمَاثِلَانِ أَوْ مُتَقَارِبَانِ وَلَوْ ثَبَتَ اخْتِلَافُهُمَا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالٍ يَزْحَفُ وَفِي حَالٍ يَحْبُو وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (أَتَسْخَرُ بِي أَوْ أتضحك بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ) هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي هَلْ قَالَ أَتَسْخَرُ بِي أَوْ قَالَ أَتَضْحَكُ بِي فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ
فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَتَضْحَكُ بِي فَمَعْنَاهُ أَتَسْخَرُ بِي لِأَنَّ السَّاخِرَ فِي الْعَادَةِ يَضْحَكُ مِمَّنْ يَسْخَرُ بِهِ فَوَضَعَ الضَّحِكَ مَوْضِعَ السُّخْرِيَةِ مَجَازًا وَأَمَّا مَعْنَى أَتَسْخَرُ بِي هُنَا فَفِيهِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْمُقَابَلَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ دُونَ لَفْظِهِ لِأَنَّهُ عَاهَدَ اللَّهَ مِرَارًا أَلَّا يَسْأَلَهُ غَيْرَ مَا سَأَلَ ثُمَّ غَدَرَ فَحَلَّ غَدْرُهُ مَحَلَّ الِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ فَقَدَّرَ الرَّجُلُ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ وَتَرَدُّدَهُ إِلَيْهَا وَتَخْيِيلَ كَوْنِهَا مَمْلُوءَةً ضَرْبٌ مِنَ الْإِطْمَاعِ لَهُ وَالسُّخْرِيَةِ بِهِ جَزَاءً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَدْرِهِ وَعُقُوبَةً لَهُ فَسُمِّيَ الْجَزَاءُ عَلَى السُّخْرِيَةِ سُخْرِيَةً فَقَالَ أَتَسْخَرُ بِي أَيْ تُعَاقِبُنِي بِالْإِطْمَاعِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ إِنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ السُّخْرِيَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَأَنَّهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَهْزَأُ بِي لِأَنَّكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَعْطَيْتَنِي مِنْ جَزِيلِ الْعَطَاءِ وَأَضْعَافِ مِثْلِ الدُّنْيَا حَقٌّ وَلَكِنَّ الْعَجَبَ أَنَّكَ أَعْطَيْتَنِي هَذَا وَأَنَا غَيْرُ أَهْلٍ لَهُ قَالَ وَالْهَمْزَةُ فِي أَتَسْخَرُ بِي هَمْزَةُ نَفْيٍ قَالَ وَهَذَا كَلَامٌ مُنْبَسِطٌ مُتَدَلِّلٌ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ صَدَرَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ وَهُوَ غَيْرُ ضَابِطٍ لِمَا قاله لما ناله من السرور ببلوغ مالم يَخْطِرْ بِبَالِهِ فَلَمْ يَضْبِطْ لِسَانَهُ دَهَشًا وَفَرَحًا فَقَالَهُ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ حَقِيقَةَ مَعْنَاهُ وَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا فِي مُخَاطَبَةِ الْمَخْلُوقِ وَهَذَا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجُلِ الْآخَرِ أَنَّهُ لَمْ يَضْبِطْ نَفْسَهُ مِنَ الْفَرَحِ فَقَالَ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَاتِ أَتَسْخَرُ بِي وَهُوَ صَحِيحٌ يُقَالُ سَخِرْتُ مِنْهُ وَسَخِرْتُ بِهِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَفْصَحُ الْأَشْهَرُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَالثَّانِي فَصِيحٌ أَيْضًا وَقَدْ قال بعض العلماء أنه انما جاء بالباء لِإِرَادَةِ مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ قَالَ أَتَهْزَأُ بِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) هُوَ بِالْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمُ الْمُرَادُ بِالنَّوَاجِذِ هُنَا الْأَنْيَابُ وَقِيلَ الْمُرَادُ هُنَا الضَّوَاحِكُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْأَضْرَاسُ وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ فِي إِطْلَاقِ النَّوَاجِذِ فِي اللُّغَةِ وَلَكِنَّ الصَّوَابَ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي هَذَا جَوَازُ الضَّحِكِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ وَلَا بِمُسْقِطٍ لِلْمُرُوءَةِ إِذَا لَمْ يُجَاوِزْ بِهِ الْحَدَّ الْمُعْتَادَ مِنْ أَمْثَالِهِ فِي مِثْلِ
تِلْكَ الْحَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا) هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَإِحْدَاهُمَا تَفْسِيرُ الْأُخْرَى فَالْمُرَادُ بِالْأَضْعَافِ الْأَمْثَالُ فَإِنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الضِّعْفَ الْمِثْلُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُخْرَى فِي الْكِتَابِ (فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ رَضِيتُ رَبِّ فَيَقُولُ لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ رَضِيتُ رَبِّ فَيَقُولُ هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ لَا تُخَالِفَانِ الْأُولَيَيْنِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأُولَى مِنْ هَاتَيْنِ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوَّلًا لَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلُهَا ثُمَّ يُزَادُ إِلَى تَمَامِ عَشَرَةِ أَمَثَالِهَا كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ وَأَمَّا الْأَخِيرَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّ أَحَدَ مُلُوكِ الدُّنْيَا لَا يَنْتَهِي مُلْكُهُ إِلَى جَمِيعِ الْأَرْضِ بَلْ يَمْلِكُ بَعْضًا منها ثم منهم مَنْ يَكْثُرُ الْبَعْضُ الَّذِي يَمْلِكُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِلُّ بَعْضُهُ فَيُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ مِثْلَ أَحَدِ مُلُوكِ الدُّنْيَا خَمْسَ مَرَّاتٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ
قَدْرَ الدُّنْيَا كُلِّهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ لَكَ عَشَرَةُ أَمْثَالِ هَذَا فَيَعُودُ مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى مُوَافَقَةِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَهُوَ أَعْلَمُ
[١٨٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (آخِرُ مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً) أَمَّا يَكْبُو فَمَعْنَاهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ وَأَمَّا تَسْفَعُهُ فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَمَعْنَاهُ تَضْرِبُ وَجْهَهُ وَتُسَوِّدُهُ وَتُؤَثِّرُ فِيهِ أَثَرًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لِأَنَّهُ يَرَى مالا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ في المرتين الاولتين وأما الثالثة فوقع في أكثر الاصول مالا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا وَفِي بَعْضِهَا عَلَيْهِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَمَعْنَى عَلَيْهَا أَيْ نِعْمَةً لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا أَيْ عَنْهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ يا بن آدم مايصرينى مِنْكَ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ومعناه يقطع مسئلتك مِنِّي قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الصَّرْيُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ هُوَ الْقَطْعُ وَرُوِيَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ مَا يَصْرِيكَ مِنِّي قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ هُوَ الصَّوَابُ وَأَنْكَرَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ وَلَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ بَلْ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَإِنَّ السَّائِلَ متى انقطع من المسؤل انقطع
المسؤل منه والمعنى أى شئ يُرْضِيكَ وَيَقْطَعُ السُّؤَالَ بَيْنِي وَبَيْنِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قوله (قالوا مم تضحك يارسول اللَّهِ قَالَ مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَى الضَّحِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الرِّضَى وَالرَّحْمَةُ وَإِرَادَةُ الْخَيْرِ لِمَنْ يَشَاءُ رَحْمَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٨٨] قَوْلُهُ (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ) هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَعْرُوفُ فِي اسْمِهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ قِيلَ زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ وَقِيلَ زَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ وَقِيلَ عُبَيْدٌ وَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ فَتَقُولَانِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ) هَكَذَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَاتِ وَالْأُصُولِ زَوْجَتَاهُ بِالتَّاءِ تَثْنِيَةُ زَوْجَةٍ بِالْهَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَفِيهَا أَبْيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ شِعْرِ الْعَرَبِ وَذَكَرَهَا بن السِّكِّيتِ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَتَقُولَانِ) هُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَإِنَّمَا ضَبَطْتُ هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا لِكَوْنِهِ مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ بَعْضُ مَنْ لَا يُمَيِّزُ فَيَقُولُهُ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَذَلِكَ لَحْنٌ لَا شَكَّ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى اذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وَقَالَ تَعَالَى وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ والارض أن تزولا وقال تعالى فيهما عينان تجريان وَأَمَّا قَوْلُهُمَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ فَمَعْنَاهُ الَّذِي خَلَقَكَ لَنَا وَخَلَقَنَا لَكَ وَجَمَعَ بَيْنَنَا فِي هَذِهِ الدَّارِ الدَّائِمَةِ السرور والله أعلم
[١٨٩] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ) هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدِّهِ الْأَشْعَثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَوْلُهُ (عَنِ بن أَبْجَرَ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ أَبْجَرَ وَهُوَ تَابِعِيٌّ سَمِعَ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ وَقَدْ سَمَّاهُ مُسْلِمٌ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِي فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بن سعيد قوله (عن مطرف وبن أَبْجَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رِوَايَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) وَفِي الرواية
الاخرى (سمعته عَلَى الْمِنْبَرِ يَرْفَعُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (عَنْ سفيان عن مطرف وبن أَبْجَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ سُفْيَانُ رفعه أحدهما أراه بن أَبْجَرَ قَالَ سَأَلَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً) اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفُصُولِ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ قَوْلَهُمْ رِوَايَةً أَوْ يَرْفَعُهُ أَوْ يُنْمِيهِ أَوْ يَبْلُغُ بِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظٌ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لِإِضَافَةِ الْحَدِيثِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَوْلُهُ رِوَايَةً مَعْنَاهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وقد بَيَّنَهُ هُنَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ رِوَايَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا يَضُرُّهُ هَذَا الشَّكُّ وَالِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّوَايَاتِ الباقية وأما قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا فَمَعْنَاهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا رَفَعَهُ وَأَضَافَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَرَ وَقَفَهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ فَقَالَ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ سَأَلَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالضَّمِيرُ فِي أَحَدِهِمَا يعود على مطرف وبن أَبْجَرَ شَيْخَيْ سُفْيَانَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَأَلَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْآخَرُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ سَأَلَ مُوسَى ثُمَّ إِنَّهُ يَحْصُلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَدِيثَ رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَأَصْحَابُ الْأُصُولِ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رُوِيَ مُتَّصِلًا وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَرُوِيَ مَرْفُوعًا وَرُوِيَ مَوْقُوفًا فَالْحُكْمُ لِلْمَوْصُولِ وَالْمَرْفُوعِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مِنْ أَصْحَابِ فنون العلوم فلا يقدح اختلافهم ها هنا في رفع الحديث ووقفه لاسيما وَقَدْ رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ مَرْفُوعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ما أدنى
وَهُوَ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ مَا صِفَةُ أَوْ مَا عَلَامَةُ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ يُقَالُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ وَالضَّمُّ أَشْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ قَالَ الْقَاضِي هُوَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ كَرَامَةِ مَوْلَاهُمْ وَحَصَّلُوهُ أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ قَصَدُوا منازلهم قال وذكره ثَعْلَبٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً قَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ قَالَ وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) أَمَّا أَرَدْتُ فَبِضَمِّ التَّاءِ وَمَعْنَاهُ اخْتَرْتُ وَاصْطَفَيْتُ وَأَمَّا غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي إِلَى آخِرِهِ فَمَعْنَاهُ اصْطَفَيْتُهُمْ وَتَوَلَّيْتُهُمْ فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَى كَرَامَتِهِمْ تَغْيِيرٌ وَفِي آخِرِ الْكَلَامِ حَذْفٌ اخْتُصِرَ لِلْعِلْمِ بِهِ تَقْدِيرُهُ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ مَا أَكْرَمْتُهُمْ بِهِ وَأَعْدَدْتُهُ لَهُمْ وَقَوْلُهُ وَمِصْدَاقُهُ هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَمَعْنَاهُ دَلِيلُهُ وَمَا يُصَدِّقُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ أَخَسِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا
السِّينُ الْمُشَدَّدَةُ وَهَكَذَا رَوَاهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ وَمَعْنَاهُ أَدْنَاهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى
[١٩٠] قَوْلُهُ (عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ
[١٩١] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما يسأل عن الورود فقال نجئ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ قَالَ فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا إِلَى آخِرِهِ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَاتَّفَقَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَتَغْيِيرٌ وَاخْتِلَاطٌ فِي اللَّفْظِ قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ
فِي كِتَابِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ هَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ تَخْلِيطٌ مِنْ أَحَدِ النَّاسِخِينَ أَوْ كَيْفَ كَانَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذِهِ صُورَةُ الْحَدِيثِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَفِيهِ تغيير كثير وتصحيف قال وصوابه نجئ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كَوْمٍ هَكَذَا رَوَاهُ بَعْضُ أهل الحديث وفي كتاب بن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى تَلٍّ وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ حديث بن عُمَرَ فَيَرْقَى هُوَ يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ عَلَى كَوْمٍ فَوْقَ النَّاسِ وَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ قَالَ الْقَاضِي فَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ مَا تَغَيَّرَ مِنَ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ كَانَ أَظْلَمَ هَذَا الْحَرْفُ عَلَى الرَّاوِي أَوْ أُمْحِيَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِكَذَا وَكَذَا وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ أَيْ فَوْقَ النَّاسِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ انْظُرْ تَنْبِيهًا فَجَمَعَ النَّقَلَةُ الْكُلَّ وَنَسَّقُوهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ كَمَا تَرَاهُ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ جَاءَ كُلُّهُ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَرْطِ مُسْلِمٍ إِذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وَأَدْخَلَهُ فِي الْمُسْنَدِ لِأَنَّهُ رُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ غير هذا الطريق فذكر بن أبي خيثمة عن بن جريج يَرْفَعُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ يَضْحَكُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فَيُنْطَلَقُ بِهِمْ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هذا في حديث بن أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ وَذَكَرَ إِسْنَادَهُ وَسَمَاعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى بَعْضِ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ (فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ) فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ قَرِيبًا مَعْنَى الضَّحِكِ وَأَمَّا التَّجَلِّي فَهُوَ الظُّهُورُ وَإِزَالَةُ الْمَانِعِ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَمَعْنَى يَتَجَلَّى يَضْحَكُ أَيْ يَظْهَرُ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُمْ
قَوْلُهُ (ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ) رُوِيَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَهُمَا صَحِيحَانِ مَعْنَاهُمَا ظَاهِرٌ قَوْلُهُ (ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ وَفِي أَكْثَرِهَا الْمُؤْمِنِينَ بِالْيَاءِ قَوْلُهُ (أَوَّلُ زُمْرَةٍ) أَيْ جَمَاعَةٍ قَوْلُهُ (حَتَّى يَنْبُتُوا نبات الشئ فِي السَّيْلِ وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا) هَكَذَا هُوَ في جميع الاصول ببلادنا نبات الشئ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَعَنْ بَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ نَبَاتَ الدِّمْنِ يَعْنِي بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَوْجُودَةُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِعَبْدِ الْحَقِّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورُ الظَّاهِرُ وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ وَأَمَّا نَبَاتُ الدِّمْنِ فَمَعْنَاهَا أَيْضًا كَذَلِكَ فَإِنَّ الدِّمْنَ الْبَعْرُ وَالتَّقْدِيرُ نَبَاتَ ذِي الدمن في السيل أى كما ينبت الشئ الْحَاصِلُ فِي الْبَعْرِ وَالْغُثَاءِ الْمَوْجُودِ فِي أَطْرَافِ النَّهَرِ وَالْمُرَادُ التَّشْبِيهُ بِهِ فِي السُّرْعَةِ وَالنَّضَارَةِ وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ إِلَى تَصْحِيحِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَكِنْ لَمْ يُنَقِّحِ الْكَلَامَ فِي تَحْقِيقِهَا بَلْ قَالَ عِنْدِي أَنَّهَا رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ وَمَعْنَاهُ سُرْعَةُ نَبَاتِ الدِّمْنِ مَعَ ضَعْفِ مَا يَنْبُتُ فِيهِ وَحُسْنِ مَنْظَرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ) فَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَالضَّمِيرُ فِي حُرَاقِهِ يَعُودُ عَلَى الْمُخْرَجِ مِنَ النَّارِ وَعَلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ
ثُمَّ يَسْأَلُ وَمَعْنَى حُرَاقِهِ أَثَرُ النَّارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ صُهَيْبٍ الْكُوفِيُّ ثُمَّ الْمَكِّيُّ أَبُو عُثْمَانَ قِيلَ لَهُ الْفَقِيرُ لِأَنَّهُ أُصِيبَ فِي فَقَارِ ظَهْرِهِ فَكَانَ يَأْلَمُ مِنْهُ حَتَّى يَنْحَنِيَ لَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ حَتَّى يَدْخُلُونَ بِالنُّونِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهِيَ لُغَةٌ سَبَقَ بَيَانُهَا وَأَمَّا دَارَاتِ الْوُجُوهِ فَهِيَ جَمْعُ دَارَةٍ وَهِيَ مَا يُحِيطُ بِالْوَجْهِ مِنْ جَوَانِبِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ دَارَةَ الْوَجْهِ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ السُّجُودِ وَوَقَعَ هُنَا إِلَّا دَارَاتِ الْوُجُوهِ وَسَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ إِلَّا مَوَاضِعَ السُّجُودِ وَسَبَقَ هُنَاكَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مَنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ شَغَفَنِي بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ رُوِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ وَمَعْنَاهُ لَصِقَ بِشَغَافِ قَلْبِي وَهُوَ غِلَافُهُ وَأَمَّا رَأْيُ الْخَوَارِجِ فَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مَرَّاتٍ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا مَنْ دَخَلَهَا قَوْلُهُ (فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ) مَعْنَاهُ خَرَجْنَا مِنْ بِلَادِنَا وَنَحْنُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ
لِنَحُجَّ ثُمَّ نَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مُظْهِرِينَ مَذْهَبَ الخوارج وندعوا إِلَيْهِ وَنَحُثُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ) زَعَمَ هُنَا بِمَعْنَى قَالَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ إِيضَاحُهَا وَنَقْلُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ) هُوَ بِالسِّينَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ وَهُوَ جَمْعُ سِمْسِمٍ وَهُوَ هَذَا السِّمْسِمُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ الشَّيْرَجُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو السَّعَادَاتِ الْمُبَارَكُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَثِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ السَّمَاسِمَ جَمْعُ سِمْسِمٍ وَعِيدَانُهُ تَرَاهَا إِذَا قُلِعَتْ وَتُرِكَتْ فِي الشَّمْسِ لِيُؤْخَذُ حَبُّهَا دِقَاقًا سُودًا كَأَنَّهَا مُحْتَرِقَةٌ فَشَبَّهَ بِهَا هَؤُلَاءِ قَالَ وَطَالَمَا طَلَبْتُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَسَأَلْتُ عَنْهَا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا شَافِيًا قَالَ وَمَا أَشْبَهَ أَنْ تَكُونَ اللَّفْظَةُ مُحَرَّفَةً وَرُبَّمَا كَانَتْ عِيدَانُ السَّاسَمِ وَهُوَ خَشَبٌ أَسْوَدُ كَالْآبَنُوسِ هَذَا كَلَامُ أَبِي السَّعَادَاتِ وَالسَّاسَمُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ بِحَذْفِ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ الثَّانِيَةِ كَذَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَقَالَ لَا يعرف معنى السماسم هنا قال ولعله صَوَابَهُ عِيدَانُ السَّاسَمِ وَهُوَ أَشْبَهُ وَهُوَ عُودٌ أَسْوَدُ وَقِيلَ هُوَ الْآبَنُوسُ وَأَمَّا صَاحِبُ الْمَطَالِعِ فَقَالَ قَالَ بَعْضُهُمْ السَّمَاسِمُ كُلُّ نَبْتٍ ضَعِيفٍ كَالسِّمْسِمِ وَالْكُزْبَرَةِ وَقَالَ آخَرُونَ لَعَلَّهُ السَّأْسَمُ مَهْمُوزٌ وَهُوَ الْآبَنُوسُ شَبَّهَهُمْ بِهِ فِي سَوَادِهِ فَهَذَا
مُخْتَصَرُ مَا قَالُوهُ فِيهِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ السِّمْسِمُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى مَا بَيَّنَهُ أَبُو السَّعَادَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ من الأصول والكتب كَأَنَّهَا عِيدَانُ السَّمَاسِمِ بِأَلِفٍ بَعْدَ الْهَاءِ وَالصَّحِيحُ الْمَوْجُودُ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ وَالْكُتُبِ كَأَنَّهُمْ بِمِيمٍ بَعْدَ الْهَاءِ وَلِلْأَوَّلِ أَيْضًا وَجْهٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي كَأَنَّهَا عَائِدٌ عَلَى الصُّوَرِ أَيْ كَأَنَّ صُوَرَهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ) الْقَرَاطِيسُ جَمْعُ قِرْطَاسٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ وَهُوَ الصَّحِيفَةُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا شَبَّهَهُمْ بِالْقَرَاطِيسِ لِشِدَّةِ بَيَاضِهِمْ بَعْدَ اغْتِسَالِهِمْ وَزَوَالِ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّوَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَقُلْنَا وَيْحَكُمْ أَتَرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَعْنِي بِالشَّيْخِ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَجَحْدٍ أَيْ لَا يُظَنُّ بِهِ الْكَذِبُ بِلَا شَكٍّ قوله (فرجعنا فلا والله ماخرج مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ) مَعْنَاهُ رَجَعْنَا مِنْ حَجِّنَا وَلَمْ نَتَعَرَّضْ لِرَأْيِ الْخَوَارِجِ بَلْ كَفَفْنَا عَنْهُ وَتُبْنَا مِنْهُ إِلَّا رَجُلًا مِنَّا فَإِنَّهُ لَمْ يُوَافِقنَا فِي الِانْكِفَافِ عَنْهُ قَوْلُهُ (أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ) الْمُرَادُ بِأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ وَهُوَ شَيْخُ شَيْخِ مُسْلِمٍ وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ أَدَبٌ مَعْرُوفٌ مِنْ آدَابِ الرُّوَاةِ وَهُوَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّاوِي إِذَا رَوَى بِالْمَعْنَى أَنْ يَقُولَ عَقِبَ رِوَايَتِهِ أَوْ كَمَا قَالَ احْتِيَاطًا وَخَوْفًا مِنْ تَغْيِيرٍ حَصَلَ
[١٩٢] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ أَمَّا هَدَّابٌ فَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا هُدْبَةُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ فَأَحَدُهُمَا اسْمٌ وَالْآخَرُ لَقَبٌ وَاخْتُلِفَ فِيهِمَا وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَأَمَّا أَبُو عِمْرَانَ فَهُوَ الْجُونِيِّ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ وَأَمَّا
ثَابِتٌ فَهُوَ الْبُنَانِيُّ
[١٩٣] قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ (الْجَحْدَرِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَبَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدٍّ لَهُ اسْمُهُ جَحْدَرٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ قَوْلُهُ (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى غُبَرَ جَدِّ الْقَبِيلَةِ تَقَدَّمَ أَيْضًا بَيَانُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ فَيُلْهَمُونَ مَعْنَى اللَّفْظَتَيْنِ مُتَقَارِبٌ فَمَعْنَى الْأُولَى أَنَّهُمْ يَعْتَنُونَ بِسُؤَالِ الشَّفَاعَةِ وَزَوَالِ الْكَرْبِ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُلْهِمهُمْ سُؤَالَ ذَلِكَ وَالْإِلْهَامُ أَنْ يُلْقِيَ اللَّهُ تَعَالَى فِي النَّفْسِ أَمْرًا يُحْمَلُ عَلَى فِعْلِ الشئ أَوْ تَرْكِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ آدَمَ وَنُوحًا وَبَاقِيَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فَيَطْلُبُونَ شَفَاعَتَهُمْ فَيَقُولُونَ لَسْنَا هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُونَ خَطَايَاهُمْ إِلَى آخِرِهِ اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَغَيْرِهِمُ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْمَعَاصِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ لَخَصَّ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَقَاصِدَ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَا خِلَافَ أَنَّ الْكُفْرَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بِجَائِزٍ بَلْ هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْهُ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كُلِّ كَبِيرَةٍ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ أَوِ الشَّرْعِ فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَمَنْ مَعَهُ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مِنْ مُقْتَضَى دَلِيلِ الْمُعْجِزَةِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَمَنْ وَافَقَهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ وَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إلى أن ذلك من طريق العقل وكذلك اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِبْلَاغَ فِي الْقَوْلِ فَهُمْ مَعْصُومُونَ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِبْلَاغَ فِي الْفِعْلِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْعِصْمَةِ فِيهِ رَأْسًا وَأَنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ فيه وتأولوا
أَحَادِيثَ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوَاضِعِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْمُظَفَّرِ الْإِسْفَرَايِنِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَشَايِخِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْمُحَقِّقِينَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَوُقُوعِهِ مِنْهُمْ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَنْبِيهِهِمْ عَلَيْهِ وَذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ إِمَّا فِي الْحِينِ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَإِمَّا قَبْلَ وَفَاتِهِمْ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِيَسُنُّوا حُكْمَ ذَلِكَ وَيُبَيِّنُوهُ قَبْلَ انْخِرَامِ مُدَّتِهِمْ وَلِيَصِحَّ تَبْلِيغُهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الصَّغَائِرِ الَّتِي تزرى بفاعلها وتحط منزلته وتسقط مروأته وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيْرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنْهُمْ فَذَهَبَ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ وَحُجَّتُهُمْ ظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَالنَّظَرِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَئِمَّتنَا إِلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الصَّغَائِرِ كَعِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ منصب النبوة يجل عن مواقعها وَعَنْ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَمْدًا وَتَكَلَّمُوا عَلَى الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَتَأَوَّلُوهَا وَأَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ عَلَى تَأْوِيلٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ مِنْ إِذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَشْيَاءَ أَشْفَقُوا مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِهَا وَأَشْيَاءَ مِنْهُمْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الْحَقُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَمْ يَلْزَمْنَا الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ وَكَثِيرٌ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَلَا خِلَافَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ هَلْ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ أَوِ الْإِبَاحَةِ أَوِ التَّفْرِيقِ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْقُرَبِ أَوْ غَيْرِهَا قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِنَا الشِّفَاءُ وَبَلَغْنَا فِيهِ الْمَبْلَغَ الَّذِي لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَتَكَلَّمْنَا عَلَى الظَّوَاهِرِ فِي ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَلَا يَهُولُكَ أَنْ نَسَبَ قَوْمٌ هَذَا الْمَذْهَبَ إِلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَطَوَائِفَ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ إِذْ مَنْزِعُهُمْ فِيهِ مَنْزِعٌ آخَرُ مِنَ التَّكْفِيرِ بِالصَّغَائِرِ وَنَحْنُ نَتَبَرَّأُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ وَانْظُرْ هَذِهِ الْخَطَايَا الَّتِي ذُكِرَتْ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَكْلِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الشَّجَرَةِ نَاسِيًا وَمِنْ دَعْوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى قَوْمٍ كُفَّارٍ وقتل موسى صلى الله عليه وسلم لكافر لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ وَمُدَافَعَةِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم الكفار بقوله
عَرَّضَ بِهِ هُوَ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ صَادِقٍ وَهَذِهِ كُلُّهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ لَيْسَتْ بِذُنُوبٍ لَكِنَّهُمْ أَشْفَقُوا مِنْهَا إِذْ لَمْ تَكُنْ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَتَبَ عَلَى بَعْضِهِمْ فِيهَا لِقَدْرِ مَنْزِلَتِهِمْ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فِي آدَمَ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) هُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ التَّشْرِيفِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَسْتَ هُنَاكُمْ) مَعْنَاهُ لَسْتَ أَهْلًا لِذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى) قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ إِدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ أَنَّ إِدْرِيسَ أُرْسِلَ أَيْضًا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُ النَّسَّابِينَ أَنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ لِإِخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ آدَمَ أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ جَازَ مَا قَالُوهُ وَصَحَّ أَنْ يُحْمَلَ أَنَّ إِدْرِيسَ كَانَ نَبِيًّا غَيْرَ مرسل قال القاضي عياض وقد قِيلَ إِنَّ إِدْرِيسَ هُوَ إِلْيَاسُ وَأَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ فَإِنْ كَانَ هَكَذَا سَقَطَ الِاعْتِرَاضُ قَالَ الْقَاضِي وَبِمِثْلِ هَذَا يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ بِآدَمَ وَشِيثَ وَرِسَالَتِهِمَا إِلَى مَنْ مَعَهُمَا وَإِنْ كَانَا رَسُولَيْنِ فَإِنَّ آدَمَ إِنَّمَا أُرْسِلَ لِبَنِيهِ وَلَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا بَلْ أُمِرَ بِتَعْلِيمِهِمُ الْإِيمَانَ وَطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ خَلَفَهُ شِيثٌ بَعْدَهُ فِيهِمْ بِخِلَافِ رِسَالَةِ نُوحٍ إِلَى كُفَّارِ أَهْلِ الْأَرْضِ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ بَطَّالٍ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ آدَمَ لَيْسَ بِرَسُولٍ لِيَسْلَمَ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلُ يَنُصُّ عَلَى أَنَّ آدَمَ وَإِدْرِيسَ رَسُولَانِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَصْلُ الْخَلَّةِ الِاخْتِصَاصُ وَالِاسْتِصْفَاءُ وَقِيلَ
أَصْلُهَا الِانْقِطَاعُ إِلَى مَنْ خَالَلْتَ مَأْخُوذٌ مِنَ الخلة وهي الحاجة فسمى ابراهيم صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَصَرَ حَاجَتَهُ عَلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَقِيلَ الْخَلَّةُ صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ الَّتِي تُوجِبُ تَخَلُّلَ الْأَسْرَارِ وَقِيلَ مَعْنَاهَا الْمَحَبَّةُ وَالْإِلْطَافُ هَذَا كلام القاضي وقال بن الْأَنْبَارِيِّ الْخَلِيلُ مَعْنَاهُ الْمُحِبُّ الْكَامِلُ الْمَحَبَّةِ وَالْمَحْبُوبُ الْمُوَفِّي بِحَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ اللَّذَانِ لَيْسَ فِي حُبِّهِمَا نَقْصٌ وَلَا خَلَلٌ قَالَ الْوَاحِدِيُّ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الِاخْتِيَارُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ اللَّهُ تَعَالَى خَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْخَلَّةِ الَّتِي هِيَ الْحَاجَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ يَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ أَوْ لَسْتُ لَهَا) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هذا يقولونه تواضعا واكبارا لما يسئلونه قَالَ وَقَدْ تَكُونُ إِشَارَةً مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ وَهَذَا الْمَقَامَ لَيْسَ لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَدُلُّ عَلَى الْآخَرِ حَتَّى انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى صَاحِبِهِ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ صَاحِبَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَيَّنًا وَتَكُونُ إِحَالَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْآخَرِ عَلَى تَدْرِيجِ الشَّفَاعَةِ فِي ذَلِكَ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَفِيهِ تَقْدِيمُ ذَوِي الْأَسْنَانِ وَالْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَهَا بَالٌ قَالَ وَأَمَّا مُبَادَرَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لذلك واجابته لِدَعْوَتِهِمْ فَلِتَحَقُّقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْكَرَامَةَ وَالْمَقَامَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَهُمْ سُؤَالَ آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَمْ يُلْهَمُوا سُؤَالَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِظْهَارُ فَضِيلَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمْ لَوْ سَأَلُوهُ ابْتِدَاءً لَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّ غَيْرَهُ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا وَيُحَصِّلُهُ وَأَمَّا إِذَا سَأَلُوا غَيْرَهُ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصْفِيَائِهِ فَامْتَنَعُوا ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَجَابَ وَحَصَلَ غَرَضُهُمْ فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي ارْتِفَاعِ الْمَنْزِلَةِ وَكَمَالِ الْقُرْبِ وَعَظِيمِ الْإِدْلَالِ وَالْأُنْسِ وَفِيهِ تَفْضِيلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الرُّسُلِ وَالْآدَمِيِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ وَهِيَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ غَيْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا) هَذَا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى حَقِيقَةً كَلَامًا سَمِعَهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَلِهَذَا أُكِّدَ بِالْمَصْدَرِ وَالْكَلَامُ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُشْبِهُ كَلَامَ غَيْرِهِ قَوْلُهُ فِي عِيسَى (رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَعْنَاهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ الْمُتَقَدِّمُ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَالْمُتَأَخِّرُ عِصْمَتُكَ بَعْدَهَا وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ ذُنُوبُ أُمَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ الْغُفْرَانَ لِبَعْضِهِمْ أَوْ سَلَامَتَهُمْ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ وَقِيلَ الْمُرَادُ مَا وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَهْوٍ وَتَأْوِيلٍ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقُشَيْرِيُّ وَقِيلَ مَا تَقَدَّمَ لِأَبِيكَ آدَمَ وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِكَ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَكَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِذَنْبٍ لَوْ كَانَ وَقِيلَ هُوَ تَنْزِيهٌ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَيُؤْذَنُ لِي فِي الشَّفَاعَةِ الْمَوْعُودِ بِهَا وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي ادَّخَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ يَبْعَثَهُ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ابْتِدَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ سُجُودِهِ وَحَمْدِهِ وَالْإِذْنِ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ بِقَوْلِهِ أُمَّتِي أُمَّتِي وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بَعْدَ هَذَا في هذا الْحَدِيثِ نَفْسِهِ قَالَ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُومُ وَيُؤْذَنُ لَهُ وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَيَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُهُمْ كَالْبَرْقِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَبِهَذَا يَتَّصِلُ الْحَدِيثُ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ الشَّفَاعَةُ الَّتِي لَجَأَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا وَهِيَ الْإِرَاحَةُ مِنَ الْمَوْقِفِ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْعِبَادِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَلَّتِ الشَّفَاعَةُ في أمته
📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي
[ومن باب مكة حرام]
[١٨٥] حديث: (إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِبًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ) (١)، الخَرْبة: الفساد، وفي حديث عبد الله: (وَلَا سَتَرْتَ الخَرَبَة) (٢) يعني العورة، يقال: ما فيه خرَبة: أي: عيب، والخارب: اللصّ.
وفي الحديث حجة للشافعي ﵀ أن ولي المقتول عمدا مخير بين القوَد والديّة (٣).
[١٨٦] وقوله: (بِخَيرِ النَّظَرَينِ) (٤) أي: الاختيار له فإن رأى الفداء خيرا له أخذ، وإن رأى القود خيرا له اقتص (٥)، وقوله: (حَبَسَ عَن مَكَّةَ الفِيلَ) يعني: الفيل الذي أتى به أبرهة ليخرِّب الكعبة.
وفي الحديث دليل أن لُقطة مكة مخصوصة لا يحل لملتقطها منها شيء؛ إلا إنشادها وهو تعريفها؛ حتى يردها إلى صاحبها، وقوله: (لَا يُختَلَى) أي: لا يقطع، والخلى - مقصور -: الحشيش، قال صاحب المجمل (٦): خلَيت دابتي أخلِيها خلْيا: إذا جززت لها الخلى، والخلاء - ممدود -: المكان الذي لا شيء
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُرَادُ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَرَوَاهُ عَنْ زَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ فَأَمَّا رِوَايَتَا حَفْصٍ وَسَعِيدٍ فَتَقَدَّمَتَا مُبَيَّنَتَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَأَمَّا رِوَايَةُ هِشَامٍ فهي من حيث الاسناد باسنادهما ومن حديث الْمَتْنِ نَحْوَ حَدِيثِ حَفْصٍ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أعلم
(باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النَّارِ)
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ عَقْلًا وَوُجُوبُهَا سَمْعًا بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قولا وقوله ولا يشفعون الا لمن ارتضى وَأَمْثَالِهِمَا وَبِخَبَرِ الصَّادِقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ الَّتِي بَلَغَتْ بِمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُرَ بِصِحَّةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْآخِرَةِ لِمُذْنِبِي الْمُؤْمِنِينَ وَأَجْمَعَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَيْهَا وَمَنَعَتِ الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهَا وَتَعَلَّقُوا بِمَذَاهِبِهِمْ فِي تَخْلِيدِ الْمُذْنِبِينَ فِي النَّارِ وَاحْتَجُّوا بقوله تعالى فما تنفعهم شفاعة الشافعين وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شفيع يطاع وَهَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْكُفَّارِ وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ بِكَوْنِهَا فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فَبَاطِلٌ وَأَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ فِي الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ صَرِيحَةٌ فِي بُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ وَإِخْرَاجِ مَنِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ لَكِنَّ الشَّفَاعَةَ خمسة أقسام أولها مختصة بنبينا صلى الله عليه سلم وَهِيَ الْإِرَاحَةُ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ وَتَعْجِيلُ الْحِسَابِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا الثَّانِيَةُ فِي إِدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهَذِهِ وَرَدَتْ أَيْضًا لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الثَّالِثَةُ الشَّفَاعَةُ لِقَوْمٍ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ فَيَشْفَعُ فِيهِمْ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَسَنُنَبِّهُ عَلَى مَوْضِعِهَا قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّابِعَةُ فِيمَنْ دخل النار
مِنَ الْمُذْنِبِينَ فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَلَائِكَةِ وَإِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ يُخْرِجُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لَا يَبْقَى فِيهَا إِلَّا الْكَافِرُونَ الْخَامِسَةُ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِهَا وَهَذِهِ لَا يُنْكِرُهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَلَا يُنْكِرُونَ أَيْضًا شَفَاعَةَ الْحَشْرِ الْأَوَّلِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَدْ عُرِفَ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ سُؤَالُ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ شَفَاعَةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَغْبَتَهُمْ فِيهَا وَعَلَى هَذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْإِنْسَانُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ شَفَاعَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لِلْمُذْنِبِينَ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَمَا قَدَّمْنَا لِتَخْفِيفِ الْحِسَابِ وَزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ ثُمَّ كُلُّ عَاقِلٍ مُعْتَرِفٌ بِالتَّقْصِيرِ مُحْتَاجٌ إِلَى الْعَفْوِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِعَمَلِهِ مُشْفِقٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ وَيَلْزَمُ هَذَا الْقَائِلَ أَلَّا يَدْعُوَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لِأَنَّهَا لِأَصْحَابِ الذُّنُوبِ وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ مَا عُرِفَ مِنْ دُعَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٨٤] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدِ امْتَحَشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَا فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) أَمَّا الْحُمَمُ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ وَهُوَ الْفَحْمُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ بَيَانُ الْحِبَّةِ وَالنَّهَرِ وَبَيَانُ امْتَحَشُوا وَأَنَّهُ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَقِيلَ بِضَمِّهَا وَمَعْنَاهُ احْتَرَقُوا وَقَوْلُهُ الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَا هَكَذَا وَقَعَ هُنَا وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَقَدْ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ بِأَنَّ هَذَا الشَّكَّ مِنْ مَالِكٍ وَرِوَايَاتِ غَيْرِهِ الْحَيَاةِ بِالتَّاءِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ثُمَّ إِنَّ الْحَيَا هُنَا مقصور
وَهُوَ الْمَطَرُ سُمِّيَ حَيَا لِأَنَّهُ تَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ وَلِذَلِكَ هَذَا الْمَاءُ يَحْيَا بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَرِقُونَ وَتَحْدُثُ فِيهِمُ النَّضَارَةُ كَمَا يُحْدِثُ ذَلِكَ الْمَطَرُ فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَ) هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَبِالْمَدِّ وَآخِرُهُ هَاءٌ وَهُوَ كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ السَّيْلُ وَقِيلَ الْمُرَادُ مَا احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنَ الْبُذُورِ وَجَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي غُثَاءِ السَّيْلِ بِحَذْفِ الْهَاءِ مِنْ آخِرِهِ وَهُوَ مَا احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنَ الزَّبَدِ وَالْعِيدَانِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْأَقْذَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَفِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ حَمِئَةٍ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهِيَ الطِّينُ الْأَسْوَدُ الَّذِي يَكُونُ فِي أَطْرَافِ النَّهَرِ وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ حَمِيلَةِ وَهِيَ وَاحِدَةُ الْحَمِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الرِّوَايَاتِ الأخر بِمَعْنَى الْمَحْمُولِ وَهُوَ الْغُثَاءُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ السَّيْلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٨٥] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حتى اذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجئ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الْجَنَةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ أَهْلُ النَّارِ وَفِي بَعْضِهَا أَمَّا أَهْلُ النَّارِ بِزِيَادَةِ أَمَّا وَهَذَا أَوْضَحُ وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ وَتَكُونُ الْفَاءُ فِي فَإِنَّهُمْ زَائِدَةً وَهُوَ جَائِزٌ وَقَوْلُهُ (فَأَمَاتَهُمْ) أَيْ أَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً وَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ وَفِي بَعْضِ النسخ فأماتتهم
بِتَاءَيْنِ أَيْ أَمَاتَتْهُمُ النَّارُ وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَالظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ وَالْمُسْتَحِقُّونَ لِلْخُلُودِ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ حَيَاةً يَنْتَفِعُونَ بِهَا وَيَسْتَرِيحُونَ مَعَهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عنهم من عذابها وَكَمَا قَالَ تَعَالَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا ولا يحيى وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دَائِمٌ وَأَنَّ عَذَابَ أَهْلِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ دَائِمٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ إِلَى آخِرِهِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُذْنِبِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُمِيتُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِمَاتَةً بَعْدَ أَنْ يُعَذَّبُوا الْمُدَّةَ الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَهَذِهِ الْإِمَاتَةُ إِمَاتَةٌ حَقِيقِيَّةٌ يَذْهَبُ مَعَهَا الْإِحْسَاسُ وَيَكُونُ عَذَابُهُمْ عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ يُمِيتُهُمْ ثُمَّ يَكُونُونَ مَحْبُوسِينَ فِي النَّارِ مِنْ غَيْرِ إِحْسَاسٍ الْمُدَّةَ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ مَوْتَى قَدْ صَارُوا فَحْمًا فَيُحْمَلُونَ ضَبَائِرَ كَمَا تُحْمَلُ الْأَمْتِعَةُ وَيُلْقَوْنَ عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فيصب عليهم ماء الحياة فيحيون وَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ فِي سُرْعَةِ نَبَاتِهَا وَضَعْفِهَا فَتَخْرُجُ لِضَعْفِهَا صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً ثُمَّ تَشْتَدُّ قُوَّتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَصِيرُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَتَكْمُلُ أَحْوَالُهُمْ فَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا إِمَاتَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَالثَّانِي لَيْسَ بِمَوْتٍ حَقِيقِيٍّ وَلَكِنْ تَغَيَّبَ عَنْهُمْ إِحْسَاسُهُمْ بِالْآلَامِ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ آلَامُهُمْ أَخَفَّ فَهَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالْمُخْتَارُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ وَالْأُصُولِ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ مُكَرَّرٌ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَهُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ جَمْعُ ضِبَارَةٍ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُمَا أَشْهَرُهُمَا الْكَسْرُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَّا الْكَسْرَ وَيُقَالُ فِيهَا أَيْضًا إِضْبَارَةٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الضَّبَائِرُ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ وَرَوَى ضُبَارَاتٍ ضُبَارَاتٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَبُثُّوا) فَهُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ وَمَعْنَاهُ فُرِّقُوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أبى سعيد الخدرى) أما أبو سعيد فاسمعه سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ
سِنَانٍ وَأَمَّا أَبُو نَضْرَةَ فَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قِطْعَةَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَأَمَّا أَبُو مَسْلَمَةَ فَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ السِّينِ وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٨٦] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ كِلَيْهِمَا) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ كِلَيْهِمَا بِالْيَاءِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا كِلَاهُمَا بِالْأَلْفِ مُصَلَّحًا وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْفُصُولِ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بَيَانَ جَوَازِهِ بِالْيَاءِ قَوْلُهُ (عَنْ عَبِيدَةَ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى زَحْفًا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْحَبْوُ الْمَشْيُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَرُبَّمَا قَالُوا عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَرُبَّمَا قَالُوا عَلَى يَدَيْهِ وَمَقْعَدَتِهِ وَأَمَّا الزَّحْفُ فقال بن دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ هُوَ الْمَشْيُ عَلَى الِاسْتِ مَعَ افراشه بصدره فحصل من هذا أن الحبو والزحف مُتَمَاثِلَانِ أَوْ مُتَقَارِبَانِ وَلَوْ ثَبَتَ اخْتِلَافُهُمَا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالٍ يَزْحَفُ وَفِي حَالٍ يَحْبُو وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (أَتَسْخَرُ بِي أَوْ أتضحك بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ) هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي هَلْ قَالَ أَتَسْخَرُ بِي أَوْ قَالَ أَتَضْحَكُ بِي فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ
فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَتَضْحَكُ بِي فَمَعْنَاهُ أَتَسْخَرُ بِي لِأَنَّ السَّاخِرَ فِي الْعَادَةِ يَضْحَكُ مِمَّنْ يَسْخَرُ بِهِ فَوَضَعَ الضَّحِكَ مَوْضِعَ السُّخْرِيَةِ مَجَازًا وَأَمَّا مَعْنَى أَتَسْخَرُ بِي هُنَا فَفِيهِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْمُقَابَلَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ دُونَ لَفْظِهِ لِأَنَّهُ عَاهَدَ اللَّهَ مِرَارًا أَلَّا يَسْأَلَهُ غَيْرَ مَا سَأَلَ ثُمَّ غَدَرَ فَحَلَّ غَدْرُهُ مَحَلَّ الِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ فَقَدَّرَ الرَّجُلُ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ وَتَرَدُّدَهُ إِلَيْهَا وَتَخْيِيلَ كَوْنِهَا مَمْلُوءَةً ضَرْبٌ مِنَ الْإِطْمَاعِ لَهُ وَالسُّخْرِيَةِ بِهِ جَزَاءً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَدْرِهِ وَعُقُوبَةً لَهُ فَسُمِّيَ الْجَزَاءُ عَلَى السُّخْرِيَةِ سُخْرِيَةً فَقَالَ أَتَسْخَرُ بِي أَيْ تُعَاقِبُنِي بِالْإِطْمَاعِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ إِنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ السُّخْرِيَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَأَنَّهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَهْزَأُ بِي لِأَنَّكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَعْطَيْتَنِي مِنْ جَزِيلِ الْعَطَاءِ وَأَضْعَافِ مِثْلِ الدُّنْيَا حَقٌّ وَلَكِنَّ الْعَجَبَ أَنَّكَ أَعْطَيْتَنِي هَذَا وَأَنَا غَيْرُ أَهْلٍ لَهُ قَالَ وَالْهَمْزَةُ فِي أَتَسْخَرُ بِي هَمْزَةُ نَفْيٍ قَالَ وَهَذَا كَلَامٌ مُنْبَسِطٌ مُتَدَلِّلٌ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ صَدَرَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ وَهُوَ غَيْرُ ضَابِطٍ لِمَا قاله لما ناله من السرور ببلوغ مالم يَخْطِرْ بِبَالِهِ فَلَمْ يَضْبِطْ لِسَانَهُ دَهَشًا وَفَرَحًا فَقَالَهُ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ حَقِيقَةَ مَعْنَاهُ وَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا فِي مُخَاطَبَةِ الْمَخْلُوقِ وَهَذَا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجُلِ الْآخَرِ أَنَّهُ لَمْ يَضْبِطْ نَفْسَهُ مِنَ الْفَرَحِ فَقَالَ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَاتِ أَتَسْخَرُ بِي وَهُوَ صَحِيحٌ يُقَالُ سَخِرْتُ مِنْهُ وَسَخِرْتُ بِهِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَفْصَحُ الْأَشْهَرُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَالثَّانِي فَصِيحٌ أَيْضًا وَقَدْ قال بعض العلماء أنه انما جاء بالباء لِإِرَادَةِ مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ قَالَ أَتَهْزَأُ بِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) هُوَ بِالْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمُ الْمُرَادُ بِالنَّوَاجِذِ هُنَا الْأَنْيَابُ وَقِيلَ الْمُرَادُ هُنَا الضَّوَاحِكُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْأَضْرَاسُ وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ فِي إِطْلَاقِ النَّوَاجِذِ فِي اللُّغَةِ وَلَكِنَّ الصَّوَابَ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي هَذَا جَوَازُ الضَّحِكِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ وَلَا بِمُسْقِطٍ لِلْمُرُوءَةِ إِذَا لَمْ يُجَاوِزْ بِهِ الْحَدَّ الْمُعْتَادَ مِنْ أَمْثَالِهِ فِي مِثْلِ
تِلْكَ الْحَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا) هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَإِحْدَاهُمَا تَفْسِيرُ الْأُخْرَى فَالْمُرَادُ بِالْأَضْعَافِ الْأَمْثَالُ فَإِنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الضِّعْفَ الْمِثْلُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُخْرَى فِي الْكِتَابِ (فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ رَضِيتُ رَبِّ فَيَقُولُ لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ رَضِيتُ رَبِّ فَيَقُولُ هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ لَا تُخَالِفَانِ الْأُولَيَيْنِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأُولَى مِنْ هَاتَيْنِ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوَّلًا لَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلُهَا ثُمَّ يُزَادُ إِلَى تَمَامِ عَشَرَةِ أَمَثَالِهَا كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ وَأَمَّا الْأَخِيرَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّ أَحَدَ مُلُوكِ الدُّنْيَا لَا يَنْتَهِي مُلْكُهُ إِلَى جَمِيعِ الْأَرْضِ بَلْ يَمْلِكُ بَعْضًا منها ثم منهم مَنْ يَكْثُرُ الْبَعْضُ الَّذِي يَمْلِكُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِلُّ بَعْضُهُ فَيُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ مِثْلَ أَحَدِ مُلُوكِ الدُّنْيَا خَمْسَ مَرَّاتٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ
قَدْرَ الدُّنْيَا كُلِّهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ لَكَ عَشَرَةُ أَمْثَالِ هَذَا فَيَعُودُ مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى مُوَافَقَةِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَهُوَ أَعْلَمُ
[١٨٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (آخِرُ مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً) أَمَّا يَكْبُو فَمَعْنَاهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ وَأَمَّا تَسْفَعُهُ فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَمَعْنَاهُ تَضْرِبُ وَجْهَهُ وَتُسَوِّدُهُ وَتُؤَثِّرُ فِيهِ أَثَرًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لِأَنَّهُ يَرَى مالا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ في المرتين الاولتين وأما الثالثة فوقع في أكثر الاصول مالا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا وَفِي بَعْضِهَا عَلَيْهِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَمَعْنَى عَلَيْهَا أَيْ نِعْمَةً لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا أَيْ عَنْهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ يا بن آدم مايصرينى مِنْكَ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ومعناه يقطع مسئلتك مِنِّي قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الصَّرْيُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ هُوَ الْقَطْعُ وَرُوِيَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ مَا يَصْرِيكَ مِنِّي قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ هُوَ الصَّوَابُ وَأَنْكَرَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ وَلَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ بَلْ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَإِنَّ السَّائِلَ متى انقطع من المسؤل انقطع
المسؤل منه والمعنى أى شئ يُرْضِيكَ وَيَقْطَعُ السُّؤَالَ بَيْنِي وَبَيْنِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قوله (قالوا مم تضحك يارسول اللَّهِ قَالَ مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَى الضَّحِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الرِّضَى وَالرَّحْمَةُ وَإِرَادَةُ الْخَيْرِ لِمَنْ يَشَاءُ رَحْمَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٨٨] قَوْلُهُ (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ) هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَعْرُوفُ فِي اسْمِهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ قِيلَ زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ وَقِيلَ زَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ وَقِيلَ عُبَيْدٌ وَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ فَتَقُولَانِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ) هَكَذَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَاتِ وَالْأُصُولِ زَوْجَتَاهُ بِالتَّاءِ تَثْنِيَةُ زَوْجَةٍ بِالْهَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَفِيهَا أَبْيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ شِعْرِ الْعَرَبِ وَذَكَرَهَا بن السِّكِّيتِ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَتَقُولَانِ) هُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَإِنَّمَا ضَبَطْتُ هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا لِكَوْنِهِ مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ بَعْضُ مَنْ لَا يُمَيِّزُ فَيَقُولُهُ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَذَلِكَ لَحْنٌ لَا شَكَّ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى اذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وَقَالَ تَعَالَى وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ والارض أن تزولا وقال تعالى فيهما عينان تجريان وَأَمَّا قَوْلُهُمَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ فَمَعْنَاهُ الَّذِي خَلَقَكَ لَنَا وَخَلَقَنَا لَكَ وَجَمَعَ بَيْنَنَا فِي هَذِهِ الدَّارِ الدَّائِمَةِ السرور والله أعلم
[١٨٩] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ) هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدِّهِ الْأَشْعَثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَوْلُهُ (عَنِ بن أَبْجَرَ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ أَبْجَرَ وَهُوَ تَابِعِيٌّ سَمِعَ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ وَقَدْ سَمَّاهُ مُسْلِمٌ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِي فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بن سعيد قوله (عن مطرف وبن أَبْجَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رِوَايَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) وَفِي الرواية
الاخرى (سمعته عَلَى الْمِنْبَرِ يَرْفَعُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (عَنْ سفيان عن مطرف وبن أَبْجَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ سُفْيَانُ رفعه أحدهما أراه بن أَبْجَرَ قَالَ سَأَلَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً) اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفُصُولِ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ قَوْلَهُمْ رِوَايَةً أَوْ يَرْفَعُهُ أَوْ يُنْمِيهِ أَوْ يَبْلُغُ بِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظٌ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لِإِضَافَةِ الْحَدِيثِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَوْلُهُ رِوَايَةً مَعْنَاهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وقد بَيَّنَهُ هُنَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ رِوَايَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا يَضُرُّهُ هَذَا الشَّكُّ وَالِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّوَايَاتِ الباقية وأما قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا فَمَعْنَاهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا رَفَعَهُ وَأَضَافَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَرَ وَقَفَهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ فَقَالَ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ سَأَلَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالضَّمِيرُ فِي أَحَدِهِمَا يعود على مطرف وبن أَبْجَرَ شَيْخَيْ سُفْيَانَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَأَلَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْآخَرُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ سَأَلَ مُوسَى ثُمَّ إِنَّهُ يَحْصُلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَدِيثَ رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَأَصْحَابُ الْأُصُولِ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رُوِيَ مُتَّصِلًا وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَرُوِيَ مَرْفُوعًا وَرُوِيَ مَوْقُوفًا فَالْحُكْمُ لِلْمَوْصُولِ وَالْمَرْفُوعِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مِنْ أَصْحَابِ فنون العلوم فلا يقدح اختلافهم ها هنا في رفع الحديث ووقفه لاسيما وَقَدْ رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ مَرْفُوعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ما أدنى
وَهُوَ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ مَا صِفَةُ أَوْ مَا عَلَامَةُ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ يُقَالُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ وَالضَّمُّ أَشْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ قَالَ الْقَاضِي هُوَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ كَرَامَةِ مَوْلَاهُمْ وَحَصَّلُوهُ أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ قَصَدُوا منازلهم قال وذكره ثَعْلَبٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً قَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ قَالَ وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) أَمَّا أَرَدْتُ فَبِضَمِّ التَّاءِ وَمَعْنَاهُ اخْتَرْتُ وَاصْطَفَيْتُ وَأَمَّا غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي إِلَى آخِرِهِ فَمَعْنَاهُ اصْطَفَيْتُهُمْ وَتَوَلَّيْتُهُمْ فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَى كَرَامَتِهِمْ تَغْيِيرٌ وَفِي آخِرِ الْكَلَامِ حَذْفٌ اخْتُصِرَ لِلْعِلْمِ بِهِ تَقْدِيرُهُ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ مَا أَكْرَمْتُهُمْ بِهِ وَأَعْدَدْتُهُ لَهُمْ وَقَوْلُهُ وَمِصْدَاقُهُ هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَمَعْنَاهُ دَلِيلُهُ وَمَا يُصَدِّقُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ أَخَسِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا
السِّينُ الْمُشَدَّدَةُ وَهَكَذَا رَوَاهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ وَمَعْنَاهُ أَدْنَاهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى
[١٩٠] قَوْلُهُ (عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ
[١٩١] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما يسأل عن الورود فقال نجئ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ قَالَ فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا إِلَى آخِرِهِ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَاتَّفَقَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَتَغْيِيرٌ وَاخْتِلَاطٌ فِي اللَّفْظِ قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ
فِي كِتَابِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ هَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ تَخْلِيطٌ مِنْ أَحَدِ النَّاسِخِينَ أَوْ كَيْفَ كَانَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذِهِ صُورَةُ الْحَدِيثِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَفِيهِ تغيير كثير وتصحيف قال وصوابه نجئ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كَوْمٍ هَكَذَا رَوَاهُ بَعْضُ أهل الحديث وفي كتاب بن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى تَلٍّ وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ حديث بن عُمَرَ فَيَرْقَى هُوَ يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ عَلَى كَوْمٍ فَوْقَ النَّاسِ وَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ قَالَ الْقَاضِي فَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ مَا تَغَيَّرَ مِنَ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ كَانَ أَظْلَمَ هَذَا الْحَرْفُ عَلَى الرَّاوِي أَوْ أُمْحِيَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِكَذَا وَكَذَا وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ أَيْ فَوْقَ النَّاسِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ انْظُرْ تَنْبِيهًا فَجَمَعَ النَّقَلَةُ الْكُلَّ وَنَسَّقُوهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ كَمَا تَرَاهُ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ جَاءَ كُلُّهُ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَرْطِ مُسْلِمٍ إِذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وَأَدْخَلَهُ فِي الْمُسْنَدِ لِأَنَّهُ رُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ غير هذا الطريق فذكر بن أبي خيثمة عن بن جريج يَرْفَعُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ يَضْحَكُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فَيُنْطَلَقُ بِهِمْ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هذا في حديث بن أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ وَذَكَرَ إِسْنَادَهُ وَسَمَاعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى بَعْضِ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ (فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ) فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ قَرِيبًا مَعْنَى الضَّحِكِ وَأَمَّا التَّجَلِّي فَهُوَ الظُّهُورُ وَإِزَالَةُ الْمَانِعِ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَمَعْنَى يَتَجَلَّى يَضْحَكُ أَيْ يَظْهَرُ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُمْ
قَوْلُهُ (ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ) رُوِيَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَهُمَا صَحِيحَانِ مَعْنَاهُمَا ظَاهِرٌ قَوْلُهُ (ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ وَفِي أَكْثَرِهَا الْمُؤْمِنِينَ بِالْيَاءِ قَوْلُهُ (أَوَّلُ زُمْرَةٍ) أَيْ جَمَاعَةٍ قَوْلُهُ (حَتَّى يَنْبُتُوا نبات الشئ فِي السَّيْلِ وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا) هَكَذَا هُوَ في جميع الاصول ببلادنا نبات الشئ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَعَنْ بَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ نَبَاتَ الدِّمْنِ يَعْنِي بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَوْجُودَةُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِعَبْدِ الْحَقِّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورُ الظَّاهِرُ وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ وَأَمَّا نَبَاتُ الدِّمْنِ فَمَعْنَاهَا أَيْضًا كَذَلِكَ فَإِنَّ الدِّمْنَ الْبَعْرُ وَالتَّقْدِيرُ نَبَاتَ ذِي الدمن في السيل أى كما ينبت الشئ الْحَاصِلُ فِي الْبَعْرِ وَالْغُثَاءِ الْمَوْجُودِ فِي أَطْرَافِ النَّهَرِ وَالْمُرَادُ التَّشْبِيهُ بِهِ فِي السُّرْعَةِ وَالنَّضَارَةِ وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ إِلَى تَصْحِيحِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَكِنْ لَمْ يُنَقِّحِ الْكَلَامَ فِي تَحْقِيقِهَا بَلْ قَالَ عِنْدِي أَنَّهَا رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ وَمَعْنَاهُ سُرْعَةُ نَبَاتِ الدِّمْنِ مَعَ ضَعْفِ مَا يَنْبُتُ فِيهِ وَحُسْنِ مَنْظَرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ) فَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَالضَّمِيرُ فِي حُرَاقِهِ يَعُودُ عَلَى الْمُخْرَجِ مِنَ النَّارِ وَعَلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ
ثُمَّ يَسْأَلُ وَمَعْنَى حُرَاقِهِ أَثَرُ النَّارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ صُهَيْبٍ الْكُوفِيُّ ثُمَّ الْمَكِّيُّ أَبُو عُثْمَانَ قِيلَ لَهُ الْفَقِيرُ لِأَنَّهُ أُصِيبَ فِي فَقَارِ ظَهْرِهِ فَكَانَ يَأْلَمُ مِنْهُ حَتَّى يَنْحَنِيَ لَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ حَتَّى يَدْخُلُونَ بِالنُّونِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهِيَ لُغَةٌ سَبَقَ بَيَانُهَا وَأَمَّا دَارَاتِ الْوُجُوهِ فَهِيَ جَمْعُ دَارَةٍ وَهِيَ مَا يُحِيطُ بِالْوَجْهِ مِنْ جَوَانِبِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ دَارَةَ الْوَجْهِ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ السُّجُودِ وَوَقَعَ هُنَا إِلَّا دَارَاتِ الْوُجُوهِ وَسَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ إِلَّا مَوَاضِعَ السُّجُودِ وَسَبَقَ هُنَاكَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مَنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ شَغَفَنِي بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ رُوِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ وَمَعْنَاهُ لَصِقَ بِشَغَافِ قَلْبِي وَهُوَ غِلَافُهُ وَأَمَّا رَأْيُ الْخَوَارِجِ فَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مَرَّاتٍ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا مَنْ دَخَلَهَا قَوْلُهُ (فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ) مَعْنَاهُ خَرَجْنَا مِنْ بِلَادِنَا وَنَحْنُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ
لِنَحُجَّ ثُمَّ نَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مُظْهِرِينَ مَذْهَبَ الخوارج وندعوا إِلَيْهِ وَنَحُثُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ) زَعَمَ هُنَا بِمَعْنَى قَالَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ إِيضَاحُهَا وَنَقْلُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ) هُوَ بِالسِّينَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ وَهُوَ جَمْعُ سِمْسِمٍ وَهُوَ هَذَا السِّمْسِمُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ الشَّيْرَجُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو السَّعَادَاتِ الْمُبَارَكُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَثِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ السَّمَاسِمَ جَمْعُ سِمْسِمٍ وَعِيدَانُهُ تَرَاهَا إِذَا قُلِعَتْ وَتُرِكَتْ فِي الشَّمْسِ لِيُؤْخَذُ حَبُّهَا دِقَاقًا سُودًا كَأَنَّهَا مُحْتَرِقَةٌ فَشَبَّهَ بِهَا هَؤُلَاءِ قَالَ وَطَالَمَا طَلَبْتُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَسَأَلْتُ عَنْهَا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا شَافِيًا قَالَ وَمَا أَشْبَهَ أَنْ تَكُونَ اللَّفْظَةُ مُحَرَّفَةً وَرُبَّمَا كَانَتْ عِيدَانُ السَّاسَمِ وَهُوَ خَشَبٌ أَسْوَدُ كَالْآبَنُوسِ هَذَا كَلَامُ أَبِي السَّعَادَاتِ وَالسَّاسَمُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ بِحَذْفِ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ الثَّانِيَةِ كَذَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَقَالَ لَا يعرف معنى السماسم هنا قال ولعله صَوَابَهُ عِيدَانُ السَّاسَمِ وَهُوَ أَشْبَهُ وَهُوَ عُودٌ أَسْوَدُ وَقِيلَ هُوَ الْآبَنُوسُ وَأَمَّا صَاحِبُ الْمَطَالِعِ فَقَالَ قَالَ بَعْضُهُمْ السَّمَاسِمُ كُلُّ نَبْتٍ ضَعِيفٍ كَالسِّمْسِمِ وَالْكُزْبَرَةِ وَقَالَ آخَرُونَ لَعَلَّهُ السَّأْسَمُ مَهْمُوزٌ وَهُوَ الْآبَنُوسُ شَبَّهَهُمْ بِهِ فِي سَوَادِهِ فَهَذَا
مُخْتَصَرُ مَا قَالُوهُ فِيهِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ السِّمْسِمُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى مَا بَيَّنَهُ أَبُو السَّعَادَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ من الأصول والكتب كَأَنَّهَا عِيدَانُ السَّمَاسِمِ بِأَلِفٍ بَعْدَ الْهَاءِ وَالصَّحِيحُ الْمَوْجُودُ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ وَالْكُتُبِ كَأَنَّهُمْ بِمِيمٍ بَعْدَ الْهَاءِ وَلِلْأَوَّلِ أَيْضًا وَجْهٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي كَأَنَّهَا عَائِدٌ عَلَى الصُّوَرِ أَيْ كَأَنَّ صُوَرَهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ) الْقَرَاطِيسُ جَمْعُ قِرْطَاسٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ وَهُوَ الصَّحِيفَةُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا شَبَّهَهُمْ بِالْقَرَاطِيسِ لِشِدَّةِ بَيَاضِهِمْ بَعْدَ اغْتِسَالِهِمْ وَزَوَالِ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّوَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَقُلْنَا وَيْحَكُمْ أَتَرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَعْنِي بِالشَّيْخِ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَجَحْدٍ أَيْ لَا يُظَنُّ بِهِ الْكَذِبُ بِلَا شَكٍّ قوله (فرجعنا فلا والله ماخرج مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ) مَعْنَاهُ رَجَعْنَا مِنْ حَجِّنَا وَلَمْ نَتَعَرَّضْ لِرَأْيِ الْخَوَارِجِ بَلْ كَفَفْنَا عَنْهُ وَتُبْنَا مِنْهُ إِلَّا رَجُلًا مِنَّا فَإِنَّهُ لَمْ يُوَافِقنَا فِي الِانْكِفَافِ عَنْهُ قَوْلُهُ (أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ) الْمُرَادُ بِأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ وَهُوَ شَيْخُ شَيْخِ مُسْلِمٍ وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ أَدَبٌ مَعْرُوفٌ مِنْ آدَابِ الرُّوَاةِ وَهُوَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّاوِي إِذَا رَوَى بِالْمَعْنَى أَنْ يَقُولَ عَقِبَ رِوَايَتِهِ أَوْ كَمَا قَالَ احْتِيَاطًا وَخَوْفًا مِنْ تَغْيِيرٍ حَصَلَ
[١٩٢] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ أَمَّا هَدَّابٌ فَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا هُدْبَةُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ فَأَحَدُهُمَا اسْمٌ وَالْآخَرُ لَقَبٌ وَاخْتُلِفَ فِيهِمَا وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَأَمَّا أَبُو عِمْرَانَ فَهُوَ الْجُونِيِّ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ وَأَمَّا
ثَابِتٌ فَهُوَ الْبُنَانِيُّ
[١٩٣] قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ (الْجَحْدَرِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَبَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدٍّ لَهُ اسْمُهُ جَحْدَرٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ قَوْلُهُ (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى غُبَرَ جَدِّ الْقَبِيلَةِ تَقَدَّمَ أَيْضًا بَيَانُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ فَيُلْهَمُونَ مَعْنَى اللَّفْظَتَيْنِ مُتَقَارِبٌ فَمَعْنَى الْأُولَى أَنَّهُمْ يَعْتَنُونَ بِسُؤَالِ الشَّفَاعَةِ وَزَوَالِ الْكَرْبِ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُلْهِمهُمْ سُؤَالَ ذَلِكَ وَالْإِلْهَامُ أَنْ يُلْقِيَ اللَّهُ تَعَالَى فِي النَّفْسِ أَمْرًا يُحْمَلُ عَلَى فِعْلِ الشئ أَوْ تَرْكِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ آدَمَ وَنُوحًا وَبَاقِيَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فَيَطْلُبُونَ شَفَاعَتَهُمْ فَيَقُولُونَ لَسْنَا هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُونَ خَطَايَاهُمْ إِلَى آخِرِهِ اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَغَيْرِهِمُ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْمَعَاصِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ لَخَصَّ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَقَاصِدَ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَا خِلَافَ أَنَّ الْكُفْرَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بِجَائِزٍ بَلْ هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْهُ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كُلِّ كَبِيرَةٍ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ أَوِ الشَّرْعِ فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَمَنْ مَعَهُ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مِنْ مُقْتَضَى دَلِيلِ الْمُعْجِزَةِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَمَنْ وَافَقَهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ وَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إلى أن ذلك من طريق العقل وكذلك اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِبْلَاغَ فِي الْقَوْلِ فَهُمْ مَعْصُومُونَ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِبْلَاغَ فِي الْفِعْلِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْعِصْمَةِ فِيهِ رَأْسًا وَأَنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ فيه وتأولوا
أَحَادِيثَ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوَاضِعِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْمُظَفَّرِ الْإِسْفَرَايِنِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَشَايِخِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْمُحَقِّقِينَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَوُقُوعِهِ مِنْهُمْ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَنْبِيهِهِمْ عَلَيْهِ وَذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ إِمَّا فِي الْحِينِ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَإِمَّا قَبْلَ وَفَاتِهِمْ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِيَسُنُّوا حُكْمَ ذَلِكَ وَيُبَيِّنُوهُ قَبْلَ انْخِرَامِ مُدَّتِهِمْ وَلِيَصِحَّ تَبْلِيغُهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الصَّغَائِرِ الَّتِي تزرى بفاعلها وتحط منزلته وتسقط مروأته وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيْرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنْهُمْ فَذَهَبَ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ وَحُجَّتُهُمْ ظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَالنَّظَرِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَئِمَّتنَا إِلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الصَّغَائِرِ كَعِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ منصب النبوة يجل عن مواقعها وَعَنْ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَمْدًا وَتَكَلَّمُوا عَلَى الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَتَأَوَّلُوهَا وَأَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ عَلَى تَأْوِيلٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ مِنْ إِذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَشْيَاءَ أَشْفَقُوا مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِهَا وَأَشْيَاءَ مِنْهُمْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الْحَقُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَمْ يَلْزَمْنَا الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ وَكَثِيرٌ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَلَا خِلَافَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ هَلْ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ أَوِ الْإِبَاحَةِ أَوِ التَّفْرِيقِ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْقُرَبِ أَوْ غَيْرِهَا قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِنَا الشِّفَاءُ وَبَلَغْنَا فِيهِ الْمَبْلَغَ الَّذِي لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَتَكَلَّمْنَا عَلَى الظَّوَاهِرِ فِي ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَلَا يَهُولُكَ أَنْ نَسَبَ قَوْمٌ هَذَا الْمَذْهَبَ إِلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَطَوَائِفَ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ إِذْ مَنْزِعُهُمْ فِيهِ مَنْزِعٌ آخَرُ مِنَ التَّكْفِيرِ بِالصَّغَائِرِ وَنَحْنُ نَتَبَرَّأُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ وَانْظُرْ هَذِهِ الْخَطَايَا الَّتِي ذُكِرَتْ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَكْلِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الشَّجَرَةِ نَاسِيًا وَمِنْ دَعْوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى قَوْمٍ كُفَّارٍ وقتل موسى صلى الله عليه وسلم لكافر لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ وَمُدَافَعَةِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم الكفار بقوله
عَرَّضَ بِهِ هُوَ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ صَادِقٍ وَهَذِهِ كُلُّهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ لَيْسَتْ بِذُنُوبٍ لَكِنَّهُمْ أَشْفَقُوا مِنْهَا إِذْ لَمْ تَكُنْ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَتَبَ عَلَى بَعْضِهِمْ فِيهَا لِقَدْرِ مَنْزِلَتِهِمْ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فِي آدَمَ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) هُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ التَّشْرِيفِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَسْتَ هُنَاكُمْ) مَعْنَاهُ لَسْتَ أَهْلًا لِذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى) قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ إِدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ أَنَّ إِدْرِيسَ أُرْسِلَ أَيْضًا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُ النَّسَّابِينَ أَنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ لِإِخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ آدَمَ أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ جَازَ مَا قَالُوهُ وَصَحَّ أَنْ يُحْمَلَ أَنَّ إِدْرِيسَ كَانَ نَبِيًّا غَيْرَ مرسل قال القاضي عياض وقد قِيلَ إِنَّ إِدْرِيسَ هُوَ إِلْيَاسُ وَأَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ فَإِنْ كَانَ هَكَذَا سَقَطَ الِاعْتِرَاضُ قَالَ الْقَاضِي وَبِمِثْلِ هَذَا يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ بِآدَمَ وَشِيثَ وَرِسَالَتِهِمَا إِلَى مَنْ مَعَهُمَا وَإِنْ كَانَا رَسُولَيْنِ فَإِنَّ آدَمَ إِنَّمَا أُرْسِلَ لِبَنِيهِ وَلَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا بَلْ أُمِرَ بِتَعْلِيمِهِمُ الْإِيمَانَ وَطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ خَلَفَهُ شِيثٌ بَعْدَهُ فِيهِمْ بِخِلَافِ رِسَالَةِ نُوحٍ إِلَى كُفَّارِ أَهْلِ الْأَرْضِ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ بَطَّالٍ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ آدَمَ لَيْسَ بِرَسُولٍ لِيَسْلَمَ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلُ يَنُصُّ عَلَى أَنَّ آدَمَ وَإِدْرِيسَ رَسُولَانِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَصْلُ الْخَلَّةِ الِاخْتِصَاصُ وَالِاسْتِصْفَاءُ وَقِيلَ
أَصْلُهَا الِانْقِطَاعُ إِلَى مَنْ خَالَلْتَ مَأْخُوذٌ مِنَ الخلة وهي الحاجة فسمى ابراهيم صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَصَرَ حَاجَتَهُ عَلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَقِيلَ الْخَلَّةُ صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ الَّتِي تُوجِبُ تَخَلُّلَ الْأَسْرَارِ وَقِيلَ مَعْنَاهَا الْمَحَبَّةُ وَالْإِلْطَافُ هَذَا كلام القاضي وقال بن الْأَنْبَارِيِّ الْخَلِيلُ مَعْنَاهُ الْمُحِبُّ الْكَامِلُ الْمَحَبَّةِ وَالْمَحْبُوبُ الْمُوَفِّي بِحَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ اللَّذَانِ لَيْسَ فِي حُبِّهِمَا نَقْصٌ وَلَا خَلَلٌ قَالَ الْوَاحِدِيُّ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الِاخْتِيَارُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ اللَّهُ تَعَالَى خَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْخَلَّةِ الَّتِي هِيَ الْحَاجَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ يَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ أَوْ لَسْتُ لَهَا) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هذا يقولونه تواضعا واكبارا لما يسئلونه قَالَ وَقَدْ تَكُونُ إِشَارَةً مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ وَهَذَا الْمَقَامَ لَيْسَ لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَدُلُّ عَلَى الْآخَرِ حَتَّى انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى صَاحِبِهِ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ صَاحِبَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَيَّنًا وَتَكُونُ إِحَالَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْآخَرِ عَلَى تَدْرِيجِ الشَّفَاعَةِ فِي ذَلِكَ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَفِيهِ تَقْدِيمُ ذَوِي الْأَسْنَانِ وَالْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَهَا بَالٌ قَالَ وَأَمَّا مُبَادَرَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لذلك واجابته لِدَعْوَتِهِمْ فَلِتَحَقُّقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْكَرَامَةَ وَالْمَقَامَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَهُمْ سُؤَالَ آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَمْ يُلْهَمُوا سُؤَالَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِظْهَارُ فَضِيلَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمْ لَوْ سَأَلُوهُ ابْتِدَاءً لَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّ غَيْرَهُ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا وَيُحَصِّلُهُ وَأَمَّا إِذَا سَأَلُوا غَيْرَهُ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصْفِيَائِهِ فَامْتَنَعُوا ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَجَابَ وَحَصَلَ غَرَضُهُمْ فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي ارْتِفَاعِ الْمَنْزِلَةِ وَكَمَالِ الْقُرْبِ وَعَظِيمِ الْإِدْلَالِ وَالْأُنْسِ وَفِيهِ تَفْضِيلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الرُّسُلِ وَالْآدَمِيِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ وَهِيَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ غَيْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا) هَذَا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى حَقِيقَةً كَلَامًا سَمِعَهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَلِهَذَا أُكِّدَ بِالْمَصْدَرِ وَالْكَلَامُ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُشْبِهُ كَلَامَ غَيْرِهِ قَوْلُهُ فِي عِيسَى (رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَعْنَاهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ الْمُتَقَدِّمُ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَالْمُتَأَخِّرُ عِصْمَتُكَ بَعْدَهَا وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ ذُنُوبُ أُمَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ الْغُفْرَانَ لِبَعْضِهِمْ أَوْ سَلَامَتَهُمْ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ وَقِيلَ الْمُرَادُ مَا وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَهْوٍ وَتَأْوِيلٍ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقُشَيْرِيُّ وَقِيلَ مَا تَقَدَّمَ لِأَبِيكَ آدَمَ وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِكَ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَكَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِذَنْبٍ لَوْ كَانَ وَقِيلَ هُوَ تَنْزِيهٌ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَيُؤْذَنُ لِي فِي الشَّفَاعَةِ الْمَوْعُودِ بِهَا وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي ادَّخَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ يَبْعَثَهُ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ابْتِدَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ سُجُودِهِ وَحَمْدِهِ وَالْإِذْنِ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ بِقَوْلِهِ أُمَّتِي أُمَّتِي وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بَعْدَ هَذَا في هذا الْحَدِيثِ نَفْسِهِ قَالَ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُومُ وَيُؤْذَنُ لَهُ وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَيَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُهُمْ كَالْبَرْقِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَبِهَذَا يَتَّصِلُ الْحَدِيثُ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ الشَّفَاعَةُ الَّتِي لَجَأَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا وَهِيَ الْإِرَاحَةُ مِنَ الْمَوْقِفِ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْعِبَادِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَلَّتِ الشَّفَاعَةُ في أمته