الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ٨٧٩
الحديث رقم ٨٧٩ من كتاب «كتاب الجمعة» في صحيح مسلم، تحت باب: (١٧) باب ما يقرأ في يوم الجمعة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
(١٧) بَاب مَا يُقْرَأُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
٦٤ - (٨٧٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛
أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ: الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ. وَأَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ، فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، سُورَةَ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ.
(٨٧٩) - وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، بهذا الإسناد، مثله.
م (٨٧٩) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُخَوَّلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مثله. في الصلاتين كلتيهما. كم قال سفيان.
كان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة سورة السجدة كاملة، وذلك في الركعة الأولى بعد الفاتحة، ويقرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة سورة الإنسان كاملة؛ تذكيرا بما اشتملت عليه السورتان من أحداث عظيمة وقعت وستقع في هذا اليوم، كخلق آدم، وذكر المعاد وحشر العباد، وأحوال القيامة، وغيرها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي
الذنب، وقوله: (إِلَّا وَرَّى بِغَيرِهَا)؛ أي: سَتَر تلك الغزوة ولم يظهرها؛ وأظهر غيرها، قال أهل اللغة (١): أصل الكلمة من الوراء، أي: ألقى التبْيِين وراء ظهره، أي: وهَّم أنه يريد غزوةً غيرها.
[ومن باب حديث الإفك]
[٨٧٩] أخبرنا أبو سهل بن أبي القاسم الدشتي بنيسابور؛ أخبرنا أبو القاسم السراج؛ أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الكارزي؛ قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز؛ حدثنا حجاج بن منهال؛ حدثنا عبد الله بن عمر النميري؛ حدثنا يونس بن يزيد الأيلي؛ قال: سمعت الزهري؛ قال: سمعت عروة بن الزبير؛ وسعيد بن المسيب؛ وعلقمة بن وقاص؛ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ و ﵂ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا.
وأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النِّعالي ببغداد؛ أخبرنا أبو الحسن بن رزقويه؛ قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن السماك؛ وحمزة بن محمد بن الحارث الدهقان؛ وأحمد بن خلف السابح؛ قالوا: حدثنا عبد الكريم بن الهيثم؛ حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي؛ حدثنا سفيان؛ عن محمد بن إسحاق؛ عن وائل بن داود؛ عن الزهري قال: حدثني أربعة: عروة بن الزبير؛ وسعيد بن المسيب؛ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ وعلقمة بن وقاص الليثي؛ عن حديث عائشة ﵂ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها.
وفي رواية الدشتي: وكلٌّ حدثني طائفةً من الحديث الذي حدثني عن
عائشة، وبعض حديثهم يُصدِّق بعضًا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعضٍ، وفي رواية النِّعالي: وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض؛ وأشد اقتصاصا، وقد وَعَيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني أن عائشة ﵂ قالت:
(كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهِمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَه، قَالَت فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، - قال إبراهيم: قال سفيان: أراه قال: فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصطَلِق - فَخَرَجَ سَهمِي، فَأَخْرَجَنِي مَعَه، وَذَاكَ بَعْدَمَا أُنزِلَ الحِجَابُ، وَكُنتُ أُحمَلُ فِي هَودَجِي، وَأَنزَلُ فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلنَ وَلَم يَعْشَهُنَّ السِّمَن).
وفي رواية الدشتي: (حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَرَوَتِهِ تِلكَ، فَدَنَونَا مِنَ المَدِينَةِ قَافِلِينَ، فَآذَنَ لَيلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنَ بِالرَّحِيلِ لِحَاجَتِي، فَلَمَّا قَضَيتُ شَأْنِي أَقبَلتُ إِلَى رَحلِي).
وفي رواية النعالي: (فَقُمتُ لِأَقضي شَأْنِي، فَمَشَيتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيشَ، فقَضَيتُ حَاجَتِي ثُمَّ أَقبَلتُ إِلَى الرَّحلِ، فَلَمَستُ بِيَدِي صَدرِي فَإِذَا عِقدٌ كَانَ عَلَيَّ مِنْ جَزع أَظفَارٍ قَد سَقَطَ، فَرَجَعْتُ ألتَمِسُه فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ النَّفَرُ الَّذِينَ يَشُدُّونَ هَودَجِي).
وفي رواية الدشتي: (وأَقبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي، فَاحْتَمَلُوا هَودَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنتُ أَركَبُه).
وفي رواية النعالي: (وَهُم يَحسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكُنتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، وَكُنَّ النِّسَاءُ إِذ ذَاكَ خِفَافًا، إِنَّمَا كُنَّ يَأْكُلنَ الغُفَّةَ مِنَ الطَّعَامِ).
وفي رواية الدشتي: (يَأْكُلنَ العُلقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَم يُنكِرِ القَومُ خِفَّةَ الهَودَجِ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدتُ عِقدِي بَعدَمَا اسْتَمَرَّ الجَيشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهم فلَيسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمتُ مَنزِلِي الَّذِي كُنتُ فِيهِ، فَجَلَستُ، وَظَنَنتُ أَنَّ القَومَ سَيَفْقِدُونِي ويَرْجِعُونَ فِي طَلَبِي، فَبَينَما أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَكَانِي، إِذ غَلَبَتِنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ؛ ثُمَّ الذَّكَوَانِيُّ، مِن وَرَاءِ الجَيشِ).
وفي رواية النعالي: (قَد عَرَّسَ مِن وَرَاءِ الجَيشِ فَادَّلَجَ، فَأَصْبَحَ فِي المَنزِل؛ فَرَأَى سَوَادَ إِنسَانٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَن يُضَرَبَ عَلَينا الحِجَابُ، فَلَمَّا رَآنِي اسْتَرْجَع وقال: إِنَّا لِله وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، عِرْسُ رَسُولِ الله، ﷺ فَاسْتَيْقَظتُ بِاستِرجَاعِهِ، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلبَابِي، فَوَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي بِكَلِمَةٍ؛ وَلَا سَمِعتُ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ اسْتِرجَاعِهِ، حَتَّى جَاءَ بِبَعِيرِهِ فَأَنَاخَه، ثُمَّ وَطِئَ عَلَى يَدِهِ فَرَكِبتُه، وَأَخَذَ بِخِطَامِهِ؛ وَجَعَلَ يَقُودُه حَتَّى أَتَيْنَا الجَيشَ بَعدَمَا نَزَلُوا فِي نَحرِ الظَّهِيرَةِ، فَأَفَاضَ أَهلُ الإِفكِ فِي قَولِهم؛ فَهَلَكَ فِي شَأْنِي مَن هَلَكَ، فَدَخَلْنَا المَدِينَة فَمَرِضْتُ؛ فَلَبِثْتُ شَهرًا فِي وَجَعِي، وَأَهلِ الإِفْكِ يُفِيضُونَ فِي قَولِهم، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِن الشَّرِّ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبَرَهُ مِنهُم عَبدُ اللَّهِ مِنْ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، وَكَانَ لَا يَرِيبُنِي مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ).
وفي رواية الدشتي: (وَإِنَّمَا يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللُّطفَ الَّذِي كُنتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدخُلُ عَلَيَّ فَيَقُولُ: كَيْفَ تِيكُم؟ ثُمَّ يَنصَرِف، فَذَلكَ الَّذِي يَرِيبُنِي؛ وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ).
وفي رواية النعالي: (فَلَمَّا نَقَهتُ مِن وَجَعِي خَرَجْتُ قِبَلَ المَنَاصِعِ أَنَا وَأُمُّ مِسطح بن أَثَاثَة، وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا).
وفي رواية الدشتي: (وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، وَأَمرُنَا أَمرُ العَرَبِ الأَوَلِ فِي التَّنَزُّهِ قِبَلَ الغَائِط، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أَن نَتَّخِذَهَا عِندَ بُيُوتِنَا).
وفي رواية النعالي: (فَلَمَّا قَضَيتُ شَأْنِي فَرَجَعْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَنزِل).
وفي رواية الدشتي: (وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهم بن الْمُطَّلِبِ بن عَبدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنتُ صَخرِ بن عَامِرٍ، جَدَّةُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَابْنُهَا مِسطَحُ مِنْ أُثَاثَةَ بن عَبدِ الْمُطَّلِبِ، فَعَثَرَت أُمُّ مِسطحٍ في مرطهَا، فَقَالَت: تَعِسَ مِسطَحٌ؛ فَقُلْتُ: سُبحَانَ اللَّهِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا، قَالَت: يَا هَنَاهِ؛ إِنَّكِ لَمِنَ الْمُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ).
وفي رواية الدشتي: (فَقَالَت يَا هَنْتَاه، أَوَلَم تَسمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَت قُلتُ: وَمَا قَال؟).
وفي رواية النعالي: (قُلتُ: وَمَا قَالَ مِسطَح؟ فَأَخبَرَتِنِي بِقَولِ أَهْلِ الإِفْكِ؛ فَازدَدتُ وَجَعًا عَلَى وَجَعِي، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: كَيْفَ تِيكُم؟).
وفي رواية الدشتي: (وَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: كَيفَ تِيكُم؟ فَقُلتُ لَه: أَتَأْذَنُ لِي أَن آتِيَ أَبَوَيَّ؟ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَن أَستَيقِنَ الْخَبَرَ مِن قِبْلِهِمَا).
وفي رواية النعالي: (فَأَذِنَ لِي، فَأَتيتُ أَبَوَيَّ؛ فَقُلتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّه).
وفي رواية الدشتي: (يَا أُمَّتَاه؛ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَت: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ).
وفي رواية النعالي: (مَا هَذَا الَّذِي يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهِ؟ قَالَت: هَوِّنِي عَلَيكِ يَا بُنَيَّةُ، فَقَلَّ امْرَأَةٌ حَظِيَّةٌ كَانَت عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا القَولَ).
وفي رواية الدشتي: (فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَة قَطُّ وَضِيئَةٌ عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ، إلَّا أكثرنَ عَلَيْهَا القَولَ: قَالَت فقُلتُ: سُبحَانَ اللهِ؛ وَلَقَد تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ فَبَكَيتُ تلك الليلَةَ حَتَّى أَصبَحتُ).
وفي رواية النعالي: (فقُلتُ: سُبْحَانَ اللهِ أو يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَت: نعم، فَمَكَثتُ يَومِي ذَلِكَ، وَلَيلَتِي المُقبِلَة؛ لَا يَرْقَأُ لِي دَمَعٌ وَلَا أَكتَحِلُ بِنَومٍ، وَظَنَّ أَبَوَايَ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، وَمَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِ بِيتٍ مِنَ العَرَبِ مَا دَخَلَ عَلَى آلِ أَبي بكر، قَالَت وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بن زَيدٍ يَستَشِيرهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ؛ حِينَ اسْتَلَبَثَ الوَحيُ عَلَيْهِ شَهِرًا، لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي أَمرِي شيءٌ، فَأَمَّا أُسَامَهُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعلَمُ مِن بَرَاءَةِ أَهلِهِ، وَالَّذِي فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُم أَهلُكَ وَلَا نَعلَمُ إِلَّا خَيرًا، قَالَت: وَأَمَّا عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ: لَمْ يُضَيَّقِ اللهُ عَلَيكَ؛ النِّساء سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَأَرسِل إِلَى الجَارِيَةِ تُخبِركَ).
وفي رواية الدشتي: (وَإِن تَسأَلِ الخَادِمَ تَصدُقكَ، قَالَت: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ لَهَا: أَي بَرِيرَةُ؛ هَلْ رَأَيتِ مِن شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟).
قال النعالي: (أَوْ رَأَيتِ شَيْئًا تَكرَهِينَهُ؟ قَالَتْ: أَحمِي سَمعِي وَبَصَرِي، عَائِشَةُ أَطيبُ مِن طِيبِ الذَّهَبِ).
وفي رواية الدشتي: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغمِصُهُ عَلَيْهَا
أَكثَرَ مِن أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَن عَجِين أَهْلِهَا، فَتَأتِي الدَّاجِنُ فَتَأكُلُهُ).
قال النعالي: (قَالَت: وَسَأَلَ رَسُولُ الله ﷺ زَيْنَبَ عَن أَمرِي، وَكَانَت هِيَ الَّتِي تُسَامِينِي مِن أَزْوَاجِ النَّبِي ﷺ، فَقَالَ: هَل عَلِمَتِ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ مِن شَيْءٍ تَكرَهِينَه؟، فَعَصَمَهَا اللهُ ﷿ بِالوَرَعِ، فَقَالَت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵁ مِن شَيْءٍ أَغمِصُهُ عَلَيْهَا، قَالَت: وَطَفِقَت حَمَنَةُ بِنتُ جَحِشٍ تُحَارِبُ لَهَا).
قال الدشتي: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ مَن يَعذُرُنِي مِن رَجُلٍ قَد بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؟).
وفي رواية النعالي: (وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَعَذَرَ إِلَى النَّاسِ مِن عَبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ [بن] سَلُولٍ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي تولَّى كِبَرَهُ، فَقَامَ عَلَى المَنبَرِ، فَقَالَ: يَا مَعَاشِرَ النَّاسِ، مَن يَعْذُرُنِي مِن رجلٍ قَد بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى? فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمتُ مِن أَهلِي إِلَّا خَيرًا، وَلَقَد ذَكَرُوا رَجُلا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدخُلُ [عَلَى] (١) أَهلِي إِلا مَعِي).
وفي رواية الدشتي: (وَمَا كَانَ يَدخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعدُ بْنُ مُعَادٍ - وَهُوَ سَيِّدُ الأَوسِ - فَقَالَ: أَنَا أَعذُرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِن كَانَ مِنَ الْأُوسِ ضَرَبتُ عُنُقَهِ، وَإِن كَانَ مِن إِخْوَانِنَا مِنَ الخَرْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمَرَكَ).
وفي رواية النعالي: (وَإِن كَانَ مِنَ الخَزرجِ أَتَينَا بِرَأْسِهِ؛ فَقَامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ - وكَانَ سَيِّد الخَزرَج - فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمرُ اللهِ، وَاللَّه إِن كَانَ مِنَ الخَزرَجِ لَا تَقْتُلُهُ؛
وَلا تَقدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَكَانَ قَبلَ ذَلِكَ رَجُلا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّة، فَقَامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعِدِ بن مُعَاذٍ - فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّه إِن كَانَ مِنَ الخَزْرَج، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ، وَثَارَ الحَيَّانِ: الأَوسُ وَالخَزرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَن يَقتَتِلُوا).
وفي رواية الدشتي: (فَتَثَاوَرَ الحَيَّانِ: الأوسُ وَالخَزرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَن يَقتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى المنبرِ يُخَفِّضُهُم حَتَّى سَكَتُوا).
وفي رواية النعالي: (يُخَفِّضُهُمْ وَيُسكِتُهُم حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: فَبَينَا أَنَا أَبكِي إِذا استأذنَت عَلَيَّ امْرَأَة مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الضَّعَفَة، فَأَذنتُ لَهَا، فَجَلَسَت مَعِي تَبكي).
وفي رواية الدشتي: (فَجَلَسَت تَبكِي مَعِي).
وفي رواية النعالي: (قَالَت: فَإِنَّا لجلوسٌ وَنَحْنُ عَلَى تِلكَ الحَالَ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَجَلَسَ إِلَى جَنبِي).
وفي رواية الدشتي: (قَالَت: وَلَم يَجلِس عِندِي مُنذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ).
وفي رواية النعالي: (مُنذُ قِيلَ فِي مَا قِيلَ).
وفي رواية الدشتي: (وَقَدْ لَبِثَ شَهِرًا لَا يُوحَى إِلَيهِ فِيَّ شَيْءٌ، قَالَت: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَد بَلَغَنِي عَنكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِن كُنتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ).
وفي رواية النعالي: (فَإِن كُنتِ بَرِيئَةً فَإِنَّ الله ﷿ سَيُبَرِّئُكِ، وَإِن كُنتِ
أَلْمَمتِ بِذَنبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيهِ، فَإِنَّ التَّوبَةَ مِنَ الذَّنبِ: النَّدَمُ وَالاستِغفَار).
وفي رواية الدشتي: (فَإِنَّ العَبدَ إِذَا اعتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهُ تَابَ اللهُ عَلَيهِ).
وفي رواية النعالي: (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَه قَلَصَ دَمِعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطرَةً. فَقُلتُ لأُمِّي: يَا أُمَّه؛ أَجِيبي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، فَقَالَت لي: يَا بُنَيَّة، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ أَجِب عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فيما قَالَ. فَقَالَ: يا بُنَيَّةُ؛ وَالله مَا أَدرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ).
وفي رواية الدشتي: (قَالَت قُلتُ - وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرآنِ -: إِنِّي وَاللهِ لَقَد عَلِمتُ أَنَّ هَذَا الأَمرَ قَد بَلَغَكُم وَاستَقَرَّ فِي أَنفُسِكُم).
وفي رواية الدشتي: (لَقَد سَمِعْتُمْ هَذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُم وَصَدَّقْتُم بِهِ، وَلَئن قُلتُ لَكُم إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ؛ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بِأَمرٍ يَعلَمُ اللهُ أَنِّي بَرِيئَةٌ مِنهُ لَتُصَدِّقُونِي).
وفي رواية الدشتي: (لَتُصَدِّقُنَّنِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُم مَثَلًا، إِلَّا أَبَا يُوسُفَ).
وفي رواية النعالي: (إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُف -[واختلف عَلَيَّ] (١) اسمُ يَعقُوبَ - ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ثُمَّ تَحَوَّلتُ
وَاصْطَجَعتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللهُ يَعْلَمُ حينئذٍ أَنِّي بريئةٌ).
وفي رواية الدشتي: (وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ الله ﷿ سَيُبَرِّئُنِي، وَلَكِنْ مَا كُنْتُ أَنْتَظر أَنَّ الله يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحقَرَ).
وفي رواية الدشتي: (وَلَشَأنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي عَيْنِي وَأَصْغَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ ﷿ في شيءٍ مِن شَأْنِي بِشَيءٍ، وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنَّ اللَّهَ ﷿ يُرِي نَبِيَّهُ فِي مَنَامِهِ رُؤيَا يَذْهَبُ بِما فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ).
وفي رواية الدشتي: (وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وفي رواية النعالي: (مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن مَجْلِسِهِ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؛ حَتَّى نُزِّلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ مِثْلَ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ عِندَ نُزُولِ الوَحيِ؛ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الوَحي).
وفي رواية الدشتي: (فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي، مِنْ ثِقَلِ القُرآنِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ، قَالَت فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكَانَ أَوَّلُ شيءٍ تَكَلَّمَ بِهِ - وَهُوَ يَضْحَكُ -: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا الله تعالى فَقَد بَرَّأَكِ، قَالَت وَتَلا عَلَيَّ هَذا العشر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]، فقَالَت أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَبِّلِي رَأْسَهُ. فَقُلتُ: لا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلا أَحمدُ إلا الله ﷿، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي مِنَ السَّمَاءِ.
فَقُلتُ لأَبي: يَا أَبَتِ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَعذُرَنِي عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ أَهْلُ الإفكِ مَا قَالُوا؟ قَالَ: يَا بُنَيَّةُ، وَكَيْفَ أَعْذُرُكِ بِمَا لا أَعلَمُ، وَأَيُّ أَرضِ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سماءٍ تُظِلُّنِي؛ إِذَا قُلتُ مَا لَا أَعْلَمُ؟ قَالَت: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يُنفِقُ عَلَى مِسطَحِ بن أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقرِهِ، فَحَلَفَ أَن لا يُنفِقَ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ فِي عَائِشَةَ ﵁ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فقَالَ أَبُو بَكرٍ ﵁: بَلَى وَاللَّهِ، لأُحِبُّ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسطَحَ النَّفَقَة الَّتِي كَانَ يُنفِقُ).
وفي رواية النعالي: (وَقَالَ: لا أَنزَعُهَا مِنهُ أَبَدًا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ حَدِيثِ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ) (١).
[شرح ما في حديث الإفك من الغريب]
قوله: (طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ)؛ الطائفة من الشيء: بعضُه، وقوله: (كَانَ أَوعَى)؛ أي: أحفظَ، يقال: وَعَيتُ العلم: إذا حَفِظتُه، وقوله: (اقتِصَاصًا)؛ أي: اتِّباعًا، قال صاحب المجمل (٢): اقتَصَصْت الحديث: إذا رويته على ما علمته، وهو من: اقتَصَصْت الأثر: إذا تتبَّعتُه، و (الهَودَجُ): مركب من مراكب النساء، يقال: تَهَدَّجت الناقة: ارتفع سِنامها كأنه هودجٌ، والهدجان: مشية الشيخ، وهدجت الريح حنت، والتَّهَدُّجُ: تقطُّع الصوت، وهدج الظليم: مشى في
ارتعاشٍ، وقوله: (وَلَم يُهَبَّلَنَ)؛ المُهَبَّلُ: الرجل الثقيل الكثير اللحم، قال: فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلِ (١).
وفي رواية: (لَمْ يُهَبِّلُهُنَّ اللَّحْمُ) (٢)؛ أي لم يكثُر عليهنَّ اللحمُ، وفي رواية: (وَأَنَا يَومَئِذٍ جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنّ لَم أَحمِل اللَّحمَ)، وقوله: (أَقرعَ بَينَ نِسَائِهِ)؛ فيه سنة القُرعة بين النساء إذا أراد الزوج السفر، ولا يحتسب على المرأة أيام السفر إذا رجعت من سفرها، ومن فقه الحديث أن القلة في الطّعم محمودة لأنها قالت: (إِنَّمَا كُنَّا نأكُل العُلْقَةَ)؛ العُلْقَة: اليسير من الطعام، أي: تتماسك به دون الشِّبع، وفي المثل: لَيْسَ المُتَعلِّقُ كالمتأنِّقِ (٣)، أي: ليس من يتبلغ بالشيء اليسير؛ كمن يتأنق يأكل ما شاء، ويقال: ما يأكل فلان إلا عُلْقَة، أي: ما يمسك به نفسه، ويقال: بل العُلْقَة ما يأكله بُكرة قبل الغَداء، والعَلَاق أيضا؛ والعَلَق: ما تتبلغ به الماشية من الشجر، وهي العلقة، ويتبلغ: أي يتجزأ، قال الشاعر:
وفَلاةٍ كأنها ظَهْرُ تُرْسٍ … ليس إلا الرَّجيعَ فيها عَلاقُ (٤)
يقول لا تجد الإبل فيها عَلاقا، إلا ما تردده من جرتها، والظبية تعلق: إذا تناولت الشجر، وفي الحديث في ذكر الشهداء أن أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضرٍ، تَعْلُقُ من ورق الجنة (٥).
وقوله: (أَذِنَ لَيلَةً بِالرَّحِيلِ)، وروي: (آذَنَ)؛ أي: أعلم، قال أهل اللغة (١): آذنته أعلمته، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، أي: أعلمتكم ما ينزل علي من الوحي لتستووا في الإيمان به، وقوله: (وَقَفَلَ)؛ أي: رجع من الغزو، والقافلة: الراجعة من السفر، وقولها: (أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحلِ)؛ الرَّحْلُ: منزل الرجل ومأواه، وقوله: (مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ)؛ الجَزْعُ: الخرز، وأظفار [ … ] (٢) عود؛ وكأنه يثقب ويجعل في القلادة، و (العِقْدُ): القلادة، وروي: (مِنْ جَزْعِ ظفارِ)؛ وظفار بكسر الراء من غير تنوين: مدينة باليمن ينسب إليها هذا الجَزع، وفي المثل: مَنْ دَخَلَ ظفارِ حَمَّرَ (٣)، أي: من دخل هذه المدينة تكلم بالحِميَرِية، وفي رواية خارج الصحيح: (إِنَّمَا كُنَّ يَأْكُلْنَ الغُفَّةَ مِنَ الطَّعَامِ) (٤) الغُفَّة: البُلغة من العيش، يعني: اليسير، قال:
وغُفّةٌ مِن قِوَامِ العَيشِ تكفِيِني (٥)
وقولها: (حِينَ رَحَلُوهُ)؛ أي: وضعوه على البعير، قال أهل اللغة (٦): رَحَلَه: إذا أظعنه من مكانه، وقولها: (فَبَعَثُوا الجَمَلَ)؛ أي: أقاموه، (وَاسْتَمَرَّ الجَيشُ)؛ أي مَرُّوا، (فَتَيَمَّمْتُ)؛ أي: قصدت، قال:
تَيمَّمْتُ قَيْسًا، وَكَمْ دُونَهُ … مِنَ الأَرض مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ (١)
وقولها: (سَيَفقِدُونِي)؛ أي: يطلبوني فلا يجدوني فيسعون في طلبي، وقولها: (قَد عَرَّسَ)؛ أي: نزل وقت السحر، وقولها: (فَادَّلَجَ) يقال: أَدْلَج القوم: إذا قطعوا الليل كلَّه سيرًا، وادَّلجوا إذا خرجوا من آخر الليل بتشديد الدال، وقولها: (فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِه)؛ تعني قوله إنا لله وإنا إليه راجعون، وقولها: (فَرَأَى سَوَادَ إِنسَانٍ)؛ أي شخص إنسانٍ (فَخَمَّرْتُ وَجْهِي)؛ أي: سترت، (بجِلبَابي)؛ أي بردائي، (أَنَاخَ): أي: أبرك، (ثُمَّ وَطِئ عَلَى يَدِهَا)؛ أي: وضع رجله على يد الراحلة؛ لئلا تقوم قبل أن أركب.
وقولها: (مُوغِرِينَ): الوَغْرَة: شدة الحر، وأوغر دخل في وقت شدة الحر، وأوغر صدره؛ أي أحماه من الغيظ، ووَغَر صدرُه عليه يَوْغَرُ: إذا اغتاظ، والوَغِيرُ: لحم يُشوى على الرَّمضاء، و (نَحْرُ الظَّهِيرَة): أولها، وقولها: (فَأَفَاضَ أَهلُ الإِفْكِ فِي قولِهِم) (٢) وفي الصحيح: (والناس يفيضون في قول أهل الإفك)؛ يقال: أفاض في الحديث، أي: أخذ فيه ودفع، وقولها: (يَرِيبُنِي) أي: يشككني، قال خالد بن زهير الهذلي (٣):
يَا قَوْمِ مَالِي وأَبا ذُؤَيبِ … كنتُ إِذا أَتَوْتُه مِنْ غَيْبِ
يَشَمُّ عِطْفِي ويَبُزُّ ثَوْبي … كأَنَّما أَرَبْتُه بِرَيْبِ
قيل كان أبو ذؤيب يرسل بخالد - وهو ابن أخته - إلى امرأة يهواها يقال
لها أم عمرو، فراودت أمُّ عمرٍو خالدا عن نفسه، فأبى ذلك حينًا، ثم طاوعها، فلما رجع إلى أبي ذؤيب، قال: والله إني لأجد ريح أم عمرٍو منك، ثم جعل لا يأتيه إلا استراب، وقال خالد هذا الشعر، وله معه حديث طويل (١).
والغَيْبُ: ما استتر، والعِطف: الجانب، ويَبُزُّ ثوبي: أي يجذبه إليه، وأَرَابَ: إذا ظهر منه ما يُتَّهم به، والرَّيْبُ: الشك، يقال: رابني هذا الأمر: إذا أدخل عليك شكا.
و (نَقَهْتُ مِنَ المَرَضِ) بفتح القاف؛ أي برأت، وقولها: (وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا)؛ أي: الموضع الذي نبرز إليه لقضاء الحاجة، والمَنَاصِعُ): اسم بَرِّيَة بباب المدينة، و (الكُنُفُ): جمع الكنيف، و (التَّنَزُّه): الخروج إلى الصحراء لحاجة، و (المِرْطُ): الإزار المخطط، وقولها: (تَعِسَ مِسْطَحٌ): دعاء عليه، وقولها: (قَالَت: أَيْ هَنْتَاهُ)، يقال: في الكناية عن الشخص المذكر: ياهَنَاه، وعن المؤنث: يا هَنْتَاه، وأي: حرف نداء، و (تِيكُم): إشارة إلى مؤنث، وخطاب إلى جماعة، و (الحَظِيَّة) (٢): الوجيهة ذات المنزلة، و (الوَضِيئَة): الجميلة الحسنة، و (الضَّرَائِرُ): جمع الضَّرَّة، والضَّرَّة: المرأة التي تُنكح على امرأة كانت قبلها، ثم يقع هذا الاسم عليهما جميعا، و (لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ)؛ أي: لا ينقطع، (وَلَا أَكْتَحِل بِنَومٍ)؛ أي: لا أنام، و (اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ)؛ أي: لبث ووقف ولم ينزل، وقوله: (تَصْدُقْكَ): أي تقل لك الصدق، و (أَغْمِصُه)؛ أي: أعيبه، يقال: غَمِصته أغمصه، وفي لغة أخرى: غَمَصته بفتح الميم أعْمَصه، وقولها: (أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي)؛ أي أصون سمعي وبصري من أن أقول سمعت ولم أسمع، وبصرت ولم أبصر، و (الدَّاجِنُ):
الشاة التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى.
و (تُسَامِينِي): من المساماة، مفاعلة وهي من السُّمُو، أي: تفاخرني وتجاريني، و (طَفِقَت حَمْنَة تُحَارِبُ لَها)؛ أي: أخذت في المحاربة لها، أي: لأجل أختها، كانت زينب ضرة عائشة ﵂، فكانت لا تقول في حق عائشة ﵂ إلا الجميل، وكانت أختها حَمْنَة تتعصب لأختها، فتسمع ما يذكر الناس وتقوله.
وفي الحديث ترك الخوض فيما لا يُستيقن، والاحتراز من البهت والكذب والقذف، وفي الحديث أن المكذوب عليه يتوجع مما يقال فيه، وفيه أن على الزوج أن لا يقبل قول الحاسد في امرأته، وفيه أن الذنب وإن عظُم، فإن الندم والاستغفار يكفرانه، لقوله ﷺ: (إن كُنتِ ألمَمتِ بِذَنْبٍ فَاستَغفِرِي الله)؛ أي: (إِن إن كنت أصبت ذنبا، وأصله من اللّمَم، واللمم: مقاربة المعصية من غير مواقعة، وألممت بالرحل إلماما إذا نزلت به، وقاربته والمُلِمَّة: النازلة تنزل بالمرء، قال (١):
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا … وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا
وقوله: (مَا رَامَ مَجْلِسَه)؛ أي: ما برح، وقوله: (فَتَثَاوَرَ الحَيَّانِ) (٢)؛ أي تواثبا، وقوله: (يُخَفِّضُهُمْ)؛ [أي: يقول لهم: اخفضوا] (٣) أصواتكم و (يُسْكِتُهُم) (٤)؛ أي: يقول لهم: اسكتوا، و (قَلَصَ دَمعِي)؛ أي: ارتفع، (حَتَّى مَا
📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي
الذنب، وقوله: (إِلَّا وَرَّى بِغَيرِهَا)؛ أي: سَتَر تلك الغزوة ولم يظهرها؛ وأظهر غيرها، قال أهل اللغة (١): أصل الكلمة من الوراء، أي: ألقى التبْيِين وراء ظهره، أي: وهَّم أنه يريد غزوةً غيرها.
[ومن باب حديث الإفك]
[٨٧٩] أخبرنا أبو سهل بن أبي القاسم الدشتي بنيسابور؛ أخبرنا أبو القاسم السراج؛ أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الكارزي؛ قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز؛ حدثنا حجاج بن منهال؛ حدثنا عبد الله بن عمر النميري؛ حدثنا يونس بن يزيد الأيلي؛ قال: سمعت الزهري؛ قال: سمعت عروة بن الزبير؛ وسعيد بن المسيب؛ وعلقمة بن وقاص؛ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ و ﵂ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا.
وأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النِّعالي ببغداد؛ أخبرنا أبو الحسن بن رزقويه؛ قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن السماك؛ وحمزة بن محمد بن الحارث الدهقان؛ وأحمد بن خلف السابح؛ قالوا: حدثنا عبد الكريم بن الهيثم؛ حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي؛ حدثنا سفيان؛ عن محمد بن إسحاق؛ عن وائل بن داود؛ عن الزهري قال: حدثني أربعة: عروة بن الزبير؛ وسعيد بن المسيب؛ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ وعلقمة بن وقاص الليثي؛ عن حديث عائشة ﵂ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها.
وفي رواية الدشتي: وكلٌّ حدثني طائفةً من الحديث الذي حدثني عن
عائشة، وبعض حديثهم يُصدِّق بعضًا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعضٍ، وفي رواية النِّعالي: وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض؛ وأشد اقتصاصا، وقد وَعَيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني أن عائشة ﵂ قالت:
(كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهِمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَه، قَالَت فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، - قال إبراهيم: قال سفيان: أراه قال: فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصطَلِق - فَخَرَجَ سَهمِي، فَأَخْرَجَنِي مَعَه، وَذَاكَ بَعْدَمَا أُنزِلَ الحِجَابُ، وَكُنتُ أُحمَلُ فِي هَودَجِي، وَأَنزَلُ فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلنَ وَلَم يَعْشَهُنَّ السِّمَن).
وفي رواية الدشتي: (حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَرَوَتِهِ تِلكَ، فَدَنَونَا مِنَ المَدِينَةِ قَافِلِينَ، فَآذَنَ لَيلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنَ بِالرَّحِيلِ لِحَاجَتِي، فَلَمَّا قَضَيتُ شَأْنِي أَقبَلتُ إِلَى رَحلِي).
وفي رواية النعالي: (فَقُمتُ لِأَقضي شَأْنِي، فَمَشَيتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيشَ، فقَضَيتُ حَاجَتِي ثُمَّ أَقبَلتُ إِلَى الرَّحلِ، فَلَمَستُ بِيَدِي صَدرِي فَإِذَا عِقدٌ كَانَ عَلَيَّ مِنْ جَزع أَظفَارٍ قَد سَقَطَ، فَرَجَعْتُ ألتَمِسُه فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ النَّفَرُ الَّذِينَ يَشُدُّونَ هَودَجِي).
وفي رواية الدشتي: (وأَقبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي، فَاحْتَمَلُوا هَودَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنتُ أَركَبُه).
وفي رواية النعالي: (وَهُم يَحسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكُنتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، وَكُنَّ النِّسَاءُ إِذ ذَاكَ خِفَافًا، إِنَّمَا كُنَّ يَأْكُلنَ الغُفَّةَ مِنَ الطَّعَامِ).
وفي رواية الدشتي: (يَأْكُلنَ العُلقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَم يُنكِرِ القَومُ خِفَّةَ الهَودَجِ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدتُ عِقدِي بَعدَمَا اسْتَمَرَّ الجَيشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهم فلَيسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمتُ مَنزِلِي الَّذِي كُنتُ فِيهِ، فَجَلَستُ، وَظَنَنتُ أَنَّ القَومَ سَيَفْقِدُونِي ويَرْجِعُونَ فِي طَلَبِي، فَبَينَما أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَكَانِي، إِذ غَلَبَتِنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ؛ ثُمَّ الذَّكَوَانِيُّ، مِن وَرَاءِ الجَيشِ).
وفي رواية النعالي: (قَد عَرَّسَ مِن وَرَاءِ الجَيشِ فَادَّلَجَ، فَأَصْبَحَ فِي المَنزِل؛ فَرَأَى سَوَادَ إِنسَانٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَن يُضَرَبَ عَلَينا الحِجَابُ، فَلَمَّا رَآنِي اسْتَرْجَع وقال: إِنَّا لِله وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، عِرْسُ رَسُولِ الله، ﷺ فَاسْتَيْقَظتُ بِاستِرجَاعِهِ، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلبَابِي، فَوَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي بِكَلِمَةٍ؛ وَلَا سَمِعتُ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ اسْتِرجَاعِهِ، حَتَّى جَاءَ بِبَعِيرِهِ فَأَنَاخَه، ثُمَّ وَطِئَ عَلَى يَدِهِ فَرَكِبتُه، وَأَخَذَ بِخِطَامِهِ؛ وَجَعَلَ يَقُودُه حَتَّى أَتَيْنَا الجَيشَ بَعدَمَا نَزَلُوا فِي نَحرِ الظَّهِيرَةِ، فَأَفَاضَ أَهلُ الإِفكِ فِي قَولِهم؛ فَهَلَكَ فِي شَأْنِي مَن هَلَكَ، فَدَخَلْنَا المَدِينَة فَمَرِضْتُ؛ فَلَبِثْتُ شَهرًا فِي وَجَعِي، وَأَهلِ الإِفْكِ يُفِيضُونَ فِي قَولِهم، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِن الشَّرِّ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبَرَهُ مِنهُم عَبدُ اللَّهِ مِنْ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، وَكَانَ لَا يَرِيبُنِي مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ).
وفي رواية الدشتي: (وَإِنَّمَا يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللُّطفَ الَّذِي كُنتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدخُلُ عَلَيَّ فَيَقُولُ: كَيْفَ تِيكُم؟ ثُمَّ يَنصَرِف، فَذَلكَ الَّذِي يَرِيبُنِي؛ وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ).
وفي رواية النعالي: (فَلَمَّا نَقَهتُ مِن وَجَعِي خَرَجْتُ قِبَلَ المَنَاصِعِ أَنَا وَأُمُّ مِسطح بن أَثَاثَة، وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا).
وفي رواية الدشتي: (وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، وَأَمرُنَا أَمرُ العَرَبِ الأَوَلِ فِي التَّنَزُّهِ قِبَلَ الغَائِط، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أَن نَتَّخِذَهَا عِندَ بُيُوتِنَا).
وفي رواية النعالي: (فَلَمَّا قَضَيتُ شَأْنِي فَرَجَعْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَنزِل).
وفي رواية الدشتي: (وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهم بن الْمُطَّلِبِ بن عَبدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنتُ صَخرِ بن عَامِرٍ، جَدَّةُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَابْنُهَا مِسطَحُ مِنْ أُثَاثَةَ بن عَبدِ الْمُطَّلِبِ، فَعَثَرَت أُمُّ مِسطحٍ في مرطهَا، فَقَالَت: تَعِسَ مِسطَحٌ؛ فَقُلْتُ: سُبحَانَ اللَّهِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا، قَالَت: يَا هَنَاهِ؛ إِنَّكِ لَمِنَ الْمُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ).
وفي رواية الدشتي: (فَقَالَت يَا هَنْتَاه، أَوَلَم تَسمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَت قُلتُ: وَمَا قَال؟).
وفي رواية النعالي: (قُلتُ: وَمَا قَالَ مِسطَح؟ فَأَخبَرَتِنِي بِقَولِ أَهْلِ الإِفْكِ؛ فَازدَدتُ وَجَعًا عَلَى وَجَعِي، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: كَيْفَ تِيكُم؟).
وفي رواية الدشتي: (وَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: كَيفَ تِيكُم؟ فَقُلتُ لَه: أَتَأْذَنُ لِي أَن آتِيَ أَبَوَيَّ؟ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَن أَستَيقِنَ الْخَبَرَ مِن قِبْلِهِمَا).
وفي رواية النعالي: (فَأَذِنَ لِي، فَأَتيتُ أَبَوَيَّ؛ فَقُلتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّه).
وفي رواية الدشتي: (يَا أُمَّتَاه؛ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَت: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ).
وفي رواية النعالي: (مَا هَذَا الَّذِي يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهِ؟ قَالَت: هَوِّنِي عَلَيكِ يَا بُنَيَّةُ، فَقَلَّ امْرَأَةٌ حَظِيَّةٌ كَانَت عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا القَولَ).
وفي رواية الدشتي: (فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَة قَطُّ وَضِيئَةٌ عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ، إلَّا أكثرنَ عَلَيْهَا القَولَ: قَالَت فقُلتُ: سُبحَانَ اللهِ؛ وَلَقَد تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ فَبَكَيتُ تلك الليلَةَ حَتَّى أَصبَحتُ).
وفي رواية النعالي: (فقُلتُ: سُبْحَانَ اللهِ أو يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَت: نعم، فَمَكَثتُ يَومِي ذَلِكَ، وَلَيلَتِي المُقبِلَة؛ لَا يَرْقَأُ لِي دَمَعٌ وَلَا أَكتَحِلُ بِنَومٍ، وَظَنَّ أَبَوَايَ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، وَمَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِ بِيتٍ مِنَ العَرَبِ مَا دَخَلَ عَلَى آلِ أَبي بكر، قَالَت وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بن زَيدٍ يَستَشِيرهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ؛ حِينَ اسْتَلَبَثَ الوَحيُ عَلَيْهِ شَهِرًا، لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي أَمرِي شيءٌ، فَأَمَّا أُسَامَهُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعلَمُ مِن بَرَاءَةِ أَهلِهِ، وَالَّذِي فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُم أَهلُكَ وَلَا نَعلَمُ إِلَّا خَيرًا، قَالَت: وَأَمَّا عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ: لَمْ يُضَيَّقِ اللهُ عَلَيكَ؛ النِّساء سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَأَرسِل إِلَى الجَارِيَةِ تُخبِركَ).
وفي رواية الدشتي: (وَإِن تَسأَلِ الخَادِمَ تَصدُقكَ، قَالَت: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ لَهَا: أَي بَرِيرَةُ؛ هَلْ رَأَيتِ مِن شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟).
قال النعالي: (أَوْ رَأَيتِ شَيْئًا تَكرَهِينَهُ؟ قَالَتْ: أَحمِي سَمعِي وَبَصَرِي، عَائِشَةُ أَطيبُ مِن طِيبِ الذَّهَبِ).
وفي رواية الدشتي: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغمِصُهُ عَلَيْهَا
أَكثَرَ مِن أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَن عَجِين أَهْلِهَا، فَتَأتِي الدَّاجِنُ فَتَأكُلُهُ).
قال النعالي: (قَالَت: وَسَأَلَ رَسُولُ الله ﷺ زَيْنَبَ عَن أَمرِي، وَكَانَت هِيَ الَّتِي تُسَامِينِي مِن أَزْوَاجِ النَّبِي ﷺ، فَقَالَ: هَل عَلِمَتِ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ مِن شَيْءٍ تَكرَهِينَه؟، فَعَصَمَهَا اللهُ ﷿ بِالوَرَعِ، فَقَالَت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵁ مِن شَيْءٍ أَغمِصُهُ عَلَيْهَا، قَالَت: وَطَفِقَت حَمَنَةُ بِنتُ جَحِشٍ تُحَارِبُ لَهَا).
قال الدشتي: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ مَن يَعذُرُنِي مِن رَجُلٍ قَد بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؟).
وفي رواية النعالي: (وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَعَذَرَ إِلَى النَّاسِ مِن عَبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ [بن] سَلُولٍ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي تولَّى كِبَرَهُ، فَقَامَ عَلَى المَنبَرِ، فَقَالَ: يَا مَعَاشِرَ النَّاسِ، مَن يَعْذُرُنِي مِن رجلٍ قَد بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى? فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمتُ مِن أَهلِي إِلَّا خَيرًا، وَلَقَد ذَكَرُوا رَجُلا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدخُلُ [عَلَى] (١) أَهلِي إِلا مَعِي).
وفي رواية الدشتي: (وَمَا كَانَ يَدخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعدُ بْنُ مُعَادٍ - وَهُوَ سَيِّدُ الأَوسِ - فَقَالَ: أَنَا أَعذُرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِن كَانَ مِنَ الْأُوسِ ضَرَبتُ عُنُقَهِ، وَإِن كَانَ مِن إِخْوَانِنَا مِنَ الخَرْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمَرَكَ).
وفي رواية النعالي: (وَإِن كَانَ مِنَ الخَزرجِ أَتَينَا بِرَأْسِهِ؛ فَقَامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ - وكَانَ سَيِّد الخَزرَج - فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمرُ اللهِ، وَاللَّه إِن كَانَ مِنَ الخَزرَجِ لَا تَقْتُلُهُ؛
وَلا تَقدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَكَانَ قَبلَ ذَلِكَ رَجُلا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّة، فَقَامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعِدِ بن مُعَاذٍ - فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّه إِن كَانَ مِنَ الخَزْرَج، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ، وَثَارَ الحَيَّانِ: الأَوسُ وَالخَزرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَن يَقتَتِلُوا).
وفي رواية الدشتي: (فَتَثَاوَرَ الحَيَّانِ: الأوسُ وَالخَزرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَن يَقتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى المنبرِ يُخَفِّضُهُم حَتَّى سَكَتُوا).
وفي رواية النعالي: (يُخَفِّضُهُمْ وَيُسكِتُهُم حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: فَبَينَا أَنَا أَبكِي إِذا استأذنَت عَلَيَّ امْرَأَة مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الضَّعَفَة، فَأَذنتُ لَهَا، فَجَلَسَت مَعِي تَبكي).
وفي رواية الدشتي: (فَجَلَسَت تَبكِي مَعِي).
وفي رواية النعالي: (قَالَت: فَإِنَّا لجلوسٌ وَنَحْنُ عَلَى تِلكَ الحَالَ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَجَلَسَ إِلَى جَنبِي).
وفي رواية الدشتي: (قَالَت: وَلَم يَجلِس عِندِي مُنذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ).
وفي رواية النعالي: (مُنذُ قِيلَ فِي مَا قِيلَ).
وفي رواية الدشتي: (وَقَدْ لَبِثَ شَهِرًا لَا يُوحَى إِلَيهِ فِيَّ شَيْءٌ، قَالَت: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَد بَلَغَنِي عَنكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِن كُنتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ).
وفي رواية النعالي: (فَإِن كُنتِ بَرِيئَةً فَإِنَّ الله ﷿ سَيُبَرِّئُكِ، وَإِن كُنتِ
أَلْمَمتِ بِذَنبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيهِ، فَإِنَّ التَّوبَةَ مِنَ الذَّنبِ: النَّدَمُ وَالاستِغفَار).
وفي رواية الدشتي: (فَإِنَّ العَبدَ إِذَا اعتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهُ تَابَ اللهُ عَلَيهِ).
وفي رواية النعالي: (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَه قَلَصَ دَمِعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطرَةً. فَقُلتُ لأُمِّي: يَا أُمَّه؛ أَجِيبي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، فَقَالَت لي: يَا بُنَيَّة، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ أَجِب عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فيما قَالَ. فَقَالَ: يا بُنَيَّةُ؛ وَالله مَا أَدرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ).
وفي رواية الدشتي: (قَالَت قُلتُ - وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرآنِ -: إِنِّي وَاللهِ لَقَد عَلِمتُ أَنَّ هَذَا الأَمرَ قَد بَلَغَكُم وَاستَقَرَّ فِي أَنفُسِكُم).
وفي رواية الدشتي: (لَقَد سَمِعْتُمْ هَذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُم وَصَدَّقْتُم بِهِ، وَلَئن قُلتُ لَكُم إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ؛ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بِأَمرٍ يَعلَمُ اللهُ أَنِّي بَرِيئَةٌ مِنهُ لَتُصَدِّقُونِي).
وفي رواية الدشتي: (لَتُصَدِّقُنَّنِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُم مَثَلًا، إِلَّا أَبَا يُوسُفَ).
وفي رواية النعالي: (إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُف -[واختلف عَلَيَّ] (١) اسمُ يَعقُوبَ - ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ثُمَّ تَحَوَّلتُ
وَاصْطَجَعتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللهُ يَعْلَمُ حينئذٍ أَنِّي بريئةٌ).
وفي رواية الدشتي: (وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ الله ﷿ سَيُبَرِّئُنِي، وَلَكِنْ مَا كُنْتُ أَنْتَظر أَنَّ الله يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحقَرَ).
وفي رواية الدشتي: (وَلَشَأنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي عَيْنِي وَأَصْغَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ ﷿ في شيءٍ مِن شَأْنِي بِشَيءٍ، وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنَّ اللَّهَ ﷿ يُرِي نَبِيَّهُ فِي مَنَامِهِ رُؤيَا يَذْهَبُ بِما فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ).
وفي رواية الدشتي: (وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وفي رواية النعالي: (مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن مَجْلِسِهِ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؛ حَتَّى نُزِّلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ مِثْلَ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ عِندَ نُزُولِ الوَحيِ؛ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الوَحي).
وفي رواية الدشتي: (فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي، مِنْ ثِقَلِ القُرآنِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ، قَالَت فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكَانَ أَوَّلُ شيءٍ تَكَلَّمَ بِهِ - وَهُوَ يَضْحَكُ -: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا الله تعالى فَقَد بَرَّأَكِ، قَالَت وَتَلا عَلَيَّ هَذا العشر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]، فقَالَت أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَبِّلِي رَأْسَهُ. فَقُلتُ: لا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلا أَحمدُ إلا الله ﷿، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي مِنَ السَّمَاءِ.
فَقُلتُ لأَبي: يَا أَبَتِ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَعذُرَنِي عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ أَهْلُ الإفكِ مَا قَالُوا؟ قَالَ: يَا بُنَيَّةُ، وَكَيْفَ أَعْذُرُكِ بِمَا لا أَعلَمُ، وَأَيُّ أَرضِ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سماءٍ تُظِلُّنِي؛ إِذَا قُلتُ مَا لَا أَعْلَمُ؟ قَالَت: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يُنفِقُ عَلَى مِسطَحِ بن أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقرِهِ، فَحَلَفَ أَن لا يُنفِقَ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ فِي عَائِشَةَ ﵁ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فقَالَ أَبُو بَكرٍ ﵁: بَلَى وَاللَّهِ، لأُحِبُّ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسطَحَ النَّفَقَة الَّتِي كَانَ يُنفِقُ).
وفي رواية النعالي: (وَقَالَ: لا أَنزَعُهَا مِنهُ أَبَدًا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ حَدِيثِ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ) (١).
[شرح ما في حديث الإفك من الغريب]
قوله: (طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ)؛ الطائفة من الشيء: بعضُه، وقوله: (كَانَ أَوعَى)؛ أي: أحفظَ، يقال: وَعَيتُ العلم: إذا حَفِظتُه، وقوله: (اقتِصَاصًا)؛ أي: اتِّباعًا، قال صاحب المجمل (٢): اقتَصَصْت الحديث: إذا رويته على ما علمته، وهو من: اقتَصَصْت الأثر: إذا تتبَّعتُه، و (الهَودَجُ): مركب من مراكب النساء، يقال: تَهَدَّجت الناقة: ارتفع سِنامها كأنه هودجٌ، والهدجان: مشية الشيخ، وهدجت الريح حنت، والتَّهَدُّجُ: تقطُّع الصوت، وهدج الظليم: مشى في
ارتعاشٍ، وقوله: (وَلَم يُهَبَّلَنَ)؛ المُهَبَّلُ: الرجل الثقيل الكثير اللحم، قال: فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلِ (١).
وفي رواية: (لَمْ يُهَبِّلُهُنَّ اللَّحْمُ) (٢)؛ أي لم يكثُر عليهنَّ اللحمُ، وفي رواية: (وَأَنَا يَومَئِذٍ جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنّ لَم أَحمِل اللَّحمَ)، وقوله: (أَقرعَ بَينَ نِسَائِهِ)؛ فيه سنة القُرعة بين النساء إذا أراد الزوج السفر، ولا يحتسب على المرأة أيام السفر إذا رجعت من سفرها، ومن فقه الحديث أن القلة في الطّعم محمودة لأنها قالت: (إِنَّمَا كُنَّا نأكُل العُلْقَةَ)؛ العُلْقَة: اليسير من الطعام، أي: تتماسك به دون الشِّبع، وفي المثل: لَيْسَ المُتَعلِّقُ كالمتأنِّقِ (٣)، أي: ليس من يتبلغ بالشيء اليسير؛ كمن يتأنق يأكل ما شاء، ويقال: ما يأكل فلان إلا عُلْقَة، أي: ما يمسك به نفسه، ويقال: بل العُلْقَة ما يأكله بُكرة قبل الغَداء، والعَلَاق أيضا؛ والعَلَق: ما تتبلغ به الماشية من الشجر، وهي العلقة، ويتبلغ: أي يتجزأ، قال الشاعر:
وفَلاةٍ كأنها ظَهْرُ تُرْسٍ … ليس إلا الرَّجيعَ فيها عَلاقُ (٤)
يقول لا تجد الإبل فيها عَلاقا، إلا ما تردده من جرتها، والظبية تعلق: إذا تناولت الشجر، وفي الحديث في ذكر الشهداء أن أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضرٍ، تَعْلُقُ من ورق الجنة (٥).
وقوله: (أَذِنَ لَيلَةً بِالرَّحِيلِ)، وروي: (آذَنَ)؛ أي: أعلم، قال أهل اللغة (١): آذنته أعلمته، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، أي: أعلمتكم ما ينزل علي من الوحي لتستووا في الإيمان به، وقوله: (وَقَفَلَ)؛ أي: رجع من الغزو، والقافلة: الراجعة من السفر، وقولها: (أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحلِ)؛ الرَّحْلُ: منزل الرجل ومأواه، وقوله: (مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ)؛ الجَزْعُ: الخرز، وأظفار [ … ] (٢) عود؛ وكأنه يثقب ويجعل في القلادة، و (العِقْدُ): القلادة، وروي: (مِنْ جَزْعِ ظفارِ)؛ وظفار بكسر الراء من غير تنوين: مدينة باليمن ينسب إليها هذا الجَزع، وفي المثل: مَنْ دَخَلَ ظفارِ حَمَّرَ (٣)، أي: من دخل هذه المدينة تكلم بالحِميَرِية، وفي رواية خارج الصحيح: (إِنَّمَا كُنَّ يَأْكُلْنَ الغُفَّةَ مِنَ الطَّعَامِ) (٤) الغُفَّة: البُلغة من العيش، يعني: اليسير، قال:
وغُفّةٌ مِن قِوَامِ العَيشِ تكفِيِني (٥)
وقولها: (حِينَ رَحَلُوهُ)؛ أي: وضعوه على البعير، قال أهل اللغة (٦): رَحَلَه: إذا أظعنه من مكانه، وقولها: (فَبَعَثُوا الجَمَلَ)؛ أي: أقاموه، (وَاسْتَمَرَّ الجَيشُ)؛ أي مَرُّوا، (فَتَيَمَّمْتُ)؛ أي: قصدت، قال:
تَيمَّمْتُ قَيْسًا، وَكَمْ دُونَهُ … مِنَ الأَرض مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ (١)
وقولها: (سَيَفقِدُونِي)؛ أي: يطلبوني فلا يجدوني فيسعون في طلبي، وقولها: (قَد عَرَّسَ)؛ أي: نزل وقت السحر، وقولها: (فَادَّلَجَ) يقال: أَدْلَج القوم: إذا قطعوا الليل كلَّه سيرًا، وادَّلجوا إذا خرجوا من آخر الليل بتشديد الدال، وقولها: (فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِه)؛ تعني قوله إنا لله وإنا إليه راجعون، وقولها: (فَرَأَى سَوَادَ إِنسَانٍ)؛ أي شخص إنسانٍ (فَخَمَّرْتُ وَجْهِي)؛ أي: سترت، (بجِلبَابي)؛ أي بردائي، (أَنَاخَ): أي: أبرك، (ثُمَّ وَطِئ عَلَى يَدِهَا)؛ أي: وضع رجله على يد الراحلة؛ لئلا تقوم قبل أن أركب.
وقولها: (مُوغِرِينَ): الوَغْرَة: شدة الحر، وأوغر دخل في وقت شدة الحر، وأوغر صدره؛ أي أحماه من الغيظ، ووَغَر صدرُه عليه يَوْغَرُ: إذا اغتاظ، والوَغِيرُ: لحم يُشوى على الرَّمضاء، و (نَحْرُ الظَّهِيرَة): أولها، وقولها: (فَأَفَاضَ أَهلُ الإِفْكِ فِي قولِهِم) (٢) وفي الصحيح: (والناس يفيضون في قول أهل الإفك)؛ يقال: أفاض في الحديث، أي: أخذ فيه ودفع، وقولها: (يَرِيبُنِي) أي: يشككني، قال خالد بن زهير الهذلي (٣):
يَا قَوْمِ مَالِي وأَبا ذُؤَيبِ … كنتُ إِذا أَتَوْتُه مِنْ غَيْبِ
يَشَمُّ عِطْفِي ويَبُزُّ ثَوْبي … كأَنَّما أَرَبْتُه بِرَيْبِ
قيل كان أبو ذؤيب يرسل بخالد - وهو ابن أخته - إلى امرأة يهواها يقال
لها أم عمرو، فراودت أمُّ عمرٍو خالدا عن نفسه، فأبى ذلك حينًا، ثم طاوعها، فلما رجع إلى أبي ذؤيب، قال: والله إني لأجد ريح أم عمرٍو منك، ثم جعل لا يأتيه إلا استراب، وقال خالد هذا الشعر، وله معه حديث طويل (١).
والغَيْبُ: ما استتر، والعِطف: الجانب، ويَبُزُّ ثوبي: أي يجذبه إليه، وأَرَابَ: إذا ظهر منه ما يُتَّهم به، والرَّيْبُ: الشك، يقال: رابني هذا الأمر: إذا أدخل عليك شكا.
و (نَقَهْتُ مِنَ المَرَضِ) بفتح القاف؛ أي برأت، وقولها: (وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا)؛ أي: الموضع الذي نبرز إليه لقضاء الحاجة، والمَنَاصِعُ): اسم بَرِّيَة بباب المدينة، و (الكُنُفُ): جمع الكنيف، و (التَّنَزُّه): الخروج إلى الصحراء لحاجة، و (المِرْطُ): الإزار المخطط، وقولها: (تَعِسَ مِسْطَحٌ): دعاء عليه، وقولها: (قَالَت: أَيْ هَنْتَاهُ)، يقال: في الكناية عن الشخص المذكر: ياهَنَاه، وعن المؤنث: يا هَنْتَاه، وأي: حرف نداء، و (تِيكُم): إشارة إلى مؤنث، وخطاب إلى جماعة، و (الحَظِيَّة) (٢): الوجيهة ذات المنزلة، و (الوَضِيئَة): الجميلة الحسنة، و (الضَّرَائِرُ): جمع الضَّرَّة، والضَّرَّة: المرأة التي تُنكح على امرأة كانت قبلها، ثم يقع هذا الاسم عليهما جميعا، و (لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ)؛ أي: لا ينقطع، (وَلَا أَكْتَحِل بِنَومٍ)؛ أي: لا أنام، و (اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ)؛ أي: لبث ووقف ولم ينزل، وقوله: (تَصْدُقْكَ): أي تقل لك الصدق، و (أَغْمِصُه)؛ أي: أعيبه، يقال: غَمِصته أغمصه، وفي لغة أخرى: غَمَصته بفتح الميم أعْمَصه، وقولها: (أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي)؛ أي أصون سمعي وبصري من أن أقول سمعت ولم أسمع، وبصرت ولم أبصر، و (الدَّاجِنُ):
الشاة التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى.
و (تُسَامِينِي): من المساماة، مفاعلة وهي من السُّمُو، أي: تفاخرني وتجاريني، و (طَفِقَت حَمْنَة تُحَارِبُ لَها)؛ أي: أخذت في المحاربة لها، أي: لأجل أختها، كانت زينب ضرة عائشة ﵂، فكانت لا تقول في حق عائشة ﵂ إلا الجميل، وكانت أختها حَمْنَة تتعصب لأختها، فتسمع ما يذكر الناس وتقوله.
وفي الحديث ترك الخوض فيما لا يُستيقن، والاحتراز من البهت والكذب والقذف، وفي الحديث أن المكذوب عليه يتوجع مما يقال فيه، وفيه أن على الزوج أن لا يقبل قول الحاسد في امرأته، وفيه أن الذنب وإن عظُم، فإن الندم والاستغفار يكفرانه، لقوله ﷺ: (إن كُنتِ ألمَمتِ بِذَنْبٍ فَاستَغفِرِي الله)؛ أي: (إِن إن كنت أصبت ذنبا، وأصله من اللّمَم، واللمم: مقاربة المعصية من غير مواقعة، وألممت بالرحل إلماما إذا نزلت به، وقاربته والمُلِمَّة: النازلة تنزل بالمرء، قال (١):
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا … وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا
وقوله: (مَا رَامَ مَجْلِسَه)؛ أي: ما برح، وقوله: (فَتَثَاوَرَ الحَيَّانِ) (٢)؛ أي تواثبا، وقوله: (يُخَفِّضُهُمْ)؛ [أي: يقول لهم: اخفضوا] (٣) أصواتكم و (يُسْكِتُهُم) (٤)؛ أي: يقول لهم: اسكتوا، و (قَلَصَ دَمعِي)؛ أي: ارتفع، (حَتَّى مَا