الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٨٥١
الحديث رقم ٨٥١ من كتاب «كتاب الصيام» في موطأ مالك، تحت باب: باب النذر في الصيام، والصيام عن الميت.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ النَّذْرِ فِي الصِّيَامِ، وَالصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ
٤٢ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغهُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ، هَلْ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ» لِيَبْدَأْ بِالنَّذْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ ". قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مِنْ رَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا، أَوْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ بَدَنَةٍ، فَأَوْصَى ⦗٣٠٣⦘ بِأَنْ يُوَفَّى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَالْبَدَنَةَ فِي ثُلُثِهِ. وَهُوَ يُبَدَّى عَلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْوَصَايَا إِلَّا مَا كَانَ مِثْلَهُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنَ النُّذُورِ وَغَيْرِهَا، كَهَيْئَةِ مَا يَتَطَوَّعُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَإِنَّمَا يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ خَاصَّةً. دُونَ رَأْسِ مَالِهِ. لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِهِ لَأَخَّرَ الْمُتَوَفَّى مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَصَارَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ سَمَّى مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَتَقَاضَاهَا مِنْهُ مُتَقَاضٍ. فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ، أَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ. حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ سَمَّاهَا. وَعَسَى أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ مَالِهِ. فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ»
بَابُ مَا يَفْعَلُ الْمَرِيضُ فِي صِيَامِهِ
٤١ - قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: " الْأَمْرُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا أَصَابَهُ الْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهُ، وَيُتْعِبُهُ، وَيَبْلُغُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ. وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ، وَبَلَغَ مِنْهُ، وَمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِعُذْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعَبْدِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا تَبْلُغُ صِفَتُهُ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، صَلَّى وَهُوَ جَالِسٌ. وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ. وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ، فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ. وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ مِنَ الْمَرِيضِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ، فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ. وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ مِنَ الْمَرِيضِ. فَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ
📖 هذا الحديث في تفسير سورة البقرة - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»
ــ
٦٧١ - ٦٦٨ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ» ) نُصِبَ عَلَى التَّحْذِيرِ أَيِ احْذَرُوا الْوِصَالَ ( «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ» ) ذَكَرَهُ مَرَّتَيْنِ لِلتَّأْكِيدِ.
وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» "، (قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي) بِضَمِّ الْيَاءِ (رَبِّي وَيَسْقِينِي) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ كَقِرَاءَةِ يَعْقُوبَ فِي الشُّعَرَاءِ حَالَةَ الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ مُرَاعَاةً لِلْأَصْلِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي الْوَصْلِ فَقَطْ مُرَاعَاةً لِلْأَصْلِ وَالرَّسْمِ فَإِنَّهَا رُسِمَتْ فِي الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ بِحَذْفِ الْيَاءِ، وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» "، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ» "، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مُطْلَقِ الْكَوْنِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ، لِأَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ هُوَ الْإِمْسَاكُ لَيْلًا لَا نَهَارًا، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا هُوَ بِلَفْظِ " أَبِيتُ "، فَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ عَبَّرَ عَنْهَا بِلَفْظِ " أَظَلُّ " نَظَرًا إِلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي مُطْلَقِ الْكَوْنِ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النحل: ٥٨] (سُورَةُ النَّحْلِ: الْآيَةُ ٥٨) فَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ، وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِنَهَارٍ دُونَ لَيْلٍ، وَآثَرَ اسْمَ الرَّبِّ دُونَ اسْمِ الذَّاتِ فَلَمْ يَقُلْ يُطْعِمُنِي اللَّهُ لِأَنَّ التَّجَلِّيَ بِاسْمِ الرُّبُوبِيَّةِ أَقْرَبُ إِلَى الْعِبَادِ مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ لِأَنَّهَا تَجَلِّي عَظَمَةٍ لَا طَاقَةَ لِلْبَشَرِ بِهَا، وَتَجَلِّي الرُّبُوبِيَّةِ تَجَلِّي رَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ وَهِيَ أَلْيَقُ بِهَذَا الْمَقَامِ.
نَعَمْ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَظَلُّ عِنْدَ اللَّهِ وَكَأَنَّهَا بِالْمَعْنَى، فَرِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا عِنْدَ رَبِّي، وَمَرَّ أَنَّ قَوْلَ الْجُمْهُورِ: إِنَّهُ مَجَازٌ عَنْ لَازِمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ الْقُوَّةُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا وَمَرَّ جَوَابُهُ، وَقِيلَ: كَانَ يُؤْتَى بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ فِي النَّوْمِ فَيَسْتَيْقِظُ وَهُوَ يَجِدُ الرِّيَّ وَالشِّبَعَ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: مَعْنَاهُ وَمَحَبَّةُ اللَّهِ تَشْغَلُنِي عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْحُبُّ الْبَالِغُ يَشْغَلُ عَنْهُمَا.
وَجَنَحَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَيِّمِ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَشْغَلُهُ بِالتَّفَكُّرِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّمَلِّي بِمُشَاهَدَتِهِ، وَالتَّغَذِّي بِمَعَارِفِهِ، وَقُرَّةِ الْعَيْنِ
بِمَحَبَّتِهِ، وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي مُنَاجَاتِهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ غِذَاءُ الْقُلُوبِ وَنَعِيمُ الْأَرْوَاحِ وَقُرَّةُ الْعَيْنِ وَبَهْجَةُ النُّفُوسِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَلِلْقَلْبِ بِهَا وَالرُّوحِ أَعْظَمُ غِذَاءٍ وَأَنْفَعُهُ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا أَعْظَمَ مِنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ، وَمَنْ لَهُ أَدْنَى شَوْقٍ وَتَجْرِبَةٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْغِذَاءِ الْجُسْمَانِيِّ، وَلَا سِيَّمَا الْفَرْحَانُ الظَّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ الَّذِي قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ كَمَا قِيلَ: لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكِ تَشْغَلُهَا عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ
وَقَدْ زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: " «فَاكْلَفُوا مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ» "، وَزَادَ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ» " كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا.
وَبِهِ اسْتَدَلَّ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيمِ، إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ لَمْ يُخَالِفُوهُ كَمَا لَمْ يُخَالِفُوهُ بِصَوْمِ الْعِيدَيْنِ وَلَمَا وَاصَلَ بِهِمْ، وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ، وَأَمَّا مُوَاصَلَتُهُ بَعْدَ نَهْيِهِ فَلَيْسَتْ تَقْرِيرًا بَلْ تَقْرِيعًا وَتَنْكِيلًا، فَاحْتُمِلَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ النَّهْيِ فِي تَأْكِيدِ زَجْرِهِمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا بَاشَرُوهُ ظَهَرَتْ لَهُمْ حِكْمَةُ النَّهْيِ، فَكَانَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِهِمْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَلَلِ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ مِنَ الْوِصَالِ وَأَرْجَحُ، وَوَظَائِفِ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْجُوعُ الشَّدِيدُ يُنَافِي ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى تَعَسُّفُهُ إِذِ احْتِمَالُ فِعْلِ الْحَرَامِ لِمَصْلَحَةِ الزَّجْرِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ، إِذْ لَوْ قَالَ لَهُمْ حَرَامٌ لَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ بُعْدًا عَنْهُ وَلَمْ يُخَالِفُوهُ كَمَا لَمْ يُخَالِفُوهُ فِي الْعِيدَيْنِ.
[بَاب صِيَامِ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَإٍ أَوْ يَتَظَاهَرُ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي قَتْلِ خَطَأٍ أَوْ تَظَاهُرٍ فَعَرَضَ لَهُ مَرَضٌ يَغْلِبُهُ وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ صِيَامَهُ أَنَّهُ إِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ وَقَوِيَ عَلَى الصِّيَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ وَهُوَ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنْ صِيَامِهِ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهَا الصِّيَامُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ خَطَأً إِذَا حَاضَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ صِيَامِهَا أَنَّهَا إِذَا طَهُرَتْ لَا تُؤَخِّرُ الصِّيَامَ وَهِيَ تَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَامَتْ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يُفْطِرَ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ مَرَضٍ أَوْ حَيْضَةٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَيُفْطِرَ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ
ــ
١٤ - بَابُ صِيَامِ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَأً أَوْ يَتَظَاهَرُ
(قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي قَتْلِ خَطَأٍ) الْمَنْصُوصُ عَلَى تَتَابُعِهِمَا فِيهِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ (أَوْ تَظَاهُرٍ) مِنْ نِسَائِهِمْ كَذَلِكَ (فَعَرَضَ لَهُ مَرَضٌ يَغْلِبُهُ) بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ بَعْدَمَا صَامَ بَعْضَ الشَّهْرَيْنِ (وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ صِيَامَهُ) بِالْفِطْرِ (أَنَّهُ إِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ) وَأَتَى بِقَوْلِهِ (وَقَوِيَ عَلَى الصِّيَامِ) لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ مِنَ الْمَرَضِ قُوَّتُهُ (فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ) أَيْ وَصْلَ صَوْمِهِ بِمَا مَضَى قَبْلَ
مَرَضِهِ (وَهُوَ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنْ صِيَامِهِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ فَإِنْ لَمْ يَبْنِ أَخَّرَ وَاسْتَأْنَفَ الشَّهْرَيْنِ لِأَنَّ اللَّهَ قَيَّدَ بِالتَّتَابُعِ فِي الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ فَأُبِيحَ لَهُ فِطْرُ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الصَّوْمُ كَالْمَرَضِ، فَإِذَا زَالَ وَصَلَهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ انْقَطَعَ التَّتَابُعُ.
(وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهَا الصِّيَامُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ خَطَأً) لِعَدَمِ وِجْدَانِهَا رَقَبَةً تُعْتِقُهَا (إِذَا حَاضَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ) تَثْنِيَةُ ظَهْرٍ (صِيَامِهَا أَنَّهَا إِذَا طَهُرَتْ لَا تُؤَخِّرُ الصِّيَامَ وَهِيَ تَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَامَتْ) فَإِنْ لَمْ تَبْنِ اسْتَأْنَفَتِ الشَّهْرَيْنِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْحَائِضَ إِذَا وَصَلَتْ قَضَاءَ أَيَّامِ حَيْضِهَا بِصِيَامِهَا أَنَّهُ يُجْزِيهَا، وَفِي الْمَرِيضِ خِلَافٌ فَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ: يَسْتَأْنِفُ الصِّيَامَ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
(وَلَيْسَ لِأَحَدٍ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يُفْطِرَ إِلَّا مِنْ عِلَّةِ مَرَضٍ أَوْ حَيْضَةٍ) بِجَرِّهِمَا عَطْفُ بَيَانٍ لِعِلَّةٍ أَوْ بَدَلٌ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيَجْرِي النِّسْيَانُ مَجْرَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، ابْنُ زَرْقُونَ يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ نَاسِيًا فِي يَوْمٍ بَيَّتَ صَوْمَهُ، وَأَمَّا إِنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ نَاسِيًا فَلَا.
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَيُفْطِرَ) بَلْ يَصُومُ فَإِنْ أَفْطَرَ اسْتَأْنَفَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مَعَهُ الصَّوْمُ وَإِنْ لَحِقَتْهُ فِيهِ مَشَقَّةٌ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ) أَيْ لَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ إِنْ سَافَرَ فَلَيْسَ بِتَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
[بَاب مَا يَفْعَلُ الْمَرِيضُ فِي صِيَامِهِ]
قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا أَصَابَهُ الْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهُ وَيُتْعِبُهُ وَيَبْلُغُ ذَلِكَ مِنْهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ وَبَلَغَ مِنْهُ وَمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِعُذْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا تَبْلُغُ صِفَتُهُ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ صَلَّى وَهُوَ جَالِسٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ مِنْ الْمَرِيضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ مِنْ الْمَرِيضِ فَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ
ــ
١٥ - بَابُ مَا يَفْعَلُ الْمَرِيضُ فِي صِيَامِهِ
(قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: الْأَمْرُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا أَصَابَهُ الْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهُ وَيُتْعِبُهُ وَيَبْلُغُ ذَلِكَ) أَيِ الْمَشَقَّةَ وَالْإِتْعَابَ (مِنْهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: قَدْرُ الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلْفِطْرِ لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقَدَّرَ بِنَفْسِهِ وَلِذَا قَالَ مَالِكٌ: وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعَبْدِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا شَيْءٌ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ فَإِذَا بَلَغَ الْمَرِيضُ حَالًا لَا يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الصِّيَامِ أَوْ تَيَقَّنَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ بِهِ حَتَّى يُخَافَ عَلَيْهِ جَازَ الْفِطْرُ، قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} [البقرة: ١٨٤] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٤) ، فَإِذَا صَحَّ كَوْنُهُ مَرِيضًا صَحَّ لَهُ الْفِطْرُ، (وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ وَبَلَغَ مِنْهُ وَمَا) الْوَاوُ زَائِدَةٌ (اللَّهُ أَعْلَمُ بِعُذْرِ) بِالْعَيْنِ وَالذَّالِ مُعْجَمَةٍ وَاحِدُ الْأَعْذَارِ، (ذَلِكَ مِنَ الْعَبْدِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا تَبْلُغُ صِفَتُهُ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ صَلَّى وَهُوَ جَالِسٌ) لِلْعُذْرِ، (وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ) كَمَا قَالَ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٥) ، وَالْكَلَامُ فِي الْفَرْضِ، فَالنَّافِلَةُ يَجُوزُ الْجُلُوسُ فِيهَا بِلَا عُذْرٍ.
(وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ مِنَ الْمَرِيضِ) هَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأُولَى.
(قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ} [البقرة: ١٨٤] أَيْ فَعَلَيْهِ عَدَدُ مَا أَفْطَرَ {مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] يَصُومُهَا بَدَلَهُ (فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ مِنَ الْمَرِيضِ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا احْتِجَاجٌ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْفِطْرَ لِلْمَرِيضِ إِلَّا لِخَوْفِ الْهَلَاكِ دُونَ الْمَشَقَّةِ الزَّائِدَةِ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ وَلَكِنَّهُ خَافَ اعْتِرَاضَ مُعْتَرِضٍ فَتَبَرَّعَ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَبِهِ سَقَطَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْقِيَاسِ مَعَ أَنَّ الْمَرِيضَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ قَبْلَ السَّفَرِ، لَكِنْ قَدْ يَتَأَكَّدُ قَوْلُهُ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ بِقَوْلِهِ (فَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ) فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَهُ وَمَا أَحَبَّهُ، (وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ) أَيْ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قِيلَ: لَا يُفْطَرُ لِخَشْيَةِ زِيَادَةِ الْمَرَضِ لِأَنَّهُ ظَنٌّ لَا يَقِينٌ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ بِيَقِينٍ، فَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ الْبَاجِيُّ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ، لَكِنَّهُ إِنَّمَا نَفَى عِلْمَهُ فَلَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُ عَلِمَهُ.
[بَاب النَّذْرِ فِي الصِّيَامِ وَالصِّيَامِ عَنْ الْمَيِّتِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ فَقَالَ سَعِيدٌ لِيَبْدَأْ بِالنَّذْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ
ــ
١٦ - النَّذْرُ فِي الصِّيَامِ وَالصِّيَامُ عَنِ الْمَيِّتِ
٦٦٩ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ؟) قَبْلَ صَوْمٍ نَذَرَهُ (فَقَالَ سَعِيدٌ: لِيَبْدَأْ بِالنَّذْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ) ، هَذَا عَلَى الِاخْتِيَارِ وَاسْتِحْسَانِ الْبِدَارِ إِلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّطَوُّعِ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.
قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مِنْ رَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا أَوْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ فَأَوْصَى بِأَنْ يُوَفَّى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَالْبَدَنَةَ فِي ثُلُثِهِ وَهُوَ يُبَدَّى عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْوَصَايَا إِلَّا مَا كَانَ مِثْلَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النُّذُورِ وَغَيْرِهَا كَهَيْئَةِ مَا يَتَطَوَّعُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ خَاصَّةً دُونَ رَأْسِ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِهِ لَأَخَّرَ الْمُتَوَفَّى مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَصَارَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ سَمَّى مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَتَقَاضَاهَا مِنْهُ مُتَقَاضٍ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ أَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ سَمَّاهَا وَعَسَى أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ
ــ
٦٧٠ - (قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلَ ذَلِكَ) فَإِنْ قَدَّمَ التَّطَوُّعَ أَسَاءَ وَصَحَّ صَوْمُهُ لِلتَّطَوُّعِ وَبَقِيَ النَّذْرُ فِي ذِمَّتِهِ هَذَا إِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا لَمْ يَجُزْ صَوْمُ غَيْرِهِ فِيهِ فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ نَذْرِهِ لِأَنَّهُ تَرَكَ صَوْمَهُ قَادِرًا عَلَيْهِ وَكَانَ حُكْمُهُ كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَالنَّذْرُ يَلْزَمُ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِالدُّخُولِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
(قَالَ مَالِكٌ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مِنْ رَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا أَوْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ) الْبَعِيرُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى يُهْدِيهَا، (فَأَوْصَى بِأَنْ يُوَفَّى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَالْبَدَنَةَ فِي ثُلُثِهِ) لَا فِي رَأْسِ مَالِهِ، (وَهُوَ يُبَدَّى) يُقَدَّمُ (عَلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْوَصَايَا إِلَّا مَا كَانَ مِثْلَهُ) فَسِيَّانِ، (وَذَلِكَ) أَيْ وَجْهُ تَبْدِيَةِ ذَلِكَ (أَنَّهُ لَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنَ النُّذُورِ وَغَيْرِهَا كَهَيْئَةِ مَا يَتَطَوَّعُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ) لِنَقْصِهِ عَنِ الْوَاجِبِ وَلَوْ بِالنَّذْرِ، (وَإِنَّمَا يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ خَاصَّةً دُونَ رَأْسِ مَالِهِ) خِلَافًا لِقَوْمٍ قَالُوا: كُلُّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ إِذَا أَوْصَى بِهِ فَهُوَ فِي رَأْسِ مَالِهِ، (لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي
رَأْسِ مَالِهِ لَأَخَّرَ الْمُتَوَفَّى) الْمَيِّتُ (مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) أَيْ أَسْبَابُهَا، (وَصَارَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ سَمَّى مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَتَقَاضَاهَا مِنْهُ مُتَقَاضٍ) بَلْ يُؤْمَرُ بِهَا بِدُونِ قَضَاءٍ، (فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ أَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ سَمَّاهَا وَعَسَى أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ) لِإِضْرَارِهِ بِالْوَرَثَةِ وَاتِّهَامِهِ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ لِقَصْدِ حِرْمَانِهِمْ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فَيَقُولُ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ
ــ
٦٧١ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ فَيَقُولُ: لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ) لِأَنَّهُمَا مِنَ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ إِجْمَاعًا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ تَطَوُّعًا عَنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، وَفِي الصَّوْمِ عَنِ الْحَيِّ خِلَافٌ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا.
وَأَمَّا الصَّوْمُ عَنِ الْمَيِّتِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ: مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَأَحْمَدُ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِوَارِثِهِ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ، وَيَبْرَأُ بِهِ الْمَيِّتُ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» " وَلِحَدِيثِهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَتَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، فَقَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِيهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» "، وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: " لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَعِنْدَهُ أَيْضًا: " أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ فَقَالَتْ: يُطْعَمُ عَنْهَا "، فَلَمَّا أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ بِخِلَافِ مَا رَوَيَاهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِهِ لِأَنَّ فَتْوَى الصَّحَابِيِّ بِخِلَافِ مَرْوِيِّهِ بِمَنْزِلَةِ رِوَايَتِهِ لِلنَّاسِخِ، وَنَسْخُ الْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى إِخْرَاجِ الْمَنَاطِ عَنِ الِاعْتِبَارِ، وَفِي الِاسْتِذْكَارِ لَمْ يُخَالِفْ بِفَتْوَاهُ مَا رَوَاهُ إِلَّا لِنَسْخٍ عَلِمَهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْأَصْلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ
فِي الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَصُومَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ. انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ يُحْمَلُ الصِّيَامُ عَلَى الْإِطْعَامِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ: " «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ كُلَّ يَوْمٍ مُدًّا مِسْكِينًا» " فَضَعِيفٌ، وَأَيْضًا فَالْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَلَوْ ثَبَتَ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِالْحَمْلِ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ بِالصِّيَامِ يَجُوزُ عِنْدَهُ الْإِطْعَامُ أَوِ الْحَدِيثَانِ تَعَارَضَا فَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: ٣٩] (سُورَةُ النَّجْمِ: الْآيَةُ ٣٩) ، وَقَدْ أُعِلَّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالِاضْطِرَابِ، فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ السَّائِلَ امْرَأَةٌ أَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، وَفِي أُخْرَى وَعَلَيْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأُخْرَى أَنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَأُخْرَى قَالَ رَجُلٌ: مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، وَلَكِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ اضْطِرَابًا وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافٌ يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَقَائِعِ لَكِنَّهُ بِعِيدٌ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ، فَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ»
ــ
٦٨٩ - ٦٨٥ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَشَدِّ النُّونِ أَيْ وِقَايَةٌ وَسُتْرَةٌ، قِيلَ مِنَ الْمَعَاصِي لِأَنَّهُ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وَيُضْعِفُهَا، وَلِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لِجَامُ الْمُتَّقِينَ وَجُنَّةُ الْمُحَارِبِينَ وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ وَالْمُقَرَّبِينَ، وَقِيلَ: جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالنَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا، وَقَدْ زَادَ التِّرْمِذِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: مِنَ النَّارِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: جُنَّةٌ وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ، وَلِلنِّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي جُنَّةٌ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ: جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ: جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا، زَادَ الدَّارِمِيُّ بِالْغِيبَةِ، وَالتَّفْسِيرَانِ مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّهُ إِذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الْمَعَاصِي فِي الدُّنْيَا كَانَ سِتْرًا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَفِي الْإِكْمَالِ: مَعْنَاهُ يَسْتُرُ مِنَ الْآثَامِ أَوْ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَبِالْأَخِيرِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ، وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَرْجِيحِ الصِّيَامِ عَلَى غَيْرِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ لِكَوْنِهِ جُنَّةً مِنَ النَّارِ فَضْلًا.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: " «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْكَ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا عِدْلَ لَهُ "، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَرْجِيحُ
الصَّلَاةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» "، ( «فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ» ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَتَثْلِيثِ الْفَاءِ أَيْ لَا يُفْحِشْ وَيَتَكَلَّمْ بِالْكَلَامِ الْقَبِيحِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْجِمَاعِ وَمُقَدَّمَاتِهِ وَعَلَى ذِكْرِهِ مَعَ النِّسَاءِ أَوْ مُطْلَقًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهَا.
(وَلَا يَجْهَلْ) أَيْ لَا يَفْعَلْ فِعْلَ الْجُهَّالِ كَصِيَاحٍ وَسَفَهٍ وَسُخْرِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " وَلَا يُجَادِلْ "، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَمْنُوعَةٌ مُطْلَقًا لَكِنَّهَا تَتَأَكَّدُ بِالصَّوْمِ، وَلِذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا إِبَاحَةُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ يَتَأَكَّدُ بِالصَّوْمِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: الْجَهْلُ ضِدُّ الْعِلْمِ يَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْفِ جَرِّ، وَالْجَهْلُ ضِدُّ الْحِلْمِ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا
(فَإِنْ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَفِي رِوَايَةٍ: " وَإِنْ " بِالْوَاوِ، (امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ) ، قَالَ عِيَاضٌ: قَاتَلَهُ دَافَعَهُ وَنَازَعَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى شَاتَمَهُ وَلَاعَنَهُ، وَقَدْ جَاءَ الْقَتْلُ بِمَعْنَى اللَّعْنِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ: فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ مَارَاهُ يَعْنِي جَادَلَهُ، وَلِأَحْمَدَ: فَإِنْ شَاتَمَكَ أَحَدٌ فَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ وَإِنْ كُنْتَ قَائِمًا فَاجْلِسْ، وَاسْتُشْكِلَ ظَاهِرُهُ بِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ تَقْتَضِي وُقُوعَ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَعَ أَنَّ الصَّائِمَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَأَجَابَ الْبَاجِيُّ بِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ هُنَا لِلْوَاحِدِ كَسَافَرَ، أَوِ الْمَعْنَى: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُشَاتِمَهُ أَوْ يُقَاتِلَهُ أَوْ إِنْ وُجِدَتْ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَلْيَذْكُرِ الصَّوْمَ وَلَا يَسْتَدِمْ ذَلِكَ.
وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُفَاعَلَةِ التَّهَيُّؤُ لَهَا أَيْ أَنْ يَتَهَيَّأَ أَحَدٌ لِقِتَالِهِ أَوْ مُشَاتَمَتِهِ.
(فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ) مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا لِلِانْزِجَارِ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ يُخَاطِبُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قِيلَ: يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ لِلْمُشَاتِمِ وَالْمُقَاتِلِ أَيْ وَصَوْمِي يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ، وَمَعْنَى الْمُقَاتِلَةِ مُقَاتَلَتُهُ بِلِسَانِهِ، وَقِيلَ: يَقُولُهُ فِي نَفْسِهِ أَيْ فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِفَاءِ غَيْظِكَ، وَلَا يَنْطِقُ بِأَنِّي صَائِمٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَإِطْلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ، وَلِذَا يَجْزِي اللَّهُ الصَّائِمَ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ انْتَهَى.
وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْمُتَوَلِّي وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنِ الْأَئِمَّةِ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْأَوَّلَ فِي الْأَذْكَارِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ: كُلٌّ مِنْهُمَا حَسَنٌ وَالْقَوْلُ بِاللِّسَانِ أَقْوَى وَلَوْ جَمَعَهُمَا كَانَ حَسَنًا، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ: إِنَّ ذِكْرَهَا فِي الْحَدِيثِ مَرَّتَيْنِ إِشَارَةٌ لِذَلِكَ فَيَقُولُهَا بِقَلْبِهِ لِيَكُفَّ نَفْسَهُ وَبِلِسَانِهِ لِيَكُفَّ خَصْمَهُ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: إِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ فَبِلِسَانِهِ وَإِلَّا فَفِي نَفْسِهِ
وَادَّعَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي النَّفْلِ أَمَّا الْفَرْضُ فَبِلِسَانِهِ قَطْعًا، وَقَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ عِلَّةٌ لِتَأْكِيدِ الْمَنْعِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِخَصْمِهِ: إِنِّي صَائِمٌ تَحْذِيرًا وَتَهْدِيدًا بِالْوَعِيدِ الْمُتَوَجِّهِ عَلَى مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الصَّائِمِ، وَتَذَرَّعَ إِلَى تَنْقِيصِ أَجْرِهِ بِإِيقَاعِهِ فِي الْمُشَاتَمَةِ أَوْ بِذِكْرِ نَفْسِهِ تَشْدِيدَ الْمَنْعِ الْمُعَلَّلِ
بِالصَّوْمِ، وَيَكُونُ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ ظَاهِرُ كَوْنِ الصَّوْمِ جُنَّةً أَنْ يَقِيَ صَاحِبَهُ مِنْ أَنْ يُؤْذَى كَمَا يَقِيهِ أَنْ يُؤْذِيَ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ إِنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي فَالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصِّيَامَ فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»
ــ
٦٩٠ - ٦٨٦ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) إِنْ شَاءَ أَبْقَاهَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا، وَهُوَ قَسَمٌ كَانَ يُقْسِمُ بِهِ كَثِيرًا وَأَقْسَمَ تَأْكِيدًا، (لَخُلُوفُ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبِالْفَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، قَالَ عِيَاضٌ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَثِيرٌ مِنَ الشُّيُوخِ يَرْوُونَهُ بِفَتْحِهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ خَطَأٌ وَحَكَى الْقَابِسِيُّ فِيهِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ، وَقَالَ: أَهْلُ الْمَشْرِقِ يَقُولُونَهُ بِالْوَجْهَيْنِ وَالصَّوَابُ الضَّمُّ أَيْ تَغَيُّرِ رَائِحَةٍ (فَمِ الصَّائِمِ) لِخُلُوِّ الْمَعِدَةِ بِتَرْكِ الْأَكْلِ، وَقَالَ الْبَرْقِيُّ: هُوَ تَغَيُّرِ طَعْمِ الْفَمِ وَرِيحِهِ بِتَأْخِيرِ الطَّعَامِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ مَالِكٌ تَغَيُّرَ رَائِحَةِ الْفَمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا تَثْبُتُ الْمِيمُ فِي الْفَمِ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ لِثُبُوتِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ. (أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ) زَادَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، (مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) فَتَعَلَّقَ بِهِ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ: هَذَا الطِّيبُ فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً، وَلِأَبِي الشَّيْخِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «يَخْرُجُ الصَّائِمُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ يُعْرَفُونَ بِرِيحِ أَفْوَاهِهِمْ، أَفْوَاهُهُمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» "، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هُوَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِرِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: " «لَخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» "، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا، قَالَ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» "، حَسَّنَهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي أَمَالِيهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ فِي وَقْتِ وُجُودِ الْخُلُوفِ فِي الدُّنْيَا يَتَحَقَّقُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: طِيبُهُ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْرَبُ إِلَيْهِ عِنْدَهُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ عَلَى الصَّائِمِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ، وَقَالَ الْقَدُورِيُّ إِمَامُ الْحَنَفِيَّةِ: مَعْنَاهُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ، وَمِثْلُهُ قَالَ الْبُونِيُّ مِنْ قُدَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ وَأَبُو حَفْصٍ الشَّافِعِيُّونَ وَأَبُو بَكْرٍ الْعَرَبِيُّ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا لَمْ يَذْكُرُوا سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجْهًا بِتَخْصِيصِهِ بِالْآخِرَةِ، مَعَ أَنَّ
كُتُبَهُمْ جَامِعَةٌ لِلْوُجُوهِ الْمَشْهُورَةِ وَالْغَرِيبَةِ، وَمَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ بَلْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الرِّضَا وَالْقَبُولِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَأَمَّا ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ، وَفِيهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ الْخُلُوفِ فِي الْمِيزَانِ عَلَى الْمِسْكِ الْمُسْتَعْمَلِ لِدَفْعِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ طَلَبًا لِرِضَا اللَّهِ حَيْثُ يُؤْمَرُ بِاجْتِنَابِهَا، وَاجْتِلَابُ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ كَمَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَخُصَّ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فِي رِوَايَةٍ لِذَلِكَ كَمَا خُصَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} [العاديات: ١١] (سُورَةُ الْعَادِيَاتِ: الْآيَةُ ١١) ، وَأُطْلِقَ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ أَصْلَ أَفْضَلِيَّتِهِ ثَابِتٌ فِي الدَّارَيْنِ انْتَهَى.
وَهَذِهِ إِحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْمُتَعَاصِرَانِ الْمَذْكُورَانِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالْعِزُّ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ اسْتِطَابَةَ الرَّوَائِحِ مِنْ صِفَاتِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ طَبْعٌ يَمِيلُ إِلَى الشَّيْءِ فَيَسْتَطِيبُهُ أَوْ يَنْفِرُ عَنْهُ فَيَسْتَقْذِرُهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هُوَ مَجَازٌ لِأَنَّهُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ مِنَّا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِتَقْرِيبِ الصَّوْمِ مِنَ اللَّهِ، فَالْمَعْنَى أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ أَيْ يُقَرِّبُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ تَقْرِيبِ الْمِسْكِ إِلَيْكُمْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ حُكْمَ الْخُلُوفِ وَالْمِسْكِ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى ضِدِّ مَا هُوَ عِنْدَكُمْ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُهُ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى تَكُونَ نَكْهَتُهُ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ كَمَا يَأْتِي الْمَكْلُومُ وَرِيحُ جُرْحِهِ يَفُوحُ مِسْكًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ صَاحِبَهُ يَنَالُ مِنَ الثَّوَابِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لَاسِيَّمَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخُلُوفِ حَكَاهُمَا عِيَاضٌ.
وَقَالَ الدَّاوُدُيُّ وَجَمَاعَةٌ: الْمَعْنَى أَنَّ الْخُلُوفَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنَ الْمِسْكِ الْمَنْدُوبِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْخَيْرِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَحَاصِلُهُ حَمْلُ مَعْنَى الطِّيبِ عَلَى الْقَبُولِ وَالرِّضَا.
وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ لِلطَّاعَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحًا يَفُوحُ قَالَ: فَرِيحُ الصِّيَامِ فِيهَا بَيْنَ الْعِبَادَاتِ كَالْمِسْكِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَطْيَبُ عِنْدَ مَلَائِكَةِ اللَّهِ وَأَنَّهُمْ يَسْتَطِيبُونَ الْخُلُوفَ، أَكْثَرُ مَنْ كَانَ عِنْدَنَا بِصَدَدِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَيْ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ إِذْ هُوَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالشَّمِّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَكِنَّهُ يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْإِدْرَاكِ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْمُدْرَكَاتِ الْمَحْسُوسَاتِ يَعْلَمُهَا تَعَالَى عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَالِقُهَا أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ؟ وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ كَانَ أَطْيَبَ وَدَمُ الشَّهِيدِ رِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ بِالنَّفْسِ وَبَذْلِ الرُّوحِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الصَّوْمَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْجِهَادِ، أَوْ نَظَرًا إِلَى أَصْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَأَصْلُ الْخُلُوفِ طَاهِرٌ بِخِلَافِ الدَّمِ، فَكَانَ مَا أَصْلُهُ طَاهِرٌ أَطْيَبَ رِيحًا، وَبِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالصَّوْمُ فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْكِفَايَةِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ مَرْفُوعًا: " «دِينَارٌ تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ وَدِينَارٍ تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُهُمَا الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ» "، فَفَضَّلَ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَهْلِ لِأَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى النَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ لِأَنَّهُ كِفَايَةٌ.
وَلَا يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ
الطَّيَالِسِيُّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: " «خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْجِهَادَ وَفَضَّلَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ الْمَكْتُوبَةِ» " لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِ الصِّيَامِ.
وَقَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَطَائِفَةٍ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ ضَعِيفٌ، فَنَصُّ الشَّافِعِيِّ: فَرْضُ الْعَيْنِ أَفْضَلُ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ» .
(إِنَّمَا يَذَرُ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ بِتَرْكِ الصَّائِمِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِنِسْبَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِلْمِ بِهِ وَعَدَمِ الْإِشْكَالِ فِيهِ.
وَلِأَحْمَدَ عَنْ «إِسْحَاقَ بْنِ الطَّبَّاعِ» عَنْ مَالِكٍ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: " إِنَّمَا يَذَرُ (شَهْوَتَهُ) أَيِ الْجِمَاعَ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ زَوْجَتَهُ، (وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) فَالْعَطْفُ مُغَايِرٌ وَإِنْ جَعَلْتَ شَهْوَتَهُ عَامَّةً فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، وَفِي فَوَائِدَ سَمُّوَيْهِ: يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ (مِنْ أَجْلِي) لِامْتِثَالِ شَرْعِي ذَلِكَ.
قَالَ الْحَافِظُ: قَدْ يُفْهِمُ الْحَصْرُ التَّنْبِيهَ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا الصَّائِمُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْإِخْلَاصُ الْخَاصُّ بِهِ حَتَّى لَوْ صَامَ لِغَرَضٍ آخَرَ كَتُخَمَةٍ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ الْفَضْلُ لَكِنَّ الْمَدَارَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَعَلَى الدَّاعِي الْقَوِيِّ الَّذِي يَدُورُ مَعَهُ الْفِعْلُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَلَا يُشَكُّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ فِي خَاطِرِهِ شَهْوَةُ شَيْءٍ طُولَ نَهَارِهِ لَيْسَ فِي الْفَضْلِ كَمَنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فَجَاهَدَ نَفْسَهُ فِي تَرْكِهِ، (فَالصِّيَامُ لِي) بِفَاءِ السَّبَبِيَّةِ، (وَأَنَا أَجْزِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (بِهِ) صَاحِبَهُ، وَلَمَّا أَفَادَ سِعَةَ الْجَزَاءِ وَفَخَامَتَهُ لِتَوَلِّيهِ بِنَفْسِهِ دَفَعَ تَوَهُّمَ أَنَّ لَهُ غَايَةً يَنْتَهِي إِلَيْهِمَا كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ بِقَوْلِهِ: (كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصِّيَامَ فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) بِلَا عَدَدٍ وَلَا حِسَابٍ، وَأَعَادَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: ١٠] (سُورَةُ الزُّمَرِ: الْآيَةُ ١٠) ، وَالصَّابِرُونَ الصَّائِمُونَ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ لِأَنَّهُمْ يُصَبِّرُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَعِنْدَ سَمُّوَيْهِ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا فِيهِ.
وَلِلْبَيْهَقِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَدِيثِ: " «وَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ ثَوَابِ عَامِلِهِ إِلَّا اللَّهُ فَالصِّيَامُ» "، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّائِمِ هُنَا مَنْ سَلِمَ صِيَامُهُ مِنَ الْمَعَاصِي قَوْلًا وَفِعْلًا.
وَنَقَلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ عَنْ بَعْضِ الزُّهَّادِ تَخْصِيصَهُ بِصَوْمِ خَوَاصِّ الْخَوَاصِّ فَإِنَّهُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: صِيَامُ الْعَوَّامِ وَهُوَ الصَّوْمُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ، وَصِيَامُ خَوَاصِّ الْعَوَامِّ وَهُوَ هَذَا مَعَ اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَصِيَامُ الْخَوَاصِّ وَهُوَ الصَّوْمُ عَنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ، وَصِيَامُ خَوَاصِّ الْخَوَاصِّ وَهُوَ الصَّوْمُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ فَلَا فِطْرَ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ لِقَائِهِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا مَقَامٌ عَالٍ، لَكِنْ فِي حَصْرِ الْمُرَادِ مِنَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا النَّوْعِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ مَعَ أَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَهُوَ الَّذِي يُجْزِي بِهَا عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّ الصِّيَامَ لَا يَقَعُ فِيهِ رِيَاءٌ كَغَيْرِهِ حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " «الصِّيَامُ لَا رِيَاءَ فِيهِ» " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ
مُرْسَلًا، وَلَوْ صَحَّ لَرُفِعَ النِّزَاعُ.
وَكَوْنُهُ لَا رِيَاءَ فِيهِ مَعْنَاهُ فِي فِعْلِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ الرِّيَاءُ بِالْقَوْلِ كَمَنْ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ صَائِمٌ رِيَاءً فَإِنَّمَا يَقَعُ الرِّيَاءُ فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلَهَا، وَحَاوَلَ بَعْضُهُمْ إِلْحَاقَ الذِّكْرِ بِالصَّوْمِ لِإِمْكَانِ فِعْلِهِ بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ وَلَا يَشْعُرُ الْحَاضِرُونَ.
ثَانِيهَا: مَعْنَاهُ أَنَا الْمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ مِقْدَارِ ثَوَابِهِ وَتَضْعِيفِ حَسَنَاتِهِ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَظْهَرَ سُبْحَانَهُ بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ عَلَيْهَا وَلَا يُبْطِلُهُ كَمَا ادَّعَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ صَوْمَ الْيَوْمِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا قَدْرُ ثَوَابِهِ فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
ثَالِثُهَا: مَعْنَاهُ أَحَبُّ الْعِبَادَاتِ إِلَيَّ وَالْمُقَدَّمُ عِنْدِي، وَلِذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَفَى بِهِ فَضْلًا لِلصِّيَامِ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلِلنَّسَائِيِّ: عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: " «وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» ".
رَابِعُهَا: الْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّعْظِيمِ كَمَا يُقَالُ: بَيْتُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتِ الْبُيُوتُ كُلُّهَا لِلَّهِ، وَنَاقَةُ اللَّهِ، وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ، مَعَ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: التَّخْصِيصُ فِي مَوْضِعِ التَّعْمِيمِ فِي مِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا التَّشْرِيفُ وَالتَّعْظِيمُ.
خَامِسُهَا: أَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ الصَّائِمُ بِمَا يُوَافِقُ صِفَاتِهِ أَضَافَهُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتُ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ.
سَادِسُهَا: الْمَعْنَى كَذَلِكَ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِهِمْ.
سَابِعُهَا: أَنَّهُ خَاصٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ حَظٌّ فِيهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ أَرَادَ بِالْحَظِّ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ لِلْعِبَادَةِ رَجَعَ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَبِهِ أَفْصَحَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَقَالَ: لَا حَظَّ فِيهِ لِلصَّائِمِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَلَهُ فِيهِ حَظٌّ لِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ، أَيْ وَإِنْ أَرَادَ عَدَمَ انْبِسَاطِ نَفْسِهِ بِهِ أَصْلًا غَالِبًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَيُوجَدُ لِلنَّفْسِ فِيهَا حَظٌّ كَالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فَلَهُ فِيهِ حَظُّ التَّبَرُّدِ أَوِ التَّدَفِّي، وَكَالْحَجِّ فَلَهُ فِيهِ حَظُّ التَّنَفُّلِ وَالتَّفَرُّجِ عَلَى الْأَمْكِنَةِ وَهَكَذَا، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ بَلْ يَكُونُ غَيْرُهُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
ثَامِنُهَا: سَبَبُ إِضَافَتِهِ إِلَى اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ بِهِ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالطَّوَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ عُبَّادَ النُّجُومِ وَأَصْحَابَ الْهَيَاكِلِ وَالِاسْتِخْدَامَاتِ يَتَعَبَّدُونَ لَهَا بِالصِّيَامِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ إِلَهِيَّةَ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا فَعَّالَةٌ بِنَفْسِهَا، وَلَيْسَ هَذَا الْجَوَابُ بِطَائِلٍ لِأَنَّهُمْ طَائِفَتَانِ: إِحْدَاهُمَا تَعْتَقِدُ إِلَهِيَّةَ الْكَوَاكِبِ وَهُمْ مَنْ كَانَ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَبَقِيَ مِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ، وَالْأُخْرَى مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَبَقِيَ عَلَى تَعْظِيمِ الْكَوَاكِبِ وَهُمُ الَّذِينَ أُشِيرَ إِلَيْهِمْ.
تَاسِعُهَا: أَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ يُوَفَّى مِنْهَا مَظَالِمُ الْعِبَادِ إِلَّا الصِّيَامُ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحَاسِبُ اللَّهُ عَبْدَهُ وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَظَالِمِ مِنْ عَمَلِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ إِلَّا الصَّوْمُ فَيَتَحَمَّلُ اللَّهُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَظَالِمِ وَيُدْخِلُهُ بِالصَّوْمِ الْجَنَّةَ، وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْمُقَاصَّةِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ كَبَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ لِأَنَّ فِيهِ «الْمُفْلِسَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ
وَصِيَامٍ وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا وَأَخَذَ مَالَ هَذَا فَيُؤْخَذُ لِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَلِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتَصَّ مَا عَلَيْهِ طُرِحَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُمْ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» .
قُلْتُ: إِنْ ثَبَتَ قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَمْكَنَ تَخْصِيصُ الصِّيَامِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ إِلَّا الصَّوْمَ الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: " «قَالَ رَبُّكُمْ: كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ إِلَّا الصَّوْمَ» " فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ شَاهِدٌ لِذَلِكَ، لَكِنْ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ» "، وَيُجَابُ بِحَمْلِ الْإِثْبَاتِ عَلَى كَفَّارَةِ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَالنَّفْيِ عَلَى كَفَّارَةِ شَيْءٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِفِتْنَةِ الْمَالِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ لَكِنْ حَمَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى تَكْفِيرِ مُطْلَقِ الْخَطِيئَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُسْلِمٍ: " «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» "، وَلِابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَعَرَفَ حُدُودَهُ كَفَّرَ مَا قَبْلَهُ» "، وَلِمُسْلِمٍ: " «صِيَامُ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ وَصِيَامُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً» "، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: " «كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ إِلَّا الصِّيَامُ» " أَيْ فَإِنَّهُ كَفَّارَةٌ وَزِيَادَةُ ثَوَابٍ عَلَى الْكَفَّارَةِ بِشَرْطِ خُلُوصِهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَالشَّوَائِبِ.
عَاشِرُهَا: أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَظْهَرُ فَتَكْتُبُهُ الْحَفَظَةُ كَمَا لَا تُكْتَبُ سَائِرُ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَاسْتَنَدَ قَائِلُهُ إِلَى حَدِيثٍ وَاهٍ جِدًّا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْمُسَلْسَلَاتِ وَلَفْظُهُ: قَالَ اللَّهُ الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أُحِبُّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكْتُبَهُ وَلَا شَيْطَانٌ فَيُفْسِدَهُ.
وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي كِتَابِهِ: " «الْحَسَنَةُ لِمَنْ هَمَّ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْهَا» "، فَهَذَا مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْوِبَةِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَيَقْرُبُ مِنْهُمَا الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ.
وَبَلَغَنِي أَنَّ الطَّالِقَانِيَّ بَلَّغَهَا أَكْثَرَ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّوْمَ لِي لَا لَكَ، أَيْ أَنَا الَّذِي يَنْبَغِي لِي أَنْ لَا أَطْعَمَ وَلَا أَشْرَبَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَكَانَ دُخُولُكُ فِيهِ لِأَنِّي شَرَعْتُهُ لَكَ فَأَنَا أَجْزِي بِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا جَزَاؤُهُ لِأَنَّ صِفَةَ التَّنْزِيهِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ تَطْلُبُنِي، وَقَدْ تَلَبَّسْتَ بِهَا وَلَيْسَتْ لَكَ لَكِنَّكَ اتَّصَفْتَ بِهَا حَالَ صَوْمِكَ فَهِيَ تُدْخِلُكَ عَلَيَّ، فَإِنَّ الصَّبْرَ حَبْسُ النَّفْسِ وَقَدْ حَبَسْتَهَا بِأَمْرِي عَمَّا تَقْتَضِيهِ، وَحَقِيقَتُهَا مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ، فَلِذَا قَالَ «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَفَرْحَةُ الْفِطْرِ لِرُوحِهِ الْحَيَوَانِيِّ لَا غَيْرَ، وَالثَّانِيَةُ لِنَفْسِهِ النَّاطِقَةِ لَطِيفَةٌ رَبَّانِيَّةٌ فَأَوْرَثَهُ الصَّوْمُ لِقَاءَ اللَّهِ وَهُوَ الْمُشَاهَدَةُ انْتَهَى، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ.
وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ لَكِنَّهُ وَصَلَهُ بِالْحَدِيثِ قَبْلَهُ لِاتِّحَادِ إِسْنَادِهِمَا وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ كَمَا قَدَّمْتُهُ عَنِ الْحَافِظِ لَكِنَّهُ قَالَ هُنَا هُمَا حَدِيثَانِ أَفْرَدَهُمَا الْمُوَطَّأُ وَجَمَعَهُمَا عَنْهُ الْقَعْنَبِيُّ وَعَنْهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا انْتَهَى.
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»
ــ
٦٧١ - ٦٦٨ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ» ) نُصِبَ عَلَى التَّحْذِيرِ أَيِ احْذَرُوا الْوِصَالَ ( «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ» ) ذَكَرَهُ مَرَّتَيْنِ لِلتَّأْكِيدِ.
وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» "، (قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي) بِضَمِّ الْيَاءِ (رَبِّي وَيَسْقِينِي) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ كَقِرَاءَةِ يَعْقُوبَ فِي الشُّعَرَاءِ حَالَةَ الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ مُرَاعَاةً لِلْأَصْلِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي الْوَصْلِ فَقَطْ مُرَاعَاةً لِلْأَصْلِ وَالرَّسْمِ فَإِنَّهَا رُسِمَتْ فِي الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ بِحَذْفِ الْيَاءِ، وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» "، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ» "، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مُطْلَقِ الْكَوْنِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ، لِأَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ هُوَ الْإِمْسَاكُ لَيْلًا لَا نَهَارًا، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا هُوَ بِلَفْظِ " أَبِيتُ "، فَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ عَبَّرَ عَنْهَا بِلَفْظِ " أَظَلُّ " نَظَرًا إِلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي مُطْلَقِ الْكَوْنِ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النحل: ٥٨] (سُورَةُ النَّحْلِ: الْآيَةُ ٥٨) فَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ، وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِنَهَارٍ دُونَ لَيْلٍ، وَآثَرَ اسْمَ الرَّبِّ دُونَ اسْمِ الذَّاتِ فَلَمْ يَقُلْ يُطْعِمُنِي اللَّهُ لِأَنَّ التَّجَلِّيَ بِاسْمِ الرُّبُوبِيَّةِ أَقْرَبُ إِلَى الْعِبَادِ مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ لِأَنَّهَا تَجَلِّي عَظَمَةٍ لَا طَاقَةَ لِلْبَشَرِ بِهَا، وَتَجَلِّي الرُّبُوبِيَّةِ تَجَلِّي رَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ وَهِيَ أَلْيَقُ بِهَذَا الْمَقَامِ.
نَعَمْ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَظَلُّ عِنْدَ اللَّهِ وَكَأَنَّهَا بِالْمَعْنَى، فَرِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا عِنْدَ رَبِّي، وَمَرَّ أَنَّ قَوْلَ الْجُمْهُورِ: إِنَّهُ مَجَازٌ عَنْ لَازِمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ الْقُوَّةُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا وَمَرَّ جَوَابُهُ، وَقِيلَ: كَانَ يُؤْتَى بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ فِي النَّوْمِ فَيَسْتَيْقِظُ وَهُوَ يَجِدُ الرِّيَّ وَالشِّبَعَ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: مَعْنَاهُ وَمَحَبَّةُ اللَّهِ تَشْغَلُنِي عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْحُبُّ الْبَالِغُ يَشْغَلُ عَنْهُمَا.
وَجَنَحَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَيِّمِ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَشْغَلُهُ بِالتَّفَكُّرِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّمَلِّي بِمُشَاهَدَتِهِ، وَالتَّغَذِّي بِمَعَارِفِهِ، وَقُرَّةِ الْعَيْنِ
بِمَحَبَّتِهِ، وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي مُنَاجَاتِهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ غِذَاءُ الْقُلُوبِ وَنَعِيمُ الْأَرْوَاحِ وَقُرَّةُ الْعَيْنِ وَبَهْجَةُ النُّفُوسِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَلِلْقَلْبِ بِهَا وَالرُّوحِ أَعْظَمُ غِذَاءٍ وَأَنْفَعُهُ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا أَعْظَمَ مِنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ، وَمَنْ لَهُ أَدْنَى شَوْقٍ وَتَجْرِبَةٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْغِذَاءِ الْجُسْمَانِيِّ، وَلَا سِيَّمَا الْفَرْحَانُ الظَّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ الَّذِي قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ كَمَا قِيلَ: لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكِ تَشْغَلُهَا عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ
وَقَدْ زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: " «فَاكْلَفُوا مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ» "، وَزَادَ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ» " كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا.
وَبِهِ اسْتَدَلَّ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيمِ، إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ لَمْ يُخَالِفُوهُ كَمَا لَمْ يُخَالِفُوهُ بِصَوْمِ الْعِيدَيْنِ وَلَمَا وَاصَلَ بِهِمْ، وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ، وَأَمَّا مُوَاصَلَتُهُ بَعْدَ نَهْيِهِ فَلَيْسَتْ تَقْرِيرًا بَلْ تَقْرِيعًا وَتَنْكِيلًا، فَاحْتُمِلَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ النَّهْيِ فِي تَأْكِيدِ زَجْرِهِمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا بَاشَرُوهُ ظَهَرَتْ لَهُمْ حِكْمَةُ النَّهْيِ، فَكَانَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِهِمْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَلَلِ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ مِنَ الْوِصَالِ وَأَرْجَحُ، وَوَظَائِفِ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْجُوعُ الشَّدِيدُ يُنَافِي ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى تَعَسُّفُهُ إِذِ احْتِمَالُ فِعْلِ الْحَرَامِ لِمَصْلَحَةِ الزَّجْرِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ، إِذْ لَوْ قَالَ لَهُمْ حَرَامٌ لَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ بُعْدًا عَنْهُ وَلَمْ يُخَالِفُوهُ كَمَا لَمْ يُخَالِفُوهُ فِي الْعِيدَيْنِ.
[بَاب صِيَامِ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَإٍ أَوْ يَتَظَاهَرُ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي قَتْلِ خَطَأٍ أَوْ تَظَاهُرٍ فَعَرَضَ لَهُ مَرَضٌ يَغْلِبُهُ وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ صِيَامَهُ أَنَّهُ إِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ وَقَوِيَ عَلَى الصِّيَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ وَهُوَ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنْ صِيَامِهِ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهَا الصِّيَامُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ خَطَأً إِذَا حَاضَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ صِيَامِهَا أَنَّهَا إِذَا طَهُرَتْ لَا تُؤَخِّرُ الصِّيَامَ وَهِيَ تَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَامَتْ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يُفْطِرَ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ مَرَضٍ أَوْ حَيْضَةٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَيُفْطِرَ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ
ــ
١٤ - بَابُ صِيَامِ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَأً أَوْ يَتَظَاهَرُ
(قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي قَتْلِ خَطَأٍ) الْمَنْصُوصُ عَلَى تَتَابُعِهِمَا فِيهِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ (أَوْ تَظَاهُرٍ) مِنْ نِسَائِهِمْ كَذَلِكَ (فَعَرَضَ لَهُ مَرَضٌ يَغْلِبُهُ) بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ بَعْدَمَا صَامَ بَعْضَ الشَّهْرَيْنِ (وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ صِيَامَهُ) بِالْفِطْرِ (أَنَّهُ إِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ) وَأَتَى بِقَوْلِهِ (وَقَوِيَ عَلَى الصِّيَامِ) لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ مِنَ الْمَرَضِ قُوَّتُهُ (فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ) أَيْ وَصْلَ صَوْمِهِ بِمَا مَضَى قَبْلَ
مَرَضِهِ (وَهُوَ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنْ صِيَامِهِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ فَإِنْ لَمْ يَبْنِ أَخَّرَ وَاسْتَأْنَفَ الشَّهْرَيْنِ لِأَنَّ اللَّهَ قَيَّدَ بِالتَّتَابُعِ فِي الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ فَأُبِيحَ لَهُ فِطْرُ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الصَّوْمُ كَالْمَرَضِ، فَإِذَا زَالَ وَصَلَهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ انْقَطَعَ التَّتَابُعُ.
(وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهَا الصِّيَامُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ خَطَأً) لِعَدَمِ وِجْدَانِهَا رَقَبَةً تُعْتِقُهَا (إِذَا حَاضَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ) تَثْنِيَةُ ظَهْرٍ (صِيَامِهَا أَنَّهَا إِذَا طَهُرَتْ لَا تُؤَخِّرُ الصِّيَامَ وَهِيَ تَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَامَتْ) فَإِنْ لَمْ تَبْنِ اسْتَأْنَفَتِ الشَّهْرَيْنِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْحَائِضَ إِذَا وَصَلَتْ قَضَاءَ أَيَّامِ حَيْضِهَا بِصِيَامِهَا أَنَّهُ يُجْزِيهَا، وَفِي الْمَرِيضِ خِلَافٌ فَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ: يَسْتَأْنِفُ الصِّيَامَ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
(وَلَيْسَ لِأَحَدٍ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يُفْطِرَ إِلَّا مِنْ عِلَّةِ مَرَضٍ أَوْ حَيْضَةٍ) بِجَرِّهِمَا عَطْفُ بَيَانٍ لِعِلَّةٍ أَوْ بَدَلٌ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيَجْرِي النِّسْيَانُ مَجْرَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، ابْنُ زَرْقُونَ يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ نَاسِيًا فِي يَوْمٍ بَيَّتَ صَوْمَهُ، وَأَمَّا إِنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ نَاسِيًا فَلَا.
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَيُفْطِرَ) بَلْ يَصُومُ فَإِنْ أَفْطَرَ اسْتَأْنَفَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مَعَهُ الصَّوْمُ وَإِنْ لَحِقَتْهُ فِيهِ مَشَقَّةٌ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ) أَيْ لَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ إِنْ سَافَرَ فَلَيْسَ بِتَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
[بَاب مَا يَفْعَلُ الْمَرِيضُ فِي صِيَامِهِ]
قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا أَصَابَهُ الْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهُ وَيُتْعِبُهُ وَيَبْلُغُ ذَلِكَ مِنْهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ وَبَلَغَ مِنْهُ وَمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِعُذْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا تَبْلُغُ صِفَتُهُ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ صَلَّى وَهُوَ جَالِسٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ مِنْ الْمَرِيضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ مِنْ الْمَرِيضِ فَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ
ــ
١٥ - بَابُ مَا يَفْعَلُ الْمَرِيضُ فِي صِيَامِهِ
(قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: الْأَمْرُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا أَصَابَهُ الْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهُ وَيُتْعِبُهُ وَيَبْلُغُ ذَلِكَ) أَيِ الْمَشَقَّةَ وَالْإِتْعَابَ (مِنْهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: قَدْرُ الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلْفِطْرِ لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقَدَّرَ بِنَفْسِهِ وَلِذَا قَالَ مَالِكٌ: وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعَبْدِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا شَيْءٌ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ فَإِذَا بَلَغَ الْمَرِيضُ حَالًا لَا يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الصِّيَامِ أَوْ تَيَقَّنَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ بِهِ حَتَّى يُخَافَ عَلَيْهِ جَازَ الْفِطْرُ، قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} [البقرة: ١٨٤] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٤) ، فَإِذَا صَحَّ كَوْنُهُ مَرِيضًا صَحَّ لَهُ الْفِطْرُ، (وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ وَبَلَغَ مِنْهُ وَمَا) الْوَاوُ زَائِدَةٌ (اللَّهُ أَعْلَمُ بِعُذْرِ) بِالْعَيْنِ وَالذَّالِ مُعْجَمَةٍ وَاحِدُ الْأَعْذَارِ، (ذَلِكَ مِنَ الْعَبْدِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا تَبْلُغُ صِفَتُهُ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ صَلَّى وَهُوَ جَالِسٌ) لِلْعُذْرِ، (وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ) كَمَا قَالَ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٥) ، وَالْكَلَامُ فِي الْفَرْضِ، فَالنَّافِلَةُ يَجُوزُ الْجُلُوسُ فِيهَا بِلَا عُذْرٍ.
(وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ مِنَ الْمَرِيضِ) هَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأُولَى.
(قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ} [البقرة: ١٨٤] أَيْ فَعَلَيْهِ عَدَدُ مَا أَفْطَرَ {مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] يَصُومُهَا بَدَلَهُ (فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ مِنَ الْمَرِيضِ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا احْتِجَاجٌ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْفِطْرَ لِلْمَرِيضِ إِلَّا لِخَوْفِ الْهَلَاكِ دُونَ الْمَشَقَّةِ الزَّائِدَةِ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ وَلَكِنَّهُ خَافَ اعْتِرَاضَ مُعْتَرِضٍ فَتَبَرَّعَ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَبِهِ سَقَطَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْقِيَاسِ مَعَ أَنَّ الْمَرِيضَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ قَبْلَ السَّفَرِ، لَكِنْ قَدْ يَتَأَكَّدُ قَوْلُهُ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ بِقَوْلِهِ (فَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ) فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَهُ وَمَا أَحَبَّهُ، (وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ) أَيْ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قِيلَ: لَا يُفْطَرُ لِخَشْيَةِ زِيَادَةِ الْمَرَضِ لِأَنَّهُ ظَنٌّ لَا يَقِينٌ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ بِيَقِينٍ، فَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ الْبَاجِيُّ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ، لَكِنَّهُ إِنَّمَا نَفَى عِلْمَهُ فَلَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُ عَلِمَهُ.
[بَاب النَّذْرِ فِي الصِّيَامِ وَالصِّيَامِ عَنْ الْمَيِّتِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ فَقَالَ سَعِيدٌ لِيَبْدَأْ بِالنَّذْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ
ــ
١٦ - النَّذْرُ فِي الصِّيَامِ وَالصِّيَامُ عَنِ الْمَيِّتِ
٦٦٩ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ؟) قَبْلَ صَوْمٍ نَذَرَهُ (فَقَالَ سَعِيدٌ: لِيَبْدَأْ بِالنَّذْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ) ، هَذَا عَلَى الِاخْتِيَارِ وَاسْتِحْسَانِ الْبِدَارِ إِلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّطَوُّعِ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.
قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مِنْ رَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا أَوْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ فَأَوْصَى بِأَنْ يُوَفَّى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَالْبَدَنَةَ فِي ثُلُثِهِ وَهُوَ يُبَدَّى عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْوَصَايَا إِلَّا مَا كَانَ مِثْلَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النُّذُورِ وَغَيْرِهَا كَهَيْئَةِ مَا يَتَطَوَّعُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ خَاصَّةً دُونَ رَأْسِ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِهِ لَأَخَّرَ الْمُتَوَفَّى مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَصَارَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ سَمَّى مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَتَقَاضَاهَا مِنْهُ مُتَقَاضٍ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ أَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ سَمَّاهَا وَعَسَى أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ
ــ
٦٧٠ - (قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلَ ذَلِكَ) فَإِنْ قَدَّمَ التَّطَوُّعَ أَسَاءَ وَصَحَّ صَوْمُهُ لِلتَّطَوُّعِ وَبَقِيَ النَّذْرُ فِي ذِمَّتِهِ هَذَا إِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا لَمْ يَجُزْ صَوْمُ غَيْرِهِ فِيهِ فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ نَذْرِهِ لِأَنَّهُ تَرَكَ صَوْمَهُ قَادِرًا عَلَيْهِ وَكَانَ حُكْمُهُ كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَالنَّذْرُ يَلْزَمُ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِالدُّخُولِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
(قَالَ مَالِكٌ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مِنْ رَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا أَوْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ) الْبَعِيرُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى يُهْدِيهَا، (فَأَوْصَى بِأَنْ يُوَفَّى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَالْبَدَنَةَ فِي ثُلُثِهِ) لَا فِي رَأْسِ مَالِهِ، (وَهُوَ يُبَدَّى) يُقَدَّمُ (عَلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْوَصَايَا إِلَّا مَا كَانَ مِثْلَهُ) فَسِيَّانِ، (وَذَلِكَ) أَيْ وَجْهُ تَبْدِيَةِ ذَلِكَ (أَنَّهُ لَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنَ النُّذُورِ وَغَيْرِهَا كَهَيْئَةِ مَا يَتَطَوَّعُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ) لِنَقْصِهِ عَنِ الْوَاجِبِ وَلَوْ بِالنَّذْرِ، (وَإِنَّمَا يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ خَاصَّةً دُونَ رَأْسِ مَالِهِ) خِلَافًا لِقَوْمٍ قَالُوا: كُلُّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ إِذَا أَوْصَى بِهِ فَهُوَ فِي رَأْسِ مَالِهِ، (لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي
رَأْسِ مَالِهِ لَأَخَّرَ الْمُتَوَفَّى) الْمَيِّتُ (مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) أَيْ أَسْبَابُهَا، (وَصَارَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ سَمَّى مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَتَقَاضَاهَا مِنْهُ مُتَقَاضٍ) بَلْ يُؤْمَرُ بِهَا بِدُونِ قَضَاءٍ، (فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ أَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ سَمَّاهَا وَعَسَى أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ) لِإِضْرَارِهِ بِالْوَرَثَةِ وَاتِّهَامِهِ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ لِقَصْدِ حِرْمَانِهِمْ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فَيَقُولُ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ
ــ
٦٧١ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ فَيَقُولُ: لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ) لِأَنَّهُمَا مِنَ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ إِجْمَاعًا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ تَطَوُّعًا عَنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، وَفِي الصَّوْمِ عَنِ الْحَيِّ خِلَافٌ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا.
وَأَمَّا الصَّوْمُ عَنِ الْمَيِّتِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ: مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَأَحْمَدُ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِوَارِثِهِ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ، وَيَبْرَأُ بِهِ الْمَيِّتُ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» " وَلِحَدِيثِهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَتَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، فَقَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِيهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» "، وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: " لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَعِنْدَهُ أَيْضًا: " أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ فَقَالَتْ: يُطْعَمُ عَنْهَا "، فَلَمَّا أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ بِخِلَافِ مَا رَوَيَاهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِهِ لِأَنَّ فَتْوَى الصَّحَابِيِّ بِخِلَافِ مَرْوِيِّهِ بِمَنْزِلَةِ رِوَايَتِهِ لِلنَّاسِخِ، وَنَسْخُ الْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى إِخْرَاجِ الْمَنَاطِ عَنِ الِاعْتِبَارِ، وَفِي الِاسْتِذْكَارِ لَمْ يُخَالِفْ بِفَتْوَاهُ مَا رَوَاهُ إِلَّا لِنَسْخٍ عَلِمَهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْأَصْلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ
فِي الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَصُومَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ. انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ يُحْمَلُ الصِّيَامُ عَلَى الْإِطْعَامِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ: " «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ كُلَّ يَوْمٍ مُدًّا مِسْكِينًا» " فَضَعِيفٌ، وَأَيْضًا فَالْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَلَوْ ثَبَتَ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِالْحَمْلِ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ بِالصِّيَامِ يَجُوزُ عِنْدَهُ الْإِطْعَامُ أَوِ الْحَدِيثَانِ تَعَارَضَا فَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: ٣٩] (سُورَةُ النَّجْمِ: الْآيَةُ ٣٩) ، وَقَدْ أُعِلَّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالِاضْطِرَابِ، فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ السَّائِلَ امْرَأَةٌ أَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، وَفِي أُخْرَى وَعَلَيْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأُخْرَى أَنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَأُخْرَى قَالَ رَجُلٌ: مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، وَلَكِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ اضْطِرَابًا وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافٌ يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَقَائِعِ لَكِنَّهُ بِعِيدٌ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ، فَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ»
ــ
٦٨٩ - ٦٨٥ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَشَدِّ النُّونِ أَيْ وِقَايَةٌ وَسُتْرَةٌ، قِيلَ مِنَ الْمَعَاصِي لِأَنَّهُ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وَيُضْعِفُهَا، وَلِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لِجَامُ الْمُتَّقِينَ وَجُنَّةُ الْمُحَارِبِينَ وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ وَالْمُقَرَّبِينَ، وَقِيلَ: جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالنَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا، وَقَدْ زَادَ التِّرْمِذِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: مِنَ النَّارِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: جُنَّةٌ وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ، وَلِلنِّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي جُنَّةٌ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ: جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ: جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا، زَادَ الدَّارِمِيُّ بِالْغِيبَةِ، وَالتَّفْسِيرَانِ مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّهُ إِذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الْمَعَاصِي فِي الدُّنْيَا كَانَ سِتْرًا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَفِي الْإِكْمَالِ: مَعْنَاهُ يَسْتُرُ مِنَ الْآثَامِ أَوْ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَبِالْأَخِيرِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ، وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَرْجِيحِ الصِّيَامِ عَلَى غَيْرِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ لِكَوْنِهِ جُنَّةً مِنَ النَّارِ فَضْلًا.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: " «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْكَ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا عِدْلَ لَهُ "، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَرْجِيحُ
الصَّلَاةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» "، ( «فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ» ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَتَثْلِيثِ الْفَاءِ أَيْ لَا يُفْحِشْ وَيَتَكَلَّمْ بِالْكَلَامِ الْقَبِيحِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْجِمَاعِ وَمُقَدَّمَاتِهِ وَعَلَى ذِكْرِهِ مَعَ النِّسَاءِ أَوْ مُطْلَقًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهَا.
(وَلَا يَجْهَلْ) أَيْ لَا يَفْعَلْ فِعْلَ الْجُهَّالِ كَصِيَاحٍ وَسَفَهٍ وَسُخْرِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " وَلَا يُجَادِلْ "، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَمْنُوعَةٌ مُطْلَقًا لَكِنَّهَا تَتَأَكَّدُ بِالصَّوْمِ، وَلِذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا إِبَاحَةُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ يَتَأَكَّدُ بِالصَّوْمِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: الْجَهْلُ ضِدُّ الْعِلْمِ يَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْفِ جَرِّ، وَالْجَهْلُ ضِدُّ الْحِلْمِ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا
(فَإِنْ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَفِي رِوَايَةٍ: " وَإِنْ " بِالْوَاوِ، (امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ) ، قَالَ عِيَاضٌ: قَاتَلَهُ دَافَعَهُ وَنَازَعَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى شَاتَمَهُ وَلَاعَنَهُ، وَقَدْ جَاءَ الْقَتْلُ بِمَعْنَى اللَّعْنِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ: فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ مَارَاهُ يَعْنِي جَادَلَهُ، وَلِأَحْمَدَ: فَإِنْ شَاتَمَكَ أَحَدٌ فَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ وَإِنْ كُنْتَ قَائِمًا فَاجْلِسْ، وَاسْتُشْكِلَ ظَاهِرُهُ بِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ تَقْتَضِي وُقُوعَ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَعَ أَنَّ الصَّائِمَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَأَجَابَ الْبَاجِيُّ بِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ هُنَا لِلْوَاحِدِ كَسَافَرَ، أَوِ الْمَعْنَى: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُشَاتِمَهُ أَوْ يُقَاتِلَهُ أَوْ إِنْ وُجِدَتْ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَلْيَذْكُرِ الصَّوْمَ وَلَا يَسْتَدِمْ ذَلِكَ.
وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُفَاعَلَةِ التَّهَيُّؤُ لَهَا أَيْ أَنْ يَتَهَيَّأَ أَحَدٌ لِقِتَالِهِ أَوْ مُشَاتَمَتِهِ.
(فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ) مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا لِلِانْزِجَارِ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ يُخَاطِبُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قِيلَ: يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ لِلْمُشَاتِمِ وَالْمُقَاتِلِ أَيْ وَصَوْمِي يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ، وَمَعْنَى الْمُقَاتِلَةِ مُقَاتَلَتُهُ بِلِسَانِهِ، وَقِيلَ: يَقُولُهُ فِي نَفْسِهِ أَيْ فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِفَاءِ غَيْظِكَ، وَلَا يَنْطِقُ بِأَنِّي صَائِمٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَإِطْلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ، وَلِذَا يَجْزِي اللَّهُ الصَّائِمَ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ انْتَهَى.
وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْمُتَوَلِّي وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنِ الْأَئِمَّةِ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْأَوَّلَ فِي الْأَذْكَارِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ: كُلٌّ مِنْهُمَا حَسَنٌ وَالْقَوْلُ بِاللِّسَانِ أَقْوَى وَلَوْ جَمَعَهُمَا كَانَ حَسَنًا، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ: إِنَّ ذِكْرَهَا فِي الْحَدِيثِ مَرَّتَيْنِ إِشَارَةٌ لِذَلِكَ فَيَقُولُهَا بِقَلْبِهِ لِيَكُفَّ نَفْسَهُ وَبِلِسَانِهِ لِيَكُفَّ خَصْمَهُ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: إِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ فَبِلِسَانِهِ وَإِلَّا فَفِي نَفْسِهِ
وَادَّعَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي النَّفْلِ أَمَّا الْفَرْضُ فَبِلِسَانِهِ قَطْعًا، وَقَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ عِلَّةٌ لِتَأْكِيدِ الْمَنْعِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِخَصْمِهِ: إِنِّي صَائِمٌ تَحْذِيرًا وَتَهْدِيدًا بِالْوَعِيدِ الْمُتَوَجِّهِ عَلَى مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الصَّائِمِ، وَتَذَرَّعَ إِلَى تَنْقِيصِ أَجْرِهِ بِإِيقَاعِهِ فِي الْمُشَاتَمَةِ أَوْ بِذِكْرِ نَفْسِهِ تَشْدِيدَ الْمَنْعِ الْمُعَلَّلِ
بِالصَّوْمِ، وَيَكُونُ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ ظَاهِرُ كَوْنِ الصَّوْمِ جُنَّةً أَنْ يَقِيَ صَاحِبَهُ مِنْ أَنْ يُؤْذَى كَمَا يَقِيهِ أَنْ يُؤْذِيَ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ إِنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي فَالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصِّيَامَ فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»
ــ
٦٩٠ - ٦٨٦ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) إِنْ شَاءَ أَبْقَاهَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا، وَهُوَ قَسَمٌ كَانَ يُقْسِمُ بِهِ كَثِيرًا وَأَقْسَمَ تَأْكِيدًا، (لَخُلُوفُ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبِالْفَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، قَالَ عِيَاضٌ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَثِيرٌ مِنَ الشُّيُوخِ يَرْوُونَهُ بِفَتْحِهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ خَطَأٌ وَحَكَى الْقَابِسِيُّ فِيهِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ، وَقَالَ: أَهْلُ الْمَشْرِقِ يَقُولُونَهُ بِالْوَجْهَيْنِ وَالصَّوَابُ الضَّمُّ أَيْ تَغَيُّرِ رَائِحَةٍ (فَمِ الصَّائِمِ) لِخُلُوِّ الْمَعِدَةِ بِتَرْكِ الْأَكْلِ، وَقَالَ الْبَرْقِيُّ: هُوَ تَغَيُّرِ طَعْمِ الْفَمِ وَرِيحِهِ بِتَأْخِيرِ الطَّعَامِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ مَالِكٌ تَغَيُّرَ رَائِحَةِ الْفَمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا تَثْبُتُ الْمِيمُ فِي الْفَمِ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ لِثُبُوتِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ. (أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ) زَادَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، (مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) فَتَعَلَّقَ بِهِ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ: هَذَا الطِّيبُ فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً، وَلِأَبِي الشَّيْخِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «يَخْرُجُ الصَّائِمُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ يُعْرَفُونَ بِرِيحِ أَفْوَاهِهِمْ، أَفْوَاهُهُمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» "، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هُوَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِرِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: " «لَخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» "، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا، قَالَ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» "، حَسَّنَهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي أَمَالِيهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ فِي وَقْتِ وُجُودِ الْخُلُوفِ فِي الدُّنْيَا يَتَحَقَّقُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: طِيبُهُ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْرَبُ إِلَيْهِ عِنْدَهُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ عَلَى الصَّائِمِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ، وَقَالَ الْقَدُورِيُّ إِمَامُ الْحَنَفِيَّةِ: مَعْنَاهُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ، وَمِثْلُهُ قَالَ الْبُونِيُّ مِنْ قُدَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ وَأَبُو حَفْصٍ الشَّافِعِيُّونَ وَأَبُو بَكْرٍ الْعَرَبِيُّ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا لَمْ يَذْكُرُوا سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجْهًا بِتَخْصِيصِهِ بِالْآخِرَةِ، مَعَ أَنَّ
كُتُبَهُمْ جَامِعَةٌ لِلْوُجُوهِ الْمَشْهُورَةِ وَالْغَرِيبَةِ، وَمَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ بَلْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الرِّضَا وَالْقَبُولِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَأَمَّا ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ، وَفِيهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ الْخُلُوفِ فِي الْمِيزَانِ عَلَى الْمِسْكِ الْمُسْتَعْمَلِ لِدَفْعِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ طَلَبًا لِرِضَا اللَّهِ حَيْثُ يُؤْمَرُ بِاجْتِنَابِهَا، وَاجْتِلَابُ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ كَمَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَخُصَّ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فِي رِوَايَةٍ لِذَلِكَ كَمَا خُصَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} [العاديات: ١١] (سُورَةُ الْعَادِيَاتِ: الْآيَةُ ١١) ، وَأُطْلِقَ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ أَصْلَ أَفْضَلِيَّتِهِ ثَابِتٌ فِي الدَّارَيْنِ انْتَهَى.
وَهَذِهِ إِحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْمُتَعَاصِرَانِ الْمَذْكُورَانِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالْعِزُّ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ اسْتِطَابَةَ الرَّوَائِحِ مِنْ صِفَاتِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ طَبْعٌ يَمِيلُ إِلَى الشَّيْءِ فَيَسْتَطِيبُهُ أَوْ يَنْفِرُ عَنْهُ فَيَسْتَقْذِرُهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هُوَ مَجَازٌ لِأَنَّهُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ مِنَّا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِتَقْرِيبِ الصَّوْمِ مِنَ اللَّهِ، فَالْمَعْنَى أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ أَيْ يُقَرِّبُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ تَقْرِيبِ الْمِسْكِ إِلَيْكُمْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ حُكْمَ الْخُلُوفِ وَالْمِسْكِ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى ضِدِّ مَا هُوَ عِنْدَكُمْ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُهُ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى تَكُونَ نَكْهَتُهُ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ كَمَا يَأْتِي الْمَكْلُومُ وَرِيحُ جُرْحِهِ يَفُوحُ مِسْكًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ صَاحِبَهُ يَنَالُ مِنَ الثَّوَابِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لَاسِيَّمَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخُلُوفِ حَكَاهُمَا عِيَاضٌ.
وَقَالَ الدَّاوُدُيُّ وَجَمَاعَةٌ: الْمَعْنَى أَنَّ الْخُلُوفَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنَ الْمِسْكِ الْمَنْدُوبِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْخَيْرِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَحَاصِلُهُ حَمْلُ مَعْنَى الطِّيبِ عَلَى الْقَبُولِ وَالرِّضَا.
وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ لِلطَّاعَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحًا يَفُوحُ قَالَ: فَرِيحُ الصِّيَامِ فِيهَا بَيْنَ الْعِبَادَاتِ كَالْمِسْكِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَطْيَبُ عِنْدَ مَلَائِكَةِ اللَّهِ وَأَنَّهُمْ يَسْتَطِيبُونَ الْخُلُوفَ، أَكْثَرُ مَنْ كَانَ عِنْدَنَا بِصَدَدِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَيْ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ إِذْ هُوَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالشَّمِّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَكِنَّهُ يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْإِدْرَاكِ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْمُدْرَكَاتِ الْمَحْسُوسَاتِ يَعْلَمُهَا تَعَالَى عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَالِقُهَا أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ؟ وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ كَانَ أَطْيَبَ وَدَمُ الشَّهِيدِ رِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ بِالنَّفْسِ وَبَذْلِ الرُّوحِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الصَّوْمَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْجِهَادِ، أَوْ نَظَرًا إِلَى أَصْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَأَصْلُ الْخُلُوفِ طَاهِرٌ بِخِلَافِ الدَّمِ، فَكَانَ مَا أَصْلُهُ طَاهِرٌ أَطْيَبَ رِيحًا، وَبِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالصَّوْمُ فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْكِفَايَةِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ مَرْفُوعًا: " «دِينَارٌ تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ وَدِينَارٍ تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُهُمَا الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ» "، فَفَضَّلَ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَهْلِ لِأَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى النَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ لِأَنَّهُ كِفَايَةٌ.
وَلَا يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ
الطَّيَالِسِيُّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: " «خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْجِهَادَ وَفَضَّلَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ الْمَكْتُوبَةِ» " لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِ الصِّيَامِ.
وَقَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَطَائِفَةٍ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ ضَعِيفٌ، فَنَصُّ الشَّافِعِيِّ: فَرْضُ الْعَيْنِ أَفْضَلُ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ» .
(إِنَّمَا يَذَرُ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ بِتَرْكِ الصَّائِمِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِنِسْبَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِلْمِ بِهِ وَعَدَمِ الْإِشْكَالِ فِيهِ.
وَلِأَحْمَدَ عَنْ «إِسْحَاقَ بْنِ الطَّبَّاعِ» عَنْ مَالِكٍ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: " إِنَّمَا يَذَرُ (شَهْوَتَهُ) أَيِ الْجِمَاعَ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ زَوْجَتَهُ، (وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) فَالْعَطْفُ مُغَايِرٌ وَإِنْ جَعَلْتَ شَهْوَتَهُ عَامَّةً فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، وَفِي فَوَائِدَ سَمُّوَيْهِ: يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ (مِنْ أَجْلِي) لِامْتِثَالِ شَرْعِي ذَلِكَ.
قَالَ الْحَافِظُ: قَدْ يُفْهِمُ الْحَصْرُ التَّنْبِيهَ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا الصَّائِمُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْإِخْلَاصُ الْخَاصُّ بِهِ حَتَّى لَوْ صَامَ لِغَرَضٍ آخَرَ كَتُخَمَةٍ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ الْفَضْلُ لَكِنَّ الْمَدَارَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَعَلَى الدَّاعِي الْقَوِيِّ الَّذِي يَدُورُ مَعَهُ الْفِعْلُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَلَا يُشَكُّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ فِي خَاطِرِهِ شَهْوَةُ شَيْءٍ طُولَ نَهَارِهِ لَيْسَ فِي الْفَضْلِ كَمَنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فَجَاهَدَ نَفْسَهُ فِي تَرْكِهِ، (فَالصِّيَامُ لِي) بِفَاءِ السَّبَبِيَّةِ، (وَأَنَا أَجْزِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (بِهِ) صَاحِبَهُ، وَلَمَّا أَفَادَ سِعَةَ الْجَزَاءِ وَفَخَامَتَهُ لِتَوَلِّيهِ بِنَفْسِهِ دَفَعَ تَوَهُّمَ أَنَّ لَهُ غَايَةً يَنْتَهِي إِلَيْهِمَا كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ بِقَوْلِهِ: (كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصِّيَامَ فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) بِلَا عَدَدٍ وَلَا حِسَابٍ، وَأَعَادَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: ١٠] (سُورَةُ الزُّمَرِ: الْآيَةُ ١٠) ، وَالصَّابِرُونَ الصَّائِمُونَ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ لِأَنَّهُمْ يُصَبِّرُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَعِنْدَ سَمُّوَيْهِ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا فِيهِ.
وَلِلْبَيْهَقِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَدِيثِ: " «وَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ ثَوَابِ عَامِلِهِ إِلَّا اللَّهُ فَالصِّيَامُ» "، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّائِمِ هُنَا مَنْ سَلِمَ صِيَامُهُ مِنَ الْمَعَاصِي قَوْلًا وَفِعْلًا.
وَنَقَلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ عَنْ بَعْضِ الزُّهَّادِ تَخْصِيصَهُ بِصَوْمِ خَوَاصِّ الْخَوَاصِّ فَإِنَّهُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: صِيَامُ الْعَوَّامِ وَهُوَ الصَّوْمُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ، وَصِيَامُ خَوَاصِّ الْعَوَامِّ وَهُوَ هَذَا مَعَ اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَصِيَامُ الْخَوَاصِّ وَهُوَ الصَّوْمُ عَنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ، وَصِيَامُ خَوَاصِّ الْخَوَاصِّ وَهُوَ الصَّوْمُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ فَلَا فِطْرَ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ لِقَائِهِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا مَقَامٌ عَالٍ، لَكِنْ فِي حَصْرِ الْمُرَادِ مِنَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا النَّوْعِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ مَعَ أَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَهُوَ الَّذِي يُجْزِي بِهَا عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّ الصِّيَامَ لَا يَقَعُ فِيهِ رِيَاءٌ كَغَيْرِهِ حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " «الصِّيَامُ لَا رِيَاءَ فِيهِ» " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ
مُرْسَلًا، وَلَوْ صَحَّ لَرُفِعَ النِّزَاعُ.
وَكَوْنُهُ لَا رِيَاءَ فِيهِ مَعْنَاهُ فِي فِعْلِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ الرِّيَاءُ بِالْقَوْلِ كَمَنْ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ صَائِمٌ رِيَاءً فَإِنَّمَا يَقَعُ الرِّيَاءُ فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلَهَا، وَحَاوَلَ بَعْضُهُمْ إِلْحَاقَ الذِّكْرِ بِالصَّوْمِ لِإِمْكَانِ فِعْلِهِ بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ وَلَا يَشْعُرُ الْحَاضِرُونَ.
ثَانِيهَا: مَعْنَاهُ أَنَا الْمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ مِقْدَارِ ثَوَابِهِ وَتَضْعِيفِ حَسَنَاتِهِ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَظْهَرَ سُبْحَانَهُ بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ عَلَيْهَا وَلَا يُبْطِلُهُ كَمَا ادَّعَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ صَوْمَ الْيَوْمِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا قَدْرُ ثَوَابِهِ فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
ثَالِثُهَا: مَعْنَاهُ أَحَبُّ الْعِبَادَاتِ إِلَيَّ وَالْمُقَدَّمُ عِنْدِي، وَلِذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَفَى بِهِ فَضْلًا لِلصِّيَامِ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلِلنَّسَائِيِّ: عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: " «وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» ".
رَابِعُهَا: الْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّعْظِيمِ كَمَا يُقَالُ: بَيْتُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتِ الْبُيُوتُ كُلُّهَا لِلَّهِ، وَنَاقَةُ اللَّهِ، وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ، مَعَ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: التَّخْصِيصُ فِي مَوْضِعِ التَّعْمِيمِ فِي مِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا التَّشْرِيفُ وَالتَّعْظِيمُ.
خَامِسُهَا: أَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ الصَّائِمُ بِمَا يُوَافِقُ صِفَاتِهِ أَضَافَهُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتُ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ.
سَادِسُهَا: الْمَعْنَى كَذَلِكَ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِهِمْ.
سَابِعُهَا: أَنَّهُ خَاصٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ حَظٌّ فِيهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ أَرَادَ بِالْحَظِّ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ لِلْعِبَادَةِ رَجَعَ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَبِهِ أَفْصَحَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَقَالَ: لَا حَظَّ فِيهِ لِلصَّائِمِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَلَهُ فِيهِ حَظٌّ لِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ، أَيْ وَإِنْ أَرَادَ عَدَمَ انْبِسَاطِ نَفْسِهِ بِهِ أَصْلًا غَالِبًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَيُوجَدُ لِلنَّفْسِ فِيهَا حَظٌّ كَالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فَلَهُ فِيهِ حَظُّ التَّبَرُّدِ أَوِ التَّدَفِّي، وَكَالْحَجِّ فَلَهُ فِيهِ حَظُّ التَّنَفُّلِ وَالتَّفَرُّجِ عَلَى الْأَمْكِنَةِ وَهَكَذَا، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ بَلْ يَكُونُ غَيْرُهُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
ثَامِنُهَا: سَبَبُ إِضَافَتِهِ إِلَى اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ بِهِ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالطَّوَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ عُبَّادَ النُّجُومِ وَأَصْحَابَ الْهَيَاكِلِ وَالِاسْتِخْدَامَاتِ يَتَعَبَّدُونَ لَهَا بِالصِّيَامِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ إِلَهِيَّةَ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا فَعَّالَةٌ بِنَفْسِهَا، وَلَيْسَ هَذَا الْجَوَابُ بِطَائِلٍ لِأَنَّهُمْ طَائِفَتَانِ: إِحْدَاهُمَا تَعْتَقِدُ إِلَهِيَّةَ الْكَوَاكِبِ وَهُمْ مَنْ كَانَ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَبَقِيَ مِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ، وَالْأُخْرَى مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَبَقِيَ عَلَى تَعْظِيمِ الْكَوَاكِبِ وَهُمُ الَّذِينَ أُشِيرَ إِلَيْهِمْ.
تَاسِعُهَا: أَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ يُوَفَّى مِنْهَا مَظَالِمُ الْعِبَادِ إِلَّا الصِّيَامُ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحَاسِبُ اللَّهُ عَبْدَهُ وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَظَالِمِ مِنْ عَمَلِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ إِلَّا الصَّوْمُ فَيَتَحَمَّلُ اللَّهُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَظَالِمِ وَيُدْخِلُهُ بِالصَّوْمِ الْجَنَّةَ، وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْمُقَاصَّةِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ كَبَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ لِأَنَّ فِيهِ «الْمُفْلِسَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ
وَصِيَامٍ وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا وَأَخَذَ مَالَ هَذَا فَيُؤْخَذُ لِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَلِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتَصَّ مَا عَلَيْهِ طُرِحَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُمْ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» .
قُلْتُ: إِنْ ثَبَتَ قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَمْكَنَ تَخْصِيصُ الصِّيَامِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ إِلَّا الصَّوْمَ الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: " «قَالَ رَبُّكُمْ: كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ إِلَّا الصَّوْمَ» " فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ شَاهِدٌ لِذَلِكَ، لَكِنْ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ» "، وَيُجَابُ بِحَمْلِ الْإِثْبَاتِ عَلَى كَفَّارَةِ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَالنَّفْيِ عَلَى كَفَّارَةِ شَيْءٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِفِتْنَةِ الْمَالِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ لَكِنْ حَمَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى تَكْفِيرِ مُطْلَقِ الْخَطِيئَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُسْلِمٍ: " «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» "، وَلِابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَعَرَفَ حُدُودَهُ كَفَّرَ مَا قَبْلَهُ» "، وَلِمُسْلِمٍ: " «صِيَامُ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ وَصِيَامُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً» "، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: " «كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ إِلَّا الصِّيَامُ» " أَيْ فَإِنَّهُ كَفَّارَةٌ وَزِيَادَةُ ثَوَابٍ عَلَى الْكَفَّارَةِ بِشَرْطِ خُلُوصِهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَالشَّوَائِبِ.
عَاشِرُهَا: أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَظْهَرُ فَتَكْتُبُهُ الْحَفَظَةُ كَمَا لَا تُكْتَبُ سَائِرُ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَاسْتَنَدَ قَائِلُهُ إِلَى حَدِيثٍ وَاهٍ جِدًّا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْمُسَلْسَلَاتِ وَلَفْظُهُ: قَالَ اللَّهُ الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أُحِبُّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكْتُبَهُ وَلَا شَيْطَانٌ فَيُفْسِدَهُ.
وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي كِتَابِهِ: " «الْحَسَنَةُ لِمَنْ هَمَّ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْهَا» "، فَهَذَا مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْوِبَةِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَيَقْرُبُ مِنْهُمَا الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ.
وَبَلَغَنِي أَنَّ الطَّالِقَانِيَّ بَلَّغَهَا أَكْثَرَ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّوْمَ لِي لَا لَكَ، أَيْ أَنَا الَّذِي يَنْبَغِي لِي أَنْ لَا أَطْعَمَ وَلَا أَشْرَبَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَكَانَ دُخُولُكُ فِيهِ لِأَنِّي شَرَعْتُهُ لَكَ فَأَنَا أَجْزِي بِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا جَزَاؤُهُ لِأَنَّ صِفَةَ التَّنْزِيهِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ تَطْلُبُنِي، وَقَدْ تَلَبَّسْتَ بِهَا وَلَيْسَتْ لَكَ لَكِنَّكَ اتَّصَفْتَ بِهَا حَالَ صَوْمِكَ فَهِيَ تُدْخِلُكَ عَلَيَّ، فَإِنَّ الصَّبْرَ حَبْسُ النَّفْسِ وَقَدْ حَبَسْتَهَا بِأَمْرِي عَمَّا تَقْتَضِيهِ، وَحَقِيقَتُهَا مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ، فَلِذَا قَالَ «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَفَرْحَةُ الْفِطْرِ لِرُوحِهِ الْحَيَوَانِيِّ لَا غَيْرَ، وَالثَّانِيَةُ لِنَفْسِهِ النَّاطِقَةِ لَطِيفَةٌ رَبَّانِيَّةٌ فَأَوْرَثَهُ الصَّوْمُ لِقَاءَ اللَّهِ وَهُوَ الْمُشَاهَدَةُ انْتَهَى، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ.
وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ لَكِنَّهُ وَصَلَهُ بِالْحَدِيثِ قَبْلَهُ لِاتِّحَادِ إِسْنَادِهِمَا وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ كَمَا قَدَّمْتُهُ عَنِ الْحَافِظِ لَكِنَّهُ قَالَ هُنَا هُمَا حَدِيثَانِ أَفْرَدَهُمَا الْمُوَطَّأُ وَجَمَعَهُمَا عَنْهُ الْقَعْنَبِيُّ وَعَنْهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا انْتَهَى.
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.