«أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢١٥١

الحديث رقم ٢١٥١ من كتاب «كتاب الجامع» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي…

«أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»

سند حديث: ٥ - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ…

٥ - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي…

حث النبي صلى الله عليه وسلم على المقاربة بين أداء نسك الحج ونسك العمرة وعدم الانقطاع عن أدائهما مع الاستطاعة، لأن أداءهما يكون سببًا في إزالة الفقر والذنوب وأثرها في القلب، كما أن نفخ النار يكون سببًا في إزالة وسَخ الحديد وما يخالطه من معادن ليست منه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل المتابعة بين الحج والعمرة والحث على ذلك.
  • متابعة الحج والعمرة من أسباب الغنى ومغفرة الذنوب.
  • قال المباركفوري: (ينفيان الفقر) أي يزيلانه، وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»

ــ

١٦٤٠ - ١٥٩٢ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) ، ابْنُ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ فَأَلِفٍ فَمُوَحَّدَةٍ (سَعِيدَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ (بْنَ يَسَارٍ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ الْمَدَنِيَّ الثِّقَةَ الْمُتْقِنَ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ، يُقَالُ إِنَّهُ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَيُقَالُ مَوْلَى شُمَيْسَةَ النَّصْرَانِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ

بِالْمَدِينَةِ عَلَى يَدِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَقِيلَ مَوْلَى شُقْرَانَ مَوْلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَمَرَنِي رَبِّي بِالْهِجْرَةِ إِلَى قَرْيَةٍ (تَأْكُلُ الْقُرَى) أَيْ تَغْلِبُهَا وَتَظْهَرُ عَلَيْهَا، يَعْنِي أَنَّ أَهْلَهَا تَغْلِبُ أَهْلَ سَائِرِ الْبِلَادِ فَتُفْتَحُ مِنْهَا، يُقَالُ أَكَلْنَا بَنِي فُلَانٍ أَيْ غَلَبْنَاهُمْ وَظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْغَالِبَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الشَّيْءِ كَالْمُفْنِي لَهُ إِفْنَاءَ الْآكِلِ إِيَّاهُ، وَفِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ قُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا تَأْكُلُ الْقُرَى أَيْ مَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: تَفْتَحُ الْقُرَى لِأَنَّ مِنَ الْمَدِينَةِ افْتَتَحَتِ الْقُرَى كُلَّهَا بِالْإِسْلَامِ.

وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: فِي التَّوْرَاةِ يَقُولُ اللَّهُ يَا طَابَةُ يَا مِسْكِينَةُ إِنِّي سَأَرْفَعُ أَجَاجِيرَكِ عَلَى أَجَاجِيرِ الْقُرَى، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ تَأْكُلُ الْقُرَى ; لِأَنَّهَا إِذَا عَلَتْ عَلَيْهَا عُلُوَّ الْغَلَبَةِ أَكَلَتْهَا، وَيَكُونُ الْمُرَادُ يَأْكُلُ فَضْلُهَا الْفَضَائِلَ أَيْ يَغْلِبُ فَضْلُهَا الْفَضَائِلَ حَتَّى إِذَا قِيسَتْ بِفَضْلِهَا تَلَاشَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، وَجَاءَ فِي مَكَّةَ أَنَّهَا أُمُّ الْقُرَى، لَكِنَّ الْمَذْكُورَ لِلْمَدِينَةِ أَبْلَغُ مِنَ الْأُمُومَةِ إِذْ لَا يُمْحَى بِوُجُودِهَا وُجُودُ مَا هِيَ أُمٌّ لَهُ لَكِنْ يَكُونُ حَقُّ الْأُمُومَةِ أَظْهَرَ، وَمَعْنَى تَأْكُلُ الْقُرَى مِنَ الْفَضَائِلِ تَضْمَحِلُّ فِي جَنْبِ عَظِيمِ فَضْلِهَا حَتَّى يَكُونَ عَدَمًا، وَمَا تَضْمَحِلُّ لَهُ الْفَضَائِلُ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّا تَبْقَى مَعَهُ الْفَضَائِلُ اهـ.

وَفِيهِ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: لِأَنَّ الْمَدِينَةَ هِيَ الَّتِي أَدْخَلَتْ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْقُرَى فِي الْإِسْلَامِ فَصَارَ الْجَمِيعُ فِي صَحَائِفِ أَهْلِهَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ فَتَحُوا مَكَّةَ فِيهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَالْفَضْلُ ثَابِتٌ لِلْفَرِيقَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلُ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ، قُلْنَا: لَا نِزَاعَ فِي ثُبُوتِ الْفَضْلِ لِلْفَرِيقَيْنِ وَلِلْقَرْيَتَيْنِ، كَمَا أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ مَكَّةَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُرَى الَّتِي أَكَلَتْهَا الْمَدِينَةُ فَيَلْزَمُ تَفْضِيلُهَا عَلَيْهَا.

(وَيَقُولُونَ) أَيْ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ (يَثْرِبُ) بِالرَّفْعِ يُسَمُّونَهَا بَاسِمِ وَاحِدٍ مِنَ الْعَمَالِقَةِ نَزَلَهَا، وَقِيلَ بِاسْمِ يَثْرِبَ بْنِ قَانِيَةٍ مِنْ وَلَدِ إِرَمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ كَانَ لِمَوْضِعٍ مِنْهَا سُمِّيَتْ بِهِ كُلُّهَا، وَكَرِهَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ مِنَ التَّثْرِيبِ الَّذِي هُوَ التَّوْبِيخُ وَالْمَلَامَةُ أَوْ مِنَ الثَّرْبِ وَهُوَ الْفَسَادُ وَكِلَاهُمَا قَبِيحٌ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ وَيَكْرَهُ الْقَبِيحَ وَلِذَا قَالَ، يَقُولُونَ يَثْرِبُ (وَهِيَ الْمَدِينَةُ) أَيِ الْكَامِلَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَالْبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ فَهُوَ اسْمُهَا الْحَقِيقِيُّ لَهَا لِأَنَّ التَّرْكِيبَ يَدُلُّ عَلَى التَّفْخِيمِ كَقَوْلِهِ: وَهُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدٍ.

أَيْ هِيَ الْمُسْتَحِقَّةُ لِأَنْ تُتَّخَذَ دَارَ إِقَامَةٍ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا فِي الْقُرْآنِ يَثْرِبَ فَإِنَّمَا هِيَ حِكَايَةٌ عَنِ الْمُنَافِقِينَ.

وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ هِيَ طَابَةُ هِيَ طَابَةُ» " وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُقَالَ لِلْمَدِينَةِ يَثْرِبُ» " قَالَ عِيَاضٌ: فَهِمَ

الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا مَنْعَ أَنْ يُقَالَ يَثْرِبُ حَتَّى قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةً.

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ اهـ.

وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ فَإِذَا هِيَ يَثْرِبُ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا أَرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ (تَنْفِي) بِكَسْرِ الْفَاءِ (النَّاسَ) أَيِ الْخَبِيثَ الرَّدِيءَ مِنْهُمْ (كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: هُوَ مَوْضِعُ نَارِ الْحَدَّادِ وَالصَّائِغِ وَلَيْسَ الْجِلْدُ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ كِيرًا هَكَذَا قَالَ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ (خَبَثَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَمُثَلَّثَةٍ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (الْحَدِيدِ) أَيْ وَسَخِهِ الَّذِي تُخْرِجُهُ النَّارُ، أَيْ لَا تَتْرُكُ فِيهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ دَغَلٌ، بَلْ تُمَيِّزُهُ عَنِ الْقُلُوبِ الصَّادِقَةِ وَتُخْرِجُهُ، كَمَا تُمَيِّزُ النَّارُ رَدِيءَ الْحَدِيدِ مِنْ جَيِّدِهِ، وَنُسِبَ التَّمْيِيزُ لِلْكِيرِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْأَكْبَرُ فِي اشْتِعَالِ النَّارِ الَّتِي وَقَعَ التَّمْيِيزُ بِهَا.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْ جِوَارِهِ فِيهَا إِلَّا مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا الْخِيَارُ الْفُضَلَاءُ الْأَبْرَارُ، وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ فَقَالَ: الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا يَخْتَصُّ بِزَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصْبِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْمُقَامِ مَعَهُ إِلَّا مَنْ ثَبَتَ إِيمَانُهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ وَجَهَلَةُ الْأَعْرَابِ فَلَا يَصْبِرُونَ عَلَى شِدَّةِ الْمَدِينَةِ وَلَا يَحْتَسِبُونَ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي أَصَابَهُ الْوَعْكُ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي اهـ.

وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ عُمُومَهُ لِمَا وَرَدَ أَنَّهَا فِي زَمَنِ الدَّجَّالِ تَرْجُفُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنْهَا كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ، قَالَ: فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمُ اخْتُصُّوا بِزَمَنِ الدَّجَّالِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِي أَزْمَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قَالَ الْأُبِّيُّ: فَإِنْ قِيلَ قَدِ اسْتَقَرَّ الْمُنَافِقُونَ فِيهَا، أُجِيبَ بِأَنَّهُمُ انْتَفَوْا بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَشَدُّ النَّفْيِ، فَإِنْ قِيلَ قَدِ اسْتَقَرَّ بِهَا الرَّوَافِضُ وَنَحْوُهَا، قُلْتُ: إِنْ كَانَ نَفْيُهَا الْخَبَثَ خَاصًا بِزَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْجَوَابُ وَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْخَبَثِ إِخْمَادُ بِدْعَةِ مَنْ يَسْكُنُهَا مِنَ الْمُبْتَدَعَةِ، وَعَدَمُ ظُهُورِهِ بِحَيْثُ يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ وَهَذَا لَمْ يَتَّفِقْ فِيهَا اهـ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَقَالَ: إِنَّهُمَا قَالَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الْخَبَثَ لَمْ يُذْكَرِ الْحَدِيدُ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي وَالْفَاتِنُ

ــ

١٦٦٤ - ١٦١٦ - (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ) الْمَذْكُورِ آنِفًا (عَنْ عَمْرٍو) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، ابْنِ دِينَارٍ الْمَكِّيِّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ) وَهُوَ خَلِيفَةٌ: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي) الَّذِي يُبَيِّنُ الرُّشْدَ مِنَ الْغَيِّ وَأَلْهَمَ طُرُقَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ كُلَّ مُكَلَّفٍ، وَالدُّنْيَوِيَّةِ كُلَّ حَيٍّ.

(وَالْفَاتِنُ) بِمَعْنَى الْمُضِلِّ الْوَارِدِ فِي أَسْمَائِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا وَارِدٌ أَيْضًا عَنْ صَحَابِيٍّ، فَهُوَ تَوْقِيفٌ، إِذْ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، وَفِي التَّنْزِيلِ: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ} [طه: ٨٥] [سُورَةُ طه: الْآيَةُ ٨٥] وَ {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ} [الأعراف: ١٥٥] [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: الْآيَةُ ١٥٥] وَأَخْرَجَ أَبُو عُمَرَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ مَنْ حَرَمَنِي الْهُدَى وَأَوْرَثَنِي الضَّلَالَةَ وَالرَّدَى أَتُرَاهُ أَحْسَنَ إِلَيَّ أَوْ ظَلَمَنِي؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانَ الْهُدَى شَيْئًا كَانَ لَكَ عِنْدَهُ فَمَنَعَكَ فَقَدْ ظَلَمَكَ، وَإِنْ كَانَ الْهُدَى لَهُ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ فَمَا ظَلَمَكَ شَيْئًا وَلَا تُجَالِسْنِي بَعْدُ.

وَبِهَذَا أَجَابَ رَبِيعَةُ غَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ لَمَّا سَأَلَهُ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ «جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا ثُمَّ رَجَعَ فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَثَرِهِ فَقَالَ مَا لَكَ لَمْ تَدْخُلْ فَقَالَ أَبُو مُوسَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ فَقَالَ عُمَرُ وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ مَجْلِسًا فِي الْمَسْجِدِ يُقَالُ لَهُ مَجْلِسُ الْأَنْصَارِ فَقَالَ إِنِّي أَخْبَرْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ فَقَالَ لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَلْيَقُمْ مَعِي فَقَالُوا لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قُمْ مَعَهُ وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْغَرَهُمْ فَقَامَ مَعَهُ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي مُوسَى أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

ــ

١٧٩٨ - ١٧٥١ - (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فَرُّوخَ الْمَدَنِيِّ (عَنْ غَيْرِ) ، أَيْ أَكْثَرَ مِنْ (وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ) ، وَصَلَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: (أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: " كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ

الْأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى، كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ وَلِمُسْلِمٍ: " كُنَّا فِي مَجْلِسٍ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَتَى أَبُو مُوسَى مُغْضَبًا وَلِأَبِي دَاوُدَ: " فَجَاءَ أَبُو مُوسَى فَزِعًا، فَقُلْنَا لَهُ: مَا أَفْزَعَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرُ أَنْ آتِيَهُ فَأَتَيْتُهُ (فَاسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا، ثُمَّ رَجَعَ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَفَرَغَ عُمَرُ - أَيْ: مِمَّا كَانَ مَشْغُولًا بِهِ - فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ائْذَنُوا لَهُ؟ قِيلَ: إِنَّهُ رَجَعَ.

(فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَثَرِهْ) ، بِفَتْحَتَيْنِ وَبِكَسْرٍ، فَسُكُونٍ، أَيْ: قُرْبَ رُجُوعِهِ، (فَقَالَ: مَا لَكَ لَمْ تَدْخُلْ؟) ، وَفِي رِوَايَةٍ: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي وَقَدْ دَعَوْتُكَ "؟ فَقَالَ (أَبُو مُوسَى) : زَادَ فِي رِوَايَةٍ: " اسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعَتُ ( «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ» ) مِنَ الْمَرَّاتِ، (فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ) ، قِيلَ: لِأَنَّ الْكَلَامَ إِذَا كُرِّرَ ثَلَاثًا سُمِعَ وَفِهِمَ غَالِبًا.

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بُرْدَةَ: " جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا أَبُو مُوسَى، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ انْصَرَفَ قَالَ الْحَافِظُ: يُؤْخَذُ مِنْ صَنِيعِ أَبِي مُوسَى حَيْثُ ذَكَرَ اسْمَهُ أَوَّلًا وَكُنْيَتَهُ ثَانِيًا، وَنِسْبَتَهُ ثَالِثًا، أَنَّ الْأُولَى هِيَ الْأَصْلُ، وَالثَّانِيَةُ إِذَا جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْتَبَسَ عَلَى مَنِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، وَالثَّالِثَةُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ عَرَفَهُ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَا فَعَلَهُ أَبُو مُوسَى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ تَوْقِيفًا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَوْقِيفًا فَقَوْلُ رَاوِي الْحَدِيثِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ، انْتَهَى.

وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، فَقَالَ: يَسْتَأْذِنُ أَبُو مُوسَى، ثُمَّ قَالَ ثَانِيًا: يَسْتَأْذِنُ الْأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ ثَالِثًا: يَسْتَأْذِنُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْكُنْيَةِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ: جَمَعَ بَيْنَ الْكُنْيَةِ وَالنِّسْبَةِ، وَفِي الثَّالِثَةِ: جَمَعَ بَيْنَ النِّسْبَةِ وَالِاسْمِ، وَالتَّقْصِيرُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ، إِمَّا لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ الْمَتْرُوكَ، فَرَوَى مَا تَحَقَّقَ، أَوْ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى حَدَّثَ تَارَةً بِكَذَا، وَأُخْرَى بِكَذَا بِاعْتِبَارِ مَا يَرَاهُ أَهَمَّ وَقْتَ التَّحْدِيثِ فَرَوَى عَنْهُ كُلُّ رَاوٍ مَا حَدَّثَ بِهِ.

(فَقَالَ عُمَرُ: وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا) مَعَكَ (لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ) غَيْرَكَ، (لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا) فِي مُسْلِمٍ: " لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ وَلَهُ أَيْضًا: " فَوَاللَّهِ لَأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وَبَطْنَكَ، أَوْ لِتَأْتِيَنِّي بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَأَجْعَلَنَّكَ عِظَةً "، (فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ مَجْلِسًا فِي الْمَسْجِدِ يُقَالُ لَهُ مَجْلِسُ الْأَنْصَارِ) ، لِجُلُوسِهِمْ فِيهِ (فَقَالَ: إِنِّي أَخْبَرْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:

الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ، فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا) يَتَوَعَّدُهُ، (فَإِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَلْيَقُمْ مَعِي، فَقَالُوا) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ: " فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ "، وَلِمُسْلِمٍ: " فَقَالَ أُبَيٌّ: وَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَحْدَثُنَا سِنًّا، قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ "، فَكَأَنَّ أُبَيًّا ابْتَدَأَ ذَلِكَ، وَوَافَقُوا عَلَيْهِ فَنُسِبَ لِلْجَمِيعِ، فَقَالُوا: (لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قُمْ مَعَهُ، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْغَرَهُمْ) ، فَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ لِكِبَارِهِمْ وَصِغَارِهِمْ، حَتَّى أَنَّ أَصْغَرَهُمْ يَحْفَظُهُ وَسَمِعَهُ مِنَ الْمُصْطَفَى، (فَقَامَ مَعَهُ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ: " فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ هَذَا عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ "، يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا لِأَجْلِ الْكَسْبِ لِعِيَالِهِ، وَالتَّعَفُّفِ عَنِ النَّاسِ، فَفِيهِ أَنَّ الْعِلْمَ الْخَاصَّ قَدْ يَخْفَى عَنِ الْأَكَابِرِ، فَيَعْلَمُهُ مَنْ دُونَهُمْ.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَذَلِكَ يَصْدُقُ فِي وَجْهِ مَنْ يُطْلِقُ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ، إِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثٍ فَيَقُولُ: لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَعَلِمَهُ فُلَانٌ، فَإِذَا أُخْفِيَ ذَلِكَ عَلَى أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ فَغَيْرُهُمْ أَوْلَى.

قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ تَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ زَعَمَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْبَلُ خَبَرًا لِوَاحِدٍ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَ خَبَرَ أَبِي سَعِيدٍ الْمُطَابِقِ لِخَبَرِ أَبِي مُوسَى، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَتَثَبَّتَ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ مَذْهَبِهِ.

وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ: " فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لِعُمَرَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ " عِنْدَ مُسْلِمٍ وَعِنْدَ غَيْرِهِ: " يَا عُمَرُ لَا تَكُنْ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عُمَرَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ "، (فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي مُوسَى: أَمَّا إِنِّي لَا أَتَّهِمُكَ) ، بِمَا قَلْتُهُ لَكَ مِمَّا سَبَقَ مِنَ الْأَلْفَاظِ، (وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ) : يَكْذِبَ (النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ، فَخَشِيَ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَخْتَلِقُ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ طَلَبًا لِلْخُرُوجِ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ، فَأَرَادَ بِذَلِكَ إِعْلَامَهُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمَخْرَجِ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

زَادَ غَيْرُهُ: فَأَرَادَ عُمَرُ سَدَّ هَذَا الْبَابِ وَرَدْعَ غَيْرِ أَبِي مُوسَى لَا شَكًّا فِي رِوَايَتِهِ، فَإِنَّ مَنْ دُونَهُ إِذَا بَلَغَتْهُ قِصَّتُهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، أَوْ أَرَادَ وَضْعَ حَدِيثٍ خَافَ مِنْ مِثْلِ قَضِيَّةِ أَبِي مُوسَى فَالْمُرَادُ غَيْرُهُ.

وَفِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ

عَلَى مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُوَّةِ فِي دِينِ اللَّهِ، وَقَوْلِ الْحَقِّ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ وَقَبُولِهِ، فَإِنَّ أُبَيًّا أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ تَهْدِيدَ أَبِي مُوسَى، وَخَاطَبَهُ مَعَ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بِيَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَوْ يَا عُمَرُ؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ إِنْكَارٍ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ

ــ

١٨٠٠ - ١٧٥٣ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا عَطَسَ، فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَالَ: يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ، وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ) ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَلْيَقُلْ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ.

وَلْيَقُلْ هُوَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ» "، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مَرْفُوعًا: " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ وَصَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» "، وَلِلطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَإِذَا قَالَ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ» "، وَقَدْ رُجِّحَ الْجَمْعُ بَيْنَ الدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ، وَيَهْدِيكُمُ اللَّهُ. . . إِلَخْ.

وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بِالْهِدَايَةِ لِلْمُسْلِمِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَمُنِعَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الدُّعَاءَ بِالْهِدَايَةِ لِلْإِيمَانِ الْمُتَلَبِّسِ بِهِ، بَلْ مَعْرِفَةُ تَفَاصِيلِ أَجْزَائِهِ وَإِعَانَتِهِ عَلَى أَعْمَالِهِ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَحْتَاجُ ذَلِكَ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَمِنْ ثَمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَسْأَلَ الْهِدَايَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ وَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَمَاذَا أَذْنَبْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ قَالَتْ اشْتَرَيْتُهَا لَكَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ»

ــ

١٨٠٣ - ١٧٥٦ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ) ابْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ

(عَنْ) عَمَّتِهِ (عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً) ، بِضَمِّ النُّونِ، وَالرَّاءِ، وَبِكَسْرِهِمَا، رِوَايَتَانِ بَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ، وَقَافٌ مَفْتُوحَةٌ، وَحُكِيَ تَثْلِيثُ النُّونِ وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ (فِيهَا تَصَاوِيرُ) ، أَيْ: تَمَاثِيلُ حَيَوَانٍ، (فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْ) الْحُجْرَةَ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " وَجَعَلَ يَتَغَيَّرُ وَجْهُهُ "، (فَعَرَفَتْ) عَائِشَةُ (فِي وَجْهِهِ) الْوَجِيهِ (الْكَرَاهِيَةَ) - بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَخِفَّةِ الْيَاءِ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَإِسْقَاطِ الْيَاءِ، (وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ) فِيهِ التَّوْبَةُ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ إِجْمَالًا، وَلَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرِ التَّائِبُ خُصُوصَ الذَّنْبِ الَّذِي حَصَلَتْ بِهِ مُؤَاخَذَاتُهُ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ حُسْنُ أَدَبٍ مِنَ الصِّدِّيقَةِ حَيْثُ قَدَّمَتِ التَّوْبَةَ عَلَى اطِّلَاعِهَا عَلَى الذَّنْبِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ: مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ أَيْ: مَا اطَّلَعَتْ عَلَى الذَّنْبِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟) مَا شَأْنُهَا فِيهَا تَمَاثِيلُ، (قَالَتْ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا، وَتَوَسَّدُهَا) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ، وَالْأَصْلُ: وَتَتَوَسَّدُهَا.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّورَةِ) الْحَيَوَانِيَّةِ الَّذِينَ يَصْنَعُونَهَا يُضَاهِئُونَ بِهَا خَلْقَ اللَّهِ، (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا) - بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ، وَضَمِّ الْيَاءِ - (مَا خَلَقْتُمْ) صَوَّرْتُمْ كَصُورَةِ الْحَيَوَانِ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّعْجِيزِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي صَوَّرُوهَا، فَيَدُومُ تَعْذِيبُهُمْ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» "، أَيْ: أَبَدًا فَهُوَ مُعَذَّبٌ دَائِمًا لِأَنَّهُ جَعَلَ غَايَةَ عَذَابِهِ إِلَى أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَافِخٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَخْلِيدَهُ فِي النَّارِ، لَكِنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ كَفَرَ بِالتَّصْوِيرِ، أَمَّا غَيْرُهُ وَهُوَ الْعَاصِي يَفْعَلُ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لَهُ، وَلَا قَاصِدٍ أَنْ يَعْبَدَ، فَيُعَذَّبُ إِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ عَذَابًا يَسْتَحِقُّهُ، ثُمَّ يَخْلُصُ مِنْهُ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الزَّجْرُ الشَّدِيدُ بِالْوَعِيدِ بِعِقَابِ الْكَافِرِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الِارْتِدَاعِ، وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ إِلَّا أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَقَوْلُهُ: كُلِّفَ لَا يُنَافِي أَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ تَكْلِيفُ عَمَلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ أَوْ عِقَابٌ، فَأَمَّا مِثْلُ هَذَا التَّكْلِيفِ، فَلَا يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّهُ نَفْسَهُ عَذَابٌ.

(ثُمَّ قَالَ: إِنِ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ) الْحَيَوَانِيَّةُ، فَلَا بَأْسَ بِصُورَةِ الْأَشْجَارِ وَالْجِبَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ

عَبَّاسٍ لِرَجُلٍ: " إِنْ كُنْتَ وَلَا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصْنَعِ الشَّجَرَةَ، وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(لَا تُدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ) الْحَفَظَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ، أَوْ مَلَائِكَةُ الْوَحْيِ كَجِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ قَصْرُ النَّفْيِ عَلَى زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ بَعْدَهُ، وَبِانْقِطَاعِهِ يَنْقَطِعُ نُزُولُهُمْ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالرَّحْمَةِ، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيُعَاقَبُ مُتَّخِذُهَا بِحِرْمَانِ دُخُولِهِمْ بَيْتَهُ، وَاسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ، أَمَّا الْحَفَظَةُ فَلَا يُفَارِقُونَ الْمُكَلَّفَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ، إِلَّا عِنْدَ الْجِمَاعِ وَالْخَلَاءِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِجَوَازِ أَنْ لَا يَدْخُلُوا، بِأَنْ يَكُونُوا عَلَى بَابِ الْبَيْتِ مَثَلًا، وَيُطْلِعُهُمُ اللَّهُ عَلَى عَمَلِ الْعَبْدِ وَيُسْمِعُهُمْ قَوْلَهُ، وَقَدْ زَادَ بَعْضُ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: " فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَيْنِ، فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ "، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَيْعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي النِّكَاحِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَفِي اللِّبَاسِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَمُسْلِمٌ فِي اللِّبَاسِ عَنْ يَحْيَى، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، السِّتَّةُ عَنْ نَافِعٍ نَحْوَهُ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي الضَّبِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسْتُ بِآكِلِهِ وَلَا بِمُحَرِّمِهِ»

ــ

١٨٠٦ - ١٧٥٩ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) الْمَدَنِيِّ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ صَحِيحٌ مَحْفُوظٌ عَنْهُمَا جَمِيعًا.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا) فِي التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ - بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَإِسْكَانِ الزَّايِ -

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي الضَّبِّ؟ الْحَدِيثَ، « (نَادَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي الضَّبِّ؟) هَلْ يُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَسْتُ بِآكِلِهِ) » - بِمَدِّ الْهَمْزَةِ - (وَلَا بِمُحَرِّمِهِ) لِأَنَّهُ حَلَالٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «كُلُوهُ فَإِنَّهُ حَلَالٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي» "، زَادَ خُزَيْمَةُ بْنُ جَزْءٍ فَقُلْتُ: إِنِّي آكُلُ مَا لَمْ تُحَرِّمْهُ.

وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى: لَسْتُ بِمُحِلِّهِ، وَلَا بِمِحَرِّمِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ خَطَأٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: لَمْ يُبْعَثْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا آمِرًا أَوْ نَاهِيًا وَمُحِلًّا أَوْ مُحَرِّمًا، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا، لَمْ يُؤْكَلْ عَلَى مَائِدَتِهِ، انْتَهَى.

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ، قَالَ رَجُلٌ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ مُضِبَّةٍ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ، فَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ، فَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَمْسُوخٍ نَسْلًا» .

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ دِينَارٍ، وَتَابَعَهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ اللَّيْثُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَأَيُّوبُ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَأُسَامَةُ اللَّيْثِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، أَخْرَجَ ذَلِكَ كُلَّهُ مُسْلِمٌ، وَلِذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ مَحْفُوظٌ عَنْهُمَا جَمِيعًا.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»

ــ

١٨٠٨ - ١٧٦١ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ) ، زَادَ الْقَعْنَبِيُّ: وَابْنُ وَهْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ كِلَاهُمَا (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنِ اقْتَنَى) ، أَيِ: اتَّخَذَ (إِلَّا كَلْبًا) ، كَذَا لِيَحْيَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: " «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبًا» "، (ضَارِيًا) - بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ، وَبِالْيَاءِ وَالنَّصْبِ - أَيْ: مُعَلَّمًا لِلصَّيْدِ مُعْتَادًا لَهُ.

وَرُوِيَ: ضَارٍ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَحْذِفُ الْأَلِفَ مِنَ الْمَنْقُوصِ حَالَةَ النَّصْبِ، فَيَجُوزُ اتِّخَاذُهُ حَتَّى لِمَنْ لَا يَصِيدُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، أَوْ مَعْنَاهُ: لِصَائِدٍ بِهِ، فَيُنْهَى عَنْهُ مَنْ لَا يَصِيدُ بِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ: إِلَّا كَلْبٌ قَوْلَانِ، قَالَهُ عِيَاضٌ.

(أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ) ، أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّرْدِيدِ، قَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي يَسْرَحُ مَعَهَا، لَا الَّذِي يَحْفَظُهَا مِنَ السَّارِقِ، (نَقْصَ مِنْ أَجْرِ) عَمَلِهِ (كُلَّ يَوْمٍ) مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي اقْتَنَاهُ فِيهَا (قِيرَاطَانِ) ، أَيْ: قَدْرًا مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا يُخَالِفُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ: قِيرَاطٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلزَّائِدِ لِكَوْنِ رَاوِيهِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ أَوَّلًا بِنَقْصِ قِيرَاطٍ وَاحِدٍ، فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الْأَوَّلُ، ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِنَقْصِ قِيرَاطَيْنِ زِيَادَةً فِي التَّأْكِيدِ فِي التَّنْفِيرِ مِنْ ذَلِكَ، فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الثَّانِي، أَوْ يَنْزِلُ عَلَى حَالَيْنِ: فَنَقْصُ الْقِيرَاطَيْنِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْإِضْرَارِ بِاتِّخَاذِهِ، وَالْقِيرَاطِ بِاعْتِبَارِ قِلَّتِهِ، أَوِ الْقِيرَاطَانِ لِمَنِ اتَّخَذَهُ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ خَاصَّةً، وَالْقِيرَاطُ بِمَا عَدَاهَا، أَوْ يَلْحَقُ بِالْمَدِينَةِ سَائِرُ الْمُدُنِ وَالْقُرَى، وَيَخْتَصُّ الْقِيرَاطُ بِأَهْلِ الْبَوَادِي، وَهُوَ مُلْتَفِتٌ إِلَى مَعْنَى كَثْرَةِ التَّأَذِّي وَقِلَّتِهِ، وَكَذَا مَنْ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي نَوْعَيْنِ مِنَ الْكِلَابِ، فَفِي مَا لَابَسَهُ أَوْ نَحْوِهِ قِيرَاطَانِ، وَفِيمَا دُونَهُ قِيرَاطٌ، وَجَوَّزَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْقِيرَاطَ الَّذِي يَنْقُصُ أَجْرُ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ ذَوَاتِ الْأَكْبَادِ الرَّطْبَةِ أَوِ الْحُرَّةِ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّقْصِ أَنَّ الْإِثْمَ الْحَاصِلَ بِاتِّخَاذِهِ يُوَازِنُ قَدْرَ قِيرَاطٍ أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ، فَيَنْقُصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِ الْمُتَّخِذِ قَدْرُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ بِاتِّخَاذِهِ، وَهُوَ قِيرَاطٌ أَوْ قِيرَاطَانِ، وَقِيلَ: سَبَبُ النَّقْصِ امْتِنَاعُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ، أَوْ مَا يَلْحَقُ الْمَارِّينَ مِنَ الْأَذَى، أَوْ لِأَنَّ بَعْضَهَا شَيَاطِينُ، أَوْ عُقُوبَةٌ لِمُخَالَفَةِ النَّهْيِ، أَوْ وُلُوغُهَا فِي الْأَوَانِي عِنْدَ غَفْلَةِ صَاحِبِهَا، فَرُبَّمَا يُنَجِّسُ الطَّاهِرَ مِنْهَا إِذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الْعِبَادَةِ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَ الطَّاهِرِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهَا، أَوْ طَهَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ فِي أَفْوَاهِهَا نَجَاسَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذْهُ لَكَانَ عَمَلُهُ كَامِلًا، فَإِذَا اقْتَنَاهُ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ عَمَلٍ مَضَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ

عَمَلُهُ فِي الْكَمَالِ عَمَلَ مَنْ لَمْ يَتَّخِذْ، وَنُوزِعَ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ بِأَنَّ الرُّويَانِيَّ فِي الْبَحْرِ حَكَى الْخِلَافَ، هَلْ يَنْقُصُ مِنَ الْعَمَلِ الْمَاضِي، أَوِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَفِي مَحَلِّ نُقْصَانِ الْقِيرَاطَيْنِ؟ فَقِيلَ: مِنْ عَمِلِ النَّهَارِ قِيرَاطٌ، وَمِنْ عَمِلِ اللَّيْلِ قِيرَاطٌ، وَقِيلَ: مِنَ الْفَرْضِ قِيرَاطٌ، وَمِنَ النَّفْلِ آخَرُ، وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيرَاطَيْنِ: هَلْ هُمَا كَقِيرَاطَيْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَاتِّبَاعِهَا أَوْ دُونَهُمَا؛ لِأَنَّ الْجِنَازَةَ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ، وَبَابُ الْفَضْلِ أَوْسَعُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الشَّارِعِ تَعْظِيمُ الْحَسَنَاتِ، وَتَخْفِيفُ مُقَابِلِهَا كَرَمًا مِنْهُ، وَلَوْ تَعَدَّدَتِ الْكِلَابُ هَلْ تَتَعَدَّدُ الْقَرَارِيطُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ؟ أَوْ لَا تَتَعَدَّدُ كَمَا فِي غَسَلَاتِ الْوُلُوغِ؟ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ الْأَبِيُّ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ: يَظْهَرُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ بِكُلِّ كَلْبٍ، لَكِنْ يَتَعَدَّدُ الْإِثْمُ، فَإِنَّ اقْتِنَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.

قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: تَتَعَدَّدُ الْقَرَارِيطُ.

هَذَا وَقَدْ زَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ، كَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ.

وَفِي الصَّحِيحِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمِلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» "، وَاسْتُشْكِلَ الْجَمْعُ بَيْنَ حَصْرَيِ الْحَدِيثَيْنِ، إِذْ مُقْتَضَاهُمَا التَّضَادُّ مِنْ حَيْثُ إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: الْحَصْرُ فِي الْمَاشِيَةِ وَالصَّيْدِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ إِخْرَاجُ كَلْبِ الزَّرْعِ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْحَصْرُ فِي الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ إِخْرَاجُ كَلْبِ الصَّيْدِ، وَأَجَابَ فِي الْكَوَاكِبِ بِأَنَّ مَدَارَ أَمْرِ الْحَصْرِ عَلَى الْمَقَامَاتِ، وَاعْتِقَادَ السَّامِعِينَ لَا عَلَى مَا فِي الْوَاقِعِ، فَالْمَقَامُ الْأَوَّلُ اقْتَضَى اسْتِثْنَاءَ كَلْبِ الصَّيْدِ، وَالثَّانِي اقْتَضَى اسْتِثْنَاءَ كَلْبِ الزَّرْعِ، فَصَارَا مُسْتَثْنَيَيْنِ، وَلَا مُنَافَاةَ فِي ذَلِكَ.

وَلِمُسْلِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ» "، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ زِيَادَةَ الزَّرْعِ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ» "، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا.

لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ: لَمْ يَقُلِ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ تَوْهِينًا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ تَصْحِيحًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ اعْتَنَى بِحِفْظِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ دُونَهُ، وَمَنِ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ احْتَاجَ إِلَى تَعَرُّفِ أَحْوَالِهِ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا رِوَايَةُ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي مُسْلِمٍ كَابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَكَمِ عَنْهُ، وَلَعَلَّهُ لَمَّا سَمِعَهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَحَقَّقَهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَهَا فِي حَدِيثِهِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ، وَكَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي مَعْنَى الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ كَاتِّخَاذِهَا لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ قِيَاسًا، فَتَمَحَّضَ كَرَاهَةَ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيعِ النَّاسِ، وَامْتِنَاعِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، أَيْ: مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اتِّخَاذَهَا لَيْسَ حَرَامًا؛ لِأَنَّ الْحَرَامَ يُمْنَعُ اتِّخَاذُهُ سَوَاءٌ نَقَصَ مِنَ الْأَجْرِ أَمْ لَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لَا

حَرَامٌ.

قَالَ: وَوَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمُتَعَبَّدَ بِهَا فِي الْكِلَابِ مِنْ غَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعًا، لَا يَكَادُ يَقُومُ بِهَا الْمُكَلَّفُ، وَلَا يَتَحَفَّظُ مِنْهَا، فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ بِاتِّخَاذِهَا مَا يَنْقُصُ أَجْرَهُ مِنْ ذَلِكَ.

وَيُرْوَى أَنَّ الْمَنْصُورَ سَأَلَ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ سَبَبِ الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُنْجِ الضَّيْفَ، وَيُرَوِّعُ السَّائِلَ، انْتَهَى.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْعُقُوبَةَ تَقَعُ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ بِمِقْدَارِ قِيرَاطٍ، أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِمَّا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنَ الْخَيْرِ لَوْ لَمْ يَتَّخِذِ الْكَلْبَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الِاتِّخَاذَ حَرَامٌ، وَالْمُرَادُ بِالنَّقْصِ أَنَّ الْإِثْمَ بِاتِّخَاذِهِ يُوَازِنُ قَدْرَ قِيرَاطٍ أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْرِهِ، فَيَنْقُصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِ قَدْرُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ بِاتِّخَاذِهِ، وَهُوَ قِيرَاطٌ أَوْ قِيرَاطَانِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَفِي الْحَدِيثِ: الْحَثُّ عَلَى تَكْثِيرِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا يَنْقُصُهَا، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَسْبَابِ الزِّيَادَةِ فِيهَا وَالنَّقْصِ مِنْهَا لِتُجْتَنَبَ أَوْ تُرْتَكَبَ، وَبَيَانُ لُطْفِ اللَّهِ بِخَلْقِهِ فِي إِبَاحَةِ مَا لَهُمْ فِيهِ نَفْعٌ، وَتَبْلِيغُ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ أُمُورَ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَتَرْجِيحُ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ لِاسْتِثْنَاءِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِمَّا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّيْدِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبُيُوعِ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ»

ــ

١٨٠٩ - ١٧٦٢ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ» ) ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» ، وَزَادَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: " ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ» ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَالضَّرْعِ وَالزَّرْعِ وَلَهُ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ: " «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» قَالَ عِيَاضٌ: أَخْذَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَاعَةٌ بِالْحَدِيثِ فِي قَتْلِهَا إِلَّا مَا اسْتَثْنَى، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ اتِّخَاذِهِ، وَنَسْخِ الْقَتْلِ وَالنَّهْيِ عَنِ الِاقْتِنَاءِ إِلَّا فِي الْأَسْوَدِ، وَالَّذِي عِنْدِي فِي تَنْزِيلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ظَوَاهِرَهَا أَوَّلًا تَقْتَضِي عُمُومَ الْقَتْلِ، وَالنَّهْيَ عَنِ الِاقْتِنَاءِ، ثُمَّ نَسْخَ هَذَا الْعُمُومِ بِقَصْرِ الْقَتْلِ عَلَى الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ، وَمَنْعَ الِاقْتِنَاءِ إِلَّا فِي الثَّلَاثَةِ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي عَدَمِ قَتْلِهَا، هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ مِنَ الْعَامِّ الْأَوَّلِ، أَوْ كَانَ مُخَصَّصًا عَلَى مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ الْأَبِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ، وَأَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يَقَعْ فِي الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْقَتْلِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، هُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ.

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» "، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُقَيَّدَةٌ، وَالْأُولَى مُطْلَقَةٌ

وَالْمَخْرَجُ مُتَّحِدٌ، فَيَجِبُ رَدُّ الْمُطْلَقِ إِلَى الْمُقَيَّدِ بِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ، فَلَمْ يَتَنَاوَلِ الثَّلَاثَةَ، فَإِخْرَاجُهَا إِنَّمَا هُوَ لِتَخْصِيصٍ مُتَّصِلٍ، وَالتَّخْصِيصُ مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلٌ، فَالْمُتَّصِلُ كَالتَّخْصِيصِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ، وَالْمُنْفَصِلُ مَا سِوَى ذَلِكَ نَحْوُ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، انْتَهَى.

وَاتُّفِقَ عَلَى قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَفِي جَوَازِ قَتْلِهِ مُطْلَقًا أَوْ لَا مُطْلَقًا قَوْلَانِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبَيْعِ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ»

ــ

١٨١١ - ١٧٦٤ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ الْمَازِنِيُّ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، (عَنْ أَبِيهِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ مِنْ ثِقَاتِ تَابِعِي الْحِجَازِ، قَالَ الْحَافِظُ: فَسَقَطَ الْحَارِثُ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَالْحَارِثُ صَحَابِيٌّ شَهِدَ أُحُدًا، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) ، اسْمُهُ سَعْدٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: سِنَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِأُحُدٍ (الْخُدْرِيِّ) - بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ - مِنَ الْمُكْثِرِينَ (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُوشِكُ) - بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتُفْتَحُ

فِي لُغَةٍ رَدِيَّةٍ، أَيْ: يَقْرُبُ « (أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ) » ، نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مَرْفُوعٌ عَلَى الْأَشْهَرِ فِي الرِّوَايَةِ اسْمُ يَكُونَ مُؤَخَّرًا، وَخَيْرَ مَالِ خَبَرُهَا مُقَدَّمًا، وَفَائِدَةُ تَقْدِيمِهِ الِاهْتِمَامُ، إِذِ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ الِاعْتِزَالُ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْغَنَمِ، فَلِذَا أَخَّرَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: بِرَفْعِ " خَيْرُ " اسْمٌ، وَنَصْبُ غَنَمًا خَبَرٌ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ يُقَدَّرُ فِي يَكُونَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنْ لَمْ تَجِئْ بِهِ الرِّوَايَةُ.

(يَتَّبِعُ بِهَا) - بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ - افْتِعَالٌ مِنِ اتَّبَعَ اتِّبَاعًا، وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا مِنْ تَبِعَ - بِالْكَسْرِ - يَتْبَعُ بِالْفَتْحِ، أَيْ: بِالْغَنَمِ، (شَعَفَ) ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، فَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، فَفَاءٍ، أَيْ: رُءُوسَ (الْجِبَالِ) - بِالْجِيمِ - وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى شَعَبَ، بِمُوَحَّدَةٍ بَدَلَ الْفَاءِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ النَّاسُ شَعَفَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمُهْمَلَةِ، وَفَاءٍ، جَمْعُ شَعَفَةٍ، كَأَكَمٍ وَأَكَمَةٍ، وَهِيَ رُءُوسُ الْجِبَالِ.

(وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ) ، أَيِ: الْمَطَرِ بِالنَّصْبِ عَلَى شَعَفَ، أَيْ: بُطُونَ الْأَوْدِيَةِ وَالصَّحَارِي؛ إِذْ هُمَا مَوَاضِعُ الرَّعْيِ حَالَ كَوْنِهِ (يَفِرُّ بِدِينِهِ) ، أَيْ: بِسَبَبِهِ مِنَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ دِينِهِ (مِنَ الْفِتَنِ) ، طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ لَا لِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ، وَفِيهِ فَضْلُ الْعُزْلَةِ لِلْخَائِفِ عَلَى دِينِهِ، إِلَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إِزَالَتِهَا، فَتَجِبُ الْخُلْطَةُ عَيْنًا، أَوْ كِفَايَةً بِحَسَبِ الْحَالِ وَالْإِمْكَانِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَاطَ أَوْلَى لِاكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ وَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَغَيْرِهَا، كَإِعَانَةٍ وَإِغَاثَةٍ وَعِبَادَةٍ، وَفَضَّلَ قَوْمٌ الْعُزْلَةَ، لِتَحَقُّقِ السَّلَامَةِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَيَّنُ، وَلِيَعْمَلَ بِمَا عَلِمَ، وَيَأْنَسَ بِدَوَامِ الذِّكْرِ.

نَعَمْ تَجِبُ الْعُزْلَةُ عَلَى مَنْ لَا يَسْلَمُ دِينُهُ بِالصُّحْبَةِ، وَتَجِبُ الصُّحْبَةُ لِمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ فَاتَّبَعَهُ، وَالْبَاطِلَ فَاجْتَنَبَهُ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ لِيَعْمَلَهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْإِيمَانِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَفِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَفِي الْفِتَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ الْمَاجِشُونُ، وَهُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَهُ فِي الْأَدَبِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ مُسْلِمٍ، نَعَمْ أَخْرَجَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ: " «أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» "، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِتَنِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ فَيُقَيَّدُ بِهَا الْمُطْلَقُ، وَلَهَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُكْنَى الْبَوَادِي، وَالسِّيَاحَةِ، وَالْعُزْلَةِ اهـ.

وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.

[بَابُ مَا جَاءَ فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ]

ِ، وَالْبَدْءِ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَرَّبُ إِلَيْهِ عَشَاؤُهُ فَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَلَا يَعْجَلُ عَنْ طَعَامِهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ

ــ

٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ، وَالْبَدْءِ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ

١٨١٤ - ١٧٦٧ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَرَّبُ إِلَيْهِ عَشَاؤُهُ، فَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَلَا يَعْجَلُ) - بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْجِيمِ - (عَنْ طَعَامِهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ) عَمَلًا بِرِوَايَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَأُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا تَعْجَلْ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْهُ» "، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ وَالْمَالُ وَافِرٌ فَقَلَّ الْعَدَدُ وَذَهَبَ الْمَالُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهَا ذَمِيمَةً»

ــ

١٨١٨ - ١٧٧١ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّهُ قَالَ) مُنْقَطِعًا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ مَحْفُوظٌ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ السَّائِلَ رَجُلٌ.

وَعِنْدَهُ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ - بِمُهْمَلَةٍ - مُصَغَّرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ السَّائِلُ قَالَ: « (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ كُلًّا مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا) ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هِيَ دَارُ مُكْمِلٍ - بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْكَافِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ - وَهُوَ ابْنُ عَوْفٍ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، (وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ، وَالْمَالُ وَافِرٌ) : زَائِدٌ (فَقَلَّ الْعَدَدُ، وَذَهَبَ الْمَالُ) رَأْسًا، (فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَعُوهَا ذَمِيمَةً) » ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَيْ: مَذْمُومَةً يَقُولُ: دَعُوهَا، وَأَنْتُمْ لَهَا ذَامُّونَ، وَكَارِهُونَ لِمَا وَقَعَ فِي نُفُوسِكُمْ مِنْ شُؤْمِهَا، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَهُ خَشْيَةً عَلَيْهِمِ الْتِزَامَ الطِّيرَةِ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، لَكِنَّ الْخَالِقَ جَعَلَ ذَلِكَ وَقْتًا لِظُهُورِ قَضَائِهِ، وَأَمْرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا، لِئَلَّا يَقَعَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ فَيَسْتَمِرُّ اعْتِقَادُهُمْ، وَأَفَادَ وَصْفُهَا بِقَوْلِهِ: ذَمِيمَةً جَوَازَ ذَلِكَ، وَإِنَّ ذِكْرَهَا بِقَبِيحِ مَا وَقَعَ فِيهَا سَائِغٌ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا، وَلَا يَمْنَعُ ذَمُّ الْمَحَلِّ الْمَكْرُوهَ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْهُ شَرْعًا، كَمَا يُذَمُّ الْعَاصِي عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ مَا اسْمُكَ فَقَالَ جَمْرَةُ فَقَالَ ابْنُ مَنْ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ مِمَّنْ قَالَ مِنْ الْحُرَقَةِ قَالَ أَيْنَ مَسْكَنُكَ قَالَ بِحَرَّةِ النَّارِ قَالَ بِأَيِّهَا قَالَ بِذَاتِ لَظًى قَالَ عُمَرُ أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدْ احْتَرَقُوا قَالَ فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

ــ

١٨٢٠ - ١٧٧٣ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ، مُنْقَطِعٌ وَصْلَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بِشْرٍ، أَنَّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، (قَالَ) عُمَرُ (لِرَجُلٍ: مَا

اسْمُكَ؟ قَالَ: جَمْرَةُ) - بِالْجِيمِ، وَالرَّاءِ - (فَقَالَ ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ شِهَابِ) ابْنِ طَرْمِ بْنِ مَالِكٍ الْجُهَنِيُّ نَسَبَهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، مُخَضْرَمٌ، (قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنَ الْحُرَقَةِ) - بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَقَافٍ - بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، (قَالَ: أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ: بِحَرَّةِ) - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرَّاءِ - (النَّارِ، قَالَ: بِأَيِّهَا؟ قَالَ: بِذَاتِ لَظَى، قَالَ عُمَرُ: أَدْرِكْ أَهْلَكَ، فَقَدِ احْتَرَقُوا، فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بَشْرَانَ: فَرَجَعَ فَوَجَدَ أَهْلَهُ قَدِ احْتَرَقُوا.

قَالَ الْبَاجِيُّ: كَانَتْ هَذِهِ حَالُ هَذَا الرَّجُلِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَا احْتَرَقَ أَهْلُهُ، وَلَكِنْ شَيْءٌ يُلْقِيهِ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْمُتَفَائِلِ عِنْدَ سَمَاعِ الْفَأْلِ، وَيُلْقِيهِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ، فَيُوَافِقُ مَا قَدَّرَ اللَّهُ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَائِبَةَ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ إِلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ»

ــ

١٨٢٧ - ١٧٨٠ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (عَنْ سَائِبَةَ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ) مُرْسَلٌ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي لُبَابَةَ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ» ) - بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَفَتْحِ النُّونِ الثَّقِيلَةِ - جَمْعُ جَانٍّ، وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، وَقِيلَ: الرَّفِيعَةُ الْخَفِيفَةُ، وَقِيلَ: الرَّقِيقَةُ الْبَيْضَاءُ، وَقِيلَ: مَا لَا يَتَعَرَّضُ لِإِذَايَةِ النَّاسِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْجِنَّانُ مَسْخُ الْجِنِّ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: هِيَ عَوَامِرُ الْبُيُوتِ، فَتُمَثَّلُ فِي صِفَةِ حَيَّةٍ رَقِيقَةٍ بِالْمَدِينَةِ، وَغَيْرِهَا، وَهِيَ الَّتِي نَهَى عَنْ قَتْلِهَا حَتَّى تُنْذَرَ.

وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: إِنَّمَا يُقْتَلُ مِنَ الْحَيَّاتِ الَّتِي تَكُونُ رَقِيقَةً كَأَنَّهَا فِضَّةٌ، وَلَا تَلْتَوِي فِي مَشْيِهَا، قَالَهُ عِيَاضٌ.

قَالَ الْأَبِيُّ: لَوْلَا تَفْسِيرُ مَنْ فَسَّرَ الْجِنَّانَ بِالْحَيَّاتِ عُمُومًا، لَتُوُهِّمَ أَنَّهُ لَا يُنْذَرُ

مِنْ جِنَّانِ الْبُيُوتِ إِلَّا الصَّغِيرُ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الْجِنَّانَ بِالصَّغِيرِ، (الَّتِي فِي الْبُيُوتِ) عُمُومًا أَوْ بُيُوتٍ خَاصَّةٍ عَلَى مَا مَرَّ حَتَّى تُنْذَرَ، وَيُقْتَلُ مَا وُجِدَ فِي الصَّحَارِي بِلَا إِنْذَارٍ.

قَالَ مَالِكٌ: وَيُقْتَلُ مَا وُجِدَ مِنْهَا فِي الْمَسَاجِدِ، (إِلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ) - بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْفَاءِ - تَثْنِيَةُ طُفْيَةٍ، وَهُوَ خُوصَةُ الْمُقَلِ شَبَّهَ بِهِ الْخَطَّيْنِ الَّذِينَ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ، قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُقَالُ إِنَّ ذَا الطُّفْيَيْنِ جِنْسٌ مِنَ الْحَيَّاتِ يَكُونُ عَلَى ظَهْرِهِ خَطَّانِ أَبْيَضَانِ.

(وَالْأَبْتَرُ) مَقْطُوعُ الذَّنَبِ، أَوِ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ الذَّنَبِ.

وَقَالَ الدَّاوُدِيِّ: هُوَ الْأَفْعَى الَّتِي قَدْرُ شِبْرٍ، أَوْ أَكْثَرُ قَلِيلًا، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ بَيْنَهُمَا.

وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ: " «لَا تَقْتُلُوا الْجِنَّانَ إِلَّا كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ» "، وَظَاهِرُهُ اتِّحَادُهُمَا لَكِنَّهُ لَا يَنْفِي الْمُغَايِرَةَ.

وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الْوَاوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ، لَا بَيْنَ الذَّاتَيْنِ فَالْمَعْنَى: اقْتُلُوا الْحَيَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَ الْأَبْتَرِيَّةِ، وَكَوْنِهَا ذَاتَ طُفْيَتَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الْكَرِيمِ، وَالنَّسَمَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا بَيْنَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ مَا اتَّصَفَ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ، وَبِقَتْلِ مَا اتَّصَفَ بِهِمَا مَعًا؛ لِأَنَّ الصِّفَتَيْنِ قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِيهَا، وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ.

(فَإِنَّهُمَا يَخْطَفَانِ) - بِفَتْحِ الطَّاءِ - الْبَصَرَ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَطْمِسَانِ (الْبَصَرَ) ، أَيْ: يَمْحُوَانِ نُورَهُ، ( «وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ» ) مِنَ الْحَمْلِ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَيُسْقِطَانِ الْحَبَلَ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ - قَالَ الْأَبِيُّ: إِمَّا لِلْفَزَعِ، أَوْ لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِمَا، وَقَدْ تَكُونُ الْخَاصِّيَّةُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ نَرَى ذَلِكَ مِنْ سُمِّهِمَا.

قَالَ الْحَافِظُ: زَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ أُذِنَ فِي قَتْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْجَانَّ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِمَا، وَإِنَّمَا يَتِمُّ إِنْ جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا، فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا فَفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِ، انْتَهَى.

وَبِهِ عُلِمَ قَوْلُ السَّيُوطِيِّ، إِنَّمَا اسْتُثْنِيَا؛ لِأَنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ لَا يَتَصَوَّرُونَ فِي صُوَرِهِمَا لِأَذِيَّتِهِمَا بِنَفْسِ رُؤْيَتِهِمَا، وَإِنَّمَا يَتَصَوَّرُ مُؤْمِنُوا الْجِنِّ بِصُورَةِ مَنْ لَا تَضُرُّ رُؤْيَتُهُ، فَإِنَّ هَذَا كَلَامَ الدَّاوُدِيِّ، وَقَدْ عُلِمَ مَا فِيهِ، وَأَيْضًا تَعْلِيلُهُ بِهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ تَعْلِيلِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالْاثْنَيْنِ فَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ»

ــ

١٨٣٢ - ١٧٨٥ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ) : قَالَ أَبُو عُمَرَ مُرْسَلٌ، بِاتِّفَاقِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَوَصْلَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الشَّيْطَانُ) : إِبْلِيسُ، أَوْ أَعَمُّ، (يَهُمُّ) - بِضَمِّ الْهَاءِ - (بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ) ، أَيْ: بِاغْتِيَالِهِ، وَالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِ، أَوْ بِغَيِّهِ وَصَرْفِهِ عَنِ الْحَقِّ وَإِغْوَائِهِ بِالْبَاطِلِ.

احْتِمَالَانِ لِلْبَاجِيِّ.

( «فَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ» ) ؛ لِأَنَّهُمْ رَكْبٌ وَصَحْبٌ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مِنَ الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» "، قَالَ أَبُو عُمَرَ: يَتَّصِلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ حِسَانٍ، وَأَوْرَدَ مِنْهَا جُمْلَةً.

ثُمَّ أَخْرَجَ لَهُ سَبَبًا «عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَافَرَ مَرَّةً فَمَرَّ بِقَبْرٍ جَاهِلِيٍّ، فَخَرَجَ مِنْهُ رَجُلٌ يَتَأَجَّجُ نَارًا فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ، وَمَعِيَ إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْقِنِي، فَقُلْتُ: عَرِّفْنِي أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَقُولُهَا الْعَرَبُ، فَخَرَجَ عَلَى أَثَرِهِ رَجُلٌ مِنَ الْقَبْرِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْقِهِ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ أَخَذَ السِّلْسِلَةَ فَاجْتَذَبَهُ فَأَدْخَلَهُ الْقَبْرَ، ثُمَّ أَضَافَنِي اللَّيْلُ إِلَى بَيْتِ عَجُوزٍ إِلَى جَانِبِهَا قَبْرٌ، فَسَمِعْتُ مِنْهُ صَوْتًا يَقُولُ: بَوْلٌ وَمَا بَوْلُ شَنٍّ، وَمَا شَنَّ، فَقُلْتُ لِلْعَجُوزِ: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: كَانَ زَوْجًا لِي، وَكَانَ لَا يَتَّقِي الْبَوْلَ، وَأَقُولُ لَهُ: وَيْحَكَ إِنَّ الْجَمَلَ إِذَا بَالَ تَفَاجَّ، فَيَأْبَى فَهُوَ يُنَادِي مِنْ يَوْمِ مَاتَ بَوْلٌ، وَمَا بَوْلُ، قُلْتُ: فَمَا الشَّنُّ؟ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ عَطْشَانُ فَقَالَ: اسْقِنِي، فَقَالَ: دُونَكَ الشَّنُّ، فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَخَرَّ الرَّجُلُ مَيِّتًا، فَهُوَ يُنَادِي شَنٌّ، وَمَا شَنٌّ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرْتُهُ فَنَهَى أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ» ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ لَمْ أُورِدْهُ لِلِاحْتِجَاجِ، وَلَكِنْ لِلِاعْتِبَارِ، وَمَا لَا حُكْمَ فِيهِ يُسَامَحُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الضُّعَفَاءِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا»

ــ

١٨٣٣ - ١٧٨٦ - (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كِيسَانَ (الْمَقْبُرِيِّ) - بِضَمِّ الْبَاءِ، وَفَتْحِهَا - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا لِمُعْظَمِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَرَوِيُّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ

عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَذَا اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْهُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَبَّابَةَ عَنْهُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَصَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَةَ إِسْقَاطِ عَنْ أَبِيهِ لِاتِّفَاقِ مَالِكٍ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَسُهَيْلٍ عَلَى إِسْقَاطِهِ، وَانْتَقَدَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ إِخْرَاجَهُمَا رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَلَى مُسْلِمٍ إِخْرَاجَهُ رِوَايَةَ اللَّيْثِ بِإِثْبَاتٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ لَا يَقْدَحُ، فَإِنَّ سَمَاعَ سَعِيدٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَفْسِهِ فَحَدَّثَ بِهِ عَنِ الْوَجْهَيْنِ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ، فَقَالَ: سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ سَعِيدُ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ اهـ.

وَيُؤَيِّدُهُ أَنْ سَعِيدًا لَيْسَ بِمُدَلِّسٍ، فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» ) : يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الَّذِي يَسْتَمِرُّ لِلْمُتَّصِفِ بِهِ خِطَابُ الشَّرْعِ، فَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَيَنْقَادُ لَهُ، أَوْ أَنَّ الْوَصْفَ ذُكِرَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهَا إِذَا سَافَرَتْ بِلَا مَحْرَمٍ خَالَفَتْ شَرْطَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمُقْتَضِي الْمَوْقُوفَ عِنْدَمَا نُهِيَتْ عَنْهُ، أَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ إِخْرَاجُ الْكَافِرَةِ كِتَابِيَّةً، أَوْ حَرْبِيَّةً كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَمَسُّكًا بِالْمَفْهُومِ.

(تُسَافِرُ) هَكَذَا الرِّوَايَةُ بِدُونِ أَنْ، نَظِيرُ قَوْلِهِمْ تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ، فَتَسْمَعُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَتُسَافِرُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، فَيَجُوزُ رَفْعُهُ وَنَصْبُهُ بِإِضْمَارِ أَنْ، قَالَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ، (مَسِيرَةَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى السَّيْرِ، بِمَعِيشَةَ؛ بِمَعْنَى الْعَيْشِ، وَلَيْسَتِ التَّاءُ فِيهِ لِلْمَرَّةِ.

( «يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» ) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ - أَيْ: حَرَامٍ (مِنْهَا) بِنَسَبٍ، أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ تَنْزِيهًا سَفَرَهَا مَعَ ابْنِ زَوْجِهَا لِفَسَادِ الزَّمَانِ، وَحَدَاثَةِ الْحُرْمَةِ، وَلِأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى النَّفْرَةِ عَنِ امْرَأَةِ الْأَبِ، لَيْسَ كَالدَّاعِي إِلَى النَّفْرَةِ عَنْ سَائِرِ الْمَحَارِمِ، وَالْمَرْأَةُ فِتْنَةٌ إِلَّا فِيمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مَحَارِمِ النَّسَبِ، وَعَلَّلَهُ الْبَاجِيُّ بِعَدَاوَةِ الْمَرْأَةِ لِرَبِيبِهَا، وَعَدَمِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهَا، وَصَوَّبَ غَيْرُهُ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ، زَادَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: أَوْ زَوْجٍ، وَفِي مَعْنَاهُ السَّيِّدُ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ الزَّوْجِ، لِقَيْسَ عَلَى الْمَحْرَمِ قِيَاسًا جَلِيًّا، وَلَفْظُ امْرَأَةٍ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ.

وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ، لَا عَنِ الْبَاجِيِّ، كَمَا زَعَمَ أَنَّهُ فِي الشَّابَّةِ، أَمَّا الْكَبِيرَةُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، فَتُسَافِرُ فِي

كُلِّ الْأَسْفَارِ بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا حَرَامٌ، وَمَا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهَا غَالِبًا عَوْرَةٌ، فَالْمَظِنَّةُ مَوْجُودَةٌ فِيهَا، وَالْعُمُومُ صَالِحٌ لَهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهُ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَرْأَةُ مَظِنَّةُ الطَّمَعِ فِيهَا، وَمَظِنَّةُ الشَّهْوَةِ، وَلَوْ كَبِيرَةً، وَقَدْ قَالُوا: لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ، وَيَجْتَمِعُ فِي الْأَسْفَارِ مِنْ سُفَهَاءِ النَّاسِ وَسَقْطِهِمْ مَنْ لَا يَتَرَفَّعُ عَنِ الْفَاحِشَةِ بِالْعَجُوزِ، وَغَيْرِهَا، لِغَلَبَةِ شَهْوَتِهِ وَقِلَّةِ دَيْنِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَحَيَائِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ اه.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: " «أَنْ تُسَافِرَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا» "، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبِي دَاوُدَ: " «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» "، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الْمَذْكُورَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ» "، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: يَوْمٍ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ بَرِيدٍ بَدَلُ يَوْمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ يَوْمَيْنِ، وَفِي أُخْرَى إِطْلَاقُ السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، فَجَمَعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَعِيَاضٌ، وَغَيْرُهُمْ، وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ لِلْعُلَمَاءِ بِأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ السَّائِلِينَ، فَسُئِلَ مَرَّةً عَنْ سَفَرِهَا لَيْلَةً، فَقَالَ: لَا، وَأُخْرَى عَنْ سَفَرِهَا يَوْمًا، فَقَالَ: لَا، وَهَكَذَا فِي جَمِيعِهَا، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ، قَالَ الْأَبِيُّ: وَالْمُرَادُ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ جَوَابًا لِسَائِلَيْنِ، فَلَا مَفْهُومَ لِأَحَدِهَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفِقْهُ جَمَعَ أَحَادِيثَ الْبَابِ، فَحَقُّ النَّاظِرِ أَنْ يَسْتَحْضِرَ جَمِيعَهَا، وَيَنْظُرَ أَخَصَّهَا فَيُنِيطُ الْحُكْمَ بِهِ، وَأَخَصُّهَا بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ يَوْمٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ فِيهِ امْتَنَعَ فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ، ثُمَّ أَخَصُّ مِنْ يَوْمٍ وُصْفُ السَّفَرِ الْمَذْكُورِ فِي جَمِيعِهَا، فَيُمْنَعُ فِي أَقَلِّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ، ثُمَّ أَخَصُّ مِنَ اسْمِ السَّفَرِ الْخَلْوَةُ بِهَا، فَلَا تُعَرِّضُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِالْخَلْوَةِ مَعَ أَحَدٍ، وَإِنْ قَلَّ الْزَمْنُ لِعَدَمِ الْأَمْنِ لَا سِيَّمَا مَعَ فَسَادِ الزَّمَنِ، وَالْمَرْأَةُ فِتْنَةٌ إِلَّا فِيمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ النُّفْرَةِ مِنْ مَحَارِمِ النَّسَبِ، وَقَدِ اتَّقَى بَعْضُ السَّلَفِ الْخَلْوَةَ بِالْبَهِيمَةِ، وَقَالَ: شَيْطَانٌ مُغْوِيٌّ، وَأُنْثَى حَاضِرَةٌ اه.

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا بِأَنَّ الْيَوْمَ الْمَذْكُورَ بِمَعْنَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ الْمَجْمُوعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلَ مِنَ الْيَوْمِ، وَيَكُونُ ذِكْرُهُ يَوْمَيْنِ مُدَّةَ مَغِيبِهَا فِي هَذَا السَّفَرِ فِي السَّيْرِ، وَالرُّجُوعِ، فَأَشَارَ مَرَّةً لِمَسَافَةِ السَّفَرِ وَمَرَّةً لِمُدَّةِ الْمَغِيبِ، وَهَكَذَا فِي ذِكْرِ الثَّلَاثِ، فَقَدْ يَكُونُ الْيَوْمُ الْوَسَطُ بَيْنَ السَّيْرِ وَالرُّجُوعِ الَّذِي تَقْضِي فِيهِ حَاجَتَهَا، حَيْثُ سَافَرَتْ لَهُ فَتَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا كُلُّهُ تَمْثِيلًا بِأَقَلِّ الْأَعْدَادِ، إِذِ الْوَاحِدُ أَوَّلُ الْعَدَدِ، وَالِاثْنَانِ أَوَّلُ الْكَثِيرِ وَأَقَلُّهُ، وَالثَّلَاثَةُ أَقَلُّ الْجَمْعِ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي قِلَّةِ الزَّمَانِ لَا يَحِلُّ لَهَا السَّفَرُ فِيهِ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ فَكَيْفَ بِمَا زَادَ؟ وَبِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا اه.

وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا عَلَى أَنَّ الْمَحْرَمَ، أَوِ الزَّوْجَ شَرْطٌ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمَرْأَةِ لِلْحَجِّ، فَإِنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهَا السَّفَرُ إِلَّا مَعَ أَحَدِهِمَا، وَالْحَجُّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْفَارِ، فَيَكُونُ حَرَامًا عَلَيْهَا فَلَا يَجِبُ.

وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ

فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا، وَطَائِفَةٌ لَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا تَحُجُّ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَاخْتُلِفَ هَلْ مُرَادُهُ مَجْمُوعُ الصِّنْفَيْنِ، أَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا؟ وَأَكْثَرُ مَا نُقِلَ عَنْهُ اشْتِرَاطُ النِّسَاءِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَحُجُّ مَعَ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ مَسْلَمَةٍ ثِقَةٍ، وَاعْتَرَضَهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ ذَا مَحْرَمٍ مِنْهَا، فَإِبَاحَةُ الْخُرُوجِ مَعَهَا فِي سَفَرِ الْحَجِّ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي حَجِّ الْفَرْضِ، فَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا تَخْرُجُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِحَمْلِهِ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ، لَا الْفَرْضِ قِيَاسًا عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي الْكَافِرَةِ، إِذَا أَسْلَمَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ مِنْهَا، وَإِنْ بِلَا مَحْرَمٍ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وُجُوبُ الْحَجِّ وَالْهِجْرَةِ.

وَتَعَقَّبَهُ الْمَازِرِيُّ، وَغَيْرُهُ بِأَنَّ إِقَامَتَهَا فِي دَارِ الْكُفْرِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهَا تَخْشَى عَلَى دِينِهَا وَنَفْسِهَا، وَلَا كَذَلِكَ تَأْخِيرُ الْحَجِّ لِلْخِلَافِ فِي فَوْرِيَّتِهِ، وَتَرَاخِيهِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ مُخَالَفَةُ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] (سورة آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ٩٧) ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الِاسْتِطَاعَةُ بِالْبَدَنِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ عَلَيْهِ بِبَدَنِهِ، وَمَنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا قَادِرَةٌ بِبَدَنِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا تَعَارَضَتْ هَذِهِ الظَّوَاهِرُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَجَمَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنْ جَعَلَ الْحَدِيثَ مُبَيِّنًا لِلِاسْتِطَاعَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَرَأَى مَالِكٌ، وَمُوَافِقُوهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الْأَمْنِيَّةُ بِنَفْسِهَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْأَسْفَارِ الْوَاجِبَةِ، وَقَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِحَمْلِ الْأَخْبَارِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الطَّرِيقُ أَمْنًا.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُمْكِنُ أَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا خَرَجَ لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الْخَلْوَةِ، وَانْكِشَافِ عَوْرَاتِهِنَّ غَالِبًا، فَإِذَا أُمِنَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَكُونُ فِي الرُّفْقَةِ نِسَاءٌ تَنْحَاشُ إِلَيْهِنَّ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهَذَا عِنْدِي فِي الِانْفِرَادِ وَالْعَدَدِ الْيَسِيرِ، فَأَمَّا فِي الْقَوَافِلِ الْعَظِيمَةِ، فَهِيَ كَالْبِلَادِ يَصِحُّ فِيهَا سَفَرُهَا دُونَ نِسَاءٍ، وَدُونَ مَحْرَمٍ، انْتَهَى.

وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ هَذَا الْقَيْدَ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَمَحَلُّ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ كَوُجُودِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ مُنْقَطِعَةٍ مَثَلًا، فَلَهُ أَنْ يَصْحَبَهَا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا خَافَ عَلَيْهَا لَوْ تَرَكَهَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ أُخَرُ لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا.

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَالنُّفَيْلِيِّ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ يُدَوِّنُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَكَذَا رَوَاهُ مُعْظَمُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، انْتَهَى. وَفِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَبِيهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَافِ، وَلِلْحَدِيثِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ»

ــ

١٨٣٥ - ١٧٨٨ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ) - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ - (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ، وَسُمَيٌّ، فَلَا يَصِحُّ لِغَيْرِهِ عَنْهُ، وَانْفَرَدَ بِهِ سُمَيٌّ أَيْضًا فَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ.

وَصَرَّحَ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ عَنْ مَالِكٍ بِتَحْدِيثِ سُمَيٍّ لَهُ، وَشَذَّ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، فَقَالَ: مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلٍ بَدَلُ سُمَيٍّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلٍ، وَأَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ رِوَايَةً عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ عَنْهُ، فَقَالَ عَنْ سُمَيٍّ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِكٍ، قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُمَيٍّ غَيْرُ مَالِكٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونِي عَنْ حَدِيثِ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» ؟ فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُمَيٍّ أَحَدٌ غَيْرَكَ، فَقَالَ: لَوْ عَرَفْتُ مَا حَدَّثْتُ بِهِ، وَكَانَ مَالِكٌ: رُبَّمَا أَرْسَلَهُ، انْتَهَى.

وَفِي التَّمْهِيدِ رَوَاهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَبُسْرُ بْنُ مَعْمَرٍ عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلًا، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ مِنْ نَشَاطِ الْمُحَدِّثِ وَكَسَلِهِ، أَحْيَانًا يَنْشَطُ فَيُسْنِدُ، وَأَحْيَانًا يَكْسُلُ فَيُرْسِلُ عَلَى حَسَبِ الْمُذَاكَرَةِ، وَالْحَدِيثُ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ احْتَاجَ النَّاسُ فِيهِ إِلَى مَالِكٍ، انْتَهَى.

وَرَوَاهُ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَوُهِمَ فِيهِ أَيْضًا عَلَى مَالِكٍ، وَرَوَاهُ رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ سُمَيٍّ. . . إِلَخْ، فَزَادَ فِيهِ إِسْنَادًا آخَرَ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَخْطَأَ فِيهِ رَوَّادُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَيْسَ رَوَّادٌ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ فِي حَدِيثِ سُهَيْلٍ أَصْلًا، وَأَنْ سُمَّيًّا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانِ الزَّيَّاتِ، وَرَوَاهُ حَمَدٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، وَابْنُ عَدِيٍّ عَنْ جَهْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ أَبُو صَالِحٍ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ أَيْضًا، فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، بَلْ فِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ.

( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ» ) ، أَيْ: جُزْءٌ (مِنَ الْعَذَابِ) ، أَيِ: الْأَلَمِ النَّاشِئِ عَنِ الْمَشَقَّةِ لِمَا يَحْصُلُ فِي الرُّكُوبِ، وَالْمَشْيِ مِنْ تَرْكِ الْمَأْلُوفِ، كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْخَوْفِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ وَالْفِرَاقِ لِلْأَحْبَابِ، سُئِلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ حِينَ جَلَسَ مَوْضِعَ أَبِيهِ: لِمَ كَانَ السَّفَرُ قِطْعَةً مِنَ الْعَذَابِ؟ فَأَجَابَ عَلَى الْفَوْرِ: لِأَنَّ فِيهِ فِرَاقَ الْأَحْبَابِ، ( «يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» ) ، بِنَصْبِ الثَّلَاثَةِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ كَأَعْطَى، وَفَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ اسْتِئْنَافًا كَالْجَوَابِ لِمَنْ قَالَ: لِمَ كَانَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُ أَيْ: وَجْهُ التَّشْبِيهِ الِاشْتِمَالُ عَلَى الْمَشَقَّةِ.

وَقَدْ جَاءَ التَّعْلِيلُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَلَفْظُهُ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يُشْغَلُ فِيهِ عَنْ صَلَاتِهِ، وَصِيَامِهِ، فَذَكَرَ

الْحَدِيثَ، وَالْمُرَادُ مَنْعُ الْكَمَالِ لَا الْأَصْلِ.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ: لَا يَهِنُ أَحَدُكُمْ نَوْمَهُ، وَلَا طَعَامَهُ وَلَا شَرَابَهُ.

وَلِابْنِ عَدِيٍّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: وَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ إِلَّا سُرْعَةُ السَّيْرِ، وَالْمُرَادُ مَنْعُهُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِمَسِيرِهِ.

( «فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ» ) - بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْهَاءِ - قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَضَبَطْنَاهُ أَيْضًا بِكَسْرِ النُّونِ، أَيْ: حَاجَتَهُ بِأَنْ بَلَغَ هِمَّتَهُ، (مِنْ وَجْهِهِ) ، أَيْ: مِنْ مَقْصَدِهِ.

وَلِابْنِ عَدِيٍّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ وَطَرَهُ مِنْ سَفَرِهِ» "، وَفِي رِوَايَةٍ رَوَاهُ: " «فَإِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ حَاجَتِهِ» "، (فَلْيُعَجِّلْ) - بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ، وَكَسْرِ الْجِيمِ مُشَدَّدَةٍ - الرُّجُوعَ (إِلَى أَهْلِهِ) ، فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ، وَفِي رِوَايَةِ عَتِيقٍ: " «فَلْيُعَجِّلِ الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِهِ» "، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ: " «فَلْيُعَجِّلِ الْكَرَّةَ إِلَى أَهْلِهِ» "، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: " «فَلْيُعَجِّلِ الرِّحْلَةَ إِلَى أَهْلِهِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ» "، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَادَ فِيهِ بَعْضُ الضُّعَفَاءِ عَنْ مَالِكٍ: " «وَلِيَتَّخِذْ لِأَهْلِهِ هَدِيَّةً» ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا حَجَرًا فَلْيَنْقُلْهُ فِي مِخْلَاتِهِ "، وَالْحِجَارَةُ يَوْمَئِذٍ يُضْرَبُ بِهَا الْقِدَاحُ، يَعْنِي حَجْرَ الزِّنَادِ، قَالَ: وَهِيَ زِيَادَةٌ مُنْكَرَةٌ لَا تَصِحُّ.

وَفِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ التَّغَرُّبِ عَنِ الْأَهْلِ بِلَا حَاجَةٍ، وَنَدْبُ اسْتِعْجَالِ الرُّجُوعِ لَا سِيَّمَا مَنْ يَخْشَى عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ، وَلِمَا فِي الْإِقَامَةِ فِي الْأَهْلِ مِنَ الرَّاحَةِ الْمُعِينَةِ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَتَحْصِيلِ الْجَمَاعَاتِ وَالْقُوَّةِ عَلَى الْعِبَادَاتِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «سَافِرُوا تَصِحُّوَا» "؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الصِّحَّةِ بِالسَّفَرِ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاضَةِ أَنْ لَا يَكُونَ قِطْعَةً مِنَ الْعَذَابِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، فَصَارَ كَالدَّوَاءِ الْمُرِّ الْمُعَقِّبِ لِلصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي تَنَاوُلِهِ كَرَاهَةٌ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْخَطَّابِيُّ تَغْرِيبَ الزَّانِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِتَعْذِيبِهِ، وَالسَّفَرُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَذَابِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَفِي الْجِهَادِ عَنِ التِّنِّيسِيِّ، وَفِي الْأَطْعِمَةِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ، وَمُسْلِمٌ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ، وَالْقَعْنَبِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَبِي مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، وَمَنْصُورِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، الثَّمَانِيَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَوَرَدَ عَلَى سُؤَالٍ مِنَ الشَّامِ: هَلْ وَرَدَ السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ سَقَرٍ؟ كَمَا هُوَ دَارِجٌ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَإِذَا قُلْتُمْ: لَمْ يُرِدْ، هَلْ تَجُوزُ رِوَايَتُهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» "، فَأُجِيبَ: لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ الدَّارِجِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْحَافِظَانِ: السَّخَاوِيُّ، وَالسُّيُوطِيُّ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، مَعَ ذِكْرِهِمَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الْمَذْكُورَ، فَلَعَلَّ هَذَا اللَّفْظَ مِمَّا حَدَّثَ بَعْدَهُمَا، وَلَا تَجُوزُ رِوَايَتُهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ، إِذْ مِنْ شَرْطِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ بِجَوَازِهَا؛ أَنْ يَقْطَعَ بِأَنَّهُ أَدَّى بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْوَارِدِ، وَ " قِطْعَةٌ مِنْ سَقَرٍ " لَا يُؤَدِّي مَعْنَى " قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ " بِمَعْنَى التَّأَلُّمِ مِنَ الْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ سَقَرٍ كَوْنُهُ تَشْبِيهًا بَلِيغًا، أَوِ اسْتِعَارَةً يَقْتَضِي قُوَّةَ الْمَشَقَّةِ جِدًّا، فَفِي التَّنْزِيلِ: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ} [الرعد: ٣٤] (سورة الرَّعْدِ: الْآيَةُ ٣٤) ، فَلَا يُؤَدِّي عَلَى طَرِيقِ الْقَطْعِ مَعْنَى

الْعَذَابِ الْمَجْهُولِ عَلَى مَشَقَّاتِ الدُّنْيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»

ــ

١٦٤٠ - ١٥٩٢ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) ، ابْنُ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ فَأَلِفٍ فَمُوَحَّدَةٍ (سَعِيدَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ (بْنَ يَسَارٍ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ الْمَدَنِيَّ الثِّقَةَ الْمُتْقِنَ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ، يُقَالُ إِنَّهُ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَيُقَالُ مَوْلَى شُمَيْسَةَ النَّصْرَانِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ

بِالْمَدِينَةِ عَلَى يَدِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَقِيلَ مَوْلَى شُقْرَانَ مَوْلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَمَرَنِي رَبِّي بِالْهِجْرَةِ إِلَى قَرْيَةٍ (تَأْكُلُ الْقُرَى) أَيْ تَغْلِبُهَا وَتَظْهَرُ عَلَيْهَا، يَعْنِي أَنَّ أَهْلَهَا تَغْلِبُ أَهْلَ سَائِرِ الْبِلَادِ فَتُفْتَحُ مِنْهَا، يُقَالُ أَكَلْنَا بَنِي فُلَانٍ أَيْ غَلَبْنَاهُمْ وَظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْغَالِبَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الشَّيْءِ كَالْمُفْنِي لَهُ إِفْنَاءَ الْآكِلِ إِيَّاهُ، وَفِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ قُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا تَأْكُلُ الْقُرَى أَيْ مَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: تَفْتَحُ الْقُرَى لِأَنَّ مِنَ الْمَدِينَةِ افْتَتَحَتِ الْقُرَى كُلَّهَا بِالْإِسْلَامِ.

وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: فِي التَّوْرَاةِ يَقُولُ اللَّهُ يَا طَابَةُ يَا مِسْكِينَةُ إِنِّي سَأَرْفَعُ أَجَاجِيرَكِ عَلَى أَجَاجِيرِ الْقُرَى، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ تَأْكُلُ الْقُرَى ; لِأَنَّهَا إِذَا عَلَتْ عَلَيْهَا عُلُوَّ الْغَلَبَةِ أَكَلَتْهَا، وَيَكُونُ الْمُرَادُ يَأْكُلُ فَضْلُهَا الْفَضَائِلَ أَيْ يَغْلِبُ فَضْلُهَا الْفَضَائِلَ حَتَّى إِذَا قِيسَتْ بِفَضْلِهَا تَلَاشَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، وَجَاءَ فِي مَكَّةَ أَنَّهَا أُمُّ الْقُرَى، لَكِنَّ الْمَذْكُورَ لِلْمَدِينَةِ أَبْلَغُ مِنَ الْأُمُومَةِ إِذْ لَا يُمْحَى بِوُجُودِهَا وُجُودُ مَا هِيَ أُمٌّ لَهُ لَكِنْ يَكُونُ حَقُّ الْأُمُومَةِ أَظْهَرَ، وَمَعْنَى تَأْكُلُ الْقُرَى مِنَ الْفَضَائِلِ تَضْمَحِلُّ فِي جَنْبِ عَظِيمِ فَضْلِهَا حَتَّى يَكُونَ عَدَمًا، وَمَا تَضْمَحِلُّ لَهُ الْفَضَائِلُ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّا تَبْقَى مَعَهُ الْفَضَائِلُ اهـ.

وَفِيهِ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: لِأَنَّ الْمَدِينَةَ هِيَ الَّتِي أَدْخَلَتْ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْقُرَى فِي الْإِسْلَامِ فَصَارَ الْجَمِيعُ فِي صَحَائِفِ أَهْلِهَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ فَتَحُوا مَكَّةَ فِيهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَالْفَضْلُ ثَابِتٌ لِلْفَرِيقَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلُ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ، قُلْنَا: لَا نِزَاعَ فِي ثُبُوتِ الْفَضْلِ لِلْفَرِيقَيْنِ وَلِلْقَرْيَتَيْنِ، كَمَا أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ مَكَّةَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُرَى الَّتِي أَكَلَتْهَا الْمَدِينَةُ فَيَلْزَمُ تَفْضِيلُهَا عَلَيْهَا.

(وَيَقُولُونَ) أَيْ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ (يَثْرِبُ) بِالرَّفْعِ يُسَمُّونَهَا بَاسِمِ وَاحِدٍ مِنَ الْعَمَالِقَةِ نَزَلَهَا، وَقِيلَ بِاسْمِ يَثْرِبَ بْنِ قَانِيَةٍ مِنْ وَلَدِ إِرَمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ كَانَ لِمَوْضِعٍ مِنْهَا سُمِّيَتْ بِهِ كُلُّهَا، وَكَرِهَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ مِنَ التَّثْرِيبِ الَّذِي هُوَ التَّوْبِيخُ وَالْمَلَامَةُ أَوْ مِنَ الثَّرْبِ وَهُوَ الْفَسَادُ وَكِلَاهُمَا قَبِيحٌ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ وَيَكْرَهُ الْقَبِيحَ وَلِذَا قَالَ، يَقُولُونَ يَثْرِبُ (وَهِيَ الْمَدِينَةُ) أَيِ الْكَامِلَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَالْبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ فَهُوَ اسْمُهَا الْحَقِيقِيُّ لَهَا لِأَنَّ التَّرْكِيبَ يَدُلُّ عَلَى التَّفْخِيمِ كَقَوْلِهِ: وَهُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدٍ.

أَيْ هِيَ الْمُسْتَحِقَّةُ لِأَنْ تُتَّخَذَ دَارَ إِقَامَةٍ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا فِي الْقُرْآنِ يَثْرِبَ فَإِنَّمَا هِيَ حِكَايَةٌ عَنِ الْمُنَافِقِينَ.

وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ هِيَ طَابَةُ هِيَ طَابَةُ» " وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُقَالَ لِلْمَدِينَةِ يَثْرِبُ» " قَالَ عِيَاضٌ: فَهِمَ

الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا مَنْعَ أَنْ يُقَالَ يَثْرِبُ حَتَّى قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةً.

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ اهـ.

وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ فَإِذَا هِيَ يَثْرِبُ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا أَرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ (تَنْفِي) بِكَسْرِ الْفَاءِ (النَّاسَ) أَيِ الْخَبِيثَ الرَّدِيءَ مِنْهُمْ (كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: هُوَ مَوْضِعُ نَارِ الْحَدَّادِ وَالصَّائِغِ وَلَيْسَ الْجِلْدُ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ كِيرًا هَكَذَا قَالَ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ (خَبَثَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَمُثَلَّثَةٍ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (الْحَدِيدِ) أَيْ وَسَخِهِ الَّذِي تُخْرِجُهُ النَّارُ، أَيْ لَا تَتْرُكُ فِيهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ دَغَلٌ، بَلْ تُمَيِّزُهُ عَنِ الْقُلُوبِ الصَّادِقَةِ وَتُخْرِجُهُ، كَمَا تُمَيِّزُ النَّارُ رَدِيءَ الْحَدِيدِ مِنْ جَيِّدِهِ، وَنُسِبَ التَّمْيِيزُ لِلْكِيرِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْأَكْبَرُ فِي اشْتِعَالِ النَّارِ الَّتِي وَقَعَ التَّمْيِيزُ بِهَا.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْ جِوَارِهِ فِيهَا إِلَّا مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا الْخِيَارُ الْفُضَلَاءُ الْأَبْرَارُ، وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ فَقَالَ: الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا يَخْتَصُّ بِزَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصْبِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْمُقَامِ مَعَهُ إِلَّا مَنْ ثَبَتَ إِيمَانُهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ وَجَهَلَةُ الْأَعْرَابِ فَلَا يَصْبِرُونَ عَلَى شِدَّةِ الْمَدِينَةِ وَلَا يَحْتَسِبُونَ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي أَصَابَهُ الْوَعْكُ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي اهـ.

وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ عُمُومَهُ لِمَا وَرَدَ أَنَّهَا فِي زَمَنِ الدَّجَّالِ تَرْجُفُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنْهَا كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ، قَالَ: فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمُ اخْتُصُّوا بِزَمَنِ الدَّجَّالِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِي أَزْمَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قَالَ الْأُبِّيُّ: فَإِنْ قِيلَ قَدِ اسْتَقَرَّ الْمُنَافِقُونَ فِيهَا، أُجِيبَ بِأَنَّهُمُ انْتَفَوْا بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَشَدُّ النَّفْيِ، فَإِنْ قِيلَ قَدِ اسْتَقَرَّ بِهَا الرَّوَافِضُ وَنَحْوُهَا، قُلْتُ: إِنْ كَانَ نَفْيُهَا الْخَبَثَ خَاصًا بِزَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْجَوَابُ وَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْخَبَثِ إِخْمَادُ بِدْعَةِ مَنْ يَسْكُنُهَا مِنَ الْمُبْتَدَعَةِ، وَعَدَمُ ظُهُورِهِ بِحَيْثُ يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ وَهَذَا لَمْ يَتَّفِقْ فِيهَا اهـ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَقَالَ: إِنَّهُمَا قَالَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الْخَبَثَ لَمْ يُذْكَرِ الْحَدِيدُ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي وَالْفَاتِنُ

ــ

١٦٦٤ - ١٦١٦ - (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ) الْمَذْكُورِ آنِفًا (عَنْ عَمْرٍو) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، ابْنِ دِينَارٍ الْمَكِّيِّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ) وَهُوَ خَلِيفَةٌ: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي) الَّذِي يُبَيِّنُ الرُّشْدَ مِنَ الْغَيِّ وَأَلْهَمَ طُرُقَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ كُلَّ مُكَلَّفٍ، وَالدُّنْيَوِيَّةِ كُلَّ حَيٍّ.

(وَالْفَاتِنُ) بِمَعْنَى الْمُضِلِّ الْوَارِدِ فِي أَسْمَائِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا وَارِدٌ أَيْضًا عَنْ صَحَابِيٍّ، فَهُوَ تَوْقِيفٌ، إِذْ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، وَفِي التَّنْزِيلِ: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ} [طه: ٨٥] [سُورَةُ طه: الْآيَةُ ٨٥] وَ {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ} [الأعراف: ١٥٥] [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: الْآيَةُ ١٥٥] وَأَخْرَجَ أَبُو عُمَرَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ مَنْ حَرَمَنِي الْهُدَى وَأَوْرَثَنِي الضَّلَالَةَ وَالرَّدَى أَتُرَاهُ أَحْسَنَ إِلَيَّ أَوْ ظَلَمَنِي؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانَ الْهُدَى شَيْئًا كَانَ لَكَ عِنْدَهُ فَمَنَعَكَ فَقَدْ ظَلَمَكَ، وَإِنْ كَانَ الْهُدَى لَهُ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ فَمَا ظَلَمَكَ شَيْئًا وَلَا تُجَالِسْنِي بَعْدُ.

وَبِهَذَا أَجَابَ رَبِيعَةُ غَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ لَمَّا سَأَلَهُ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ «جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا ثُمَّ رَجَعَ فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَثَرِهِ فَقَالَ مَا لَكَ لَمْ تَدْخُلْ فَقَالَ أَبُو مُوسَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ فَقَالَ عُمَرُ وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ مَجْلِسًا فِي الْمَسْجِدِ يُقَالُ لَهُ مَجْلِسُ الْأَنْصَارِ فَقَالَ إِنِّي أَخْبَرْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ فَقَالَ لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَلْيَقُمْ مَعِي فَقَالُوا لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قُمْ مَعَهُ وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْغَرَهُمْ فَقَامَ مَعَهُ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي مُوسَى أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

ــ

١٧٩٨ - ١٧٥١ - (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فَرُّوخَ الْمَدَنِيِّ (عَنْ غَيْرِ) ، أَيْ أَكْثَرَ مِنْ (وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ) ، وَصَلَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: (أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: " كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ

الْأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى، كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ وَلِمُسْلِمٍ: " كُنَّا فِي مَجْلِسٍ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَتَى أَبُو مُوسَى مُغْضَبًا وَلِأَبِي دَاوُدَ: " فَجَاءَ أَبُو مُوسَى فَزِعًا، فَقُلْنَا لَهُ: مَا أَفْزَعَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرُ أَنْ آتِيَهُ فَأَتَيْتُهُ (فَاسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا، ثُمَّ رَجَعَ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَفَرَغَ عُمَرُ - أَيْ: مِمَّا كَانَ مَشْغُولًا بِهِ - فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ائْذَنُوا لَهُ؟ قِيلَ: إِنَّهُ رَجَعَ.

(فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَثَرِهْ) ، بِفَتْحَتَيْنِ وَبِكَسْرٍ، فَسُكُونٍ، أَيْ: قُرْبَ رُجُوعِهِ، (فَقَالَ: مَا لَكَ لَمْ تَدْخُلْ؟) ، وَفِي رِوَايَةٍ: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي وَقَدْ دَعَوْتُكَ "؟ فَقَالَ (أَبُو مُوسَى) : زَادَ فِي رِوَايَةٍ: " اسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعَتُ ( «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ» ) مِنَ الْمَرَّاتِ، (فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ) ، قِيلَ: لِأَنَّ الْكَلَامَ إِذَا كُرِّرَ ثَلَاثًا سُمِعَ وَفِهِمَ غَالِبًا.

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بُرْدَةَ: " جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا أَبُو مُوسَى، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ انْصَرَفَ قَالَ الْحَافِظُ: يُؤْخَذُ مِنْ صَنِيعِ أَبِي مُوسَى حَيْثُ ذَكَرَ اسْمَهُ أَوَّلًا وَكُنْيَتَهُ ثَانِيًا، وَنِسْبَتَهُ ثَالِثًا، أَنَّ الْأُولَى هِيَ الْأَصْلُ، وَالثَّانِيَةُ إِذَا جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْتَبَسَ عَلَى مَنِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، وَالثَّالِثَةُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ عَرَفَهُ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَا فَعَلَهُ أَبُو مُوسَى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ تَوْقِيفًا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَوْقِيفًا فَقَوْلُ رَاوِي الْحَدِيثِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ، انْتَهَى.

وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، فَقَالَ: يَسْتَأْذِنُ أَبُو مُوسَى، ثُمَّ قَالَ ثَانِيًا: يَسْتَأْذِنُ الْأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ ثَالِثًا: يَسْتَأْذِنُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْكُنْيَةِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ: جَمَعَ بَيْنَ الْكُنْيَةِ وَالنِّسْبَةِ، وَفِي الثَّالِثَةِ: جَمَعَ بَيْنَ النِّسْبَةِ وَالِاسْمِ، وَالتَّقْصِيرُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ، إِمَّا لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ الْمَتْرُوكَ، فَرَوَى مَا تَحَقَّقَ، أَوْ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى حَدَّثَ تَارَةً بِكَذَا، وَأُخْرَى بِكَذَا بِاعْتِبَارِ مَا يَرَاهُ أَهَمَّ وَقْتَ التَّحْدِيثِ فَرَوَى عَنْهُ كُلُّ رَاوٍ مَا حَدَّثَ بِهِ.

(فَقَالَ عُمَرُ: وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا) مَعَكَ (لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ) غَيْرَكَ، (لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا) فِي مُسْلِمٍ: " لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ وَلَهُ أَيْضًا: " فَوَاللَّهِ لَأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وَبَطْنَكَ، أَوْ لِتَأْتِيَنِّي بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَأَجْعَلَنَّكَ عِظَةً "، (فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ مَجْلِسًا فِي الْمَسْجِدِ يُقَالُ لَهُ مَجْلِسُ الْأَنْصَارِ) ، لِجُلُوسِهِمْ فِيهِ (فَقَالَ: إِنِّي أَخْبَرْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:

الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ، فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا) يَتَوَعَّدُهُ، (فَإِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَلْيَقُمْ مَعِي، فَقَالُوا) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ: " فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ "، وَلِمُسْلِمٍ: " فَقَالَ أُبَيٌّ: وَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَحْدَثُنَا سِنًّا، قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ "، فَكَأَنَّ أُبَيًّا ابْتَدَأَ ذَلِكَ، وَوَافَقُوا عَلَيْهِ فَنُسِبَ لِلْجَمِيعِ، فَقَالُوا: (لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قُمْ مَعَهُ، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْغَرَهُمْ) ، فَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ لِكِبَارِهِمْ وَصِغَارِهِمْ، حَتَّى أَنَّ أَصْغَرَهُمْ يَحْفَظُهُ وَسَمِعَهُ مِنَ الْمُصْطَفَى، (فَقَامَ مَعَهُ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ: " فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ هَذَا عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ "، يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا لِأَجْلِ الْكَسْبِ لِعِيَالِهِ، وَالتَّعَفُّفِ عَنِ النَّاسِ، فَفِيهِ أَنَّ الْعِلْمَ الْخَاصَّ قَدْ يَخْفَى عَنِ الْأَكَابِرِ، فَيَعْلَمُهُ مَنْ دُونَهُمْ.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَذَلِكَ يَصْدُقُ فِي وَجْهِ مَنْ يُطْلِقُ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ، إِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثٍ فَيَقُولُ: لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَعَلِمَهُ فُلَانٌ، فَإِذَا أُخْفِيَ ذَلِكَ عَلَى أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ فَغَيْرُهُمْ أَوْلَى.

قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ تَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ زَعَمَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْبَلُ خَبَرًا لِوَاحِدٍ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَ خَبَرَ أَبِي سَعِيدٍ الْمُطَابِقِ لِخَبَرِ أَبِي مُوسَى، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَتَثَبَّتَ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ مَذْهَبِهِ.

وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ: " فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لِعُمَرَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ " عِنْدَ مُسْلِمٍ وَعِنْدَ غَيْرِهِ: " يَا عُمَرُ لَا تَكُنْ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عُمَرَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ "، (فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي مُوسَى: أَمَّا إِنِّي لَا أَتَّهِمُكَ) ، بِمَا قَلْتُهُ لَكَ مِمَّا سَبَقَ مِنَ الْأَلْفَاظِ، (وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ) : يَكْذِبَ (النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ، فَخَشِيَ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَخْتَلِقُ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ طَلَبًا لِلْخُرُوجِ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ، فَأَرَادَ بِذَلِكَ إِعْلَامَهُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمَخْرَجِ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

زَادَ غَيْرُهُ: فَأَرَادَ عُمَرُ سَدَّ هَذَا الْبَابِ وَرَدْعَ غَيْرِ أَبِي مُوسَى لَا شَكًّا فِي رِوَايَتِهِ، فَإِنَّ مَنْ دُونَهُ إِذَا بَلَغَتْهُ قِصَّتُهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، أَوْ أَرَادَ وَضْعَ حَدِيثٍ خَافَ مِنْ مِثْلِ قَضِيَّةِ أَبِي مُوسَى فَالْمُرَادُ غَيْرُهُ.

وَفِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ

عَلَى مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُوَّةِ فِي دِينِ اللَّهِ، وَقَوْلِ الْحَقِّ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ وَقَبُولِهِ، فَإِنَّ أُبَيًّا أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ تَهْدِيدَ أَبِي مُوسَى، وَخَاطَبَهُ مَعَ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بِيَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَوْ يَا عُمَرُ؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ إِنْكَارٍ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ

ــ

١٨٠٠ - ١٧٥٣ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا عَطَسَ، فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَالَ: يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ، وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ) ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَلْيَقُلْ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ.

وَلْيَقُلْ هُوَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ» "، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مَرْفُوعًا: " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ وَصَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» "، وَلِلطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَإِذَا قَالَ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ» "، وَقَدْ رُجِّحَ الْجَمْعُ بَيْنَ الدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ، وَيَهْدِيكُمُ اللَّهُ. . . إِلَخْ.

وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بِالْهِدَايَةِ لِلْمُسْلِمِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَمُنِعَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الدُّعَاءَ بِالْهِدَايَةِ لِلْإِيمَانِ الْمُتَلَبِّسِ بِهِ، بَلْ مَعْرِفَةُ تَفَاصِيلِ أَجْزَائِهِ وَإِعَانَتِهِ عَلَى أَعْمَالِهِ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَحْتَاجُ ذَلِكَ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَمِنْ ثَمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَسْأَلَ الْهِدَايَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ وَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَمَاذَا أَذْنَبْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ قَالَتْ اشْتَرَيْتُهَا لَكَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ»

ــ

١٨٠٣ - ١٧٥٦ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ) ابْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ

(عَنْ) عَمَّتِهِ (عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً) ، بِضَمِّ النُّونِ، وَالرَّاءِ، وَبِكَسْرِهِمَا، رِوَايَتَانِ بَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ، وَقَافٌ مَفْتُوحَةٌ، وَحُكِيَ تَثْلِيثُ النُّونِ وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ (فِيهَا تَصَاوِيرُ) ، أَيْ: تَمَاثِيلُ حَيَوَانٍ، (فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْ) الْحُجْرَةَ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " وَجَعَلَ يَتَغَيَّرُ وَجْهُهُ "، (فَعَرَفَتْ) عَائِشَةُ (فِي وَجْهِهِ) الْوَجِيهِ (الْكَرَاهِيَةَ) - بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَخِفَّةِ الْيَاءِ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَإِسْقَاطِ الْيَاءِ، (وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ) فِيهِ التَّوْبَةُ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ إِجْمَالًا، وَلَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرِ التَّائِبُ خُصُوصَ الذَّنْبِ الَّذِي حَصَلَتْ بِهِ مُؤَاخَذَاتُهُ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ حُسْنُ أَدَبٍ مِنَ الصِّدِّيقَةِ حَيْثُ قَدَّمَتِ التَّوْبَةَ عَلَى اطِّلَاعِهَا عَلَى الذَّنْبِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ: مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ أَيْ: مَا اطَّلَعَتْ عَلَى الذَّنْبِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟) مَا شَأْنُهَا فِيهَا تَمَاثِيلُ، (قَالَتْ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا، وَتَوَسَّدُهَا) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ، وَالْأَصْلُ: وَتَتَوَسَّدُهَا.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّورَةِ) الْحَيَوَانِيَّةِ الَّذِينَ يَصْنَعُونَهَا يُضَاهِئُونَ بِهَا خَلْقَ اللَّهِ، (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا) - بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ، وَضَمِّ الْيَاءِ - (مَا خَلَقْتُمْ) صَوَّرْتُمْ كَصُورَةِ الْحَيَوَانِ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّعْجِيزِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي صَوَّرُوهَا، فَيَدُومُ تَعْذِيبُهُمْ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» "، أَيْ: أَبَدًا فَهُوَ مُعَذَّبٌ دَائِمًا لِأَنَّهُ جَعَلَ غَايَةَ عَذَابِهِ إِلَى أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَافِخٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَخْلِيدَهُ فِي النَّارِ، لَكِنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ كَفَرَ بِالتَّصْوِيرِ، أَمَّا غَيْرُهُ وَهُوَ الْعَاصِي يَفْعَلُ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لَهُ، وَلَا قَاصِدٍ أَنْ يَعْبَدَ، فَيُعَذَّبُ إِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ عَذَابًا يَسْتَحِقُّهُ، ثُمَّ يَخْلُصُ مِنْهُ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الزَّجْرُ الشَّدِيدُ بِالْوَعِيدِ بِعِقَابِ الْكَافِرِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الِارْتِدَاعِ، وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ إِلَّا أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَقَوْلُهُ: كُلِّفَ لَا يُنَافِي أَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ تَكْلِيفُ عَمَلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ أَوْ عِقَابٌ، فَأَمَّا مِثْلُ هَذَا التَّكْلِيفِ، فَلَا يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّهُ نَفْسَهُ عَذَابٌ.

(ثُمَّ قَالَ: إِنِ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ) الْحَيَوَانِيَّةُ، فَلَا بَأْسَ بِصُورَةِ الْأَشْجَارِ وَالْجِبَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ

عَبَّاسٍ لِرَجُلٍ: " إِنْ كُنْتَ وَلَا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصْنَعِ الشَّجَرَةَ، وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(لَا تُدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ) الْحَفَظَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ، أَوْ مَلَائِكَةُ الْوَحْيِ كَجِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ قَصْرُ النَّفْيِ عَلَى زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ بَعْدَهُ، وَبِانْقِطَاعِهِ يَنْقَطِعُ نُزُولُهُمْ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالرَّحْمَةِ، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيُعَاقَبُ مُتَّخِذُهَا بِحِرْمَانِ دُخُولِهِمْ بَيْتَهُ، وَاسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ، أَمَّا الْحَفَظَةُ فَلَا يُفَارِقُونَ الْمُكَلَّفَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ، إِلَّا عِنْدَ الْجِمَاعِ وَالْخَلَاءِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِجَوَازِ أَنْ لَا يَدْخُلُوا، بِأَنْ يَكُونُوا عَلَى بَابِ الْبَيْتِ مَثَلًا، وَيُطْلِعُهُمُ اللَّهُ عَلَى عَمَلِ الْعَبْدِ وَيُسْمِعُهُمْ قَوْلَهُ، وَقَدْ زَادَ بَعْضُ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: " فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَيْنِ، فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ "، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَيْعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي النِّكَاحِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَفِي اللِّبَاسِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَمُسْلِمٌ فِي اللِّبَاسِ عَنْ يَحْيَى، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، السِّتَّةُ عَنْ نَافِعٍ نَحْوَهُ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي الضَّبِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسْتُ بِآكِلِهِ وَلَا بِمُحَرِّمِهِ»

ــ

١٨٠٦ - ١٧٥٩ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) الْمَدَنِيِّ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ صَحِيحٌ مَحْفُوظٌ عَنْهُمَا جَمِيعًا.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا) فِي التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ - بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَإِسْكَانِ الزَّايِ -

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي الضَّبِّ؟ الْحَدِيثَ، « (نَادَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي الضَّبِّ؟) هَلْ يُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَسْتُ بِآكِلِهِ) » - بِمَدِّ الْهَمْزَةِ - (وَلَا بِمُحَرِّمِهِ) لِأَنَّهُ حَلَالٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «كُلُوهُ فَإِنَّهُ حَلَالٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي» "، زَادَ خُزَيْمَةُ بْنُ جَزْءٍ فَقُلْتُ: إِنِّي آكُلُ مَا لَمْ تُحَرِّمْهُ.

وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى: لَسْتُ بِمُحِلِّهِ، وَلَا بِمِحَرِّمِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ خَطَأٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: لَمْ يُبْعَثْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا آمِرًا أَوْ نَاهِيًا وَمُحِلًّا أَوْ مُحَرِّمًا، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا، لَمْ يُؤْكَلْ عَلَى مَائِدَتِهِ، انْتَهَى.

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ، قَالَ رَجُلٌ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ مُضِبَّةٍ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ، فَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ، فَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَمْسُوخٍ نَسْلًا» .

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ دِينَارٍ، وَتَابَعَهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ اللَّيْثُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَأَيُّوبُ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَأُسَامَةُ اللَّيْثِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، أَخْرَجَ ذَلِكَ كُلَّهُ مُسْلِمٌ، وَلِذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ مَحْفُوظٌ عَنْهُمَا جَمِيعًا.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»

ــ

١٨٠٨ - ١٧٦١ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ) ، زَادَ الْقَعْنَبِيُّ: وَابْنُ وَهْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ كِلَاهُمَا (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنِ اقْتَنَى) ، أَيِ: اتَّخَذَ (إِلَّا كَلْبًا) ، كَذَا لِيَحْيَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: " «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبًا» "، (ضَارِيًا) - بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ، وَبِالْيَاءِ وَالنَّصْبِ - أَيْ: مُعَلَّمًا لِلصَّيْدِ مُعْتَادًا لَهُ.

وَرُوِيَ: ضَارٍ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَحْذِفُ الْأَلِفَ مِنَ الْمَنْقُوصِ حَالَةَ النَّصْبِ، فَيَجُوزُ اتِّخَاذُهُ حَتَّى لِمَنْ لَا يَصِيدُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، أَوْ مَعْنَاهُ: لِصَائِدٍ بِهِ، فَيُنْهَى عَنْهُ مَنْ لَا يَصِيدُ بِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ: إِلَّا كَلْبٌ قَوْلَانِ، قَالَهُ عِيَاضٌ.

(أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ) ، أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّرْدِيدِ، قَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي يَسْرَحُ مَعَهَا، لَا الَّذِي يَحْفَظُهَا مِنَ السَّارِقِ، (نَقْصَ مِنْ أَجْرِ) عَمَلِهِ (كُلَّ يَوْمٍ) مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي اقْتَنَاهُ فِيهَا (قِيرَاطَانِ) ، أَيْ: قَدْرًا مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا يُخَالِفُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ: قِيرَاطٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلزَّائِدِ لِكَوْنِ رَاوِيهِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ أَوَّلًا بِنَقْصِ قِيرَاطٍ وَاحِدٍ، فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الْأَوَّلُ، ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِنَقْصِ قِيرَاطَيْنِ زِيَادَةً فِي التَّأْكِيدِ فِي التَّنْفِيرِ مِنْ ذَلِكَ، فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الثَّانِي، أَوْ يَنْزِلُ عَلَى حَالَيْنِ: فَنَقْصُ الْقِيرَاطَيْنِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْإِضْرَارِ بِاتِّخَاذِهِ، وَالْقِيرَاطِ بِاعْتِبَارِ قِلَّتِهِ، أَوِ الْقِيرَاطَانِ لِمَنِ اتَّخَذَهُ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ خَاصَّةً، وَالْقِيرَاطُ بِمَا عَدَاهَا، أَوْ يَلْحَقُ بِالْمَدِينَةِ سَائِرُ الْمُدُنِ وَالْقُرَى، وَيَخْتَصُّ الْقِيرَاطُ بِأَهْلِ الْبَوَادِي، وَهُوَ مُلْتَفِتٌ إِلَى مَعْنَى كَثْرَةِ التَّأَذِّي وَقِلَّتِهِ، وَكَذَا مَنْ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي نَوْعَيْنِ مِنَ الْكِلَابِ، فَفِي مَا لَابَسَهُ أَوْ نَحْوِهِ قِيرَاطَانِ، وَفِيمَا دُونَهُ قِيرَاطٌ، وَجَوَّزَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْقِيرَاطَ الَّذِي يَنْقُصُ أَجْرُ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ ذَوَاتِ الْأَكْبَادِ الرَّطْبَةِ أَوِ الْحُرَّةِ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّقْصِ أَنَّ الْإِثْمَ الْحَاصِلَ بِاتِّخَاذِهِ يُوَازِنُ قَدْرَ قِيرَاطٍ أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ، فَيَنْقُصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِ الْمُتَّخِذِ قَدْرُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ بِاتِّخَاذِهِ، وَهُوَ قِيرَاطٌ أَوْ قِيرَاطَانِ، وَقِيلَ: سَبَبُ النَّقْصِ امْتِنَاعُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ، أَوْ مَا يَلْحَقُ الْمَارِّينَ مِنَ الْأَذَى، أَوْ لِأَنَّ بَعْضَهَا شَيَاطِينُ، أَوْ عُقُوبَةٌ لِمُخَالَفَةِ النَّهْيِ، أَوْ وُلُوغُهَا فِي الْأَوَانِي عِنْدَ غَفْلَةِ صَاحِبِهَا، فَرُبَّمَا يُنَجِّسُ الطَّاهِرَ مِنْهَا إِذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الْعِبَادَةِ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَ الطَّاهِرِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهَا، أَوْ طَهَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ فِي أَفْوَاهِهَا نَجَاسَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذْهُ لَكَانَ عَمَلُهُ كَامِلًا، فَإِذَا اقْتَنَاهُ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ عَمَلٍ مَضَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ

عَمَلُهُ فِي الْكَمَالِ عَمَلَ مَنْ لَمْ يَتَّخِذْ، وَنُوزِعَ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ بِأَنَّ الرُّويَانِيَّ فِي الْبَحْرِ حَكَى الْخِلَافَ، هَلْ يَنْقُصُ مِنَ الْعَمَلِ الْمَاضِي، أَوِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَفِي مَحَلِّ نُقْصَانِ الْقِيرَاطَيْنِ؟ فَقِيلَ: مِنْ عَمِلِ النَّهَارِ قِيرَاطٌ، وَمِنْ عَمِلِ اللَّيْلِ قِيرَاطٌ، وَقِيلَ: مِنَ الْفَرْضِ قِيرَاطٌ، وَمِنَ النَّفْلِ آخَرُ، وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيرَاطَيْنِ: هَلْ هُمَا كَقِيرَاطَيْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَاتِّبَاعِهَا أَوْ دُونَهُمَا؛ لِأَنَّ الْجِنَازَةَ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ، وَبَابُ الْفَضْلِ أَوْسَعُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الشَّارِعِ تَعْظِيمُ الْحَسَنَاتِ، وَتَخْفِيفُ مُقَابِلِهَا كَرَمًا مِنْهُ، وَلَوْ تَعَدَّدَتِ الْكِلَابُ هَلْ تَتَعَدَّدُ الْقَرَارِيطُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ؟ أَوْ لَا تَتَعَدَّدُ كَمَا فِي غَسَلَاتِ الْوُلُوغِ؟ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ الْأَبِيُّ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ: يَظْهَرُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ بِكُلِّ كَلْبٍ، لَكِنْ يَتَعَدَّدُ الْإِثْمُ، فَإِنَّ اقْتِنَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.

قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: تَتَعَدَّدُ الْقَرَارِيطُ.

هَذَا وَقَدْ زَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ، كَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ.

وَفِي الصَّحِيحِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمِلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» "، وَاسْتُشْكِلَ الْجَمْعُ بَيْنَ حَصْرَيِ الْحَدِيثَيْنِ، إِذْ مُقْتَضَاهُمَا التَّضَادُّ مِنْ حَيْثُ إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: الْحَصْرُ فِي الْمَاشِيَةِ وَالصَّيْدِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ إِخْرَاجُ كَلْبِ الزَّرْعِ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْحَصْرُ فِي الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ إِخْرَاجُ كَلْبِ الصَّيْدِ، وَأَجَابَ فِي الْكَوَاكِبِ بِأَنَّ مَدَارَ أَمْرِ الْحَصْرِ عَلَى الْمَقَامَاتِ، وَاعْتِقَادَ السَّامِعِينَ لَا عَلَى مَا فِي الْوَاقِعِ، فَالْمَقَامُ الْأَوَّلُ اقْتَضَى اسْتِثْنَاءَ كَلْبِ الصَّيْدِ، وَالثَّانِي اقْتَضَى اسْتِثْنَاءَ كَلْبِ الزَّرْعِ، فَصَارَا مُسْتَثْنَيَيْنِ، وَلَا مُنَافَاةَ فِي ذَلِكَ.

وَلِمُسْلِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ» "، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ زِيَادَةَ الزَّرْعِ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ» "، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا.

لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ: لَمْ يَقُلِ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ تَوْهِينًا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ تَصْحِيحًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ اعْتَنَى بِحِفْظِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ دُونَهُ، وَمَنِ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ احْتَاجَ إِلَى تَعَرُّفِ أَحْوَالِهِ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا رِوَايَةُ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي مُسْلِمٍ كَابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَكَمِ عَنْهُ، وَلَعَلَّهُ لَمَّا سَمِعَهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَحَقَّقَهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَهَا فِي حَدِيثِهِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ، وَكَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي مَعْنَى الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ كَاتِّخَاذِهَا لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ قِيَاسًا، فَتَمَحَّضَ كَرَاهَةَ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيعِ النَّاسِ، وَامْتِنَاعِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، أَيْ: مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اتِّخَاذَهَا لَيْسَ حَرَامًا؛ لِأَنَّ الْحَرَامَ يُمْنَعُ اتِّخَاذُهُ سَوَاءٌ نَقَصَ مِنَ الْأَجْرِ أَمْ لَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لَا

حَرَامٌ.

قَالَ: وَوَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمُتَعَبَّدَ بِهَا فِي الْكِلَابِ مِنْ غَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعًا، لَا يَكَادُ يَقُومُ بِهَا الْمُكَلَّفُ، وَلَا يَتَحَفَّظُ مِنْهَا، فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ بِاتِّخَاذِهَا مَا يَنْقُصُ أَجْرَهُ مِنْ ذَلِكَ.

وَيُرْوَى أَنَّ الْمَنْصُورَ سَأَلَ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ سَبَبِ الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُنْجِ الضَّيْفَ، وَيُرَوِّعُ السَّائِلَ، انْتَهَى.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْعُقُوبَةَ تَقَعُ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ بِمِقْدَارِ قِيرَاطٍ، أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِمَّا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنَ الْخَيْرِ لَوْ لَمْ يَتَّخِذِ الْكَلْبَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الِاتِّخَاذَ حَرَامٌ، وَالْمُرَادُ بِالنَّقْصِ أَنَّ الْإِثْمَ بِاتِّخَاذِهِ يُوَازِنُ قَدْرَ قِيرَاطٍ أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْرِهِ، فَيَنْقُصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِ قَدْرُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ بِاتِّخَاذِهِ، وَهُوَ قِيرَاطٌ أَوْ قِيرَاطَانِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَفِي الْحَدِيثِ: الْحَثُّ عَلَى تَكْثِيرِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا يَنْقُصُهَا، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَسْبَابِ الزِّيَادَةِ فِيهَا وَالنَّقْصِ مِنْهَا لِتُجْتَنَبَ أَوْ تُرْتَكَبَ، وَبَيَانُ لُطْفِ اللَّهِ بِخَلْقِهِ فِي إِبَاحَةِ مَا لَهُمْ فِيهِ نَفْعٌ، وَتَبْلِيغُ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ أُمُورَ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَتَرْجِيحُ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ لِاسْتِثْنَاءِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِمَّا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّيْدِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبُيُوعِ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ»

ــ

١٨٠٩ - ١٧٦٢ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ» ) ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» ، وَزَادَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: " ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ» ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَالضَّرْعِ وَالزَّرْعِ وَلَهُ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ: " «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» قَالَ عِيَاضٌ: أَخْذَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَاعَةٌ بِالْحَدِيثِ فِي قَتْلِهَا إِلَّا مَا اسْتَثْنَى، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ اتِّخَاذِهِ، وَنَسْخِ الْقَتْلِ وَالنَّهْيِ عَنِ الِاقْتِنَاءِ إِلَّا فِي الْأَسْوَدِ، وَالَّذِي عِنْدِي فِي تَنْزِيلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ظَوَاهِرَهَا أَوَّلًا تَقْتَضِي عُمُومَ الْقَتْلِ، وَالنَّهْيَ عَنِ الِاقْتِنَاءِ، ثُمَّ نَسْخَ هَذَا الْعُمُومِ بِقَصْرِ الْقَتْلِ عَلَى الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ، وَمَنْعَ الِاقْتِنَاءِ إِلَّا فِي الثَّلَاثَةِ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي عَدَمِ قَتْلِهَا، هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ مِنَ الْعَامِّ الْأَوَّلِ، أَوْ كَانَ مُخَصَّصًا عَلَى مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ الْأَبِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ، وَأَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يَقَعْ فِي الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْقَتْلِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، هُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ.

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» "، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُقَيَّدَةٌ، وَالْأُولَى مُطْلَقَةٌ

وَالْمَخْرَجُ مُتَّحِدٌ، فَيَجِبُ رَدُّ الْمُطْلَقِ إِلَى الْمُقَيَّدِ بِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ، فَلَمْ يَتَنَاوَلِ الثَّلَاثَةَ، فَإِخْرَاجُهَا إِنَّمَا هُوَ لِتَخْصِيصٍ مُتَّصِلٍ، وَالتَّخْصِيصُ مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلٌ، فَالْمُتَّصِلُ كَالتَّخْصِيصِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ، وَالْمُنْفَصِلُ مَا سِوَى ذَلِكَ نَحْوُ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، انْتَهَى.

وَاتُّفِقَ عَلَى قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَفِي جَوَازِ قَتْلِهِ مُطْلَقًا أَوْ لَا مُطْلَقًا قَوْلَانِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبَيْعِ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ»

ــ

١٨١١ - ١٧٦٤ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ الْمَازِنِيُّ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، (عَنْ أَبِيهِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ مِنْ ثِقَاتِ تَابِعِي الْحِجَازِ، قَالَ الْحَافِظُ: فَسَقَطَ الْحَارِثُ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَالْحَارِثُ صَحَابِيٌّ شَهِدَ أُحُدًا، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) ، اسْمُهُ سَعْدٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: سِنَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِأُحُدٍ (الْخُدْرِيِّ) - بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ - مِنَ الْمُكْثِرِينَ (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُوشِكُ) - بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتُفْتَحُ

فِي لُغَةٍ رَدِيَّةٍ، أَيْ: يَقْرُبُ « (أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ) » ، نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مَرْفُوعٌ عَلَى الْأَشْهَرِ فِي الرِّوَايَةِ اسْمُ يَكُونَ مُؤَخَّرًا، وَخَيْرَ مَالِ خَبَرُهَا مُقَدَّمًا، وَفَائِدَةُ تَقْدِيمِهِ الِاهْتِمَامُ، إِذِ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ الِاعْتِزَالُ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْغَنَمِ، فَلِذَا أَخَّرَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: بِرَفْعِ " خَيْرُ " اسْمٌ، وَنَصْبُ غَنَمًا خَبَرٌ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ يُقَدَّرُ فِي يَكُونَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنْ لَمْ تَجِئْ بِهِ الرِّوَايَةُ.

(يَتَّبِعُ بِهَا) - بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ - افْتِعَالٌ مِنِ اتَّبَعَ اتِّبَاعًا، وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا مِنْ تَبِعَ - بِالْكَسْرِ - يَتْبَعُ بِالْفَتْحِ، أَيْ: بِالْغَنَمِ، (شَعَفَ) ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، فَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، فَفَاءٍ، أَيْ: رُءُوسَ (الْجِبَالِ) - بِالْجِيمِ - وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى شَعَبَ، بِمُوَحَّدَةٍ بَدَلَ الْفَاءِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ النَّاسُ شَعَفَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمُهْمَلَةِ، وَفَاءٍ، جَمْعُ شَعَفَةٍ، كَأَكَمٍ وَأَكَمَةٍ، وَهِيَ رُءُوسُ الْجِبَالِ.

(وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ) ، أَيِ: الْمَطَرِ بِالنَّصْبِ عَلَى شَعَفَ، أَيْ: بُطُونَ الْأَوْدِيَةِ وَالصَّحَارِي؛ إِذْ هُمَا مَوَاضِعُ الرَّعْيِ حَالَ كَوْنِهِ (يَفِرُّ بِدِينِهِ) ، أَيْ: بِسَبَبِهِ مِنَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ دِينِهِ (مِنَ الْفِتَنِ) ، طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ لَا لِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ، وَفِيهِ فَضْلُ الْعُزْلَةِ لِلْخَائِفِ عَلَى دِينِهِ، إِلَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إِزَالَتِهَا، فَتَجِبُ الْخُلْطَةُ عَيْنًا، أَوْ كِفَايَةً بِحَسَبِ الْحَالِ وَالْإِمْكَانِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَاطَ أَوْلَى لِاكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ وَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَغَيْرِهَا، كَإِعَانَةٍ وَإِغَاثَةٍ وَعِبَادَةٍ، وَفَضَّلَ قَوْمٌ الْعُزْلَةَ، لِتَحَقُّقِ السَّلَامَةِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَيَّنُ، وَلِيَعْمَلَ بِمَا عَلِمَ، وَيَأْنَسَ بِدَوَامِ الذِّكْرِ.

نَعَمْ تَجِبُ الْعُزْلَةُ عَلَى مَنْ لَا يَسْلَمُ دِينُهُ بِالصُّحْبَةِ، وَتَجِبُ الصُّحْبَةُ لِمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ فَاتَّبَعَهُ، وَالْبَاطِلَ فَاجْتَنَبَهُ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ لِيَعْمَلَهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْإِيمَانِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَفِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَفِي الْفِتَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ الْمَاجِشُونُ، وَهُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَهُ فِي الْأَدَبِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ مُسْلِمٍ، نَعَمْ أَخْرَجَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ: " «أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» "، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِتَنِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ فَيُقَيَّدُ بِهَا الْمُطْلَقُ، وَلَهَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُكْنَى الْبَوَادِي، وَالسِّيَاحَةِ، وَالْعُزْلَةِ اهـ.

وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.

[بَابُ مَا جَاءَ فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ]

ِ، وَالْبَدْءِ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَرَّبُ إِلَيْهِ عَشَاؤُهُ فَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَلَا يَعْجَلُ عَنْ طَعَامِهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ

ــ

٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ، وَالْبَدْءِ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ

١٨١٤ - ١٧٦٧ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَرَّبُ إِلَيْهِ عَشَاؤُهُ، فَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَلَا يَعْجَلُ) - بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْجِيمِ - (عَنْ طَعَامِهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ) عَمَلًا بِرِوَايَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَأُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا تَعْجَلْ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْهُ» "، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ وَالْمَالُ وَافِرٌ فَقَلَّ الْعَدَدُ وَذَهَبَ الْمَالُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهَا ذَمِيمَةً»

ــ

١٨١٨ - ١٧٧١ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّهُ قَالَ) مُنْقَطِعًا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ مَحْفُوظٌ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ السَّائِلَ رَجُلٌ.

وَعِنْدَهُ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ - بِمُهْمَلَةٍ - مُصَغَّرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ السَّائِلُ قَالَ: « (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ كُلًّا مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا) ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هِيَ دَارُ مُكْمِلٍ - بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْكَافِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ - وَهُوَ ابْنُ عَوْفٍ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، (وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ، وَالْمَالُ وَافِرٌ) : زَائِدٌ (فَقَلَّ الْعَدَدُ، وَذَهَبَ الْمَالُ) رَأْسًا، (فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَعُوهَا ذَمِيمَةً) » ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَيْ: مَذْمُومَةً يَقُولُ: دَعُوهَا، وَأَنْتُمْ لَهَا ذَامُّونَ، وَكَارِهُونَ لِمَا وَقَعَ فِي نُفُوسِكُمْ مِنْ شُؤْمِهَا، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَهُ خَشْيَةً عَلَيْهِمِ الْتِزَامَ الطِّيرَةِ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، لَكِنَّ الْخَالِقَ جَعَلَ ذَلِكَ وَقْتًا لِظُهُورِ قَضَائِهِ، وَأَمْرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا، لِئَلَّا يَقَعَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ فَيَسْتَمِرُّ اعْتِقَادُهُمْ، وَأَفَادَ وَصْفُهَا بِقَوْلِهِ: ذَمِيمَةً جَوَازَ ذَلِكَ، وَإِنَّ ذِكْرَهَا بِقَبِيحِ مَا وَقَعَ فِيهَا سَائِغٌ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا، وَلَا يَمْنَعُ ذَمُّ الْمَحَلِّ الْمَكْرُوهَ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْهُ شَرْعًا، كَمَا يُذَمُّ الْعَاصِي عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ مَا اسْمُكَ فَقَالَ جَمْرَةُ فَقَالَ ابْنُ مَنْ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ مِمَّنْ قَالَ مِنْ الْحُرَقَةِ قَالَ أَيْنَ مَسْكَنُكَ قَالَ بِحَرَّةِ النَّارِ قَالَ بِأَيِّهَا قَالَ بِذَاتِ لَظًى قَالَ عُمَرُ أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدْ احْتَرَقُوا قَالَ فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

ــ

١٨٢٠ - ١٧٧٣ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ، مُنْقَطِعٌ وَصْلَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بِشْرٍ، أَنَّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، (قَالَ) عُمَرُ (لِرَجُلٍ: مَا

اسْمُكَ؟ قَالَ: جَمْرَةُ) - بِالْجِيمِ، وَالرَّاءِ - (فَقَالَ ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ شِهَابِ) ابْنِ طَرْمِ بْنِ مَالِكٍ الْجُهَنِيُّ نَسَبَهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، مُخَضْرَمٌ، (قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنَ الْحُرَقَةِ) - بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَقَافٍ - بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، (قَالَ: أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ: بِحَرَّةِ) - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرَّاءِ - (النَّارِ، قَالَ: بِأَيِّهَا؟ قَالَ: بِذَاتِ لَظَى، قَالَ عُمَرُ: أَدْرِكْ أَهْلَكَ، فَقَدِ احْتَرَقُوا، فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بَشْرَانَ: فَرَجَعَ فَوَجَدَ أَهْلَهُ قَدِ احْتَرَقُوا.

قَالَ الْبَاجِيُّ: كَانَتْ هَذِهِ حَالُ هَذَا الرَّجُلِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَا احْتَرَقَ أَهْلُهُ، وَلَكِنْ شَيْءٌ يُلْقِيهِ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْمُتَفَائِلِ عِنْدَ سَمَاعِ الْفَأْلِ، وَيُلْقِيهِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ، فَيُوَافِقُ مَا قَدَّرَ اللَّهُ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَائِبَةَ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ إِلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ»

ــ

١٨٢٧ - ١٧٨٠ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (عَنْ سَائِبَةَ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ) مُرْسَلٌ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي لُبَابَةَ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ» ) - بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَفَتْحِ النُّونِ الثَّقِيلَةِ - جَمْعُ جَانٍّ، وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، وَقِيلَ: الرَّفِيعَةُ الْخَفِيفَةُ، وَقِيلَ: الرَّقِيقَةُ الْبَيْضَاءُ، وَقِيلَ: مَا لَا يَتَعَرَّضُ لِإِذَايَةِ النَّاسِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْجِنَّانُ مَسْخُ الْجِنِّ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: هِيَ عَوَامِرُ الْبُيُوتِ، فَتُمَثَّلُ فِي صِفَةِ حَيَّةٍ رَقِيقَةٍ بِالْمَدِينَةِ، وَغَيْرِهَا، وَهِيَ الَّتِي نَهَى عَنْ قَتْلِهَا حَتَّى تُنْذَرَ.

وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: إِنَّمَا يُقْتَلُ مِنَ الْحَيَّاتِ الَّتِي تَكُونُ رَقِيقَةً كَأَنَّهَا فِضَّةٌ، وَلَا تَلْتَوِي فِي مَشْيِهَا، قَالَهُ عِيَاضٌ.

قَالَ الْأَبِيُّ: لَوْلَا تَفْسِيرُ مَنْ فَسَّرَ الْجِنَّانَ بِالْحَيَّاتِ عُمُومًا، لَتُوُهِّمَ أَنَّهُ لَا يُنْذَرُ

مِنْ جِنَّانِ الْبُيُوتِ إِلَّا الصَّغِيرُ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الْجِنَّانَ بِالصَّغِيرِ، (الَّتِي فِي الْبُيُوتِ) عُمُومًا أَوْ بُيُوتٍ خَاصَّةٍ عَلَى مَا مَرَّ حَتَّى تُنْذَرَ، وَيُقْتَلُ مَا وُجِدَ فِي الصَّحَارِي بِلَا إِنْذَارٍ.

قَالَ مَالِكٌ: وَيُقْتَلُ مَا وُجِدَ مِنْهَا فِي الْمَسَاجِدِ، (إِلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ) - بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْفَاءِ - تَثْنِيَةُ طُفْيَةٍ، وَهُوَ خُوصَةُ الْمُقَلِ شَبَّهَ بِهِ الْخَطَّيْنِ الَّذِينَ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ، قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُقَالُ إِنَّ ذَا الطُّفْيَيْنِ جِنْسٌ مِنَ الْحَيَّاتِ يَكُونُ عَلَى ظَهْرِهِ خَطَّانِ أَبْيَضَانِ.

(وَالْأَبْتَرُ) مَقْطُوعُ الذَّنَبِ، أَوِ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ الذَّنَبِ.

وَقَالَ الدَّاوُدِيِّ: هُوَ الْأَفْعَى الَّتِي قَدْرُ شِبْرٍ، أَوْ أَكْثَرُ قَلِيلًا، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ بَيْنَهُمَا.

وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ: " «لَا تَقْتُلُوا الْجِنَّانَ إِلَّا كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ» "، وَظَاهِرُهُ اتِّحَادُهُمَا لَكِنَّهُ لَا يَنْفِي الْمُغَايِرَةَ.

وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الْوَاوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ، لَا بَيْنَ الذَّاتَيْنِ فَالْمَعْنَى: اقْتُلُوا الْحَيَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَ الْأَبْتَرِيَّةِ، وَكَوْنِهَا ذَاتَ طُفْيَتَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الْكَرِيمِ، وَالنَّسَمَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا بَيْنَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ مَا اتَّصَفَ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ، وَبِقَتْلِ مَا اتَّصَفَ بِهِمَا مَعًا؛ لِأَنَّ الصِّفَتَيْنِ قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِيهَا، وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ.

(فَإِنَّهُمَا يَخْطَفَانِ) - بِفَتْحِ الطَّاءِ - الْبَصَرَ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَطْمِسَانِ (الْبَصَرَ) ، أَيْ: يَمْحُوَانِ نُورَهُ، ( «وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ» ) مِنَ الْحَمْلِ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَيُسْقِطَانِ الْحَبَلَ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ - قَالَ الْأَبِيُّ: إِمَّا لِلْفَزَعِ، أَوْ لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِمَا، وَقَدْ تَكُونُ الْخَاصِّيَّةُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ نَرَى ذَلِكَ مِنْ سُمِّهِمَا.

قَالَ الْحَافِظُ: زَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ أُذِنَ فِي قَتْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْجَانَّ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِمَا، وَإِنَّمَا يَتِمُّ إِنْ جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا، فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا فَفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِ، انْتَهَى.

وَبِهِ عُلِمَ قَوْلُ السَّيُوطِيِّ، إِنَّمَا اسْتُثْنِيَا؛ لِأَنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ لَا يَتَصَوَّرُونَ فِي صُوَرِهِمَا لِأَذِيَّتِهِمَا بِنَفْسِ رُؤْيَتِهِمَا، وَإِنَّمَا يَتَصَوَّرُ مُؤْمِنُوا الْجِنِّ بِصُورَةِ مَنْ لَا تَضُرُّ رُؤْيَتُهُ، فَإِنَّ هَذَا كَلَامَ الدَّاوُدِيِّ، وَقَدْ عُلِمَ مَا فِيهِ، وَأَيْضًا تَعْلِيلُهُ بِهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ تَعْلِيلِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالْاثْنَيْنِ فَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ»

ــ

١٨٣٢ - ١٧٨٥ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ) : قَالَ أَبُو عُمَرَ مُرْسَلٌ، بِاتِّفَاقِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَوَصْلَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الشَّيْطَانُ) : إِبْلِيسُ، أَوْ أَعَمُّ، (يَهُمُّ) - بِضَمِّ الْهَاءِ - (بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ) ، أَيْ: بِاغْتِيَالِهِ، وَالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِ، أَوْ بِغَيِّهِ وَصَرْفِهِ عَنِ الْحَقِّ وَإِغْوَائِهِ بِالْبَاطِلِ.

احْتِمَالَانِ لِلْبَاجِيِّ.

( «فَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ» ) ؛ لِأَنَّهُمْ رَكْبٌ وَصَحْبٌ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مِنَ الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» "، قَالَ أَبُو عُمَرَ: يَتَّصِلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ حِسَانٍ، وَأَوْرَدَ مِنْهَا جُمْلَةً.

ثُمَّ أَخْرَجَ لَهُ سَبَبًا «عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَافَرَ مَرَّةً فَمَرَّ بِقَبْرٍ جَاهِلِيٍّ، فَخَرَجَ مِنْهُ رَجُلٌ يَتَأَجَّجُ نَارًا فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ، وَمَعِيَ إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْقِنِي، فَقُلْتُ: عَرِّفْنِي أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَقُولُهَا الْعَرَبُ، فَخَرَجَ عَلَى أَثَرِهِ رَجُلٌ مِنَ الْقَبْرِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْقِهِ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ أَخَذَ السِّلْسِلَةَ فَاجْتَذَبَهُ فَأَدْخَلَهُ الْقَبْرَ، ثُمَّ أَضَافَنِي اللَّيْلُ إِلَى بَيْتِ عَجُوزٍ إِلَى جَانِبِهَا قَبْرٌ، فَسَمِعْتُ مِنْهُ صَوْتًا يَقُولُ: بَوْلٌ وَمَا بَوْلُ شَنٍّ، وَمَا شَنَّ، فَقُلْتُ لِلْعَجُوزِ: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: كَانَ زَوْجًا لِي، وَكَانَ لَا يَتَّقِي الْبَوْلَ، وَأَقُولُ لَهُ: وَيْحَكَ إِنَّ الْجَمَلَ إِذَا بَالَ تَفَاجَّ، فَيَأْبَى فَهُوَ يُنَادِي مِنْ يَوْمِ مَاتَ بَوْلٌ، وَمَا بَوْلُ، قُلْتُ: فَمَا الشَّنُّ؟ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ عَطْشَانُ فَقَالَ: اسْقِنِي، فَقَالَ: دُونَكَ الشَّنُّ، فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَخَرَّ الرَّجُلُ مَيِّتًا، فَهُوَ يُنَادِي شَنٌّ، وَمَا شَنٌّ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرْتُهُ فَنَهَى أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ» ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ لَمْ أُورِدْهُ لِلِاحْتِجَاجِ، وَلَكِنْ لِلِاعْتِبَارِ، وَمَا لَا حُكْمَ فِيهِ يُسَامَحُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الضُّعَفَاءِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا»

ــ

١٨٣٣ - ١٧٨٦ - (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كِيسَانَ (الْمَقْبُرِيِّ) - بِضَمِّ الْبَاءِ، وَفَتْحِهَا - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا لِمُعْظَمِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَرَوِيُّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ

عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَذَا اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْهُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَبَّابَةَ عَنْهُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَصَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَةَ إِسْقَاطِ عَنْ أَبِيهِ لِاتِّفَاقِ مَالِكٍ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَسُهَيْلٍ عَلَى إِسْقَاطِهِ، وَانْتَقَدَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ إِخْرَاجَهُمَا رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَلَى مُسْلِمٍ إِخْرَاجَهُ رِوَايَةَ اللَّيْثِ بِإِثْبَاتٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ لَا يَقْدَحُ، فَإِنَّ سَمَاعَ سَعِيدٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَفْسِهِ فَحَدَّثَ بِهِ عَنِ الْوَجْهَيْنِ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ، فَقَالَ: سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ سَعِيدُ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ اهـ.

وَيُؤَيِّدُهُ أَنْ سَعِيدًا لَيْسَ بِمُدَلِّسٍ، فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» ) : يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الَّذِي يَسْتَمِرُّ لِلْمُتَّصِفِ بِهِ خِطَابُ الشَّرْعِ، فَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَيَنْقَادُ لَهُ، أَوْ أَنَّ الْوَصْفَ ذُكِرَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهَا إِذَا سَافَرَتْ بِلَا مَحْرَمٍ خَالَفَتْ شَرْطَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمُقْتَضِي الْمَوْقُوفَ عِنْدَمَا نُهِيَتْ عَنْهُ، أَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ إِخْرَاجُ الْكَافِرَةِ كِتَابِيَّةً، أَوْ حَرْبِيَّةً كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَمَسُّكًا بِالْمَفْهُومِ.

(تُسَافِرُ) هَكَذَا الرِّوَايَةُ بِدُونِ أَنْ، نَظِيرُ قَوْلِهِمْ تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ، فَتَسْمَعُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَتُسَافِرُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، فَيَجُوزُ رَفْعُهُ وَنَصْبُهُ بِإِضْمَارِ أَنْ، قَالَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ، (مَسِيرَةَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى السَّيْرِ، بِمَعِيشَةَ؛ بِمَعْنَى الْعَيْشِ، وَلَيْسَتِ التَّاءُ فِيهِ لِلْمَرَّةِ.

( «يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» ) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ - أَيْ: حَرَامٍ (مِنْهَا) بِنَسَبٍ، أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ تَنْزِيهًا سَفَرَهَا مَعَ ابْنِ زَوْجِهَا لِفَسَادِ الزَّمَانِ، وَحَدَاثَةِ الْحُرْمَةِ، وَلِأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى النَّفْرَةِ عَنِ امْرَأَةِ الْأَبِ، لَيْسَ كَالدَّاعِي إِلَى النَّفْرَةِ عَنْ سَائِرِ الْمَحَارِمِ، وَالْمَرْأَةُ فِتْنَةٌ إِلَّا فِيمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مَحَارِمِ النَّسَبِ، وَعَلَّلَهُ الْبَاجِيُّ بِعَدَاوَةِ الْمَرْأَةِ لِرَبِيبِهَا، وَعَدَمِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهَا، وَصَوَّبَ غَيْرُهُ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ، زَادَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: أَوْ زَوْجٍ، وَفِي مَعْنَاهُ السَّيِّدُ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ الزَّوْجِ، لِقَيْسَ عَلَى الْمَحْرَمِ قِيَاسًا جَلِيًّا، وَلَفْظُ امْرَأَةٍ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ.

وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ، لَا عَنِ الْبَاجِيِّ، كَمَا زَعَمَ أَنَّهُ فِي الشَّابَّةِ، أَمَّا الْكَبِيرَةُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، فَتُسَافِرُ فِي

كُلِّ الْأَسْفَارِ بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا حَرَامٌ، وَمَا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهَا غَالِبًا عَوْرَةٌ، فَالْمَظِنَّةُ مَوْجُودَةٌ فِيهَا، وَالْعُمُومُ صَالِحٌ لَهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهُ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَرْأَةُ مَظِنَّةُ الطَّمَعِ فِيهَا، وَمَظِنَّةُ الشَّهْوَةِ، وَلَوْ كَبِيرَةً، وَقَدْ قَالُوا: لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ، وَيَجْتَمِعُ فِي الْأَسْفَارِ مِنْ سُفَهَاءِ النَّاسِ وَسَقْطِهِمْ مَنْ لَا يَتَرَفَّعُ عَنِ الْفَاحِشَةِ بِالْعَجُوزِ، وَغَيْرِهَا، لِغَلَبَةِ شَهْوَتِهِ وَقِلَّةِ دَيْنِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَحَيَائِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ اه.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: " «أَنْ تُسَافِرَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا» "، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبِي دَاوُدَ: " «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» "، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الْمَذْكُورَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ» "، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: يَوْمٍ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ بَرِيدٍ بَدَلُ يَوْمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ يَوْمَيْنِ، وَفِي أُخْرَى إِطْلَاقُ السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، فَجَمَعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَعِيَاضٌ، وَغَيْرُهُمْ، وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ لِلْعُلَمَاءِ بِأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ السَّائِلِينَ، فَسُئِلَ مَرَّةً عَنْ سَفَرِهَا لَيْلَةً، فَقَالَ: لَا، وَأُخْرَى عَنْ سَفَرِهَا يَوْمًا، فَقَالَ: لَا، وَهَكَذَا فِي جَمِيعِهَا، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ، قَالَ الْأَبِيُّ: وَالْمُرَادُ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ جَوَابًا لِسَائِلَيْنِ، فَلَا مَفْهُومَ لِأَحَدِهَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفِقْهُ جَمَعَ أَحَادِيثَ الْبَابِ، فَحَقُّ النَّاظِرِ أَنْ يَسْتَحْضِرَ جَمِيعَهَا، وَيَنْظُرَ أَخَصَّهَا فَيُنِيطُ الْحُكْمَ بِهِ، وَأَخَصُّهَا بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ يَوْمٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ فِيهِ امْتَنَعَ فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ، ثُمَّ أَخَصُّ مِنْ يَوْمٍ وُصْفُ السَّفَرِ الْمَذْكُورِ فِي جَمِيعِهَا، فَيُمْنَعُ فِي أَقَلِّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ، ثُمَّ أَخَصُّ مِنَ اسْمِ السَّفَرِ الْخَلْوَةُ بِهَا، فَلَا تُعَرِّضُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِالْخَلْوَةِ مَعَ أَحَدٍ، وَإِنْ قَلَّ الْزَمْنُ لِعَدَمِ الْأَمْنِ لَا سِيَّمَا مَعَ فَسَادِ الزَّمَنِ، وَالْمَرْأَةُ فِتْنَةٌ إِلَّا فِيمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ النُّفْرَةِ مِنْ مَحَارِمِ النَّسَبِ، وَقَدِ اتَّقَى بَعْضُ السَّلَفِ الْخَلْوَةَ بِالْبَهِيمَةِ، وَقَالَ: شَيْطَانٌ مُغْوِيٌّ، وَأُنْثَى حَاضِرَةٌ اه.

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا بِأَنَّ الْيَوْمَ الْمَذْكُورَ بِمَعْنَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ الْمَجْمُوعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلَ مِنَ الْيَوْمِ، وَيَكُونُ ذِكْرُهُ يَوْمَيْنِ مُدَّةَ مَغِيبِهَا فِي هَذَا السَّفَرِ فِي السَّيْرِ، وَالرُّجُوعِ، فَأَشَارَ مَرَّةً لِمَسَافَةِ السَّفَرِ وَمَرَّةً لِمُدَّةِ الْمَغِيبِ، وَهَكَذَا فِي ذِكْرِ الثَّلَاثِ، فَقَدْ يَكُونُ الْيَوْمُ الْوَسَطُ بَيْنَ السَّيْرِ وَالرُّجُوعِ الَّذِي تَقْضِي فِيهِ حَاجَتَهَا، حَيْثُ سَافَرَتْ لَهُ فَتَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا كُلُّهُ تَمْثِيلًا بِأَقَلِّ الْأَعْدَادِ، إِذِ الْوَاحِدُ أَوَّلُ الْعَدَدِ، وَالِاثْنَانِ أَوَّلُ الْكَثِيرِ وَأَقَلُّهُ، وَالثَّلَاثَةُ أَقَلُّ الْجَمْعِ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي قِلَّةِ الزَّمَانِ لَا يَحِلُّ لَهَا السَّفَرُ فِيهِ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ فَكَيْفَ بِمَا زَادَ؟ وَبِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا اه.

وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا عَلَى أَنَّ الْمَحْرَمَ، أَوِ الزَّوْجَ شَرْطٌ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمَرْأَةِ لِلْحَجِّ، فَإِنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهَا السَّفَرُ إِلَّا مَعَ أَحَدِهِمَا، وَالْحَجُّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْفَارِ، فَيَكُونُ حَرَامًا عَلَيْهَا فَلَا يَجِبُ.

وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ

فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا، وَطَائِفَةٌ لَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا تَحُجُّ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَاخْتُلِفَ هَلْ مُرَادُهُ مَجْمُوعُ الصِّنْفَيْنِ، أَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا؟ وَأَكْثَرُ مَا نُقِلَ عَنْهُ اشْتِرَاطُ النِّسَاءِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَحُجُّ مَعَ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ مَسْلَمَةٍ ثِقَةٍ، وَاعْتَرَضَهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ ذَا مَحْرَمٍ مِنْهَا، فَإِبَاحَةُ الْخُرُوجِ مَعَهَا فِي سَفَرِ الْحَجِّ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي حَجِّ الْفَرْضِ، فَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا تَخْرُجُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِحَمْلِهِ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ، لَا الْفَرْضِ قِيَاسًا عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي الْكَافِرَةِ، إِذَا أَسْلَمَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ مِنْهَا، وَإِنْ بِلَا مَحْرَمٍ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وُجُوبُ الْحَجِّ وَالْهِجْرَةِ.

وَتَعَقَّبَهُ الْمَازِرِيُّ، وَغَيْرُهُ بِأَنَّ إِقَامَتَهَا فِي دَارِ الْكُفْرِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهَا تَخْشَى عَلَى دِينِهَا وَنَفْسِهَا، وَلَا كَذَلِكَ تَأْخِيرُ الْحَجِّ لِلْخِلَافِ فِي فَوْرِيَّتِهِ، وَتَرَاخِيهِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ مُخَالَفَةُ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] (سورة آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ٩٧) ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الِاسْتِطَاعَةُ بِالْبَدَنِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ عَلَيْهِ بِبَدَنِهِ، وَمَنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا قَادِرَةٌ بِبَدَنِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا تَعَارَضَتْ هَذِهِ الظَّوَاهِرُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَجَمَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنْ جَعَلَ الْحَدِيثَ مُبَيِّنًا لِلِاسْتِطَاعَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَرَأَى مَالِكٌ، وَمُوَافِقُوهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الْأَمْنِيَّةُ بِنَفْسِهَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْأَسْفَارِ الْوَاجِبَةِ، وَقَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِحَمْلِ الْأَخْبَارِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الطَّرِيقُ أَمْنًا.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُمْكِنُ أَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا خَرَجَ لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الْخَلْوَةِ، وَانْكِشَافِ عَوْرَاتِهِنَّ غَالِبًا، فَإِذَا أُمِنَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَكُونُ فِي الرُّفْقَةِ نِسَاءٌ تَنْحَاشُ إِلَيْهِنَّ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهَذَا عِنْدِي فِي الِانْفِرَادِ وَالْعَدَدِ الْيَسِيرِ، فَأَمَّا فِي الْقَوَافِلِ الْعَظِيمَةِ، فَهِيَ كَالْبِلَادِ يَصِحُّ فِيهَا سَفَرُهَا دُونَ نِسَاءٍ، وَدُونَ مَحْرَمٍ، انْتَهَى.

وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ هَذَا الْقَيْدَ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَمَحَلُّ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ كَوُجُودِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ مُنْقَطِعَةٍ مَثَلًا، فَلَهُ أَنْ يَصْحَبَهَا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا خَافَ عَلَيْهَا لَوْ تَرَكَهَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ أُخَرُ لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا.

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَالنُّفَيْلِيِّ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ يُدَوِّنُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَكَذَا رَوَاهُ مُعْظَمُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، انْتَهَى. وَفِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَبِيهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَافِ، وَلِلْحَدِيثِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ»

ــ

١٨٣٥ - ١٧٨٨ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ) - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ - (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ، وَسُمَيٌّ، فَلَا يَصِحُّ لِغَيْرِهِ عَنْهُ، وَانْفَرَدَ بِهِ سُمَيٌّ أَيْضًا فَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ.

وَصَرَّحَ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ عَنْ مَالِكٍ بِتَحْدِيثِ سُمَيٍّ لَهُ، وَشَذَّ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، فَقَالَ: مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلٍ بَدَلُ سُمَيٍّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلٍ، وَأَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ رِوَايَةً عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ عَنْهُ، فَقَالَ عَنْ سُمَيٍّ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِكٍ، قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُمَيٍّ غَيْرُ مَالِكٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونِي عَنْ حَدِيثِ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» ؟ فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُمَيٍّ أَحَدٌ غَيْرَكَ، فَقَالَ: لَوْ عَرَفْتُ مَا حَدَّثْتُ بِهِ، وَكَانَ مَالِكٌ: رُبَّمَا أَرْسَلَهُ، انْتَهَى.

وَفِي التَّمْهِيدِ رَوَاهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَبُسْرُ بْنُ مَعْمَرٍ عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلًا، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ مِنْ نَشَاطِ الْمُحَدِّثِ وَكَسَلِهِ، أَحْيَانًا يَنْشَطُ فَيُسْنِدُ، وَأَحْيَانًا يَكْسُلُ فَيُرْسِلُ عَلَى حَسَبِ الْمُذَاكَرَةِ، وَالْحَدِيثُ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ احْتَاجَ النَّاسُ فِيهِ إِلَى مَالِكٍ، انْتَهَى.

وَرَوَاهُ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَوُهِمَ فِيهِ أَيْضًا عَلَى مَالِكٍ، وَرَوَاهُ رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ سُمَيٍّ. . . إِلَخْ، فَزَادَ فِيهِ إِسْنَادًا آخَرَ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَخْطَأَ فِيهِ رَوَّادُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَيْسَ رَوَّادٌ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ فِي حَدِيثِ سُهَيْلٍ أَصْلًا، وَأَنْ سُمَّيًّا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانِ الزَّيَّاتِ، وَرَوَاهُ حَمَدٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، وَابْنُ عَدِيٍّ عَنْ جَهْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ أَبُو صَالِحٍ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ أَيْضًا، فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، بَلْ فِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ.

( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ» ) ، أَيْ: جُزْءٌ (مِنَ الْعَذَابِ) ، أَيِ: الْأَلَمِ النَّاشِئِ عَنِ الْمَشَقَّةِ لِمَا يَحْصُلُ فِي الرُّكُوبِ، وَالْمَشْيِ مِنْ تَرْكِ الْمَأْلُوفِ، كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْخَوْفِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ وَالْفِرَاقِ لِلْأَحْبَابِ، سُئِلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ حِينَ جَلَسَ مَوْضِعَ أَبِيهِ: لِمَ كَانَ السَّفَرُ قِطْعَةً مِنَ الْعَذَابِ؟ فَأَجَابَ عَلَى الْفَوْرِ: لِأَنَّ فِيهِ فِرَاقَ الْأَحْبَابِ، ( «يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» ) ، بِنَصْبِ الثَّلَاثَةِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ كَأَعْطَى، وَفَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ اسْتِئْنَافًا كَالْجَوَابِ لِمَنْ قَالَ: لِمَ كَانَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُ أَيْ: وَجْهُ التَّشْبِيهِ الِاشْتِمَالُ عَلَى الْمَشَقَّةِ.

وَقَدْ جَاءَ التَّعْلِيلُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَلَفْظُهُ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يُشْغَلُ فِيهِ عَنْ صَلَاتِهِ، وَصِيَامِهِ، فَذَكَرَ

الْحَدِيثَ، وَالْمُرَادُ مَنْعُ الْكَمَالِ لَا الْأَصْلِ.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ: لَا يَهِنُ أَحَدُكُمْ نَوْمَهُ، وَلَا طَعَامَهُ وَلَا شَرَابَهُ.

وَلِابْنِ عَدِيٍّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: وَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ إِلَّا سُرْعَةُ السَّيْرِ، وَالْمُرَادُ مَنْعُهُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِمَسِيرِهِ.

( «فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ» ) - بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْهَاءِ - قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَضَبَطْنَاهُ أَيْضًا بِكَسْرِ النُّونِ، أَيْ: حَاجَتَهُ بِأَنْ بَلَغَ هِمَّتَهُ، (مِنْ وَجْهِهِ) ، أَيْ: مِنْ مَقْصَدِهِ.

وَلِابْنِ عَدِيٍّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ وَطَرَهُ مِنْ سَفَرِهِ» "، وَفِي رِوَايَةٍ رَوَاهُ: " «فَإِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ حَاجَتِهِ» "، (فَلْيُعَجِّلْ) - بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ، وَكَسْرِ الْجِيمِ مُشَدَّدَةٍ - الرُّجُوعَ (إِلَى أَهْلِهِ) ، فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ، وَفِي رِوَايَةِ عَتِيقٍ: " «فَلْيُعَجِّلِ الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِهِ» "، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ: " «فَلْيُعَجِّلِ الْكَرَّةَ إِلَى أَهْلِهِ» "، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: " «فَلْيُعَجِّلِ الرِّحْلَةَ إِلَى أَهْلِهِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ» "، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَادَ فِيهِ بَعْضُ الضُّعَفَاءِ عَنْ مَالِكٍ: " «وَلِيَتَّخِذْ لِأَهْلِهِ هَدِيَّةً» ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا حَجَرًا فَلْيَنْقُلْهُ فِي مِخْلَاتِهِ "، وَالْحِجَارَةُ يَوْمَئِذٍ يُضْرَبُ بِهَا الْقِدَاحُ، يَعْنِي حَجْرَ الزِّنَادِ، قَالَ: وَهِيَ زِيَادَةٌ مُنْكَرَةٌ لَا تَصِحُّ.

وَفِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ التَّغَرُّبِ عَنِ الْأَهْلِ بِلَا حَاجَةٍ، وَنَدْبُ اسْتِعْجَالِ الرُّجُوعِ لَا سِيَّمَا مَنْ يَخْشَى عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ، وَلِمَا فِي الْإِقَامَةِ فِي الْأَهْلِ مِنَ الرَّاحَةِ الْمُعِينَةِ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَتَحْصِيلِ الْجَمَاعَاتِ وَالْقُوَّةِ عَلَى الْعِبَادَاتِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «سَافِرُوا تَصِحُّوَا» "؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الصِّحَّةِ بِالسَّفَرِ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاضَةِ أَنْ لَا يَكُونَ قِطْعَةً مِنَ الْعَذَابِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، فَصَارَ كَالدَّوَاءِ الْمُرِّ الْمُعَقِّبِ لِلصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي تَنَاوُلِهِ كَرَاهَةٌ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْخَطَّابِيُّ تَغْرِيبَ الزَّانِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِتَعْذِيبِهِ، وَالسَّفَرُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَذَابِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَفِي الْجِهَادِ عَنِ التِّنِّيسِيِّ، وَفِي الْأَطْعِمَةِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ، وَمُسْلِمٌ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ، وَالْقَعْنَبِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَبِي مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، وَمَنْصُورِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، الثَّمَانِيَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَوَرَدَ عَلَى سُؤَالٍ مِنَ الشَّامِ: هَلْ وَرَدَ السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ سَقَرٍ؟ كَمَا هُوَ دَارِجٌ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَإِذَا قُلْتُمْ: لَمْ يُرِدْ، هَلْ تَجُوزُ رِوَايَتُهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» "، فَأُجِيبَ: لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ الدَّارِجِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْحَافِظَانِ: السَّخَاوِيُّ، وَالسُّيُوطِيُّ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، مَعَ ذِكْرِهِمَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الْمَذْكُورَ، فَلَعَلَّ هَذَا اللَّفْظَ مِمَّا حَدَّثَ بَعْدَهُمَا، وَلَا تَجُوزُ رِوَايَتُهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ، إِذْ مِنْ شَرْطِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ بِجَوَازِهَا؛ أَنْ يَقْطَعَ بِأَنَّهُ أَدَّى بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْوَارِدِ، وَ " قِطْعَةٌ مِنْ سَقَرٍ " لَا يُؤَدِّي مَعْنَى " قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ " بِمَعْنَى التَّأَلُّمِ مِنَ الْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ سَقَرٍ كَوْنُهُ تَشْبِيهًا بَلِيغًا، أَوِ اسْتِعَارَةً يَقْتَضِي قُوَّةَ الْمَشَقَّةِ جِدًّا، فَفِي التَّنْزِيلِ: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ} [الرعد: ٣٤] (سورة الرَّعْدِ: الْآيَةُ ٣٤) ، فَلَا يُؤَدِّي عَلَى طَرِيقِ الْقَطْعِ مَعْنَى

الْعَذَابِ الْمَجْهُولِ عَلَى مَشَقَّاتِ الدُّنْيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.3 / 29.5
الإضاءة 86%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل