الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٨٣٤
الحديث رقم ٨٣٤ من كتاب «كتاب الصيام» في موطأ مالك، تحت باب: باب كفارة من أفطر في رمضان.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٨ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أخبر أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، فعلت ما هو سبب لهلاكي وهلاك غيري، وهو زوجته التي وطئها، فسأله النبي عن الذي حصل له، فأخبره أنه وطء امرأته وهو صائم، فسأله عليه الصلاة والسلام هل يستطيع عتق رقبة ليكفر بها عن ذنبه، فأجابه أنه لا يستطيع، ثم سأله إن كان يقدر أن يصوم شهرين متتابعين، فأخبره أنه لا يقدر كذلك، فسأله عن استطاعته إطعام ستين مسكين، فأخبره أنه لا يستطيع، فأمره بالجلوس، فبينما هم جلوس أتي للنبي صلى الله عليه وسلم زنبيل كبير فيه تمر، ويسع خمسة عشر صاعًا، فسأل عن الرجل وأعطاه التمر ليتصدق به، فقال الرجل: هل أتصدق به على من هو أفقر مني؟ فوالله ما أحد بالمدينة أحق به من أهلي، وما أحد أحوج إليه مني، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظهرت أنيابه، تعجبًا من تباين حال الرجل في كونه جاء أولًا هالكًا محترقًا خائفًا على نفسه ساعيًا في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد ما يكفر به رغب في أخذه لسد حاجته، فأذن له عليه الصلاة والسلام أن يتصدق بالتمر على من تلزمه نفقته أو زوجته أو مطلق أقاربه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب كَفَّارَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقَالَ لَا أَجِدُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحْوَجَ مِنِّي فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ كُلْهُ»
ــ
٩ - بَابُ كَفَّارَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ
٦٦٠ - ٦٥٨ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قَالَ الْحَافِظُ: هَكَذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ نَفْسًا جَمَعْتُهُمْ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، مِنْهُمْ: ابْنُ عُيَيْنَةَ وَاللَّيْثُ وَمَنْصُورٌ وَمَعْمَرٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَشُعَيْبٌ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَمَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسَافِرٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَعُقَيْلٌ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَيُونُسُ وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ وَصَالِحُ بْنُ
أَبِي الْأَخْضَرِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَخَالَفَهُمْ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ فَرَوَاهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَزَمَ الْبَزَّارُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو عَوَانَةَ بِأَنَّ هِشَامَ بْنَ سَعْدٍ أَخْطَأَ فِيهِ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا فَقَدْ جَمَعَهُمَا عَنْهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، أَخْرَجُهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَأَبِي أُوَيْسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ حُمَيْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ سَلْمَانُ، وَيُقَالُ فِيهِ: سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ، وَبِهِ جَزَمَ عَبْدُ الْغَنِيِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سَلَمَةَ هُوَ الْمَظَاهِرُ فِي رَمَضَانَ، وَإِنَّمَا أَتَى أَهْلَهُ لَيْلًا رَأَى خَلْخَالَهَا فِي الْقَمَرِ، وَلَكِنْ رَأَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ سَلْمَانُ بْنُ صَخْرٍ أَحَدُ بَنِي بَيَاضَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَظُنُّ هَذَا وَهَمًا؛ لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ أَنَّ سَلَمَةَ أَوْ سَلْمَانَ إِنَّمَا كَانَ مُظَاهِرًا، قَالَ الْحَافِظُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ؛ أَيْ: لَيْلًا بَعْدَ أَنْ ظَاهَرَ فَلَا يَكُونُ وَهَمًا، وَيُحْتَمَلُ وُقُوعُ الْأَمْرَيْنِ لَهُ، قَالَ: وَسَبَبُ ظَنِّهِمْ أَنَّهُ الْمُحْتَرِقُ أَنَّ ظِهَارَهُ مِنَ امْرَأَتِهِ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَجَامَعَ لَيْلًا كَمَا هُوَ صَرِيحُ حَدِيثِهِ، وَأَمَّا الْمُحْتَرِقُ فَأَعْرَابِيٌّ جَامَعَ نَهَارًا فَتَغَايَرَا، نَعَمِ؛ اشْتَرَكَا فِي قَدْرِ الْكَفَّارَةِ وَفِي الْإِتْيَانِ بِالتَّمْرِ، وَفِي الْإِعْطَاءِ وَفِي قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا: أَعْلَى أَفْقَرَ مِنَّا، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اتِّحَادُهُمَا.
(أَفْطَرَ) قَالَ الْبَاجِيُّ: اخْتَلَفَتْ رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي لَفْظِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ: أَفْطَرَ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: جَامَعَ (فِي رَمَضَانَ) ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ لَمْ يَذْكُرْ بِمَاذَا أَفْطَرَ؟ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، فَذَكَرُوا مَا أَفْطَرَ بِهِ، فَتَمَسَّكَ بِهِ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا فِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ خَاصَّةٌ بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ بَرِّيَّةٌ فَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ فِيهِ إِلَّا بِيَقِينٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِتَعَمُّدِ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ شَرْعًا الِامْتِنَاعُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْجِمَاعِ، فَإِذَا ثَبَتَ فِي وَجْهٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ثَبَتَ فِي نَظِيرِهِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ بِمَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ عَمْدًا.
وَلَفْظُ حَدِيثِ مَالِكٍ: يَجْمَعُ كُلَّ فِطْرٍ، لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ: دَعْوَى عُمُومِ قَوْلِهِ: " أَفْطَرَ " ضَعِيفَةٌ، قَالَ الْأَبِيُّ: لِأَنَّ أَفْطَرَ فِعْلٌ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ بِعُمُومِهِ، إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ( «فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا» ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ رُوَاتُهُ عَلَيْهِ فِيهِ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَبُو أُوَيْسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى تَرْتِيبِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: " «هَلْ
تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا» " الْحَدِيثَ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي طَائِفَةٍ فَقَالُوا: لَا يَنْتَقِلُ عَنِ الْعِتْقِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ وَلَا عَنِ الصَّوْمِ كَذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ: هِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَيْسَ بِمُرَادٍ، وَلِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا؛ وَلِذَا قَالَ مَالِكٌ: الْإِطْعَامُ أَفْضَلُ وَلِأَنَّهُ سُنَّةُ الْبَدَلِ فِي الصِّيَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالْمُفَرِّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ لَا يُؤْمَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِعِتْقٍ وَلَا صِيَامٍ، فَصَارَ الْإِطْعَامُ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الصِّيَامِ، وَنَظَائِرُهُ مِنَ الْأُصُولِ فَلِذَا فَضَّلَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ مِمَّا يُوهِمُ تَعْيِنَ الْإِطْعَامِ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْضَلُ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: " هَلْ تَسْتَطِيعُ " دَلَالَةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا إِنَّمَا فِيهِ الْبُدَاءَةُ بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ يَصِحُّ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّرْتِيبِ، فَبَانَ مِنْ رِوَايَةِ " أَوْ " أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْيِيرُ، انْتَهَى.
(فَقَالَ لَا أَجِدُ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: " «قَالَ: تَصَدَّقَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ وَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ» "، زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ: اجْلِسْ (فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَلَمْ يُسَمِّ الْآتِي لَكِنْ لِلْبُخَارِيِّ فِي الْكَفَّارَاتِ: " فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ "، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا: " فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ "، قَالَ الْحَافِظُ: فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَلِيفًا لِلْأَنْصَارِ أَوْ إِطْلَاقِ الْأَنْصَارِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ، (بِعَرَقِ تَمْرٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَقَافٍ، وَرُوِيَ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ رِوَايَةً وَلُغَةً، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَكْثَرُهُمْ يَرْوِيهَا بِإِسْكَانِ الرَّاءِ، وَالصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْإِتْقَانِ فَتْحُ الرَّاءِ، وَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَفَسَّرَهُ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ بِأَنَّهُ الْمِكْتَلُ؛ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ، قَالَ الْأَخْفَشُ: سُمِّيَ الْمِكْتَلُ عَرَقًا؛ لِأَنَّهُ يُضَفَّرُ عَرَقَةً عَرَقَةً، وَالْعُرُوقُ جَمْعُ عِرْقَةٍ كَعَلَقٍ وَعَلَقَةٍ، وَالْعَرَقَةُ الضَّفِيرَةُ مِنَ الْخُوصِ (فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ) أَيْ: بِالتَّمْرِ الَّذِي فِيهِ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحْوَجَ) ضُبِطَ بِالرَّفْعِ عَلَى جَعْلِ " مَا " تَمِيمِيَّةٌ، وَالنَّصْبِ عَلَى جَعْلِهَا حِجَازِيَّةٌ عَامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ (مِنِّي) ، وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ: " «عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي» "، وَفِي أُخْرَى: " «مَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَهْلِي، مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنِّي» "، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: " «مَا لَنَا عَشَاءُ لَيْلَةٍ» " ( «فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ» ) جَمْعُ نَابٍ، وَهِيَ الْأَسْنَانُ الْمُلَاصِقَةُ لِلرُّبَاعِيَّاتِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، وَالضَّحِكُ فَوْقَ التَّبَسُّمِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ تَبَسُّمًا فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ، لَكِنَّهُ تَعَجَّبَ هُنَا مِنْ حَالِ الرِّجَالِ فِي كَوْنِهِ جَاءَ أَوَّلًا هَالِكًا مُحْتَرِقًا
خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ رَاغِبًا فِي فِدَائِهَا مَهْمَا أَمْكَنَهُ، فَلَمَّا وَجَدَ الرُّخْصَةَ طَمِعَ أَنْ يَأْكُلَ الْكَفَّارَةَ.
(ثُمَّ قَالَ: كُلْهُ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: " أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ "، وَفِي أُخْرَى: " عِيَالَكَ "، وَاحْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُ بِأَنْ لَا تَجِبَ الْكَفَّارَةُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ أَبَاحَ لَهُ تَأْخِيرَهَا إِلَى وَقْتِ الْيُسْرِ لَا أَنَّهُ أَسْقَطَهَا عَنْهُ جُمْلَةً، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ نَفْيُ اسْتِقْرَارِهَا عَلَيْهِ، بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِقْرَارِهَا؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَجْزِهِ عَنِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ، ثُمَّ أَتَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّمْرِ فَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَلَوْ كَانَتْ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ، لَكِنْ لَمَّا احْتَاجَ إِلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى عِيَالِهِ فِي الْحَالِ أَذِنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ وَإِطْعَامِ عِيَالِهِ، وَبَقِيَتِ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ الْبَيَانَ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كَانَ هَذَا رُخْصَةً لِهَذَا الرَّجُلِ خَاصَّةً، أَمَّا الْيَوْمُ فَلَا بُدَّ مِنَ الْكَفَّارَةِ.
وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: " «كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلَكَ وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ» "، وَقَالَ عِيَاضٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ هَذَا خَاصٌّ بِهَذَا الرَّجُلِ، أَبَاحَ لَهُ الْأَكْلَ مِنْ صَدَقَةِ نَفْسِهِ لِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ لِفَقْرِهِ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوخٌ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ لِيُكَفِّرَ بِهِ وَيَجْزِيَهُ إِذَا أَعْطَاهُ، وَمَنْ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَقِيلَ: لَمَّا عَجَزَ مِنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَازَ لَهُ إِعْطَاءُ الْكَفَّارَةِ عَنْ نَفْسِهِ لَهُمْ، وَقِيلَ: لَمَّا مَلَكَهَا لَهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ جَازَ لَهُ وَلِأَهْلِهِ أَكْلُهَا لِحَاجَتِهِمْ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِتِلْكَ الْكَفَّارَةِ. وَقِيلَ: أَطْعَمَهُ إِيَّاهُ لِفَقْرِهِ وَأَبْقَى الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يُوسِرَ، هَذَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ: حُكْمُ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَلَمْ يَجِدْهَا السُّقُوطُ كَهَذَا الرَّجُلِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا فِيمَا فِيهِ الِاجْتِهَادُ دُونَ الْحَدِّ أَنَّهُ لَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ وَلَا عُقُوبَةَ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَاقِبْهُ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّ مَجِيئَهُ وَاسْتِفْتَاءَهُ دَلِيلُ تَوْبَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عُوقِبَ مَنْ جَاءَ مَجِيئَهُ لَمْ يَسْتَفْتِ أَحَدٌ عَنْ نَازِلَةٍ خَوْفَ الْعُقُوبَةِ، بِخِلَافِ مَا فِيهِ الْحَدُّ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ إِلَّا الْحَرَّابَةُ إِذَا تَابَ مِنْهَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ اسْتَنْبَطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب كَفَّارَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقَالَ لَا أَجِدُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحْوَجَ مِنِّي فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ كُلْهُ»
ــ
٩ - بَابُ كَفَّارَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ
٦٦٠ - ٦٥٨ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قَالَ الْحَافِظُ: هَكَذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ نَفْسًا جَمَعْتُهُمْ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، مِنْهُمْ: ابْنُ عُيَيْنَةَ وَاللَّيْثُ وَمَنْصُورٌ وَمَعْمَرٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَشُعَيْبٌ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَمَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسَافِرٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَعُقَيْلٌ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَيُونُسُ وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ وَصَالِحُ بْنُ
أَبِي الْأَخْضَرِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَخَالَفَهُمْ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ فَرَوَاهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَزَمَ الْبَزَّارُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو عَوَانَةَ بِأَنَّ هِشَامَ بْنَ سَعْدٍ أَخْطَأَ فِيهِ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا فَقَدْ جَمَعَهُمَا عَنْهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، أَخْرَجُهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَأَبِي أُوَيْسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ حُمَيْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ سَلْمَانُ، وَيُقَالُ فِيهِ: سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ، وَبِهِ جَزَمَ عَبْدُ الْغَنِيِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سَلَمَةَ هُوَ الْمَظَاهِرُ فِي رَمَضَانَ، وَإِنَّمَا أَتَى أَهْلَهُ لَيْلًا رَأَى خَلْخَالَهَا فِي الْقَمَرِ، وَلَكِنْ رَأَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ سَلْمَانُ بْنُ صَخْرٍ أَحَدُ بَنِي بَيَاضَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَظُنُّ هَذَا وَهَمًا؛ لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ أَنَّ سَلَمَةَ أَوْ سَلْمَانَ إِنَّمَا كَانَ مُظَاهِرًا، قَالَ الْحَافِظُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ؛ أَيْ: لَيْلًا بَعْدَ أَنْ ظَاهَرَ فَلَا يَكُونُ وَهَمًا، وَيُحْتَمَلُ وُقُوعُ الْأَمْرَيْنِ لَهُ، قَالَ: وَسَبَبُ ظَنِّهِمْ أَنَّهُ الْمُحْتَرِقُ أَنَّ ظِهَارَهُ مِنَ امْرَأَتِهِ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَجَامَعَ لَيْلًا كَمَا هُوَ صَرِيحُ حَدِيثِهِ، وَأَمَّا الْمُحْتَرِقُ فَأَعْرَابِيٌّ جَامَعَ نَهَارًا فَتَغَايَرَا، نَعَمِ؛ اشْتَرَكَا فِي قَدْرِ الْكَفَّارَةِ وَفِي الْإِتْيَانِ بِالتَّمْرِ، وَفِي الْإِعْطَاءِ وَفِي قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا: أَعْلَى أَفْقَرَ مِنَّا، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اتِّحَادُهُمَا.
(أَفْطَرَ) قَالَ الْبَاجِيُّ: اخْتَلَفَتْ رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي لَفْظِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ: أَفْطَرَ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: جَامَعَ (فِي رَمَضَانَ) ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ لَمْ يَذْكُرْ بِمَاذَا أَفْطَرَ؟ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، فَذَكَرُوا مَا أَفْطَرَ بِهِ، فَتَمَسَّكَ بِهِ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا فِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ خَاصَّةٌ بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ بَرِّيَّةٌ فَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ فِيهِ إِلَّا بِيَقِينٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِتَعَمُّدِ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ شَرْعًا الِامْتِنَاعُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْجِمَاعِ، فَإِذَا ثَبَتَ فِي وَجْهٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ثَبَتَ فِي نَظِيرِهِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ بِمَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ عَمْدًا.
وَلَفْظُ حَدِيثِ مَالِكٍ: يَجْمَعُ كُلَّ فِطْرٍ، لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ: دَعْوَى عُمُومِ قَوْلِهِ: " أَفْطَرَ " ضَعِيفَةٌ، قَالَ الْأَبِيُّ: لِأَنَّ أَفْطَرَ فِعْلٌ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ بِعُمُومِهِ، إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ( «فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا» ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ رُوَاتُهُ عَلَيْهِ فِيهِ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَبُو أُوَيْسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى تَرْتِيبِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: " «هَلْ
تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا» " الْحَدِيثَ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي طَائِفَةٍ فَقَالُوا: لَا يَنْتَقِلُ عَنِ الْعِتْقِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ وَلَا عَنِ الصَّوْمِ كَذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ: هِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَيْسَ بِمُرَادٍ، وَلِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا؛ وَلِذَا قَالَ مَالِكٌ: الْإِطْعَامُ أَفْضَلُ وَلِأَنَّهُ سُنَّةُ الْبَدَلِ فِي الصِّيَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالْمُفَرِّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ لَا يُؤْمَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِعِتْقٍ وَلَا صِيَامٍ، فَصَارَ الْإِطْعَامُ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الصِّيَامِ، وَنَظَائِرُهُ مِنَ الْأُصُولِ فَلِذَا فَضَّلَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ مِمَّا يُوهِمُ تَعْيِنَ الْإِطْعَامِ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْضَلُ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: " هَلْ تَسْتَطِيعُ " دَلَالَةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا إِنَّمَا فِيهِ الْبُدَاءَةُ بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ يَصِحُّ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّرْتِيبِ، فَبَانَ مِنْ رِوَايَةِ " أَوْ " أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْيِيرُ، انْتَهَى.
(فَقَالَ لَا أَجِدُ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: " «قَالَ: تَصَدَّقَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ وَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ» "، زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ: اجْلِسْ (فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَلَمْ يُسَمِّ الْآتِي لَكِنْ لِلْبُخَارِيِّ فِي الْكَفَّارَاتِ: " فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ "، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا: " فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ "، قَالَ الْحَافِظُ: فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَلِيفًا لِلْأَنْصَارِ أَوْ إِطْلَاقِ الْأَنْصَارِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ، (بِعَرَقِ تَمْرٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَقَافٍ، وَرُوِيَ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ رِوَايَةً وَلُغَةً، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَكْثَرُهُمْ يَرْوِيهَا بِإِسْكَانِ الرَّاءِ، وَالصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْإِتْقَانِ فَتْحُ الرَّاءِ، وَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَفَسَّرَهُ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ بِأَنَّهُ الْمِكْتَلُ؛ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ، قَالَ الْأَخْفَشُ: سُمِّيَ الْمِكْتَلُ عَرَقًا؛ لِأَنَّهُ يُضَفَّرُ عَرَقَةً عَرَقَةً، وَالْعُرُوقُ جَمْعُ عِرْقَةٍ كَعَلَقٍ وَعَلَقَةٍ، وَالْعَرَقَةُ الضَّفِيرَةُ مِنَ الْخُوصِ (فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ) أَيْ: بِالتَّمْرِ الَّذِي فِيهِ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحْوَجَ) ضُبِطَ بِالرَّفْعِ عَلَى جَعْلِ " مَا " تَمِيمِيَّةٌ، وَالنَّصْبِ عَلَى جَعْلِهَا حِجَازِيَّةٌ عَامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ (مِنِّي) ، وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ: " «عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي» "، وَفِي أُخْرَى: " «مَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَهْلِي، مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنِّي» "، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: " «مَا لَنَا عَشَاءُ لَيْلَةٍ» " ( «فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ» ) جَمْعُ نَابٍ، وَهِيَ الْأَسْنَانُ الْمُلَاصِقَةُ لِلرُّبَاعِيَّاتِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، وَالضَّحِكُ فَوْقَ التَّبَسُّمِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ تَبَسُّمًا فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ، لَكِنَّهُ تَعَجَّبَ هُنَا مِنْ حَالِ الرِّجَالِ فِي كَوْنِهِ جَاءَ أَوَّلًا هَالِكًا مُحْتَرِقًا
خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ رَاغِبًا فِي فِدَائِهَا مَهْمَا أَمْكَنَهُ، فَلَمَّا وَجَدَ الرُّخْصَةَ طَمِعَ أَنْ يَأْكُلَ الْكَفَّارَةَ.
(ثُمَّ قَالَ: كُلْهُ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: " أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ "، وَفِي أُخْرَى: " عِيَالَكَ "، وَاحْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُ بِأَنْ لَا تَجِبَ الْكَفَّارَةُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ أَبَاحَ لَهُ تَأْخِيرَهَا إِلَى وَقْتِ الْيُسْرِ لَا أَنَّهُ أَسْقَطَهَا عَنْهُ جُمْلَةً، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ نَفْيُ اسْتِقْرَارِهَا عَلَيْهِ، بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِقْرَارِهَا؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَجْزِهِ عَنِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ، ثُمَّ أَتَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّمْرِ فَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَلَوْ كَانَتْ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ، لَكِنْ لَمَّا احْتَاجَ إِلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى عِيَالِهِ فِي الْحَالِ أَذِنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ وَإِطْعَامِ عِيَالِهِ، وَبَقِيَتِ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ الْبَيَانَ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كَانَ هَذَا رُخْصَةً لِهَذَا الرَّجُلِ خَاصَّةً، أَمَّا الْيَوْمُ فَلَا بُدَّ مِنَ الْكَفَّارَةِ.
وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: " «كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلَكَ وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ» "، وَقَالَ عِيَاضٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ هَذَا خَاصٌّ بِهَذَا الرَّجُلِ، أَبَاحَ لَهُ الْأَكْلَ مِنْ صَدَقَةِ نَفْسِهِ لِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ لِفَقْرِهِ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوخٌ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ لِيُكَفِّرَ بِهِ وَيَجْزِيَهُ إِذَا أَعْطَاهُ، وَمَنْ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَقِيلَ: لَمَّا عَجَزَ مِنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَازَ لَهُ إِعْطَاءُ الْكَفَّارَةِ عَنْ نَفْسِهِ لَهُمْ، وَقِيلَ: لَمَّا مَلَكَهَا لَهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ جَازَ لَهُ وَلِأَهْلِهِ أَكْلُهَا لِحَاجَتِهِمْ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِتِلْكَ الْكَفَّارَةِ. وَقِيلَ: أَطْعَمَهُ إِيَّاهُ لِفَقْرِهِ وَأَبْقَى الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يُوسِرَ، هَذَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ: حُكْمُ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَلَمْ يَجِدْهَا السُّقُوطُ كَهَذَا الرَّجُلِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا فِيمَا فِيهِ الِاجْتِهَادُ دُونَ الْحَدِّ أَنَّهُ لَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ وَلَا عُقُوبَةَ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَاقِبْهُ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّ مَجِيئَهُ وَاسْتِفْتَاءَهُ دَلِيلُ تَوْبَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عُوقِبَ مَنْ جَاءَ مَجِيئَهُ لَمْ يَسْتَفْتِ أَحَدٌ عَنْ نَازِلَةٍ خَوْفَ الْعُقُوبَةِ، بِخِلَافِ مَا فِيهِ الْحَدُّ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ إِلَّا الْحَرَّابَةُ إِذَا تَابَ مِنْهَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ اسْتَنْبَطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ.