«نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٦٦٢

الحديث رقم ٦٦٢ من كتاب «كتاب الجنائز» في موطأ مالك، تحت باب: باب التكبير على الجنائز.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه…

«نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، ⦗٢٢٧⦘ فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ»

سند حديث: ١٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ…

١٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[بَاب التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ»

ــ

٥ - بَابُ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ

اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي عَدَدِهِ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يُكَبَّرُ خَمْسًا، وَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَكَبَّرَ خَمْسًا. وَكَانَ عَلِيٌّ يُكَبِّرُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سِتًّا، وَعَلَى الصَّحَابَةِ خَمْسًا، وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ أَرْبَعًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ثَلَاثًا رَوَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا أَرْبَعًا، وَجَمْعٍ بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى الثَّلَاثَ مُجْزِئَةً وَالْأَرْبَعَ أَكْمَلَ مِنْهَا، أَوْ مَنْ أُطْلِقَ عَنْهُ الثَّلَاثُ لَمْ يَذْكُرِ الْأُولَى ; لِأَنَّهَا افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ، فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ التَّكْبِيرُ ثَلَاثًا فَقِيلَ لَهُ أَرْبَعٌ، قَالَ: أَجَلْ غَيْرَ أَنَّ وَاحِدَةً هِيَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ. وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي وَائِلٍ: كَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا وَأَرْبَعًا فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعٍ كَأَطْوَلِ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْأَرْبَعِ وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَشَذَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فَقَالَ خَمْسًا.

٥٣٠ - ٥٣٢ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ) بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ بِكَسْرٍ وَخِفَّةِ الْجِيمِ، وَأَخْطَأَ مَنْ شَدَّدَهَا، وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ، وَحَكَى الْمُطَرِّزِيُّ التَّخْفِيفَ وَرَجَّحَهُ الصَّغَانِيُّ، وَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ، وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ بْنُ أَبْحَرَ، مَلِكُ الْحَبَشَةِ، أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ، وَكَانَ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ نَافِعًا، وَأَصْحَمَةُ بِوَزْنِ أَرْبَعَةٍ وَحَاؤُهُ مُهْمَلَةٌ وَقِيلَ مُعْجَمَةٌ، وَقِيلَ بِمُوَحَّدَةٍ بَدَلَ الْمِيمِ، وَقِيلَ: صُحْمَةُ بِلَا أَلِفٍ، وَقِيلَ كَذَلِكَ لَكِنْ بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الصَّادِ، وَقِيلَ بِمِيمٍ أَوَّلَهُ بَدَلَ الْأَلِفِ، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ فِي اسْمِهِ سِتَّةُ أَلْفَاظٍ لَمْ أَرَهَا مَجْمُوعَةً، وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ قَالَهُ فِي الْإِصَابَةِ. (لِلنَّاسِ) أَيْ أَخْبَرَهُمْ بِمَوْتِهِ (فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَجَمَاعَةٌ، وَقِيلَ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَفِيهِ جَوَازُ الْإِعْلَامِ بِالْجَنَازَةِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ، وَالنَّعْيُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ صِيَاحٌ، خِلَافًا لِمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْإِعْلَامِ بِالْمَوْتِ لِلِاجْتِمَاعِ لِجَنَازَتِهِ، وَفِي حَدِيثِ: " «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَذَا» "، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ يَبْلُغُونَ مِائَةً فَيَشْفَعُونَ

لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» " دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ خَيْرٌ، وَالدُّعَاءُ إِلَى الْخَيْرِ خَيْرٌ إِجْمَاعًا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ: الْأُولَى: إِعْلَامُ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ، فَهَذَا سُنَّةٌ. الثَّانِيَةُ: دَعْوَةُ الْجَفَلَى لِلْمُفَاخَرَةِ، فَهَذَا يُكْرَهُ. الثَّالِثَةُ: الْإِعْلَامُ بِالنِّيَاحَةِ وَنَحْوِهَا، فَهَذَا يَحْرُمُ.

وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَقِيلٍ وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نُعِيَ لَنَا النَّجَاشِيُّ يَوْمَ مَاتَ فَقَالَ: " «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ» " (وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى) مَكَانٌ بِبَطْحَانَ، فَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: فَخَرَجَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْبَقِيعِ أَيْ بَقِيعِ بَطْحَانَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمُصَلَّى مَوْضِعٌ مُعَدٌّ لِلْجَنَائِزِ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ غَيْرُ مُصَلَّى الْعِيدَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ قَالَهُ الْحَافِظُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ» ". وَلِلْبُخَارِيِّ: " «فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ» ". وَلِمُسْلِمٍ: " «مَاتَ عَبْدٌ لِلَّهِ صَالِحٌ أَصْحَمَةُ» ". وَفِي الْإِصَابَةِ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَصْبَحْنَا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ أَخَاكَ أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيَّ قَدْ تُوُفِّيَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ، فَوَثَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَثَبْنَا مَعَهُ حَتَّى جَاءَ الْمُصَلَّى» " (فَصَفَّ بِهِمْ) لَازِمٌ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ أَيْ صَفَّ مَعَهُمْ، أَوْ مُتَعَدٍّ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أَيْ صَفَّهُمْ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِمَامَ مُتَقَدِّمٌ فَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ صَافٌّ مَعَهُمْ إِلَّا عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ وَلَمْ يَذْكُرْ كَمْ صَفَّهُمْ. وَفِي النَّسَائِيِّ عَنْ جَابِرٍ: " «كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي يَوْمَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّجَاشِيِّ» "، وَفِيهِ أَنَّ لِلصُّفُوفِ عَلَى الْجَنَازَةِ تَأْثِيرًا وَلَوْ كَثُرَ الْجَمْعُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَالْمُصَلَّى فَضَاءٌ لَا يَضِيقُ بِهِمْ لَوْ صُفُّوا فِيهِ صَفًّا وَاحِدًا وَمَعَ ذَلِكَ صَفَّهُمْ، وَهَذَا مَا فَهِمَهُ مَالِكُ بْنُ عُمَيْرَةَ الصَّحَابِيُّ، فَكَانَ صَفُّ مَنْ يَحْضُرُ صَلَاةَ الْجَنَازَةِ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ سَوَاءٌ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، وَيَبْقَى النَّظَرُ إِذَا تَعَدَّدَتِ الصُّفُوفُ وَالْعَدَدُ قَلِيلٌ، أَوْ كَانَ الصَّفُّ وَاحِدًا وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، قَالَهُ الْحَافِظُ.

(وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) فَفِيهِ أَنَّ تَكْبِيرَ صَلَاةِ الْجَنَازَةِ أَرْبَعٌ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا صَلَاةٌ عَلَى غَائِبٍ لَا عَلَى الْجَنَازَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا» " وَقَالَ: لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ أَرْبَعًا إِلَّا فِي هَذَا، قَالَ: وَإِنَّمَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ أَرْبَعًا وَعَلَى قَبْرٍ أَرْبَعًا، وَأَمَّا عَلَى الْجَنَازَةِ هَكَذَا فَلَا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى لِقَصْدِ تَكْثِيرِ الْجَمْعِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَإِشَاعَةً لِمَوْتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: صَلَّى عَلَى عِلْجٍ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَنَزَلَتْ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} [آل عمران: ١٩٩]

(سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ١٩٩) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ".

وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ وَحْشِيٍّ فِي الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ، وَآخَرُ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَفِيهِ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ كَانَ مُنَافِقًا، وَفِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ السَّلَفِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: لَا تُشْرَعُ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّهُمْ قَالُوا: ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَدَلَائِلُ الْخُصُوصِيَّةِ وَاضِحَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَكَهُ فِيهَا غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أُحْضِرَ رُوحُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ رُفِعَتْ لَهُ جِنَازَتُهُ حَتَّى شَاهَدَهَا، كَمَا رُفِعَ لَهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ حِينَ سَأَلَتْهُ قُرَيْشٌ عَنْ صِفَتِهِ، وَعَبَّرَ غَيْرُهُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كُشِفَ لَهُ حَتَّى رَآهُ. فَتَكُونُ صَلَاتُهُ كَصَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى مَيِّتٍ رَآهُ وَلَمْ يَرَهُ الْمَأْمُومُونَ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا. وَقَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ: (يَحْتَاجُ هَذَا لِنَقْلٍ) تُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ كَافٍ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَانِعِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ بِلَا إِسْنَادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «كُشِفَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَرِيرِ النَّجَاشِيِّ حَتَّى رَآهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ» ". وَلِابْنِ حِبَّانَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: " «فَقَامُوا وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ» ". وَلِأَبِي عَوَانَةَ عَنْ عِمْرَانَ: " «فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّ الْجَنَازَةَ قُدَّامَنَا» ". وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّجَاشِيِّ لِإِشَاعَةِ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا، أَوِ اسْتِئْلَافِ قُلُوبِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي حَيَاتِهِ ; إِذْ لَمْ يَأْتِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ غَائِبٍ غَيْرِهِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ صَلَاتِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ فَجَاءَ مِنْ طُرُقٍ لَا تَخْلُو مِنْ مَقَالٍ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صَلَاحِيَتِهِ لِلْحُجِّيَّةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِ طُرُقِهِ دَفْعٌ بِمَا وَرَدَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَتْ لَهُ الْحُجُبُ حَتَّى شَاهَدَ جَنَازَتَهُ. وَقَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ: قَوْلُهُمْ رُفِعَ الْحِجَابُ عَنِ النَّجَاشِيِّ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سَلِمَ فَكَانَ غَائِبًا عَنِ الصَّحَابَةِ رُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُصَلَّى كَالْمَيِّتِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَهُوَ يَرَاهُ دُونَ الْمَأْمُومِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا. وَأَمَّا ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِمَامُ الْمَالِكِيَّةِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ قَوْلُهُمْ إِنَّمَا ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ، قُلْنَا: وَمَا عَمِلَ بِهِ مُحَمَّدٌ تَعْمَلُ بِهِ أُمَّتُهُ، قَالُوا: طُوِيَتِ الْأَرْضُ وَأُحْضِرَتِ الْجَنَازَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْنَا: إِنَّ رَبَّنَا عَلَيْهِ لَقَادِرٌ وَنَبِيَّنَا لَأَهْلٌ لِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا تَقُولُوا إِلَّا مَا رَوَيْتُمْ، وَلَا تَخْتَرِعُوا حَدِيثًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تُحَدِّثُوا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ، وَدَعُوا الضِّعَافَ فَإِنَّهَا سَبِيلٌ إِلَى تَلَافِ مَا لَيْسَ لَهُ تَلَافٌ، وَقَدْ عَلِمْتُ جَوَابَهُ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ يَكْفِي فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَانِعِ خُصُوصًا، وَقَدْ جَاءَ مَا يُؤَيِّدُهُ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ فَمَا حَدَّثَنَا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: وَلَوْ فُتِحَ بَابُ الْخُصُوصِ لَانْسَدَّ كَثِيرٌ مِنْ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّمَا جَوَّزْنَا الْخُصُوصِيَّةَ ; لِأَنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى غَائِبٍ غَيْرِهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَلْزَمُ تَوَفُّرُ الدَّوَاعِي عَلَيْهِ. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ بِأَرْضٍ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِهَا أَحَدٌ، فَتَعَيَّنَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مَاتَ غَائِبًا مِنْ

أَصْحَابِهِ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو دَاوُدَ وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مُحْتَمَلٌ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ أَحَدٌ اهـ. وَهُوَ مُشْتَرِكُ الْإِلْزَامِ فَلَمْ يُرْوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي بَلَدِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَمَحَلُّهُ فِي اتِّسَاعِ الْحِفْظِ مَعْلُومٌ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعَيْنِ هُنَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.

[بَاب الْحِسْبَةِ فِي الْمُصِيبَةِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ»

ــ

١٣ - بَابُ الْحِسْبَةِ فِي الْمُصِيبَةِ

الْحِسْبَةُ: الصَّبْرُ وَالتَّسْلِيمُ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.

٥٥٤ - ٥٥٦ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بْنِ

حَزْنٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) خَرَجَ الْكَافِرُ، قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنْ هَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ لِمَنْ مَاتَ لَهُ أَوْلَادٌ فِي الْكُفْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: " «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ لِي وَلَدَانِ، فَقَالَ: مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ فِي الْإِسْلَامِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» ". وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ.

(ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ) بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى الصُّلْبِيَّةَ عَلَى الظَّاهِرِ لِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: ثَلَاثَةٌ مِنْ صُلْبِهِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَفِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ بَحْثٌ، وَيَظْهَرُ أَنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ الصُّلْبِ يَدْخُلُونَ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ فَقْدِ الْوَسَائِطِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَبِ، وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ مِنْ صُلْبِهِ يَدُلُّ عَلَى إِخْرَاجِ وَلَدِ الْبَنَاتِ، وَزَادَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ. وَكَذَا لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَمُثَلَّثَةٍ، عَلَى الْمَحْفُوظِ أَيِ الْحُلُمَ، وَخَصَّ الصَّغِيرَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ أَعْظَمُ وَالْحُبَّ لَهُمْ أَشَدُّ وَالرَّحْمَةَ أَوْفَرُ، فَمَنْ بَلَغَ الْحِنْثَ لَا يَحْصُلُ لِفَاقِدِهِ هَذَا الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ، وَبِهَذَا صَرَّحَ كَثِيرٌ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْعُقُوقُ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الرَّحْمَةِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ لِعَدَمِ خِطَابِهِ.

وَقَالَ الزَّيْنُ ابْنُ الْمُنِيرِ: بَلْ يَدْخُلُ الْكَبِيرُ بِطَرِيقِ الْفَحْوَى ; لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطِّفْلِ الَّذِي هُوَ كَلٌّ عَلَى أَبَوَيْهِ، فَكَيْفَ لَا يَثْبُتُ فِي الْكَبِيرِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ وَوَصَلَ لَهُ مِنْهُ النَّفْعُ وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخِطَابُ بِالْحُقُوقِ، وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ حَدِيثِ أَنَسٍ: بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ ; لِأَنَّ الرَّحْمَةَ لِلصِّغَارِ أَكْثَرُ لِعَدَمِ حُصُولِ الْإِثْمِ مِنْهُمْ، وَهَلْ يَلْحَقُ بِالصِّغَارِ مَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا مَثَلًا وَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ كَوْنَهُمْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي الْإِلْحَاقَ، وَكَوْنُ الِامْتِحَانِ بِهِمْ يَخِفُّ بِمَوْتِهِمْ يَقْتَضِي عَدَمَهُ، وَلَمْ يَقَعِ التَّقْيِيدُ فِي طُرُقِ الْحَدِيثِ بِشِدَّةِ الْحُبِّ وَلَا عَدَمِهِ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِمَا يُوجَدُ مِنْ كَرَاهَةِ بَعْضِ النَّاسِ لِوَلَدِهِ وَتَبَرُّمِهِ بِهِ وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ ضَيِّقَ الْحَالِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ مَظِنَّةَ الْمَحَبَّةِ وَالشَّفَقَةِ نِيطَ بِهِ الْحُكْمُ وَإِنْ تَخَلَّفَ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ.

(فَتَمَسَّهُ النَّارُ) بِالنَّصْبِ جَوَابًا لِلنَّفْي (إِلَّا تَحِلَّةَ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ مَا يَنْحَلُّ بِهِ (الْقَسَمِ) وَهُوَ الْيَمِينُ، أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: ٧١] (سُورَةُ مَرْيَمَ: الْآيَةُ ٧١) عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ تَقْلِيلُ أَمْرِ وُرُودِهَا، وَهَذَا لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ، يُقَالُ مَا ضَرَبْتُهُ إِلَّا تَحْلِيلًا، إِذَا لَمْ يُبَالِغْ فِي الضَّرْبِ، أَيْ قَدْرًا يُصِيبُهُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ لَا تَمَسُّهُ النَّارُ كَثِيرًا وَلَا قَلِيلًا وَلَا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، وَقَدْ جَوَّزَ الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ مَجِيءَ إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ وَجَعَلَا مِنْهُ: {لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ - إِلَّا مَنْ ظَلَمَ} [النمل: ١٠ - ١١] (سُورَةُ النَّمْلِ: الْآيَةُ ١٠، ١١) قَالَ

الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَدْخُلُ النَّارَ لِيُعَاقَبَ بِهَا وَلَكِنَّهُ يَدْخُلُهَا مُجْتَازًا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْجَوَازُ إِلَّا قَدْرَ مَا يُحِلُّ بِهِ الرَّجُلُ يَمِينَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، يَعْنِي الْوُرُودَ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قِيلَ: وَمَا تَحِلَّةُ الْقَسَمِ؟ قَالَ: قَوْلُهُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: ٧١] وَكَذَا حَكَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ نَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا: " «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ لَمْ يَرِدِ النَّارَ إِلَّا عَابِرَ سَبِيلٍ» " يَعْنِي الْجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ، وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ الْقَسَمِ مِنَ الْآيَةِ فَقِيلَ مُقَدَّرٌ هُوَ وَاللَّهِ وَإِنْ مِنْكُمْ، وَقِيلَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَسَمِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} [مريم: ٦٨] (سُورَةُ مَرْيَمَ: الْآيَةُ ٦٨) أَيْ وَرَبِّكَ إِنْ مِنْكُمْ. وَقِيلَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: {حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: ٧١] أَيْ قَسَمًا وَاجِبًا وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْآيَةَ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ، أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَسَمِ مَا دَلَّ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ مِنَ السِّيَاقِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: (كَانَ عَلَى رَبِّكَ) (سُورَةُ مَرْيَمَ: الْآيَةُ ٧١) تَذْيِيلٌ وَتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: {وَإِنْ مِنْكُمْ} [النساء: ٧٢] فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَسَمِ أَوْ أَبْلَغُ ; لِمَجِيءِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.

وَرَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: الْوُرُودُ الدُّخُولُ لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلَامًا. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: " «يَرِدُونَهَا أَوْ يَلِجُونَهَا ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ» " وَقِيلَ الْوُرُودُ: الْمُرُورُ عَلَيْهَا، رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَقَتَادَةَ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَزَادَ: «سَيُورَدُ كُلٌّ عَلَى مَتْنِهَا، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَمْسِكِي أَصْحَابَكِ وَدَعِي أَصْحَابِي، فَيَخْرُجُ الْمُؤْمِنُونَ نَدِيَّةً أَبْدَانُهُمْ» " وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ أَصَحُّ مَا وَرَدَ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ مِنْ عَبَّرَ بِالدُّخُولِ تَجَوَّزَ بِهِ عَنِ الْمُرُورِ ; لِأَنَّ الْمَارَّ عَلَيْهَا فَوْقَ الصِّرَاطِ فِي مَعْنَى مَنْ دَخَلَهَا، لَكِنْ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ بِاخْتِلَافِ أَعْمَالِهِمْ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، كَمَا فُصِّلَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، وَيُؤَيِّدُ صِحَّةَ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا قَالَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: ٧١] ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم: ٧٢] (سُورَةُ مَرْيَمَ: الْآيَةُ ٧٢) الْآيَةَ» " وَفِي هَذَا ضُعِّفَ الْقَوْلُ إِنَّ الْوُرُودَ مُخْتَصٌّ بِالْكُفَّارِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ الدُّنُوُّ مِنْهَا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ الْإِشْرَافُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ مَعْنَى وُرُودِهَا مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْحُمَّى عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَخِيرَ لَيْسَ بِبَعِيدٍ وَلَا يُنَافِيهِ بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبِرِّ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَائِلًا: إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[بَاب التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ»

ــ

٥ - بَابُ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ

اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي عَدَدِهِ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يُكَبَّرُ خَمْسًا، وَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَكَبَّرَ خَمْسًا. وَكَانَ عَلِيٌّ يُكَبِّرُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سِتًّا، وَعَلَى الصَّحَابَةِ خَمْسًا، وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ أَرْبَعًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ثَلَاثًا رَوَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا أَرْبَعًا، وَجَمْعٍ بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى الثَّلَاثَ مُجْزِئَةً وَالْأَرْبَعَ أَكْمَلَ مِنْهَا، أَوْ مَنْ أُطْلِقَ عَنْهُ الثَّلَاثُ لَمْ يَذْكُرِ الْأُولَى ; لِأَنَّهَا افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ، فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ التَّكْبِيرُ ثَلَاثًا فَقِيلَ لَهُ أَرْبَعٌ، قَالَ: أَجَلْ غَيْرَ أَنَّ وَاحِدَةً هِيَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ. وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي وَائِلٍ: كَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا وَأَرْبَعًا فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعٍ كَأَطْوَلِ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْأَرْبَعِ وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَشَذَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فَقَالَ خَمْسًا.

٥٣٠ - ٥٣٢ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ) بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ بِكَسْرٍ وَخِفَّةِ الْجِيمِ، وَأَخْطَأَ مَنْ شَدَّدَهَا، وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ، وَحَكَى الْمُطَرِّزِيُّ التَّخْفِيفَ وَرَجَّحَهُ الصَّغَانِيُّ، وَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ، وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ بْنُ أَبْحَرَ، مَلِكُ الْحَبَشَةِ، أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ، وَكَانَ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ نَافِعًا، وَأَصْحَمَةُ بِوَزْنِ أَرْبَعَةٍ وَحَاؤُهُ مُهْمَلَةٌ وَقِيلَ مُعْجَمَةٌ، وَقِيلَ بِمُوَحَّدَةٍ بَدَلَ الْمِيمِ، وَقِيلَ: صُحْمَةُ بِلَا أَلِفٍ، وَقِيلَ كَذَلِكَ لَكِنْ بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الصَّادِ، وَقِيلَ بِمِيمٍ أَوَّلَهُ بَدَلَ الْأَلِفِ، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ فِي اسْمِهِ سِتَّةُ أَلْفَاظٍ لَمْ أَرَهَا مَجْمُوعَةً، وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ قَالَهُ فِي الْإِصَابَةِ. (لِلنَّاسِ) أَيْ أَخْبَرَهُمْ بِمَوْتِهِ (فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَجَمَاعَةٌ، وَقِيلَ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَفِيهِ جَوَازُ الْإِعْلَامِ بِالْجَنَازَةِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ، وَالنَّعْيُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ صِيَاحٌ، خِلَافًا لِمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْإِعْلَامِ بِالْمَوْتِ لِلِاجْتِمَاعِ لِجَنَازَتِهِ، وَفِي حَدِيثِ: " «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَذَا» "، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ يَبْلُغُونَ مِائَةً فَيَشْفَعُونَ

لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» " دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ خَيْرٌ، وَالدُّعَاءُ إِلَى الْخَيْرِ خَيْرٌ إِجْمَاعًا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ: الْأُولَى: إِعْلَامُ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ، فَهَذَا سُنَّةٌ. الثَّانِيَةُ: دَعْوَةُ الْجَفَلَى لِلْمُفَاخَرَةِ، فَهَذَا يُكْرَهُ. الثَّالِثَةُ: الْإِعْلَامُ بِالنِّيَاحَةِ وَنَحْوِهَا، فَهَذَا يَحْرُمُ.

وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَقِيلٍ وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نُعِيَ لَنَا النَّجَاشِيُّ يَوْمَ مَاتَ فَقَالَ: " «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ» " (وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى) مَكَانٌ بِبَطْحَانَ، فَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: فَخَرَجَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْبَقِيعِ أَيْ بَقِيعِ بَطْحَانَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمُصَلَّى مَوْضِعٌ مُعَدٌّ لِلْجَنَائِزِ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ غَيْرُ مُصَلَّى الْعِيدَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ قَالَهُ الْحَافِظُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ» ". وَلِلْبُخَارِيِّ: " «فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ» ". وَلِمُسْلِمٍ: " «مَاتَ عَبْدٌ لِلَّهِ صَالِحٌ أَصْحَمَةُ» ". وَفِي الْإِصَابَةِ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَصْبَحْنَا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ أَخَاكَ أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيَّ قَدْ تُوُفِّيَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ، فَوَثَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَثَبْنَا مَعَهُ حَتَّى جَاءَ الْمُصَلَّى» " (فَصَفَّ بِهِمْ) لَازِمٌ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ أَيْ صَفَّ مَعَهُمْ، أَوْ مُتَعَدٍّ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أَيْ صَفَّهُمْ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِمَامَ مُتَقَدِّمٌ فَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ صَافٌّ مَعَهُمْ إِلَّا عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ وَلَمْ يَذْكُرْ كَمْ صَفَّهُمْ. وَفِي النَّسَائِيِّ عَنْ جَابِرٍ: " «كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي يَوْمَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّجَاشِيِّ» "، وَفِيهِ أَنَّ لِلصُّفُوفِ عَلَى الْجَنَازَةِ تَأْثِيرًا وَلَوْ كَثُرَ الْجَمْعُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَالْمُصَلَّى فَضَاءٌ لَا يَضِيقُ بِهِمْ لَوْ صُفُّوا فِيهِ صَفًّا وَاحِدًا وَمَعَ ذَلِكَ صَفَّهُمْ، وَهَذَا مَا فَهِمَهُ مَالِكُ بْنُ عُمَيْرَةَ الصَّحَابِيُّ، فَكَانَ صَفُّ مَنْ يَحْضُرُ صَلَاةَ الْجَنَازَةِ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ سَوَاءٌ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، وَيَبْقَى النَّظَرُ إِذَا تَعَدَّدَتِ الصُّفُوفُ وَالْعَدَدُ قَلِيلٌ، أَوْ كَانَ الصَّفُّ وَاحِدًا وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، قَالَهُ الْحَافِظُ.

(وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) فَفِيهِ أَنَّ تَكْبِيرَ صَلَاةِ الْجَنَازَةِ أَرْبَعٌ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا صَلَاةٌ عَلَى غَائِبٍ لَا عَلَى الْجَنَازَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا» " وَقَالَ: لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ أَرْبَعًا إِلَّا فِي هَذَا، قَالَ: وَإِنَّمَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ أَرْبَعًا وَعَلَى قَبْرٍ أَرْبَعًا، وَأَمَّا عَلَى الْجَنَازَةِ هَكَذَا فَلَا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى لِقَصْدِ تَكْثِيرِ الْجَمْعِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَإِشَاعَةً لِمَوْتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: صَلَّى عَلَى عِلْجٍ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَنَزَلَتْ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} [آل عمران: ١٩٩]

(سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ١٩٩) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ".

وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ وَحْشِيٍّ فِي الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ، وَآخَرُ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَفِيهِ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ كَانَ مُنَافِقًا، وَفِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ السَّلَفِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: لَا تُشْرَعُ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّهُمْ قَالُوا: ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَدَلَائِلُ الْخُصُوصِيَّةِ وَاضِحَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَكَهُ فِيهَا غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أُحْضِرَ رُوحُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ رُفِعَتْ لَهُ جِنَازَتُهُ حَتَّى شَاهَدَهَا، كَمَا رُفِعَ لَهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ حِينَ سَأَلَتْهُ قُرَيْشٌ عَنْ صِفَتِهِ، وَعَبَّرَ غَيْرُهُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كُشِفَ لَهُ حَتَّى رَآهُ. فَتَكُونُ صَلَاتُهُ كَصَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى مَيِّتٍ رَآهُ وَلَمْ يَرَهُ الْمَأْمُومُونَ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا. وَقَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ: (يَحْتَاجُ هَذَا لِنَقْلٍ) تُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ كَافٍ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَانِعِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ بِلَا إِسْنَادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «كُشِفَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَرِيرِ النَّجَاشِيِّ حَتَّى رَآهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ» ". وَلِابْنِ حِبَّانَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: " «فَقَامُوا وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ» ". وَلِأَبِي عَوَانَةَ عَنْ عِمْرَانَ: " «فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّ الْجَنَازَةَ قُدَّامَنَا» ". وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّجَاشِيِّ لِإِشَاعَةِ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا، أَوِ اسْتِئْلَافِ قُلُوبِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي حَيَاتِهِ ; إِذْ لَمْ يَأْتِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ غَائِبٍ غَيْرِهِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ صَلَاتِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ فَجَاءَ مِنْ طُرُقٍ لَا تَخْلُو مِنْ مَقَالٍ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صَلَاحِيَتِهِ لِلْحُجِّيَّةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِ طُرُقِهِ دَفْعٌ بِمَا وَرَدَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَتْ لَهُ الْحُجُبُ حَتَّى شَاهَدَ جَنَازَتَهُ. وَقَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ: قَوْلُهُمْ رُفِعَ الْحِجَابُ عَنِ النَّجَاشِيِّ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سَلِمَ فَكَانَ غَائِبًا عَنِ الصَّحَابَةِ رُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُصَلَّى كَالْمَيِّتِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَهُوَ يَرَاهُ دُونَ الْمَأْمُومِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا. وَأَمَّا ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِمَامُ الْمَالِكِيَّةِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ قَوْلُهُمْ إِنَّمَا ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ، قُلْنَا: وَمَا عَمِلَ بِهِ مُحَمَّدٌ تَعْمَلُ بِهِ أُمَّتُهُ، قَالُوا: طُوِيَتِ الْأَرْضُ وَأُحْضِرَتِ الْجَنَازَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْنَا: إِنَّ رَبَّنَا عَلَيْهِ لَقَادِرٌ وَنَبِيَّنَا لَأَهْلٌ لِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا تَقُولُوا إِلَّا مَا رَوَيْتُمْ، وَلَا تَخْتَرِعُوا حَدِيثًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تُحَدِّثُوا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ، وَدَعُوا الضِّعَافَ فَإِنَّهَا سَبِيلٌ إِلَى تَلَافِ مَا لَيْسَ لَهُ تَلَافٌ، وَقَدْ عَلِمْتُ جَوَابَهُ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ يَكْفِي فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَانِعِ خُصُوصًا، وَقَدْ جَاءَ مَا يُؤَيِّدُهُ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ فَمَا حَدَّثَنَا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: وَلَوْ فُتِحَ بَابُ الْخُصُوصِ لَانْسَدَّ كَثِيرٌ مِنْ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّمَا جَوَّزْنَا الْخُصُوصِيَّةَ ; لِأَنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى غَائِبٍ غَيْرِهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَلْزَمُ تَوَفُّرُ الدَّوَاعِي عَلَيْهِ. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ بِأَرْضٍ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِهَا أَحَدٌ، فَتَعَيَّنَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مَاتَ غَائِبًا مِنْ

أَصْحَابِهِ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو دَاوُدَ وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مُحْتَمَلٌ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ أَحَدٌ اهـ. وَهُوَ مُشْتَرِكُ الْإِلْزَامِ فَلَمْ يُرْوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي بَلَدِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَمَحَلُّهُ فِي اتِّسَاعِ الْحِفْظِ مَعْلُومٌ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعَيْنِ هُنَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.

[بَاب الْحِسْبَةِ فِي الْمُصِيبَةِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ»

ــ

١٣ - بَابُ الْحِسْبَةِ فِي الْمُصِيبَةِ

الْحِسْبَةُ: الصَّبْرُ وَالتَّسْلِيمُ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.

٥٥٤ - ٥٥٦ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بْنِ

حَزْنٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) خَرَجَ الْكَافِرُ، قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنْ هَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ لِمَنْ مَاتَ لَهُ أَوْلَادٌ فِي الْكُفْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: " «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ لِي وَلَدَانِ، فَقَالَ: مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ فِي الْإِسْلَامِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» ". وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ.

(ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ) بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى الصُّلْبِيَّةَ عَلَى الظَّاهِرِ لِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: ثَلَاثَةٌ مِنْ صُلْبِهِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَفِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ بَحْثٌ، وَيَظْهَرُ أَنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ الصُّلْبِ يَدْخُلُونَ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ فَقْدِ الْوَسَائِطِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَبِ، وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ مِنْ صُلْبِهِ يَدُلُّ عَلَى إِخْرَاجِ وَلَدِ الْبَنَاتِ، وَزَادَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ. وَكَذَا لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَمُثَلَّثَةٍ، عَلَى الْمَحْفُوظِ أَيِ الْحُلُمَ، وَخَصَّ الصَّغِيرَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ أَعْظَمُ وَالْحُبَّ لَهُمْ أَشَدُّ وَالرَّحْمَةَ أَوْفَرُ، فَمَنْ بَلَغَ الْحِنْثَ لَا يَحْصُلُ لِفَاقِدِهِ هَذَا الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ، وَبِهَذَا صَرَّحَ كَثِيرٌ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْعُقُوقُ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الرَّحْمَةِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ لِعَدَمِ خِطَابِهِ.

وَقَالَ الزَّيْنُ ابْنُ الْمُنِيرِ: بَلْ يَدْخُلُ الْكَبِيرُ بِطَرِيقِ الْفَحْوَى ; لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطِّفْلِ الَّذِي هُوَ كَلٌّ عَلَى أَبَوَيْهِ، فَكَيْفَ لَا يَثْبُتُ فِي الْكَبِيرِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ وَوَصَلَ لَهُ مِنْهُ النَّفْعُ وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخِطَابُ بِالْحُقُوقِ، وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ حَدِيثِ أَنَسٍ: بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ ; لِأَنَّ الرَّحْمَةَ لِلصِّغَارِ أَكْثَرُ لِعَدَمِ حُصُولِ الْإِثْمِ مِنْهُمْ، وَهَلْ يَلْحَقُ بِالصِّغَارِ مَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا مَثَلًا وَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ كَوْنَهُمْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي الْإِلْحَاقَ، وَكَوْنُ الِامْتِحَانِ بِهِمْ يَخِفُّ بِمَوْتِهِمْ يَقْتَضِي عَدَمَهُ، وَلَمْ يَقَعِ التَّقْيِيدُ فِي طُرُقِ الْحَدِيثِ بِشِدَّةِ الْحُبِّ وَلَا عَدَمِهِ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِمَا يُوجَدُ مِنْ كَرَاهَةِ بَعْضِ النَّاسِ لِوَلَدِهِ وَتَبَرُّمِهِ بِهِ وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ ضَيِّقَ الْحَالِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ مَظِنَّةَ الْمَحَبَّةِ وَالشَّفَقَةِ نِيطَ بِهِ الْحُكْمُ وَإِنْ تَخَلَّفَ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ.

(فَتَمَسَّهُ النَّارُ) بِالنَّصْبِ جَوَابًا لِلنَّفْي (إِلَّا تَحِلَّةَ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ مَا يَنْحَلُّ بِهِ (الْقَسَمِ) وَهُوَ الْيَمِينُ، أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: ٧١] (سُورَةُ مَرْيَمَ: الْآيَةُ ٧١) عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ تَقْلِيلُ أَمْرِ وُرُودِهَا، وَهَذَا لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ، يُقَالُ مَا ضَرَبْتُهُ إِلَّا تَحْلِيلًا، إِذَا لَمْ يُبَالِغْ فِي الضَّرْبِ، أَيْ قَدْرًا يُصِيبُهُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ لَا تَمَسُّهُ النَّارُ كَثِيرًا وَلَا قَلِيلًا وَلَا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، وَقَدْ جَوَّزَ الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ مَجِيءَ إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ وَجَعَلَا مِنْهُ: {لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ - إِلَّا مَنْ ظَلَمَ} [النمل: ١٠ - ١١] (سُورَةُ النَّمْلِ: الْآيَةُ ١٠، ١١) قَالَ

الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَدْخُلُ النَّارَ لِيُعَاقَبَ بِهَا وَلَكِنَّهُ يَدْخُلُهَا مُجْتَازًا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْجَوَازُ إِلَّا قَدْرَ مَا يُحِلُّ بِهِ الرَّجُلُ يَمِينَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، يَعْنِي الْوُرُودَ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قِيلَ: وَمَا تَحِلَّةُ الْقَسَمِ؟ قَالَ: قَوْلُهُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: ٧١] وَكَذَا حَكَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ نَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا: " «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ لَمْ يَرِدِ النَّارَ إِلَّا عَابِرَ سَبِيلٍ» " يَعْنِي الْجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ، وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ الْقَسَمِ مِنَ الْآيَةِ فَقِيلَ مُقَدَّرٌ هُوَ وَاللَّهِ وَإِنْ مِنْكُمْ، وَقِيلَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَسَمِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} [مريم: ٦٨] (سُورَةُ مَرْيَمَ: الْآيَةُ ٦٨) أَيْ وَرَبِّكَ إِنْ مِنْكُمْ. وَقِيلَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: {حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: ٧١] أَيْ قَسَمًا وَاجِبًا وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْآيَةَ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ، أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَسَمِ مَا دَلَّ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ مِنَ السِّيَاقِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: (كَانَ عَلَى رَبِّكَ) (سُورَةُ مَرْيَمَ: الْآيَةُ ٧١) تَذْيِيلٌ وَتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: {وَإِنْ مِنْكُمْ} [النساء: ٧٢] فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَسَمِ أَوْ أَبْلَغُ ; لِمَجِيءِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.

وَرَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: الْوُرُودُ الدُّخُولُ لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلَامًا. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: " «يَرِدُونَهَا أَوْ يَلِجُونَهَا ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ» " وَقِيلَ الْوُرُودُ: الْمُرُورُ عَلَيْهَا، رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَقَتَادَةَ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَزَادَ: «سَيُورَدُ كُلٌّ عَلَى مَتْنِهَا، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَمْسِكِي أَصْحَابَكِ وَدَعِي أَصْحَابِي، فَيَخْرُجُ الْمُؤْمِنُونَ نَدِيَّةً أَبْدَانُهُمْ» " وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ أَصَحُّ مَا وَرَدَ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ مِنْ عَبَّرَ بِالدُّخُولِ تَجَوَّزَ بِهِ عَنِ الْمُرُورِ ; لِأَنَّ الْمَارَّ عَلَيْهَا فَوْقَ الصِّرَاطِ فِي مَعْنَى مَنْ دَخَلَهَا، لَكِنْ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ بِاخْتِلَافِ أَعْمَالِهِمْ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، كَمَا فُصِّلَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، وَيُؤَيِّدُ صِحَّةَ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا قَالَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: ٧١] ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم: ٧٢] (سُورَةُ مَرْيَمَ: الْآيَةُ ٧٢) الْآيَةَ» " وَفِي هَذَا ضُعِّفَ الْقَوْلُ إِنَّ الْوُرُودَ مُخْتَصٌّ بِالْكُفَّارِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ الدُّنُوُّ مِنْهَا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ الْإِشْرَافُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ مَعْنَى وُرُودِهَا مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْحُمَّى عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَخِيرَ لَيْسَ بِبَعِيدٍ وَلَا يُنَافِيهِ بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبِرِّ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَائِلًا: إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.3 / 29.5
الإضاءة 86%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل