«قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢١٦٣

الحديث رقم ٢١٦٣ من كتاب «كتاب الجامع» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور…

«قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ»

١٨ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ⦗٨٩٣⦘ قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلَجُ وَالْيَقِينُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»، فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ.

١٩ - قَالَ مَالِكٌ: «وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ، فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ، وَلَا مِنَ الْأَرْضِ شَيْءٌ، وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ، فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الْأَرْضِ، قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَإِبِلٍ وَحِبَالٍ، وَأَقْتَابٍ ثُمَّ أَعْطَاهُمُ الْقِيمَةَ وَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا»

سند حديث: بَابُ مَا جَاءَ فِي إِجْلَاءِ الْيَهُودِ…

بَابُ مَا جَاءَ فِي إِجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنَ الْمَدِينَةِ

١٧ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ»

ــ

١٦٤٩ - ١٦٠٢ - (مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمٍ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ بَيْنَهُمَا جِيمٌ سَاكِنَةٌ آخِرُهُ رَاءٌ، الْمَدَنِيُّ مَوْلَى آلِ عُمَرَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْقَابِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَقَافٍ مَفْتُوحَةٍ جَمْعُ قِلَّةٍ لِنَقْبٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ نِقَابٌ بِكَسْرِ النُّونِ (الْمَدِينَةِ) طِيبَةَ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي مَدَاخِلَهَا وَهِيَ أَبْوَابُهَا وَفُوَّهَاتُ طُرُقِهَا الَّتِي يُدْخَلُ إِلَيْهَا مِنْهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ " عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَلَكٌ "، وَقِيلَ: طُرُقُهَا (مَلَائِكَةٌ) يَحْرُسُونَهَا (لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ) لِأَنَّ كُفَّارَ الْجِنِّ وَشَيَاطِينَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولِهَا، وَمَنِ اتَّفَقَ دُخُولُهُ فِيهَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ طَعْنِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ عَدُّوا عَدَمَ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ مِنْ خَصَائِصِهَا وَهُوَ مِنْ لَوَازِمِ دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا بِالصِّحَّةِ فَهِيَ مُعْجِزَةٌ لَهُ.

قَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ الْأَطِبَّاءَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ عَجَزُوا أَنْ يَدْفَعُوا الطَّاعُونَ عَنْ بَلَدٍ مِنَ الْبِلَادِ بَلْ عَنْ قَرْيَةٍ مِنَ الْقُرَى، وَقَدِ امْتَنَعَ الطَّاعُونُ عَنِ الْمَدِينَةِ بِدُعَائِهِ وَخَبَرِهِ هَذِهِ

الْمُدَدَ الْمُتَطَاوِلَةَ فَهُوَ خَاصٌّ بِهَا، وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ بِأَنَّ الطَّاعُونَ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ أَيْضًا، مُعَارَضٌ بِمَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ دَخَلَهَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، لَكِنَّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ لِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " الْمَدِينَةُ وَمَكَّةُ مَحْفُوفَتَانِ بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهُمَا مَلَكٌ فَلَا يَدْخُلُهُمَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ " وَحِينَئِذٍ فَالَّذِي نُقِلَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ فِي التَّارِيخِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ كَمَا ظَنَّ أَوْ يُقَالُ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُهُمَا مِنَ الطَّاعُونِ مِثْلُ الَّذِي يَقَعُ فِي غَيْرِهِمَا كَالْجَارِفِ وَعَمَوَاسَ.

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْفِتَنِ: " «فَتَجِدُ الْمَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا، يَعْنِي الْمَدِينَةَ فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» " وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، فَقِيلَ: لِلتَّبَرُّكِ فَيَشْمَلُهُمَا، وَقِيلَ: لِلتَّعْلِيقِ وَأَنَّ مُقْتَضَاهُ جَوَازُ دُخُولِ الطَّاعُونِ الْمَدِينَةَ.

(وَلَا الدَّجَّالُ) الْمَسِيحُ الْأَعْوَرُ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: جُمْلَةُ " لَا يَدْخُلُهَا " مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِمُوجَبِ اسْتِقْرَارِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَنْقَابِهَا.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لَيْسَ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَائِكَةٌ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ» " قَالَ الْحَافِظُ: وَعَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ فِي كُلِّ بَلَدٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: الْمُرَادُ لَا يَدْخُلُهُ بِجُنُودِهِ، وَكَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ إِمْكَانَ دُخُولِ الدَّجَّالِ جَمِيعَ الْبِلَادِ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، وَغَفَلَ عَمَّا فِي مُسْلِمٍ أَنَّ بَعْضَ أَيَّامِهِ يَكُونُ قَدْرَ السَّنَةِ.

وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: " إِلَّا الْكَعْبَةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ " وَزَادَ الطَّحَاوِيُّ: " وَمَسْجِدَ الطُّورِ " وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " «فَلَا يَبْقَى مَوْضِعٌ إِلَّا وَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ غَيْرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَبَلِ الطُّورِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَطْرُدُهُ عَنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ» " اهـ.

وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَفِي الطِّبِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الْفِتَنِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[مَا جَاءَ فِي إِجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنْ الْمَدِينَةِ]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ «كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَالَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ»

ــ

٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِجْلَاءِ الْيَهُودِ - بِالْجِيمِ - مِنَ الْمَدِينَةِ

، أَيْ: إِخْرَاجِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَمِنْهَا الْمَدِينَةُ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهَا.

١٦٥٠ - ١٦٠٣ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ) الْقُرَشِيِّ، مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ، ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ

ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (يَقُولُ) مُرْسَلٌ وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا ( «كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ» ) قِيلَ مَعْنَاهُ لَعَنَهُمْ لِرِوَايَةِ: " «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ» " وَقِيلَ: أَيْ: قَتَلَهُمْ لِأَنَّ فَاعِلَ يَأْتِي بِمَعْنَى فَعَلَ.

(وَالنَّصَارَى) وَكَأَنَّهُ قِيلَ مَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُمُ (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) أَيِ اتَّخَذُوهَا جِهَةَ قِبْلَتِهِمْ مَعَ اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلَ، وَأَنَّ اتِّخَاذَهَا مَسَاجِدَ لَازِمٌ لِاتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا كَعَكْسِهِ، وَقَدَّمَ الْيَهُودَ لِابْتِدَائِهِمْ بِالِاتِّخَاذِ وَتَبِعَهُمُ النَّصَارَى فَالْيَهُودُ أَظْلَمُ، فَإِنْ قِيلَ: النَّصَارَى لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا نَبِيٌّ وَاحِدٌ وَلَا قَبْرَ لَهُ.

أُجِيبَ: بِأَنَّ الْجَمْعَ بِإِزَاءِ الْمَجْمُوعِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ الْيَهُودَ لَهُمْ أَنْبِيَاءُ أَوِ الْمُرَادُ الْأَنْبِيَاءُ وَكِبَارُ أَتْبَاعِهِمْ كَالْحَوَارِيِّينَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ.

وَفِي مُسْلِمٍ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي النَّصَارَى أَنْبِيَاءُ أَيْضًا غَيْرُ مُرْسَلِينَ كَالْحَوَارِيِّينَ وَمَرْيَمَ فِي قَوْلٍ، أَوِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْيَهُودِ فَقَطْ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ إِسْقَاطِ النَّصَارَى، أَوْ عَلَى الْكُلِّ وَيُرَادُ مَنْ أُمِرُوا بِالْإِيمَانِ بِهِمْ وَإِنْ كَانُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ.

قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَمَّا كَانَتِ الْيَهُودُ يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وَيَجْعَلُونَهَا قِبْلَةً وَيَتَوَجَّهُونَ فِي الصَّلَاةِ نَحْوَهَا فَاتَّخَذُوهَا أَوْثَانًا لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، أَمَّا مَنِ اتَّخَذَ مَسْجِدًا بِجِوَارِ صَالِحٍ أَوْ صَلَّى فِي مَقْبَرَتِهِ وَقَصَدَ بِهِ الِاسْتِظْهَارَ بِرُوحِهِ وَوُصُولَ أَثَرٍ مِنْ آثَارِ عِبَادَتِهِ إِلَيْهِ لَا التَّعْظِيمَ لَهُ وَالتَّوَجُّهَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَدْفَنَ إِسْمَاعِيلَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْحَطِيمِ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ أَفْضَلُ مَكَانٍ يَتَحَرَّى الْمُصَلِّي بِصَلَاتِهِ.

وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ مُخْتَصٌّ بِالْمَنْبُوشَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ النَّجَاسَةِ انْتَهَى.

لَكِنَّ خَبَرَ الشَّيْخَيْنِ كَرَاهَةُ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ مُطْلَقًا، أَيْ: قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ خَشْيَةَ أَنْ يُعْبَدَ الْمَقْبُورُ فِيهَا بِقَرِينَةِ خَبَرِ: " «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» " فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْبَيْضَاوِيِّ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُخَفْ ذَلِكَ.

( «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» ) الْحِجَازِ كُلِّهِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِي الثَّانِي بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» قَالَ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ وَالْيَقِينُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الثَّمَرِ وَلَا مِنْ الْأَرْضِ شَيْءٌ وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الْأَرْضِ قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَإِبِلٍ وَحِبَالٍ وَأَقْتَابٍ ثُمَّ أَعْطَاهُمْ الْقِيمَةَ وَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا

ــ

١٦٥١ - ١٦٠٤ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) مُرْسَلٌ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ

سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا أَيْضًا، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِنَحْوِهِ مِنْ طُرُقٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَجْتَمِعُ) خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ؛ لِلرِّوَايَةِ قَبْلَهُ " لَا يَبْقَيَنَّ " (دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) هِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ كَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَيْ: وَقُرَاهَا، سُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِإِحَاطَةِ الْبَحْرِ بِهَا.

وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَقْصَى عَدَنٍ وَمَا وَالَاهَا مِنْ أَقْصَى الْيَمَنِ كُلِّهَا إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ، وَأَمَّا فِي الْعَرْضِ فَمِنْ جَدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ وَمِصْرَ فِي الْمَغْرِبِ، وَفِي الْمَشْرِقِ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مُنْقَطَعِ السِّمَارَةِ.

(قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَفَحَصَ) أَيِ اسْتَقْصَى فِي الْكَشْفِ (عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) فِي خِلَافَتِهِ (حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَجِيمٍ، الْيَقِينُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ (وَالْيَقِينُ) الَّذِي اطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ وَالْعَطْفُ تَفْسِيرِيٌّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ) وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ قَالَ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ» " (فَأَجْلَى) أَخْرَجَ (يَهُودَ خَيْبَرَ) لَمَّا اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ بِكَثْرَةِ مَنْ رَوَى لَهُ ذَلِكَ.

(قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ هَمْدَانَ بِالْيَمَنِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: سُمِّيَتْ بِاسْمِ بَانِيهَا نَجْرَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ.

(وَفَدَكَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَلْدَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَيْبَرَ دُونَ مَرْحَلَةٍ.

(فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ وَلَا مِنَ الْأَرْضِ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوهُ الْعَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرَةِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّمَا سَاقَاهُمُ اللَّهُ مُدَّةً وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ فِيهَا شَيْئًا.

(وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَالَحَهُمْ) لَمَّا أَوْقَعَ بِأَهْلِ خَيْبَرَ (عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ)

بِطَلَبِهِمْ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَأْتِهِمْ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَتْ لَهُ خَالِصَةً لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، وَقِيلَ: صَالَحُوهُ عَلَى حَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَالْجَلَاءِ وَيُخْلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْوَالِ فَفَعَلَ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ الْقَوْلَيْنِ.

(فَأَقَامَ) أَيْ: قَوَّمَ (لَهُمْ عُمَرُ نَصِفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الْأَرْضِ قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ) فِضَّةٍ (وَإِبِلٍ وَحِبَالٍ) جَمْعُ حَبْلٍ (وَأَقْتَابٍ) جَمْعُ قَتَبٍ (ثُمَّ أَعْطَاهُمُ الْقِيمَةَ وَأَجْلَاهُمْ) عَمَلًا بِحَدِيثِ: " «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ".

[باب القدر] [النَّهْيِ عَنْ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ]

كتاب القدر

باب النَّهْيِ عَنْ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى قَالَ لَهُ مُوسَى أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ آدَمُ أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ»

ــ

٤٦ - كِتَابُ الْقَدَرِ

١ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ

بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ، قَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ التَّقْدِيرُ وَالْقَضَاءُ هُوَ التَّفْصِيلُ وَالْقَطْعُ، فَالْقَضَاءُ أَخَصُّ مِنَ الْقَدَرِ لِأَنَّهُ الْفَصْلُ بَيْنَ التَّقْدِيرِ فَالْقَدَرُ كَالْأَسَاسِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَدَرَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَدِّ لِلْكَيْلِ، وَالْقَضَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ.

قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: قَدَّرَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ، أَيْ: عَلِمَ مَقَادِيرَهَا وَأَحْوَالَهَا وَأَزْمَانَهَا قَبْلَ إِيجَادِهَا ثُمَّ أَوْجَدَ مِنْهَا مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ، فَلَا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَإِنَّ خَلْقَهُ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا إِلَّا نَوْعُ اكْتِسَابٍ وَمُحَاوَلَةٌ وَنِسْبَةٌ وَإِضَافَةٌ، وَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ وَبِقُدْرَتِهِ وَإِلْهَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا خَالِقَ غَيْرُهُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ.

قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: سَبِيلُ مَعْرِفَةِ هَذَا الْبَابِ التَّوْقِيفُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ مَحْضِ الْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ، فَمَنْ عَدَلَ عَنِ التَّوْقِيفِ ضَلَّ وَتَاهَ فِي بِحَارِ الْحَيْرَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ شِفَاءً وَلَا يَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ ; لِأَنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى اخْتُصَّ بِهِ الْخَبِيرُ الْعَلِيمُ وَضَرَبَ دُونَهُ الْأَسْتَارَ، وَحَجَبَهُ عَنْ عُقُولِ الْخَلْقِ وَمَعَارِفِهِمْ لِمَا عَلِمَهُ مِنَ الْحِكْمَةِ، فَلَمْ يَعْلَمْهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَقِيلَ: الْقَدَرُ يَنْكَشِفُ لَهُمْ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ وَلَا يَنْكَشِفُ قَبْلَ دُخُولِهَا.

١٦٦٠ - ١٦١٢ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تَحَاجَّ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْجِيمِ أَصْلُهُ تَحَاجَجَ بِجِيمَيْنِ أُدْغِمَتْ أُولَاهُمَا فِي الْأُخْرَى (آدَمُ وَمُوسَى) أَيْ: ذَكَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا حُجَّتَهُ، قَالَ الْقَابِسِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْتَقَتْ أَرْوَاحُهُمَا فِي السَّمَاءِ أَوَّلَ مَا مَاتَ مُوسَى فَتَحَاجَّا.

قَالَ عِيَاضٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمَا فَاجْتَمَعَا فَتَحَاجَّا بِأَشْخَاصِهِمَا كَمَا جَاءَ فِي الْإِسْرَاءِ، وَقِيلَ: كَانَ هَذَا فِي حَيَاةِ مُوسَى وَأَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُرِيَهُ آدَمَ فَأَجَابَهُ.

ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ أَثَرًا أَنَّ مُوسَى

قَالَ: رَبِّ، أَبُونَا آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَأَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ أَرِنِيهِ، فَأَرَاهُ إِيَّاهُ (فَحَجَّ آدَمُ) بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ (مُوسَى) فِي مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٌ، أَيْ: غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ (قَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ: عَرَّضْتَهُمْ لِلْإِغْوَاءِ لَمَّا كُنْتَ سَبَبَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: أَيْ: أَنْتَ السَّبَبُ فِي إِخْرَاجِهِمْ وَتَعْرِيضِهِمْ لِإِغْوَاءِ الشَّيْطَانِ (وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) دَارِ النَّعِيمِ وَالْخُلُودِ إِلَى دَارِ الْبُؤْسِ وَالْفَنَاءِ.

وَفِيهِ أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَمُ هِيَ الْجَنَّةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي الْآخِرَةِ، فَيَرُدُّ قَوْلَ الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّهَا غَيْرُهَا.

قَالَ الْأُبِّيُّ: كَأَنَّ مُوسَى جَوَّزَ الْوِلَادَةَ فِي الْجَنَّةِ مَعَ أَنَّهَا مَشَقَّةٌ لِأَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ مَشَقَّةٌ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ قِيلَ فِي هَابِيلَ أَنَّهُ مِنْ حَمْلِ الْجَنَّةِ.

وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُولَدُ لَهُ الْوَلَدُ كَمَا يَشْتَهِي وَيَكُونُ حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ وَشَبَابُهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ» " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ " وَفِي رِوَايَةٍ: " أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ ثُمَّ أُهْبِطَ النَّاسُ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ؟» " (فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ) قَالَ عِيَاضٌ: عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، أَيْ: مِمَّا عَلَّمَكَ وَيُحْتَمَلُ مِمَّا عَلَّمَهُ الْبَشَرَ (وَاصْطَفَاهُ) اخْتَارَهُ (عَلَى النَّاسِ) أَهْلِ زَمَانِهِ (بِرِسَالَتِهِ) بِالْإِفْرَادِ وَقُرِئَتِ الْآيَةُ بِهِ وَبِالْجَمْعِ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلصَّحِيحَيْنِ: " اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ " وَفِي أُخْرَى: " اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ، فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ " (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ) بِشَدِّ الدَّالِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ (عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟) فَحَجَّهُ بِذَلِكَ بِأَنْ أَلْزَمَهُ أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَرْكِهِ بَلْ كَانَ قَدَرًا مِنَ اللَّهِ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهِ، أَيْ: أَنَّ اللَّهَ أَثْبَتَهُ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ كَوْنِي وَحَكَمَ بِأَنَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَكَيْفَ تَغْفُلُ عَنِ الْعِلْمِ السَّابِقِ وَتَذْكُرُ الْكَسْبَ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ وَتَنْسَى الْأَصْلَ الَّذِي هُوَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَ سِرَّ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ الْأَسْتَارِ؟ وَهَذِهِ الْمُحَاجَّةُ لَمْ تَكُنْ فِي عَالَمِ الْأَسْبَابِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الْوَسَائِطِ وَالِاكْتِسَابِ وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ عِنْدَ مُلْتَقَى الْأَرْوَاحِ، وَاللَّوْمُ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَا دَامَ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ، أَمَّا بَعْدَهَا فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلِذَا عَدَلَ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ، فَالتَّائِبُ لَا يُلَامُ عَلَى مَا

تِيبَ عَلَيْهِ مِنْهُ لَا سِيَّمَا إِذَا انْتَقَلَ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ: " «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ؟» " وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ: " «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟» " وَجَمَعَ بِحَمْلِ الْمُقَيَّدَةِ بِالْأَرْبَعِينَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابَةِ وَالْأُخْرَى عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلْمِ.

قَالَ الْمَازِرِيُّ: " الْأَرْبَعِينَ " مَثَلٌ خَلْقُهُ تَارِيخٌ مَحْدُودٌ وَقَضَاءُ اللَّهِ الْكَائِنَاتِ وَإِرَادَتُهُ أَزَلِيٌّ، فَيَجِبُ حَمْلُ الْأَرْبَعِينَ عَلَى أَنَّهُ أَظْهَرَ قَضَاءَهُ بِذَلِكَ لِلْمَلَائِكَةِ أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مَا أَضَافَ إِلَيْهِ هَذَا التَّارِيخَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ: بِقَدَرٍ كَتَبَهُ فِي التَّوْرَاةِ أَلَا تَرَاهُ.

قَالَ فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ: فَكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَهُ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ: بِأَرْبَعِينَ.

فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَى التَّحَاجِّ ذِكْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَنَاظِرَيْنِ حُجَّتَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُحَاجَّةُ وَهُوَ هُنَا اللَّوْمُ فَمُوسَى أَثْبَتَهُ وَآدَمُ نَفَاهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ آدَمَ احْتَجَّ بِشَيْءٍ سَبَقَ بِهِ الْقَدَرُ، وَأَمَّا مُوسَى فَإِنَّمَا ذَكَرَ الدَّعْوَى وَلَمْ يَذْكُرْ حُجَّةً.

أَجَابَ الْأَبِّيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أَنْتَ أَبُونَا حُجَّةٌ ; لِأَنَّ الْأَبَ مَحَلُّ الشَّفَقَةِ، وَهِيَ تَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ مَا يَضُرُّ بِالْوَلَدِ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَالْبَاجِيُّ: لَيْسَ مَا سَبَقَ مِنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ يَرْفَعُ الْمَلَامَةَ عَنِ الْبَشَرِ لَكِنَّ مَعْنَاهُ قُدِّرَ عَلَيَّ وَتُبْتُ مِنْهُ وَالتَّائِبُ لَا يُلَامُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا غَلَبَهُ لِأَنَّ آدَمَ أَبُوهُ وَلَمْ يُشْرَعْ لِلِابْنِ لَوْمُ الْأَبِ.

قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ مُوسَى كَانَ قَدْ عَلِمَ مِنَ التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ تِلْكَ الْأَكْلَةَ سَبَبًا لِهُبُوطِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَسُكْنَاهُ بِهَا وَنَشْرِ ذُرِّيَّتِهِ فِيهَا وَتَكْلِيفِهِمْ لِيُرَتِّبَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنَ الْخُرُوجِ وَقَدْ فَعَلَ سَبَبَهُ فَفِيمَ اللَّوْمُ؟ وَقِيلَ: إِنَّمَا غَلَبَهُ لِأَنَّ تَرْتِيبَ اللَّوْمِ عَلَى الذَّمِّ لَيْسَ أَمْرًا عَقْلِيًّا لَا يَنْفَكُّ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ، فَإِذَا تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ وَغَفَرَ لَهُ فَقَدْ رَفَعَ عَنْهُ اللَّوْمَ فَمَنْ لَامَ فِيهِ مَحْجُوجٌ مَغْلُوبٌ بِالشَّرْعِ.

وَقِيلَ: لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُبْ لَوْمَهُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ.

وَمَبَاحِثُهَا إِنَّمَا هِيَ عَلَى السَّبَبِ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ آدَمَ سَبَبٌ إِلَّا قَضَاءَ اللَّهِ وَقَدَرَهُ ; وَلِذَا فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ; وَلِذَا قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ وَذَكَرَ فَضَائِلَهُ، أَيْ: كَمَا قَضَى تَعَالَى لَكَ بِذَلِكَ وَنَفَّذَهُ فِيكَ، كَذَلِكَ قَضَى عَلَيَّ فِيمَا فَعَلْتُ وَنَفَّذَهُ فِيَّ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلِتَنْكِحَ فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا»

ــ

٢ - بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ

١٦٦٦ - ١٦١٨ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَخِفَّةِ النُّونِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ» ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا أَوْ دِينًا أَوْ فِي الْبَشَرِيَّةِ لِيُدْخِلَ الْكَافِرَةَ» " وَقِيلَ: الْمُرَادُ ضَرَّتُهَا، وَلَفْظُ لَا يَحِلُّ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ، لَكِنْ حُمِلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ مُجَوِّزٌ كَرِيبَةٍ فِي الْمَرْأَةِ لَا يَسُوغُ مَعَهَا الِاسْتِمْرَارُ فِي الْعِصْمَةِ وَقَصَدَتِ النَّصِيحَةَ الْمَحْضَةَ، ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ، وَحَمْلُهُ عَلَى النَّدْبِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ بَعِيدٌ.

وَفِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ: " «لَا يَصْلُحُ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَشْتَرِطَ طَلَاقَ أُخْتِهَا» " وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَجْنَبِيَّةُ فَتَكُونُ الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ لَا فِي النَّسَبِ أَوِ الرَّضَاعِ أَوِ الْبَشَرِيَّةِ لِيَعُمَّ الْكَافِرَةَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنُ حِبَّانَ لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ (طَلَاقَ أُخْتِهَا) فَإِنَّ الْمُسْلِمَةَ أُخْتُ الْمُسْلِمَةِ (لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا) أَيْ: تَجْعَلَهَا فَارِغَةً لِتَفُوزَ بِحَظِّهَا مِنَ النَّفَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْمُعَاشَرَةِ، وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ: لِتَسْتَفْرِغَ إِنَاءَ أُخْتِهَا.

(وَلْتَنْكِحْ) بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَالْجَزْمِ، أَيْ: وَلْتَتَزَوَّجْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مَنْ خَطَبَهَا مِنْ

غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ طَلَاقَ أُخْتِهَا.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَلْتَنْكِحْ عَطْفٌ عَلَى لِتَسْتَفْرِغَ وَكِلَاهُمَا عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، أَيْ: وَلْتَنْكِحْ زَوْجَهَا.

(فَإِنَّمَا لَهَا) أَيْ: لِلسَّائِلَةِ (مَا قُدِّرَ لَهَا) أَيْ: لَنْ يَعْدُوَ ذَلِكَ مَا قُسِمَ لَهَا وَلَنْ تَسْتَزِيدَ بِهِ شَيْئًا.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحْسَنِ أَحَادِيثِ الْقَدَرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ أَجَابَهَا وَطَلَّقَ مَنْ تَظُنُّ أَنَّهَا تُزَاحِمُهَا فِي رِزْقِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا، سَوَاءٌ أَجَابَهَا أَمْ لَمْ يُجِبْهَا.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ " «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ» " وَالْبَاقِي مِثْلُهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»

ــ

١٦٨٤ - ١٦٣٤ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِيَّاكُمْ) كَلِمَةُ تَحْذِيرٍ (وَالظَّنَّ) أَيِ اجْتَنِبُوا ظَنَّ السَّوْءِ بِالْمُسْلِمِ، فَلَا تَتَّهِمُوا أَحَدًا بِالْفَاحِشَةِ مَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا، وَالظَّنُّ تُهْمَةٌ تَقَعُ فِي الْقَلْبِ بِلَا دَلِيلٍ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهُوَ حَرَامٌ كَسُوءِ الْقَوْلِ لَكِنْ لَسْتُ أَعْنِي بِهِ إِلَّا عَقْدَ الْقَلْبِ وَحُكْمَهَ عَلَى غَيْرِهِ بِالسُّوءِ، أَمَّا الْخَوَاطِرُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ فَعَفْوٌ بَلِ الشَّكُّ عَفْوٌ أَيْضًا، فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ الظَّنُّ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا تَرْكَنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَيَمِيلُ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَسَبَبُ تَحْرِيمِهِ أَنَّ أَسْرَارَ الْقُلُوبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ، فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَعْتَقِدَ فِي غَيْرِكَ سُوءًا إِلَّا إِذَا انْكَشَفَتْ لَكَ بِعِيَانٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا تَعْتَقِدْ إِلَّا مَا عَلِمْتَهُ وَشَاهَدْتَهُ أَوْ تَسْمَعُهُ، ثُمَّ يُوقَعُ فِي قَلْبِكَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُلْقِيهِ إِلَيْكَ، فَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُكَذِّبَهُ فَإِنَّهُ أَفْسُقُ الْفُسَّاقِ اهـ.

وَقَالَ الْعَارِفُ زَرُوقٌ: إِنَّمَا يَنْشَأُ الظَّنُّ الْخَبِيثُ عَنِ الْقَلْبِ الْخَبِيثِ لَا فِي جَانِبِ الْحَقِّ وَلَا فِي جَانِبِ الْخُلُقِ كَمَا قِيلَ:

إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ وَعَادَى مُحِبِّيهِ بِقَوْلِ عَدُوِّهِ وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ (فَإِنَّ الظَّنَّ) أَقَامَ الْمُظْهَرَ مَقَامَ الْمُضْمَرِ لِزِيَادَةِ تَمْكِينِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِي ذِكْرِ السَّامِعِ حَثًّا عَلَى الِاجْتِنَابِ.

( «أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» ) أَيْ: حَدِيثِ النَّفْسِ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ، وَاسْتُشْكِلَ تَسْمِيَتُهُ كَذِبًا بِأَنَّ الْكَذِبَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ.

وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ، سَوَاءٌ كَانَ قَوْلًا أَمْ لَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَنْشَأُ عَنِ الظَّنِّ فَوُصِفَ الظَّنُّ بِهِ مَجَازًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ الَّذِي تُنَاطُ بِهِ الْأَحْكَامُ غَالِبًا، بَلِ الْمُرَادُ تَرْكُ تَحْقِيقِ الظَّنِّ الَّذِي يَضُرُّ بِالْمَظْنُونِ بِهِ، وَكَذَا مَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ بِلَا دَلِيلٍ وَذَلِكَ أَنَّ أَوَائِلَ الظُّنُونِ إِنَّمَا هِيَ خَوَاطِرُ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا وَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ لَا يُكَلَّفُ بِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " «تَجَاوَزَ اللَّهُ لِلْأُمَّةِ بِمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا» " وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِالظَّنِّ هُنَا التُّهْمَةُ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا كَمَنْ يَتَّهِمُ رَجُلًا بِالْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا وَلِذَا عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: " وَلَا تَجَسَّسُوا " وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْصَ يَقَعُ لَهُ خَاطِرُ التُّهْمَةِ فَيُرِيدُ أَنْ يَتَحَقَّقَ فَيَتَجَسَّسُ وَيَبْحَثُ وَيَسْتَمِعُ فَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُوَافِقُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} [الحجرات: ١٢] [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: الْآيَةُ ١٢] الْآيَةَ، فَدَلَّ سِيَاقُهَا عَلَى الْأَمْرِ بِصَوْنِ عِرْضِ الْمُسْلِمِ غَايَةَ الصِّيَانَةِ لِتَقَدُّمِ النَّهْيِ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ بِالظَّنِّ، فَإِنْ قَالَ الظَّانُّ: أَبْحَثُ لِأَتَحَقَّقَ، قِيلَ لَهُ: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: ١٢] فَإِنْ قَالَ: تَحَقَّقْتُهُ مِنْ غَيْرِ تَجْسِيسٍ، قِيلَ لَهُ: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: ١٢] .

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ قَوْمٌ عَلَى مَنْعِ الْعَمَلِ فِي الْأَحْكَامِ بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ، وَحَمَلَهُ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ظَنٍّ مُجَرَّدٍ عَنِ الدَّلِيلِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ وَلَا تَحْقِيقِ نَظَرٍ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ بِالظَّنِّ الِاجْتِهَادَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْأَحْكَامِ أَصْلًا بَلِ الِاسْتِدْلَالُ لَهُ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ضَعْفَهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا بُطْلَانُهُ فَلَا لِأَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ.

وَقَدْ قَرَّبَهُ فِي الْمُفْهِمِ وَقَالَ: الظَّنُّ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هُوَ تَغْلِيبُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَوِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْيَقِينِ لَيْسَ مُرَادًا مِنَ الْحَدِيثِ وَلَا مِنَ الْآيَةِ، فَلَا يُلْتَفَتُ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى إِنْكَارِ الظَّنِّ الشَّرْعِيِّ.

(وَلَا تَحَسَّسُوا) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ.

(وَلَا تَجَسَّسُوا) بِالْجِيمِ وَرَوَى بِتَقْدِيمِهَا عَلَى الْحَاءِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، هُمَا لَفْظَتَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْبَحْثُ وَالتَّطَلُّبُ لِمَعَايِبِ النَّاسِ وَمُسَاوِيهِمْ إِذَا غَابَتْ وَاسْتَتَرَتْ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا، وَلَا يَكْشِفُ عَنْ خَبَرِهَا، وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي اللُّغَةِ مِنْ قَوْلِكَ حَسَّ الشَّيْءَ، أَيْ: أَدْرَكَهُ بِحَسِّهِ وَجَسِّهِ مِنَ الْمِحَسَّةِ وَالْمِجَسَّةِ، وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ:

ذِكْرُ الثَّانِي لِلتَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ بُعْدًا وَسُحْقًا.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَصْلُ الَّتِي بِالْحَاءِ مِنَ الْحَاسَّةِ إِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، وَبِالْجِيمِ مِنَ الْجَسِّ بِمَعْنَى اخْتِبَارِ الشَّيْءِ بِالْيَدِ وَهِيَ إِحْدَى الْحَوَاسِّ فَتَكُونُ الَّتِي بِالْحَاءِ أَعَمَّ.

وَقَالَ غَيْرُهُ بِالْجِيمِ الْبَحْثُ عَنِ الْعَوْرَاتِ وَبِالْحَاءِ اسْتِمَاعُ حَدِيثِ الْقَوْمِ، وَقِيلَ: بِالْجِيمِ الْبَحْثُ عَنْ بَوَاطِنِ الْأُمُورِ وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي الشَّرِّ، وَبِالْحَاءِ الْبَحْثُ عَمَّا يُدْرَكُ بِحَاسَّةِ الْعَيْنِ أَوِ الْأُذُنِ وَرَجَّحَ هَذَا الْقُرْطُبِيُّ.

وَقِيلَ: بِالْحَاءِ تَتَبُّعُ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ وَبِالْجِيمِ لِغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ ثَعْلَبٌ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: التَّجَسُّسُ بِالْجِيمِ تَطَلَّبُ أَخْبَارِ النَّاسِ فِي الْجُمْلَةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلْإِمَامِ الَّذِي رُتِّبَ لِمَصَالِحِهِمْ وَأُلْقِيَ إِلَيْهِ زِمَامُ حِفْظِهِمْ، فَأَمَّا عِرْضُ النَّاسِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا لِغَرَضِ مُصَاهَرَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ رِفَاقَةٍ فِي سَفَرٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الِامْتِزَاجِ، وَأَمَّا بِالْحَاءِ فَطَلَبُ الْخَبَرِ الْغَائِبِ لِلشَّخْصِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَلَا لِسِوَاهُ.

وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْمَاوَرْدِيِّ: لَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَثَ عَمَّا لَمْ يَظْهَرْ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِتَارُ أَهْلِهَا بِهَا إِلَّا إِنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى إِنْقَاذِ نَفْسٍ مِنَ الْهَلَاكِ مَثَلًا كَإِخْبَارِ ثِقَةٍ بِأَنَّ فَلَانًا خَلَا بِشَخْصٍ لِيَقْتُلَهُ ظُلْمًا أَوِ امْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا، فَيُشْرَعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ التَّجَسُّسُ وَالْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ اسْتِدْرَاكِهِ.

(وَلَا تَنَافَسُوا) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنَ الْمُنَافَسَةِ وَهِيَ الرَّغْبَةُ فِي الشَّيْءِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَيْ: لَا تَتَنَافَسُوا حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا إِنَّمَا التَّنَافُسُ فِي الْخَيْرِ قَالَ تَعَالَى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: ٢٦] [سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ: الْآيَةُ ٢٦] وَكَأَنَّ الْمُنَافَسَةَ هِيَ الْغِبْطَةُ وَأَبْعَدَ مَنْ فَسَّرَهَا بِالْحَسَدِ ; لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَيْهَا فَقَالَ: (وَلَا تَحَاسَدُوا) أَيْ: لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: التَّنَافُسُ هُوَ التَّحَاسُدُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَّا أَنَّهُ يَتَمَيَّزُ عَنْهُ بِأَنَّهُ سَبَبُهُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمُرَادُ التَّنَافُسُ فِي الدُّنْيَا وَمَعْنَاهُ طَلَبُ الظُّهُورِ فِيهَا عَلَى النَّاسِ وَالتَّكَبُّرُ عَلَيْهِمْ وَمُنَافَسَتُهُمْ فِي رِيَاسَتِهِمْ وَالْبَغْيُ عَلَيْهِمْ وَحَسَدُهُمْ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْهَا، وَأَمَّا التَّنَافُسُ وَالْحَسَدُ عَلَى الْخَيْرِ وَطُرُقِ الْبِرِّ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ.

(وَلَا تَبَاغَضُوا) أَيْ: لَا تَتَعَاطَوْا أَسْبَابَ الْبُغْضِ ; لِأَنَّ الْبُغْضَ لَا يُكْتَسَبُ ابْتِدَاءً.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّبَاغُضِ.

قَالَ الْحَافِظُ: بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْأَهْوَاءِ ; لِأَنَّ تَعَاطِيَ الْأَهْوَاءِ ضَرْبٌ مِنْ ذَلِكَ، وَحَقِيقَةُ التَّبَاغُضِ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَقَدْ يُطْلَقُ إِذَا كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَالْمَذْمُومُ مِنْهُ مَا كَانَ فِي غَيْرِ اللَّهِ، أَمَّا فِي اللَّهِ فَوَاجِبٌ يُثَابُ فَاعِلُهُ لِتَعْظِيمِ حَقِّ اللَّهِ وَلَوْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ السَّلَامَةِ، كَمَنْ يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إِلَى اعْتِقَادٍ يُنَافِي الْآخَرَ فَيَبْغَضُهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَعْذُورٌ عِنْدَ اللَّهِ.

(وَلَا تَدَابَرُوا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا تَتَهَاجَرُوا فَيَهْجُرُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَوْلِيَةِ الرَّجُلِ الْآخَرَ دُبُرَهُ إِذَا أَعْرَضَ عَنْهُ حِينَ يَرَاهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّمَا قِيلَ لِلْإِعْرَاضِ مُدَابَرَةٌ لِأَنَّ مَنْ أَبْغَضَ أَعْرَضَ وَمَنْ أَعْرَضَ وَلَّى دُبُرَهُ وَالْمُحِبُّ بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا

يَسْتَأْثِرُ أَحَدُكُمْ عَلَى الْآخَرِ، وَقِيلَ: لِلْمُسْتَأْثِرِ مُسْتَدْبِرٌ لِأَنَّهُ يُوَلِّي دُبُرَهُ حَتَّى يَسْتَأْثِرَ بِشَيْءٍ دُونَ الْآخَرِ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَعْنَى التَّدَابُرِ الْمُعَادَاةُ، تَقُولُ دَابَرْتُهُ، أَيْ: عَادَيْتُهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَتَخَاذَلُوا بَلْ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: هَذِهِ أُمُورٌ غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ فَلَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهَا فَيُصْرَفُ النَّهْيُ إِلَى أَسْبَابِهَا، أَيْ: لَا تَفْعَلُوا مَا يُوجِبُ ذَلِكَ.

( «وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اكْتَسِبُوا مَا تَصِيرُونَ بِهِ كَإِخْوَانِ النَّسَبِ فِي الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمُوَاسَاةِ وَالْمُعَاوَنَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَلَعَلَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ " هَذِهِ الْأَوَامِرُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا فَإِنَّهَا جَامِعَةٌ لِمَعَانِي الْأُخُوَّةِ وَنَسَبُهَا إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ الرَّسُولَ مُبَلِّغٌ عَنْهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنَّ إِخْوَانًا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وَأَنَّهُ بَدَلٌ وَأَنَّهُ الْخَبَرُ، وَ " عِبَادَ اللَّهِ " مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْقَعُ، يَعْنِي أَنْتُمْ مُسْتَوُونَ فِي كَوْنِكُمْ عَبِيدَ اللَّهِ وَمِلَّتُكُمْ وَاحِدَةً، وَالتَّبَاغُضُ وَمَا مَعَهُ مُنَافٍ لِذَلِكَ، وَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُونُوا إِخْوَانًا مُتَوَاصِلِينَ مُتَآلِفِينَ.

وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: انْتَصَبَ عِبَادَ اللَّهِ عَلَى النِّدَاءِ أَوْ حُذِفَ حَرْفُهُ وَإِخْوَانًا خَبَرٌ، وَيَجُوزُ أَنَّهُمَا خَبَرَانِ، وَيَجُوزُ أَنَّ الْخَبَرَ عِبَادَ اللَّهِ، وَإِخْوَانًا حَالٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ لَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا تَنَاجَشُوا بَدَلَ قَوْلِهِ وَلَا تَنَافَسُوا، وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ عِيَاضٌ: النَّجْشُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ ذَمِّ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَقِيلَ: النَّجْشُ التَّنْفِيرُ نَجَشَ الصَّيْدَ نَفَّرَهُ، وَالنَّجْشُ أَيْضًا الْإِطْرَاءُ، فَمَعْنَى لَا تَنَاجَشُوا لَا يُنَافِرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، أَيْ: لَا يُعَامِلُهُ مِنَ الْقَوْلِ بِمَا يُنَفِّرُهُ كَمَا يُنَفِّرُ الصَّيْدَ بَلْ يُسْكِنُهُ وَيُؤْنِسُهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَكِنْ فِي رِوَايَةٍ: " «وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» " وَهَذَا يُوَافِقُ مَعْنَى الْمُنَاجَشَةِ فِي الْبَيْعِ، وَيَكُونُ مِنَ الزِّيَادَةِ أَوْ مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْ سِلْعَةِ غَيْرِهِ بِإِطْرَاءِ سِلْعَتِهِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: جَعْلُهُ مِنَ النَّجْشِ فِي الْبَيْعِ بَعِيدٌ لِأَنَّ تَنَاجَشُوا تَفَاعَلُوا وَأَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَالنَّجْشُ فِي الْبَيْعِ مِنْ وَاحِدٍ فَافْتَرَقَا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ

ــ

١٦٩٠ - ١٦٤٠ - (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ) كَيْسَانَ السِّخْتِيَانِيِّ الْبَصْرِيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) الْأَنْصَارِيِّ مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ (قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) الرِّزْقَ (فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ.

وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ لَالٍ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَخَذَ عَنِ اللَّهِ أَدَبًا حَسَنًا إِذَا وَسَّعَ عَلَيْهِ وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ» " (جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ) خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْأَمْرُ يَعْنِي لِيَجْمَعْ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَلَامٌ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ فَحَسَنٌ، وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ " ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقِبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ» .

وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ فَأُدْمِجَ الْمَوْقُوفُ فِي الْمَرْفُوعِ وَلَمْ يُذْكَرْ عُمَرُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَافَقَ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ وَهُشَامٍ وَحَبِيبٍ وَعَاصِمٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عُلَيَّةَ، فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى رَفْعِهِ وَحَذَفَ الْبَاقِي، وَهُوَ مِنْ حُسْنِ تَصَرُّفِهِ.

[مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ وَالذَّهَبِ]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْمِشْقِ وَالْمَصْبُوغَ بِالزَّعْفَرَانِ

قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِك يَقُولُ وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْغِلْمَانُ شَيْئًا مِنْ الذَّهَبِ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ فَأَنَا أَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ الْكَبِيرِ مِنْهُمْ وَالصَّغِيرِ

قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِك يَقُولُ فِي الْمَلَاحِفِ الْمُعَصْفَرَةِ فِي الْبُيُوتِ لِلرِّجَالِ وَفِي الْأَفْنِيَةِ قَالَ لَا أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا حَرَامًا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ اللِّبَاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ

ــ

٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ وَالذَّهَبِ

١٦٩١ - ١٦٤١ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ (الثَّوْبَ

الْمَصْبُوغَ بِالْمِشْقِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَقَافٍ أَيِ الْمُغْرَةِ (وَالْمَصْبُوغَ بِالزَّعْفَرَانِ) عَمَلًا بِمَا رَوَاهُ - أَعْنِي: ابْنَ عُمَرَ - قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ ثِيَابَهُ حَتَّى عِمَامَتَهُ» " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ: " «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» " وَفِي أَنَّ النَّهْيَ لِلَوْنِهِ أَوْ لِرَائِحَتِهِ تَرَدُّدٌ لِأَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ، وَفَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوِ النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى تَزَعْفُرِ الْجَسَدِ لَا الثَّوْبِ، أَوْ عَلَى الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِأَنَّهُ مِنَ الطِّيبِ وَقَدْ نُهِيَ الْمُحْرِمُ عَنْهُ.

(مَالِكٌ: وَأَنَا أَكْرَهُ) تَنْزِيهًا (أَنْ يَلْبَسَ الْغِلْمَانُ) غَيْرُ الْبَالِغِينَ (شَيْئًا مِنَ الذَّهَبِ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ» ) أَيْ: لُبْسِ خَاتَمِ الذَّهَبِ لِلرِّجَالِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ: «هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى رِجَالِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ» " (وَأَنَا أَكْرَهُهُ لِلرَّجُلِ الْكَبِيرِ) الْبَالِغِ (مِنْهُمْ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (وَالصَّغِيرِ) تَنْزِيهًا.

(مَالِكٌ: فِي الْمَلَاحِفِ) جَمْعُ مِلْحَفَةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْمُلَاءَةُ الَّتِي يُلْتَحَفُ بِهَا (الْمُعَصْفَرَةِ) الْمَصْبُوغَةِ بِالْعُصْفُرِ (فِي الْبُيُوتِ لِلرِّجَالِ وَفِي الْأَفْنِيَةِ) أَيْ: أَفْنِيَةِ الدُّورِ (قَالَ: لَا أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا حَرَامًا وَ) لَكِنَّ (غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اللِّبَاسِ) الَّذِي لَا عُصْفُرَ فِيهِ أَحَبُّ إِلَيَّ وَمُقْتَضَاهُ الْإِبَاحَةُ فِي الْبُيُوتِ وَالْأَفْنِيَةِ وَالْكَرَاهَةُ فِي الْمَحَافِلِ وَالْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهَا.

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْهُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَالْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ الثَّوْبَ الْمُعَصْفَرَ الْمُقْدَمِ لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، وَالْمُقْدَمُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْقَوِيُّ الصَّبْغِ الَّذِي رُدَّ فِي الْعُصْفُرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.

قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا الْمُعَصْفَرُ غَيْرُ الْمُقْدَمِ وَالْمُزَعْفَرُ فَيَجُوزُ لُبْسُهُمَا فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، نَصَّ عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَى الثَّانِي غَيْرُهَا، قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالْمُزَعْفَرِ لِغَيْرِ الْإِحْرَامِ وَكُنْتُ أَلْبَسُهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا»

ــ

١٦٩٧ - ١٦٤٧ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ أَوْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ) أَيْ: لَا يَرْحَمُ، فَالنَّظَرُ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ مَجَازٌ وَإِلَى الْمَخْلُوقِ كِنَايَةٌ، لِأَنَّ مَنِ اعْتَنَى بِالشَّخْصِ الْتَفَتَ إِلَيْهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى صَارَ عِبَارَةً عَنِ الْإِحْسَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَظَرٌ، فَإِذَا نُسِبَ لِمَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ حَقِيقَتُهُ وَهُوَ تَقْلِيبُ الْحَدَقَةِ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَعْنَى الْإِحْسَانِ مَجَازًا عَمَّا وَقَعَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كِنَايَةً، قَالَهُ فِي الْكَوَاكِبِ تَبَعًا لِلْكَشَّافِ.

وَقَالَ الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: عُبِّرَ عَنِ الْمَعْنَى الْكَائِنِ عِنْدَ النَّظَرِ بِالنَّظَرِ لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَوَاضِعٍ رَحِمَهُ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَكَبِّرٍ مَقَتَهُ، فَالرَّحْمَةُ وَالْمَقْتُ مُسَبَّبَانِ عَنِ النَّظَرِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ مَحَلُّ الرَّحْمَةِ الدَّائِمَةِ خِلَافَ رَحْمَةِ الدُّنْيَا فَقَدْ تَنْقَطِعُ بِمَا يَتَجَدَّدُ مِنَ الْحَوَادِثِ (إِلَى مَنْ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا) بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، قَالَ عِيَاضٌ: جَاءَتِ الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَبِكَسْرِهَا عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ يَجُرُّ، أَيْ: تَكَبُّرًا وَطُغْيَانًا، وَأَصْلُ الْبَطَرِ الطُّغْيَانُ عِنْدَ النِّعْمَةِ وَاسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى الْكِبْرِ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الْبَطَرِ دَهْشٌ يَعْتَرِي الْمَرْءَ عِنْدَ هُجُومِ النِّعْمَةِ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّمَا وَرَدَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ الْإِزَارِ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ كَانُوا يَلْبَسُونَ الْإِزَارَ وَالْأَرْدِيَةَ فَلَمَّا لَبِسَ النَّاسُ الْقُمُصَ وَالدَّرَارِيعَ كَانَ حُكْمُهُمَا حُكْمَ الْإِزَارِ فِي ذَلِكَ.

وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ هَذَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ لَوْ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِالثَّوْبِ أَنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ، يَعْنِي: فَلَا دَاعِيَةَ لِلْقِيَاسِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ كُلُّهُمْ يُخْبِرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ»

ــ

١٦٩٨ - ١٦٤٨ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) وَكِلَاهُمَا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) ابْنِ مَوْلَى أَبِيهِ (كُلُّهُمْ يُخْبِرُهُ) أَيِ الثَّلَاثَةُ يُخْبِرُونَ مَالِكًا (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ) نَظَرَ رَحْمَةٍ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَقَدْ قِيلَ بِكَسْرِهَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ، أَيْ: عَجَبًا وَتَكَبُّرًا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْقِتَالِ كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ.

وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ زِيَادَةَ: " «فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا

رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ إِزَارِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ» " وَكَذَا إِذَا كَانَ سَبَبُهُ الْإِسْرَاعَ فِي الْمَشْيِ لَا يَدْخُلُ فِي الْوَعِيدِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعٍ: " «خَسَفَتِ الشَّمْسُ وَنَحْنُ عِنْدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ فَجُلِّيَ عَنْهَا» " وَلَفَظُ ثَوْبِهِ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا يُلْبَسُ حَتَّى الْعِمَامَةِ.

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ» " الْحَدِيثَ، فَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ خَاصًّا بِالْإِزَارِ، وَإِنْ جَاءَ فِي أَكْثَرِ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ بِلَفْظِ الْإِزَارِ فَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ لِبَاسِهِمْ حِينَئِذٍ كَمَا مَرَّ، لَكِنَّ فِي تَصْوِيرِ جَرِّ الْعِمَامَةِ نَظَرٌ إِذْ لَا يَتَأَتَّى جَرُّهَا عَلَى الْأَرْضِ كَالْقَمِيصِ وَالْإِزَارِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ مِنْ إِرْخَاءِ الْعَذَبَاتِ ; لِأَنَّ جَرَّ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَمَهْمَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ كَانَ مِنَ الْإِسْبَالِ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِي الزَّجْرِ عَنْ جَرِّ الثَّوْبِ تَطْوِيلُ أَكْمَامِ الْقَمِيصِ، وَنَحْوُهُ مَحَلُّ نَظَرٍ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ أَطَالَهَا حَتَّى خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْحِجَازِيِّينَ، وَقَالَ شَيْخُهُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: مَا مَسَّ الْأَرْضَ مِنْهَا لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ، بَلْ لَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ لَمْ يَبْعُدْ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: هَذِهِ الْأَكْمَامُ الْوَاسِعَةُ الطِّوَالُ الَّتِي هِيَ كَالْأَخْرَاجِ وَعَمَائِمُ كَالْأَبْرَاجِ لَمْ يَلْبَسْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِسُنَنِهِ وَفِي جَوَازِهَا نَظَرٌ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْخُيَلَاءِ.

وَفِي الْمَدْخَلِ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ كُمَّ بَعْضِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ الْيَوْمَ - فِيهِ إِضَاعَةُ الْمَالِ، الْمَنْهِيُّ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْضُلُ عَنْ ذَلِكَ الْكَمِّ ثَوْبٌ لِغَيْرِهِ. انْتَهَى وَهُوَ حَسَنٌ.

قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ: لَكِنْ حَدَثَ لِلنَّاسِ اصْطِلَاحٌ بِتَطْوِيلِهَا وَصَارَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ النَّاسِ شِعَارٌ يُعْرَفُونَ بِهِ، وَمَهْمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْخُيَلَاءِ فَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ، وَمَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْعَادَةِ فَلَا تَحْرِيمَ فِيهِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى جَرِّ الذَّيْلِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ.

وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَةَ كُلِّ مَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ لِلنَّاسِ، وَعَلَى الْمُعْتَادِ فِي اللِّبَاسِ لِمِثْلِ لَابِسِهِ فِي الطُّولِ وَالسَّعَةِ انْتَهَى.

وَعُمُومُ الْحَدِيثِ يَشْمَلُ النِّسَاءَ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِهِنَّ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْآتِي.

وَقَدْ زَادَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ مُتَّصِلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ الْحَدِيثَ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ «عَنْ الْإِزَارِ فَقَالَ أَنَا أُخْبِرُكَ بِعِلْمٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا»

ــ

١٦٩٩ - ١٦٤٩ - (مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْجُهَنِيِّ (عَنْ أَبِيهِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ

مَوْلَى الْحُرَقَةِ (أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ) سَعْدَ بْنَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ (الْخِدْرِيَّ) الصَّحَابِيَّ ابْنَ الصَّحَابِيِّ (عَنِ الْإِزَارِ قَالَ: أَنَا أُخْبِرُكَ بِعِلْمٍ) أَيْ: نَصٍّ لَا اجْتِهَادٍ، وَفِي رِوَايَةٍ " عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ " (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِزْرَةُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، الْحَالَةُ وَهَيْئَةُ الِائْتِزَارِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، يَعْنِي الْحَالَةَ الْمَرْضِيَّةَ مِنَ (الْمُؤْمِنِ) الْحَسَنَةَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ إِزَارُهُ (إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ) فَقَطْ، وَجَمْعُ أَنْصَافٍ كَرَاهَةَ تَوَالِي تَثْنِيَتَيْنِ كَقَوْلِهِ: مِثْلُ رُءُوسِ الْكَبْشَيْنِ، وَذَلِكَ عَلَامَةُ التَّوَاضُعِ وَالِاقْتِدَاءِ بِالْمُصْطَفَى.

فَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَلَمَةَ: " «كَانَ عُثْمَانُ يَأْتَزِرُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَقَالَ: كَانَتْ إِزْرَةَ صَاحِبِي، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . وَفِي النَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبِيدٍ الْمُحَارِبِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: " «ارْفَعْ إِزَارَكَ أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِزَارُهُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ» " وَلَكِنَّ (لَا جُنَاحَ) لَا حَرَجَ (عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ) فَيَجُوزُ إِسْبَالُهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَالْأَوَّلُ مُسْتَحَبٌّ فَلَهُ حَالَتَانِ (مَا أَسْفَلَ) قَالَ الْحَافِظُ: " مَا " مَوْصُولٌ وَبَعْضُ صِلَتِهِ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ " كَانَ "، وَ " أَسْفَلَ " خَبَرُهُ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، أَيْ: مَا هُوَ أَسْفَلُ، أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَيَجُوزُ أَنَّ " مَا " نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِأَسْفَلَ (مِنْ ذَلِكَ) أَيِ الْكَعْبَيْنِ، زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الْإِزَارِ (فَفِي النَّارِ) دَخَلَتِ الْفَاءُ فِي الْخَبَرِ بِتَضْمِينِ " مَا " مَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْ: مَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ قَدَمِ صَاحِبِ الْإِزَارِ الْمُسْبَلِ فَهُوَ فِي النَّارِ (مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ) أَعَادَهَا لِلتَّأْكِيدِ.

وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنَالُهُ الْإِزَارُ مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ فَكَنَّى بِالثَّوْبِ عَنْ بَدَنِ لَابِسِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْقَدَمِ يُعَذَّبُ فِي النَّارِ عُقُوبَةً لَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ أَوْ حَلَّ فِيهِ، وَتَكُونُ " مِنْ " بَيَانِيَّةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، وَالْمُرَادُ الشَّخْصُ نَفْسُهُ، أَوِ الْمَعْنَى مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ الَّذِي يُسَامِتُ الْإِزَارَ فِي النَّارِ، أَوِ التَّقْدِيرُ لَابِسُ مَا أَسْفَلَ. . . إِلَخْ.

أَوْ تَقْدِيرُ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ مَحْسُوبٌ فِي أَفْعَالِ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ مَا أَسْفَلَ مِنَ الْإِزَارِ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ، وَكُلُّ هَذَا اسْتِبْعَادٌ مِمَّنْ قَالَهُ لِوُقُوعِ الْإِزَارِ حَقِيقَةً فِي النَّارِ، وَأَصْلُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ نَافِعًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَمَا ذَنْبُ الثِّيَابِ بَلْ هُوَ مِنَ الْقَدَمَيْنِ.

لَكِنَّ فِي الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «رَآنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْبَلْتُ إِزَارِي فَقَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ كُلُّ شَيْءٍ لَمَسَ الْأَرْضَ مِنَ الثِّيَابِ فِي النَّارِ» " وَعِنْدَهُ أَيْضًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى أَعْرَابِيًّا يُصَلِّي قَدْ أَسْبَلَ، فَقَالَ: الْمُسْبِلُ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ مِنْ حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ

قِبَلِ الرَّأْيِ، فَعَلَى هَذَا لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ مِنْ وَادِي: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: ٩٨] [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: الْآيَةُ ٩٨] أَوْ يَكُونُ مِنَ الْوَعِيدِ لِمَا وَقَعَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَاطَى الْمَعْصِيَةَ أَحَقُّ بِذَلِكَ اهـ.

( «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا» ) بِفَتْحِ الطَّاءِ مَصْدَرٌ وَكَسْرِهَا، حَالٌ مِنْ فَاعِلِ " جَرَّ " رِوَايَتَانِ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ بِهِ، وَأَخْرَجُوهُ أَيْضًا بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فِي النَّارِ» ".

[مَا جَاءَ فِي إِسْبَالِ الْمَرْأَةِ ثَوْبَهَا]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ ذُكِرَ الْإِزَارُ فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُرْخِيهِ شِبْرًا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إِذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا قَالَ فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ»

ــ

٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِسْبَالِ الْمَرْأَةِ ثَوْبَهَا

أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ عُمُومَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَاقَهَا قَبْلَ الْآنِ مِنْ صِيغَةِ عُمُومٍ فَيَشْمَلُ النِّسَاءَ وَلِأَنَّهُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ.

١٧٠٠ - ١٦٥٠ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ) الْعَدَوِيِّ الْمَدَنِيِّ، صَدُوقٌ يُقَالُ اسْمُهُ عُمَرُ (عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ) شَيْخِ الْإِمَامِ رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ (عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّةِ زَوْجِ ابْنِ عُمَرَ، قِيلَ: لَهَا إِدْرَاكٌ، وَأَنْكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: ثِقَةٌ فَهِيَ تَابِعِيَّةٌ كَبِيرَةٌ (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ) أَيْ: نَافِعًا (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هِنْدٍ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ ذُكِرَ الْإِزَارُ) أَيِ التَّحْذِيرُ مِنْ جَرِّهِ، وَفِي النَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: (فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) كَيْفَ تَصْنَعُ» ؟ وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ الْمَذْكُورَةِ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ (قَالَ: تُرْخِيهِ شِبْرًا) فَعُمُومُ الْوَعِيدِ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ النِّسَاءِ.

(قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِذًا يَنْكَشِفُ) بِالرَّفْعِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ النَّصْبِ، وَهُوَ قَصْدُ الْجَزَاءِ بِمَا بَعْدَ " إِذًا " (عَنْهَا) وَلِأَيُّوبَ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ (قَالَ: فَذِرَاعًا) تُرْخِيهِ (لَا تَزِدْ عَلَيْهِ) إِذْ بِهِ يَحْصُلُ

أَمْنُ الِانْكِشَافِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ لَهَا حَالَةَ اسْتِحْبَابٍ وَهُوَ قَدْرُ شِبْرٍ، وَحَالَةَ جَوَازٍ بِقَدْرِ ذِرَاعٍ.

قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: هَلِ ابْتِدَاءُ الذِّرَاعِ مِنَ الْحَدِّ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ الرِّجَالُ وَهُوَ مَا أَسْفَلُ مِنَ الْكَعْبَيْنِ أَوْ مِنَ الْحَدِّ الْمُسْتَحَبِّ لِلرِّجَالِ وَهُوَ أَنْصَافُ السَّاقَيْنِ، أَوْ حَدُّهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَمَسُّ الْأَرْضَ؟ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّالِثُ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيِّ، وَاللَّفْظُ لَهُ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سُئِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجُرُّ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَيْلِهَا؟ قَالَ: شِبْرًا، قَالَتْ: إِذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا، قَالَ: فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ» " فَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهَا أَنْ تَجُرَّ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ ذِرَاعًا، أَيْ: لِأَنَّ الْجَرَّ السَّحْبُ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْأَرْضِ.

قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْيَدِ وَهُوَ شِبْرَانِ لِمَا فِي ابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «رَخَّصَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا» " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الذِّرَاعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ شِبْرَانِ انْتَهَى، لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ تُفَسِّرُ بَعْضَهَا، وَإِنَّمَا جَازَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ.

[مَا جَاءَ فِي الْانْتِعَالِ]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا»

ــ

٧ - مَا جَاءَ فِي الِانْتِعَالِ

١٧٠١ - ١٦٥١ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَمْشِيَنَّ) بَنُونِ التَّأْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، وَلِلْقَعْنَبِيِّ: لَا يَمْشِي (أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُثْلَةِ وَمُفَارَقَةِ الْوَقَارِ مُشَابَهَةِ زِيِّ الشَّيْطَانِ كَالْأَكْلِ بِالشِّمَالِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ، زَادَ غَيْرُهُ: وَلِمَشَقَّةِ الْمَشْيِ حِينَئِذٍ وَخَوْفِ الْعِثَارِ (لِيَنْعِلْهُمَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ مِنْ نَعَلَ وَأَنْعَلَ، وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ عَلَى الضَّمِّ، وَرَدَّهُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا نَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا أَيْضًا نَعَلَ رِجْلَهُ أَلْبَسُهَا نَعْلًا (جَمِيعًا أَوْ لِيُحْفِهِمَا) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْإِحْفَاءِ، أَيْ: لِيُجَرِّدْهُمَا (جَمِيعًا) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالضَّمِيرَانِ لِلْقَدَمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُمَا ذِكْرٌ، وَلَوْ أَرَادَ النَّعْلَيْنِ؛ لَقَالَ: لِيَنْتَعِلْهُمَا أَوْ لِيَحْتَفِ مِنْهُمَا انْتَهَى.

وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ لِبَاسٍ شُفِعَ كَالْخُفَّيْنِ وَإِخْرَاجِ الْيَدِ مِنَ الْكُمِّ وَالتَّرَدِّي عَلَى أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ

وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ وَلْتَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ»

ــ

١٧٠٢ - ١٦٥٢ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ» ) أَيْ: لَبِسَ نَعْلَهُ (فَلْيَبْدَأْ) اسْتِحْبَابًا (بِالْيَمِينِ) أَيْ: بِالْجَانِبِ الْيَمِينِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالْيُمْنَى، أَيْ: بِالنَّعْلِ الْيُمْنَى ; لِأَنَّ النَّعْلَ مُؤَنَّثَةٌ.

(وَإِذَا نَزَعَ) وَفِي رِوَايَةٍ انْتَزَعَ (فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ) أَيْ: يَنْزِعُهَا؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ كَرَامَةٌ لِلْبَدَنِ إِذْ هُوَ وِقَايَةٌ مِنَ الْآفَاتِ وَالْيُمْنَى أَحَقُّ بِالْإِكْرَامِ فَبُدِئَ بِهَا فِي اللُّبْسِ وَأُخِّرَتْ فِي النَّزْعِ لِيَكُونَ الْإِكْرَامُ لَهَا أَدْوَمَ، وَصِيَانَتُهَا وَحِفْظُهَا أَكْثَرَ.

قَالَ الْبَاجِيُّ: التَّيَامُنُ مَشْرُوعٌ فِي ابْتِدَاءِ الْأَعْمَالِ وَالتَّيَاسُرُ مَشْرُوعٌ فِي تَرْكِهَا.

(وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ) بِبِنَائِهِ كَ " تُنْعَلُ " لِلْمَفْعُولِ وَ " أَوَّلَهُمَا " وَ " آخِرَهُمَا " نُصِبَ خَبَرَ " تَكُنْ " أَوْ عَلَى الْحَالِ، وَالْخَبَرُ " تُنْعَلُ " وَ " تُنْزَعُ " بِفَوْقِيَّتَيْنِ وَتَحْتَانِيَّتَيْنِ مُذَكَّرَيْنِ بِاعْتِبَارِ النَّعْلِ وَالْخَلْعِ، وَزَعَمَ ابْنُ وَضَّاحٍ أَنَّ قَوْلَهُ وَلْتَكُنْ. . . إِلَخْ - مُدْرَجٌ، قَالَهُ الْحَافِظُ، أَيْ: وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ لِأَنَّ الْإِدْرَاجَ لَيْسَ بِالتَّشَهِّي، وَلَيْسَ هَذَا تَأْكِيدًا لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالْأَوَّلِ كَمَا زَعَمَ: بَلْ لَهُ فَائِدَةٌ هِيَ أَنَّ الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى أَوَّلًا لَا يَقْتَضِي تَأَخُّرَ نَزْعِهَا لِاحْتِمَالِ نَزْعِهِمَا مَعًا.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فَمَنْ بَدَأَ بِالِانْتِعَالِ بِالْيُسْرَى أَسَاءَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَلَكِنْ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُ نَعْلِهِ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَنْزِعَ الْفِعْلَ مِنَ الْيُسْرَى ثُمَّ يَبْدَأُ بِالْيُمْنَى.

قَالَ الْحَافِظُ: وَيُمْكِنُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مَا إِذَا لَبِسَهُمَا مَعًا فَبَدَأَ بِالْيُسْرَى فَلَا يُشْرَعُ لَهُ نَزْعُهُمَا ثُمَّ لُبْسُهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَشْرُوعِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ نَزْعُهُمَا وَيَسْتَأْنِفُ لُبْسَهُمَا عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ فَكَأَنَّهُ أَلْغَى مَا وَقَعَ مِنْهُ أَوَّلًا.

وَنَقَلَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَعَنْ الْمُنَابَذَةِ وَعَنْ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَعَنْ أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ»

ــ

٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ

١٧٠٤ - ١٦٥٤ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزَّادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا قِيلَ

أَنَّهُ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ (أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ» ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ (وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى إِرَادَةِ الْهَيْئَةِ، قَالَهُ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْفَتْحِ وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمُ: الْكَسْرُ أَحْسَنُ نَظَرًا لِلْهَيْئَةِ، وَأَبْدَلَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ قَوْلَهُ: (عَنِ الْمُلَامَسَةِ) بِأَنْ يَلْمِسَ الثَّوْبَ مَطْوِيًّا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ فَيَلْزَمُ بِذَلِكَ الْبَيْعُ وَلَا خِيَارَ لَهُ إِذَا رَآهُ اكْتِفَاءً بِلَمْسِهِ، أَوْ يَقُولُ إِذَا لَمَسْتُهُ فَقَدْ بِعْتُكَ اكْتِفَاءً بِلَمْسِهِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَتَى لَمِسَهُ انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَلَا خِيَارَ.

(وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ) مُفَاعَلَةٌ زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحِ: وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ وَيَنْبِذَ الْآخَرُ ثَوْبَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعُهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِلثَّوْبِ وَلَا تَرَاضٍ، وَبَيَّنَ اللِّبْسَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَعَنْ أَنْ يَحْتَبِيَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (الرَّجُلُ) أَيْ: وَعَنِ احْتِبَاءِ الرَّجُلِ بِأَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتِهِ وَيَنْصُبَ سَاقَيْهِ مُلْتَفًّا (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ) أَيِ الثَّوْبِ (شَيْءٌ) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: " بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ " لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِفْضَاءِ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ رُبَّمَا تَحَرَّكَ فَتَبْدُو عَوْرَتُهُ فَإِنْ كَانَ مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ فَلَا حُرْمَةَ.

(وَعَنْ أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ) فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَيَحْرُمُ إِنِ انْكَشَفَ بَعْضُ عَوْرَتِهِ وَإِلَّا كُرِهَ، وَهَذِهِ اللِّبْسَةُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِالصَّمَّاءِ لِأَنَّ يَدَهُ حِينَئِذٍ تَصِيرُ دَاخِلَ ثَوْبِهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ الِاحْتِرَاسَ مِنْهُ وَالِاتِّقَاءَ بِيَدَيْهِ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، وَبِهَا فُسِّرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَفْظُهُ: وَالصَّمَّاءُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَفَسَّرَهَا اللُّغَوِيُّونَ بِأَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ حَتَّى يُخَلِّلَ بِهِ جَسَدَهُ لَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا فَلَا يَبْقَى مَا تَخْرُجُ مِنْهُ يَدُهُ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلِذَا سُمِّيَتْ صَمَّاءَ لِسَدِّ الْمَنَافِذِ كُلِّهَا كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ لَا خَرْقَ فِيهَا وَلَا صَدْعَ، فَيُكْرَهُ عَلَى هَذَا لِعَجْزِهِ عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِيَدِهِ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ كَدَفْعِ بَعْضِ الْهَوَامِّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ الْحُلَّةَ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ»

ــ

١٧٠٥ - ١٦٥٥ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ) أَبَاهُ (عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ

رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالرَّاءِ وَالْمَدِّ، قَالَ مَالِكٌ: أَيْ حَرِيرٍ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثِيَابٌ فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ قَزٍّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا سِيَرَاءُ لِسَيْرِ الْخُطُوطِ فِيهَا، وَقِيلَ: حَرِيرٌ خَالِصٌ.

قَالَ عِيَاضٌ وَابْنُ قُرْقُولٍ: ضَبَطْنَاهُ عَلَى الْمُتْقِنِينَ حُلَّةَ سِيَرَاءَ بِالْإِضَافَةِ كَمَا يُقَالُ ثَوْبُ خَزٍّ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِالتَّنْوِينِ عَلَى الصِّفَةِ أَوِ الْبَدَلِ، قِيلَ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُقَالُ حُلَّةٌ سِيَرَاءُ كَمَا يُقَالُ نَاقَةٌ عُشَرَاءُ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: يُرِيدُ أَنَّ عُشَرَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَشَرَةَ، أَيْ: أَكْمَلَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ فَسُمِّيَتْ عُشَرَاءَ، وَكَذَلِكَ الْحُلَّةُ، سُمِّيَتْ سِيَرَاءَ ; لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّيُورِ، هَذَا وَجْهُ التَّشْبِيهِ.

لَكِنْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يَأْتِ فِعَلَاءُ وَصْفًا، وَقَالَ الْخَلِيلُ: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعَلَاءُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَعَ الْمَدِّ سِوَى سِيَرَاءَ وَحِوَلَاءَ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ الْوَلَدِ، وَعِنَبَاءَ لُغَةٌ فِي الْعِنَبِ وَالْمَعْنَى رَأَى حُلَّةَ حَرِيرٍ (تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ) النَّبَوِيِّ.

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «رَأَى عُمَرُ عُطَارِدَ التَّيْمِيَّ يُقِيمُ حُلَّةً بِالسُّوقِ وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ وَيُصِيبُ مِنْهُمْ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ الْحُلَّةَ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ) لَكَانَ حَسَنًا» ، وَ " لَوْ " لِلتَّمَنِّي لَا لِلشَّرْطِ، فَلَا تَحْتَاجُ لِلْجَزَاءِ.

وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: " فَلَبِسْتَهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوَفْدِ " وَلِلنَّسَائِيِّ: " وَتَجَمَّلْتَ بِهَا لِلْوُفُودِ وَالْعَرَبِ إِذَا أَتَوْكَ وَإِذَا خَطَبْتَ النَّاسَ يَوْمَ عِيدٍ وَغَيْرِهِ ".

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ: إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ (مَنْ لَا خَلَاقَ) أَيْ: مَنْ لَا حَظَّ وَلَا نَصِيبَ (لَهُ) مِنَ الْخَيْرِ (فِي الْآخِرَةِ) وَهَذَا خُرِّجَ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ، وَإِلَّا فَالْمُؤْمِنُ الْعَاصِي لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ، فَلَهُ خَلَاقٌ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّ عُمُومَهُ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ لِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى إِبَاحَةِ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ.

(ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ جِنْسِ الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ (حُلَلٌ) فَاعِلُ جَاءَ (فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً) أَيْ: بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، وَبَعَثَ إِلَى أُسَامَةَ بِحُلَّةٍ، وَأَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حُلَّةً (فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَسَوْتَنِيهَا) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ: فَجَاءَ عُمَرُ بِحُلَّتِهِ، فَقَالَ: بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ (وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ، ابْنِ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عَدِيٍّ بِمُهْمَلَتَيْنِ التَّمِيمِيِّ الدَّارِمِيِّ، وَفَدَ فِي بَنِي تَمِيمٍ وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَلَهُ صُحْبَةٌ (مَا قُلْتَ) إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، فَقَالَ

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) بَلْ لِتَنْتَفِعَ بِهَا.

وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: " إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوَهَا غَيْرَكَ " وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ كَسَاهُ إِذَا أَعْطَاهُ كِسْوَةً لَبِسَهَا أَمْ لَا.

وَلِمُسْلِمٍ: " أَعْطَيْتُكَهَا تَبِيعُهَا وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ " وَلِأَحْمَدَ: " فَبَاعَهَا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ " لَكِنْ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ: (فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا) كَائِنًا (لَهُ مُشْرِكًا) كَائِنًا (بِمَكَّةَ) وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ: أَخًا لَهُ مِنْ أُمِّهِ وَسَمَّاهُ ابْنُ الْحَذَّاءِ عُثْمَانَ بْنَ حَكِيمٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ بَشْكُوَالٍ، قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: هُوَ السَّلَمِيُّ أَخُو خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ وَهُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ، فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخُو عُمَرَ لِأُمِّهِ لَمْ يُصِبْ إِنَّمَا هُوَ أَخُو أَخِيهِ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ عُمَرَ رَضَعَ مِنْ أُمِّ أَخِيهِ زَيْدٍ فَيَكُونُ عُثْمَانُ هَذَا أَخَا عُمَرَ لِأُمِّهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجُمُعَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَفِي الْهِبَةِ، وَمُسْلِمٌ فِي اللِّبَاسِ عَنْ يَحْيَى، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ وَقَدْ رَقَعَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرِقَاعٍ ثَلَاثٍ لَبَّدَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ

ــ

١٧٠٦ - ١٦٥٦ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيِّ (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) عَمُّ إِسْحَاقَ أَخُو أَبِيهِ لِأُمِّهِ (رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ رَقَعَ) كَنَفَعَ، أَيْ: جَعَلَ رُقْعَةً مَكَانَ الْقَطْعِ (بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرُقَعٍ) جَمْعُ رُقْعَةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِرِقَاعٍ جَمْعُ رُقْعَةٍ أَيْضًا بِزِنَةٍ بُرْمَةٍ وَبِرَامٍ (ثَلَاثٍ لَبَّدَ) بِشَدِّ الْبَاءِ أَلْزَقَ (بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ) لِأَنَّ قَصْدَهُ السَّتْرُ لَا الْفَخْرُ، وَلَيْسَتِ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَلِيُقْتَدَى بِهِ فِي الزُّهْدِ فِيهَا.

[صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام وَالدَّجَّالِ]

بَابُ صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام وَالدَّجَّالِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا قِيلَ هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا فَقِيلَ لِي هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ»

ــ

٢ - بَابُ صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالدَّجَّالِ

١٧٠٨ - ١٦٥٨ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَرَانِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً فِي اسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ، أَيْ: أَرَى

نَفْسِيَ (اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ) فِي الْمَنَامِ (فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ) بِالْمَدِّ اسْمٌ (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ " وَالْأَحْمَرُ عِنْدَ الْعَرَبِ الشَّدِيدُ الْبَيَاضِ مَعَ الْحُمْرَةِ، وَالْآدَمُ الْأَسْمَرُ، وَجُمِعَ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ بِأَنَّهُ احْمَرَّ لَوْنُهُ بِسَبَبٍ كَالتَّعَبِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ أَسْمَرُ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَأَنَّ الْأُدْمَةَ تَصِيرُ سُمْرَةً تَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ وَهُوَ غَالِبُ أَلْوَانِ الْعَرَبِ، وَبِهِ تُجْمَعُ الرِّوَايَتَانِ.

وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِيسَى: أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنِّي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ " الْحَدِيثَ.

قَالَ الْحَافِظُ: أَقْسَمَ عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ أَنَّ الْوَصْفَ اشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ أَحْمَرُ إِنَّمَا هُوَ الدَّجَّالُ لَا عِيسَى، وَقَرُبَ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ، صِفَةُ مَدْحٍ لِعِيسَى وَذَمٍّ لِلدَّجَّالِ، وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ ذَلِكَ جَزْمًا فِي وَصْفِ عِيسَى أَنَّهُ آدَمُ فَسَاغَ لَهُ الْحَلِفُ لِغَلَبَةِ ظَنِّهِ أَنَّ مَنْ وَصَفَهُ بِأَحْمَرَ فَقَدْ وَهِمَ، لَكِنْ قَدْ وَافَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى أَنَّ عِيسَى أَحْمَرُ فَظَهَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَنْكَرَ شَيْئًا حَفِظَهُ غَيْرُهُ وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.

وَأَمَّا قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ: رِوَايَةُ مَنْ قَالَ آدَمُ - أَثْبَتُ فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ اتِّفَاقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مُخَالَفَةِ ابْنِ عُمَرَ.

(لَهُ لِمَّةٌ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَشَدِّ الْمِيمِ: شَعْرٌ جَاوَزَ شَحْمَةَ الْأُذُنَيْنِ وَأَلَمَّ بِالْمَنْكِبَيْنِ فَإِنْ جَاوَزَهُمَا فَجُمَّةٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِنْ قَصُرَ عَنْهَا فَوَفْرَةٌ (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ) جَمْعُ لِمَّةٍ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ: تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ (قَدْ رَجَّلَهَا) أَيْ: سَرَّحَهَا (فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً) مِنَ الْمَاءِ الَّذِي سَرَّحَهَا بِهِ أَوْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ كَنَّى بِهَا عَنْ مَزِيدِ النَّظَافَةِ وَالنَّضَارَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ " وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: " فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعْرِ " وَلَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: جَعْدٌ، وَالْجُعُودَةُ ضِدُّ السُّبُوطَةِ، فَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ سَبْطُ الشَّعْرِ جَعْدُ الْجِسْمِ وَالْمُرَادُ بِهِ اجْتِمَاعُهُ وَاكْتِثَارُهُ، وَهَذَا نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي لَوْنِهِ.

(مُتَّكِئًا) حَالٌ (عَلَى رَجُلَيْنِ) قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا (أَوْ) لِلشَّكِّ قَالَ (عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ) جَمْعُ عَاتِقٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ (يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ) حَالٌ (فَسَأَلْتُ) الْمَلَكَ (مَنْ هَذَا؟) الطَّائِفُ (قِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ السِّينِ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ تُشَدَّدُ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَصَحَّفَ مَنْ أَعْجَمَهَا لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا

بِالدُّهْنِ، أَوْ لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ، أَوْ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ بِسِيَاحَتِهِ، أَوْ لِأَنَّ رِجْلَهُ لَا أُخْمُصَ لَهَا، أَوْ لِلُبْسِهِ الْمُسُوحَ، أَقْوَالٌ.

وَقِيلَ: هُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَاسِحٌ فَعُرِّبَ الْمَسِيحَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الصِّدِّيقُ (ثُمَّ إِذَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ شَعْرُهُ (قَطَطٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ الْأُولَى عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ تُكْسَرُ، أَيْ: شَدِيدُ جُعُودَةِ الشَّعْرِ (أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الْفَاءِ، أَيْ: بَارِزَةٍ مِنْ طَفِئَ الشَّيْءُ يَطْفُو بِغَيْرِ هَمْزٍ إِذَا عَلَا عَلَى غَيْرِهِ، شَبَّهَهَا بِالْعِنَبَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْعُنْقُودِ بَارِزَةً عَنْ نَظَائِرِهَا وَبِالْهَمْزِ، أَيْ: ذَهَبَ ضَوْءُهَا.

قَالَ عِيَاضٌ: رَوَيْنَاهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ عَنْ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا وَصَحَّحُوهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَخْفَشُ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةَ الْهَمْزِ وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهَا، وَيُصَحِّحُهَا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ حَجْرَاءَ وَلَا نَاتِئَةً وَأَنَّهَا مَطْمُوسَةٌ، وَهَذِهِ صِفَةُ حَبَّةِ الْعِنَبِ إِذَا طُفِيَتْ وَزَالَ مَاؤُهَا، وَيُصَحِّحُ رِوَايَةَ الْيَاءِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ، وَأَنَّهَا جَاحِظَةٌ، وَكَأَنَّهَا نُخَاعَةٌ فِي حَائِطٍ مُجَصَّصٍ وَأَنَّهَا عَوْرَاءُ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ مَا صُحِّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ الْيَاءِ يَكُونُ فِي عَيْنٍ، وَمَا صُحِّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ الْهَمْزِ يَكُونُ فِي الْأُخْرَى، وَبِهِ أَيْضًا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الرِّوَايَاتُ، فَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ أَعْوَرُ الْيُسْرَى لِأَنَّ الْعَوَرَ الْعَيْبُ وَكِلْتَا عَيْنَيْهِ مَعِيبَةٌ، أَحَدُهُمَا بِالطَّمْسِ وَهِيَ الْيُمْنَى، وَالْأُخْرَى بِالْبُرُوزِ، انْتَهَى كَلَامُ عِيَاضٍ مُلَخَّصًا.

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ فِي نِهَايَةٍ مِنَ الْحُسْنِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ: يَطُوفُ بِالْبَيْتِ.

(فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ) لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ، أَوْ لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ إِذَا خَرَجَ.

وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَنْ خَفَّفَهُ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ، وَمَنْ شَدَّدَ فَلِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ.

قَالَ الْحَافِظُ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «إِنَّ الدَّجَّالَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ» "، أَيْ: فِي زَمَنِ خُرُوجِهِ وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ فِي دُخُولِهِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي.

وَهَذِهِ الرُّؤْيَا مَنَامٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: " رَأَيْتُ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى " وَذَكَرَ صِفَتَهُمْ.

قَالَ عِيَاضٌ: رُؤْيَتُهُ لَهُمْ إِنْ كَانَ مَنَامًا فَلَا إِشْكَالَ وَإِنْ كَانَ يَقَظَةً فَمُشْكِلٌ، وَيُقَوِّيهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: " «وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي» " وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُصَلُّوا وَيَحُجُّوا وَيَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعُوا مَا دَامَتِ الدُّنْيَا وَهِيَ دَارُ التَّكْلِيفِ بَاقِيَةً وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ حَالَهُمُ الَّتِي

كَانُوا عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهِمْ، فَمُثِّلُوا لَهُ كَيْفَ كَانُوا وَكَيْفَ كَانَ حَجُّهُمْ وَتَلْبِيَتُهُمْ، وَلِذَا قَالَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى " وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ، فَلِذَا أَدْخَلَ حَرْفَ التَّثْنِيَةِ فِي رِوَايَةٍ وَحَيْثُ أَطْلَقَهَا فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ.

وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ كِتَابًا لَطِيفًا فِي حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ وَرَوَى فِيهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ» " وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ» " وَمُحَمَّدٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ.

وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ الرَّافِعِيُّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا: " «أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلَاثٍ» "، وَلَا أَصْلَ لَهُ إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَلَيْسَ الْأَخْذُ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنْ صَحَّ فَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ يُصَلُّونَ إِلَّا هَذَا الْقَدْرَ ثُمَّ يَكُونُونَ مُصَلِّينَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَتَتْ حَيَاةُ الْأَنْبِيَاءِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَوَجْهُ إِشْكَالِهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ عَوْدَ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ يَقْتَضِي انْفِصَالَهَا عَنْهُ وَهُوَ الْمَوْتُ.

وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ رُوحَهُ كَانَتْ سَابِقَةً عَقِبَ دَفْنِهِ لِأَنَّهَا تُعَادُ ثُمَّ تُنْزَعُ ثُمَّ تُعَادُ سَلَّمْنَا لَكِنْ لَيْسَ بِنَزْعِ مَوْتٍ بَلْ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّوحِ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِذَلِكَ أَوِ النُّطْقُ، فَتَجُوزُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ خِطَابِنَا بِمَا نَفْهَمُهُ وَبِأَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ فِي أُمُورِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى فَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهْمُهُ لِيُجِيبَ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى هِيَ اسْتِلْزَامُ اسْتِغْرَاقِ الزَّمَانِ كُلِّهِ فِي ذَلِكَ لِاتِّصَالِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ مِمَّنْ لَا يُحْصَرُ كَثْرَةً.

وَأُجِيبُ بِأَنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ لَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَأَحْوَالُ الْبَرْزَخِ أَشْبَهُ بِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّبَاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَفِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي الْإِيمَانِ عَنْ يَحْيَى، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ بِنَحْوِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَهُ طُرُقٌ.

[النَّهْيِ عَنْ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ]

بَابُ النَّهْيِ عَنْ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ»

ــ

٤ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ

١٧١١ - ١٦٦١ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيِّ) - بِفَتْحَتَيْنِ - الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى) تَنْزِيهًا عَلَى الْأَصَحِّ (عَنْ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ) ، وَصْفٌ طَرْدِيٌّ، وَالْمُرَادُ الْإِنْسَانُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (بِشِمَالِهِ) إِلَّا لِعُذْرٍ، (أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) صِفَةُ نَعْلٍ، لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمُثْلَةِ، وَمُفَارَقَةِ الْوَقَارِ، وَمُشَابَهَةِ الشَّيْطَانِ، وَمَشَقَّةِ الْمَشْيِ وَخَوْفِ الْعِثَارِ.

(وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ) - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمَدِّ - فُسِّرَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِأَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، أَيْ لِأَنَّ يَدَهُ تَصِيرُ دَاخِلَ ثَوْبِهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ الِاحْتِرَاسَ مِنْهُ وَالِاتِّقَاءَ بِيَدَيْهِ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، وَبِهَذَا فَسَّرَهَا الْفُقَهَاءُ وَقَالُوا: تَحْرُمُ إِنِ انْكَشَفَتْ بَعْضُ عَوْرَتِهِ وَإِلَّا كُرِهَتْ.

وَفَسَّرَهَا اللُّغَوِيُّونَ بِأَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ حَتَّى يُخَلِّلَ بِهِ جَسَدَهُ، لَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا، وَلِذَا سُمِّيَتْ صَمَّاءَ لِأَنَّهُ يَسُدُّ عَلَى يَدَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ الْمَنَافِذَ كُلَّهَا كَصَخْرَةٍ

صَمَّاءَ لَا خَرْقَ فِيهَا، وَلَا صَدْعَ وَمَرَّ ذَلِكَ قَرِيبًا.

(وَأَنْ يَحْتَبِيَ) - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ - (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ) ، فَيَحْرُمُ فَإِنْ كَانَ مَسْتُورًا فَرْجُهُ فَلَا حُرْمَةَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ قَالُوا فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ»

ــ

٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ

جَمْعُ مِسْكِينٍ مِنَ السُّكُونِ، وَكَأَنَّهُ مِنْ قِلَّةِ الْمَالِ سَكَنَتْ حَرَكَاتُهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: ١٦] (سورة الْبَلَدِ: الْآيَةُ ١٦) ، أَيْ أُلْصِقَ بِالتُّرَابِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

١٧١٣ - ١٦٦٣ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، (عَنِ الْأَعْرَج) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَيْسَ الْمِسْكِينُ) - بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَقَدْ تُفْتَحُ - أَيِ الْكَامِلُ فِي الْمَسْكَنَةِ (بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ) يَسْأَلُهُمُ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ، (فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ، وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ) - بِفَوْقِيَّةٍ فِيهِمَا - أَيْ عِنْدَ طَوَافِهِ ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِ قُوَّتِهِ، وَرُبَّمَا يَقَعُ لَهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْمَسْكَنَةِ عَنِ الطَّوَّافِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ غَيْرَهُ أَشَدُّ حَالًا مِنْهُ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الطَّوَّافَ الْمُحْتَاجُ الْمِسْكِينُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ} [البقرة: ١٧٧] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٧٧) الْآيَةَ.

وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «أَتُدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ» ؟ (قَالُوا فَمَا) كَذَا لِيَحْيَى وَحْدَهُ، وَلِغَيْرِهِ فَمَنْ، كَذَا، قِيلَ: وَقَدْ رَوَاهُ قُتَيْبَةُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ مَا، وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحِزَامِيِّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ الصِّفَةِ، وَهِيَ الْمَسْكَنَةُ، وَمَا يَقَعُ عَنْ صِفَاتِ الْعُقَلَاءِ يُقَالُ فِيهِ مَا نَحْوَ: {مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: ٣] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٣) ، فَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ، (الْمِسْكِينُ) : الْكَامِلُ فِي الْمَسْكَنَةِ، (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ) ، وَسَقَطَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ عَقِبَ اللُّقْمَتَانِ: وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ: (الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى) - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ - أَيْ يَسَارًا، (يُغْنِيهِ) صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْيَسَارِ الْمَنْفِيِّ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِهِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَغْتَنِيَ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفِيَ أَصْلِ الْيَسَارِ، وَلِأَنْ يَكُونَ نَفْيَ الْيَسَارِ الْمُقَيَّدِ بِأَنَّهُ يُغْنِيهِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِهِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ.

(وَلَا يُفْطَنُ) - بِضَمِّ الطَّاءِ، وَفَتْحِهَا - أَيْ لَا يَتَنَبَّهُ (النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ) - بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ - (وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ) ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الْبُخَارِيِّ: " وَيَسْتَحِي أَنْ يَسْأَلَ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا "، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْمُضَارِعُ الْوَاقِعُ بَعْدَ الْفَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمَنْفِيِّ الْمَرْفُوعِ، فَيَنْسَحِبُ النَّفْيُ عَلَيْهِ، أَيْ لَا يُفْطَنُ فَلَا يُتَصَدَّقُ، وَلَا يَقُومُ فَلَا يَسْأَلُ، وَبِالنَّصْبِ فِيهِمَا بِأَنْ مُضْمِرَةٍ وُجُوبًا، لِوُقُوعِهِ فِي جَوَابِ النَّفْيِ بَعْدَ الْفَاءِ، انْتَهَى.

وَاقْتَصَرَ الْحَافِظُ عَلَى النَّصْبِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ عَلَى أَحَدِ مَحْمَلَيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: ٢٧٣] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٧٣) ، أَنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ السُّؤَالِ أَصْلًا، أَوْ نَفْيُ السُّؤَالِ بِالْإِلْحَافِ خَاصَّةً، فَلَا يُنَفَى السُّؤَالُ بِغَيْرِهِ،

وَالثَّانِي أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا.

وَقَدْ يُقَالُ: لَفْظَةُ يَقُومُ تَدُلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ فِي السُّؤَالِ، فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيِ أَصْلِهِ، وَالتَّأْكِيدُ فِي السُّؤَالِ هُوَ الْإِلْحَافُ، وَهُوَ الْإِلْحَاحُ، مُشْتَقٌّ مِنَ اللِّحَافِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى وُجُوهِ الطَّلَبِ فِي الْمَسْأَلَةِ كَاشْتِمَالِ اللِّحَافِ فِي التَّغْطِيَةِ.

وَزَادَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ

فِي الصَّحِيحَيْنِ: إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: ٢٧٣] ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ لَا يَسْأَلُونَ فِي حَالِ الْإِلْحَافِ، أَوْ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، أَيْ لَا يَسْأَلُونَ لِأَجْلِ الْإِلْحَافِ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَهُ طُرُقٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ مَوْلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ «كُنْتُ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فَاكَ ثُمَّ تَنَفَّسْ قَالَ فَإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ فِيهِ قَالَ فَأَهْرِقْهَا»

ــ

١٧١٨ - ١٦٦٨ - (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ) الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ (مَوْلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) ، ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ أَيْضًا فُلَيْحٌ، وَعَبَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، لَهُ مَرْفُوعًا فِي الْمُوَطَّأِ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، (عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْجُهَنِيِّ) الْمَدَنِيِّ، تَابِعِيٌّ مَقْبُولٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ) الْأُمَوِيِّ، (فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ) سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ (الْخُدْرِيُّ، فَقَالَ مَرْوَانُ) بْنُ الْحَكَمِ: (أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ؟) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: لِئَلَّا يَقَعَ مِنْ رِيقِهِ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُقْذِرُهُ، وَقَدْ بُعِثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ الْمَاءُ مِنَ النَّفْخِ، لِكَوْنِهِ مُتَغَيِّرَ الْفَمِ بِمَأْكُولٍ، أَوْ كَثْرَةِ كَلَامٍ، أَوْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِالسِّوَاكِ وَالْمَضْمَضَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَصْعَدُ بِبُخَارِ الْمَعِدَةِ فَتَعَافُهُ النُّفُوسُ.

(فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ: نَعَمْ) ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَفِيهِ أَنَّ نَعَمْ تَقُومُ مَقَامَ الْإِخْبَارِ، وَزَادَهُ فِي الْجَوَابِ لِأَنَّهُ مِنْ مَعْنَى السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ: (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ) - بِفَتْحَتَيْنِ - (وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَأَبِنْ) أَمْرٌ مِنَ الْإِبَانَةِ، أَيْ أَبْعِدِ (الْقَدَحَ) : الْإِنَاءَ الَّذِي تَشْرَبُ

مِنْهُ (عَنْ فِيكَ) عِنْدَ الشُّرْبِ نَدْبًا، وَلَا تَشْرَبْ كَالْبَعِيرِ، فَإِنَّهُ يَتَنَفَّسُ عِنْدَ الشُّرْبِ فِيهِ.

(ثُمَّ تَنَفَّسْ) فَإِنَّهُ أَحْفَظُ لِلْحُرْمَةِ وَأَنْفَى لِلنَّهْمَةِ، وَأَبْعَدُ عَنْ تَغَيُّرِ الْمَاءِ، وَأَصْوَنُ عَنْ سُقُوطِ الرِّيقِ فِيهِ، وَأَبْعَدُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالْبَهَائِمِ فِي كَرْعِهَا، فَالتَّشَبُّهُ بِهَا مَكْرُوهٌ شَرْعًا وَطَبْعًا.

بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِإِبَانَةِ الْقَدَحِ إِنَّمَا يُخَاطَبُ بِهِ مَنْ لَمْ يَرْوَ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ عَبٍّ، وَإِلَّا فَلَا إِبَانَةَ، قَالَهُ فِي الْمُفْهِمِ.

وَفِي التَّمْهِيدِ عَنْ مَالِكٍ: فِيهِ إِبَاحَةُ الشُّرْبِ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ الرَّجُلَ عَنْهُ، بَلْ قَالَ لَهُ مَا مَعْنَاهُ: إِنْ كُنْتَ لَا تَرْوَى مِنْ وَاحِدٍ، فَأَبِنِ الْقَدَحَ، انْتَهَى.

وَقِيلَ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ شُرْبُ الشَّيْطَانِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْبَهَائِمِ.

وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: " «لَا تَشْرَبُوا وَاحِدَةً كَشُرْبِ الْبَعِيرِ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثَلَاثَ، وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ» "، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ فِي نَفَسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى كَوْنُهُ ثَلَاثًا.

وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا» "، وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ» "، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ، فَفَعَلَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِجَوَازِ النَّقْصِ عَنْ ثَلَاثٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَرَّتَيِ التَّنَفُّسِ الْوَاقِعَتَيْنِ أَثْنَاءَ الشُّرْبِ، وَأَسْقَطَ الثَّالِثَةَ، لِأَنَّهَا بَعْدَ الشُّرْبِ فَهِيَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ، وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: " «كَانَ شُرْبُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفَسِ وَاحِدٍ» "، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَشْرَبْ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ» "، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، فَمَحْمُولَانِ عَلَى تَرْكِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ.

(قَالَ) الرَّجُلُ: (فَإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ) : عُودٌ أَوْ شَيْءٌ يَتَأَذَّى بِهِ الشَّارِبُ يَقَعُ (فِيهِ) ، أَيِ الْقَدَحِ.

(قَالَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فَأَهْرِقْهَا) : صُبَّهَا مِنْهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[مَا جَاءَ فِي شُرْبِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَائِمٌ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي شُرْبِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَائِمٌ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا

ــ

- بَابُ مَا جَاءَ فِي شُرْبِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَائِمٌ

١٧٢٠ - ١٦٦٩ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) وَبَلَاغُهُ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَسَبَقَ مِرَارًا: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانُوا يَشْرَبُونَ) حَالَ كَوْنِهِمْ (قِيَامًا) ، وَقَالَ

جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَشْرَبُ قَائِمًا، فَفِيهِ جَوَازُ ذَلِكَ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَقَدْ صَحَّ: " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَاقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ» .

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَا لَا يَرَيَانِ بِشُرْبِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ قَائِمٌ بَأْسًا

ــ

١٧٢٠ - ١٦٧٠ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عَائِشَةَ - أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَا لَا يَرَيَانِ بِشُرْبِ الْإِنْسَانِ) الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، (وَهُوَ قَائِمٌ بَأْسًا) شِدَّةً، أَيْ كَرَاهَةً.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلَامِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْغُلَامُ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا قَالَ فَتَلَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ»

ــ

١٧٢٤ - ١٦٧٤ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ) - بِالْمُهْمَلَةِ، وَالزَّايِ - سَلَمَةَ (بْنِ دِينَارٍ) الْأَعْرَجِ الْمَدَنِيِّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ) السَّاعِدِيِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ) - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ - (بِشَرَابٍ) ، أَيْ لَبَنٍ، فَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ: أُتِيَ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ (فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ) أَصْغَرُ الْقَوْمِ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، كَمَا عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِهِ، (وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ) ، سَمَّى مِنْهُمْ خَالِدَ بْنَ

الْوَلِيدِ، (فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ) الَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّ الشَّرْبَةَ لَكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤْثِرَ بِهَا خَالِدًا "، (فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا) ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِمُؤْثِرٍ بِسُؤْرِكَ عَلَيَّ أَحَدًا "، (فَتَلَّهُ) - بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ، وَاللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ وَضَعَهُ (رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَدِهِ) ، أَيِ الْغُلَامِ، فَفِيهِ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ فِي الشُّرْبِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ صَغِيرًا أَوْ مَفْضُولًا، وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْأَفَاضِلِ وَالْكِبَارِ، فَهُوَ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْحُقُوقِ فِي بَاقِي الْأَوْصَافِ، وَأَنَّ الْجُلَسَاءَ شُرَكَاءُ فِي الْهَدِيَّةِ عَلَى جِهَةِ الْأَدَبِ وَالْفَضْلِ، لَا الْوُجُوبِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِذَلِكَ لَا تَجِبُ لِأَحَدٍ.

وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا: " «جُلَسَاؤُكُمْ شُرَكَاؤُكُمْ فِي الْهَدِيَّةِ» "، بِإِسْنَادٍ فِيهِ لِينٌ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَإِنَّمَا اسْتَأْذَنَ الْغُلَامَ هُنَا، وَلَمْ يَسْتَأْذِنِ الْأَعْرَابِيَّ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ اسْتِئْلَافًا لِقَلْبِ الْأَعْرَابِيِّ، وَتَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ، وَشَفَقَةً أَنْ يَسْبِقَ إِلَى قَلْبِهِ شَيْءٌ يَهْلِكُ بِهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْغُلَامِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لِقَرَابَتِهِ وَسَنِّهِ دُونَ الْأَشْيَاخِ فَاسْتَأْذَنَهُ تَأَدُّبًا، وَلِئَلَّا يُوحِشَهُمْ بِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْلِيمًا بِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ لِغَيْرِ الْأَيْمَنِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعْدٍ، وَيَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ طَعَامُ الْاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ»

ــ

١٧٢٦ - ١٦٧٦ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: طَعَامُ الِاثْنَيْنِ» ) الْمُشْبِعُ لَهُمَا (كَافِي الثَّلَاثَةِ) لِقُوتِهِمْ (وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ) الْمُشْبِعُ لَهُمْ (كَافِي الْأَرْبَعَةِ) قُوتًا.

وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» "، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ: " «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَإِنَّ طَعَامَ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَةَ، وَالْأَرْبَعَةَ، وَإِنَّ طَعَامَ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الْخَمْسَةَ، وَالسِّتَّةَ» "، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ، وَالتَّقَنُّعِ بِالْكِفَايَةِ، يَعْنِي: وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْحَصْرَ فِي مِقْدَارِ الْكِفَايَةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْمُوَاسَاةُ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلِاثْنَيْنِ إِدْخَالُ ثَالِثٍ لِطَعَامِهِمَا، وَرَابِعٍ أَيْضًا بِحَسَبِ مَنْ يَحْضُرُ.

وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مَا يُرْشِدُ إِلَى الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ، وَأَوَّلُهُ: " «كُلُوا جَمِيعًا، وَلَا تَفَرَّقُوا فَإِنَّ طَعَامَ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ» "، الْحَدِيثَ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْكِفَايَةَ تَنْشَأُ عَنْ بَرَكَةِ الِاجْتِمَاعِ، وَأَنَّ الْجَمْعَ كُلَّمَا كَثُرَ زَادَتِ الْبَرَكَةُ.

وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ يَضَعُ مِنْ بَرَكَتِهِ فِيهِ مَا وَضَعَ لِنَبِيِّهِ فَيَزِيدُ حَتَّى يَكْفِيَهُمْ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا إِذَا صَحَّتْ نِيَّتُهُمْ، وَانْطَلَقَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِهِ، فَإِنْ قَالُوا: لَا يَكْفِينَا قِيلَ لَهُمْ: الْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ.

وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْأَمَالِي: إِنْ أُرِيدَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْوَاقِعِ فَمُشْكِلٌ ; لِأَنَّ طَعَامَ الِاثْنَيْنِ لَا يَكْفِي إِلَّا اثْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَعْنًى آخَرُ فَمَا هُوَ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيْ أَطْعِمُوا طَعَامَ الِاثْنَيْنِ الثَّلَاثَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقُوتُ الثَّلَاثَ، وَأَخْبَرَنَا بِذَلِكَ لِئَلَّا نَجْزَعَ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ الثَّانِيَ مَعْلُومٌ، انْتَهَى.

وَرَوَى الْعَسْكَرِيُّ فِي الْمَوَاعِظِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «كُلُوا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ طَعَامَ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامَ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَةَ، وَالْأَرْبَعَةَ كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِي الْجَمَاعَةِ» "، فَيُؤْخَذُ

مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّرْطَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الْأَكْلِ، وَأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ طَعَامُ الِاثْنَيْنِ إِذَا كَانَا مُفْتَرِقَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ إِذَا أَكَلُوا مُجْتَمِعِينَ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اسْتِحْبَابُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ، وَأَنْ لَا يَأْكُلَ الْمَرْءُ وَحْدَهُ، انْتَهَى.

وَفِيهِ أَيْضًا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُوَاسَاةَ إِذَا حَصَلَتْ حَصَلَ مَعَهَا الْبَرَكَةُ، فَتَعُمُّ الْحَاضِرِينَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْتَحْقِرَ مَا عِنْدَهُ، فَيَمْتَنِعَ مِنْ تَقْدِيمِهِ، فَإِنَّ الْقَلِيلَ قَدْ يَحْصُلُ بِهِ الِاكْتِفَاءُ بِمَعْنَى حُصُولِ قِيَامِ الْبِنْيَةِ لَا حَقِيقَةَ الشِّبَعِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ عَامَ الرَّمَادَةِ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُنْزِلَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَ عَدَدِهِمْ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَهْلِكُ عَلَى مَلْءِ بَطْنِهِ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّ السُّلْطَانَ فِي الْمَسْغَبَةِ يُفَرِّقُ الْفُقَرَاءَ عَلَى أَهْلِ السَّعَةِ بِقَدْرٍ لَا يَضُرُّ بِهِمْ.

وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي الْأَطْعِمَةِ، الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَغْلِقُوا الْبَابَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ وَأَكْفِئُوا الْإِنَاءَ أَوْ خَمِّرُوا الْإِنَاءَ وَأَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غَلَقًا وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بَيْتَهُمْ»

ــ

١٧٢٧ - ١٦٧٧ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ تَدْرُسَ (الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَغْلِقُوا) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ - (الْبَابَ) حِرَاسَةً لِلنَّفْسِ، وَالْمَالِ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ، وَلَا سِيَّمَا الشَّيْطَانُ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ: " «أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، (وَأَوْكُوا) » - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ وَضَمِّ الْكَافِ بِلَا هَمْزٍ - شُدُّوَا وَارْبُطُوا، (السِّقَاءَ) - بِكَسْرِ السِّينِ: الْقِرْبَةُ، أَيْ شُدُّوا رَأْسَهَا بِالْوِكَاءِ، وَهُوَ الْخَيْطُ.

زَادَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: " وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ "، أَيْ لِمَنْعِ الشَّيْطَانِ وَاحْتِرَازًا مِنَ الْوَبَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ فِي لَيْلَةٍ مِنَ السَّنَةِ كَمَا رُوِيَ، وَيُقَالُ: إِنَّهَا فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ.

(وَأَكْفِئُوا الْإِنَاءَ) ، قَالَ عِيَاضٌ: بِقَطْعِ الْأَلِفِ، وَكَسْرِ الْفَاءِ رُبَاعِيٌّ، وَبِوَصْلِهَا، وَضَمِّ الْفَاءِ ثُلَاثِيٌّ، وَهُمَا صَحِيحَانِ، أَيِ اقْلِبُوهُ، وَلَا تَتْرُكُوهُ لِلَعْقِ الشَّيْطَانِ، وَلَحْسِ الْهَوَامِّ وَذَوَاتِ الْأَقْذَارِ.

(أَوْ خَمِّرُوا) - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ الثَّقِيلَةِ -: غَطُّوا

(الْإِنَاءَ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَفْظُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيِ اكْفُوهُ إِنْ كَانَ فَارِغًا، أَوْ خَمِّرُوهُ إِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ قَالَهُ الْبَاجِيُّ.

وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ: " وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ: " «وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْهَا بِعُودٍ»(وَأَطْفِئُوا) - بِهَمْزَةِ قَطْعٍ، وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الْفَاءِ، ثُمَّ هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ -، (الْمِصْبَاحَ) : السِّرَاجَ، زَادَ

فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: " إِذَا رَقَدْتُمْ " (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ: " فَإِنَّ الْجِنَّ "، وَلَا تَضَادَّ بَيْنَهُمَا إِذْ لَا مَحْذُورَ فِي انْتِشَارِ الصِّنْفَيْنِ، إِذْ هُمَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ يَخْتَلِفَانِ بِالصِّفَاتِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ (لَا يَفْتَحُ غَلَقًا) - بِفَتْحِ الْغَيْنِ، وَاللَّامِ - إِذَا ذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ.

وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: " «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا» ، (وَلَا يَحُلُّ) - بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَضَمِّ الْحَاءِ - (وِكَاءً) : خَيْطًا رُبِطَ بِهِ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

(وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً) غُطِّيَ أَوْ كُفِئَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

فَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: " «وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرِضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ» وَفِي أَبِي دَاوُدَ: " «وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا» "، أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْغَلْقُ الْحَقِيقِيُّ.

وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: فَإِنَّهُمْ، أَيِ الشَّيَاطِينَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي التَّسَوُّرِ.

وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ.

قَالَ الْحَافِظُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُسْلِمٍ وَالْأَرْبَعَةِ مَرْفُوعًا: " «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمْ» قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُوَجَّهَ قَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ، عَلَى عُمُومِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخُصَّ بِمَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَنْعَ لِأَمْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِجِسْمِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِمَانِعٍ مِنَ اللَّهِ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ جِسْمِهِ، قَالَ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ دُخُولِ الشَّيْطَانِ الْخَارِجِ، فَأَمَّا الشَّيْطَانُ الَّذِي كَانَ دَاخِلًا فَلَا يَدُلُّ الْخَبَرُ عَلَى خُرُوجِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِتَخْفِيفِ الْمَفْسَدَةِ لَا دَفْعِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الْإِغْلَاقِ تَقْتَضِي طَرْدَ مَنْ فِي الْبَيْتِ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ مِنِ ابْتِدَاءِ الْإِغْلَاقِ إِلَى تَمَامِهِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ مَشْرُوعِيَّةَ غَلْقِ الْفَمِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْأَبْوَابِ، انْتَهَى.

(وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ) - بِتَصْغِيرِ التَّحْقِيرِ - (تُضْرِمُ) - بِضَمِّ التَّاءِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ - أَيْ تُوقِدُ (عَلَى النَّاسِ) ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ: عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ (بَيْتَهُمْ) ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ " ثِيَابَهُمْ وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: وَالْفُوَيْسِقَةُ تُضْرِمُ الْبَيْتَ عَلَى أَهْلِهِ، وَالضَّرَمَةُ بِالتَّحْرِيكِ النَّارُ وَالضِّرَامُ لَهَبُ النَّارِ.

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ: " «فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ، فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ» وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ، فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَاحْتَرَقَ فِيهَا مَوْضِعُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا فَتَحْرُقُكُمْ» وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ يَزِيدِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ: " «أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا

سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، لِمَ سُمِّيَتِ الْفَأْرَةُ الْفُوَيْسِقَةَ؟ قَالَ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ أَخَذَتْ فَأْرَةٌ فَتِيلَةً لِتَحْرِقَ عَلَيْهِ الْبَيْتَ، فَقَامَ إِلَيْهَا وَقَتَلَهَا وَأَحَلَّ قَتْلَهَا لِلْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ» "، فَفِي هَذَا بَيَانُ سَبَبِ الْأَمْرِ بِالْإِطْفَاءِ، وَالسَّبَبُ الْحَامِلُ لِلْفَأْرَةِ عَلَى جَرِّ الْفَتِيلَةِ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَعِينُ وَهُوَ عَدُوُّ الْإِنْسَانِ بِعَدْوٍ آخَرَ وَهِيَ النَّارُ، وَالْأَوَامِرُ الْمَذْكُورَةُ لِلْإِرْشَادِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالِاسْتِحْبَابُ خُصُوصًا مَنْ يَنْوِي بِفِعْلِهَا الِامْتِثَالَ.

وَفِي الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا: " «لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ» قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الْمِصْبَاحُ وَغَيْرُهُ.

وَأَمَّا الْقَنَادِيلُ الْمُعَلَّقَةُ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ خِيفَ حَرِيقٌ بِسَبَبِهَا دَخَلَتْ فِي الْأَمْرِ، وَإِنَّ أُمِنَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا لِلْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَ بِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِذَا انْتَفَتِ الْعِلَّةُ زَالَ الْمَانِعُ.

وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ، وَزُهَيْرٌ، وَسُفْيَانُ كُلُّهُمْ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بِنَحْوِهِ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرٍ بِنَحْوِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُطْرَحُ لَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ فَيَأْكُلُهُ حَتَّى يَأْكُلَ حَشَفَهَا

ــ

١٧٣٦ - ١٦٨٦ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ) عَمِّهِ (أَنَسِ بْنِ

مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، يُطْرَحُ) : يُلْقَى، (لَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ فَيَأْكُلُهُ حَتَّى يَأْكُلَ حَشَفَهَا) : يَابِسَهَا الرَّدِيءَ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ الْجَرَادِ فَقَالَ وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدِي قَفْعَةً نَأْكُلُ مِنْهُ

ــ

١٧٣٦ - ١٦٨٧ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ) مَوْلَاهُ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنِ الْجَرَادِ، فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدَنَا مِنْهُ قَفْعَةً) - بِفَتْحِ الْقَافِ، وَإِسْكَانِ الْفَاءِ، ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ - قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالزِّنْبِيلِ مِنَ الْخُوصِ، لَيْسَ لَهُ عُرَى، وَلَيْسَ بِالْكَبِيرِ، وَقِيلَ: شَيْءٌ كَالْقُفَّةِ تُتَّخَذُ وَاسِعَةَ الْأَسْفَلِ، ضَيِّقَةَ الْأَعْلَى (نَأْكُلُ مِنْهُ) لِإِذْهَابِهِ الْجُوعَ بِدُونِ تَرَفُّهٍ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»

ــ

١٧٣٨ - ١٦٨٩ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ) التَّابِعِيِّ، (أَنَّهُ قَالَ) مُرْسَلًا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَيَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، فَقَالَا: عَنْ مَالِكٍ عَنْ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ مَوْصُولًا، أَخْرَجَهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْأَوَّلُ النَّسَائِيُّ، وَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ الْحَافِظُ: وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ إِرْسَالُهُ كَعَادَتِهِ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ عَنْ وَهْبٍ مُرْسَلًا كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُصَرِّحْ بِوَصْلِهِ، وَلَعَلَّهُ وَصَلَهُ مَرَّةً فَحَفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ خَالِدٌ، وَيَحْيَى وَهُمَا ثِقَتَانِ، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ سَمَاعِ وَهْبٍ مِنْ عُمَرَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: (أُتِيَ) - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ - (رَسُولُ اللَّهِ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ) ابْنُ زَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ (عُمَرُ) - بِضَمِّ الْعَيْنِ - (بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) الصَّحَابِيُّ ابْنُ الصَّحَابِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ: " «أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ» "، وَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ: " كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ "، (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : يَا غُلَامُ (سَمِّ اللَّهَ) طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْعًا لَهُ مِنَ الْأَكْلِ فَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: أَقَلُّهَا بِسْمِ اللَّهِ، وَأَفْضَلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَرَ لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْأَفْضَلِيَّةِ دَلِيلًا خَاصًّا.

وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ اللُّقْمَةِ الْأُولَى: بِسْمِ اللَّهِ، وَالثَّانِيَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ، وَالثَّالِثَةِ: الْبَسْمَلَةَ بِتَمَامِهَا، فَإِنْ سَمَّى مَعَ كُلِّ لُقْمَةٍ، فَهُوَ أَحْسَنُ حَتَّى لَا يَشْغَلَهُ الْأَكْلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَيَزِيدُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَيْضًا: لَمْ أَرَ لِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ دَلِيلًا، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ خِلَافُهُ، وَمِنْ أَصَرَحِهَا حَدِيثُ أَحْمَدَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ» "، (وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) ، اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مِمَّا لَا يَلِي ; لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْ مَوْضِعِ يَدِ صَاحِبِهِ سُوءُ عِشْرَةٍ، وَتَرْكُ مَوَدَّةٍ لِنُفُورِ النَّفْسِ لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاقِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْحِرْصِ وَالنَّهَمِ وَسُوءِ الْأَدَبِ وَأَشْبَاهِهَا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ لَوْنٍ أَوْ تَمْرًا جَازَ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِمَّا يَلِيهِ، وَإِذَا أُتِيَ بِالتَّمْرِ جَالَتْ يَدُهُ فِيهِ» "، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ

وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: " «أَخَذَ بِيَدِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ فَأَتَيْنَا بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَدَكِ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا فَخَبَطْتُ بِيَدِي فِي نَوَاحِيهَا، وَأَكَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَقَبَضَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدَيَّ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَالَ: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانُ التَّمْرِ، أَوِ الرُّطَبِ، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَجَالَتْ يَدُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّبَقِ، فَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» "، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ تُقَوِّيهِ.

زَادَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ: " وَكُلْ بِيَمِينِكَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ - بِكَسْرِ الطَّاءِ - أَيْ لَزِمْتُ ذَلِكَ وَصَارَ لِي عَادَةً "، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالضَّمِّ يُقَالُ: طُعْمٌ إِذَا أُكِلَ، وَالطُّعْمَةُ: الْأَكْلُ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ مَا مَرَّ مِنْ الِابْتِدَاءِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ، وَالْأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ، وَبَعْدُ بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ، أَيِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ صَنِيعِي فِي الْأَكْلِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ الرَّجُلَ كَيْفَ أَنْتَ فَقَالَ أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ فَقَالَ عُمَرُ ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ

ــ

١٧٩٢ - ١٧٤٦ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ) عَمِّهِ (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ) - جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ - (فَرَدَّ) عُمَرُ (عَلَيْهِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَأَلَ

عُمَرُ الرَّجُلَ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ؟) أَيْ مَا حَالُكَ (فَقَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ: ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ) ; لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى النِّعَمِ يَسْتَدْعِي زِيَادَتَهَا {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: ٧] (سورة إِبْرَاهِيمَ: الْآيَةَ: ٧) ، وَقَدِ اقْتَدَى عُمَرُ بِالْمُصْطَفَى فِي ذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلَانُ؟ فَقَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ» ".

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ قَالَ فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَاطٍ وَلَا صَاحِبِ بِيعَةٍ وَلَا مِسْكِينٍ وَلَا أَحَدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ الطُّفَيْلُ فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ فَقُلْتُ لَهُ وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيِّعِ وَلَا تَسْأَلُ عَنْ السِّلَعِ وَلَا تَسُومُ بِهَا وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ قَالَ وَأَقُولُ اجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثُ قَالَ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَا أَبَا بَطْنٍ وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَنَا

ــ

١٧٩٣ - ١٧٤٧ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ الطُّفَيْلَ) - بِضَمِّ الطَّاءِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ - (ابْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ، ثِقَةٌ، يُقَالُ: وُلِدَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ، (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ، (فَيَغْدُو) - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ - (مَعَهُ إِلَى السُّوقِ، قَالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ لَمْ يَمْرُرْ) بِالْفَكِّ، وَفِي نُسْخَةٍ: " يَمُرَّ " بِالْإِدْغَامِ (عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى سَقَّاطٍ) - بِفَتْحِ السِّينِ، وَالْقَافِ - بَائِعٌ رَدِيءُ الْمَتَاعِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: سَقَطِيٌّ، وَالْمَتَاعُ الرَّدِيءُ: سَقَطٌ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَسْقَاطٍ، (وَلَا صَاحِبِ بِيعَةٍ) - بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ - قَالَ الْهَرَوِيُّ: مِنَ الْبَيْعِ كَالرِّكْبَةِ، وَالشِّرْبَةِ، وَالْقِعْدَةِ، وَالسَّقَّاطُ: بَيَّاعُ السَّقَطِ، (وَلَا مِسْكِينٍ وَلَا أَحَدٍ) عَامٌّ قُدِّمَ عَلَيْهِ الْخَاصُّ اهْتِمَامًا بِهِ، (إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا) ، أَيْ فِي يَوْمٍ، (فَاسْتَتْبَعَنِي) : طَلَبَ مِنِّي أَنْ أَتْبَعَهُ (إِلَى السُّوقِ فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيِّعِ) - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ - مَكْسُورَةً مِثْلَ بَائِعٍ، (وَلَا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ) ، جَمْعُ سِلْعَةٍ، (وَلَا تَسُومُ بِهَا، وَلَا تَجْلِسُ فِي) مَجَالِسِ (السُّوقِ؟ وَقَالَ الطُّفَيْلُ: وَأَقُولُ لَهُ: اجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثُ) ، وَلَا نَذْهَبُ إِلَى السُّوقِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لَهُ، (قَالَ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا بَطْنٍ، وَكَانَ الطُّفَيْلُ

ذَا بَطْنٍ) عَظِيمٍ، فَكَأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: أَبُو بَطْنٍ لِعِظَمِ بَطْنِهِ، (إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَنَا) ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «أَفْشُوا السَّلَامَ، فَإِنَّهُ لِلَّهِ رِضًا» "، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ: الْأَمْرُ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ؛ وَلِقَوْلِهِ لِمَنْ سَأَلَهُ: " «أَيُّ خِصَالِ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» " كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَضَعَهُ فِي الْأَرْضِ، فَأَفْشُوهُ بَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى الْقَوْمِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضَلُ دَرَجَةٍ ; لِأَنَّهُ ذَكَّرَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَأَطْيَبُ "، أَسْنَدَهُ أَبُو عُمَرَ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ»

ــ

١٦٤٩ - ١٦٠٢ - (مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمٍ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ بَيْنَهُمَا جِيمٌ سَاكِنَةٌ آخِرُهُ رَاءٌ، الْمَدَنِيُّ مَوْلَى آلِ عُمَرَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْقَابِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَقَافٍ مَفْتُوحَةٍ جَمْعُ قِلَّةٍ لِنَقْبٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ نِقَابٌ بِكَسْرِ النُّونِ (الْمَدِينَةِ) طِيبَةَ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي مَدَاخِلَهَا وَهِيَ أَبْوَابُهَا وَفُوَّهَاتُ طُرُقِهَا الَّتِي يُدْخَلُ إِلَيْهَا مِنْهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ " عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَلَكٌ "، وَقِيلَ: طُرُقُهَا (مَلَائِكَةٌ) يَحْرُسُونَهَا (لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ) لِأَنَّ كُفَّارَ الْجِنِّ وَشَيَاطِينَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولِهَا، وَمَنِ اتَّفَقَ دُخُولُهُ فِيهَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ طَعْنِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ عَدُّوا عَدَمَ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ مِنْ خَصَائِصِهَا وَهُوَ مِنْ لَوَازِمِ دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا بِالصِّحَّةِ فَهِيَ مُعْجِزَةٌ لَهُ.

قَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ الْأَطِبَّاءَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ عَجَزُوا أَنْ يَدْفَعُوا الطَّاعُونَ عَنْ بَلَدٍ مِنَ الْبِلَادِ بَلْ عَنْ قَرْيَةٍ مِنَ الْقُرَى، وَقَدِ امْتَنَعَ الطَّاعُونُ عَنِ الْمَدِينَةِ بِدُعَائِهِ وَخَبَرِهِ هَذِهِ

الْمُدَدَ الْمُتَطَاوِلَةَ فَهُوَ خَاصٌّ بِهَا، وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ بِأَنَّ الطَّاعُونَ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ أَيْضًا، مُعَارَضٌ بِمَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ دَخَلَهَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، لَكِنَّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ لِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " الْمَدِينَةُ وَمَكَّةُ مَحْفُوفَتَانِ بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهُمَا مَلَكٌ فَلَا يَدْخُلُهُمَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ " وَحِينَئِذٍ فَالَّذِي نُقِلَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ فِي التَّارِيخِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ كَمَا ظَنَّ أَوْ يُقَالُ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُهُمَا مِنَ الطَّاعُونِ مِثْلُ الَّذِي يَقَعُ فِي غَيْرِهِمَا كَالْجَارِفِ وَعَمَوَاسَ.

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْفِتَنِ: " «فَتَجِدُ الْمَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا، يَعْنِي الْمَدِينَةَ فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» " وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، فَقِيلَ: لِلتَّبَرُّكِ فَيَشْمَلُهُمَا، وَقِيلَ: لِلتَّعْلِيقِ وَأَنَّ مُقْتَضَاهُ جَوَازُ دُخُولِ الطَّاعُونِ الْمَدِينَةَ.

(وَلَا الدَّجَّالُ) الْمَسِيحُ الْأَعْوَرُ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: جُمْلَةُ " لَا يَدْخُلُهَا " مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِمُوجَبِ اسْتِقْرَارِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَنْقَابِهَا.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لَيْسَ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَائِكَةٌ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ» " قَالَ الْحَافِظُ: وَعَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ فِي كُلِّ بَلَدٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: الْمُرَادُ لَا يَدْخُلُهُ بِجُنُودِهِ، وَكَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ إِمْكَانَ دُخُولِ الدَّجَّالِ جَمِيعَ الْبِلَادِ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، وَغَفَلَ عَمَّا فِي مُسْلِمٍ أَنَّ بَعْضَ أَيَّامِهِ يَكُونُ قَدْرَ السَّنَةِ.

وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: " إِلَّا الْكَعْبَةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ " وَزَادَ الطَّحَاوِيُّ: " وَمَسْجِدَ الطُّورِ " وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " «فَلَا يَبْقَى مَوْضِعٌ إِلَّا وَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ غَيْرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَبَلِ الطُّورِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَطْرُدُهُ عَنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ» " اهـ.

وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَفِي الطِّبِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الْفِتَنِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[مَا جَاءَ فِي إِجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنْ الْمَدِينَةِ]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ «كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَالَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ»

ــ

٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِجْلَاءِ الْيَهُودِ - بِالْجِيمِ - مِنَ الْمَدِينَةِ

، أَيْ: إِخْرَاجِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَمِنْهَا الْمَدِينَةُ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهَا.

١٦٥٠ - ١٦٠٣ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ) الْقُرَشِيِّ، مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ، ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ

ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (يَقُولُ) مُرْسَلٌ وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا ( «كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ» ) قِيلَ مَعْنَاهُ لَعَنَهُمْ لِرِوَايَةِ: " «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ» " وَقِيلَ: أَيْ: قَتَلَهُمْ لِأَنَّ فَاعِلَ يَأْتِي بِمَعْنَى فَعَلَ.

(وَالنَّصَارَى) وَكَأَنَّهُ قِيلَ مَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُمُ (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) أَيِ اتَّخَذُوهَا جِهَةَ قِبْلَتِهِمْ مَعَ اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلَ، وَأَنَّ اتِّخَاذَهَا مَسَاجِدَ لَازِمٌ لِاتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا كَعَكْسِهِ، وَقَدَّمَ الْيَهُودَ لِابْتِدَائِهِمْ بِالِاتِّخَاذِ وَتَبِعَهُمُ النَّصَارَى فَالْيَهُودُ أَظْلَمُ، فَإِنْ قِيلَ: النَّصَارَى لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا نَبِيٌّ وَاحِدٌ وَلَا قَبْرَ لَهُ.

أُجِيبَ: بِأَنَّ الْجَمْعَ بِإِزَاءِ الْمَجْمُوعِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ الْيَهُودَ لَهُمْ أَنْبِيَاءُ أَوِ الْمُرَادُ الْأَنْبِيَاءُ وَكِبَارُ أَتْبَاعِهِمْ كَالْحَوَارِيِّينَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ.

وَفِي مُسْلِمٍ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي النَّصَارَى أَنْبِيَاءُ أَيْضًا غَيْرُ مُرْسَلِينَ كَالْحَوَارِيِّينَ وَمَرْيَمَ فِي قَوْلٍ، أَوِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْيَهُودِ فَقَطْ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ إِسْقَاطِ النَّصَارَى، أَوْ عَلَى الْكُلِّ وَيُرَادُ مَنْ أُمِرُوا بِالْإِيمَانِ بِهِمْ وَإِنْ كَانُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ.

قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَمَّا كَانَتِ الْيَهُودُ يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وَيَجْعَلُونَهَا قِبْلَةً وَيَتَوَجَّهُونَ فِي الصَّلَاةِ نَحْوَهَا فَاتَّخَذُوهَا أَوْثَانًا لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، أَمَّا مَنِ اتَّخَذَ مَسْجِدًا بِجِوَارِ صَالِحٍ أَوْ صَلَّى فِي مَقْبَرَتِهِ وَقَصَدَ بِهِ الِاسْتِظْهَارَ بِرُوحِهِ وَوُصُولَ أَثَرٍ مِنْ آثَارِ عِبَادَتِهِ إِلَيْهِ لَا التَّعْظِيمَ لَهُ وَالتَّوَجُّهَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَدْفَنَ إِسْمَاعِيلَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْحَطِيمِ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ أَفْضَلُ مَكَانٍ يَتَحَرَّى الْمُصَلِّي بِصَلَاتِهِ.

وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ مُخْتَصٌّ بِالْمَنْبُوشَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ النَّجَاسَةِ انْتَهَى.

لَكِنَّ خَبَرَ الشَّيْخَيْنِ كَرَاهَةُ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ مُطْلَقًا، أَيْ: قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ خَشْيَةَ أَنْ يُعْبَدَ الْمَقْبُورُ فِيهَا بِقَرِينَةِ خَبَرِ: " «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» " فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْبَيْضَاوِيِّ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُخَفْ ذَلِكَ.

( «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» ) الْحِجَازِ كُلِّهِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِي الثَّانِي بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» قَالَ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ وَالْيَقِينُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الثَّمَرِ وَلَا مِنْ الْأَرْضِ شَيْءٌ وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الْأَرْضِ قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَإِبِلٍ وَحِبَالٍ وَأَقْتَابٍ ثُمَّ أَعْطَاهُمْ الْقِيمَةَ وَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا

ــ

١٦٥١ - ١٦٠٤ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) مُرْسَلٌ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ

سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا أَيْضًا، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِنَحْوِهِ مِنْ طُرُقٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَجْتَمِعُ) خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ؛ لِلرِّوَايَةِ قَبْلَهُ " لَا يَبْقَيَنَّ " (دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) هِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ كَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَيْ: وَقُرَاهَا، سُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِإِحَاطَةِ الْبَحْرِ بِهَا.

وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَقْصَى عَدَنٍ وَمَا وَالَاهَا مِنْ أَقْصَى الْيَمَنِ كُلِّهَا إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ، وَأَمَّا فِي الْعَرْضِ فَمِنْ جَدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ وَمِصْرَ فِي الْمَغْرِبِ، وَفِي الْمَشْرِقِ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مُنْقَطَعِ السِّمَارَةِ.

(قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَفَحَصَ) أَيِ اسْتَقْصَى فِي الْكَشْفِ (عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) فِي خِلَافَتِهِ (حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَجِيمٍ، الْيَقِينُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ (وَالْيَقِينُ) الَّذِي اطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ وَالْعَطْفُ تَفْسِيرِيٌّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ) وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ قَالَ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ» " (فَأَجْلَى) أَخْرَجَ (يَهُودَ خَيْبَرَ) لَمَّا اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ بِكَثْرَةِ مَنْ رَوَى لَهُ ذَلِكَ.

(قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ هَمْدَانَ بِالْيَمَنِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: سُمِّيَتْ بِاسْمِ بَانِيهَا نَجْرَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ.

(وَفَدَكَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَلْدَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَيْبَرَ دُونَ مَرْحَلَةٍ.

(فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ وَلَا مِنَ الْأَرْضِ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوهُ الْعَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرَةِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّمَا سَاقَاهُمُ اللَّهُ مُدَّةً وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ فِيهَا شَيْئًا.

(وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَالَحَهُمْ) لَمَّا أَوْقَعَ بِأَهْلِ خَيْبَرَ (عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ)

بِطَلَبِهِمْ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَأْتِهِمْ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَتْ لَهُ خَالِصَةً لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، وَقِيلَ: صَالَحُوهُ عَلَى حَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَالْجَلَاءِ وَيُخْلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْوَالِ فَفَعَلَ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ الْقَوْلَيْنِ.

(فَأَقَامَ) أَيْ: قَوَّمَ (لَهُمْ عُمَرُ نَصِفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الْأَرْضِ قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ) فِضَّةٍ (وَإِبِلٍ وَحِبَالٍ) جَمْعُ حَبْلٍ (وَأَقْتَابٍ) جَمْعُ قَتَبٍ (ثُمَّ أَعْطَاهُمُ الْقِيمَةَ وَأَجْلَاهُمْ) عَمَلًا بِحَدِيثِ: " «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ".

[باب القدر] [النَّهْيِ عَنْ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ]

كتاب القدر

باب النَّهْيِ عَنْ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى قَالَ لَهُ مُوسَى أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ آدَمُ أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ»

ــ

٤٦ - كِتَابُ الْقَدَرِ

١ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ

بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ، قَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ التَّقْدِيرُ وَالْقَضَاءُ هُوَ التَّفْصِيلُ وَالْقَطْعُ، فَالْقَضَاءُ أَخَصُّ مِنَ الْقَدَرِ لِأَنَّهُ الْفَصْلُ بَيْنَ التَّقْدِيرِ فَالْقَدَرُ كَالْأَسَاسِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَدَرَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَدِّ لِلْكَيْلِ، وَالْقَضَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ.

قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: قَدَّرَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ، أَيْ: عَلِمَ مَقَادِيرَهَا وَأَحْوَالَهَا وَأَزْمَانَهَا قَبْلَ إِيجَادِهَا ثُمَّ أَوْجَدَ مِنْهَا مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ، فَلَا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَإِنَّ خَلْقَهُ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا إِلَّا نَوْعُ اكْتِسَابٍ وَمُحَاوَلَةٌ وَنِسْبَةٌ وَإِضَافَةٌ، وَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ وَبِقُدْرَتِهِ وَإِلْهَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا خَالِقَ غَيْرُهُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ.

قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: سَبِيلُ مَعْرِفَةِ هَذَا الْبَابِ التَّوْقِيفُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ مَحْضِ الْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ، فَمَنْ عَدَلَ عَنِ التَّوْقِيفِ ضَلَّ وَتَاهَ فِي بِحَارِ الْحَيْرَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ شِفَاءً وَلَا يَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ ; لِأَنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى اخْتُصَّ بِهِ الْخَبِيرُ الْعَلِيمُ وَضَرَبَ دُونَهُ الْأَسْتَارَ، وَحَجَبَهُ عَنْ عُقُولِ الْخَلْقِ وَمَعَارِفِهِمْ لِمَا عَلِمَهُ مِنَ الْحِكْمَةِ، فَلَمْ يَعْلَمْهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَقِيلَ: الْقَدَرُ يَنْكَشِفُ لَهُمْ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ وَلَا يَنْكَشِفُ قَبْلَ دُخُولِهَا.

١٦٦٠ - ١٦١٢ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تَحَاجَّ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْجِيمِ أَصْلُهُ تَحَاجَجَ بِجِيمَيْنِ أُدْغِمَتْ أُولَاهُمَا فِي الْأُخْرَى (آدَمُ وَمُوسَى) أَيْ: ذَكَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا حُجَّتَهُ، قَالَ الْقَابِسِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْتَقَتْ أَرْوَاحُهُمَا فِي السَّمَاءِ أَوَّلَ مَا مَاتَ مُوسَى فَتَحَاجَّا.

قَالَ عِيَاضٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمَا فَاجْتَمَعَا فَتَحَاجَّا بِأَشْخَاصِهِمَا كَمَا جَاءَ فِي الْإِسْرَاءِ، وَقِيلَ: كَانَ هَذَا فِي حَيَاةِ مُوسَى وَأَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُرِيَهُ آدَمَ فَأَجَابَهُ.

ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ أَثَرًا أَنَّ مُوسَى

قَالَ: رَبِّ، أَبُونَا آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَأَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ أَرِنِيهِ، فَأَرَاهُ إِيَّاهُ (فَحَجَّ آدَمُ) بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ (مُوسَى) فِي مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٌ، أَيْ: غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ (قَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ: عَرَّضْتَهُمْ لِلْإِغْوَاءِ لَمَّا كُنْتَ سَبَبَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: أَيْ: أَنْتَ السَّبَبُ فِي إِخْرَاجِهِمْ وَتَعْرِيضِهِمْ لِإِغْوَاءِ الشَّيْطَانِ (وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) دَارِ النَّعِيمِ وَالْخُلُودِ إِلَى دَارِ الْبُؤْسِ وَالْفَنَاءِ.

وَفِيهِ أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَمُ هِيَ الْجَنَّةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي الْآخِرَةِ، فَيَرُدُّ قَوْلَ الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّهَا غَيْرُهَا.

قَالَ الْأُبِّيُّ: كَأَنَّ مُوسَى جَوَّزَ الْوِلَادَةَ فِي الْجَنَّةِ مَعَ أَنَّهَا مَشَقَّةٌ لِأَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ مَشَقَّةٌ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ قِيلَ فِي هَابِيلَ أَنَّهُ مِنْ حَمْلِ الْجَنَّةِ.

وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُولَدُ لَهُ الْوَلَدُ كَمَا يَشْتَهِي وَيَكُونُ حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ وَشَبَابُهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ» " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ " وَفِي رِوَايَةٍ: " أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ ثُمَّ أُهْبِطَ النَّاسُ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ؟» " (فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ) قَالَ عِيَاضٌ: عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، أَيْ: مِمَّا عَلَّمَكَ وَيُحْتَمَلُ مِمَّا عَلَّمَهُ الْبَشَرَ (وَاصْطَفَاهُ) اخْتَارَهُ (عَلَى النَّاسِ) أَهْلِ زَمَانِهِ (بِرِسَالَتِهِ) بِالْإِفْرَادِ وَقُرِئَتِ الْآيَةُ بِهِ وَبِالْجَمْعِ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلصَّحِيحَيْنِ: " اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ " وَفِي أُخْرَى: " اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ، فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ " (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ) بِشَدِّ الدَّالِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ (عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟) فَحَجَّهُ بِذَلِكَ بِأَنْ أَلْزَمَهُ أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَرْكِهِ بَلْ كَانَ قَدَرًا مِنَ اللَّهِ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهِ، أَيْ: أَنَّ اللَّهَ أَثْبَتَهُ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ كَوْنِي وَحَكَمَ بِأَنَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَكَيْفَ تَغْفُلُ عَنِ الْعِلْمِ السَّابِقِ وَتَذْكُرُ الْكَسْبَ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ وَتَنْسَى الْأَصْلَ الَّذِي هُوَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَ سِرَّ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ الْأَسْتَارِ؟ وَهَذِهِ الْمُحَاجَّةُ لَمْ تَكُنْ فِي عَالَمِ الْأَسْبَابِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الْوَسَائِطِ وَالِاكْتِسَابِ وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ عِنْدَ مُلْتَقَى الْأَرْوَاحِ، وَاللَّوْمُ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَا دَامَ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ، أَمَّا بَعْدَهَا فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلِذَا عَدَلَ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ، فَالتَّائِبُ لَا يُلَامُ عَلَى مَا

تِيبَ عَلَيْهِ مِنْهُ لَا سِيَّمَا إِذَا انْتَقَلَ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ: " «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ؟» " وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ: " «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟» " وَجَمَعَ بِحَمْلِ الْمُقَيَّدَةِ بِالْأَرْبَعِينَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابَةِ وَالْأُخْرَى عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلْمِ.

قَالَ الْمَازِرِيُّ: " الْأَرْبَعِينَ " مَثَلٌ خَلْقُهُ تَارِيخٌ مَحْدُودٌ وَقَضَاءُ اللَّهِ الْكَائِنَاتِ وَإِرَادَتُهُ أَزَلِيٌّ، فَيَجِبُ حَمْلُ الْأَرْبَعِينَ عَلَى أَنَّهُ أَظْهَرَ قَضَاءَهُ بِذَلِكَ لِلْمَلَائِكَةِ أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مَا أَضَافَ إِلَيْهِ هَذَا التَّارِيخَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ: بِقَدَرٍ كَتَبَهُ فِي التَّوْرَاةِ أَلَا تَرَاهُ.

قَالَ فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ: فَكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَهُ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ: بِأَرْبَعِينَ.

فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَى التَّحَاجِّ ذِكْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَنَاظِرَيْنِ حُجَّتَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُحَاجَّةُ وَهُوَ هُنَا اللَّوْمُ فَمُوسَى أَثْبَتَهُ وَآدَمُ نَفَاهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ آدَمَ احْتَجَّ بِشَيْءٍ سَبَقَ بِهِ الْقَدَرُ، وَأَمَّا مُوسَى فَإِنَّمَا ذَكَرَ الدَّعْوَى وَلَمْ يَذْكُرْ حُجَّةً.

أَجَابَ الْأَبِّيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أَنْتَ أَبُونَا حُجَّةٌ ; لِأَنَّ الْأَبَ مَحَلُّ الشَّفَقَةِ، وَهِيَ تَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ مَا يَضُرُّ بِالْوَلَدِ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَالْبَاجِيُّ: لَيْسَ مَا سَبَقَ مِنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ يَرْفَعُ الْمَلَامَةَ عَنِ الْبَشَرِ لَكِنَّ مَعْنَاهُ قُدِّرَ عَلَيَّ وَتُبْتُ مِنْهُ وَالتَّائِبُ لَا يُلَامُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا غَلَبَهُ لِأَنَّ آدَمَ أَبُوهُ وَلَمْ يُشْرَعْ لِلِابْنِ لَوْمُ الْأَبِ.

قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ مُوسَى كَانَ قَدْ عَلِمَ مِنَ التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ تِلْكَ الْأَكْلَةَ سَبَبًا لِهُبُوطِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَسُكْنَاهُ بِهَا وَنَشْرِ ذُرِّيَّتِهِ فِيهَا وَتَكْلِيفِهِمْ لِيُرَتِّبَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنَ الْخُرُوجِ وَقَدْ فَعَلَ سَبَبَهُ فَفِيمَ اللَّوْمُ؟ وَقِيلَ: إِنَّمَا غَلَبَهُ لِأَنَّ تَرْتِيبَ اللَّوْمِ عَلَى الذَّمِّ لَيْسَ أَمْرًا عَقْلِيًّا لَا يَنْفَكُّ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ، فَإِذَا تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ وَغَفَرَ لَهُ فَقَدْ رَفَعَ عَنْهُ اللَّوْمَ فَمَنْ لَامَ فِيهِ مَحْجُوجٌ مَغْلُوبٌ بِالشَّرْعِ.

وَقِيلَ: لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُبْ لَوْمَهُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ.

وَمَبَاحِثُهَا إِنَّمَا هِيَ عَلَى السَّبَبِ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ آدَمَ سَبَبٌ إِلَّا قَضَاءَ اللَّهِ وَقَدَرَهُ ; وَلِذَا فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ; وَلِذَا قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ وَذَكَرَ فَضَائِلَهُ، أَيْ: كَمَا قَضَى تَعَالَى لَكَ بِذَلِكَ وَنَفَّذَهُ فِيكَ، كَذَلِكَ قَضَى عَلَيَّ فِيمَا فَعَلْتُ وَنَفَّذَهُ فِيَّ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلِتَنْكِحَ فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا»

ــ

٢ - بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ

١٦٦٦ - ١٦١٨ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَخِفَّةِ النُّونِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ» ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا أَوْ دِينًا أَوْ فِي الْبَشَرِيَّةِ لِيُدْخِلَ الْكَافِرَةَ» " وَقِيلَ: الْمُرَادُ ضَرَّتُهَا، وَلَفْظُ لَا يَحِلُّ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ، لَكِنْ حُمِلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ مُجَوِّزٌ كَرِيبَةٍ فِي الْمَرْأَةِ لَا يَسُوغُ مَعَهَا الِاسْتِمْرَارُ فِي الْعِصْمَةِ وَقَصَدَتِ النَّصِيحَةَ الْمَحْضَةَ، ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ، وَحَمْلُهُ عَلَى النَّدْبِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ بَعِيدٌ.

وَفِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ: " «لَا يَصْلُحُ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَشْتَرِطَ طَلَاقَ أُخْتِهَا» " وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَجْنَبِيَّةُ فَتَكُونُ الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ لَا فِي النَّسَبِ أَوِ الرَّضَاعِ أَوِ الْبَشَرِيَّةِ لِيَعُمَّ الْكَافِرَةَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنُ حِبَّانَ لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ (طَلَاقَ أُخْتِهَا) فَإِنَّ الْمُسْلِمَةَ أُخْتُ الْمُسْلِمَةِ (لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا) أَيْ: تَجْعَلَهَا فَارِغَةً لِتَفُوزَ بِحَظِّهَا مِنَ النَّفَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْمُعَاشَرَةِ، وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ: لِتَسْتَفْرِغَ إِنَاءَ أُخْتِهَا.

(وَلْتَنْكِحْ) بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَالْجَزْمِ، أَيْ: وَلْتَتَزَوَّجْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مَنْ خَطَبَهَا مِنْ

غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ طَلَاقَ أُخْتِهَا.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَلْتَنْكِحْ عَطْفٌ عَلَى لِتَسْتَفْرِغَ وَكِلَاهُمَا عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، أَيْ: وَلْتَنْكِحْ زَوْجَهَا.

(فَإِنَّمَا لَهَا) أَيْ: لِلسَّائِلَةِ (مَا قُدِّرَ لَهَا) أَيْ: لَنْ يَعْدُوَ ذَلِكَ مَا قُسِمَ لَهَا وَلَنْ تَسْتَزِيدَ بِهِ شَيْئًا.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحْسَنِ أَحَادِيثِ الْقَدَرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ أَجَابَهَا وَطَلَّقَ مَنْ تَظُنُّ أَنَّهَا تُزَاحِمُهَا فِي رِزْقِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا، سَوَاءٌ أَجَابَهَا أَمْ لَمْ يُجِبْهَا.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ " «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ» " وَالْبَاقِي مِثْلُهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»

ــ

١٦٨٤ - ١٦٣٤ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِيَّاكُمْ) كَلِمَةُ تَحْذِيرٍ (وَالظَّنَّ) أَيِ اجْتَنِبُوا ظَنَّ السَّوْءِ بِالْمُسْلِمِ، فَلَا تَتَّهِمُوا أَحَدًا بِالْفَاحِشَةِ مَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا، وَالظَّنُّ تُهْمَةٌ تَقَعُ فِي الْقَلْبِ بِلَا دَلِيلٍ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهُوَ حَرَامٌ كَسُوءِ الْقَوْلِ لَكِنْ لَسْتُ أَعْنِي بِهِ إِلَّا عَقْدَ الْقَلْبِ وَحُكْمَهَ عَلَى غَيْرِهِ بِالسُّوءِ، أَمَّا الْخَوَاطِرُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ فَعَفْوٌ بَلِ الشَّكُّ عَفْوٌ أَيْضًا، فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ الظَّنُّ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا تَرْكَنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَيَمِيلُ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَسَبَبُ تَحْرِيمِهِ أَنَّ أَسْرَارَ الْقُلُوبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ، فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَعْتَقِدَ فِي غَيْرِكَ سُوءًا إِلَّا إِذَا انْكَشَفَتْ لَكَ بِعِيَانٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا تَعْتَقِدْ إِلَّا مَا عَلِمْتَهُ وَشَاهَدْتَهُ أَوْ تَسْمَعُهُ، ثُمَّ يُوقَعُ فِي قَلْبِكَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُلْقِيهِ إِلَيْكَ، فَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُكَذِّبَهُ فَإِنَّهُ أَفْسُقُ الْفُسَّاقِ اهـ.

وَقَالَ الْعَارِفُ زَرُوقٌ: إِنَّمَا يَنْشَأُ الظَّنُّ الْخَبِيثُ عَنِ الْقَلْبِ الْخَبِيثِ لَا فِي جَانِبِ الْحَقِّ وَلَا فِي جَانِبِ الْخُلُقِ كَمَا قِيلَ:

إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ وَعَادَى مُحِبِّيهِ بِقَوْلِ عَدُوِّهِ وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ (فَإِنَّ الظَّنَّ) أَقَامَ الْمُظْهَرَ مَقَامَ الْمُضْمَرِ لِزِيَادَةِ تَمْكِينِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِي ذِكْرِ السَّامِعِ حَثًّا عَلَى الِاجْتِنَابِ.

( «أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» ) أَيْ: حَدِيثِ النَّفْسِ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ، وَاسْتُشْكِلَ تَسْمِيَتُهُ كَذِبًا بِأَنَّ الْكَذِبَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ.

وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ، سَوَاءٌ كَانَ قَوْلًا أَمْ لَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَنْشَأُ عَنِ الظَّنِّ فَوُصِفَ الظَّنُّ بِهِ مَجَازًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ الَّذِي تُنَاطُ بِهِ الْأَحْكَامُ غَالِبًا، بَلِ الْمُرَادُ تَرْكُ تَحْقِيقِ الظَّنِّ الَّذِي يَضُرُّ بِالْمَظْنُونِ بِهِ، وَكَذَا مَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ بِلَا دَلِيلٍ وَذَلِكَ أَنَّ أَوَائِلَ الظُّنُونِ إِنَّمَا هِيَ خَوَاطِرُ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا وَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ لَا يُكَلَّفُ بِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " «تَجَاوَزَ اللَّهُ لِلْأُمَّةِ بِمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا» " وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِالظَّنِّ هُنَا التُّهْمَةُ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا كَمَنْ يَتَّهِمُ رَجُلًا بِالْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا وَلِذَا عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: " وَلَا تَجَسَّسُوا " وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْصَ يَقَعُ لَهُ خَاطِرُ التُّهْمَةِ فَيُرِيدُ أَنْ يَتَحَقَّقَ فَيَتَجَسَّسُ وَيَبْحَثُ وَيَسْتَمِعُ فَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُوَافِقُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} [الحجرات: ١٢] [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: الْآيَةُ ١٢] الْآيَةَ، فَدَلَّ سِيَاقُهَا عَلَى الْأَمْرِ بِصَوْنِ عِرْضِ الْمُسْلِمِ غَايَةَ الصِّيَانَةِ لِتَقَدُّمِ النَّهْيِ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ بِالظَّنِّ، فَإِنْ قَالَ الظَّانُّ: أَبْحَثُ لِأَتَحَقَّقَ، قِيلَ لَهُ: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: ١٢] فَإِنْ قَالَ: تَحَقَّقْتُهُ مِنْ غَيْرِ تَجْسِيسٍ، قِيلَ لَهُ: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: ١٢] .

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ قَوْمٌ عَلَى مَنْعِ الْعَمَلِ فِي الْأَحْكَامِ بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ، وَحَمَلَهُ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ظَنٍّ مُجَرَّدٍ عَنِ الدَّلِيلِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ وَلَا تَحْقِيقِ نَظَرٍ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ بِالظَّنِّ الِاجْتِهَادَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْأَحْكَامِ أَصْلًا بَلِ الِاسْتِدْلَالُ لَهُ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ضَعْفَهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا بُطْلَانُهُ فَلَا لِأَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ.

وَقَدْ قَرَّبَهُ فِي الْمُفْهِمِ وَقَالَ: الظَّنُّ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هُوَ تَغْلِيبُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَوِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْيَقِينِ لَيْسَ مُرَادًا مِنَ الْحَدِيثِ وَلَا مِنَ الْآيَةِ، فَلَا يُلْتَفَتُ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى إِنْكَارِ الظَّنِّ الشَّرْعِيِّ.

(وَلَا تَحَسَّسُوا) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ.

(وَلَا تَجَسَّسُوا) بِالْجِيمِ وَرَوَى بِتَقْدِيمِهَا عَلَى الْحَاءِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، هُمَا لَفْظَتَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْبَحْثُ وَالتَّطَلُّبُ لِمَعَايِبِ النَّاسِ وَمُسَاوِيهِمْ إِذَا غَابَتْ وَاسْتَتَرَتْ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا، وَلَا يَكْشِفُ عَنْ خَبَرِهَا، وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي اللُّغَةِ مِنْ قَوْلِكَ حَسَّ الشَّيْءَ، أَيْ: أَدْرَكَهُ بِحَسِّهِ وَجَسِّهِ مِنَ الْمِحَسَّةِ وَالْمِجَسَّةِ، وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ:

ذِكْرُ الثَّانِي لِلتَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ بُعْدًا وَسُحْقًا.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَصْلُ الَّتِي بِالْحَاءِ مِنَ الْحَاسَّةِ إِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، وَبِالْجِيمِ مِنَ الْجَسِّ بِمَعْنَى اخْتِبَارِ الشَّيْءِ بِالْيَدِ وَهِيَ إِحْدَى الْحَوَاسِّ فَتَكُونُ الَّتِي بِالْحَاءِ أَعَمَّ.

وَقَالَ غَيْرُهُ بِالْجِيمِ الْبَحْثُ عَنِ الْعَوْرَاتِ وَبِالْحَاءِ اسْتِمَاعُ حَدِيثِ الْقَوْمِ، وَقِيلَ: بِالْجِيمِ الْبَحْثُ عَنْ بَوَاطِنِ الْأُمُورِ وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي الشَّرِّ، وَبِالْحَاءِ الْبَحْثُ عَمَّا يُدْرَكُ بِحَاسَّةِ الْعَيْنِ أَوِ الْأُذُنِ وَرَجَّحَ هَذَا الْقُرْطُبِيُّ.

وَقِيلَ: بِالْحَاءِ تَتَبُّعُ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ وَبِالْجِيمِ لِغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ ثَعْلَبٌ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: التَّجَسُّسُ بِالْجِيمِ تَطَلَّبُ أَخْبَارِ النَّاسِ فِي الْجُمْلَةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلْإِمَامِ الَّذِي رُتِّبَ لِمَصَالِحِهِمْ وَأُلْقِيَ إِلَيْهِ زِمَامُ حِفْظِهِمْ، فَأَمَّا عِرْضُ النَّاسِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا لِغَرَضِ مُصَاهَرَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ رِفَاقَةٍ فِي سَفَرٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الِامْتِزَاجِ، وَأَمَّا بِالْحَاءِ فَطَلَبُ الْخَبَرِ الْغَائِبِ لِلشَّخْصِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَلَا لِسِوَاهُ.

وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْمَاوَرْدِيِّ: لَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَثَ عَمَّا لَمْ يَظْهَرْ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِتَارُ أَهْلِهَا بِهَا إِلَّا إِنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى إِنْقَاذِ نَفْسٍ مِنَ الْهَلَاكِ مَثَلًا كَإِخْبَارِ ثِقَةٍ بِأَنَّ فَلَانًا خَلَا بِشَخْصٍ لِيَقْتُلَهُ ظُلْمًا أَوِ امْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا، فَيُشْرَعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ التَّجَسُّسُ وَالْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ اسْتِدْرَاكِهِ.

(وَلَا تَنَافَسُوا) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنَ الْمُنَافَسَةِ وَهِيَ الرَّغْبَةُ فِي الشَّيْءِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَيْ: لَا تَتَنَافَسُوا حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا إِنَّمَا التَّنَافُسُ فِي الْخَيْرِ قَالَ تَعَالَى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: ٢٦] [سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ: الْآيَةُ ٢٦] وَكَأَنَّ الْمُنَافَسَةَ هِيَ الْغِبْطَةُ وَأَبْعَدَ مَنْ فَسَّرَهَا بِالْحَسَدِ ; لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَيْهَا فَقَالَ: (وَلَا تَحَاسَدُوا) أَيْ: لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: التَّنَافُسُ هُوَ التَّحَاسُدُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَّا أَنَّهُ يَتَمَيَّزُ عَنْهُ بِأَنَّهُ سَبَبُهُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمُرَادُ التَّنَافُسُ فِي الدُّنْيَا وَمَعْنَاهُ طَلَبُ الظُّهُورِ فِيهَا عَلَى النَّاسِ وَالتَّكَبُّرُ عَلَيْهِمْ وَمُنَافَسَتُهُمْ فِي رِيَاسَتِهِمْ وَالْبَغْيُ عَلَيْهِمْ وَحَسَدُهُمْ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْهَا، وَأَمَّا التَّنَافُسُ وَالْحَسَدُ عَلَى الْخَيْرِ وَطُرُقِ الْبِرِّ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ.

(وَلَا تَبَاغَضُوا) أَيْ: لَا تَتَعَاطَوْا أَسْبَابَ الْبُغْضِ ; لِأَنَّ الْبُغْضَ لَا يُكْتَسَبُ ابْتِدَاءً.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّبَاغُضِ.

قَالَ الْحَافِظُ: بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْأَهْوَاءِ ; لِأَنَّ تَعَاطِيَ الْأَهْوَاءِ ضَرْبٌ مِنْ ذَلِكَ، وَحَقِيقَةُ التَّبَاغُضِ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَقَدْ يُطْلَقُ إِذَا كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَالْمَذْمُومُ مِنْهُ مَا كَانَ فِي غَيْرِ اللَّهِ، أَمَّا فِي اللَّهِ فَوَاجِبٌ يُثَابُ فَاعِلُهُ لِتَعْظِيمِ حَقِّ اللَّهِ وَلَوْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ السَّلَامَةِ، كَمَنْ يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إِلَى اعْتِقَادٍ يُنَافِي الْآخَرَ فَيَبْغَضُهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَعْذُورٌ عِنْدَ اللَّهِ.

(وَلَا تَدَابَرُوا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا تَتَهَاجَرُوا فَيَهْجُرُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَوْلِيَةِ الرَّجُلِ الْآخَرَ دُبُرَهُ إِذَا أَعْرَضَ عَنْهُ حِينَ يَرَاهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّمَا قِيلَ لِلْإِعْرَاضِ مُدَابَرَةٌ لِأَنَّ مَنْ أَبْغَضَ أَعْرَضَ وَمَنْ أَعْرَضَ وَلَّى دُبُرَهُ وَالْمُحِبُّ بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا

يَسْتَأْثِرُ أَحَدُكُمْ عَلَى الْآخَرِ، وَقِيلَ: لِلْمُسْتَأْثِرِ مُسْتَدْبِرٌ لِأَنَّهُ يُوَلِّي دُبُرَهُ حَتَّى يَسْتَأْثِرَ بِشَيْءٍ دُونَ الْآخَرِ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَعْنَى التَّدَابُرِ الْمُعَادَاةُ، تَقُولُ دَابَرْتُهُ، أَيْ: عَادَيْتُهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَتَخَاذَلُوا بَلْ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: هَذِهِ أُمُورٌ غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ فَلَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهَا فَيُصْرَفُ النَّهْيُ إِلَى أَسْبَابِهَا، أَيْ: لَا تَفْعَلُوا مَا يُوجِبُ ذَلِكَ.

( «وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اكْتَسِبُوا مَا تَصِيرُونَ بِهِ كَإِخْوَانِ النَّسَبِ فِي الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمُوَاسَاةِ وَالْمُعَاوَنَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَلَعَلَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ " هَذِهِ الْأَوَامِرُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا فَإِنَّهَا جَامِعَةٌ لِمَعَانِي الْأُخُوَّةِ وَنَسَبُهَا إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ الرَّسُولَ مُبَلِّغٌ عَنْهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنَّ إِخْوَانًا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وَأَنَّهُ بَدَلٌ وَأَنَّهُ الْخَبَرُ، وَ " عِبَادَ اللَّهِ " مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْقَعُ، يَعْنِي أَنْتُمْ مُسْتَوُونَ فِي كَوْنِكُمْ عَبِيدَ اللَّهِ وَمِلَّتُكُمْ وَاحِدَةً، وَالتَّبَاغُضُ وَمَا مَعَهُ مُنَافٍ لِذَلِكَ، وَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُونُوا إِخْوَانًا مُتَوَاصِلِينَ مُتَآلِفِينَ.

وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: انْتَصَبَ عِبَادَ اللَّهِ عَلَى النِّدَاءِ أَوْ حُذِفَ حَرْفُهُ وَإِخْوَانًا خَبَرٌ، وَيَجُوزُ أَنَّهُمَا خَبَرَانِ، وَيَجُوزُ أَنَّ الْخَبَرَ عِبَادَ اللَّهِ، وَإِخْوَانًا حَالٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ لَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا تَنَاجَشُوا بَدَلَ قَوْلِهِ وَلَا تَنَافَسُوا، وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ عِيَاضٌ: النَّجْشُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ ذَمِّ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَقِيلَ: النَّجْشُ التَّنْفِيرُ نَجَشَ الصَّيْدَ نَفَّرَهُ، وَالنَّجْشُ أَيْضًا الْإِطْرَاءُ، فَمَعْنَى لَا تَنَاجَشُوا لَا يُنَافِرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، أَيْ: لَا يُعَامِلُهُ مِنَ الْقَوْلِ بِمَا يُنَفِّرُهُ كَمَا يُنَفِّرُ الصَّيْدَ بَلْ يُسْكِنُهُ وَيُؤْنِسُهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَكِنْ فِي رِوَايَةٍ: " «وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» " وَهَذَا يُوَافِقُ مَعْنَى الْمُنَاجَشَةِ فِي الْبَيْعِ، وَيَكُونُ مِنَ الزِّيَادَةِ أَوْ مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْ سِلْعَةِ غَيْرِهِ بِإِطْرَاءِ سِلْعَتِهِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: جَعْلُهُ مِنَ النَّجْشِ فِي الْبَيْعِ بَعِيدٌ لِأَنَّ تَنَاجَشُوا تَفَاعَلُوا وَأَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَالنَّجْشُ فِي الْبَيْعِ مِنْ وَاحِدٍ فَافْتَرَقَا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ

ــ

١٦٩٠ - ١٦٤٠ - (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ) كَيْسَانَ السِّخْتِيَانِيِّ الْبَصْرِيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) الْأَنْصَارِيِّ مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ (قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) الرِّزْقَ (فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ.

وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ لَالٍ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَخَذَ عَنِ اللَّهِ أَدَبًا حَسَنًا إِذَا وَسَّعَ عَلَيْهِ وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ» " (جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ) خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْأَمْرُ يَعْنِي لِيَجْمَعْ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَلَامٌ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ فَحَسَنٌ، وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ " ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقِبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ» .

وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ فَأُدْمِجَ الْمَوْقُوفُ فِي الْمَرْفُوعِ وَلَمْ يُذْكَرْ عُمَرُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَافَقَ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ وَهُشَامٍ وَحَبِيبٍ وَعَاصِمٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عُلَيَّةَ، فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى رَفْعِهِ وَحَذَفَ الْبَاقِي، وَهُوَ مِنْ حُسْنِ تَصَرُّفِهِ.

[مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ وَالذَّهَبِ]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْمِشْقِ وَالْمَصْبُوغَ بِالزَّعْفَرَانِ

قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِك يَقُولُ وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْغِلْمَانُ شَيْئًا مِنْ الذَّهَبِ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ فَأَنَا أَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ الْكَبِيرِ مِنْهُمْ وَالصَّغِيرِ

قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِك يَقُولُ فِي الْمَلَاحِفِ الْمُعَصْفَرَةِ فِي الْبُيُوتِ لِلرِّجَالِ وَفِي الْأَفْنِيَةِ قَالَ لَا أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا حَرَامًا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ اللِّبَاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ

ــ

٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ وَالذَّهَبِ

١٦٩١ - ١٦٤١ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ (الثَّوْبَ

الْمَصْبُوغَ بِالْمِشْقِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَقَافٍ أَيِ الْمُغْرَةِ (وَالْمَصْبُوغَ بِالزَّعْفَرَانِ) عَمَلًا بِمَا رَوَاهُ - أَعْنِي: ابْنَ عُمَرَ - قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ ثِيَابَهُ حَتَّى عِمَامَتَهُ» " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ: " «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» " وَفِي أَنَّ النَّهْيَ لِلَوْنِهِ أَوْ لِرَائِحَتِهِ تَرَدُّدٌ لِأَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ، وَفَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوِ النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى تَزَعْفُرِ الْجَسَدِ لَا الثَّوْبِ، أَوْ عَلَى الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِأَنَّهُ مِنَ الطِّيبِ وَقَدْ نُهِيَ الْمُحْرِمُ عَنْهُ.

(مَالِكٌ: وَأَنَا أَكْرَهُ) تَنْزِيهًا (أَنْ يَلْبَسَ الْغِلْمَانُ) غَيْرُ الْبَالِغِينَ (شَيْئًا مِنَ الذَّهَبِ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ» ) أَيْ: لُبْسِ خَاتَمِ الذَّهَبِ لِلرِّجَالِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ: «هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى رِجَالِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ» " (وَأَنَا أَكْرَهُهُ لِلرَّجُلِ الْكَبِيرِ) الْبَالِغِ (مِنْهُمْ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (وَالصَّغِيرِ) تَنْزِيهًا.

(مَالِكٌ: فِي الْمَلَاحِفِ) جَمْعُ مِلْحَفَةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْمُلَاءَةُ الَّتِي يُلْتَحَفُ بِهَا (الْمُعَصْفَرَةِ) الْمَصْبُوغَةِ بِالْعُصْفُرِ (فِي الْبُيُوتِ لِلرِّجَالِ وَفِي الْأَفْنِيَةِ) أَيْ: أَفْنِيَةِ الدُّورِ (قَالَ: لَا أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا حَرَامًا وَ) لَكِنَّ (غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اللِّبَاسِ) الَّذِي لَا عُصْفُرَ فِيهِ أَحَبُّ إِلَيَّ وَمُقْتَضَاهُ الْإِبَاحَةُ فِي الْبُيُوتِ وَالْأَفْنِيَةِ وَالْكَرَاهَةُ فِي الْمَحَافِلِ وَالْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهَا.

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْهُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَالْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ الثَّوْبَ الْمُعَصْفَرَ الْمُقْدَمِ لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، وَالْمُقْدَمُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْقَوِيُّ الصَّبْغِ الَّذِي رُدَّ فِي الْعُصْفُرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.

قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا الْمُعَصْفَرُ غَيْرُ الْمُقْدَمِ وَالْمُزَعْفَرُ فَيَجُوزُ لُبْسُهُمَا فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، نَصَّ عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَى الثَّانِي غَيْرُهَا، قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالْمُزَعْفَرِ لِغَيْرِ الْإِحْرَامِ وَكُنْتُ أَلْبَسُهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا»

ــ

١٦٩٧ - ١٦٤٧ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ أَوْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ) أَيْ: لَا يَرْحَمُ، فَالنَّظَرُ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ مَجَازٌ وَإِلَى الْمَخْلُوقِ كِنَايَةٌ، لِأَنَّ مَنِ اعْتَنَى بِالشَّخْصِ الْتَفَتَ إِلَيْهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى صَارَ عِبَارَةً عَنِ الْإِحْسَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَظَرٌ، فَإِذَا نُسِبَ لِمَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ حَقِيقَتُهُ وَهُوَ تَقْلِيبُ الْحَدَقَةِ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَعْنَى الْإِحْسَانِ مَجَازًا عَمَّا وَقَعَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كِنَايَةً، قَالَهُ فِي الْكَوَاكِبِ تَبَعًا لِلْكَشَّافِ.

وَقَالَ الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: عُبِّرَ عَنِ الْمَعْنَى الْكَائِنِ عِنْدَ النَّظَرِ بِالنَّظَرِ لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَوَاضِعٍ رَحِمَهُ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَكَبِّرٍ مَقَتَهُ، فَالرَّحْمَةُ وَالْمَقْتُ مُسَبَّبَانِ عَنِ النَّظَرِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ مَحَلُّ الرَّحْمَةِ الدَّائِمَةِ خِلَافَ رَحْمَةِ الدُّنْيَا فَقَدْ تَنْقَطِعُ بِمَا يَتَجَدَّدُ مِنَ الْحَوَادِثِ (إِلَى مَنْ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا) بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، قَالَ عِيَاضٌ: جَاءَتِ الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَبِكَسْرِهَا عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ يَجُرُّ، أَيْ: تَكَبُّرًا وَطُغْيَانًا، وَأَصْلُ الْبَطَرِ الطُّغْيَانُ عِنْدَ النِّعْمَةِ وَاسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى الْكِبْرِ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الْبَطَرِ دَهْشٌ يَعْتَرِي الْمَرْءَ عِنْدَ هُجُومِ النِّعْمَةِ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّمَا وَرَدَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ الْإِزَارِ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ كَانُوا يَلْبَسُونَ الْإِزَارَ وَالْأَرْدِيَةَ فَلَمَّا لَبِسَ النَّاسُ الْقُمُصَ وَالدَّرَارِيعَ كَانَ حُكْمُهُمَا حُكْمَ الْإِزَارِ فِي ذَلِكَ.

وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ هَذَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ لَوْ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِالثَّوْبِ أَنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ، يَعْنِي: فَلَا دَاعِيَةَ لِلْقِيَاسِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ كُلُّهُمْ يُخْبِرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ»

ــ

١٦٩٨ - ١٦٤٨ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) وَكِلَاهُمَا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) ابْنِ مَوْلَى أَبِيهِ (كُلُّهُمْ يُخْبِرُهُ) أَيِ الثَّلَاثَةُ يُخْبِرُونَ مَالِكًا (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ) نَظَرَ رَحْمَةٍ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَقَدْ قِيلَ بِكَسْرِهَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ، أَيْ: عَجَبًا وَتَكَبُّرًا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْقِتَالِ كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ.

وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ زِيَادَةَ: " «فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا

رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ إِزَارِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ» " وَكَذَا إِذَا كَانَ سَبَبُهُ الْإِسْرَاعَ فِي الْمَشْيِ لَا يَدْخُلُ فِي الْوَعِيدِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعٍ: " «خَسَفَتِ الشَّمْسُ وَنَحْنُ عِنْدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ فَجُلِّيَ عَنْهَا» " وَلَفَظُ ثَوْبِهِ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا يُلْبَسُ حَتَّى الْعِمَامَةِ.

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ» " الْحَدِيثَ، فَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ خَاصًّا بِالْإِزَارِ، وَإِنْ جَاءَ فِي أَكْثَرِ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ بِلَفْظِ الْإِزَارِ فَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ لِبَاسِهِمْ حِينَئِذٍ كَمَا مَرَّ، لَكِنَّ فِي تَصْوِيرِ جَرِّ الْعِمَامَةِ نَظَرٌ إِذْ لَا يَتَأَتَّى جَرُّهَا عَلَى الْأَرْضِ كَالْقَمِيصِ وَالْإِزَارِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ مِنْ إِرْخَاءِ الْعَذَبَاتِ ; لِأَنَّ جَرَّ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَمَهْمَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ كَانَ مِنَ الْإِسْبَالِ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِي الزَّجْرِ عَنْ جَرِّ الثَّوْبِ تَطْوِيلُ أَكْمَامِ الْقَمِيصِ، وَنَحْوُهُ مَحَلُّ نَظَرٍ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ أَطَالَهَا حَتَّى خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْحِجَازِيِّينَ، وَقَالَ شَيْخُهُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: مَا مَسَّ الْأَرْضَ مِنْهَا لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ، بَلْ لَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ لَمْ يَبْعُدْ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: هَذِهِ الْأَكْمَامُ الْوَاسِعَةُ الطِّوَالُ الَّتِي هِيَ كَالْأَخْرَاجِ وَعَمَائِمُ كَالْأَبْرَاجِ لَمْ يَلْبَسْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِسُنَنِهِ وَفِي جَوَازِهَا نَظَرٌ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْخُيَلَاءِ.

وَفِي الْمَدْخَلِ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ كُمَّ بَعْضِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ الْيَوْمَ - فِيهِ إِضَاعَةُ الْمَالِ، الْمَنْهِيُّ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْضُلُ عَنْ ذَلِكَ الْكَمِّ ثَوْبٌ لِغَيْرِهِ. انْتَهَى وَهُوَ حَسَنٌ.

قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ: لَكِنْ حَدَثَ لِلنَّاسِ اصْطِلَاحٌ بِتَطْوِيلِهَا وَصَارَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ النَّاسِ شِعَارٌ يُعْرَفُونَ بِهِ، وَمَهْمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْخُيَلَاءِ فَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ، وَمَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْعَادَةِ فَلَا تَحْرِيمَ فِيهِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى جَرِّ الذَّيْلِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ.

وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَةَ كُلِّ مَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ لِلنَّاسِ، وَعَلَى الْمُعْتَادِ فِي اللِّبَاسِ لِمِثْلِ لَابِسِهِ فِي الطُّولِ وَالسَّعَةِ انْتَهَى.

وَعُمُومُ الْحَدِيثِ يَشْمَلُ النِّسَاءَ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِهِنَّ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْآتِي.

وَقَدْ زَادَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ مُتَّصِلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ الْحَدِيثَ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ «عَنْ الْإِزَارِ فَقَالَ أَنَا أُخْبِرُكَ بِعِلْمٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا»

ــ

١٦٩٩ - ١٦٤٩ - (مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْجُهَنِيِّ (عَنْ أَبِيهِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ

مَوْلَى الْحُرَقَةِ (أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ) سَعْدَ بْنَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ (الْخِدْرِيَّ) الصَّحَابِيَّ ابْنَ الصَّحَابِيِّ (عَنِ الْإِزَارِ قَالَ: أَنَا أُخْبِرُكَ بِعِلْمٍ) أَيْ: نَصٍّ لَا اجْتِهَادٍ، وَفِي رِوَايَةٍ " عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ " (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِزْرَةُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، الْحَالَةُ وَهَيْئَةُ الِائْتِزَارِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، يَعْنِي الْحَالَةَ الْمَرْضِيَّةَ مِنَ (الْمُؤْمِنِ) الْحَسَنَةَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ إِزَارُهُ (إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ) فَقَطْ، وَجَمْعُ أَنْصَافٍ كَرَاهَةَ تَوَالِي تَثْنِيَتَيْنِ كَقَوْلِهِ: مِثْلُ رُءُوسِ الْكَبْشَيْنِ، وَذَلِكَ عَلَامَةُ التَّوَاضُعِ وَالِاقْتِدَاءِ بِالْمُصْطَفَى.

فَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَلَمَةَ: " «كَانَ عُثْمَانُ يَأْتَزِرُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَقَالَ: كَانَتْ إِزْرَةَ صَاحِبِي، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . وَفِي النَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبِيدٍ الْمُحَارِبِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: " «ارْفَعْ إِزَارَكَ أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِزَارُهُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ» " وَلَكِنَّ (لَا جُنَاحَ) لَا حَرَجَ (عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ) فَيَجُوزُ إِسْبَالُهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَالْأَوَّلُ مُسْتَحَبٌّ فَلَهُ حَالَتَانِ (مَا أَسْفَلَ) قَالَ الْحَافِظُ: " مَا " مَوْصُولٌ وَبَعْضُ صِلَتِهِ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ " كَانَ "، وَ " أَسْفَلَ " خَبَرُهُ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، أَيْ: مَا هُوَ أَسْفَلُ، أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَيَجُوزُ أَنَّ " مَا " نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِأَسْفَلَ (مِنْ ذَلِكَ) أَيِ الْكَعْبَيْنِ، زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الْإِزَارِ (فَفِي النَّارِ) دَخَلَتِ الْفَاءُ فِي الْخَبَرِ بِتَضْمِينِ " مَا " مَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْ: مَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ قَدَمِ صَاحِبِ الْإِزَارِ الْمُسْبَلِ فَهُوَ فِي النَّارِ (مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ) أَعَادَهَا لِلتَّأْكِيدِ.

وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنَالُهُ الْإِزَارُ مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ فَكَنَّى بِالثَّوْبِ عَنْ بَدَنِ لَابِسِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْقَدَمِ يُعَذَّبُ فِي النَّارِ عُقُوبَةً لَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ أَوْ حَلَّ فِيهِ، وَتَكُونُ " مِنْ " بَيَانِيَّةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، وَالْمُرَادُ الشَّخْصُ نَفْسُهُ، أَوِ الْمَعْنَى مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ الَّذِي يُسَامِتُ الْإِزَارَ فِي النَّارِ، أَوِ التَّقْدِيرُ لَابِسُ مَا أَسْفَلَ. . . إِلَخْ.

أَوْ تَقْدِيرُ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ مَحْسُوبٌ فِي أَفْعَالِ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ مَا أَسْفَلَ مِنَ الْإِزَارِ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ، وَكُلُّ هَذَا اسْتِبْعَادٌ مِمَّنْ قَالَهُ لِوُقُوعِ الْإِزَارِ حَقِيقَةً فِي النَّارِ، وَأَصْلُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ نَافِعًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَمَا ذَنْبُ الثِّيَابِ بَلْ هُوَ مِنَ الْقَدَمَيْنِ.

لَكِنَّ فِي الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «رَآنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْبَلْتُ إِزَارِي فَقَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ كُلُّ شَيْءٍ لَمَسَ الْأَرْضَ مِنَ الثِّيَابِ فِي النَّارِ» " وَعِنْدَهُ أَيْضًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى أَعْرَابِيًّا يُصَلِّي قَدْ أَسْبَلَ، فَقَالَ: الْمُسْبِلُ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ مِنْ حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ

قِبَلِ الرَّأْيِ، فَعَلَى هَذَا لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ مِنْ وَادِي: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: ٩٨] [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: الْآيَةُ ٩٨] أَوْ يَكُونُ مِنَ الْوَعِيدِ لِمَا وَقَعَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَاطَى الْمَعْصِيَةَ أَحَقُّ بِذَلِكَ اهـ.

( «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا» ) بِفَتْحِ الطَّاءِ مَصْدَرٌ وَكَسْرِهَا، حَالٌ مِنْ فَاعِلِ " جَرَّ " رِوَايَتَانِ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ بِهِ، وَأَخْرَجُوهُ أَيْضًا بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فِي النَّارِ» ".

[مَا جَاءَ فِي إِسْبَالِ الْمَرْأَةِ ثَوْبَهَا]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ ذُكِرَ الْإِزَارُ فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُرْخِيهِ شِبْرًا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إِذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا قَالَ فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ»

ــ

٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِسْبَالِ الْمَرْأَةِ ثَوْبَهَا

أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ عُمُومَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَاقَهَا قَبْلَ الْآنِ مِنْ صِيغَةِ عُمُومٍ فَيَشْمَلُ النِّسَاءَ وَلِأَنَّهُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ.

١٧٠٠ - ١٦٥٠ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ) الْعَدَوِيِّ الْمَدَنِيِّ، صَدُوقٌ يُقَالُ اسْمُهُ عُمَرُ (عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ) شَيْخِ الْإِمَامِ رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ (عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّةِ زَوْجِ ابْنِ عُمَرَ، قِيلَ: لَهَا إِدْرَاكٌ، وَأَنْكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: ثِقَةٌ فَهِيَ تَابِعِيَّةٌ كَبِيرَةٌ (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ) أَيْ: نَافِعًا (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هِنْدٍ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ ذُكِرَ الْإِزَارُ) أَيِ التَّحْذِيرُ مِنْ جَرِّهِ، وَفِي النَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: (فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) كَيْفَ تَصْنَعُ» ؟ وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ الْمَذْكُورَةِ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ (قَالَ: تُرْخِيهِ شِبْرًا) فَعُمُومُ الْوَعِيدِ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ النِّسَاءِ.

(قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِذًا يَنْكَشِفُ) بِالرَّفْعِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ النَّصْبِ، وَهُوَ قَصْدُ الْجَزَاءِ بِمَا بَعْدَ " إِذًا " (عَنْهَا) وَلِأَيُّوبَ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ (قَالَ: فَذِرَاعًا) تُرْخِيهِ (لَا تَزِدْ عَلَيْهِ) إِذْ بِهِ يَحْصُلُ

أَمْنُ الِانْكِشَافِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ لَهَا حَالَةَ اسْتِحْبَابٍ وَهُوَ قَدْرُ شِبْرٍ، وَحَالَةَ جَوَازٍ بِقَدْرِ ذِرَاعٍ.

قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: هَلِ ابْتِدَاءُ الذِّرَاعِ مِنَ الْحَدِّ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ الرِّجَالُ وَهُوَ مَا أَسْفَلُ مِنَ الْكَعْبَيْنِ أَوْ مِنَ الْحَدِّ الْمُسْتَحَبِّ لِلرِّجَالِ وَهُوَ أَنْصَافُ السَّاقَيْنِ، أَوْ حَدُّهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَمَسُّ الْأَرْضَ؟ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّالِثُ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيِّ، وَاللَّفْظُ لَهُ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سُئِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجُرُّ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَيْلِهَا؟ قَالَ: شِبْرًا، قَالَتْ: إِذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا، قَالَ: فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ» " فَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهَا أَنْ تَجُرَّ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ ذِرَاعًا، أَيْ: لِأَنَّ الْجَرَّ السَّحْبُ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْأَرْضِ.

قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْيَدِ وَهُوَ شِبْرَانِ لِمَا فِي ابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «رَخَّصَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا» " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الذِّرَاعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ شِبْرَانِ انْتَهَى، لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ تُفَسِّرُ بَعْضَهَا، وَإِنَّمَا جَازَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ.

[مَا جَاءَ فِي الْانْتِعَالِ]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا»

ــ

٧ - مَا جَاءَ فِي الِانْتِعَالِ

١٧٠١ - ١٦٥١ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَمْشِيَنَّ) بَنُونِ التَّأْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، وَلِلْقَعْنَبِيِّ: لَا يَمْشِي (أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُثْلَةِ وَمُفَارَقَةِ الْوَقَارِ مُشَابَهَةِ زِيِّ الشَّيْطَانِ كَالْأَكْلِ بِالشِّمَالِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ، زَادَ غَيْرُهُ: وَلِمَشَقَّةِ الْمَشْيِ حِينَئِذٍ وَخَوْفِ الْعِثَارِ (لِيَنْعِلْهُمَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ مِنْ نَعَلَ وَأَنْعَلَ، وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ عَلَى الضَّمِّ، وَرَدَّهُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا نَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا أَيْضًا نَعَلَ رِجْلَهُ أَلْبَسُهَا نَعْلًا (جَمِيعًا أَوْ لِيُحْفِهِمَا) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْإِحْفَاءِ، أَيْ: لِيُجَرِّدْهُمَا (جَمِيعًا) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالضَّمِيرَانِ لِلْقَدَمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُمَا ذِكْرٌ، وَلَوْ أَرَادَ النَّعْلَيْنِ؛ لَقَالَ: لِيَنْتَعِلْهُمَا أَوْ لِيَحْتَفِ مِنْهُمَا انْتَهَى.

وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ لِبَاسٍ شُفِعَ كَالْخُفَّيْنِ وَإِخْرَاجِ الْيَدِ مِنَ الْكُمِّ وَالتَّرَدِّي عَلَى أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ

وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ وَلْتَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ»

ــ

١٧٠٢ - ١٦٥٢ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ» ) أَيْ: لَبِسَ نَعْلَهُ (فَلْيَبْدَأْ) اسْتِحْبَابًا (بِالْيَمِينِ) أَيْ: بِالْجَانِبِ الْيَمِينِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالْيُمْنَى، أَيْ: بِالنَّعْلِ الْيُمْنَى ; لِأَنَّ النَّعْلَ مُؤَنَّثَةٌ.

(وَإِذَا نَزَعَ) وَفِي رِوَايَةٍ انْتَزَعَ (فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ) أَيْ: يَنْزِعُهَا؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ كَرَامَةٌ لِلْبَدَنِ إِذْ هُوَ وِقَايَةٌ مِنَ الْآفَاتِ وَالْيُمْنَى أَحَقُّ بِالْإِكْرَامِ فَبُدِئَ بِهَا فِي اللُّبْسِ وَأُخِّرَتْ فِي النَّزْعِ لِيَكُونَ الْإِكْرَامُ لَهَا أَدْوَمَ، وَصِيَانَتُهَا وَحِفْظُهَا أَكْثَرَ.

قَالَ الْبَاجِيُّ: التَّيَامُنُ مَشْرُوعٌ فِي ابْتِدَاءِ الْأَعْمَالِ وَالتَّيَاسُرُ مَشْرُوعٌ فِي تَرْكِهَا.

(وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ) بِبِنَائِهِ كَ " تُنْعَلُ " لِلْمَفْعُولِ وَ " أَوَّلَهُمَا " وَ " آخِرَهُمَا " نُصِبَ خَبَرَ " تَكُنْ " أَوْ عَلَى الْحَالِ، وَالْخَبَرُ " تُنْعَلُ " وَ " تُنْزَعُ " بِفَوْقِيَّتَيْنِ وَتَحْتَانِيَّتَيْنِ مُذَكَّرَيْنِ بِاعْتِبَارِ النَّعْلِ وَالْخَلْعِ، وَزَعَمَ ابْنُ وَضَّاحٍ أَنَّ قَوْلَهُ وَلْتَكُنْ. . . إِلَخْ - مُدْرَجٌ، قَالَهُ الْحَافِظُ، أَيْ: وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ لِأَنَّ الْإِدْرَاجَ لَيْسَ بِالتَّشَهِّي، وَلَيْسَ هَذَا تَأْكِيدًا لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالْأَوَّلِ كَمَا زَعَمَ: بَلْ لَهُ فَائِدَةٌ هِيَ أَنَّ الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى أَوَّلًا لَا يَقْتَضِي تَأَخُّرَ نَزْعِهَا لِاحْتِمَالِ نَزْعِهِمَا مَعًا.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فَمَنْ بَدَأَ بِالِانْتِعَالِ بِالْيُسْرَى أَسَاءَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَلَكِنْ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُ نَعْلِهِ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَنْزِعَ الْفِعْلَ مِنَ الْيُسْرَى ثُمَّ يَبْدَأُ بِالْيُمْنَى.

قَالَ الْحَافِظُ: وَيُمْكِنُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مَا إِذَا لَبِسَهُمَا مَعًا فَبَدَأَ بِالْيُسْرَى فَلَا يُشْرَعُ لَهُ نَزْعُهُمَا ثُمَّ لُبْسُهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَشْرُوعِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ نَزْعُهُمَا وَيَسْتَأْنِفُ لُبْسَهُمَا عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ فَكَأَنَّهُ أَلْغَى مَا وَقَعَ مِنْهُ أَوَّلًا.

وَنَقَلَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ]

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَعَنْ الْمُنَابَذَةِ وَعَنْ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَعَنْ أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ»

ــ

٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ

١٧٠٤ - ١٦٥٤ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزَّادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا قِيلَ

أَنَّهُ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ (أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ» ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ (وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى إِرَادَةِ الْهَيْئَةِ، قَالَهُ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْفَتْحِ وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمُ: الْكَسْرُ أَحْسَنُ نَظَرًا لِلْهَيْئَةِ، وَأَبْدَلَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ قَوْلَهُ: (عَنِ الْمُلَامَسَةِ) بِأَنْ يَلْمِسَ الثَّوْبَ مَطْوِيًّا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ فَيَلْزَمُ بِذَلِكَ الْبَيْعُ وَلَا خِيَارَ لَهُ إِذَا رَآهُ اكْتِفَاءً بِلَمْسِهِ، أَوْ يَقُولُ إِذَا لَمَسْتُهُ فَقَدْ بِعْتُكَ اكْتِفَاءً بِلَمْسِهِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَتَى لَمِسَهُ انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَلَا خِيَارَ.

(وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ) مُفَاعَلَةٌ زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحِ: وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ وَيَنْبِذَ الْآخَرُ ثَوْبَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعُهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِلثَّوْبِ وَلَا تَرَاضٍ، وَبَيَّنَ اللِّبْسَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَعَنْ أَنْ يَحْتَبِيَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (الرَّجُلُ) أَيْ: وَعَنِ احْتِبَاءِ الرَّجُلِ بِأَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتِهِ وَيَنْصُبَ سَاقَيْهِ مُلْتَفًّا (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ) أَيِ الثَّوْبِ (شَيْءٌ) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: " بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ " لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِفْضَاءِ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ رُبَّمَا تَحَرَّكَ فَتَبْدُو عَوْرَتُهُ فَإِنْ كَانَ مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ فَلَا حُرْمَةَ.

(وَعَنْ أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ) فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَيَحْرُمُ إِنِ انْكَشَفَ بَعْضُ عَوْرَتِهِ وَإِلَّا كُرِهَ، وَهَذِهِ اللِّبْسَةُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِالصَّمَّاءِ لِأَنَّ يَدَهُ حِينَئِذٍ تَصِيرُ دَاخِلَ ثَوْبِهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ الِاحْتِرَاسَ مِنْهُ وَالِاتِّقَاءَ بِيَدَيْهِ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، وَبِهَا فُسِّرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَفْظُهُ: وَالصَّمَّاءُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَفَسَّرَهَا اللُّغَوِيُّونَ بِأَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ حَتَّى يُخَلِّلَ بِهِ جَسَدَهُ لَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا فَلَا يَبْقَى مَا تَخْرُجُ مِنْهُ يَدُهُ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلِذَا سُمِّيَتْ صَمَّاءَ لِسَدِّ الْمَنَافِذِ كُلِّهَا كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ لَا خَرْقَ فِيهَا وَلَا صَدْعَ، فَيُكْرَهُ عَلَى هَذَا لِعَجْزِهِ عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِيَدِهِ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ كَدَفْعِ بَعْضِ الْهَوَامِّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ الْحُلَّةَ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ»

ــ

١٧٠٥ - ١٦٥٥ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ) أَبَاهُ (عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ

رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالرَّاءِ وَالْمَدِّ، قَالَ مَالِكٌ: أَيْ حَرِيرٍ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثِيَابٌ فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ قَزٍّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا سِيَرَاءُ لِسَيْرِ الْخُطُوطِ فِيهَا، وَقِيلَ: حَرِيرٌ خَالِصٌ.

قَالَ عِيَاضٌ وَابْنُ قُرْقُولٍ: ضَبَطْنَاهُ عَلَى الْمُتْقِنِينَ حُلَّةَ سِيَرَاءَ بِالْإِضَافَةِ كَمَا يُقَالُ ثَوْبُ خَزٍّ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِالتَّنْوِينِ عَلَى الصِّفَةِ أَوِ الْبَدَلِ، قِيلَ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُقَالُ حُلَّةٌ سِيَرَاءُ كَمَا يُقَالُ نَاقَةٌ عُشَرَاءُ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: يُرِيدُ أَنَّ عُشَرَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَشَرَةَ، أَيْ: أَكْمَلَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ فَسُمِّيَتْ عُشَرَاءَ، وَكَذَلِكَ الْحُلَّةُ، سُمِّيَتْ سِيَرَاءَ ; لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّيُورِ، هَذَا وَجْهُ التَّشْبِيهِ.

لَكِنْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يَأْتِ فِعَلَاءُ وَصْفًا، وَقَالَ الْخَلِيلُ: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعَلَاءُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَعَ الْمَدِّ سِوَى سِيَرَاءَ وَحِوَلَاءَ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ الْوَلَدِ، وَعِنَبَاءَ لُغَةٌ فِي الْعِنَبِ وَالْمَعْنَى رَأَى حُلَّةَ حَرِيرٍ (تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ) النَّبَوِيِّ.

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «رَأَى عُمَرُ عُطَارِدَ التَّيْمِيَّ يُقِيمُ حُلَّةً بِالسُّوقِ وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ وَيُصِيبُ مِنْهُمْ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ الْحُلَّةَ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ) لَكَانَ حَسَنًا» ، وَ " لَوْ " لِلتَّمَنِّي لَا لِلشَّرْطِ، فَلَا تَحْتَاجُ لِلْجَزَاءِ.

وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: " فَلَبِسْتَهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوَفْدِ " وَلِلنَّسَائِيِّ: " وَتَجَمَّلْتَ بِهَا لِلْوُفُودِ وَالْعَرَبِ إِذَا أَتَوْكَ وَإِذَا خَطَبْتَ النَّاسَ يَوْمَ عِيدٍ وَغَيْرِهِ ".

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ: إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ (مَنْ لَا خَلَاقَ) أَيْ: مَنْ لَا حَظَّ وَلَا نَصِيبَ (لَهُ) مِنَ الْخَيْرِ (فِي الْآخِرَةِ) وَهَذَا خُرِّجَ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ، وَإِلَّا فَالْمُؤْمِنُ الْعَاصِي لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ، فَلَهُ خَلَاقٌ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّ عُمُومَهُ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ لِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى إِبَاحَةِ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ.

(ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ جِنْسِ الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ (حُلَلٌ) فَاعِلُ جَاءَ (فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً) أَيْ: بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، وَبَعَثَ إِلَى أُسَامَةَ بِحُلَّةٍ، وَأَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حُلَّةً (فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَسَوْتَنِيهَا) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ: فَجَاءَ عُمَرُ بِحُلَّتِهِ، فَقَالَ: بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ (وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ، ابْنِ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عَدِيٍّ بِمُهْمَلَتَيْنِ التَّمِيمِيِّ الدَّارِمِيِّ، وَفَدَ فِي بَنِي تَمِيمٍ وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَلَهُ صُحْبَةٌ (مَا قُلْتَ) إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، فَقَالَ

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) بَلْ لِتَنْتَفِعَ بِهَا.

وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: " إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوَهَا غَيْرَكَ " وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ كَسَاهُ إِذَا أَعْطَاهُ كِسْوَةً لَبِسَهَا أَمْ لَا.

وَلِمُسْلِمٍ: " أَعْطَيْتُكَهَا تَبِيعُهَا وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ " وَلِأَحْمَدَ: " فَبَاعَهَا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ " لَكِنْ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ: (فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا) كَائِنًا (لَهُ مُشْرِكًا) كَائِنًا (بِمَكَّةَ) وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ: أَخًا لَهُ مِنْ أُمِّهِ وَسَمَّاهُ ابْنُ الْحَذَّاءِ عُثْمَانَ بْنَ حَكِيمٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ بَشْكُوَالٍ، قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: هُوَ السَّلَمِيُّ أَخُو خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ وَهُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ، فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخُو عُمَرَ لِأُمِّهِ لَمْ يُصِبْ إِنَّمَا هُوَ أَخُو أَخِيهِ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ عُمَرَ رَضَعَ مِنْ أُمِّ أَخِيهِ زَيْدٍ فَيَكُونُ عُثْمَانُ هَذَا أَخَا عُمَرَ لِأُمِّهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجُمُعَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَفِي الْهِبَةِ، وَمُسْلِمٌ فِي اللِّبَاسِ عَنْ يَحْيَى، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ وَقَدْ رَقَعَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرِقَاعٍ ثَلَاثٍ لَبَّدَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ

ــ

١٧٠٦ - ١٦٥٦ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيِّ (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) عَمُّ إِسْحَاقَ أَخُو أَبِيهِ لِأُمِّهِ (رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ رَقَعَ) كَنَفَعَ، أَيْ: جَعَلَ رُقْعَةً مَكَانَ الْقَطْعِ (بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرُقَعٍ) جَمْعُ رُقْعَةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِرِقَاعٍ جَمْعُ رُقْعَةٍ أَيْضًا بِزِنَةٍ بُرْمَةٍ وَبِرَامٍ (ثَلَاثٍ لَبَّدَ) بِشَدِّ الْبَاءِ أَلْزَقَ (بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ) لِأَنَّ قَصْدَهُ السَّتْرُ لَا الْفَخْرُ، وَلَيْسَتِ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَلِيُقْتَدَى بِهِ فِي الزُّهْدِ فِيهَا.

[صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام وَالدَّجَّالِ]

بَابُ صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام وَالدَّجَّالِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا قِيلَ هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا فَقِيلَ لِي هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ»

ــ

٢ - بَابُ صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالدَّجَّالِ

١٧٠٨ - ١٦٥٨ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَرَانِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً فِي اسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ، أَيْ: أَرَى

نَفْسِيَ (اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ) فِي الْمَنَامِ (فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ) بِالْمَدِّ اسْمٌ (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ " وَالْأَحْمَرُ عِنْدَ الْعَرَبِ الشَّدِيدُ الْبَيَاضِ مَعَ الْحُمْرَةِ، وَالْآدَمُ الْأَسْمَرُ، وَجُمِعَ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ بِأَنَّهُ احْمَرَّ لَوْنُهُ بِسَبَبٍ كَالتَّعَبِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ أَسْمَرُ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَأَنَّ الْأُدْمَةَ تَصِيرُ سُمْرَةً تَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ وَهُوَ غَالِبُ أَلْوَانِ الْعَرَبِ، وَبِهِ تُجْمَعُ الرِّوَايَتَانِ.

وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِيسَى: أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنِّي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ " الْحَدِيثَ.

قَالَ الْحَافِظُ: أَقْسَمَ عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ أَنَّ الْوَصْفَ اشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ أَحْمَرُ إِنَّمَا هُوَ الدَّجَّالُ لَا عِيسَى، وَقَرُبَ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ، صِفَةُ مَدْحٍ لِعِيسَى وَذَمٍّ لِلدَّجَّالِ، وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ ذَلِكَ جَزْمًا فِي وَصْفِ عِيسَى أَنَّهُ آدَمُ فَسَاغَ لَهُ الْحَلِفُ لِغَلَبَةِ ظَنِّهِ أَنَّ مَنْ وَصَفَهُ بِأَحْمَرَ فَقَدْ وَهِمَ، لَكِنْ قَدْ وَافَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى أَنَّ عِيسَى أَحْمَرُ فَظَهَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَنْكَرَ شَيْئًا حَفِظَهُ غَيْرُهُ وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.

وَأَمَّا قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ: رِوَايَةُ مَنْ قَالَ آدَمُ - أَثْبَتُ فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ اتِّفَاقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مُخَالَفَةِ ابْنِ عُمَرَ.

(لَهُ لِمَّةٌ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَشَدِّ الْمِيمِ: شَعْرٌ جَاوَزَ شَحْمَةَ الْأُذُنَيْنِ وَأَلَمَّ بِالْمَنْكِبَيْنِ فَإِنْ جَاوَزَهُمَا فَجُمَّةٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِنْ قَصُرَ عَنْهَا فَوَفْرَةٌ (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ) جَمْعُ لِمَّةٍ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ: تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ (قَدْ رَجَّلَهَا) أَيْ: سَرَّحَهَا (فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً) مِنَ الْمَاءِ الَّذِي سَرَّحَهَا بِهِ أَوْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ كَنَّى بِهَا عَنْ مَزِيدِ النَّظَافَةِ وَالنَّضَارَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ " وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: " فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعْرِ " وَلَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: جَعْدٌ، وَالْجُعُودَةُ ضِدُّ السُّبُوطَةِ، فَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ سَبْطُ الشَّعْرِ جَعْدُ الْجِسْمِ وَالْمُرَادُ بِهِ اجْتِمَاعُهُ وَاكْتِثَارُهُ، وَهَذَا نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي لَوْنِهِ.

(مُتَّكِئًا) حَالٌ (عَلَى رَجُلَيْنِ) قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا (أَوْ) لِلشَّكِّ قَالَ (عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ) جَمْعُ عَاتِقٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ (يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ) حَالٌ (فَسَأَلْتُ) الْمَلَكَ (مَنْ هَذَا؟) الطَّائِفُ (قِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ السِّينِ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ تُشَدَّدُ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَصَحَّفَ مَنْ أَعْجَمَهَا لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا

بِالدُّهْنِ، أَوْ لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ، أَوْ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ بِسِيَاحَتِهِ، أَوْ لِأَنَّ رِجْلَهُ لَا أُخْمُصَ لَهَا، أَوْ لِلُبْسِهِ الْمُسُوحَ، أَقْوَالٌ.

وَقِيلَ: هُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَاسِحٌ فَعُرِّبَ الْمَسِيحَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الصِّدِّيقُ (ثُمَّ إِذَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ شَعْرُهُ (قَطَطٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ الْأُولَى عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ تُكْسَرُ، أَيْ: شَدِيدُ جُعُودَةِ الشَّعْرِ (أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الْفَاءِ، أَيْ: بَارِزَةٍ مِنْ طَفِئَ الشَّيْءُ يَطْفُو بِغَيْرِ هَمْزٍ إِذَا عَلَا عَلَى غَيْرِهِ، شَبَّهَهَا بِالْعِنَبَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْعُنْقُودِ بَارِزَةً عَنْ نَظَائِرِهَا وَبِالْهَمْزِ، أَيْ: ذَهَبَ ضَوْءُهَا.

قَالَ عِيَاضٌ: رَوَيْنَاهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ عَنْ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا وَصَحَّحُوهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَخْفَشُ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةَ الْهَمْزِ وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهَا، وَيُصَحِّحُهَا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ حَجْرَاءَ وَلَا نَاتِئَةً وَأَنَّهَا مَطْمُوسَةٌ، وَهَذِهِ صِفَةُ حَبَّةِ الْعِنَبِ إِذَا طُفِيَتْ وَزَالَ مَاؤُهَا، وَيُصَحِّحُ رِوَايَةَ الْيَاءِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ، وَأَنَّهَا جَاحِظَةٌ، وَكَأَنَّهَا نُخَاعَةٌ فِي حَائِطٍ مُجَصَّصٍ وَأَنَّهَا عَوْرَاءُ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ مَا صُحِّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ الْيَاءِ يَكُونُ فِي عَيْنٍ، وَمَا صُحِّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ الْهَمْزِ يَكُونُ فِي الْأُخْرَى، وَبِهِ أَيْضًا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الرِّوَايَاتُ، فَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ أَعْوَرُ الْيُسْرَى لِأَنَّ الْعَوَرَ الْعَيْبُ وَكِلْتَا عَيْنَيْهِ مَعِيبَةٌ، أَحَدُهُمَا بِالطَّمْسِ وَهِيَ الْيُمْنَى، وَالْأُخْرَى بِالْبُرُوزِ، انْتَهَى كَلَامُ عِيَاضٍ مُلَخَّصًا.

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ فِي نِهَايَةٍ مِنَ الْحُسْنِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ: يَطُوفُ بِالْبَيْتِ.

(فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ) لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ، أَوْ لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ إِذَا خَرَجَ.

وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَنْ خَفَّفَهُ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ، وَمَنْ شَدَّدَ فَلِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ.

قَالَ الْحَافِظُ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «إِنَّ الدَّجَّالَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ» "، أَيْ: فِي زَمَنِ خُرُوجِهِ وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ فِي دُخُولِهِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي.

وَهَذِهِ الرُّؤْيَا مَنَامٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: " رَأَيْتُ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى " وَذَكَرَ صِفَتَهُمْ.

قَالَ عِيَاضٌ: رُؤْيَتُهُ لَهُمْ إِنْ كَانَ مَنَامًا فَلَا إِشْكَالَ وَإِنْ كَانَ يَقَظَةً فَمُشْكِلٌ، وَيُقَوِّيهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: " «وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي» " وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُصَلُّوا وَيَحُجُّوا وَيَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعُوا مَا دَامَتِ الدُّنْيَا وَهِيَ دَارُ التَّكْلِيفِ بَاقِيَةً وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ حَالَهُمُ الَّتِي

كَانُوا عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهِمْ، فَمُثِّلُوا لَهُ كَيْفَ كَانُوا وَكَيْفَ كَانَ حَجُّهُمْ وَتَلْبِيَتُهُمْ، وَلِذَا قَالَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى " وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ، فَلِذَا أَدْخَلَ حَرْفَ التَّثْنِيَةِ فِي رِوَايَةٍ وَحَيْثُ أَطْلَقَهَا فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ.

وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ كِتَابًا لَطِيفًا فِي حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ وَرَوَى فِيهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ» " وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ» " وَمُحَمَّدٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ.

وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ الرَّافِعِيُّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا: " «أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلَاثٍ» "، وَلَا أَصْلَ لَهُ إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَلَيْسَ الْأَخْذُ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنْ صَحَّ فَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ يُصَلُّونَ إِلَّا هَذَا الْقَدْرَ ثُمَّ يَكُونُونَ مُصَلِّينَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَتَتْ حَيَاةُ الْأَنْبِيَاءِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَوَجْهُ إِشْكَالِهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ عَوْدَ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ يَقْتَضِي انْفِصَالَهَا عَنْهُ وَهُوَ الْمَوْتُ.

وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ رُوحَهُ كَانَتْ سَابِقَةً عَقِبَ دَفْنِهِ لِأَنَّهَا تُعَادُ ثُمَّ تُنْزَعُ ثُمَّ تُعَادُ سَلَّمْنَا لَكِنْ لَيْسَ بِنَزْعِ مَوْتٍ بَلْ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّوحِ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِذَلِكَ أَوِ النُّطْقُ، فَتَجُوزُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ خِطَابِنَا بِمَا نَفْهَمُهُ وَبِأَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ فِي أُمُورِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى فَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهْمُهُ لِيُجِيبَ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى هِيَ اسْتِلْزَامُ اسْتِغْرَاقِ الزَّمَانِ كُلِّهِ فِي ذَلِكَ لِاتِّصَالِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ مِمَّنْ لَا يُحْصَرُ كَثْرَةً.

وَأُجِيبُ بِأَنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ لَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَأَحْوَالُ الْبَرْزَخِ أَشْبَهُ بِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّبَاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَفِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي الْإِيمَانِ عَنْ يَحْيَى، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ بِنَحْوِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَهُ طُرُقٌ.

[النَّهْيِ عَنْ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ]

بَابُ النَّهْيِ عَنْ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ»

ــ

٤ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ

١٧١١ - ١٦٦١ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيِّ) - بِفَتْحَتَيْنِ - الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى) تَنْزِيهًا عَلَى الْأَصَحِّ (عَنْ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ) ، وَصْفٌ طَرْدِيٌّ، وَالْمُرَادُ الْإِنْسَانُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (بِشِمَالِهِ) إِلَّا لِعُذْرٍ، (أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) صِفَةُ نَعْلٍ، لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمُثْلَةِ، وَمُفَارَقَةِ الْوَقَارِ، وَمُشَابَهَةِ الشَّيْطَانِ، وَمَشَقَّةِ الْمَشْيِ وَخَوْفِ الْعِثَارِ.

(وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ) - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمَدِّ - فُسِّرَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِأَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، أَيْ لِأَنَّ يَدَهُ تَصِيرُ دَاخِلَ ثَوْبِهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ الِاحْتِرَاسَ مِنْهُ وَالِاتِّقَاءَ بِيَدَيْهِ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، وَبِهَذَا فَسَّرَهَا الْفُقَهَاءُ وَقَالُوا: تَحْرُمُ إِنِ انْكَشَفَتْ بَعْضُ عَوْرَتِهِ وَإِلَّا كُرِهَتْ.

وَفَسَّرَهَا اللُّغَوِيُّونَ بِأَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ حَتَّى يُخَلِّلَ بِهِ جَسَدَهُ، لَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا، وَلِذَا سُمِّيَتْ صَمَّاءَ لِأَنَّهُ يَسُدُّ عَلَى يَدَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ الْمَنَافِذَ كُلَّهَا كَصَخْرَةٍ

صَمَّاءَ لَا خَرْقَ فِيهَا، وَلَا صَدْعَ وَمَرَّ ذَلِكَ قَرِيبًا.

(وَأَنْ يَحْتَبِيَ) - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ - (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ) ، فَيَحْرُمُ فَإِنْ كَانَ مَسْتُورًا فَرْجُهُ فَلَا حُرْمَةَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ قَالُوا فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ»

ــ

٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ

جَمْعُ مِسْكِينٍ مِنَ السُّكُونِ، وَكَأَنَّهُ مِنْ قِلَّةِ الْمَالِ سَكَنَتْ حَرَكَاتُهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: ١٦] (سورة الْبَلَدِ: الْآيَةُ ١٦) ، أَيْ أُلْصِقَ بِالتُّرَابِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

١٧١٣ - ١٦٦٣ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، (عَنِ الْأَعْرَج) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَيْسَ الْمِسْكِينُ) - بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَقَدْ تُفْتَحُ - أَيِ الْكَامِلُ فِي الْمَسْكَنَةِ (بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ) يَسْأَلُهُمُ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ، (فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ، وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ) - بِفَوْقِيَّةٍ فِيهِمَا - أَيْ عِنْدَ طَوَافِهِ ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِ قُوَّتِهِ، وَرُبَّمَا يَقَعُ لَهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْمَسْكَنَةِ عَنِ الطَّوَّافِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ غَيْرَهُ أَشَدُّ حَالًا مِنْهُ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الطَّوَّافَ الْمُحْتَاجُ الْمِسْكِينُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ} [البقرة: ١٧٧] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٧٧) الْآيَةَ.

وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «أَتُدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ» ؟ (قَالُوا فَمَا) كَذَا لِيَحْيَى وَحْدَهُ، وَلِغَيْرِهِ فَمَنْ، كَذَا، قِيلَ: وَقَدْ رَوَاهُ قُتَيْبَةُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ مَا، وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحِزَامِيِّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ الصِّفَةِ، وَهِيَ الْمَسْكَنَةُ، وَمَا يَقَعُ عَنْ صِفَاتِ الْعُقَلَاءِ يُقَالُ فِيهِ مَا نَحْوَ: {مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: ٣] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٣) ، فَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ، (الْمِسْكِينُ) : الْكَامِلُ فِي الْمَسْكَنَةِ، (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ) ، وَسَقَطَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ عَقِبَ اللُّقْمَتَانِ: وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ: (الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى) - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ - أَيْ يَسَارًا، (يُغْنِيهِ) صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْيَسَارِ الْمَنْفِيِّ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِهِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَغْتَنِيَ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفِيَ أَصْلِ الْيَسَارِ، وَلِأَنْ يَكُونَ نَفْيَ الْيَسَارِ الْمُقَيَّدِ بِأَنَّهُ يُغْنِيهِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِهِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ.

(وَلَا يُفْطَنُ) - بِضَمِّ الطَّاءِ، وَفَتْحِهَا - أَيْ لَا يَتَنَبَّهُ (النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ) - بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ - (وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ) ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الْبُخَارِيِّ: " وَيَسْتَحِي أَنْ يَسْأَلَ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا "، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْمُضَارِعُ الْوَاقِعُ بَعْدَ الْفَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمَنْفِيِّ الْمَرْفُوعِ، فَيَنْسَحِبُ النَّفْيُ عَلَيْهِ، أَيْ لَا يُفْطَنُ فَلَا يُتَصَدَّقُ، وَلَا يَقُومُ فَلَا يَسْأَلُ، وَبِالنَّصْبِ فِيهِمَا بِأَنْ مُضْمِرَةٍ وُجُوبًا، لِوُقُوعِهِ فِي جَوَابِ النَّفْيِ بَعْدَ الْفَاءِ، انْتَهَى.

وَاقْتَصَرَ الْحَافِظُ عَلَى النَّصْبِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ عَلَى أَحَدِ مَحْمَلَيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: ٢٧٣] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٧٣) ، أَنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ السُّؤَالِ أَصْلًا، أَوْ نَفْيُ السُّؤَالِ بِالْإِلْحَافِ خَاصَّةً، فَلَا يُنَفَى السُّؤَالُ بِغَيْرِهِ،

وَالثَّانِي أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا.

وَقَدْ يُقَالُ: لَفْظَةُ يَقُومُ تَدُلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ فِي السُّؤَالِ، فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيِ أَصْلِهِ، وَالتَّأْكِيدُ فِي السُّؤَالِ هُوَ الْإِلْحَافُ، وَهُوَ الْإِلْحَاحُ، مُشْتَقٌّ مِنَ اللِّحَافِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى وُجُوهِ الطَّلَبِ فِي الْمَسْأَلَةِ كَاشْتِمَالِ اللِّحَافِ فِي التَّغْطِيَةِ.

وَزَادَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ

فِي الصَّحِيحَيْنِ: إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: ٢٧٣] ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ لَا يَسْأَلُونَ فِي حَالِ الْإِلْحَافِ، أَوْ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، أَيْ لَا يَسْأَلُونَ لِأَجْلِ الْإِلْحَافِ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَهُ طُرُقٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ مَوْلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ «كُنْتُ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فَاكَ ثُمَّ تَنَفَّسْ قَالَ فَإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ فِيهِ قَالَ فَأَهْرِقْهَا»

ــ

١٧١٨ - ١٦٦٨ - (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ) الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ (مَوْلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) ، ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ أَيْضًا فُلَيْحٌ، وَعَبَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، لَهُ مَرْفُوعًا فِي الْمُوَطَّأِ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، (عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْجُهَنِيِّ) الْمَدَنِيِّ، تَابِعِيٌّ مَقْبُولٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ) الْأُمَوِيِّ، (فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ) سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ (الْخُدْرِيُّ، فَقَالَ مَرْوَانُ) بْنُ الْحَكَمِ: (أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ؟) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: لِئَلَّا يَقَعَ مِنْ رِيقِهِ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُقْذِرُهُ، وَقَدْ بُعِثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ الْمَاءُ مِنَ النَّفْخِ، لِكَوْنِهِ مُتَغَيِّرَ الْفَمِ بِمَأْكُولٍ، أَوْ كَثْرَةِ كَلَامٍ، أَوْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِالسِّوَاكِ وَالْمَضْمَضَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَصْعَدُ بِبُخَارِ الْمَعِدَةِ فَتَعَافُهُ النُّفُوسُ.

(فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ: نَعَمْ) ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَفِيهِ أَنَّ نَعَمْ تَقُومُ مَقَامَ الْإِخْبَارِ، وَزَادَهُ فِي الْجَوَابِ لِأَنَّهُ مِنْ مَعْنَى السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ: (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ) - بِفَتْحَتَيْنِ - (وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَأَبِنْ) أَمْرٌ مِنَ الْإِبَانَةِ، أَيْ أَبْعِدِ (الْقَدَحَ) : الْإِنَاءَ الَّذِي تَشْرَبُ

مِنْهُ (عَنْ فِيكَ) عِنْدَ الشُّرْبِ نَدْبًا، وَلَا تَشْرَبْ كَالْبَعِيرِ، فَإِنَّهُ يَتَنَفَّسُ عِنْدَ الشُّرْبِ فِيهِ.

(ثُمَّ تَنَفَّسْ) فَإِنَّهُ أَحْفَظُ لِلْحُرْمَةِ وَأَنْفَى لِلنَّهْمَةِ، وَأَبْعَدُ عَنْ تَغَيُّرِ الْمَاءِ، وَأَصْوَنُ عَنْ سُقُوطِ الرِّيقِ فِيهِ، وَأَبْعَدُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالْبَهَائِمِ فِي كَرْعِهَا، فَالتَّشَبُّهُ بِهَا مَكْرُوهٌ شَرْعًا وَطَبْعًا.

بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِإِبَانَةِ الْقَدَحِ إِنَّمَا يُخَاطَبُ بِهِ مَنْ لَمْ يَرْوَ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ عَبٍّ، وَإِلَّا فَلَا إِبَانَةَ، قَالَهُ فِي الْمُفْهِمِ.

وَفِي التَّمْهِيدِ عَنْ مَالِكٍ: فِيهِ إِبَاحَةُ الشُّرْبِ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ الرَّجُلَ عَنْهُ، بَلْ قَالَ لَهُ مَا مَعْنَاهُ: إِنْ كُنْتَ لَا تَرْوَى مِنْ وَاحِدٍ، فَأَبِنِ الْقَدَحَ، انْتَهَى.

وَقِيلَ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ شُرْبُ الشَّيْطَانِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْبَهَائِمِ.

وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: " «لَا تَشْرَبُوا وَاحِدَةً كَشُرْبِ الْبَعِيرِ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثَلَاثَ، وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ» "، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ فِي نَفَسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى كَوْنُهُ ثَلَاثًا.

وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا» "، وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ» "، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ، فَفَعَلَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِجَوَازِ النَّقْصِ عَنْ ثَلَاثٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَرَّتَيِ التَّنَفُّسِ الْوَاقِعَتَيْنِ أَثْنَاءَ الشُّرْبِ، وَأَسْقَطَ الثَّالِثَةَ، لِأَنَّهَا بَعْدَ الشُّرْبِ فَهِيَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ، وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: " «كَانَ شُرْبُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفَسِ وَاحِدٍ» "، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَشْرَبْ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ» "، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، فَمَحْمُولَانِ عَلَى تَرْكِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ.

(قَالَ) الرَّجُلُ: (فَإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ) : عُودٌ أَوْ شَيْءٌ يَتَأَذَّى بِهِ الشَّارِبُ يَقَعُ (فِيهِ) ، أَيِ الْقَدَحِ.

(قَالَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فَأَهْرِقْهَا) : صُبَّهَا مِنْهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

[مَا جَاءَ فِي شُرْبِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَائِمٌ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي شُرْبِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَائِمٌ

حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا

ــ

- بَابُ مَا جَاءَ فِي شُرْبِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَائِمٌ

١٧٢٠ - ١٦٦٩ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) وَبَلَاغُهُ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَسَبَقَ مِرَارًا: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانُوا يَشْرَبُونَ) حَالَ كَوْنِهِمْ (قِيَامًا) ، وَقَالَ

جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَشْرَبُ قَائِمًا، فَفِيهِ جَوَازُ ذَلِكَ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَقَدْ صَحَّ: " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَاقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ» .

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَا لَا يَرَيَانِ بِشُرْبِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ قَائِمٌ بَأْسًا

ــ

١٧٢٠ - ١٦٧٠ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عَائِشَةَ - أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَا لَا يَرَيَانِ بِشُرْبِ الْإِنْسَانِ) الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، (وَهُوَ قَائِمٌ بَأْسًا) شِدَّةً، أَيْ كَرَاهَةً.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلَامِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْغُلَامُ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا قَالَ فَتَلَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ»

ــ

١٧٢٤ - ١٦٧٤ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ) - بِالْمُهْمَلَةِ، وَالزَّايِ - سَلَمَةَ (بْنِ دِينَارٍ) الْأَعْرَجِ الْمَدَنِيِّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ) السَّاعِدِيِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ) - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ - (بِشَرَابٍ) ، أَيْ لَبَنٍ، فَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ: أُتِيَ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ (فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ) أَصْغَرُ الْقَوْمِ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، كَمَا عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِهِ، (وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ) ، سَمَّى مِنْهُمْ خَالِدَ بْنَ

الْوَلِيدِ، (فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ) الَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّ الشَّرْبَةَ لَكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤْثِرَ بِهَا خَالِدًا "، (فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا) ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِمُؤْثِرٍ بِسُؤْرِكَ عَلَيَّ أَحَدًا "، (فَتَلَّهُ) - بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ، وَاللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ وَضَعَهُ (رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَدِهِ) ، أَيِ الْغُلَامِ، فَفِيهِ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ فِي الشُّرْبِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ صَغِيرًا أَوْ مَفْضُولًا، وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْأَفَاضِلِ وَالْكِبَارِ، فَهُوَ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْحُقُوقِ فِي بَاقِي الْأَوْصَافِ، وَأَنَّ الْجُلَسَاءَ شُرَكَاءُ فِي الْهَدِيَّةِ عَلَى جِهَةِ الْأَدَبِ وَالْفَضْلِ، لَا الْوُجُوبِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِذَلِكَ لَا تَجِبُ لِأَحَدٍ.

وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا: " «جُلَسَاؤُكُمْ شُرَكَاؤُكُمْ فِي الْهَدِيَّةِ» "، بِإِسْنَادٍ فِيهِ لِينٌ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَإِنَّمَا اسْتَأْذَنَ الْغُلَامَ هُنَا، وَلَمْ يَسْتَأْذِنِ الْأَعْرَابِيَّ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ اسْتِئْلَافًا لِقَلْبِ الْأَعْرَابِيِّ، وَتَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ، وَشَفَقَةً أَنْ يَسْبِقَ إِلَى قَلْبِهِ شَيْءٌ يَهْلِكُ بِهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْغُلَامِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لِقَرَابَتِهِ وَسَنِّهِ دُونَ الْأَشْيَاخِ فَاسْتَأْذَنَهُ تَأَدُّبًا، وَلِئَلَّا يُوحِشَهُمْ بِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْلِيمًا بِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ لِغَيْرِ الْأَيْمَنِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعْدٍ، وَيَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ طَعَامُ الْاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ»

ــ

١٧٢٦ - ١٦٧٦ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: طَعَامُ الِاثْنَيْنِ» ) الْمُشْبِعُ لَهُمَا (كَافِي الثَّلَاثَةِ) لِقُوتِهِمْ (وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ) الْمُشْبِعُ لَهُمْ (كَافِي الْأَرْبَعَةِ) قُوتًا.

وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» "، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ: " «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَإِنَّ طَعَامَ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَةَ، وَالْأَرْبَعَةَ، وَإِنَّ طَعَامَ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الْخَمْسَةَ، وَالسِّتَّةَ» "، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ، وَالتَّقَنُّعِ بِالْكِفَايَةِ، يَعْنِي: وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْحَصْرَ فِي مِقْدَارِ الْكِفَايَةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْمُوَاسَاةُ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلِاثْنَيْنِ إِدْخَالُ ثَالِثٍ لِطَعَامِهِمَا، وَرَابِعٍ أَيْضًا بِحَسَبِ مَنْ يَحْضُرُ.

وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مَا يُرْشِدُ إِلَى الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ، وَأَوَّلُهُ: " «كُلُوا جَمِيعًا، وَلَا تَفَرَّقُوا فَإِنَّ طَعَامَ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ» "، الْحَدِيثَ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْكِفَايَةَ تَنْشَأُ عَنْ بَرَكَةِ الِاجْتِمَاعِ، وَأَنَّ الْجَمْعَ كُلَّمَا كَثُرَ زَادَتِ الْبَرَكَةُ.

وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ يَضَعُ مِنْ بَرَكَتِهِ فِيهِ مَا وَضَعَ لِنَبِيِّهِ فَيَزِيدُ حَتَّى يَكْفِيَهُمْ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا إِذَا صَحَّتْ نِيَّتُهُمْ، وَانْطَلَقَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِهِ، فَإِنْ قَالُوا: لَا يَكْفِينَا قِيلَ لَهُمْ: الْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ.

وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْأَمَالِي: إِنْ أُرِيدَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْوَاقِعِ فَمُشْكِلٌ ; لِأَنَّ طَعَامَ الِاثْنَيْنِ لَا يَكْفِي إِلَّا اثْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَعْنًى آخَرُ فَمَا هُوَ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيْ أَطْعِمُوا طَعَامَ الِاثْنَيْنِ الثَّلَاثَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقُوتُ الثَّلَاثَ، وَأَخْبَرَنَا بِذَلِكَ لِئَلَّا نَجْزَعَ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ الثَّانِيَ مَعْلُومٌ، انْتَهَى.

وَرَوَى الْعَسْكَرِيُّ فِي الْمَوَاعِظِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «كُلُوا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ طَعَامَ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامَ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَةَ، وَالْأَرْبَعَةَ كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِي الْجَمَاعَةِ» "، فَيُؤْخَذُ

مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّرْطَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الْأَكْلِ، وَأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ طَعَامُ الِاثْنَيْنِ إِذَا كَانَا مُفْتَرِقَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ إِذَا أَكَلُوا مُجْتَمِعِينَ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اسْتِحْبَابُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ، وَأَنْ لَا يَأْكُلَ الْمَرْءُ وَحْدَهُ، انْتَهَى.

وَفِيهِ أَيْضًا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُوَاسَاةَ إِذَا حَصَلَتْ حَصَلَ مَعَهَا الْبَرَكَةُ، فَتَعُمُّ الْحَاضِرِينَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْتَحْقِرَ مَا عِنْدَهُ، فَيَمْتَنِعَ مِنْ تَقْدِيمِهِ، فَإِنَّ الْقَلِيلَ قَدْ يَحْصُلُ بِهِ الِاكْتِفَاءُ بِمَعْنَى حُصُولِ قِيَامِ الْبِنْيَةِ لَا حَقِيقَةَ الشِّبَعِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ عَامَ الرَّمَادَةِ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُنْزِلَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَ عَدَدِهِمْ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَهْلِكُ عَلَى مَلْءِ بَطْنِهِ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّ السُّلْطَانَ فِي الْمَسْغَبَةِ يُفَرِّقُ الْفُقَرَاءَ عَلَى أَهْلِ السَّعَةِ بِقَدْرٍ لَا يَضُرُّ بِهِمْ.

وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي الْأَطْعِمَةِ، الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَغْلِقُوا الْبَابَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ وَأَكْفِئُوا الْإِنَاءَ أَوْ خَمِّرُوا الْإِنَاءَ وَأَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غَلَقًا وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بَيْتَهُمْ»

ــ

١٧٢٧ - ١٦٧٧ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ تَدْرُسَ (الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَغْلِقُوا) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ - (الْبَابَ) حِرَاسَةً لِلنَّفْسِ، وَالْمَالِ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ، وَلَا سِيَّمَا الشَّيْطَانُ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ: " «أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، (وَأَوْكُوا) » - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ وَضَمِّ الْكَافِ بِلَا هَمْزٍ - شُدُّوَا وَارْبُطُوا، (السِّقَاءَ) - بِكَسْرِ السِّينِ: الْقِرْبَةُ، أَيْ شُدُّوا رَأْسَهَا بِالْوِكَاءِ، وَهُوَ الْخَيْطُ.

زَادَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: " وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ "، أَيْ لِمَنْعِ الشَّيْطَانِ وَاحْتِرَازًا مِنَ الْوَبَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ فِي لَيْلَةٍ مِنَ السَّنَةِ كَمَا رُوِيَ، وَيُقَالُ: إِنَّهَا فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ.

(وَأَكْفِئُوا الْإِنَاءَ) ، قَالَ عِيَاضٌ: بِقَطْعِ الْأَلِفِ، وَكَسْرِ الْفَاءِ رُبَاعِيٌّ، وَبِوَصْلِهَا، وَضَمِّ الْفَاءِ ثُلَاثِيٌّ، وَهُمَا صَحِيحَانِ، أَيِ اقْلِبُوهُ، وَلَا تَتْرُكُوهُ لِلَعْقِ الشَّيْطَانِ، وَلَحْسِ الْهَوَامِّ وَذَوَاتِ الْأَقْذَارِ.

(أَوْ خَمِّرُوا) - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ الثَّقِيلَةِ -: غَطُّوا

(الْإِنَاءَ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَفْظُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيِ اكْفُوهُ إِنْ كَانَ فَارِغًا، أَوْ خَمِّرُوهُ إِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ قَالَهُ الْبَاجِيُّ.

وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ: " وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ: " «وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْهَا بِعُودٍ»(وَأَطْفِئُوا) - بِهَمْزَةِ قَطْعٍ، وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الْفَاءِ، ثُمَّ هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ -، (الْمِصْبَاحَ) : السِّرَاجَ، زَادَ

فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: " إِذَا رَقَدْتُمْ " (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ: " فَإِنَّ الْجِنَّ "، وَلَا تَضَادَّ بَيْنَهُمَا إِذْ لَا مَحْذُورَ فِي انْتِشَارِ الصِّنْفَيْنِ، إِذْ هُمَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ يَخْتَلِفَانِ بِالصِّفَاتِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ (لَا يَفْتَحُ غَلَقًا) - بِفَتْحِ الْغَيْنِ، وَاللَّامِ - إِذَا ذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ.

وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: " «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا» ، (وَلَا يَحُلُّ) - بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَضَمِّ الْحَاءِ - (وِكَاءً) : خَيْطًا رُبِطَ بِهِ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

(وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً) غُطِّيَ أَوْ كُفِئَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

فَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: " «وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرِضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ» وَفِي أَبِي دَاوُدَ: " «وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا» "، أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْغَلْقُ الْحَقِيقِيُّ.

وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: فَإِنَّهُمْ، أَيِ الشَّيَاطِينَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي التَّسَوُّرِ.

وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ.

قَالَ الْحَافِظُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُسْلِمٍ وَالْأَرْبَعَةِ مَرْفُوعًا: " «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمْ» قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُوَجَّهَ قَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ، عَلَى عُمُومِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخُصَّ بِمَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَنْعَ لِأَمْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِجِسْمِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِمَانِعٍ مِنَ اللَّهِ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ جِسْمِهِ، قَالَ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ دُخُولِ الشَّيْطَانِ الْخَارِجِ، فَأَمَّا الشَّيْطَانُ الَّذِي كَانَ دَاخِلًا فَلَا يَدُلُّ الْخَبَرُ عَلَى خُرُوجِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِتَخْفِيفِ الْمَفْسَدَةِ لَا دَفْعِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الْإِغْلَاقِ تَقْتَضِي طَرْدَ مَنْ فِي الْبَيْتِ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ مِنِ ابْتِدَاءِ الْإِغْلَاقِ إِلَى تَمَامِهِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ مَشْرُوعِيَّةَ غَلْقِ الْفَمِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْأَبْوَابِ، انْتَهَى.

(وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ) - بِتَصْغِيرِ التَّحْقِيرِ - (تُضْرِمُ) - بِضَمِّ التَّاءِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ - أَيْ تُوقِدُ (عَلَى النَّاسِ) ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ: عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ (بَيْتَهُمْ) ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ " ثِيَابَهُمْ وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: وَالْفُوَيْسِقَةُ تُضْرِمُ الْبَيْتَ عَلَى أَهْلِهِ، وَالضَّرَمَةُ بِالتَّحْرِيكِ النَّارُ وَالضِّرَامُ لَهَبُ النَّارِ.

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ: " «فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ، فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ» وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ، فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَاحْتَرَقَ فِيهَا مَوْضِعُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا فَتَحْرُقُكُمْ» وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ يَزِيدِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ: " «أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا

سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، لِمَ سُمِّيَتِ الْفَأْرَةُ الْفُوَيْسِقَةَ؟ قَالَ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ أَخَذَتْ فَأْرَةٌ فَتِيلَةً لِتَحْرِقَ عَلَيْهِ الْبَيْتَ، فَقَامَ إِلَيْهَا وَقَتَلَهَا وَأَحَلَّ قَتْلَهَا لِلْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ» "، فَفِي هَذَا بَيَانُ سَبَبِ الْأَمْرِ بِالْإِطْفَاءِ، وَالسَّبَبُ الْحَامِلُ لِلْفَأْرَةِ عَلَى جَرِّ الْفَتِيلَةِ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَعِينُ وَهُوَ عَدُوُّ الْإِنْسَانِ بِعَدْوٍ آخَرَ وَهِيَ النَّارُ، وَالْأَوَامِرُ الْمَذْكُورَةُ لِلْإِرْشَادِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالِاسْتِحْبَابُ خُصُوصًا مَنْ يَنْوِي بِفِعْلِهَا الِامْتِثَالَ.

وَفِي الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا: " «لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ» قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الْمِصْبَاحُ وَغَيْرُهُ.

وَأَمَّا الْقَنَادِيلُ الْمُعَلَّقَةُ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ خِيفَ حَرِيقٌ بِسَبَبِهَا دَخَلَتْ فِي الْأَمْرِ، وَإِنَّ أُمِنَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا لِلْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَ بِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِذَا انْتَفَتِ الْعِلَّةُ زَالَ الْمَانِعُ.

وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ، وَزُهَيْرٌ، وَسُفْيَانُ كُلُّهُمْ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بِنَحْوِهِ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرٍ بِنَحْوِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُطْرَحُ لَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ فَيَأْكُلُهُ حَتَّى يَأْكُلَ حَشَفَهَا

ــ

١٧٣٦ - ١٦٨٦ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ) عَمِّهِ (أَنَسِ بْنِ

مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، يُطْرَحُ) : يُلْقَى، (لَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ فَيَأْكُلُهُ حَتَّى يَأْكُلَ حَشَفَهَا) : يَابِسَهَا الرَّدِيءَ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ الْجَرَادِ فَقَالَ وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدِي قَفْعَةً نَأْكُلُ مِنْهُ

ــ

١٧٣٦ - ١٦٨٧ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ) مَوْلَاهُ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنِ الْجَرَادِ، فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدَنَا مِنْهُ قَفْعَةً) - بِفَتْحِ الْقَافِ، وَإِسْكَانِ الْفَاءِ، ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ - قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالزِّنْبِيلِ مِنَ الْخُوصِ، لَيْسَ لَهُ عُرَى، وَلَيْسَ بِالْكَبِيرِ، وَقِيلَ: شَيْءٌ كَالْقُفَّةِ تُتَّخَذُ وَاسِعَةَ الْأَسْفَلِ، ضَيِّقَةَ الْأَعْلَى (نَأْكُلُ مِنْهُ) لِإِذْهَابِهِ الْجُوعَ بِدُونِ تَرَفُّهٍ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»

ــ

١٧٣٨ - ١٦٨٩ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ) التَّابِعِيِّ، (أَنَّهُ قَالَ) مُرْسَلًا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَيَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، فَقَالَا: عَنْ مَالِكٍ عَنْ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ مَوْصُولًا، أَخْرَجَهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْأَوَّلُ النَّسَائِيُّ، وَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ الْحَافِظُ: وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ إِرْسَالُهُ كَعَادَتِهِ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ عَنْ وَهْبٍ مُرْسَلًا كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُصَرِّحْ بِوَصْلِهِ، وَلَعَلَّهُ وَصَلَهُ مَرَّةً فَحَفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ خَالِدٌ، وَيَحْيَى وَهُمَا ثِقَتَانِ، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ سَمَاعِ وَهْبٍ مِنْ عُمَرَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: (أُتِيَ) - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ - (رَسُولُ اللَّهِ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ) ابْنُ زَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ (عُمَرُ) - بِضَمِّ الْعَيْنِ - (بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) الصَّحَابِيُّ ابْنُ الصَّحَابِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ: " «أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ» "، وَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ: " كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ "، (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : يَا غُلَامُ (سَمِّ اللَّهَ) طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْعًا لَهُ مِنَ الْأَكْلِ فَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: أَقَلُّهَا بِسْمِ اللَّهِ، وَأَفْضَلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَرَ لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْأَفْضَلِيَّةِ دَلِيلًا خَاصًّا.

وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ اللُّقْمَةِ الْأُولَى: بِسْمِ اللَّهِ، وَالثَّانِيَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ، وَالثَّالِثَةِ: الْبَسْمَلَةَ بِتَمَامِهَا، فَإِنْ سَمَّى مَعَ كُلِّ لُقْمَةٍ، فَهُوَ أَحْسَنُ حَتَّى لَا يَشْغَلَهُ الْأَكْلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَيَزِيدُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَيْضًا: لَمْ أَرَ لِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ دَلِيلًا، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ خِلَافُهُ، وَمِنْ أَصَرَحِهَا حَدِيثُ أَحْمَدَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ» "، (وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) ، اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مِمَّا لَا يَلِي ; لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْ مَوْضِعِ يَدِ صَاحِبِهِ سُوءُ عِشْرَةٍ، وَتَرْكُ مَوَدَّةٍ لِنُفُورِ النَّفْسِ لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاقِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْحِرْصِ وَالنَّهَمِ وَسُوءِ الْأَدَبِ وَأَشْبَاهِهَا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ لَوْنٍ أَوْ تَمْرًا جَازَ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِمَّا يَلِيهِ، وَإِذَا أُتِيَ بِالتَّمْرِ جَالَتْ يَدُهُ فِيهِ» "، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ

وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: " «أَخَذَ بِيَدِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ فَأَتَيْنَا بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَدَكِ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا فَخَبَطْتُ بِيَدِي فِي نَوَاحِيهَا، وَأَكَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَقَبَضَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدَيَّ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَالَ: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانُ التَّمْرِ، أَوِ الرُّطَبِ، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَجَالَتْ يَدُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّبَقِ، فَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» "، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ تُقَوِّيهِ.

زَادَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ: " وَكُلْ بِيَمِينِكَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ - بِكَسْرِ الطَّاءِ - أَيْ لَزِمْتُ ذَلِكَ وَصَارَ لِي عَادَةً "، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالضَّمِّ يُقَالُ: طُعْمٌ إِذَا أُكِلَ، وَالطُّعْمَةُ: الْأَكْلُ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ مَا مَرَّ مِنْ الِابْتِدَاءِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ، وَالْأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ، وَبَعْدُ بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ، أَيِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ صَنِيعِي فِي الْأَكْلِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ الرَّجُلَ كَيْفَ أَنْتَ فَقَالَ أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ فَقَالَ عُمَرُ ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ

ــ

١٧٩٢ - ١٧٤٦ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ) عَمِّهِ (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ) - جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ - (فَرَدَّ) عُمَرُ (عَلَيْهِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَأَلَ

عُمَرُ الرَّجُلَ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ؟) أَيْ مَا حَالُكَ (فَقَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ: ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ) ; لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى النِّعَمِ يَسْتَدْعِي زِيَادَتَهَا {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: ٧] (سورة إِبْرَاهِيمَ: الْآيَةَ: ٧) ، وَقَدِ اقْتَدَى عُمَرُ بِالْمُصْطَفَى فِي ذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلَانُ؟ فَقَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ» ".

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ قَالَ فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَاطٍ وَلَا صَاحِبِ بِيعَةٍ وَلَا مِسْكِينٍ وَلَا أَحَدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ الطُّفَيْلُ فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ فَقُلْتُ لَهُ وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيِّعِ وَلَا تَسْأَلُ عَنْ السِّلَعِ وَلَا تَسُومُ بِهَا وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ قَالَ وَأَقُولُ اجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثُ قَالَ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَا أَبَا بَطْنٍ وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَنَا

ــ

١٧٩٣ - ١٧٤٧ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ الطُّفَيْلَ) - بِضَمِّ الطَّاءِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ - (ابْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ، ثِقَةٌ، يُقَالُ: وُلِدَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ، (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ، (فَيَغْدُو) - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ - (مَعَهُ إِلَى السُّوقِ، قَالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ لَمْ يَمْرُرْ) بِالْفَكِّ، وَفِي نُسْخَةٍ: " يَمُرَّ " بِالْإِدْغَامِ (عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى سَقَّاطٍ) - بِفَتْحِ السِّينِ، وَالْقَافِ - بَائِعٌ رَدِيءُ الْمَتَاعِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: سَقَطِيٌّ، وَالْمَتَاعُ الرَّدِيءُ: سَقَطٌ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَسْقَاطٍ، (وَلَا صَاحِبِ بِيعَةٍ) - بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ - قَالَ الْهَرَوِيُّ: مِنَ الْبَيْعِ كَالرِّكْبَةِ، وَالشِّرْبَةِ، وَالْقِعْدَةِ، وَالسَّقَّاطُ: بَيَّاعُ السَّقَطِ، (وَلَا مِسْكِينٍ وَلَا أَحَدٍ) عَامٌّ قُدِّمَ عَلَيْهِ الْخَاصُّ اهْتِمَامًا بِهِ، (إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا) ، أَيْ فِي يَوْمٍ، (فَاسْتَتْبَعَنِي) : طَلَبَ مِنِّي أَنْ أَتْبَعَهُ (إِلَى السُّوقِ فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيِّعِ) - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ - مَكْسُورَةً مِثْلَ بَائِعٍ، (وَلَا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ) ، جَمْعُ سِلْعَةٍ، (وَلَا تَسُومُ بِهَا، وَلَا تَجْلِسُ فِي) مَجَالِسِ (السُّوقِ؟ وَقَالَ الطُّفَيْلُ: وَأَقُولُ لَهُ: اجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثُ) ، وَلَا نَذْهَبُ إِلَى السُّوقِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لَهُ، (قَالَ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا بَطْنٍ، وَكَانَ الطُّفَيْلُ

ذَا بَطْنٍ) عَظِيمٍ، فَكَأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: أَبُو بَطْنٍ لِعِظَمِ بَطْنِهِ، (إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَنَا) ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «أَفْشُوا السَّلَامَ، فَإِنَّهُ لِلَّهِ رِضًا» "، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ: الْأَمْرُ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ؛ وَلِقَوْلِهِ لِمَنْ سَأَلَهُ: " «أَيُّ خِصَالِ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» " كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَضَعَهُ فِي الْأَرْضِ، فَأَفْشُوهُ بَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى الْقَوْمِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضَلُ دَرَجَةٍ ; لِأَنَّهُ ذَكَّرَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَأَطْيَبُ "، أَسْنَدَهُ أَبُو عُمَرَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.1 / 29.5
الإضاءة 88%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
الله أكبر