«كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٧٠٧

الحديث رقم ٧٠٧ من كتاب «كتاب الجنائز» في موطأ مالك، تحت باب: باب جامع الجنائز.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كل ابن آدم تأكله الأرض، إلا عجب الذنب منه…

«كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ»

سند حديث: ٤٨ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي…

٤٨ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «كل ابن آدم تأكله الأرض، إلا عجب الذنب منه…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ»

ــ

٥٦٥ - ٥٦٧ - (مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ) أَيْ جَمِيعَ جِسْمِهِ وَيَنْعَدِمُ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَكِنْ زَالَتْ أَعْرَاضُهَا الْمَعْهُودَةُ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَمْ يَدُلَّ قَاطِعُ سَمْعِي عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا، وَلَا بَعْدَ أَنْ تَصِيرَ أَجْسَامُ الْعِبَادِ بِصِفَةِ أَجْسَامِ التُّرَابِ، ثُمَّ تُعَادُ بِتَرْكِيبِهَا إِلَى الْمَعْهُودِ (إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ، وَيُقَالُ بِالْمِيمِ وَهُوَ الْعُصْعُصُ أَسْفَلُ الْعَظْمِ الْهَابِطِ مِنَ الصُّلْبِ، فَإِنَّهُ قَاعِدَةُ الْبَدَنِ كَقَاعِدَةِ الْجِدَارِ فَلَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ ; لِأَنَّهُ (مِنْهُ خُلِقَ) أَيِ ابْتُدِئَ خَلْقُهُ (وَمِنْهُ يُرَكَّبُ) خَلْقُهُ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنَ احْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ وَابْتِدَاءُ التَّرْكِيبِ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الْبَاجِيُّ فَقَالَ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا خُلِقَ مِنَ الْإِنْسَانِ وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى مِنْهُ لِيُعَادَ تَرْكِيبُ الْخَلْقِ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا عُمُومٌ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ لِمَا رُوِيَ فِي أَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُهُمْ، وَحَسْبُكَ مَا جَاءَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ، إِذْ أُخْرِجُوا بَعْدَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً لَيِّنَةً أَجْسَادُهُمْ، يَعْنِي أَطْرَافَهُمْ فَكَأَنَّهُ قَالَهُ مَنْ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ فَلَا تَأْكُلُ مِنْهُ عَجْبَ الذَّنَبِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ لَا تَأْكُلَهُ جَازَ أَنْ لَا تَأْكُلَ الشُّهَدَاءَ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا التَّسْلِيمُ لِمَنْ يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، انْتَهَى. وَزَادَ غَيْرُهُ: الصِّدِّيقِينَ وَالْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ، وَالْمُؤَذِّنَ الْمُحْتَسِبَ، وَحَامِلَ الْقُرْآنِ الْعَامِلَ بِهِ، وَالْمُرَابِطَ، وَالْمَيِّتَ

بِالطَّاعُونِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَالْمُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالْمُحِبِّينَ لِلَّهِ، فَتِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ»

ــ

٥٦٧ - ٥٦٩ - (مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَقَّاهُ عَنِ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ، قَالَهُ الْحَافِظُ. - (إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي) عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ إِنْ عَايَنَ مَا يُحِبُّ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَإِنْ عَايَنَ مَا يَكْرَهُ لَمْ يُحِبَّ الْخُرُوجَ مِنَ الدُّنْيَا، هَذَا مَعْنَاهُ كَمَا تَشْهَدُ بِهِ الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ، وَذَلِكَ حِينَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَوْتَ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ كَرَاهَتِهِ نَبِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ، وَلَكِنَّ الْمَكْرُوهَ مِنْ ذَلِكَ إِيثَارُ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى اللَّهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. (أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ) أَيْ أَرَدْتُ لَهُ الْخَيْرَ. (وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ) زَادَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «فَقَالَتْ عَائِشَةُ: " إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» ".

وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ وَيُوَفِّقُهُ حَتَّى يُقَالَ مَاتَ بِخَيْرِ مَا كَانَ، فَإِذَا حُضِرَ وَرَأَى إِلَى ثَوَابِهِ اشْتَاقَتْ نَفْسُهُ، فَذَلِكَ حِينَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ شَيْطَانًا فَأَضَلَّهُ وَفَتَنَهُ حَتَّى يُقَالَ مَاتَ بِشَرِّ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِذَا حُضِرَ وَرَأَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ جَزِعَتْ نَفْسُهُ فَذَلِكَ حِينَ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» ". وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى مَحَبَّةِ لِقَاءِ اللَّهِ إِيثَارُ الْعَبْدِ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَلَا يُحِبُّ طُولَ الْقِيَامِ فِيهَا لَكِنْ يَسْتَعِدُّ لِلِارْتِحَالِ عَنْهَا، وَاللِّقَاءُ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا الرُّؤْيَةُ، وَمِنْهَا الْبَعْثُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} [الأنعام: ٣١] (سُورَةُ الْأَنْعَامِ: الْآيَةُ ٣١) أَيِ الْبَعْثِ، وَمِنْهَا الْمَوْتُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت: ٥] (سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: الْآيَةُ ٥) وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ:

الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ الْمَصِيرُ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ وَطَلَبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَيْسَ الْغَرَضُ بِهِ الْمَوْتَ ; لِأَنَّ كُلًّا يَكْرَهُهُ، فَمَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا وَأَبْغَضَهَا أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَمَنْ آثَرَهَا وَرَكَنَ إِلَيْهَا كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لِقَاءُ عَبْدِهِ إِرَادَةَ الْخَيْرِ لَهُ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ. وَفِي الْكَوَاكِبِ: إِنْ قِيلَ الشَّرْطُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ بَلِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ. قُلْتُ: مِثْلُهُ يُؤَوَّلُ بِالْإِخْبَارِ، أَيْ أَخْبِرْهُ بِأَنِّي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَكَذَا الْكَرَاهَةُ. الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ أَذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ فَغَفَرَ لَهُ»

ــ

٥٦٨ - ٥٧٠ - (مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَالتَّخْفِيفِ (عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) هَكَذَا رَفَعَهُ أَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَوَقَفَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَمُصْعَبٌ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فِي رَفْعِهِ ; لِأَنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ (قَالَ رَجُلٌ) قَالَ الْحَافِظُ: قِيلَ اسْمُهُ جُهَيْنَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا. وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ لِلْخَطِيبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، يَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: عِنْدَ جُهَيْنَةَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ ". (لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ) لَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي التَّوْحِيدَ عَنْهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ مِثْلَ هَذَا فِي الْأَكْثَرِ مِنْ فِعْلِهِ كَحَدِيثِ: لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ. قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَفِي الصَّحِيحِ: مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ. وَفِي ابْنِ حِبَّانَ: أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا أَيْ لِلْقُبُورِ يَسْرِقُ أَكْفَانَ الْمَوْتَى. (لِأَهْلِهِ) وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: (إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ) وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرَقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي (ثُمَّ أَذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بِخِفَّةِ الدَّالِ وَشَدِّهَا مِنَ الْقَدَرِ وَهُوَ الْقَضَاءُ، لَا مِنَ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: ٨٧] (سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: الْآيَةُ ٨٧) أَوْ بِمَعْنَى ضَيَّقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: ٧] (سُورَةُ الطَّلَاقِ: الْآيَةُ ٧) وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ بَعْضَ صِفَاتِ اللَّهِ وَهِيَ الْقُدْرَةُ، وَلَا يَكْفُرُ جَاهِلُ بَعْضِهَا، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ (لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) الْمُوَحِّدِينَ (فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ) زَادَ فِي

رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، وَزَادَ أَبُو عَوَانَةَ: فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى رَدِّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخِطَابَ لِرُوحِهِ ; لِأَنَّ التَّحْرِيقَ وَالتَّذْرِيَةَ إِنَّمَا وَقَعَا عَلَى الْجَسَدِ وَهُوَ الَّذِي جُمِعَ وَأُعِيدَ (ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ) إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُهُ مِنْ خَشْيَتِكَ أَيْ خَوْفَ عِقَابِكَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إِيمَانِهِ إِذِ الْخَشْيَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ بَلْ لِعَالِمٍ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ٢٨] (سُورَةُ فَاطِرٍ: الْآيَةُ ٢٨) وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَخَافَهُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ، قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فِي إِيمَانِهِ، وَالْأُصُولُ تُعَضِّدُهَا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: ٤٨] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٤٨) وَقَدْ (قَالَ: فَغَفَرَ لَهُ) وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عَنِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: ذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ إِنَّمَا غُفِرَ لَهُ لِتَوْبَتِهِ الَّتِي تَابَهَا ; لِأَنَّ قَبُولَهَا وَاجِبٌ عَقْلًا عِنْدَهُمْ، وَالْأَشْعَرِيُّ قَطَعَ بِهَا سَمْعًا، وَغَيْرُهُ جَوَّزَ الْقَبُولَ كَسَائِرِ الطَّاعَاتِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قَبُولُ التَّوْبَةِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَقْلًا، وَعِنْدَنَا وَاجِبٌ بِحُكْمِ الْوَعْدِ وَالتَّفَضُّلِ وَالْإِحْسَانِ، إِذْ لَوْ وَجَبَ الْقَبُولُ عَلَى اللَّهِ عَقْلًا لَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ إِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَهُوَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَكْمِلًا بِالْقَبُولِ، وَالْمُسْتَكْمِلُ بِالْغَيْرِ نَاقِصٌ بِذَاتِهِ وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ مُحَالٌ، وَلِأَنَّ الذَّمَّ إِنَّمَا يَمْنَعُ مِنَ الْفِعْلِ مَنْ يَتَأَذَّى لِسَمَاعِهِ وَيَنْفِرُ عَنْهُ طَبْعُهُ وَيَظْهَرُ لَهُ بِسَبَبِهِ نَقْصُ حَالٍ، أَمَّا الْمُتَعَالِي عَنِ الشَّهْوَةِ وَالنَّفْرَةِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ فَلَا يُعْقَلُ تَحَقُّقُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ فِي قَوْلِهِ: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة: ١٠٤] (سُورَةُ التَّوْبَةِ: الْآيَةُ ١٠٤) وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا تَمَدَّحَ بِهِ ; لِأَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ لَا يُفِيدُ الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ وَالتَّعْظِيمَ، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: قَبُولُ التَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ يُقْطَعُ بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِجْمَاعًا، وَهَذَا مَحْمَلُ الْآيَةِ. وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَيُقْطَعُ بِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْهَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْأُمَّةِ. وَاخْتُلِفَ هَلْ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْجَمِيعِ؟ وَأَمَّا إِذَا عُيِّنَ إِنْسَانٌ تَائِبٌ فَيُرْجَى قَبُولُ تَوْبَتِهِ بِلَا قَطْعٍ، وَأَمَّا إِذَا فَرَضْنَا تَائِبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ صَحِيحَ التَّوْبَةِ فَقِيلَ يُقْطَعُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَعَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْهَا الْفُقَهَاءُ الْمُحَدِّثُونَ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ تُقْبَلَ تَوْبَةُ جَمِيعِ التَّائِبِينَ. وَذَهَبَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْطَعُ بِهِ عَلَى اللَّهِ بَلْ يَقْوَى فِي الرَّجَاءِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالتَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ رَوْحٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»

ــ

٥٦٩ - ٥٧١ - (مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ مَوْلُودٍ) أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ، صَرَّحَ بِهِ جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: كُلُّ بَنِي آدَمَ. وَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَوْلُودِينَ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ: " «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» "، وَلِمُسْلِمٍ: " «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ» "، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ مَنْ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَلَهُ أَبَوَانِ غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ نَقَلَاهُ إِلَى دِينِهِمَا، فَالتَّقْدِيرُ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَأَبَوَاهُ يَهُودِيَّانِ مَثَلًا فَإِنَّهُمَا يُهَوِّدَانِهِ ثُمَّ يَصِيرُ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ. وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ» ". وَأَصْرَحُ مِنْهَا رِوَايَةُ: " كُلُّ بَنِي آدَمَ "، وَأَشْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَامُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ. وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: ٣٠] (سُورَةُ الرُّومِ: الْآيَةُ ٣٠) الْإِسْلَامُ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فِطْرَةَ اللَّهِ) الْآيَةَ.

وَبِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ: " «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، فَاخْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ» " الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ فَقَالَ: " حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ "، وَرُجِّحَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ} [الروم: ٣٠] (سُورَةُ الرُّومِ: الْآيَةُ ٣٠) لِأَنَّهَا إِضَافَةُ مَدْحٍ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِلُزُومِهَا فَعَلِمَ أَنَّهَا الْإِسْلَامُ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَسَحْنُونٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ الْمُرَادَ حِينَ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ فَقَالَ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: ١٧٢] . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْفِطْرَةِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْهُودٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: (فِطْرَةَ اللَّهِ) وَمَعْنَى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ) اثْبُتْ عَلَى الْعَهْدِ الْقَدِيمِ. ثَانِيهَا: مَجِيءُ رِوَايَةٍ بِلَفْظِ الْمِلَّةِ بَدَلَ الْفِطْرَةِ وَالدِّينِ فِي قَوْلِهِ: (لِلدِّينِ حَنِيفًا) فَهُوَ عَيْنُ الْمِلَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [الأنعام: ١٦١] (سُورَةُ الْأَنْعَامِ: الْآيَةُ ١٦١) . ثَالِثُهَا: التَّشْبِيهُ بِالْمَحْسُوسِ الْمُعَايَنِ لِيُفِيدَ أَنَّ ظُهُورَهُ يَقَعُ فِي الْبَيَانِ مَبْلَغَ هَذَا الْمَحْسُوسِ، قَالَ: وَالْمُرَادُ تَمَكُّنُ النَّاسِ مِنَ الْهُدَى فِي أَصْلِ الْجِبِلَّةِ وَالتَّهَيُّؤِ لِقَبُولِ الدِّينِ، فَلَوْ تُرِكَ الْمَرْءُ عَلَيْهَا لَاسْتَمَرَّ عَلَى لُزُومِهَا وَلَمْ يُفَارِقْهَا إِلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّ حِسَّ هَذَا الدِّينِ ثَابِتٌ فِي النُّفُوسِ وَإِنَّمَا يُعْدَلُ عَنْهُ

لِآفَةٍ مِنَ الْآفَاتِ الْبَشَرِيَّةِ كَالتَّقْلِيدِ، انْتَهَى. وَإِلَى هَذَا مَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فَقَالَ: الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ مُتَأَهِّلَةً لِقَبُولِ الْحَقِّ كَمَا خَلَقَ أَعْيُنَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ قَابِلَةً لِلْمَرْئِيَّاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ، فَمَا دَامَتْ بَاقِيَةً عَلَى ذَلِكَ الْقَبُولِ وَعَلَى تِلْكَ الْأَهْلِيَّةِ أَدْرَكَتِ الْحَقَّ، وَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ الدِّينُ الْحَقُّ، وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَعْلَمُ الدِّينَ ; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: ٧٨] (سُورَةُ النَّحْلِ: الْآيَةُ ٧٨) وَلَكِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ فِطْرَتَهُ مُقْتَضِيَةٌ لِمَعْرِفَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَمَحَبَّتِهِ، فَنَفْسُ الْفِطْرَةِ تَسْتَلْزِمُ الْإِقْرَارَ وَالْمَحَبَّةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ قَبُولِ الْفِطْرَةِ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَهْوِيدِ الْأَبَوَيْنِ مَثَلًا بِحَيْثُ يُخْرِجَانِ الْفِطْرَةَ عَنِ الْقَبُولِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَلَوْ خُلِّيَ وَعَدِمَ الْمُعَارِضُ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى مَحَبَّةِ مَا يُلَائِمُ بَدَنَهُ مِنَ ارْتِضَاعِ اللَّبَنِ حَتَّى يَصْرِفَهُ عَنْهُ الصَّارِفُ، وَمِنْ ثَمَّ شُبِّهَتِ الْفِطْرَةُ بِاللَّبَنِ بَلْ كَانَتْ إِيَّاهُ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، انْتَهَى. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ شَقَاوَةٍ أَوْ سَعَادَةٍ، فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا وُلِدَ عَلَى الْكُفْرِ، فَكَأَنَّهُ أَوَّلُ الْفِطْرَةَ بِالْعِلْمِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ فَأَبَوَاهُ إِلَى آخِرِهِ مَعْنًى لِفِعْلِهِمَا بِهِ مَا هُوَ الْفِطْرَةُ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا فَيُنَافِي التَّمْثِيلَ بِحَالِ الْبَهِيمَةِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِيهِمُ الْمَعْرِفَةَ وَالْإِنْكَارَ، فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ قَالُوا جَمِيعًا بَلَى، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَطَوْعًا، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَكَرْهًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ هَذَا التَّفْصِيلُ عِنْدَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ إِلَّا عَنِ السُّدِّيِّ وَلَمْ يُسْنِدْهُ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَقِيلَ: الْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ أَيْ يُولَدُ سَالِمًا لَا يَعْرِفُ كُفْرًا وَلَا إِيمَانًا ثُمَّ يَعْتَقِدُ إِذَا بَلَغَ التَّكْلِيفَ. وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ: إِنَّهُ يُطَابِقُ التَّمْثِيلَ بِالْبَهِيمَةِ وَلَا يُخَالِفُ حَدِيثَ عِيَاضٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ حُنَفَاءَ أَيْ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُقْتَصَرْ فِي أَحْوَالِ التَّبْدِيلِ عَلَى الْكُفْرِ دُونَ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ لِاسْتِشْهَادِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْآيَةِ مَعْنًى، وَقِيلَ اللَّامُ فِي الْفِطْرَةِ لِلْعَهْدِ أَيْ فِطْرَةِ أَبَوَيْهِ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِمَا ذُكِرَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَمَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَادَّعَى فِيهِ النَّسْخَ فَقَالَ: هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَالْأَمْرُ بِالْجِهَادِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَأَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ مَثَلًا لَمْ يَرِثَاهُ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُمَا يَرِثَاهُ فَدَلَّ عَلَى تَغَيُّرِ الْحُكْمِ. وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ حَادَ عَنِ الْجَوَابِ، وَفِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ وَكَذَا رَدَّهُ غَيْرُهُ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَمْ يُرِدْ إِثْبَاتَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَسَبَبُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ احْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ لَيْسَا بِقَضَاءِ اللَّهِ بَلْ مِمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ إِحْدَاثَهُ، فَحَاوَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ

الْعُلَمَاءُ مُخَالَفَتَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْفِطْرَةِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ الْقَدَرِيَّةِ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَلِذَا احْتَجَّ مَالِكٌ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، انْتَهَى.

رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: سَمِعْتُ مَالِكًا، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ مَالِكٌ: احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَطَرَ الْعِبَادَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ لَا يُضِلُّ أَحَدًا فَإِنَّمَا يُضِلُّ الْكَافِرَ أَبَوَاهُ، فَأَشَارَ مَالِكٌ إِلَى رَدِّهِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ بَعْدَ إِيجَادِهِمْ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَقَدُّمِ الْعِلْمِ الَّذِي يُنْكِرُهُ غُلَاتُهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَهْلُ الْقَدَرِ إِنْ أَثْبَتُوا الْعِلْمَ خُصِمُوا (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ) زَادَ ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَوْ يُمَجِّسَانِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ إِمَّا لِلتَّعْقِيبِ أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ جَزَاءُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَمَنْ تَغَيَّرَ كَانَ بِسَبَبِ أَبَوَيْهِ إِمَّا بِتَعْلِيمِهِمَا إِيَّاهُ أَوْ تَرْغِيبِهِمَا فِيهِ، أَوْ كَوْنِهِ تَبَعًا لَهُمَا فِي الدِّينِ يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَهُ حَكَمُهُمَا، وَخُصَّ الْأَبَوَانِ بِالذِّكْرِ لِلْغَالِبِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ حَكَمَ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ الَّذِي يَمُوتُ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ فَقَالَ: اسْتَقَرَّ عَمَلُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِأَطْفَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَاسْتَشْكَلَ الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَقَعُ لَهُ التَّهَوُّدُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا ذُكِرَ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا يَبْقَى مُسْلِمًا لَا يَقَعُ لَهُ شَيْءٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْكُفْرَ لَيْسَ مِنْ ذَاتِ الْمَوْلُودِ وَمُقْتَضَى طَبْعِهِ بَلْ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِسَبَبٍ خَارِجِيٍّ، فَإِنْ سَلِمَ مِنْهُ اسْتَمَرَّ عَلَى الْحَقِّ.

(كَمَا تُنَاتَجُ) بِفَوْقِيَّةٍ فَنُونٍ فَأَلِفٍ فَفَوْقِيَّةٍ فَجِيمٍ، أَيْ يُولَدُ (الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالْمَدِّ، نَعْتٌ لِبَهِيمَةٍ، أَيْ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ بَدَنِهَا شَيْءٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ أَعْضَائِهَا (هَلْ تُحِسُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ، أَيْ تُبْصِرُ، وَفِي رِوَايَةٍ: هَلْ تَرَى (فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ، أَيْ مَقْطُوعَةِ الْأَنْفِ أَوِ الْأُذُنِ وَالْأَطْرَافِ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ أَيْ بَهِيمَةٍ تَقُولُ فِيهَا هَذَا الْقَوْلَ، أَيْ كُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا قَالَهُ لِظُهُورِ سَلَامَتِهَا، زَادَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا. قَالَ الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْمَوْلُودَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ يُغَيِّرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَوَاهُ، كَمَا أَنَّ الْبَهِيمَةَ تُولَدُ تَامَّةً لَا جَدْعَ فِيهَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَإِنَّمَا تُجْدَعُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُغَيَّرُ خَلْقُهَا. وَقَالَ فِي الْمُفْهِمِ: يَعْنِي أَنَّ الْبَهِيمَةَ تَلِدُ الْوَلَدَ كَامِلَ الْخِلْقَةِ فَلَوْ تُرِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَرِيًّا مِنَ الْعَيْبِ لَكِنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِيهِ بِقَطْعِ أُذُنِهِ مَثَلًا، فَخَرَجَ عَنِ الْأَصْلِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ وَاقِعٌ وَوَجْهٌ وَاضِحٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: كَمَا حَالَ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي يُهَوِّدَانِهِ، أَيْ يُهَوِّدَانِ الْمَوْلُودَ بَعْدَ خَلْقِهِ عَلَى الْفِطْرَةِ حَالَ كَوْنِهِ شَبِيهًا بِالْبَهِيمَةِ الَّتِي جُدِعَتْ بَعْدَ أَنْ خُلِقَتْ سَلِيمَةً، أَوْ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ يُغَيِّرَانِهِ مِثْلَ تَغْيِيرِهِمُ الْبَهِيمَةَ السَّلِيمَةَ، وَقَدْ تَنَازَعَتْ

الْأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ فِي كَمَا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.

(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنَا مِنْ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ ; لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ الْأَشْيَاءِ طَرِيقٌ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْهَا، أَيْ قَدْ رَأَيْتَ (الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ) لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ أَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ (قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَيْ لَوْ أَبْقَاهُمْ فَلَا تَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَيْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا وَلَا يَرْجِعُونَ فَيَعْمَلُونَ، أَوْ أَخْبَرَ بِعِلْمِ الشَّيْءِ لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُونُ؟ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ يُجَازَوْنَ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُجَازَى بِمَا لَمْ يَعْمَلْ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا مَا يَقْتَضِي تَعْذِيبَهُمْ ضَرُورَةَ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَا لِأَجْلِ الْأَعْمَالِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ لَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، بَلِ الْمُوجِبُ لَهُمَا اللُّطْفُ الرَّبَّانِيُّ وَالْخِذْلَانُ الْإِلَهِيُّ الْمُقَدَّرُ لَهُمَا فِي الْأَزَلِ، فَالْأَوْلَى فِيهِمَا التَّوَقُّفُ وَعَدَمُ الْجَزْمِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ أَعْمَالَهُمْ مَوْكُولَةٌ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ فِيمَا يَعُودُ إِلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا، وَتَوَقَّفَ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي مُسْلِمٍ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ لِجِنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقُلْتُ: طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَقَالَ: أَوَغَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ» ". وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنِ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ، أَوْ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ. انْتَهَى.

وَأَطْلَقَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِجْمَاعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الْخِلَافُ فِي غَيْرِ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ. انْتَهَى. وَأَمَّا أَطْفَالُ الْكُفَّارِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِيهِمْ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ فِي الْمَشِيئَةِ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَمَّادِينَ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ مَالِكٍ وَلَا نَصَّ عَنْهُ لَكِنْ صَرَّحَ أَصْحَابُهُ بِأَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ وَأَطْفَالَ الْكُفَّارِ فِي الْمَشِيئَةِ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» . ثَانِيهَا: أَنَّهُمْ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ، حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنِ الْأَزَارِقَةِ وَالْخَوَارِجِ، وَلِأَحْمَدَ «عَنْ عَائِشَةَ: " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وِلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ فِي الْجَنَّةِ، وَعَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: لَمْ يُدْرِكُوا الْأَعْمَالَ، قَالَ: رَبُّكِ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ لَوْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ» ". وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا ; لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ أَبَا عَقِيلٍ مَوْلَى بُهَيَّةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ فِي بَرْزَخٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ إِذْ لَا حَسَنَاتٍ لَهُمْ يَدْخُلُونَ بِهَا الْجَنَّةَ وَلَا سَيِّئَاتٍ يَدْخُلُونَ بِهَا النَّارَ.

رَابِعُهَا: أَنَّهُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، رَوَى الطَّيَالِسِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرِيُّ وَالْبَزَّارُ مَرْفُوعًا: " «أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ". وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. خَامِسُهَا: يَصِيرُونَ تُرَابًا. سَادِسُهَا: فِي النَّارِ، حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ أَحْمَدَ وَغَلَّطَهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِأَنَّهُ قَوْلٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنِ الْإِمَامِ أَصْلًا، وَهُوَ غَيْرُ الثَّانِي ; لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي النَّارِ أَنْ يَكُونُوا مَعَ آبَائِهِمْ، كَمَا أَنَّ عُصَاةَ الْمُوَحِّدِينَ فِي النَّارِ لَا مَعَ الْكُفَّارِ. سَابِعُهَا: " «يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ بِأَنْ تُرْفَعَ لَهُمْ نَارٌ فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا وَمَنْ أَبَى عُذِّبَ» ". أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ. وَقَدْ صَحَّتْ مَسْأَلَةُ الِامْتِحَانِ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ، وَتُعُقِّبُ بِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ فَلَا عَمَلَ فِيهَا وَلَا ابْتِلَاءَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ. وَأَمَّا فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: ٤٢] (سُورَةُ الْقَلَمِ: الْآيَةُ ٤٢) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: " «أَنَّ النَّاسَ يُؤْمَرُونَ بِالسُّجُودِ فَيَصِيرُ ظَهْرُ الْمُنَافِقِ طَبَقًا فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْجُدَ» ". ثَامِنُهَا: الْوَقْفُ. تَاسِعُهَا: الْإِمْسَاكُ. وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا دِقَّةٌ. عَاشِرُهَا: أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١٥) وَإِذَا لَمْ يُعَذِّبِ الْعَاقِلَ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ فَأَوْلَى غَيْرُهُ، انْتَهَى.

وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّيْخَ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمَ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ وَهُوَ عَامٌّ يَشْمَلُ أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرَهُمْ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاذٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: " «سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدُ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ فَنَزَلَتْ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] » (سُورَةُ الْأَنْعَامِ: الْآيَةُ ١٦٤) فَقَالَ: هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَقَالَ: فِي الْجَنَّةِ ". قَالَ الْحَافِظُ: وَأَبُو مُعَاذٍ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ، انْتَهَى. وَحَدِيثُ الْبَابِ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ»

ــ

٥٧٠ - ٥٧٢ - (مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ) أَيْ مَيِّتًا، وَذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ

وَخَوْفِ ذَهَابِ الدِّينِ لِغَلَبَةِ الْبَاطِلِ وَأَهْلِهِ وَظُهُورِ الْمَعَاصِي، أَوْ مَا يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ مِنَ الْمُصِيبَةِ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ أَوْ دُنْيَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِدِينِهِ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ» ". وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " «سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ لَوْ وَجَدَ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ يُبَاعُ لَاشْتَرَاهُ» ". وَعَلَيْهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَهَذَا الْعَيْشُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ ... أَلَا مَوْتٌ يُبَاعُ فَأَشْتَرِيهِ.

وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَقَعُ الْبَلَاءُ وَالشِّدَّةُ حَتَّى يَكُونَ الْمَوْتُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ أَهْوَنَ عَلَى الْمَرْءِ فَيَتَمَنَّى أَهْوَنَ الْمُصِيبَتَيْنِ فِي اعْتِقَادِهِ، وَذَكَرَ الرَّجُلَ لِلْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْمَرْأَةُ يُمْكِنُ أَنْ تَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِذَلِكَ أَيْضًا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ أَنَّ الرِّجَالَ هُمُ الْمُبْتَلُونَ بِالشَّدَائِدِ، وَالنِّسَاءُ مُحَجَّبَاتٌ لَا يَصْلَيْنَ نَارَ الْفِتْنَةِ خَصَّهُمْ، كَمَا قِيلَ:

كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ.

قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: وَلَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَلَا كُلِّ زَمَنٍ وَلَا فِي جَمِيعِ النَّاسِ، بَلْ يَصْدُقُ عَلَى اتِّفَاقِهِ لِلْبَعْضِ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ وَفِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ، وَفِي تَعْلِيقِ تَمَنِّيهِ بِالْمُرُورِ إِشْعَارٌ بِشِدَّةِ مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ مِنْ فَسَادِ الْحَالِ حَالَتَئِذٍ ; إِذِ الْمَرْءُ قَدْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْضَارِ شَيْءٍ، فَإِذَا شَاهَدَ الْمَوْتَى وَرَأَى الْقُبُورَ نَشَزَ بِطَبْعِهِ وَنَفَرَ بِسَجِيَّتِهِ مِنْ تَمَنِّيهِ، فَلِقُوَّةِ الشِّدَّةِ لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهُ مَا شَاهَدَهُ مِنْ وَحْشَةِ الْقُبُورِ، وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ; لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِخْبَارٌ عَمَّا يَكُونُ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يُعَارِضُ هَذَا قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ» ". «وَقَوْلَ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ» ; لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ بِشِدَّةِ مَا يَنْزِلُ بِالنَّاسِ مِنْ فَسَادِ الدِّينِ لَا لِضَرَرٍ يُصِيبُ جِسْمَهُ يَحُطُّ خَطَايَاهُ. وَقَدْ قَالَ عَتِيقٌ الْغِفَارِيُّ زَمَنَ الطَّاعُونِ: يَا طَاعُونُ خُذْنِي إِلَيْكَ، فَقِيلَ: أَلَمْ يَأْتِ النَّهْيُ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «بَادِرُوا بِالْمَوْتِ إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ وَنِسَاءً يَتَّخِذُونَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ يُغَنِّيهِمْ بِالْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا» . وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «وَإِذَا أَرَدْتَ بِالنَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ» " وَقَوْلُ عُمَرَ: " اللَّهُمَّ قَدْ ضَعُفَتْ قُوَّتِي وَكَبُرَتْ سِنِّي وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي فَاقْبِضْنِي غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ "، انْتَهَى. وَهُوَ نَاظِرٌ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الْفِتَنِ، الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ»

ــ

٥٦٥ - ٥٦٧ - (مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ) أَيْ جَمِيعَ جِسْمِهِ وَيَنْعَدِمُ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَكِنْ زَالَتْ أَعْرَاضُهَا الْمَعْهُودَةُ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَمْ يَدُلَّ قَاطِعُ سَمْعِي عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا، وَلَا بَعْدَ أَنْ تَصِيرَ أَجْسَامُ الْعِبَادِ بِصِفَةِ أَجْسَامِ التُّرَابِ، ثُمَّ تُعَادُ بِتَرْكِيبِهَا إِلَى الْمَعْهُودِ (إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ، وَيُقَالُ بِالْمِيمِ وَهُوَ الْعُصْعُصُ أَسْفَلُ الْعَظْمِ الْهَابِطِ مِنَ الصُّلْبِ، فَإِنَّهُ قَاعِدَةُ الْبَدَنِ كَقَاعِدَةِ الْجِدَارِ فَلَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ ; لِأَنَّهُ (مِنْهُ خُلِقَ) أَيِ ابْتُدِئَ خَلْقُهُ (وَمِنْهُ يُرَكَّبُ) خَلْقُهُ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنَ احْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ وَابْتِدَاءُ التَّرْكِيبِ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الْبَاجِيُّ فَقَالَ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا خُلِقَ مِنَ الْإِنْسَانِ وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى مِنْهُ لِيُعَادَ تَرْكِيبُ الْخَلْقِ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا عُمُومٌ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ لِمَا رُوِيَ فِي أَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُهُمْ، وَحَسْبُكَ مَا جَاءَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ، إِذْ أُخْرِجُوا بَعْدَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً لَيِّنَةً أَجْسَادُهُمْ، يَعْنِي أَطْرَافَهُمْ فَكَأَنَّهُ قَالَهُ مَنْ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ فَلَا تَأْكُلُ مِنْهُ عَجْبَ الذَّنَبِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ لَا تَأْكُلَهُ جَازَ أَنْ لَا تَأْكُلَ الشُّهَدَاءَ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا التَّسْلِيمُ لِمَنْ يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، انْتَهَى. وَزَادَ غَيْرُهُ: الصِّدِّيقِينَ وَالْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ، وَالْمُؤَذِّنَ الْمُحْتَسِبَ، وَحَامِلَ الْقُرْآنِ الْعَامِلَ بِهِ، وَالْمُرَابِطَ، وَالْمَيِّتَ

بِالطَّاعُونِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَالْمُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالْمُحِبِّينَ لِلَّهِ، فَتِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ»

ــ

٥٦٧ - ٥٦٩ - (مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَقَّاهُ عَنِ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ، قَالَهُ الْحَافِظُ. - (إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي) عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ إِنْ عَايَنَ مَا يُحِبُّ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَإِنْ عَايَنَ مَا يَكْرَهُ لَمْ يُحِبَّ الْخُرُوجَ مِنَ الدُّنْيَا، هَذَا مَعْنَاهُ كَمَا تَشْهَدُ بِهِ الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ، وَذَلِكَ حِينَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَوْتَ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ كَرَاهَتِهِ نَبِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ، وَلَكِنَّ الْمَكْرُوهَ مِنْ ذَلِكَ إِيثَارُ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى اللَّهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. (أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ) أَيْ أَرَدْتُ لَهُ الْخَيْرَ. (وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ) زَادَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «فَقَالَتْ عَائِشَةُ: " إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» ".

وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ وَيُوَفِّقُهُ حَتَّى يُقَالَ مَاتَ بِخَيْرِ مَا كَانَ، فَإِذَا حُضِرَ وَرَأَى إِلَى ثَوَابِهِ اشْتَاقَتْ نَفْسُهُ، فَذَلِكَ حِينَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ شَيْطَانًا فَأَضَلَّهُ وَفَتَنَهُ حَتَّى يُقَالَ مَاتَ بِشَرِّ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِذَا حُضِرَ وَرَأَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ جَزِعَتْ نَفْسُهُ فَذَلِكَ حِينَ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» ". وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى مَحَبَّةِ لِقَاءِ اللَّهِ إِيثَارُ الْعَبْدِ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَلَا يُحِبُّ طُولَ الْقِيَامِ فِيهَا لَكِنْ يَسْتَعِدُّ لِلِارْتِحَالِ عَنْهَا، وَاللِّقَاءُ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا الرُّؤْيَةُ، وَمِنْهَا الْبَعْثُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} [الأنعام: ٣١] (سُورَةُ الْأَنْعَامِ: الْآيَةُ ٣١) أَيِ الْبَعْثِ، وَمِنْهَا الْمَوْتُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت: ٥] (سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: الْآيَةُ ٥) وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ:

الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ الْمَصِيرُ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ وَطَلَبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَيْسَ الْغَرَضُ بِهِ الْمَوْتَ ; لِأَنَّ كُلًّا يَكْرَهُهُ، فَمَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا وَأَبْغَضَهَا أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَمَنْ آثَرَهَا وَرَكَنَ إِلَيْهَا كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لِقَاءُ عَبْدِهِ إِرَادَةَ الْخَيْرِ لَهُ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ. وَفِي الْكَوَاكِبِ: إِنْ قِيلَ الشَّرْطُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ بَلِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ. قُلْتُ: مِثْلُهُ يُؤَوَّلُ بِالْإِخْبَارِ، أَيْ أَخْبِرْهُ بِأَنِّي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَكَذَا الْكَرَاهَةُ. الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ أَذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ فَغَفَرَ لَهُ»

ــ

٥٦٨ - ٥٧٠ - (مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَالتَّخْفِيفِ (عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) هَكَذَا رَفَعَهُ أَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَوَقَفَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَمُصْعَبٌ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فِي رَفْعِهِ ; لِأَنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ (قَالَ رَجُلٌ) قَالَ الْحَافِظُ: قِيلَ اسْمُهُ جُهَيْنَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا. وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ لِلْخَطِيبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، يَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: عِنْدَ جُهَيْنَةَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ ". (لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ) لَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي التَّوْحِيدَ عَنْهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ مِثْلَ هَذَا فِي الْأَكْثَرِ مِنْ فِعْلِهِ كَحَدِيثِ: لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ. قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَفِي الصَّحِيحِ: مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ. وَفِي ابْنِ حِبَّانَ: أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا أَيْ لِلْقُبُورِ يَسْرِقُ أَكْفَانَ الْمَوْتَى. (لِأَهْلِهِ) وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: (إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ) وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرَقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي (ثُمَّ أَذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بِخِفَّةِ الدَّالِ وَشَدِّهَا مِنَ الْقَدَرِ وَهُوَ الْقَضَاءُ، لَا مِنَ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: ٨٧] (سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: الْآيَةُ ٨٧) أَوْ بِمَعْنَى ضَيَّقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: ٧] (سُورَةُ الطَّلَاقِ: الْآيَةُ ٧) وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ بَعْضَ صِفَاتِ اللَّهِ وَهِيَ الْقُدْرَةُ، وَلَا يَكْفُرُ جَاهِلُ بَعْضِهَا، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ (لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) الْمُوَحِّدِينَ (فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ) زَادَ فِي

رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، وَزَادَ أَبُو عَوَانَةَ: فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى رَدِّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخِطَابَ لِرُوحِهِ ; لِأَنَّ التَّحْرِيقَ وَالتَّذْرِيَةَ إِنَّمَا وَقَعَا عَلَى الْجَسَدِ وَهُوَ الَّذِي جُمِعَ وَأُعِيدَ (ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ) إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُهُ مِنْ خَشْيَتِكَ أَيْ خَوْفَ عِقَابِكَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إِيمَانِهِ إِذِ الْخَشْيَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ بَلْ لِعَالِمٍ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ٢٨] (سُورَةُ فَاطِرٍ: الْآيَةُ ٢٨) وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَخَافَهُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ، قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فِي إِيمَانِهِ، وَالْأُصُولُ تُعَضِّدُهَا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: ٤٨] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٤٨) وَقَدْ (قَالَ: فَغَفَرَ لَهُ) وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عَنِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: ذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ إِنَّمَا غُفِرَ لَهُ لِتَوْبَتِهِ الَّتِي تَابَهَا ; لِأَنَّ قَبُولَهَا وَاجِبٌ عَقْلًا عِنْدَهُمْ، وَالْأَشْعَرِيُّ قَطَعَ بِهَا سَمْعًا، وَغَيْرُهُ جَوَّزَ الْقَبُولَ كَسَائِرِ الطَّاعَاتِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قَبُولُ التَّوْبَةِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَقْلًا، وَعِنْدَنَا وَاجِبٌ بِحُكْمِ الْوَعْدِ وَالتَّفَضُّلِ وَالْإِحْسَانِ، إِذْ لَوْ وَجَبَ الْقَبُولُ عَلَى اللَّهِ عَقْلًا لَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ إِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَهُوَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَكْمِلًا بِالْقَبُولِ، وَالْمُسْتَكْمِلُ بِالْغَيْرِ نَاقِصٌ بِذَاتِهِ وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ مُحَالٌ، وَلِأَنَّ الذَّمَّ إِنَّمَا يَمْنَعُ مِنَ الْفِعْلِ مَنْ يَتَأَذَّى لِسَمَاعِهِ وَيَنْفِرُ عَنْهُ طَبْعُهُ وَيَظْهَرُ لَهُ بِسَبَبِهِ نَقْصُ حَالٍ، أَمَّا الْمُتَعَالِي عَنِ الشَّهْوَةِ وَالنَّفْرَةِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ فَلَا يُعْقَلُ تَحَقُّقُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ فِي قَوْلِهِ: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة: ١٠٤] (سُورَةُ التَّوْبَةِ: الْآيَةُ ١٠٤) وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا تَمَدَّحَ بِهِ ; لِأَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ لَا يُفِيدُ الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ وَالتَّعْظِيمَ، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: قَبُولُ التَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ يُقْطَعُ بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِجْمَاعًا، وَهَذَا مَحْمَلُ الْآيَةِ. وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَيُقْطَعُ بِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْهَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْأُمَّةِ. وَاخْتُلِفَ هَلْ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْجَمِيعِ؟ وَأَمَّا إِذَا عُيِّنَ إِنْسَانٌ تَائِبٌ فَيُرْجَى قَبُولُ تَوْبَتِهِ بِلَا قَطْعٍ، وَأَمَّا إِذَا فَرَضْنَا تَائِبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ صَحِيحَ التَّوْبَةِ فَقِيلَ يُقْطَعُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَعَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْهَا الْفُقَهَاءُ الْمُحَدِّثُونَ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ تُقْبَلَ تَوْبَةُ جَمِيعِ التَّائِبِينَ. وَذَهَبَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْطَعُ بِهِ عَلَى اللَّهِ بَلْ يَقْوَى فِي الرَّجَاءِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالتَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ رَوْحٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»

ــ

٥٦٩ - ٥٧١ - (مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ مَوْلُودٍ) أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ، صَرَّحَ بِهِ جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: كُلُّ بَنِي آدَمَ. وَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَوْلُودِينَ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ: " «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» "، وَلِمُسْلِمٍ: " «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ» "، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ مَنْ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَلَهُ أَبَوَانِ غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ نَقَلَاهُ إِلَى دِينِهِمَا، فَالتَّقْدِيرُ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَأَبَوَاهُ يَهُودِيَّانِ مَثَلًا فَإِنَّهُمَا يُهَوِّدَانِهِ ثُمَّ يَصِيرُ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ. وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ» ". وَأَصْرَحُ مِنْهَا رِوَايَةُ: " كُلُّ بَنِي آدَمَ "، وَأَشْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَامُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ. وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: ٣٠] (سُورَةُ الرُّومِ: الْآيَةُ ٣٠) الْإِسْلَامُ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فِطْرَةَ اللَّهِ) الْآيَةَ.

وَبِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ: " «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، فَاخْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ» " الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ فَقَالَ: " حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ "، وَرُجِّحَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ} [الروم: ٣٠] (سُورَةُ الرُّومِ: الْآيَةُ ٣٠) لِأَنَّهَا إِضَافَةُ مَدْحٍ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِلُزُومِهَا فَعَلِمَ أَنَّهَا الْإِسْلَامُ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَسَحْنُونٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ الْمُرَادَ حِينَ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ فَقَالَ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: ١٧٢] . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْفِطْرَةِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْهُودٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: (فِطْرَةَ اللَّهِ) وَمَعْنَى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ) اثْبُتْ عَلَى الْعَهْدِ الْقَدِيمِ. ثَانِيهَا: مَجِيءُ رِوَايَةٍ بِلَفْظِ الْمِلَّةِ بَدَلَ الْفِطْرَةِ وَالدِّينِ فِي قَوْلِهِ: (لِلدِّينِ حَنِيفًا) فَهُوَ عَيْنُ الْمِلَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [الأنعام: ١٦١] (سُورَةُ الْأَنْعَامِ: الْآيَةُ ١٦١) . ثَالِثُهَا: التَّشْبِيهُ بِالْمَحْسُوسِ الْمُعَايَنِ لِيُفِيدَ أَنَّ ظُهُورَهُ يَقَعُ فِي الْبَيَانِ مَبْلَغَ هَذَا الْمَحْسُوسِ، قَالَ: وَالْمُرَادُ تَمَكُّنُ النَّاسِ مِنَ الْهُدَى فِي أَصْلِ الْجِبِلَّةِ وَالتَّهَيُّؤِ لِقَبُولِ الدِّينِ، فَلَوْ تُرِكَ الْمَرْءُ عَلَيْهَا لَاسْتَمَرَّ عَلَى لُزُومِهَا وَلَمْ يُفَارِقْهَا إِلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّ حِسَّ هَذَا الدِّينِ ثَابِتٌ فِي النُّفُوسِ وَإِنَّمَا يُعْدَلُ عَنْهُ

لِآفَةٍ مِنَ الْآفَاتِ الْبَشَرِيَّةِ كَالتَّقْلِيدِ، انْتَهَى. وَإِلَى هَذَا مَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فَقَالَ: الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ مُتَأَهِّلَةً لِقَبُولِ الْحَقِّ كَمَا خَلَقَ أَعْيُنَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ قَابِلَةً لِلْمَرْئِيَّاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ، فَمَا دَامَتْ بَاقِيَةً عَلَى ذَلِكَ الْقَبُولِ وَعَلَى تِلْكَ الْأَهْلِيَّةِ أَدْرَكَتِ الْحَقَّ، وَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ الدِّينُ الْحَقُّ، وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَعْلَمُ الدِّينَ ; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: ٧٨] (سُورَةُ النَّحْلِ: الْآيَةُ ٧٨) وَلَكِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ فِطْرَتَهُ مُقْتَضِيَةٌ لِمَعْرِفَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَمَحَبَّتِهِ، فَنَفْسُ الْفِطْرَةِ تَسْتَلْزِمُ الْإِقْرَارَ وَالْمَحَبَّةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ قَبُولِ الْفِطْرَةِ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَهْوِيدِ الْأَبَوَيْنِ مَثَلًا بِحَيْثُ يُخْرِجَانِ الْفِطْرَةَ عَنِ الْقَبُولِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَلَوْ خُلِّيَ وَعَدِمَ الْمُعَارِضُ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى مَحَبَّةِ مَا يُلَائِمُ بَدَنَهُ مِنَ ارْتِضَاعِ اللَّبَنِ حَتَّى يَصْرِفَهُ عَنْهُ الصَّارِفُ، وَمِنْ ثَمَّ شُبِّهَتِ الْفِطْرَةُ بِاللَّبَنِ بَلْ كَانَتْ إِيَّاهُ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، انْتَهَى. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ شَقَاوَةٍ أَوْ سَعَادَةٍ، فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا وُلِدَ عَلَى الْكُفْرِ، فَكَأَنَّهُ أَوَّلُ الْفِطْرَةَ بِالْعِلْمِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ فَأَبَوَاهُ إِلَى آخِرِهِ مَعْنًى لِفِعْلِهِمَا بِهِ مَا هُوَ الْفِطْرَةُ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا فَيُنَافِي التَّمْثِيلَ بِحَالِ الْبَهِيمَةِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِيهِمُ الْمَعْرِفَةَ وَالْإِنْكَارَ، فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ قَالُوا جَمِيعًا بَلَى، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَطَوْعًا، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَكَرْهًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ هَذَا التَّفْصِيلُ عِنْدَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ إِلَّا عَنِ السُّدِّيِّ وَلَمْ يُسْنِدْهُ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَقِيلَ: الْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ أَيْ يُولَدُ سَالِمًا لَا يَعْرِفُ كُفْرًا وَلَا إِيمَانًا ثُمَّ يَعْتَقِدُ إِذَا بَلَغَ التَّكْلِيفَ. وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ: إِنَّهُ يُطَابِقُ التَّمْثِيلَ بِالْبَهِيمَةِ وَلَا يُخَالِفُ حَدِيثَ عِيَاضٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ حُنَفَاءَ أَيْ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُقْتَصَرْ فِي أَحْوَالِ التَّبْدِيلِ عَلَى الْكُفْرِ دُونَ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ لِاسْتِشْهَادِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْآيَةِ مَعْنًى، وَقِيلَ اللَّامُ فِي الْفِطْرَةِ لِلْعَهْدِ أَيْ فِطْرَةِ أَبَوَيْهِ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِمَا ذُكِرَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَمَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَادَّعَى فِيهِ النَّسْخَ فَقَالَ: هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَالْأَمْرُ بِالْجِهَادِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَأَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ مَثَلًا لَمْ يَرِثَاهُ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُمَا يَرِثَاهُ فَدَلَّ عَلَى تَغَيُّرِ الْحُكْمِ. وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ حَادَ عَنِ الْجَوَابِ، وَفِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ وَكَذَا رَدَّهُ غَيْرُهُ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَمْ يُرِدْ إِثْبَاتَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَسَبَبُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ احْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ لَيْسَا بِقَضَاءِ اللَّهِ بَلْ مِمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ إِحْدَاثَهُ، فَحَاوَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ

الْعُلَمَاءُ مُخَالَفَتَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْفِطْرَةِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ الْقَدَرِيَّةِ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَلِذَا احْتَجَّ مَالِكٌ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، انْتَهَى.

رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: سَمِعْتُ مَالِكًا، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ مَالِكٌ: احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَطَرَ الْعِبَادَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ لَا يُضِلُّ أَحَدًا فَإِنَّمَا يُضِلُّ الْكَافِرَ أَبَوَاهُ، فَأَشَارَ مَالِكٌ إِلَى رَدِّهِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ بَعْدَ إِيجَادِهِمْ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَقَدُّمِ الْعِلْمِ الَّذِي يُنْكِرُهُ غُلَاتُهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَهْلُ الْقَدَرِ إِنْ أَثْبَتُوا الْعِلْمَ خُصِمُوا (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ) زَادَ ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَوْ يُمَجِّسَانِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ إِمَّا لِلتَّعْقِيبِ أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ جَزَاءُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَمَنْ تَغَيَّرَ كَانَ بِسَبَبِ أَبَوَيْهِ إِمَّا بِتَعْلِيمِهِمَا إِيَّاهُ أَوْ تَرْغِيبِهِمَا فِيهِ، أَوْ كَوْنِهِ تَبَعًا لَهُمَا فِي الدِّينِ يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَهُ حَكَمُهُمَا، وَخُصَّ الْأَبَوَانِ بِالذِّكْرِ لِلْغَالِبِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ حَكَمَ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ الَّذِي يَمُوتُ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ فَقَالَ: اسْتَقَرَّ عَمَلُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِأَطْفَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَاسْتَشْكَلَ الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَقَعُ لَهُ التَّهَوُّدُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا ذُكِرَ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا يَبْقَى مُسْلِمًا لَا يَقَعُ لَهُ شَيْءٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْكُفْرَ لَيْسَ مِنْ ذَاتِ الْمَوْلُودِ وَمُقْتَضَى طَبْعِهِ بَلْ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِسَبَبٍ خَارِجِيٍّ، فَإِنْ سَلِمَ مِنْهُ اسْتَمَرَّ عَلَى الْحَقِّ.

(كَمَا تُنَاتَجُ) بِفَوْقِيَّةٍ فَنُونٍ فَأَلِفٍ فَفَوْقِيَّةٍ فَجِيمٍ، أَيْ يُولَدُ (الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالْمَدِّ، نَعْتٌ لِبَهِيمَةٍ، أَيْ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ بَدَنِهَا شَيْءٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ أَعْضَائِهَا (هَلْ تُحِسُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ، أَيْ تُبْصِرُ، وَفِي رِوَايَةٍ: هَلْ تَرَى (فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ، أَيْ مَقْطُوعَةِ الْأَنْفِ أَوِ الْأُذُنِ وَالْأَطْرَافِ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ أَيْ بَهِيمَةٍ تَقُولُ فِيهَا هَذَا الْقَوْلَ، أَيْ كُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا قَالَهُ لِظُهُورِ سَلَامَتِهَا، زَادَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا. قَالَ الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْمَوْلُودَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ يُغَيِّرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَوَاهُ، كَمَا أَنَّ الْبَهِيمَةَ تُولَدُ تَامَّةً لَا جَدْعَ فِيهَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَإِنَّمَا تُجْدَعُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُغَيَّرُ خَلْقُهَا. وَقَالَ فِي الْمُفْهِمِ: يَعْنِي أَنَّ الْبَهِيمَةَ تَلِدُ الْوَلَدَ كَامِلَ الْخِلْقَةِ فَلَوْ تُرِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَرِيًّا مِنَ الْعَيْبِ لَكِنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِيهِ بِقَطْعِ أُذُنِهِ مَثَلًا، فَخَرَجَ عَنِ الْأَصْلِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ وَاقِعٌ وَوَجْهٌ وَاضِحٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: كَمَا حَالَ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي يُهَوِّدَانِهِ، أَيْ يُهَوِّدَانِ الْمَوْلُودَ بَعْدَ خَلْقِهِ عَلَى الْفِطْرَةِ حَالَ كَوْنِهِ شَبِيهًا بِالْبَهِيمَةِ الَّتِي جُدِعَتْ بَعْدَ أَنْ خُلِقَتْ سَلِيمَةً، أَوْ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ يُغَيِّرَانِهِ مِثْلَ تَغْيِيرِهِمُ الْبَهِيمَةَ السَّلِيمَةَ، وَقَدْ تَنَازَعَتْ

الْأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ فِي كَمَا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.

(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنَا مِنْ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ ; لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ الْأَشْيَاءِ طَرِيقٌ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْهَا، أَيْ قَدْ رَأَيْتَ (الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ) لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ أَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ (قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَيْ لَوْ أَبْقَاهُمْ فَلَا تَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَيْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا وَلَا يَرْجِعُونَ فَيَعْمَلُونَ، أَوْ أَخْبَرَ بِعِلْمِ الشَّيْءِ لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُونُ؟ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ يُجَازَوْنَ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُجَازَى بِمَا لَمْ يَعْمَلْ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا مَا يَقْتَضِي تَعْذِيبَهُمْ ضَرُورَةَ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَا لِأَجْلِ الْأَعْمَالِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ لَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، بَلِ الْمُوجِبُ لَهُمَا اللُّطْفُ الرَّبَّانِيُّ وَالْخِذْلَانُ الْإِلَهِيُّ الْمُقَدَّرُ لَهُمَا فِي الْأَزَلِ، فَالْأَوْلَى فِيهِمَا التَّوَقُّفُ وَعَدَمُ الْجَزْمِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ أَعْمَالَهُمْ مَوْكُولَةٌ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ فِيمَا يَعُودُ إِلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا، وَتَوَقَّفَ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي مُسْلِمٍ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ لِجِنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقُلْتُ: طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَقَالَ: أَوَغَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ» ". وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنِ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ، أَوْ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ. انْتَهَى.

وَأَطْلَقَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِجْمَاعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الْخِلَافُ فِي غَيْرِ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ. انْتَهَى. وَأَمَّا أَطْفَالُ الْكُفَّارِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِيهِمْ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ فِي الْمَشِيئَةِ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَمَّادِينَ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ مَالِكٍ وَلَا نَصَّ عَنْهُ لَكِنْ صَرَّحَ أَصْحَابُهُ بِأَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ وَأَطْفَالَ الْكُفَّارِ فِي الْمَشِيئَةِ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» . ثَانِيهَا: أَنَّهُمْ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ، حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنِ الْأَزَارِقَةِ وَالْخَوَارِجِ، وَلِأَحْمَدَ «عَنْ عَائِشَةَ: " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وِلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ فِي الْجَنَّةِ، وَعَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: لَمْ يُدْرِكُوا الْأَعْمَالَ، قَالَ: رَبُّكِ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ لَوْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ» ". وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا ; لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ أَبَا عَقِيلٍ مَوْلَى بُهَيَّةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ فِي بَرْزَخٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ إِذْ لَا حَسَنَاتٍ لَهُمْ يَدْخُلُونَ بِهَا الْجَنَّةَ وَلَا سَيِّئَاتٍ يَدْخُلُونَ بِهَا النَّارَ.

رَابِعُهَا: أَنَّهُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، رَوَى الطَّيَالِسِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرِيُّ وَالْبَزَّارُ مَرْفُوعًا: " «أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ". وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. خَامِسُهَا: يَصِيرُونَ تُرَابًا. سَادِسُهَا: فِي النَّارِ، حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ أَحْمَدَ وَغَلَّطَهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِأَنَّهُ قَوْلٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنِ الْإِمَامِ أَصْلًا، وَهُوَ غَيْرُ الثَّانِي ; لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي النَّارِ أَنْ يَكُونُوا مَعَ آبَائِهِمْ، كَمَا أَنَّ عُصَاةَ الْمُوَحِّدِينَ فِي النَّارِ لَا مَعَ الْكُفَّارِ. سَابِعُهَا: " «يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ بِأَنْ تُرْفَعَ لَهُمْ نَارٌ فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا وَمَنْ أَبَى عُذِّبَ» ". أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ. وَقَدْ صَحَّتْ مَسْأَلَةُ الِامْتِحَانِ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ، وَتُعُقِّبُ بِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ فَلَا عَمَلَ فِيهَا وَلَا ابْتِلَاءَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ. وَأَمَّا فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: ٤٢] (سُورَةُ الْقَلَمِ: الْآيَةُ ٤٢) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: " «أَنَّ النَّاسَ يُؤْمَرُونَ بِالسُّجُودِ فَيَصِيرُ ظَهْرُ الْمُنَافِقِ طَبَقًا فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْجُدَ» ". ثَامِنُهَا: الْوَقْفُ. تَاسِعُهَا: الْإِمْسَاكُ. وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا دِقَّةٌ. عَاشِرُهَا: أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١٥) وَإِذَا لَمْ يُعَذِّبِ الْعَاقِلَ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ فَأَوْلَى غَيْرُهُ، انْتَهَى.

وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّيْخَ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمَ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ وَهُوَ عَامٌّ يَشْمَلُ أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرَهُمْ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاذٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: " «سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدُ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ فَنَزَلَتْ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] » (سُورَةُ الْأَنْعَامِ: الْآيَةُ ١٦٤) فَقَالَ: هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَقَالَ: فِي الْجَنَّةِ ". قَالَ الْحَافِظُ: وَأَبُو مُعَاذٍ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ، انْتَهَى. وَحَدِيثُ الْبَابِ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ»

ــ

٥٧٠ - ٥٧٢ - (مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ) أَيْ مَيِّتًا، وَذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ

وَخَوْفِ ذَهَابِ الدِّينِ لِغَلَبَةِ الْبَاطِلِ وَأَهْلِهِ وَظُهُورِ الْمَعَاصِي، أَوْ مَا يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ مِنَ الْمُصِيبَةِ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ أَوْ دُنْيَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِدِينِهِ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ» ". وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " «سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ لَوْ وَجَدَ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ يُبَاعُ لَاشْتَرَاهُ» ". وَعَلَيْهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَهَذَا الْعَيْشُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ ... أَلَا مَوْتٌ يُبَاعُ فَأَشْتَرِيهِ.

وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَقَعُ الْبَلَاءُ وَالشِّدَّةُ حَتَّى يَكُونَ الْمَوْتُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ أَهْوَنَ عَلَى الْمَرْءِ فَيَتَمَنَّى أَهْوَنَ الْمُصِيبَتَيْنِ فِي اعْتِقَادِهِ، وَذَكَرَ الرَّجُلَ لِلْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْمَرْأَةُ يُمْكِنُ أَنْ تَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِذَلِكَ أَيْضًا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ أَنَّ الرِّجَالَ هُمُ الْمُبْتَلُونَ بِالشَّدَائِدِ، وَالنِّسَاءُ مُحَجَّبَاتٌ لَا يَصْلَيْنَ نَارَ الْفِتْنَةِ خَصَّهُمْ، كَمَا قِيلَ:

كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ.

قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: وَلَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَلَا كُلِّ زَمَنٍ وَلَا فِي جَمِيعِ النَّاسِ، بَلْ يَصْدُقُ عَلَى اتِّفَاقِهِ لِلْبَعْضِ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ وَفِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ، وَفِي تَعْلِيقِ تَمَنِّيهِ بِالْمُرُورِ إِشْعَارٌ بِشِدَّةِ مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ مِنْ فَسَادِ الْحَالِ حَالَتَئِذٍ ; إِذِ الْمَرْءُ قَدْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْضَارِ شَيْءٍ، فَإِذَا شَاهَدَ الْمَوْتَى وَرَأَى الْقُبُورَ نَشَزَ بِطَبْعِهِ وَنَفَرَ بِسَجِيَّتِهِ مِنْ تَمَنِّيهِ، فَلِقُوَّةِ الشِّدَّةِ لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهُ مَا شَاهَدَهُ مِنْ وَحْشَةِ الْقُبُورِ، وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ; لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِخْبَارٌ عَمَّا يَكُونُ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يُعَارِضُ هَذَا قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ» ". «وَقَوْلَ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ» ; لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ بِشِدَّةِ مَا يَنْزِلُ بِالنَّاسِ مِنْ فَسَادِ الدِّينِ لَا لِضَرَرٍ يُصِيبُ جِسْمَهُ يَحُطُّ خَطَايَاهُ. وَقَدْ قَالَ عَتِيقٌ الْغِفَارِيُّ زَمَنَ الطَّاعُونِ: يَا طَاعُونُ خُذْنِي إِلَيْكَ، فَقِيلَ: أَلَمْ يَأْتِ النَّهْيُ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «بَادِرُوا بِالْمَوْتِ إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ وَنِسَاءً يَتَّخِذُونَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ يُغَنِّيهِمْ بِالْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا» . وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «وَإِذَا أَرَدْتَ بِالنَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ» " وَقَوْلُ عُمَرَ: " اللَّهُمَّ قَدْ ضَعُفَتْ قُوَّتِي وَكَبُرَتْ سِنِّي وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي فَاقْبِضْنِي غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ "، انْتَهَى. وَهُوَ نَاظِرٌ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الْفِتَنِ، الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.5 / 29.5
الإضاءة 77%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله