سيرة سلمان الفارسي
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: حدّثنا الأعمش عن أبي ظبيان عن جرير، يعني ابن عبد الله، والأعمش عن أبي سفيان عن أشياخه أنّ سلمان كان يُكنى أبا عبد الله.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن عوف بن أبي عثمان النّهْديّ قال: قال لي سلمان أتعلم مكان رامَ هُرْمُزَ؟ قلتُ: نعم، قال: فإني من أهلها.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسديّ قال: حدّثنا سفيان عن عبيد أبي العلاء عن عامر بن واثلة عن سلمان قال: أنا من أهل جيّ.
(*) قال: أخبرنا يوسف بن البُهْلول قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قَتادة عن محمود بن لَبيد عن ابن عبّاس قال: حدّثني سلمان الفارسي حديثه من فيه قال: كنتُ رجلًا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جَيّ (١)، وكان أبي دِهْقَانَ أرضه، وكنتُ من أحبّ عباد الله إليه فما زال في حُبّه إيّايّ حتّى حَبَسَني في البيت كما تُحبس الجارية، قال فاجتهدتُ في المجوسيّة حتى كنتُ قاطن النار التي نوقدُها لا نتركها تخبو. وكانت لأبي ضيعة في بعض عمله وكان يعالج بُنْيانًا له في داره فدعاني فقال: أي بُنَيّ! إنّه قد شغلني بُنْياني كما ترى فانْطَلقْ إلى ضيعتي فلا تحتبس عليّ، فإنّك إن فعلتَ شَغلتَني عن كل ضيعة وكنتَ أهمّ عندي مما أنا فيه، فخرجتُ فمررتُ بكنيسة للنصارى فسمعتُ صلاتهم فيها فدخلتُ عليهم أنظر ما يصنعون فلم أزل عندهم، وأعجبني ما رأيتُ من صلاتهم وقلتُ في نفسي: هذا خير من ديننا الّذي نحن عليه. فما بَرحْتُهم حتى غابت الشمس وما ذهبتُ إلى ضيعة أبي ولا رجعتُ إليه حتى بَعَثَ الطّلَبَ في أثَري، وقد قلتُ للنصارى حين أعجبني ما رأيت من أمرهم وصلاتهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشأم. قال ثمّ خرجتُ فرجعتُ إلى أبي فقال: أيْ بُنيّ أين كنتَ؟ قد كنتُ عهدتُ إليك وتقدّمتُ ألا تحتبس، قال قلتُ: إني مررتُ على ناسٍ يصلّون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيتُ من أمرهم وصلاتهم ورأيتُ أنّ دينهم خير من ديننا.
قال فقال لي: أَيْ بنيّ! دينك ودين آبائك خير من دينهم. قال قلتُ: كلّا والله! قال فخافني فجعل في رجلي حديدًا وحبسني، وأرسلتُ إلى النصارى أخبرهم أني قد رضيتُ أمرهم وقلتُ لهم: إذا قَدِمَ عليكم رَكْب من الشأم فآذنوني. فقدم عليهم ركب منهم من التجّار فأرسلوا إليّ فأرسلتُ إليهم: إن أرادوا الرّجوع فآذنوني. فلمّا أرادوا الرّجوع أرسلوا إليّ فرميتُ بالحديد من رجلي ثمّ خرجتُ فانطلقتُ معهم إلى الشأم.
فلمّا قدمتُ سألتُ عن عالمهم فقيل لي صاحب الكنيسة أُسْقُفهم، قال فأتيتُه فأخبرتُه خبرى وقلتُ: إني أُحبّ أن أكون معك أخدمك وأصلّي معك وأتعلّم منك فإنّي قد رغبتُ في دينك، قال: أقِمْ. فكنتُ معه، وكان رجل سَوْءٍ في دينه، وكان يأمرهم بالصدقة ويرغّبهم فيها فإذا جمعوا إليه الأموال اكتنزها لنفسه حتى جمع سبع قِلال دنانير ودراهم.
ثمّ مات فاجتمعوا ليدفنوه، قال قلتُ: تعلمون أنّ صاحبكم هذا كان رجل سَوء فأخبرتهم ما كان يصنع في صدقتهم، قال فقالوا: فما علامة ذلك؟ قال قلتُ: أنا أدلّكم على ذلك. فأخرجتُه فإذا سبع قِلال مملوءةٍ ذهبًا ووَرِقًا، فلمّا رأوها قالوا: والله لا نُغَيّبُه أبدًا. ثمّ صلبوه على خشبة ورجموه بالحجارة وجاءوا بآخر فجعلوه مكانه.
قال سلمان: فما رأيتُ رجلًا لا يصلّي الخَمْسَ كان خيرًا منه أعظم (١) رغبةً في الآخرة ولا أزهد في الدنيا ولا أدأب ليلًا ولا نهارًا منه، وأحببتُه حبًّا ما علمتُ أني أحببتُ شيئًا كان قبله. فلمّا حضره قَدَرُهُ قلتُ له: إنّه قد حضرك من أمْر الله ما ترى فماذا تأمرني وإلى مَن توصي بي؟
قال: أيْ بُنيّ ما أرى أحدًا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلًا بالموصل، فأمّا الناس فقد بدّلوا وهلكوا.
فلمّا توفّي أتيتُ صاحبَ الموصل فأخبرته بعهده إليّ أن ألحَقَ به وأكون معه، قال: أقِمْ. فأقمتُ معه ما شاء الله أن أقيمَ على مثل ما كان عليه صاحبه، ثمّ حضَرَتْه الوفاةُ فقلتُ: إنّه قد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى مَن توصي بي؟ قال: أي بُنيّ والله ما أعلم أحدًا على أمرنا إلا رجلًا بنَصيبين وهو فلان فالحَقْ به.
قال فأتيتُ على رجل على مثل ما كان عليه صاحباه فأخبرتُه خبري فأقمتُ معه ما شاء الله أن أقيم، فلمّا حضرته الوفاةُ قلتُ له: إنّ فلانًا كان أوصى بي إلى فلان وفلان إلى فلان وفلان إليك، فإلى مَن توصي بي؟ قال: أي بنيّ، والله ما أعلم أحدًا من الناس على ما نحن عليه إلا رجلًا بعَمّورِيَة من أرض الروم فإن استطعتَ أن تلحق به فالحق.
فلمّا توفّي لحقتُ بصاحب عمّورية فأخبرتُه خبري وخبر من أوصى بي حتى انتهيتُ إليه فقال: أقِمْ، فأقمتُ عنده فوجدتُه على مثل ما كان عليه أصحابه، فمكثتُ عنده ما شاء الله أن أمكث وثاب لي شيء حتى اتّخذت بقرات وغُنيمةً، ثمّ حضرته الوفاة فقلتُ له: إلى من توصي بي؟ فقال لي: أي بني، والله ما أعلم أنه أصبح في الأرض أحدٌ على مثل ما كنّا عليه آمُرُكَ أن تأتيه، ولكنّه قد أظَلّك زمانُ نبيّ يُبْعَث بدين إبراهيم الحنيفيّة يخرج من أرض مُهاجَرِه وقَراره ذاتُ نخل بين حَرّتَينِ، فإن استطعتَ أن تخْلُصَ إليه فاخلص وإنّ به آياتٍ لا تخفى، إنّه لا يأكل الصدقة وهو يأكل الهديّة وإنّ بين كتفيه خاتم النبوّة إذا رأيتَه عرفتَه.
قال: ومات فمَرّ بي رَكْبٌ من كَلْبٍ فسألْتُهُم عن بلادهم فأخبروني عنها فقلت: أعْطيكم بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني حتى تَقْدَموا بي أرضَكم، قالوا: نعم. فاحتملوني حتى قدموا بي وادي القرى فظلموني فباعوني عبدًا من رجل من يهود فرأيتُ بها النخل، وطمعتُ أن تكون البلدة التي وُصِفَت لي وما حَقّت (١) لي ولكني قد طمِعْتُ حين رأيتُ النخل، فأقمتُ عنده حتى قدم رجل من يهود بني قُرَيْظَةَ فابتاعني منه ثمّ خرج بي حتى قدمتُ المدينة. فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرفتُها بصفة صاحبي وأيقنتُ أنّها هي البلدة التي وُصِفَتْ لي.
فأقمتُ عنده أعمل له في نخله في بني قريظة حتى بعث الله رسوله، - صلى الله عليه وسلم -، وخَفِيَ عليّ أمره حتى قدم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فوالله إني لفي رأس نخلة وصاحبي جالس تحتي إذ أقبل رجل من يهود من بني عمّه حتى وقف عليه فقال: أي فلان، قاتل الله بني قَيْلَةَ إنّهم آنفًا ليَتقاصفون (٢) على رجلٍ بقُباء قدم من مكّة يزعمون أنّه نبيّ.
قال فوالله إنْ هو إلا أن قالها فأخذَتْني العُرَواء (٣) فرجفَتِ النخلةُ حتى ظننتُ لأسقطنّ على صاحبي، ثمّ نزلتُ سريعًا أقول: ماذا تقول، ما هذا الخبر؟ قال فرفع سيّدي يده فلكمني لكمةً شديدةً ثمّ قال: ما لك ولهذا؟ أقْبِلْ على عملك. قلتُ: لا شيءَ إنّما أردتُ أن أسْتَثْبِتَهُ هذا الخبر الذي سمعتُه يذكر، قال: أقْبِلْ على شأنك. قال فأقبلتُ على عملي ولَهِيتُ منه (٤).
فلمّا أمسيتُ جمعتُ ما كان عندي ثمّ خرجتُ حتّى جئتُ إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وهو بقباء فدخلتُ عليه ومعه نفر من أصحابه فقلتُ: إنّه بلغني أنّك ليس بيدك شيء وأنّ معك أصحابًا لك، وأنّكم أهل حاجة وغُرْبة وقد كان عندي شيء وضعتُه للصدقة فلمّا ذُكر لي مكانُكم رأيتُكم أحقّ الناس به فجئتكم به، ثمّ وضعتُه له فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: كُلوا، وأمسك هو. قال قلتُ في نفسي: هذه والله واحدة.
ثمّ رجعتُ وتحوّل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إلى المدينة وجمعتُ شيئًا ثمّ جئتُه فسلّمتُ عليه وقلتُ له: إني قد رأيتُك لا تأكل الصدقة وقد كان عندى شيء أُحبّ أن أكرمك به من هديّة أهديتُها كرامة لك ليست بصدقة. فأكل وأكل أصحابه. قال قلتُ في نفسي: هذه أخرى.
قال ثمّ رجعتُ فمكثتُ ما شاء الله ثمّ أتيتُه فوجدتُه في بَقيع الغَرقد قد تبع جنازةً وحوله أصحابه وعليه شَمْلتانِ مؤتزرًا بواحدة مُرْتَديًا بالأخْرى. قال فسلّمتُ عليه ثمّ عدلتُ لأنظر في ظهره فعرف أني أريد ذلك وأسْتَثْبِتُهُ، قال فقال بردائه فألقاه عن ظهره فنظرتُ إلى خاتم النبوّة كما وصف لي صاحبي. قال فأكببتُ عليه أُقبّلُ الخاتم من ظهره وأبكي. قال فقال: تحول عنك، فتحولتُ فجلستُ بين يديه فحدّثتُه حديثي كما حدّثتُك يابن عبّاس فأعجبه ذلك، وأحبّ أن يسمعه أصحابه.
ثمّ أسلمتُ وشغلني الرّقّ وما كنتُ فيه حتى فاتني بَدْرٌ وأُحُدٌ.
ثمّ قال لي رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: كاتب. فسألتُ صاحبي ذلك فلم أزل حتى كاتبني على أن أُحُيِيَ له ثلاثمائة (١) نخلة وأربعين أوقية من وَرِق. ثمّ قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: أعينوا أخاكم بالنخل، فأعانني كلّ رجل بقدره بالثلاثين والعشرين والخمس عشرة والعشر، ثمّ قال: يا سلمان اذهَبْ ففَقرْ (٢) لها فإذا أنت أردتَ أن تضعها فلا تضعها حتى تأتيَني فتُؤذِنَنِي فأكون أنا الذي أضعها بيدي.
فقمتُ في تفقيري فأعانني أصحابي حتى فَقّرنا شَرَبًا ثلاثمائة شَرَبَةٍ (٣)، وجاء كلّ رجل بما أعانني به من النخل، ثمّ جاء رسول الله فجعل يضعها بيده وجعل يسوّي عليها شربها ويبرّك حتى فرغ منها رسول الله جميعًا، فلا والذي نفس سلمان بيده ما ماتت منه وَديّة وَبَقيَت الدراهم. فبينا رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ذاتَ يوم في أصحابه إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابها من بعض المعادن فتصدّق بها إليه، فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: ما فعل الفارسيّ المسكين المُكَاتَبُ؟ (١) ادعوه لي. فدُعيتُ له فجئتُ فقال: اذهب بهذه فأدّها عنك ممّا عليك من المال. قال وقلت: وأين يقع هذا ممّا عليّ يا رسول الله؟ قال: إنّ الله سيؤدي عنك.
قال ابن إسحاق: فأخبرني يزيد بن أبي حبيب أنّه كان في هذا الحديث أنّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وضعها يومئذٍ على لسانه ثم قلبها ثمّ قال لي: اذهب فأدّها عنك. ثمّ عاد حديثُ ابن عبّاس ويزيد أيضًا، قال سلمان: فوالذي نفسي بيده لوزنتُ له منها أربعين أوقيّة حتى وفّيتُه الذي له. وعَتَقَ سلمان وشهد الخندق وبقية مشاهد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، حُرًّا مسلمًا حتى قبضه الله.
قال: أخبرنا يوسف بن البُهْلول قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق قال: حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجل من عبد القيس أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: حدّثني مَن حدّثه سلمان أنّه كان في حديثه حين ساقه لرسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أنّ صاحب عَمّوريَةَ قال له: أرأيتَ رجلًا بكذا وكذا من أرض الشام بين غَيْضَتَيْنِ يخرج من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة في كلّ سنة ليلةً ثمّ يخرج مثلها من العام القابل ليلةً من السنة معلومةً فيتعرّضه الناسُ يداوي الأسقام يدعو لهم فيُشْفَوْنَ، فَأتِ فَسَلْه عن هذا الذي تلتمس. قال فجئتُ حتى أقمتُ مع الناس بين تلك الغيضتين.
فلمّا كان الليلة التي يخرج فيها من الغيضة إلى الغيضة التي يدخل، خرج وغلبوني عليه حتى دخل الغيضة الأخرى، وتوارى مني إلا منكبَه، فتناولتُه فأخذتُ بمنكبه فلم يلتفت إليّ وقال: ما لك؟ قلتُ: أسألك عن دين إبراهيم الحنيفيّة، قال: إنّك تسأل عن شيء ما يسأل عنه الناس اليومَ، قد أظلّك نبيّ يخرج من عند هذا البيت يأتي بهذا الدين الذي تسأل عنه فالْحقْ به، ثمّ انصرفتُ. قال فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، حين حدّثته بهذا الحديث: لئن كنتَ صدقتَني يا سلمان لقد لقيتَ عيسى بن مريم.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا عليّ بن زيد عن أبي عثمان النّهْديّ عن سلمان قال: كاتبتُ أهلي على أن أغرس لهم خمسمائة فَسيلةٍ فإذا عَلِقَتْ فأنا حُرّ، فذكرتُ ذلك للنبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إذا أردتَ أن تغرس فآذِنِّي. قال فآذنتُه فغرس رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بيده إلا واحدة غرستُها بيدي فعلِقْنَ جُمَعَ إلا الواحدةَ التي غرستُ.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي قرّة الكِنْديّ عن سلمان الفارسيّ قال: كنتُ من أبناء أساورة فارسَ وكنتُ في كُتّابٍ، وكان معي غُلامان، فكانا إذا رجعا من عند معلّمهما أتيا قَسًّا فدخلا عليه فدخلتُ معهما فقال لهما: ألم أنْهَكما أن تأتياني بأحد؟ قال فجعلتُ أختلف إليه حتى كنتُ أحبّ إليه منهما فقال لي: إذا سألك أهلُك ما حبسك؟ فقُل معلّمي، وإذا سألك معلّمك ما حبسك؟ فقُلْ أهلي. ثمّ إنّه أراد أن يتحوّل فقلت: أنا أتحوّل معك، فتحوّلتُ معه فنزل قريةً فكانت امرأةٌ تأتيه، فلمّا حُضِرَ قال: يا سلمان احفر عند رأسي، فحفرتُ فاستخرجتُ جَرّةً من دراهم فقال لي: صُبّها على صدري، فصببتُها على صدره، ثمّ إنّه مات فهممتُ بالدراهم أن أحْويَها أو أحوّلهَا شكّ عبيد الله، ثمّ إني ذكرتُ فتركتها ثمّ آذنتُ القِسّيسين والرهبان به فحضروه فقلت: إنّه قد ترك مالًا. فقام شبابٌ في القرية فقالوا: هذا مال أبينا كانت سرّيّتُه تأتيه.
فأخذوه فقلتُ للرهبان: أخبروني برجلٍ عالم أتْبَعْه، فقالوا: ما نعلم اليوم في الأرض رجلًا أعلم من رجلٍ بحمْصَ. فانطلقتُ إليه فَلقيتُه فقصصتُ عليه القصّة فقال: وما جاء بك إلا طلب العلم، قال فإنّي لا أعلم اليوم في الأرض أحدًا أعلم من رجلٍ يأتي بيتَ المقدس كلّ سنة وإن انطلقتَ الآن وافقتَ حمارَه.
قال فانطلقتُ فإذا بحماره على باب بيت المقدس فجلستُ عنده حتى خرج فقصصتُ عليه القصّة فقال: وما جاء بك إلا طلب العلم؟ قلتُ: نعم، قال: اجلس. فانطلق فلم أره حتى حال الحول فجاء فقلتُ: يا عبد الله ما صنعتَ بي؟ قال: وإنّك ها هنا؟ قلتُ: نعم، قال: فإني والله ما أعلم اليوم في الأرض رجلًا أعلم من رجلٍ خرج بأرض تَيْماء، وإن تنطق الآن توافقه، فيه ثلاث آيات: يأكل الهديّة، ولا يأكل الصدقة، وعند غُضْرُوف كتفه اليُمْنى خاتم النبوّة مثل بيضة الحمامة لونها لون جلده.
قال فانطلقتُ ترفعني أرضٌ وتَخْفِضُني أُخرى حتى مررتُ على قوم من الأعراب فاستعبدوني فباعوني فاشترتْني امرأة بالمدينة. فسمعتُهم يذكرون النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، وكان العيشُ عزيزًا فقلتُ لها: هَبي لي يومًا، فقالت: نعم فانطلقتُ فاحتطبتُ حطبًا فبِعْتُه فأتيتُ به النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، وكان يسيرًا، فوضعتُه بين يديه فقال: ما هذا؟ فقلتُ: صدقةٌ، فقال لأصحابه: كُلوا، ولم يأكل. قلتُ هذه من علامته. فمكثتُ ما شاء الله أن أمكث ثمّ قلتُ لمولاتي: هبي لي يومًا: قالت: نعم. فانطلقتُ فاحتطبتُ حطبًا فبِعْتُه بأكثر من ذلك وصنعتُ طعامًا فأتيتُ به النبيّ وهو جالس بين أصحابه فوضعتُه بين يديه فقال: ما هذا؟ قلتُ: هديّة. فوضع يده وقال لأصحابه: خذوا بسم الله. فقمتُ خلفه فوضع رداءه فإذا خاتم النبوّة فقلتُ: أشهد أنّك رسول الله، قال: وما ذاك؟ فحدّثتُه عن الرجل ثمّ قلتُ: أيَدْخُلُ الجنّة يا رسول الله؟ فإنّه حدّثني أنّك نبيّ. قال: لن يدخل الجنّة إلا نفس مُسْلِمَةٌ (*).
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، سلمان سابِقُ فارِسَ.
قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك قال: حدّثني كثير بن عبد الله المُزَني عن أبيه عن جدّه أنّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، خطّ الخندق من أُجُمِ الشّيْخَينِ طرف بني حارثة عامَ ذُكرَتِ الأحزاب خِطّةً من المَذار فقطع لكلّ عشرةٍ أربعين ذراعًا فاحتجّ المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلًا قويًّا، فقال المهاجرون: سلمان منّا، وقالت الأنصار: لا بل منّا، فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: سلمان منّا أهلّ البيت (١).
قال عمرو بن عوف: فدخلتُ أنا وسلمان وحُذيفة بن اليمان ونعمان بن مُقَرّن المُزني وستّة من الأنصار تحت أصل ذُباب فضربنا حتى بَلَغنا النّدى (٢) فأخرج الله صخرةً بيضاء مَرْوَةً من بطن الخندق فكسَرَتْ حديدَنا وشقّت علينا فقلتُ لسلمان: ارْقَ إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وهو ضارب عليه قُبّة تُرْكيّة، فرقى إليه سلمان فقال: يا رسول الله صخرة بيضاء خرجت من بطن الخندق فكسرَتْ حديدَنا وشقّتْ علينا فإمّا أن نَعْدِلَ عنها والمَعْدِلُ قريب أو تأمرنا فيها بأمرك فإنّا لا نحبّ أن نجاوز خطّك، فقال: أرِني مِعْوَلَك يا سلمان. فقبض معوله ثمّ هبط علينا فكنّا على شقّة الخندق فنزل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فَتَنَحَّى (٣) فضرب ضربة صدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابَتَيْها، فكبّر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، تكبير فتح، فكبّرنا. ثمّ ضرب الثانية فبرق منها برقة أضاء ما بين لابَتَيْها حتى كأن مصباحًا في جوف بيتٍ مُظْلِمٍ، فكبّر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، تكبير فتح فكبّرنا، ثمّ ضرب الثالثة فكسّرها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها فكبّر تكبير فتحٍ فكبّرنا.
ثمّ رقى حتى إذا كان في مَقْعَد سلمان قال سلمان: يا رسول الله لقد رأيتُ شيئًا ما رأيتُ مثله قطّ. فالتفتَ إلى القوم فقال: هل رأيتم؟ قالوا: نعم، بأبينا أنت وأمّنا يا رسول الله، رأيناك تضرب فخرج برق كالموج فتكبّر فنكبّر لا نرى ضياءً غير ذلك. قال: صدقتم، ضربتُ ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم فأضاء لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنّها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل أنّ أُمتي ظاهرة عليها، ثمّ ضربتُ ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاء لي معها قصور الحمر من أرض الروم كأنّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أنّ أُمّتي ظاهرة عليها، ثمّ ضربتُ الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاء لي معها قصور صَنْعاء كأنّها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل أنّ أمّتي ظاهرة عليها يبلغهم النصرُ فأبشروا، يُرَدّدُها ثلاثًا فاستبشر المسلمون وقالوا: موعودُ صادقٍ بارٍّ وعدنا (١) النّصْرَ بعد الحَصْرِ والفتوح، فتراءوا (٢) الأحزاب، فقال الله: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [سورة الأحزاب: ٢٢، ٢٣] إلى آخر الآية.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني سفيان بن عُيينة عن أيّوب عن ابن سيرين أنّ النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، آخى بين سلمان الفارسيّ وأبي الدّرْداء، وكذلك قال محمد بن إسحاق.
قال: أخبرنا أبو عامر العَقَديّ قال: أخبرنا شُعْبة عن سليمان بن المغيرة عن حُميد بن هلال قال: أُوخى بين سلمان وأبي الدرداء فسكن أبو الدرداء الشأم وسكن سلمان الكوفة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا سفيان بن عُيينة عن عاصم الأحول عن أنس قال: لمّا قَدِمَ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، المدينة آخى بين سلمان وحُذيفة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الزّهْريّ أنّهما كانا يُنْكِران كلّ مُؤاخاة كانت بعد بدر ويقولان: قَطَعَتْ بَدر المواريثَ، وسلمان يومئذٍ في رقّ، وإنّما عَتَقَ بعد ذلك. وأوّل غزاة غزاها الخندق سنة خمسٍ من الهجرة.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير قال: حدّثنا الأعمش عن أبي صالح قال: نزل سلمان على أبي الدرداء، وكان أبو الدرداء إذا أراد أن يصلّي منعه سلمان وإذا أراد أن يصومَ منعه، فقال: أتمنعني أن أصوم لربّي وأصلّي لربّي؟ قال: إنّ لعينك عليك حقًّا وإنّ لأهلك عليك حقًّا فصُمْ وأفْطِرْ وصَلّ ونَمْ. فبلغ ذلك رسولَ الله، - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لقد أُشْبِعَ سلمانُ عِلْمًا.
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا ابن عون عن محمد بن سيرين قال: دخل سلمان على أبي الدرداء في يوم جمعةٍ فقيل له هو نائم، قال: فقال ما له؟ قالوا: إنّه إذا كان ليلة الجمعة أحياها ويصوم يوم الجمعة، قال: فأمرهم فصنعوا طعامًا في يوم جمعة ثمّ أتاهم فقال: كُلْ، قال: إنّي صائم. فلم يزل به حتى أكل، ثمّ أتيا النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فذكرا له ذلك فقال النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -: عُوَيْمِرُ! سلمان أعْلَمُ منك، وهو يضرب على فخذ أبي الدّرداء، عويمر سلمان أعلم منك ثلاث مرّات، لا تَخُصّ ليلةَ الجمعة بقيام بين الليالي ولا تخصّ يوم الجمعة بصيام بين الأيّام (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا أبو عَوانة قال: حدّثنا قَتادَة أنّ سلمان أتى أبا الدرداء فشكَتْ إليه أمّ الدرداء أنّه يقوم الليل ويصوم النهار، فبات عنده فلمّا أراد القيام حبسه حتى نام، فلمّا أصبح صنع له طعامًا فلم يزل به حتى أفطر، فأتى أبو الدّرداء النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبيّ: عُويمر سلمان أعلم منك، لا تُحَقْحِقْ (٢) فتُقْطَعَ ولا تَحْبِسْ فتُسْبَقَ، اقْصِدْ تُبْلِغْ سَيْرَ الرِكابات تَطَأ فيها البَرْدَيْنِ والخَفْقَتَينِ من الليل.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسديّ قال: حدّثنا مِسْعَر عن عمرو بنِ مُرّة عن أبي البَخْتَريّ قال: سُئل عليّ عن سلمان فقال: أوتيَ العلمَ الأوّلَ والعلم الآخر، لا يُدرَكُ ما عنده.
قال: أخبرنا حجّاج بن محمّد عن ابن جُريج عن زاذان قال: سئل عليّ عن سلمان الفارسيّ فقال: ذاك امرؤ منّا وإلينا أهل البيت، مَنْ لكم بمثل لقمان الحكيم، عَلِمَ العلمَ الأوّل والعلم الآخر وقرأ الكتاب الأوّل وقرأ الكتاب الآخر وكان بحرًا لا يُنْزَفُ.
قال: أخبرنا حمّاد بن عمرو النصيبيني قال: حدّثنا زيد بن رُفيع عن معبد الجُهَني عن يزيد بن عَمِيرَة السّكْسَكيّ وكان تلميذًا لمعاذٍ أنّ مُعاذًا أمره أن يطلب العلم من أربعةٍ أحدهم سلمان الفارسي.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن الأعمش عن شِمْرِ (١) بن عَطيّة عن رجل من بني عامر عن خالٍ له أنّ سلمان لمّا قَدِمَ على عمر قال للناس: اخرجوا بنا نَتَلَقّ سلمانَ.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن إسماعيل بن سُمَيْع عن عمّار الدّهْني عن سالم بن أبي الجعد أنّ عمر جعل عطاء سلمان ستّة آلاف.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن إسماعيل بن سُمَيْع عن مالك بن عُمير قال: كان عطاء سلمان الفارسيّ أربعة آلاف.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسرائيل عن إسماعيل بن سُميع عن مسلم البَطين قال: كان عطاء سلمان أربعة آلاف.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّيّ عن مسلم البطين قال: كان عطاء سلمان أربعة آلاف.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّيّ قال: حدّثنا أبو المليح عن ميمون قال: كان عطاء سلمان الفارسيّ أربعة آلاف وعطاء عبد الله بن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقلت: ما شأن هذا الفارسيّ في أربعة آلاف وابن أمير المؤمنين في ثلاثة آلاف وخمسمائة؟ قالوا: إنّ سلمان شهد مع رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، مشهدًا لم يشهده ابن عمر.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن زُرارة الجَرْميّ قال: حدّثنا جعفر بن سليمان قال: حدّثنا هشام بن حسّان عن الحسن قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف وكان على ثلاثين ألفًا من الناس يخطب في عباءة يفترش نِصْفَها ويلبس نصفها، وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سَفِيف يديه (٢).
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا يزيد بن مَرْدَانُبَة عن خليفة بن سعيد المُراديّ عن عمّه قال: رأيتُ سلمان الفارسيّ بالمدائن في بعض طرقها يمشي فزحمَتْه حِمْلةٌ من قصب فأوجعَتْه فتأخّر إلى صاحبها الذي يسوقها فأخذ بعضده فحرّكه ثمّ قال: لا مِتّ حتى تُدْرِكَ إمارةَ الشباب (٣).
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا سلام بن مسكين عن ثابت أنّ سلمان كان أميرًا على المدائن وكان يخرج إلى النّاس في أنْدَرْوَرْد (١) وعبَاءة فإذا رأوه قالوا: كُرْك آمَذ كُرْك آمَذ (٢)، فيقول سلمان: ما يقولون؟ قالوا: يُشَبّهونك بلُعْبَةٍ لهم، فيقول سلمان: لا عليهم فإنّما الخير فيما بعد اليوم.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّيّ قال: حدّثنا أبو المليح عن حبيب بن أبي مرزوق عن هُذَيم (٣) قال: رأيتُ سلمان الفارسيّ على حمارٍ عُرْيٍ وعليه قميصٌ سُنْبُلانّي (٤) قصير ضيّق الأسفل، وكان رجلًا طويل الساقين كثير الشعر، وقد ارتفع القميص حتى بلغ قريبًا من رُكْبَتَيْه. قال ورأيتُ الصبيان يحضرون خلفه فقلتُ: ألا تَنَحّوْنَ عن الأمير؟ فقال: دَعْهم فإنّما الخير والشرّ فيما بعد اليوم (٥).
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقان عن حبيب بن أبي مرزوق عن ميمون بن مهران عن رجل من عبد القيس قال: كنت مع سلمان الفارسيّ وهو أمير على سريّة فمرّ بفتيان من فتيان الجند فضحكوا وقالوا: هذا أميركم؟ فقلتُ: يا أبا عبد الله ألا ترى هؤلاء ما يقولون؟ قال: دَعْهم فإنّما الخير والشرّ فيما بعد اليوم، إن استطعتَ أن تأكلَ من التراب فكُلْ منه ولا تكونَنّ أميرًا على اثنين، واتّقِ دعوة المظلوم والمضطرّ فإنّها لا تُحْجَب.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا سَلام بن مسكين قال: حدّثنا ثابت قال: كان سلمان أميرًا على المدائن فجاء رجل من أهل الشأم من بني تيم الله معه حِمْل تين، وعلى سلمان أَنْدَرْوَرْد وعبَاءة، فقال لسلمان: تَعالَ احْمِلْ،
وهو لا يعرف سلمان، فحمل سلمان فرآه الناس فعرفوه فقالوا: هذا الأمير، قال: لمْ أعرفك، فقال له سلمان: لا حتى أبْلُغَ منزلَك.
قال: أخبرنا وَهْب بن جرير بن حازم قال: حدّثنا أبي قال: سمعتُ شيخًا من بني عبس عن أبيه قال: أتيتُ السوقَ فاشتريتُ عَلَفًا بدرهم فرأيتُ سلمان ولا أعرفه فسخّرتُه فحملتُ عليه العلف، فمرّ بقوم فقالوا: نحمل عنك يا أبا عبد الله، فقلتُ: مَن هذا؟ قالوا: هذا سلمان صاحب رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فقلتُ: لم أعرفك، ضَعْه عافاك الله، فأبَى حتى أتى به منزلي فقال: قد نويتُ فيه نيّةً فلا أضعه حتى أبلغ بيتَك (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ورَوْح بن عُبادة قالا: حدّثنا حمّاد بن سَلَمَة عن خالد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن مَيْسَرَةَ أنّ سلمان كان إذا سجدت له العجم طأطأ رأسه وقال: خشعتُ لله (٢).
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن برقان قال: بلغني أنّه قيل لسلمان الفارسيّ: ما يُكْرِهُك الإمارة؟ قال: حلاوة رِضاعها ومرارة فِطامها (٣).
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن هشام بن الغاز (٤) عن عبادة بن نُسَيّ أنّ سلمان كان له حُبًى من عبَاءٍ وهو أمير الناس.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدّثنا مالك بن أنس أنّ سلمان الفارسيّ كان يستظلّ بالفَيءِ حيث ما دار ولم يكن له بيت، فقال له رجل: ألا نبني (٥) لك بيتًا تستظلّ به من الحرّ وتسكن فيه من البرد؟ فقال له سلمان: نعمْ فلمّا أدبر صاح به فسأله سلمان: كيف تبنيه؟ فقال: أبنيه إن قمتَ فيه أصاب رأسك وإن اضطجعتَ فيه أصاب رِجْلَك، فقال سلمان: نعم (٦).
قال: أخبرنا أبو داود سليمان بن داود الطيالسي ويحيَى بن عبّاد قالا: أخبرنا شعبة عن سِماك قال: سمعتُ النعمان بن حُميد يقول: دخلتُ مع خالي على سلمان بالمدائن وهو يعمل الخوص، فسمعتُه يقول: أشتري خوصًا بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهمًا فيه وأُنْفِقُ درهمًا على عيالي وأتصدّق بدرهم، ولو أنّ عمر بن الخطّاب نهاني عنه ما انتهيتُ (١).
قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: حدّثنا شعبة عن حبيب بن الشهيد عن عبد الله بن بُرَيْدة قال: كان سلمان إذا أصاب الشيء اشترى به لحمًا ثمّ دعا المُجَذَّمِين (٢) فأكلوه معه.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا أبو الأحوص عن حُصين عن إبراهيم التّيْميّ قال: كان سلمان إذا وُضِعَ الطّعام بين يديه قال: الحمد لله الذي كفانا المئونةَ وأحسن الرّزق.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التّيْميّ عن الحارث بن سُويد قال: كان سلمان إذا أكل قال: الحمد لله الذي كفانا المئونة وأوسع علينا في الرزق.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال: حدّثنا شعبة، قال أبو إسحاق أنْبَأني قال: سمعتُ حارثة بن مُضَرّب قال: سمعتُ سلمان يقول إني لأَعُدُّ (٣) العُراقة على الخادم خَشْيَةَ الظّنّ.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسديّ قال: حدّثنا سفيان عن أبي جعفر الفرّاء عن أبي ليلى الكنديّ قال: قال غلام سلمان: كاتِبْنِي، قال: ألَكَ شيءٌ؟ قال: لا، قال: فمن أين؟ قال: أسأل الناس، قال: تريد أن تُطْعِمَني غُسالة الناس.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ قال: حدّثنا شعبة عن أبي جعفر قال:
سمعتُ أبا ليلى قال: قال غلام لسلمان: كاتِبْنِي، قال: ألك مال؟ قال: لا، قال: أتأمرني أن آكلَ غُسالةَ أيدي الناس؟ قال وسُرِقَ عَلَفُ دابّته فقال لجاريته أو لغلامه: ولولا أني أخاف القِصاص لضربتُك.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا وُهيب بن خالد قال: حدّثنا أيّوب عن أبي قلابة أنّ رجلًا دخل على سلمان وهو يعجن، قال فقال: أين الخادم؟ قال: بعثناها لحاجة فكرهنا أن نجمع عليها عَمَلَينِ، قال: إنّ فُلانًا يُقْرِئك السّلام، فقال له سلمان: منذ كم قدمتَ؟ قال: منذ ثلاثة أيام، قال: أما إنّك لو لم تُؤدّها لكانت أمانةً لم تُؤدّها.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن حجّاج عن أبي إسحاق عن عمرو بن أبي قُرّة قال: قال سلمان لا نَؤمّكم في مساجدكم ولا نَنْكِحُ نساءكم، يعني العرب.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق وغيره قالوا: كان سلمان يقول لنفسه: سلمان بمِير، يقول: مُتْ.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: حدّثنا الأعمش عن أبي سفيان عن أشياخه قالوا: دخل سعد بن أبي وقّاص على سلمان يعوده، قال فبكى سلمان فقال له سعد: ما يُبْكيك يا أبا عبد الله؟ تُوفّي رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وهو عنك راضٍ، وتلقى أصحابَك، وتَرِدُ عليه الحوْضَ. قال سلمان: والله ما أبكي جَزَعًا من الموت ولا حِرْصًا على الدنيا ولكنّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - عهد إلينا عهدًا فقال لتَكُنْ بُلْغَةُ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب وحولى هذه الأساود، قال وإنّما حوله جَفْنَةٌ أو مَطْهَرَةٌ أو إجّانة، قال فقال له سعد: يا أبا عبد الله اعهد إلينا بعهد نأخذه بعدك، فقال: يا سعد اذكر الله عند همّك إذا هممتَ وعند حُكْمِك إذا حكمتَ وعند يدك إذا قسمتَ (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سَلَمَة قال: أخبرنا عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب أنّ سعد بن مسعود وسعد بن مالك دخلا على سلمان يعودانه فبكى فقالا له: ما يُبْكيك يا أبا عبد الله؟ قال: عَهْدٌ عهده إلينا رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، لم يحفظه منا أحد، قال: ليَكُنْ بلاغُ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا جَبَلَة بن عطيّة عن رجاء بن حَيْوَةَ قال: قال أصحاب سلمان لسلمان: أوْصِنا، فقال: مَن استطاع منكم أن يموت حاجًّا أو معتمرًا أو غازيًا أو في ثقل (٢) الغُزَاة فَلْيَمُتْ، ولا يموتنّ أحدكم فاجرًا ولا خائنًا (٣).
قال: أخبرنا حفص بن عمر الحَوْضيّ قال: حدّثنا يزيد بن إبراهيم قال: حدّثنا الحسن قال: وأخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا أبو الأشهب قال: حدّثنا الحسن قال: لمّا حُضِرَ سلمان الفارسيّ ونزل به الموت بكى فقيل له: ما يُبْكِيك؟ قال: أما والله ما أبكي جزعًا من الموت ولا حرصًا على الرّجْعة ولكن إنّما أبكي لأمر عهده إلينا رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أخشى أن لا نكون حَفظْنا وصيّةَ نبيّنا، - صلى الله عليه وسلم -، إنّه قال لنا: ليَكُن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب.
قال: حدّثنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا أبو الأشهب قال: حدّثنا الحسن قال: عاد الأميرُ سلمانَ في مرضه فقال له سلمان: أما أنت أيّها الأمير فاذكر الله عند همّك إذا هممتَ وعند لسانك إذا حكمتَ وعند يدك إذا قسمتَ، قُمْ عني، والأمير يومئذٍ سعد بن مالك.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: حدّثنا محمّد بن سُوقة عن الشعْبيّ قال: لمّا حضرت سلمان الوفاةُ قال لصاحبة منزله: هلمّي خبيّكِ الذي استخبأتُكِ، قالت: فجئتُه بصُرّة مِسْكٍ، قال فقال: ائتيني بقَدَحٍ فيه ماء، فنثر المسك فيه ثمّ ماثه (٤) بيده ثمّ قال: انْضِحيه حولي فإنّه يحضرني خلق من خلق الله يجدون الريح ولا يأكلون الطعام ثمّ اجْفَئي عَلَيّ الباب وانزلي، قالت ففعلتُ وجلستُ هُنيهةً فسمعتُ هَسْهَسَةً، قالت ثمّ صعدتُ فإذا هو قد مات (١).
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن الأجلح عن عامر الشّعْبيّ قال: أصاب سلمان صُرّةَ مسكٍ يومَ فُتِحَتْ جَلولاءُ فاستودعها امرأتَه، فلمّا حضرته الوفاةُ قال: هاتي هذه المِسكَةَ، فمرسها في ماء ثمّ قال: انْضِحيها حولي فإنّه يأتيني زُوّار الآن. قال ففعَلَت فلم يمكث بعد ذلك إلّا قليلًا حتّى قُبِضَ (٢).
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: حدّثنا شَيْبان عن فِراس عن الشّعْبيّ قال: حدّثني الجَزْل عن امرأة سلمان بُقيرة أنّه لما حضرته الوفاة، يعني سلمان، دعاني وهو في عُلّيّة له لها أربعة أبواب فقال: افتحي هذه الأبواب يا بُقيرة فإنّ لي اليوم زُوّارًا لا أدري من أيّ هذه الأبواب يدخلون عليّ. ثمّ دعا بمسكٍ له فقال: أديفيه في تَوْرٍ، ففعلتُ ثمّ قال: انضحيه حول فراشي ثمّ انزلي فامكثي فسوف تطّلعين فتَرَيْ على فراشي، فاطّلعتُ فإذا هو قد أُخِذَ روحه فكأنّما هو نائم على فراشه أو نحوًا (٣) من هذا.
قال: أخبرنا عارِم بن الفضل قال: حدّثنا حمّاد بن زيد قال: وأخبرنا المعلّى بن أسد قال: حدّثنا وُهيب بن خالد قالا: حدّثنا عطاء بن السائب أنّ سلمان حين حضرته الوفاةُ دعا بصُرّة من مسك كان أصابها من بَلَنْجَر فأمر بها أن تُدافَ وتُجْعَلَ حول فراشه، وقال: فإنّه يحضرني الليلةَ ملائكةٌ يجدون الريح ولا يأكلون الطعام.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب عن عبد الله بن سلام أنّ سلمان قال له: أيْ أُخَيّ، أيّنا مات قبل صاحبه فَلْيَتَرَاءَ له. قال عبد الله بن سلام: أوَ يكون ذلك؟ قال: نعم إنّ نَسَمَةَ المؤمن مخلَاةٌ تذهب في الأرض حيث شاءت ونسمة الكافر في سجْنٍ. فمات سلمان، فقال عبد الله: فبينما أنا ذاتَ يومٍ قائل بنصف النهار على سرير لي فأغْفَيْتُ إغْفاءةً إذ جاء سلمان فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقلتُ: السلام عليك ورحمة الله أبا عبد الله، كيف وجدتَ منزلَك؟ قال: خيرًا وعليك بالتوكّل فنِعْمَ الشيء التوكّل، وعليك بالتوكّل فنعم الشيء التوكّل، وعليك بالتوكّل فنِعْم الشيء التوكّل.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدّثنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: حدّثني المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنّ سلمان مات قبل عبد الله بن سلام فرآه عبد الله بن سلام في المنام فقال له: كيف أنتَ أبا عبد الله؟ قال: بخير، قال: أي الأعمال وجدتَها أفضلَ؟ قال: وجدتُ التوكّل شيئًا عجيبًا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: تُوفّي سلمان الفارسيّ في خلافة عثمان بن عفّان بالمدائن.
ومن بني عبد شمس بن عبد مناف