الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ١٠٨٤
الحديث رقم ١٠٨٤ من كتاب «كتاب الحج» في موطأ مالك، تحت باب: باب العمل في الهدي حين يساق.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: «الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ»
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ «يُجَلِّلُ بُدْنَهُ الْقُبَاطِيَّ، وَالْأَنْمَاطَ وَالْحُلَلَ. ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ فَيَكْسُوهَا إِيَّاهَا»
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ، مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ بِجِلَالِ بُدْنِهِ حِينَ كُسِيَتِ الْكَعْبَةُ هَذِهِ الْكِسْوَةَ؟ قَالَ: «كَانَ يَتَصَدَّقُ بِهَا»
١٤٧ - وحَدَّثَنِي مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: «فِي الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ، الثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ»
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ «لَا يَشُقُّ جِلَالَ بُدْنِهِ وَلَا يُجَلِّلُهَا حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ»
١٤٦ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا طَعَنَ فِي سَنَامِ هَدْيِهِ، وَهُوَ يُشْعِرُهُ قَالَ:
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا طَعَنَ فِي سَنَامِ هَدْيِهِ وَهُوَ يُشْعِرُهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ
ــ
٨٥٥ - ٨٤٥ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا طَعَنَ) ، أَيْ ضَرَبَ (فِي سَنَامِ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ (هَدْيِهِ وَهُوَ يُشْعِرُهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ) امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: ١٨٥] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٥) .
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ
ــ
٨٥٦ - ٨٤٦
- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ) ، فَغَيْرُهُ لَيْسَ بِهَدْيٍ إِنِ اشْتَرَاهُ بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ إِلَى الْحِلِّ وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، فَإِنْ سَاقَهُ مِنَ الْحِلِّ اسْتَحَبَّ وُقُوفَهُ بِعَرَفَةَ بِهِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ كَمَا فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَفِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْإِشْعَارَ سُنَّةٌ، وَفَائِدَتُهُ الْإِعْلَامُ بِأَنَّهَا صَارَتْ هَدْيًا لِيَتَّبِعَهَا مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، وَحَتَّى لَوِ اخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا تَمَيَّزَتْ، أَوْ ضَلَّتْ عُرِفَتْ، أَوْ عَطِبَتْ عَرَفَهَا الْمَسَاكِينُ بِالْعَلَامَةِ، فَأَكَلُوهَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شِعَارِ الشَّرْعِ، وَحَثِّ الْغَيْرِ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا وَعَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ، وَكَانَ مَشْرُوعًا قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ بِالِاحْتِمَالِ، بَلْ وَقَعَ الْإِشْعَارُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ بِزَمَانٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَغَيْرُهُ: الِاعْتِلَالُ بِأَنَّهُ مِنَ الْمُثْلَةِ مَرْدُودٌ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابٍ آخَرَ كَالْكَيِّ، وَشَقِّ أُذُنِ الْحَيَوَانِ لِيَصِيرَ عَلَامَةً، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَسْمِ، وَكَالْخِتَانِ وَالْحِجَامَةِ، وَشَفَقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى مَالِهِ عَادَةً، فَلَا يُتَوَهَّمُ سَرَيَانُ الْجُرْحِ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْهَلَاكِ، وَقَدْ كَثُرَ تَشْنِيعُ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي إِطْلَاقِ كَرَاهَةِ الْإِشْعَارِ حَتَّى قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هَذِهِ طَامَّةٌ مِنْ طَوَامِّ الْعَالَمِ أَنْ تَكُونَ مُثْلَةً شَيْءٌ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُفٍّ لِكُلِّ عَاقِلٍ يَتَعَقَّبُ حُكْمَهُ، قَالَ: وَهَذِهِ قَوْلَةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ لَا يُعْلَمُ لَهُ فِيهَا مُتَقَدِّمٌ مِنَ السَّلَفِ، وَلَا مُوَافِقٌ مِنْ فُقَهَاءِ عَصْرِهِ إِلَّا مَنْ قَلَّدَهُ، وَلِذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَقَالَا بِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ النَّخَعِيَّ وَافَقَهُ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا السَّائِبِ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ وَكِيعٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ الْإِشْعَارَ مُثْلَةٌ، فَقَالَ وَكِيعٌ: أَقُولُ لَكَ أَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ، وَتَقُولُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ! مَا أَحَقَّكَ بِأَنْ تُحْبَسَ، وَقَدِ انْتَصَرَ الطَّحَاوِيُّ، فَقَالَ: لَمْ يَكْرَهْ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَ الْإِشْعَارِ، وَإِنَّمَا كَرِهَ مَا يُفْعَلُ عَلَى وَجْهٍ يُخَافُ مِنْهُ هَلَاكُ الْبُدْنِ لِسَرَايَةِ الْجُرْحِ لَا سِيَّمَا مَعَ الطَّعْنِ بِالشَّفْرَةِ، فَأَرَادَ سَدَّ الْبَابِ عَنِ الْعَامَّةِ، لِأَنَّهُمْ لَا يُرَاعُونَ الْحَدَّ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَارِفًا بِالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ فَلَا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ التَّخْيِيرَ فِي الْإِشْعَارِ، وَتَرْكِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ مَكْرُوهٍ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِثُبُوتِ فِعْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُجَلِّلُ بُدْنَهُ الْقُبَاطِيَّ وَالْأَنْمَاطَ وَالْحُلَلَ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ فَيَكْسُوهَا إِيَّاهَا
ــ
٨٥٧ - ٨٤٧ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُجَلِّلُ بُدْنَهُ) ، أَيْ يَكْسُوهَا الْجِلَالَ - بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَخِفَّةِ اللَّامِ - جَمْعُ جُلٍّ - بِضَمِّ الْجِيمِ - مَا يُجْعَلُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ (الْقَبَاطِيِّ) - بِالْقَافِ - جَمْعُ
الْقُبْطِيِّ - بِالضَّمِّ - ثَوْبٌ رَقِيقٌ مِنْ كِتَّانٍ يُعْمَلُ بِمِصْرَ نِسْبَةً إِلَى الْقِبْطِ - بِالْكَسْرِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ - فُرِّقَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالثَّوْبِ.
(وَالْأَنْمَاطَ) جَمْعُ نَمَطٍ - بِفَتْحَتَيْنِ - ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ ذُو لَوْنٍ مِنْ أَلْوَانٍ، وَلَا يَكَادُ يُقَالُ لِلْأَبْيَضِ نَمَطٌ، (وَالْحُلَلَ) جَمْعُ حُلَّةٍ - بِضَمِّ الْحَاءِ - لَا يَكُونُ إِلَّا ثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، (ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ فَيَكْسُوهَا إِيَّاهَا) ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لِأَنَّ كِسْوَتَهَا مِنَ الْقُرَبِ، وَكَرَائِمِ الصَّدَقَاتِ، وَكَانَتْ تُكْسَى مِنْ زَمَنِ تُبَّعٍ الْحِمْيَرِيِّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُجَمِّلُ بِهَا بُدْنَهُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِلَّهِ فَتَعْظِيمُهُ وَتَجْمِيلُهُ مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ، ثُمَّ يَكْسُوهَا الْكَعْبَةَ فَيَحْصُلُ عَلَى فَضِيلَتَيْنِ، وَعَمَلَيْنِ مِنَ الْبِرِّ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ بِجِلَالِ بُدْنِهِ حِينَ كُسِيَتْ الْكَعْبَةُ هَذِهِ الْكِسْوَةَ قَالَ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِهَا
ــ
٨٥٨ - ٨٤٨ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ بِجِلَالِ) - بِجِيمٍ مَكْسُورَةٍ، وَلَامٍ خَفِيفَةٍ - (بُدْنِهِ حِينَ كُسِيَتِ الْكَعْبَةُ هَذِهِ الْكِسْوَةَ؟ قَالَ: كَانَ يَتَصَدَّقُ بِهَا) ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَيْسَ التَّصَدُّقُ بِجِلَالِ الْبُدْنِ فَرْضًا، وَإِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ أَهْدَاهُ لِلَّهِ، وَلَا فِي شَيْءٍ أُضِيفَ إِلَيْهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ عَلِيٍّ: " «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ الْبُدْنِ الَّتِي نُحِرَتْ، وَبِجُلُودِهَا» "، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّجْلِيلِ، وَالتَّصَدُّقِ بِذَلِكَ الْجِلِّ، وَلَفْظُ أَمَرَ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي صِيغَةِ أَفْعَلَ، لَا لَفْظِ أَمَرَ.
وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ الثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ
ــ
٨٥٩ - ٨٤٩ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ) ، أَيِ الْهَدَايَا (الثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ) لَا مَا دُونَهُ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَشُقُّ جِلَالَ بُدْنِهِ وَلَا يُجَلِّلُهَا حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ
ــ
٨٦٠ - ٨٥٠ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَشُقُّ جِلَالَ بُدْنِهِ، وَلَا يُجَلِّلُهَا حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ) ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ بَكِيرٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: زَادَ فِيهِ
غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا مَوْضِعَ السَّنَامِ، وَإِذَا نَحَرَهَا نَزَعَ جِلَالَهَا مَخَافَةَ أَنْ يُفْسِدَهَا الدَّمُ، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا، أَيْ لِئَلَّا تَسْقُطَ، وَلِيَظْهَرَ الْإِشْعَارُ لِئَلَّا يَسْتَتِرَ تَحْتَهَا.
وَنَقَلَ عِيَاضٌ: أَنَّ التَّجْلِيلَ يَكُونُ بَعْدَ الْإِشْعَارِ، لِئَلَّا يَتَلَطَّخَ بِالدَّمِ، وَإِنْ شُقَّ الْجِلَالُ مِنَ الْأَسْنِمَةِ، قُلْتُ: قِيمَتُهَا، فَإِنْ كَانَتْ نَفِيسَةً لَمْ تُشَقُّ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُجَلِّلُ بُدْنَهُ الْأَنْمَاطَ وَالْبُرُودَ وَالْحُبُرَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ يَنْزِعُهَا فَيَطْوِيهَا حَتَّى يَكُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَيُلْبِسُهَا إِيَّاهَا، حَتَّى يَنْحَرَهَا، ثُمَّ يَتَصَدَّقَ بِهَا، قَالَ نَافِعٌ: وَرُبَّمَا دَفَعَهَا إِلَى بَنِي شَيْبَةَ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي هَذَا كُلِّهِ اسْتِحْبَابُ التَّقْلِيدِ وَالتَّجْلِيلِ وَالْإِشْعَارِ؛ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ إِظْهَارَ التَّقَرُّبِ بِالْهَدْيِ أَفْضَلُ مِنْ إِخْفَائِهِ، وَالْمُقَرَّرُ إِخْفَاءُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ غَيْرِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ إِظْهَارِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظُّهُورِ كَالْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ، فَكَانَ الْإِشْعَارُ وَالتَّقْلِيدُ كَذَلِكَ، فَيُخَصُّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ الْإِخْفَاءِ، وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ وَغَيْرِهِمَا إِظْهَارُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَهْدِيهَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْعَثَهَا مَعَ مَنْ يُقَلِّدُهَا وَيُشْعِرُهَا، وَلَا يَقُولُ أَنَّهَا لِفُلَانٍ، فَتَحْصُلُ سُنَّةُ التَّقْلِيدِ مَعَ كِتْمَانِ الْعَمَلِ، وَأَبْعَدُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ إِذَا شَرَعَ فِيهِ صَارَ فَرْضًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: إِنَّ التَّقْلِيدَ جُعِلَ عِلْمًا لِكَوْنِهَا هَدْيًا حَتَّى لَا يَطْمَعَ صَاحِبُهَا فِي الرُّجُوعِ فِيهَا، انْتَهَى. وَلَعَلَّ الْجَوَابَ بِالتَّخْصِيصِ أَوْلَى.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا طَعَنَ فِي سَنَامِ هَدْيِهِ وَهُوَ يُشْعِرُهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ
ــ
٨٥٥ - ٨٤٥ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا طَعَنَ) ، أَيْ ضَرَبَ (فِي سَنَامِ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ (هَدْيِهِ وَهُوَ يُشْعِرُهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ) امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: ١٨٥] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٥) .
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ
ــ
٨٥٦ - ٨٤٦
- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ) ، فَغَيْرُهُ لَيْسَ بِهَدْيٍ إِنِ اشْتَرَاهُ بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ إِلَى الْحِلِّ وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، فَإِنْ سَاقَهُ مِنَ الْحِلِّ اسْتَحَبَّ وُقُوفَهُ بِعَرَفَةَ بِهِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ كَمَا فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَفِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْإِشْعَارَ سُنَّةٌ، وَفَائِدَتُهُ الْإِعْلَامُ بِأَنَّهَا صَارَتْ هَدْيًا لِيَتَّبِعَهَا مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، وَحَتَّى لَوِ اخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا تَمَيَّزَتْ، أَوْ ضَلَّتْ عُرِفَتْ، أَوْ عَطِبَتْ عَرَفَهَا الْمَسَاكِينُ بِالْعَلَامَةِ، فَأَكَلُوهَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شِعَارِ الشَّرْعِ، وَحَثِّ الْغَيْرِ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا وَعَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ، وَكَانَ مَشْرُوعًا قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ بِالِاحْتِمَالِ، بَلْ وَقَعَ الْإِشْعَارُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ بِزَمَانٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَغَيْرُهُ: الِاعْتِلَالُ بِأَنَّهُ مِنَ الْمُثْلَةِ مَرْدُودٌ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابٍ آخَرَ كَالْكَيِّ، وَشَقِّ أُذُنِ الْحَيَوَانِ لِيَصِيرَ عَلَامَةً، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَسْمِ، وَكَالْخِتَانِ وَالْحِجَامَةِ، وَشَفَقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى مَالِهِ عَادَةً، فَلَا يُتَوَهَّمُ سَرَيَانُ الْجُرْحِ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْهَلَاكِ، وَقَدْ كَثُرَ تَشْنِيعُ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي إِطْلَاقِ كَرَاهَةِ الْإِشْعَارِ حَتَّى قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هَذِهِ طَامَّةٌ مِنْ طَوَامِّ الْعَالَمِ أَنْ تَكُونَ مُثْلَةً شَيْءٌ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُفٍّ لِكُلِّ عَاقِلٍ يَتَعَقَّبُ حُكْمَهُ، قَالَ: وَهَذِهِ قَوْلَةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ لَا يُعْلَمُ لَهُ فِيهَا مُتَقَدِّمٌ مِنَ السَّلَفِ، وَلَا مُوَافِقٌ مِنْ فُقَهَاءِ عَصْرِهِ إِلَّا مَنْ قَلَّدَهُ، وَلِذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَقَالَا بِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ النَّخَعِيَّ وَافَقَهُ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا السَّائِبِ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ وَكِيعٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ الْإِشْعَارَ مُثْلَةٌ، فَقَالَ وَكِيعٌ: أَقُولُ لَكَ أَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ، وَتَقُولُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ! مَا أَحَقَّكَ بِأَنْ تُحْبَسَ، وَقَدِ انْتَصَرَ الطَّحَاوِيُّ، فَقَالَ: لَمْ يَكْرَهْ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَ الْإِشْعَارِ، وَإِنَّمَا كَرِهَ مَا يُفْعَلُ عَلَى وَجْهٍ يُخَافُ مِنْهُ هَلَاكُ الْبُدْنِ لِسَرَايَةِ الْجُرْحِ لَا سِيَّمَا مَعَ الطَّعْنِ بِالشَّفْرَةِ، فَأَرَادَ سَدَّ الْبَابِ عَنِ الْعَامَّةِ، لِأَنَّهُمْ لَا يُرَاعُونَ الْحَدَّ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَارِفًا بِالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ فَلَا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ التَّخْيِيرَ فِي الْإِشْعَارِ، وَتَرْكِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ مَكْرُوهٍ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِثُبُوتِ فِعْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُجَلِّلُ بُدْنَهُ الْقُبَاطِيَّ وَالْأَنْمَاطَ وَالْحُلَلَ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ فَيَكْسُوهَا إِيَّاهَا
ــ
٨٥٧ - ٨٤٧ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُجَلِّلُ بُدْنَهُ) ، أَيْ يَكْسُوهَا الْجِلَالَ - بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَخِفَّةِ اللَّامِ - جَمْعُ جُلٍّ - بِضَمِّ الْجِيمِ - مَا يُجْعَلُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ (الْقَبَاطِيِّ) - بِالْقَافِ - جَمْعُ
الْقُبْطِيِّ - بِالضَّمِّ - ثَوْبٌ رَقِيقٌ مِنْ كِتَّانٍ يُعْمَلُ بِمِصْرَ نِسْبَةً إِلَى الْقِبْطِ - بِالْكَسْرِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ - فُرِّقَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالثَّوْبِ.
(وَالْأَنْمَاطَ) جَمْعُ نَمَطٍ - بِفَتْحَتَيْنِ - ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ ذُو لَوْنٍ مِنْ أَلْوَانٍ، وَلَا يَكَادُ يُقَالُ لِلْأَبْيَضِ نَمَطٌ، (وَالْحُلَلَ) جَمْعُ حُلَّةٍ - بِضَمِّ الْحَاءِ - لَا يَكُونُ إِلَّا ثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، (ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ فَيَكْسُوهَا إِيَّاهَا) ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لِأَنَّ كِسْوَتَهَا مِنَ الْقُرَبِ، وَكَرَائِمِ الصَّدَقَاتِ، وَكَانَتْ تُكْسَى مِنْ زَمَنِ تُبَّعٍ الْحِمْيَرِيِّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُجَمِّلُ بِهَا بُدْنَهُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِلَّهِ فَتَعْظِيمُهُ وَتَجْمِيلُهُ مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ، ثُمَّ يَكْسُوهَا الْكَعْبَةَ فَيَحْصُلُ عَلَى فَضِيلَتَيْنِ، وَعَمَلَيْنِ مِنَ الْبِرِّ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ بِجِلَالِ بُدْنِهِ حِينَ كُسِيَتْ الْكَعْبَةُ هَذِهِ الْكِسْوَةَ قَالَ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِهَا
ــ
٨٥٨ - ٨٤٨ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ بِجِلَالِ) - بِجِيمٍ مَكْسُورَةٍ، وَلَامٍ خَفِيفَةٍ - (بُدْنِهِ حِينَ كُسِيَتِ الْكَعْبَةُ هَذِهِ الْكِسْوَةَ؟ قَالَ: كَانَ يَتَصَدَّقُ بِهَا) ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَيْسَ التَّصَدُّقُ بِجِلَالِ الْبُدْنِ فَرْضًا، وَإِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ أَهْدَاهُ لِلَّهِ، وَلَا فِي شَيْءٍ أُضِيفَ إِلَيْهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ عَلِيٍّ: " «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ الْبُدْنِ الَّتِي نُحِرَتْ، وَبِجُلُودِهَا» "، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّجْلِيلِ، وَالتَّصَدُّقِ بِذَلِكَ الْجِلِّ، وَلَفْظُ أَمَرَ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي صِيغَةِ أَفْعَلَ، لَا لَفْظِ أَمَرَ.
وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ الثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ
ــ
٨٥٩ - ٨٤٩ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ) ، أَيِ الْهَدَايَا (الثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ) لَا مَا دُونَهُ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَشُقُّ جِلَالَ بُدْنِهِ وَلَا يُجَلِّلُهَا حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ
ــ
٨٦٠ - ٨٥٠ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَشُقُّ جِلَالَ بُدْنِهِ، وَلَا يُجَلِّلُهَا حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ) ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ بَكِيرٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: زَادَ فِيهِ
غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا مَوْضِعَ السَّنَامِ، وَإِذَا نَحَرَهَا نَزَعَ جِلَالَهَا مَخَافَةَ أَنْ يُفْسِدَهَا الدَّمُ، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا، أَيْ لِئَلَّا تَسْقُطَ، وَلِيَظْهَرَ الْإِشْعَارُ لِئَلَّا يَسْتَتِرَ تَحْتَهَا.
وَنَقَلَ عِيَاضٌ: أَنَّ التَّجْلِيلَ يَكُونُ بَعْدَ الْإِشْعَارِ، لِئَلَّا يَتَلَطَّخَ بِالدَّمِ، وَإِنْ شُقَّ الْجِلَالُ مِنَ الْأَسْنِمَةِ، قُلْتُ: قِيمَتُهَا، فَإِنْ كَانَتْ نَفِيسَةً لَمْ تُشَقُّ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُجَلِّلُ بُدْنَهُ الْأَنْمَاطَ وَالْبُرُودَ وَالْحُبُرَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ يَنْزِعُهَا فَيَطْوِيهَا حَتَّى يَكُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَيُلْبِسُهَا إِيَّاهَا، حَتَّى يَنْحَرَهَا، ثُمَّ يَتَصَدَّقَ بِهَا، قَالَ نَافِعٌ: وَرُبَّمَا دَفَعَهَا إِلَى بَنِي شَيْبَةَ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي هَذَا كُلِّهِ اسْتِحْبَابُ التَّقْلِيدِ وَالتَّجْلِيلِ وَالْإِشْعَارِ؛ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ إِظْهَارَ التَّقَرُّبِ بِالْهَدْيِ أَفْضَلُ مِنْ إِخْفَائِهِ، وَالْمُقَرَّرُ إِخْفَاءُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ غَيْرِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ إِظْهَارِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظُّهُورِ كَالْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ، فَكَانَ الْإِشْعَارُ وَالتَّقْلِيدُ كَذَلِكَ، فَيُخَصُّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ الْإِخْفَاءِ، وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ وَغَيْرِهِمَا إِظْهَارُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَهْدِيهَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْعَثَهَا مَعَ مَنْ يُقَلِّدُهَا وَيُشْعِرُهَا، وَلَا يَقُولُ أَنَّهَا لِفُلَانٍ، فَتَحْصُلُ سُنَّةُ التَّقْلِيدِ مَعَ كِتْمَانِ الْعَمَلِ، وَأَبْعَدُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ إِذَا شَرَعَ فِيهِ صَارَ فَرْضًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: إِنَّ التَّقْلِيدَ جُعِلَ عِلْمًا لِكَوْنِهَا هَدْيًا حَتَّى لَا يَطْمَعَ صَاحِبُهَا فِي الرُّجُوعِ فِيهَا، انْتَهَى. وَلَعَلَّ الْجَوَابَ بِالتَّخْصِيصِ أَوْلَى.