الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ١٧٨٣
الحديث رقم ١٧٨٣ من كتاب «كتاب البيوع» في موطأ مالك، تحت باب: باب جامع الدين والحول.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٨٥ - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أَبِيعُ بِالدَّيْنِ، فَقَالَ سَعِيدٌ:
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ إِنِّي رَجُلٌ أَبِيعُ بِالدَّيْنِ فَقَالَ سَعِيدٌ لَا تَبِعْ إِلَّا مَا آوَيْتَ إِلَى رَحْلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِمَّا لِسُوقٍ يَرْجُو نَفَاقَهَا فِيهِ وَإِمَّا لِحَاجَةٍ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُخْلِفُهُ الْبَائِعُ عَنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ فَيُرِيدُ الْمُشْتَرِي رَدَّ تِلْكَ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي وَإِنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُ وَإِنَّ الْبَائِعَ لَوْ جَاءَ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ لَمْ يُكْرَهْ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَكْتَالُهُ ثُمَّ يَأْتِيهِ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فَيُخْبِرُ الَّذِي يَأْتِيهِ أَنَّهُ قَدْ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَوْفَاهُ فَيُرِيدُ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَأْخُذَهُ بِكَيْلِهِ إِنَّ مَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِنَقْدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ حَتَّى يَكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا كُرِهَ الَّذِي إِلَى أَجَلٍ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا وَتَخَوُّفٌ أَنْ يُدَارَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ فَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ وَلَا حَاضِرٍ إِلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَلَا عَلَى مَيِّتٍ وَإِنْ عَلِمَ الَّذِي تَرَكَ الْمَيِّتُ وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَ ذَلِكَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى أَيَتِمُّ أَمْ لَا يَتِمُّ قَالَ وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى دَيْنًا عَلَى غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ أَنَّهُ لَا يُدْرَى مَا يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ بِهِ فَإِنْ لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ ذَهَبَ الثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَى الْمُبْتَاعُ بَاطِلًا قَالَ مَالِكٌ وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا عَيْبٌ آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ ذَهَبَ ثَمَنُهُ بَاطِلًا فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ إِلَّا مَا عِنْدَهُ وَأَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْعِينَةِ إِنَّمَا يَحْمِلُ ذَهَبَهُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا فَيَقُولُ هَذِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَمَا تُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ لَكَ بِهَا فَكَأَنَّهُ يَبِيعُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ فَلِهَذَا كُرِهَ هَذَا وَإِنَّمَا تِلْكَ الدُّخْلَةُ وَالدُّلْسَةُ
ــ
١٣٨٠ - ١٣٦٢ - (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أَبِيعُ بِالدَّيْنِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: لَا تَبِعْ إِلَّا مَا آوَيْتَ إِلَى رَحْلِكَ) قَالَ الْبَاجِيُّ: لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ يُدَايِنُ النَّاسَ خَافَ عَلَيْهِ الْعِينَةَ لِذَرِيعَةٍ، أَنْ يَبِيعَ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ أَوْ مَا يَشْتَرِيهِ بَعْدَ مُوَافَقَةِ الْمُبْتَاعِ مِنْهُ عَلَى بَيْعِهِ بِثَمَنٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا يُوَلَّى قَبْضَهُ هَذَا الْمُبْتَاعُ الْأَخِيرُ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ ثَمَنَهُ
الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ فِي ثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ بِهِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِمَّا لِسُوقٍ يَرْجُو نَفَاقَهُ) بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ رَوَاجَهُ لِيَرْبَحَ فِي السِّلْعَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ نَفَاقَهَا، أَيِ السِّلْعَةِ بِهِ (وَإِمَّا لِحَاجَةٍ) لَهُ بِالسِّلْعَةِ (فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي اشْتَرَطَ عَلَيْهِ) أَنْ يُوَفِّيَهَا إِيَّاهُ فِيهِ (ثُمَّ يُخْلِفُهُ الْبَائِعُ عَنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ فَيُرِيدُ الْمُشْتَرِي رَدَّ تِلْكَ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي، وَأَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ (وَأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ جَاءَ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ لَمْ يُكْرَهِ) أَيْ يُجْبَرِ (الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا) لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي التَّأْخِيرِ الَّذِي وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَيْهِ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَكْتَالُهُ ثُمَّ يَأْتِيهِ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فَيُخْبِرُ) أَيْ يُعْلِمُ (الَّذِي يَأْتِيهِ أَنَّهُ قَدِ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَوْفَاهُ) قَبْضَهُ (فَيُرِيدُ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَأْخُذَهُ بِكَيْلِهِ أَنَّهُ مَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِنَقْدٍ) أَيْ مُعَجَّلًا (فَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ يَجُوزُ، وَمِثْلُ الْكَيْلِ الْوَزْنُ.
(وَمَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ حَتَّى يَكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ لِنَفْسِهِ) وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ» ".
(وَإِنَّمَا كُرِهَ الَّذِي إِلَى أَجَلٍ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ: وَسِيلَةٌ (إِلَى الرِّبَا) يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الْأَجَلِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ لِلْأَجْلِ ثَمَنًا، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.
(وَتَخَوُّفٌ) بِفَوْقِيَّةِ وَالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى ذَرِيعَةٍ (أَنْ يُدَارَ) مِنَ الْإِدَارَةِ (ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ) فَيُؤَدِّي إِلَى تَعْدَادِ الْبَيْعِ لِلطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ (فَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ) أَيْ مَمْنُوعٌ (وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا)
بِالْمَدِينَةِ (قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ) إِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ لِأَنَّهُ غَرَرٌ كَشِرَاءِ الْآبِقِ، وَلَعَلَّهُ يُنْكِرُ فَيَبْطُلُ، وَإِنْ نَقَدَ كَانَ أَشَدَّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَارَةً بَيْعًا وَتَارَةً سَلَفًا، قَالَهُ الْبَاجِيُّ: (وَلَا حَاضِرَ إِلَّا بِإِقْرَارِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَلَا عَلَى مَيِّتٍ وَإِنْ عَلِمَ الَّذِي تَرَكَ الْمَيِّتُ، وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَ ذَلِكَ غَرَرٌ) لِأَنَّهُ (لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا يَتِمُّ، وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ بَيَانُ وَإِيضَاحُ وَجْهِ الْكَرَاهَةِ بِمَعْنَى الْمَنْعِ (أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى دَيْنًا عَلَى غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ أَنَّهُ لَا يَدْرَى مَا يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمُ بِهِ، فَإِنْ لَحِقَ الْمَيِّتَ) أَيْ كَانَ عَلَيْهِ (دَيْنٌ ذَهَبَ الثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَى الْمُبْتَاعُ بَاطِلًا) وَقَدْ نُهِيَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ (وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا عَيْبٌ آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ ذَهَبَ ثَمَنُهُ بَاطِلًا، فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ) فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ (وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ إِلَّا مَا عِنْدَهُ) وَيُمْنَعُ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ (وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّفَ) أَيْ يُسَلِّمَ (الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ عِنْدَهُ) فَيَجُوزَ (أَصْلُهُ) أَيْ بِنَاؤُهُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ (أَنَّ صَاحِبَ الْعِينَةِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالنُّونِ (إِنَّمَا يَحْمِلُ ذَهَبَهُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا فَيَقُولُ هَذِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَمَا تُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ لَكَ بِهَا؟ فَكَأَنَّهُ يَبِيعُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ، فَلِهَذَا كُرِهَ هَذَا) سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ (وَإِنَّمَا تِلْكَ الدُّخِلَةُ) مُثَلَّثَ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونَ الْمُعْجَمَةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، أَيِ النِّيَّةُ إِلَى التَّوَصُّلِ إِلَى الرِّبَا (وَالدُّلْسَةُ) بِضَمِّ الدَّالِ التَّدْلِيسُ، قَالَ الْبَاجِيُّ: رَوَى جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَبِيعُهُ
مِنْهُ ثُمَّ أَبْتَاعُهُ مِنَ السُّوقِ فَقَالَ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» " وَهَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَأَمَّا السَّلَمُ فَلَهُ حُكْمُهُ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مُؤَجَّلًا، وَإِذَا جَوَّزْنَا السَّلَمَ الْحَالَّ حُمِلَ الْحَدِيثُ أَنَّ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ هُوَ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَيَضْمَنَ خُرُوجَهُ مِنْ مِلْكِ رَبِّهِ.
[بَاب مَا جَاءَ فِي الشِّرْكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ]
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْبَزَّ الْمُصَنَّفَ وَيَسْتَثْنِي ثِيَابًا بِرُقُومِهَا إِنَّهُ إِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ الرَّقْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ حِينَ اسْتَثْنَى فَإِنِّي أَرَاهُ شَرِيكًا فِي عَدَدِ الْبَزِّ الَّذِي اشْتُرِيَ مِنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَكُونُ رَقْمُهُمَا سَوَاءً وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الثَّمَنِ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ مِنْهُ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ قَبَضَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالنَّقْدِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ وَلَا وَضِيعَةٌ وَلَا تَأْخِيرٌ لِلثَّمَنِ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ أَوْ تَأْخِيرٌ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ بَيْعًا يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ وَلَيْسَ بِشِرْكٍ وَلَا تَوْلِيَةٍ وَلَا إِقَالَةٍ قَالَ مَالِكٌ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بَزًّا أَوْ رَقِيقًا فَبَتَّ بِهِ ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُشَرِّكَهُ فَفَعَلَ وَنَقَدَا الثَّمَنَ صَاحِبَ السِّلْعَةِ جَمِيعًا ثُمَّ أَدْرَكَ السِّلْعَةَ شَيْءٌ يَنْتَزِعُهَا مِنْ أَيْدِيهِمَا فَإِنَّ الْمُشَرَّكَ يَأْخُذُ مِنْ الَّذِي أَشْرَكَهُ الثَّمَنَ وَيَطْلُبُ الَّذِي أَشْرَكَ بَيِّعَهُ الَّذِي بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشَرِّكُ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ وَعِنْدَ مُبَايَعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ ذَلِكَ أَنَّ عُهْدَتَكَ عَلَى الَّذِي ابْتَعْتُ مِنْهُ وَإِنْ تَفَاوَتَ ذَلِكَ وَفَاتَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ فَشَرْطُ الْآخَرِ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَانْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ حِينَ قَالَ انْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ سَلَفٌ يُسْلِفُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لَهُ وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ هَلَكَتْ أَوْ فَاتَتْ أَخَذَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ شَرِيكِهِ مَا نَقَدَ عَنْهُ فَهَذَا مِنْ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ سِلْعَةً فَوَجَبَتْ لَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَشْرِكْنِي بِنِصْفِ هَذِهِ السِّلْعَةِ وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ جَمِيعًا كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ جَدِيدٌ بَاعَهُ نِصْفَ السِّلْعَةِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ
ــ
٤١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الشِّرْكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ
قَالَ الْمَجْدُ: الشِّرْكُ وَالشِّرْكَةُ بِكَسْرِهِمَا وَضَمِّ الثَّانِي بِمَعْنًى، وَقَدِ اشْتَرَكَا وَتَشَارَكَا وَشَارَكَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَالشِّرْكُ بِالْكَسْرِ وَكَأَمِيرٍ: الْمُشَارِكُ، وَالْجَمْعُ أَشَرَاكٌ وَشُرَكَاءُ، وَهِيَ شَرِيكَةٌ جَمْعُهَا شَرَائِكُ، وَشَرِكَهُ فِي الْبَيْعِ وَالْمِيرَاثِ كَعَلِمَهُ شَرِكَةً بِالْكَسْرِ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْبَزَّ الْمُصَنَّفَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَالنُّونِ الثَّقِيلَةِ: الْمَجْمُوعُ مِنْ أَصْنَافٍ (وَيَسْتَثْنِي ثِيَابًا بِرُقُومِهَا) جَمْعُ رَقْمٍ (أَنَّهُ إِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ الرَّقْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ يَجُوزُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَكْثَرَ (وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ حِينَ اسْتَثْنَى فَإِنِّي أَرَاهُ) أَعْتَقِدُهُ (شَرِيكًا فِي عَدَدِ الْبَزِّ الَّذِي اشْتُرِيَ مِنْهُ) فَإِنْ كَانَ ثَلَاثِينَ ثَوْبًا وَاسْتَثْنَى مِنْهَا عَشَرَةً كَانَ لَهُ ثُلُثُهَا وَلِلْمُبْتَاعِ الثُّلُثَانِ (وَذَلِكَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَكُونُ رَقْمُهُمَا سَوَاءً وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الثَّمَنِ) فَلِذَا جُعِلَ شَرِيكًا (وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَصْدَرِ وَإِرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِهِ، أَيِ التَّشْرِيكِ لِغَيْرِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ بِمَا اشْتَرَاهُ (وَالتَّوْلِيَةِ) لِغَيْرِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ بِمَا اشْتَرَاهُ (وَالْإِقَالَةِ مِنْهُ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ قَبَضَ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَقْبِضْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالنَّقْدِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ) أَيْ زِيَادَةٌ (وَلَا وَضِيعَةٌ) أَيْ نَقْصٌ (وَلَا تَأْخِيرٌ لِلثَّمَنِ) لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مِنْ عُقُودِ الْمُكَارَمَةِ، فَاسْتُثْنِيَتْ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَا اسْتُثْنِيَ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَلِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ بِاسْتِثْنَائِهَا كَمَا مَرَّ.
(فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ أَوْ تَأْخِيرٌ مِنْ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ بَيْعًا يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ، وَلَيْسَ بِشِرْكٍ وَلَا تَوْلِيَةٍ وَلَا إِقَالَةٍ) حِينَ دَخَلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَتَسَاوَى الْبَيْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي.
(وَمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً) بَزًّا (أَوْ رَقِيقًا فَبَتَّ بِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: فَبَتَّ شِرَاءَهُ، وَأُخْرَى بِيعَهُ مِنْ إِطْلَاقِ الْبَيْعِ عَلَى الشِّرَاءِ (ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُشَرِّكَهُ فَفَعَلَ وَنَقَدَا) بِالتَّثْنِيَةِ أَيِ الْمُشْتَرِي وَمَنْ شَرَّكَهُ (الثَّمَنَ صَاحِبَ السِّلْعَةِ جَمِيعًا) تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ (ثُمَّ أَدْرَكَ السِّلْعَةَ شَيْءٌ يَنْتَزِعُهَا مِنْ أَيْدِيهِمَا) بِأَنِ اسْتُحِقَّتْ (فَإِنَّ الْمُشَرَّكَ) بِلَفْظِ اسْمِ الْمَفْعُولِ (يَأْخُذُ مِنَ الَّذِي أَشْرَكَهُ الثَّمَنَ) لِأَنَّ عُهْدَةَ الشَّرِيكِ عَلَى مَنْ شَرَّكَهُ (وَيَطْلُبُ الَّذِي أَشْرَكَ بَيِّعَهُ) بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الثَّقِيلَةِ بِمَعْنَى بَائِعِهِ (الَّذِي بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ) لِأَنَّ عُهْدَتَهُ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشَرِّكُ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ وَعِنْدَ مُبَايَعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ ذَلِكَ أَنَّ عُهْدَتَكَ عَلَى الَّذِي ابْتَعْتُ) بِضَمِّ تَاءِ الْمُتَكَلِّمِ (مِنْهُ) فَلَا عُهْدَةَ عَلَى الْمُشَرِّكِ بِالْكَسْرِ عَمَلًا بِشَرْطِهِ.
(وَإِنْ تَفَاوَتَ ذَلِكَ وَفَاتَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ فَشَرْطُ الْآخَرِ) الَّذِي أَشْرَكَ غَيْرَهُ (بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ) وَوَافَقَ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا أَصْبَغَ، وَقَالَ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْعُهْدَةُ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ إِذَا كَانَتْ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ أَنَّهَا أَبَدًا عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ذَلِكَ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَانْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ، إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ حِينَ قَالَ انْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ، إِنَّمَا ذَلِكَ سَلَفٌ يُسْلِفُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لَهُ) قَالَ الْبَاجِيُّ: فَإِنْ وَقَعَ هَذَا فَالسِّلْعَةُ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيْعُ حَظِّ الْمُسْلِفِ مِنَ السِّلْعَةِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِئْجَارًا صَحِيحًا
مُسْتَأْنَفًا، وَعَلَيْهِ مَا أَسْلَفَهُ نَقْدًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي بَيْعِ نَصِيبِ الْمُسْلِفِ، وَلَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّقْدِ لَأَمْسَكَ الْمُسْلِفُ فَلَمْ يَنْقُدْ عَنْهُ، وَهُمَا فِيهَا شَرِيكَانِ يَبِيعُ كُلٌّ نَصِيبَهُ أَوْ يَسْتَأْجِرُ عَلَى بَيْعِهِ.
(وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ هَلَكَتْ أَوْ فَاتَتْ أَخَذَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ شَرِيكِهِ مَا نَقَدَ عَنْهُ فَهَذَا مِنَ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً) فَلِذَا مُنِعَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ أَسْلَفَ رَجُلًا سَلَفًا لِيُشَارِكَهُ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ وَالْمَعْرُوفِ، فَكَرِهَهُ مَرَّةً وَأَجَازَهُ مَرَّةً، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَإِنْ كَانَ لِنَفَادِ بَصِيرَتِهِ بِالتِّجَارَةِ امْتَنَعَ، لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا.
(وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ فَوَجَبَتْ لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ أَشْرِكْنِي بِنِصْفِ هَذِهِ السِّلْعَةِ وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ جَمِيعًا كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ) لَا شِدَّةَ وَلَا حَرَجَ لِحِلِّهِ (وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ) أَيْ بَيَانُهُ (أَنَّ هَذَا بَيْعٌ جَدِيدٌ بَاعَهُ نِصْفَ السِّلْعَةِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ) وَاجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اللُّزُومِ فَلَا يَتَنَافَيَانِ، وَمَمْنُوعٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ عِنْدَهُمْ مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ مَبْلَغُهُ مِنْ مَبْلَغِ ثَمَنِ الْإِجَارَةِ حِينَ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ مَنَافِعَ فَصَارَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ إِنِّي رَجُلٌ أَبِيعُ بِالدَّيْنِ فَقَالَ سَعِيدٌ لَا تَبِعْ إِلَّا مَا آوَيْتَ إِلَى رَحْلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِمَّا لِسُوقٍ يَرْجُو نَفَاقَهَا فِيهِ وَإِمَّا لِحَاجَةٍ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُخْلِفُهُ الْبَائِعُ عَنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ فَيُرِيدُ الْمُشْتَرِي رَدَّ تِلْكَ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي وَإِنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُ وَإِنَّ الْبَائِعَ لَوْ جَاءَ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ لَمْ يُكْرَهْ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَكْتَالُهُ ثُمَّ يَأْتِيهِ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فَيُخْبِرُ الَّذِي يَأْتِيهِ أَنَّهُ قَدْ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَوْفَاهُ فَيُرِيدُ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَأْخُذَهُ بِكَيْلِهِ إِنَّ مَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِنَقْدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ حَتَّى يَكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا كُرِهَ الَّذِي إِلَى أَجَلٍ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا وَتَخَوُّفٌ أَنْ يُدَارَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ فَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ وَلَا حَاضِرٍ إِلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَلَا عَلَى مَيِّتٍ وَإِنْ عَلِمَ الَّذِي تَرَكَ الْمَيِّتُ وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَ ذَلِكَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى أَيَتِمُّ أَمْ لَا يَتِمُّ قَالَ وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى دَيْنًا عَلَى غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ أَنَّهُ لَا يُدْرَى مَا يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ بِهِ فَإِنْ لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ ذَهَبَ الثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَى الْمُبْتَاعُ بَاطِلًا قَالَ مَالِكٌ وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا عَيْبٌ آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ ذَهَبَ ثَمَنُهُ بَاطِلًا فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ إِلَّا مَا عِنْدَهُ وَأَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْعِينَةِ إِنَّمَا يَحْمِلُ ذَهَبَهُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا فَيَقُولُ هَذِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَمَا تُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ لَكَ بِهَا فَكَأَنَّهُ يَبِيعُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ فَلِهَذَا كُرِهَ هَذَا وَإِنَّمَا تِلْكَ الدُّخْلَةُ وَالدُّلْسَةُ
ــ
١٣٨٠ - ١٣٦٢ - (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أَبِيعُ بِالدَّيْنِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: لَا تَبِعْ إِلَّا مَا آوَيْتَ إِلَى رَحْلِكَ) قَالَ الْبَاجِيُّ: لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ يُدَايِنُ النَّاسَ خَافَ عَلَيْهِ الْعِينَةَ لِذَرِيعَةٍ، أَنْ يَبِيعَ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ أَوْ مَا يَشْتَرِيهِ بَعْدَ مُوَافَقَةِ الْمُبْتَاعِ مِنْهُ عَلَى بَيْعِهِ بِثَمَنٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا يُوَلَّى قَبْضَهُ هَذَا الْمُبْتَاعُ الْأَخِيرُ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ ثَمَنَهُ
الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ فِي ثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ بِهِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِمَّا لِسُوقٍ يَرْجُو نَفَاقَهُ) بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ رَوَاجَهُ لِيَرْبَحَ فِي السِّلْعَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ نَفَاقَهَا، أَيِ السِّلْعَةِ بِهِ (وَإِمَّا لِحَاجَةٍ) لَهُ بِالسِّلْعَةِ (فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي اشْتَرَطَ عَلَيْهِ) أَنْ يُوَفِّيَهَا إِيَّاهُ فِيهِ (ثُمَّ يُخْلِفُهُ الْبَائِعُ عَنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ فَيُرِيدُ الْمُشْتَرِي رَدَّ تِلْكَ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي، وَأَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ (وَأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ جَاءَ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ لَمْ يُكْرَهِ) أَيْ يُجْبَرِ (الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا) لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي التَّأْخِيرِ الَّذِي وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَيْهِ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَكْتَالُهُ ثُمَّ يَأْتِيهِ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فَيُخْبِرُ) أَيْ يُعْلِمُ (الَّذِي يَأْتِيهِ أَنَّهُ قَدِ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَوْفَاهُ) قَبْضَهُ (فَيُرِيدُ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَأْخُذَهُ بِكَيْلِهِ أَنَّهُ مَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِنَقْدٍ) أَيْ مُعَجَّلًا (فَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ يَجُوزُ، وَمِثْلُ الْكَيْلِ الْوَزْنُ.
(وَمَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ حَتَّى يَكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ لِنَفْسِهِ) وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ» ".
(وَإِنَّمَا كُرِهَ الَّذِي إِلَى أَجَلٍ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ: وَسِيلَةٌ (إِلَى الرِّبَا) يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الْأَجَلِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ لِلْأَجْلِ ثَمَنًا، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.
(وَتَخَوُّفٌ) بِفَوْقِيَّةِ وَالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى ذَرِيعَةٍ (أَنْ يُدَارَ) مِنَ الْإِدَارَةِ (ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ) فَيُؤَدِّي إِلَى تَعْدَادِ الْبَيْعِ لِلطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ (فَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ) أَيْ مَمْنُوعٌ (وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا)
بِالْمَدِينَةِ (قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ) إِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ لِأَنَّهُ غَرَرٌ كَشِرَاءِ الْآبِقِ، وَلَعَلَّهُ يُنْكِرُ فَيَبْطُلُ، وَإِنْ نَقَدَ كَانَ أَشَدَّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَارَةً بَيْعًا وَتَارَةً سَلَفًا، قَالَهُ الْبَاجِيُّ: (وَلَا حَاضِرَ إِلَّا بِإِقْرَارِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَلَا عَلَى مَيِّتٍ وَإِنْ عَلِمَ الَّذِي تَرَكَ الْمَيِّتُ، وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَ ذَلِكَ غَرَرٌ) لِأَنَّهُ (لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا يَتِمُّ، وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ بَيَانُ وَإِيضَاحُ وَجْهِ الْكَرَاهَةِ بِمَعْنَى الْمَنْعِ (أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى دَيْنًا عَلَى غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ أَنَّهُ لَا يَدْرَى مَا يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمُ بِهِ، فَإِنْ لَحِقَ الْمَيِّتَ) أَيْ كَانَ عَلَيْهِ (دَيْنٌ ذَهَبَ الثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَى الْمُبْتَاعُ بَاطِلًا) وَقَدْ نُهِيَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ (وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا عَيْبٌ آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ ذَهَبَ ثَمَنُهُ بَاطِلًا، فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ) فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ (وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ إِلَّا مَا عِنْدَهُ) وَيُمْنَعُ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ (وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّفَ) أَيْ يُسَلِّمَ (الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ عِنْدَهُ) فَيَجُوزَ (أَصْلُهُ) أَيْ بِنَاؤُهُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ (أَنَّ صَاحِبَ الْعِينَةِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالنُّونِ (إِنَّمَا يَحْمِلُ ذَهَبَهُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا فَيَقُولُ هَذِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَمَا تُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ لَكَ بِهَا؟ فَكَأَنَّهُ يَبِيعُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ، فَلِهَذَا كُرِهَ هَذَا) سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ (وَإِنَّمَا تِلْكَ الدُّخِلَةُ) مُثَلَّثَ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونَ الْمُعْجَمَةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، أَيِ النِّيَّةُ إِلَى التَّوَصُّلِ إِلَى الرِّبَا (وَالدُّلْسَةُ) بِضَمِّ الدَّالِ التَّدْلِيسُ، قَالَ الْبَاجِيُّ: رَوَى جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَبِيعُهُ
مِنْهُ ثُمَّ أَبْتَاعُهُ مِنَ السُّوقِ فَقَالَ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» " وَهَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَأَمَّا السَّلَمُ فَلَهُ حُكْمُهُ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مُؤَجَّلًا، وَإِذَا جَوَّزْنَا السَّلَمَ الْحَالَّ حُمِلَ الْحَدِيثُ أَنَّ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ هُوَ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَيَضْمَنَ خُرُوجَهُ مِنْ مِلْكِ رَبِّهِ.
[بَاب مَا جَاءَ فِي الشِّرْكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ]
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْبَزَّ الْمُصَنَّفَ وَيَسْتَثْنِي ثِيَابًا بِرُقُومِهَا إِنَّهُ إِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ الرَّقْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ حِينَ اسْتَثْنَى فَإِنِّي أَرَاهُ شَرِيكًا فِي عَدَدِ الْبَزِّ الَّذِي اشْتُرِيَ مِنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَكُونُ رَقْمُهُمَا سَوَاءً وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الثَّمَنِ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ مِنْهُ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ قَبَضَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالنَّقْدِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ وَلَا وَضِيعَةٌ وَلَا تَأْخِيرٌ لِلثَّمَنِ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ أَوْ تَأْخِيرٌ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ بَيْعًا يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ وَلَيْسَ بِشِرْكٍ وَلَا تَوْلِيَةٍ وَلَا إِقَالَةٍ قَالَ مَالِكٌ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بَزًّا أَوْ رَقِيقًا فَبَتَّ بِهِ ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُشَرِّكَهُ فَفَعَلَ وَنَقَدَا الثَّمَنَ صَاحِبَ السِّلْعَةِ جَمِيعًا ثُمَّ أَدْرَكَ السِّلْعَةَ شَيْءٌ يَنْتَزِعُهَا مِنْ أَيْدِيهِمَا فَإِنَّ الْمُشَرَّكَ يَأْخُذُ مِنْ الَّذِي أَشْرَكَهُ الثَّمَنَ وَيَطْلُبُ الَّذِي أَشْرَكَ بَيِّعَهُ الَّذِي بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشَرِّكُ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ وَعِنْدَ مُبَايَعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ ذَلِكَ أَنَّ عُهْدَتَكَ عَلَى الَّذِي ابْتَعْتُ مِنْهُ وَإِنْ تَفَاوَتَ ذَلِكَ وَفَاتَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ فَشَرْطُ الْآخَرِ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَانْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ حِينَ قَالَ انْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ سَلَفٌ يُسْلِفُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لَهُ وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ هَلَكَتْ أَوْ فَاتَتْ أَخَذَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ شَرِيكِهِ مَا نَقَدَ عَنْهُ فَهَذَا مِنْ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ سِلْعَةً فَوَجَبَتْ لَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَشْرِكْنِي بِنِصْفِ هَذِهِ السِّلْعَةِ وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ جَمِيعًا كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ جَدِيدٌ بَاعَهُ نِصْفَ السِّلْعَةِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ
ــ
٤١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الشِّرْكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ
قَالَ الْمَجْدُ: الشِّرْكُ وَالشِّرْكَةُ بِكَسْرِهِمَا وَضَمِّ الثَّانِي بِمَعْنًى، وَقَدِ اشْتَرَكَا وَتَشَارَكَا وَشَارَكَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَالشِّرْكُ بِالْكَسْرِ وَكَأَمِيرٍ: الْمُشَارِكُ، وَالْجَمْعُ أَشَرَاكٌ وَشُرَكَاءُ، وَهِيَ شَرِيكَةٌ جَمْعُهَا شَرَائِكُ، وَشَرِكَهُ فِي الْبَيْعِ وَالْمِيرَاثِ كَعَلِمَهُ شَرِكَةً بِالْكَسْرِ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْبَزَّ الْمُصَنَّفَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَالنُّونِ الثَّقِيلَةِ: الْمَجْمُوعُ مِنْ أَصْنَافٍ (وَيَسْتَثْنِي ثِيَابًا بِرُقُومِهَا) جَمْعُ رَقْمٍ (أَنَّهُ إِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ الرَّقْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ يَجُوزُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَكْثَرَ (وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ حِينَ اسْتَثْنَى فَإِنِّي أَرَاهُ) أَعْتَقِدُهُ (شَرِيكًا فِي عَدَدِ الْبَزِّ الَّذِي اشْتُرِيَ مِنْهُ) فَإِنْ كَانَ ثَلَاثِينَ ثَوْبًا وَاسْتَثْنَى مِنْهَا عَشَرَةً كَانَ لَهُ ثُلُثُهَا وَلِلْمُبْتَاعِ الثُّلُثَانِ (وَذَلِكَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَكُونُ رَقْمُهُمَا سَوَاءً وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الثَّمَنِ) فَلِذَا جُعِلَ شَرِيكًا (وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَصْدَرِ وَإِرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِهِ، أَيِ التَّشْرِيكِ لِغَيْرِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ بِمَا اشْتَرَاهُ (وَالتَّوْلِيَةِ) لِغَيْرِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ بِمَا اشْتَرَاهُ (وَالْإِقَالَةِ مِنْهُ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ قَبَضَ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَقْبِضْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالنَّقْدِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ) أَيْ زِيَادَةٌ (وَلَا وَضِيعَةٌ) أَيْ نَقْصٌ (وَلَا تَأْخِيرٌ لِلثَّمَنِ) لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مِنْ عُقُودِ الْمُكَارَمَةِ، فَاسْتُثْنِيَتْ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَا اسْتُثْنِيَ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَلِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ بِاسْتِثْنَائِهَا كَمَا مَرَّ.
(فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ أَوْ تَأْخِيرٌ مِنْ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ بَيْعًا يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ، وَلَيْسَ بِشِرْكٍ وَلَا تَوْلِيَةٍ وَلَا إِقَالَةٍ) حِينَ دَخَلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَتَسَاوَى الْبَيْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي.
(وَمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً) بَزًّا (أَوْ رَقِيقًا فَبَتَّ بِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: فَبَتَّ شِرَاءَهُ، وَأُخْرَى بِيعَهُ مِنْ إِطْلَاقِ الْبَيْعِ عَلَى الشِّرَاءِ (ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُشَرِّكَهُ فَفَعَلَ وَنَقَدَا) بِالتَّثْنِيَةِ أَيِ الْمُشْتَرِي وَمَنْ شَرَّكَهُ (الثَّمَنَ صَاحِبَ السِّلْعَةِ جَمِيعًا) تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ (ثُمَّ أَدْرَكَ السِّلْعَةَ شَيْءٌ يَنْتَزِعُهَا مِنْ أَيْدِيهِمَا) بِأَنِ اسْتُحِقَّتْ (فَإِنَّ الْمُشَرَّكَ) بِلَفْظِ اسْمِ الْمَفْعُولِ (يَأْخُذُ مِنَ الَّذِي أَشْرَكَهُ الثَّمَنَ) لِأَنَّ عُهْدَةَ الشَّرِيكِ عَلَى مَنْ شَرَّكَهُ (وَيَطْلُبُ الَّذِي أَشْرَكَ بَيِّعَهُ) بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الثَّقِيلَةِ بِمَعْنَى بَائِعِهِ (الَّذِي بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ) لِأَنَّ عُهْدَتَهُ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشَرِّكُ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ وَعِنْدَ مُبَايَعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ ذَلِكَ أَنَّ عُهْدَتَكَ عَلَى الَّذِي ابْتَعْتُ) بِضَمِّ تَاءِ الْمُتَكَلِّمِ (مِنْهُ) فَلَا عُهْدَةَ عَلَى الْمُشَرِّكِ بِالْكَسْرِ عَمَلًا بِشَرْطِهِ.
(وَإِنْ تَفَاوَتَ ذَلِكَ وَفَاتَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ فَشَرْطُ الْآخَرِ) الَّذِي أَشْرَكَ غَيْرَهُ (بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ) وَوَافَقَ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا أَصْبَغَ، وَقَالَ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْعُهْدَةُ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ إِذَا كَانَتْ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ أَنَّهَا أَبَدًا عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ذَلِكَ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَانْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ، إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ حِينَ قَالَ انْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ، إِنَّمَا ذَلِكَ سَلَفٌ يُسْلِفُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لَهُ) قَالَ الْبَاجِيُّ: فَإِنْ وَقَعَ هَذَا فَالسِّلْعَةُ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيْعُ حَظِّ الْمُسْلِفِ مِنَ السِّلْعَةِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِئْجَارًا صَحِيحًا
مُسْتَأْنَفًا، وَعَلَيْهِ مَا أَسْلَفَهُ نَقْدًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي بَيْعِ نَصِيبِ الْمُسْلِفِ، وَلَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّقْدِ لَأَمْسَكَ الْمُسْلِفُ فَلَمْ يَنْقُدْ عَنْهُ، وَهُمَا فِيهَا شَرِيكَانِ يَبِيعُ كُلٌّ نَصِيبَهُ أَوْ يَسْتَأْجِرُ عَلَى بَيْعِهِ.
(وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ هَلَكَتْ أَوْ فَاتَتْ أَخَذَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ شَرِيكِهِ مَا نَقَدَ عَنْهُ فَهَذَا مِنَ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً) فَلِذَا مُنِعَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ أَسْلَفَ رَجُلًا سَلَفًا لِيُشَارِكَهُ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ وَالْمَعْرُوفِ، فَكَرِهَهُ مَرَّةً وَأَجَازَهُ مَرَّةً، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَإِنْ كَانَ لِنَفَادِ بَصِيرَتِهِ بِالتِّجَارَةِ امْتَنَعَ، لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا.
(وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ فَوَجَبَتْ لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ أَشْرِكْنِي بِنِصْفِ هَذِهِ السِّلْعَةِ وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ جَمِيعًا كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ) لَا شِدَّةَ وَلَا حَرَجَ لِحِلِّهِ (وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ) أَيْ بَيَانُهُ (أَنَّ هَذَا بَيْعٌ جَدِيدٌ بَاعَهُ نِصْفَ السِّلْعَةِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ) وَاجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اللُّزُومِ فَلَا يَتَنَافَيَانِ، وَمَمْنُوعٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ عِنْدَهُمْ مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ مَبْلَغُهُ مِنْ مَبْلَغِ ثَمَنِ الْإِجَارَةِ حِينَ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ مَنَافِعَ فَصَارَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.