٢٥ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢١٧١

الحديث رقم ٢١٧١ من كتاب «كتاب الجامع» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في الطاعون.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: ٢٥ - وحدثني عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن…

٢٥ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ مِنْ سَرْغَ، عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: ٢٥ - وحدثني عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن…

عن بجالة قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية، و كان والي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالأهواز عم الأحنف أي: ابن قيس، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب، قبل موته بسنة: فرقوا في النكاح بين كل ذي محرم من المجوس، بمنع المجوسي الذمي عن نكاح المحرم كالأخت والأم والبنت؛ لأنه شعار مخالف للإسلام، فلا يُمَكَّنون منه، وإن كان من دينهم، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، وهجر بلدة في البحرين.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الجزية تُضرب على المجوس باتفاق، ولا فرق بين مجوس هجر وغيرهم.
  • في الحديث قبول خبر الواحد.
  • أن الصحابي الجليل قد يغيب عنه علم ما اطلع عليه غيره من أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحكامه وأنه لا نقص عليه في ذلك.
  • فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعتبر شرعا؛ لأن العلماء استدلوا بهذا الحديث على أخذ الجزية.
  • منع الزواج من المحارم كالأم والبنت ولو وقع من المجوسي الذمي ؛ لأنه شعار مخالف للإسلام، فلا يمكنون منه، ويفرق بينهم إن وقع.
  • جواز أن يتخذ الوالي كاتبًا مختصًّا بالكتابة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: ٢٥ - وحدثني عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ»

ــ

١٦٧٩ - ١٦٢٩ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ بِالْمَدِينَةِ (عَنْ) أَبِيهِ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ) زَادَ التِّنِّيسِيُّ: مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ: " مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ " وَمَرَّ بِمَعْنَى اجْتَازَ يُعَدَّى بِعَلَى وَبِالْبَاءِ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا وَلَا خُلْفَ فَلَمَّا مَرَّ بِهِ سَمِعَهُ " ( «وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ» ) نَسَبًا أَوْ دِينًا، قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الْوَاعِظِ وَلَا أَخِيهِ (فِي الْحَيَاءِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ: يَلُومُهُ عَلَى كَثْرَتِهِ وَأَنَّهُ أَضَرَّ بِهِ وَمَنَعَهُ مِنْ بُلُوغِ حَاجَتِهِ انْتَهَى.

وَهَذَا حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِمَا فِي طَرِيقٍ آخَرَ.

قَالَ الْحَافِظُ: قَوْلُهُ يَعِظُ، أَيْ: يَنْصَحُ أَوْ يُخَوِّفُ أَوْ يُذَكِّرُ كَذَا شَرَحُوهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُشْرَحَ بِمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَلَفْظُهُ: «يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ» يَقُولُ إِنَّكَ لَتَسْتَحِي؛ حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ الْحَيَاءُ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ لَهُ الْعِتَابَ وَالْوَعْظَ فَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، لَكِنَّ الْمَخْرَجَ مُتَّحِدٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ بِحَسَبَ مَا اعْتُقِدَ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مِنْهَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ وَ " فِي " سَبَبِيَّةٌ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ كَثِيرَ الْحَيَاءِ فَكَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ عَنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَعَاتَبَهُ أَخُوهُ عَلَى ذَلِكَ.

( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْهُ» ) أَيِ اتْرُكْهُ عَلَى هَذَا الْخُلُقِ السَّنِيِّ، ثُمَّ زَادَهُ تَرْغِيبًا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ( «فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ» ) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ: مِنْ شَرَائِعِهِ انْتَهَى.

وَ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: " «الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ".

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِنَّمَا صَارَ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ الْمُكْتَسَبِ وَهُوَ جِبِلَّةٌ لِمَا يُفِيدُ مِنَ الْكَفِّ عَمَّا لَا يَحْسُنُ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِفَائِدَتِهِ عَلَى أَحَدِ قِسْمَيِ الْمَجَازِ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: وَإِذَا كَانَ الْحَيَاءُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّ نَفْسِهِ جَرَّ لَهُ ذَلِكَ تَحْصِيلَ أَجْرِ ذَلِكَ الْحَقِّ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ لَهُ مُسْتَحِقًّا.

وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ ارْتِكَابِ

الْمَعَاصِي كَمَا يَمْنَعُ الْإِيمَانُ، فَسُمِّيَ إِيمَانًا كَمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ مَا قَامَ مَقَامَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ إِطْلَاقَ كَوْنِهِ مِنَ الْإِيمَانِ مَجَازٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّاهِيَ مَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَيَاءَ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْإِيمَانِ ; فَلِهَذَا وَقَعَ التَّأْكِيدُ، وَقَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَضِيَّةَ نَفْسَهَا مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنْكَرٌ انْتَهَى.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَزَجْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْوَاعِظِ لِعِلْمِهِ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَضُرُّهُ كَثْرَةُ الْحَيَاءِ وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ كَثْرَتُهُ مَذْمُومَةً، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْوَعْظِ بِالْعِتَابِ وَاللَّوْمِ بِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ فَإِنَّ مَعْنَى الْوَعْظِ الزَّجْرُ وَبِهِ فَسَّرَهُ التَّيْمِيُّ هُنَا، وَمَعْنَى الْعَتْبِ الْوَجْدُ، يُقَالُ: عَتَبَ عَلَيْهِ إِذَا وَجَدَ، عَلَى أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ جَلِيلَيْنِ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقًّا حَتَّى يُفَسَّرَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ وَعَظَ أَخَاهُ فِي اسْتِعْمَالِ الْحَيَاءِ وَعَاتَبَهُ عَلَيْهِ، وَالرَّاوِي حَكَى فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ بِلَفْظِ الْوَعْظِ وَفِي الْآخَرِ بِلَفْظِ الْمُعَاتَبَةِ انْتَهَى.

وَالْحَافِظُ أَبْدَى هَذَا احْتِمَالًا ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ، وَتَفْسِيرُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ لَيْسَ لِلْخَفَاءِ إِنَّمَا هُوَ لِلِاتِّحَادِ، فَالرِّوَايَاتُ لَا سِيَّمَا الْمُتَّحِدَةَ الْمُخْرِجِ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَإِنْ سَلِمَ بَعْدَهُ لُغَةً فَلَا مَعْنَى لِهَذَا التَّعْقِيبِ سِوَى تَسْوِيدِ وَجْهِ الطِّرْسِ بِالتَّغْبِيرِ فِي وُجُوهِ الْحِسَانِ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْحَيَاءِ وَأَجْلُهُ الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: خَفِ اللَّهَ عَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ وَاسْتَحْيِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ الْمَعَاصِيَ نَذَالَةً فَتَرَكْتُهَا مُرُوءَةً فَصَارَتْ دِينًا، وَقَدْ يَتَوَلَّدُ الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ التَّقَلُّبِ فِي نِعَمِهِ فَيَسْتَحْيِي الْعَاقِلُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَعْصِيَتِهِ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْإِيمَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَهُ فِي الْأَدَبِ مِنْ صَحِيحِهِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوُهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»

ــ

١٦٨١ - ١٦٣١ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ» ) أَيِ الْقَوِيُّ (بِالصُّرَعَةِ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، أَيِ: الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ صَرْعُ النَّاسِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَ الشِّدَّةِ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ شِدَّتَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالنِّهَايَةِ فِي الشِّدَّةِ مِنْهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ أَوْ أَرَادَ أَنَّهَا شِدَّةٌ لَيْسَ لَهَا كَبِيرُ مَنْفَعَةٍ، وَإِنَّمَا الشِّدَّةُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا شِدَّةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ كَقَوْلِهِمْ: لَا كِرِيمَ إِلَّا يُوسُفُ، لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْكَرَمِ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا أُرِيدَ إِثْبَاتُ مَزِيَّةٍ لَهُ فِي الْكَرَمِ.

وَكَذَا: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفِقَارِ، وَلَا شُجَاعَ إِلَّا عَلِيٌّ انْتَهَى.

فَالنَّفْيُ لِلْمُبَالَغَةِ، أَيْ: لَيْسَ الْقَوِيُّ الَّذِي يَصْرَعُ أَبْطَالَ الرِّجَالِ وَيُلْقِيهِمْ إِلَى الْأَرْضِ بِقُوَّةٍ ( «إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» ) بِأَنْ لَا يَفْعَلَ مُوجِبَاتِ الْغَضَبِ فَإِنَّهُ إِذَا مَلَكَهَا كَانَ هُوَ الشَّدِيدَ الْكَامِلَ لِأَنَّهُ قَهَرَ أَكْبَرَ أَعْدَائِهِ إِذْ مَنْ عَدَاهَا أَذَاهُ دُونَهَا لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ، وَأَقَلُّهَا أَشَدُّ مِنْ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا وَقَهْرِ شَرِّ خُصُومِهِ لِخَبَرِ: " «أَعْدَى عَدُوٍّ لَكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ» " وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْ مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ لِضَرْبٍ مِنَ الْمَجَازِ وَالتَّوَسُّعِ وَهُوَ مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ وَبَلِيغِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَضْبَانُ بِحَالَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ الْغَيْظِ وَقَدْ ثَارَتْ عَلَيْهِ شِدَّةٌ مِنَ الْغَضَبِ فَقَهَرَهَا بِحِلْمِهِ وَصَرَعَهَا بِثَبَاتِهِ وَعَدَمِ عَمَلِهِ بِمُقْتَضَى الْغَضَبِ كَانَ كَالصُّرَعَةِ الَّذِي يَصْرَعُ الرِّجَالَ وَلَا يَصْرَعُونَهُ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَحُفَظَةٍ وَضُحَكَةٍ وَخُدَعَةٍ، وَالصُّرْعَةُ بِسُكُونِ الرَّاءِ بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعُهُ غَيْرُهُ كَثِيرًا، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ كَهُمَزَةٍ وَمَا بَعْدَهُ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَا الصَّرَعَةَ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِهَا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ عَكْسُ الْمَطْلُوبِ، قَالَ: وَضُبِطَ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: " «مَا تَعُدُّونَ الصَّرْعَةَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: الَّذِي لَا تَصْرَعُهُ الرِّجَالُ» " وَعِنْدَ الْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يَصْطَرِعُونَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: فُلَانٌ مَا يُصَارِعُ أَحَدًا إِلَّا صَرَعَهُ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى

مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ؟ رَجُلٌ كَلَّمَهُ رَجُلٌ وَكَظَمَ غَيْظَهُ فَغَلَبَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانُهُ صَاحِبَهُ» " وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا: " «لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ إِنَّمَا الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ» " وَحَدِيثُ الْبَابِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى وَعَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ»

ــ

١٦٧٩ - ١٦٢٩ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ بِالْمَدِينَةِ (عَنْ) أَبِيهِ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ) زَادَ التِّنِّيسِيُّ: مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ: " مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ " وَمَرَّ بِمَعْنَى اجْتَازَ يُعَدَّى بِعَلَى وَبِالْبَاءِ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا وَلَا خُلْفَ فَلَمَّا مَرَّ بِهِ سَمِعَهُ " ( «وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ» ) نَسَبًا أَوْ دِينًا، قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الْوَاعِظِ وَلَا أَخِيهِ (فِي الْحَيَاءِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ: يَلُومُهُ عَلَى كَثْرَتِهِ وَأَنَّهُ أَضَرَّ بِهِ وَمَنَعَهُ مِنْ بُلُوغِ حَاجَتِهِ انْتَهَى.

وَهَذَا حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِمَا فِي طَرِيقٍ آخَرَ.

قَالَ الْحَافِظُ: قَوْلُهُ يَعِظُ، أَيْ: يَنْصَحُ أَوْ يُخَوِّفُ أَوْ يُذَكِّرُ كَذَا شَرَحُوهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُشْرَحَ بِمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَلَفْظُهُ: «يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ» يَقُولُ إِنَّكَ لَتَسْتَحِي؛ حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ الْحَيَاءُ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ لَهُ الْعِتَابَ وَالْوَعْظَ فَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، لَكِنَّ الْمَخْرَجَ مُتَّحِدٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ بِحَسَبَ مَا اعْتُقِدَ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مِنْهَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ وَ " فِي " سَبَبِيَّةٌ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ كَثِيرَ الْحَيَاءِ فَكَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ عَنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَعَاتَبَهُ أَخُوهُ عَلَى ذَلِكَ.

( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْهُ» ) أَيِ اتْرُكْهُ عَلَى هَذَا الْخُلُقِ السَّنِيِّ، ثُمَّ زَادَهُ تَرْغِيبًا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ( «فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ» ) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ: مِنْ شَرَائِعِهِ انْتَهَى.

وَ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: " «الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ".

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِنَّمَا صَارَ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ الْمُكْتَسَبِ وَهُوَ جِبِلَّةٌ لِمَا يُفِيدُ مِنَ الْكَفِّ عَمَّا لَا يَحْسُنُ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِفَائِدَتِهِ عَلَى أَحَدِ قِسْمَيِ الْمَجَازِ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: وَإِذَا كَانَ الْحَيَاءُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّ نَفْسِهِ جَرَّ لَهُ ذَلِكَ تَحْصِيلَ أَجْرِ ذَلِكَ الْحَقِّ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ لَهُ مُسْتَحِقًّا.

وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ ارْتِكَابِ

الْمَعَاصِي كَمَا يَمْنَعُ الْإِيمَانُ، فَسُمِّيَ إِيمَانًا كَمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ مَا قَامَ مَقَامَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ إِطْلَاقَ كَوْنِهِ مِنَ الْإِيمَانِ مَجَازٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّاهِيَ مَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَيَاءَ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْإِيمَانِ ; فَلِهَذَا وَقَعَ التَّأْكِيدُ، وَقَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَضِيَّةَ نَفْسَهَا مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنْكَرٌ انْتَهَى.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَزَجْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْوَاعِظِ لِعِلْمِهِ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَضُرُّهُ كَثْرَةُ الْحَيَاءِ وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ كَثْرَتُهُ مَذْمُومَةً، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْوَعْظِ بِالْعِتَابِ وَاللَّوْمِ بِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ فَإِنَّ مَعْنَى الْوَعْظِ الزَّجْرُ وَبِهِ فَسَّرَهُ التَّيْمِيُّ هُنَا، وَمَعْنَى الْعَتْبِ الْوَجْدُ، يُقَالُ: عَتَبَ عَلَيْهِ إِذَا وَجَدَ، عَلَى أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ جَلِيلَيْنِ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقًّا حَتَّى يُفَسَّرَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ وَعَظَ أَخَاهُ فِي اسْتِعْمَالِ الْحَيَاءِ وَعَاتَبَهُ عَلَيْهِ، وَالرَّاوِي حَكَى فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ بِلَفْظِ الْوَعْظِ وَفِي الْآخَرِ بِلَفْظِ الْمُعَاتَبَةِ انْتَهَى.

وَالْحَافِظُ أَبْدَى هَذَا احْتِمَالًا ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ، وَتَفْسِيرُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ لَيْسَ لِلْخَفَاءِ إِنَّمَا هُوَ لِلِاتِّحَادِ، فَالرِّوَايَاتُ لَا سِيَّمَا الْمُتَّحِدَةَ الْمُخْرِجِ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَإِنْ سَلِمَ بَعْدَهُ لُغَةً فَلَا مَعْنَى لِهَذَا التَّعْقِيبِ سِوَى تَسْوِيدِ وَجْهِ الطِّرْسِ بِالتَّغْبِيرِ فِي وُجُوهِ الْحِسَانِ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْحَيَاءِ وَأَجْلُهُ الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: خَفِ اللَّهَ عَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ وَاسْتَحْيِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ الْمَعَاصِيَ نَذَالَةً فَتَرَكْتُهَا مُرُوءَةً فَصَارَتْ دِينًا، وَقَدْ يَتَوَلَّدُ الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ التَّقَلُّبِ فِي نِعَمِهِ فَيَسْتَحْيِي الْعَاقِلُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَعْصِيَتِهِ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْإِيمَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَهُ فِي الْأَدَبِ مِنْ صَحِيحِهِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوُهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»

ــ

١٦٨١ - ١٦٣١ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ» ) أَيِ الْقَوِيُّ (بِالصُّرَعَةِ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، أَيِ: الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ صَرْعُ النَّاسِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَ الشِّدَّةِ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ شِدَّتَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالنِّهَايَةِ فِي الشِّدَّةِ مِنْهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ أَوْ أَرَادَ أَنَّهَا شِدَّةٌ لَيْسَ لَهَا كَبِيرُ مَنْفَعَةٍ، وَإِنَّمَا الشِّدَّةُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا شِدَّةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ كَقَوْلِهِمْ: لَا كِرِيمَ إِلَّا يُوسُفُ، لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْكَرَمِ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا أُرِيدَ إِثْبَاتُ مَزِيَّةٍ لَهُ فِي الْكَرَمِ.

وَكَذَا: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفِقَارِ، وَلَا شُجَاعَ إِلَّا عَلِيٌّ انْتَهَى.

فَالنَّفْيُ لِلْمُبَالَغَةِ، أَيْ: لَيْسَ الْقَوِيُّ الَّذِي يَصْرَعُ أَبْطَالَ الرِّجَالِ وَيُلْقِيهِمْ إِلَى الْأَرْضِ بِقُوَّةٍ ( «إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» ) بِأَنْ لَا يَفْعَلَ مُوجِبَاتِ الْغَضَبِ فَإِنَّهُ إِذَا مَلَكَهَا كَانَ هُوَ الشَّدِيدَ الْكَامِلَ لِأَنَّهُ قَهَرَ أَكْبَرَ أَعْدَائِهِ إِذْ مَنْ عَدَاهَا أَذَاهُ دُونَهَا لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ، وَأَقَلُّهَا أَشَدُّ مِنْ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا وَقَهْرِ شَرِّ خُصُومِهِ لِخَبَرِ: " «أَعْدَى عَدُوٍّ لَكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ» " وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْ مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ لِضَرْبٍ مِنَ الْمَجَازِ وَالتَّوَسُّعِ وَهُوَ مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ وَبَلِيغِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَضْبَانُ بِحَالَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ الْغَيْظِ وَقَدْ ثَارَتْ عَلَيْهِ شِدَّةٌ مِنَ الْغَضَبِ فَقَهَرَهَا بِحِلْمِهِ وَصَرَعَهَا بِثَبَاتِهِ وَعَدَمِ عَمَلِهِ بِمُقْتَضَى الْغَضَبِ كَانَ كَالصُّرَعَةِ الَّذِي يَصْرَعُ الرِّجَالَ وَلَا يَصْرَعُونَهُ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَحُفَظَةٍ وَضُحَكَةٍ وَخُدَعَةٍ، وَالصُّرْعَةُ بِسُكُونِ الرَّاءِ بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعُهُ غَيْرُهُ كَثِيرًا، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ كَهُمَزَةٍ وَمَا بَعْدَهُ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَا الصَّرَعَةَ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِهَا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ عَكْسُ الْمَطْلُوبِ، قَالَ: وَضُبِطَ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: " «مَا تَعُدُّونَ الصَّرْعَةَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: الَّذِي لَا تَصْرَعُهُ الرِّجَالُ» " وَعِنْدَ الْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يَصْطَرِعُونَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: فُلَانٌ مَا يُصَارِعُ أَحَدًا إِلَّا صَرَعَهُ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى

مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ؟ رَجُلٌ كَلَّمَهُ رَجُلٌ وَكَظَمَ غَيْظَهُ فَغَلَبَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانُهُ صَاحِبَهُ» " وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا: " «لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ إِنَّمَا الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ» " وَحَدِيثُ الْبَابِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى وَعَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله