معنى بهم وتعريفُها مجموعةً من 13 من أمهات المعاجم العربية، مع الجذر والتصريف والصيغ والمشتقات والجمع، كلُّ معجمٍ في قسمٍ مستقلّ. المعنى المختصر لـ«بهم»: أبهمَ يُبهم، إبهامًا، فهو مُبهِم، والمفعول مُبهَم (للمتعدِّي) • أبهم الأمرُ: خَفِيَ وأشكل واشتبه، كان غير واضح "تعقّدت القضيّة وأبهمت". • أبهم فلانٌ الأمرَ: أخفاه وأشكله،…
الفهرس
| الماضي | المضارع | المصدر | اسم الفاعل | اسم المفعول |
|---|---|---|---|---|
| أبهمَ | يُبهم | إبهامًا | مُبهِم | مُبهَم |
| انبهمَ | ينبهم | انبهامًا | مُنْبَهِم | — |
أبهمَ يُبهم، إبهامًا، فهو مُبهِم، والمفعول مُبهَم (للمتعدِّي) • أبهم الأمرُ: خَفِيَ وأشكل واشتبه، كان غير واضح "تعقّدت القضيّة وأبهمت".
• أبهم فلانٌ الأمرَ: أخفاه وأشكله، وجعله غامضًا غير مفهوم "يتّصف أسلوب هذا الكاتب بالإبهام".
استبهمَ/ استبهمَ على يستبهم، استبهامًا، فهو مُستبهِم، والمفعول مُستبهَم عليه • استبهم الأمرُ/ استبهم الأمرُ على الشَّخص: استغلق وأشكل "استبهمت عليه المعادلة الرياضيّة فلم يفهمها- اسْتُبْهِم عليه الكلامُ".
انبهمَ ينبهم، انبهامًا، فهو مُنْبَهِم • انبهمَ الأمرُ: استبهم، استغلق وأشكل "فسَّر ما انبهم على طُلاّبه".
إبهام [مفرد]: ج إبهامات (لغير المصدر {وأباهمُ} لغير المصدر) وأباهيمُ (لغير المصدر): ١ - مصدر أبهمَ.
٢ - ازدواج، وهو أن يأتي المتكلم بكلام مبهم يحتمل معنيين متضادين "إبهام لغة/ أسلوب".
• الإبهام: (شر) الإصبع الغليظة الخامسة من أصابع اليد والرِّجل وهي ذات سُلامَيَين (مؤنّثة وقد تذكَّر) "هذه بصمة إبهامه اليمنى".
أَبْهَمُ [مفرد]: ج بُهْم، مؤ بهماءُ، ج مؤ بُهْم: أعجمُ لا يُفْصح "الحيوان مخلوق أبهمُ".
بَهْمَة [مفرد]: ج بَهَمات وبَهْمات وبِهام وبَهْم: صغير الضَّأن (للذكر والأنثى) "صَغيرين نَرْعَى البَهْمَ يا ليتَ أنَّنا .
إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البَهْم".
بُهْمَة [مفرد]: ج بُهْمات وبُهَم: رجلٌ لا يُدرى من أين يُؤتى لشدّة بأسه.
• البُهمة من اللَّيالي: التي لا يَطْلُعُ فيها القمر.
بَهيم [مفرد]: ج بُهْم وبُهُم: ١ - أسود حالك "ليلٌ بهيمٌ" ° فرسٌ بهيم: على لون واحد، ليس فيه لون يخالف معظم لونه.
٢ - حيوان، أبله، بليد، غبيّ.
• صوت بهيم: ما لا ترجيع فيه.
بَهيمة [مفرد]: ج بهائمُ: ١ - كلّ ذات أربع قوائم من دوابّ البرِّ والبحر، ماعدا السِّباع.
٢ - المواشي، الأنعام، الحيوانات الدَّاجنة " {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} ".
• البهيمة: الحيوان مطلقًا "كان الإقطاعيون يعاملون الفلاحين معاملة البهائم".
بَهيميّ [مفرد]: اسم منسوب إلى بَهيمة.
بَهيميَّة [مفرد]: ١ - اسم مؤنَّث منسوب إلى بَهيمة ° شهوة بهيميّة/ غريزة بهيميّة: حيوانيّة.
٢ - مصدر صناعيّ من بَهيمة: وطء الحيوانات سواء أجراه الرجل مع أنثى الحيوان أو أجراه ذكر الحيوان مع المرأة، وهو دليل على شذوذ وانقلاب الحسّ التناسليّ فيهما.
مُبْهَم [مفرد]: ج مبهمات: ١ - اسم مفعول من أبهمَ.
٢ - ما يصعب إدراكه، ما لا مأتى له.
٣ - غامض، لا يتحدد المقصود منه، لا يُعرف له وجه "عبارات مبهمة- كلامٌ/ رسمٌ مُبهَم" ° طريق مبهم: خفيّ لا يستبين- حديث مبهم: لا يُعرف عن راويه غير اسمه.
• المبهم من الظُّروف: (نح) ما ليس له حدود تحصره مثل: فوق، تحت، أمام، خلف.
• الأسماء المبهمة: (نح) أسماء الإشارة والموصول والضَّمائر وهي معارف غير محدَّدة المعنى بذاتها.
بِهِمَا قَالَهَا بَعضهم لبَعض بداهة(البداهة) أول كل شَيْء وَمَا يفجأ من الْأَمر و (فِي الفلسفة) وضوح الأفكار والقضايا
بُهَمٌ.
ويقال أيضاً للجيش بُهْمَةٌ، ومنه قولهم: فلان فارسُ بُهْمَةٍ وليثُ غابةٍ.
وأمرٌ مُبْهَمٌ، أي لا مَأْتى له.
وأَبْهَمْتُ البابَ: أغلقتُه.
والأسماء المُبْهَمَةُ عند النحويِّين هي أسماء الإشارات، نحو قولك: هذا، وهؤلاء، وذاك وأولئك.
واسْتَبْهَمَ عليه الكلام، أي استغلَقَ.
وتَبَهَّمَ أيضا، عن أبى زيد، إذا أرتج عليه.
وفى الحديث: " يحشر الناس حفاة عراة (١) بهما "، أي ليس معهم شئ.
ويقال أصخاء.
والابهام: الإصبع العَظمى، وهي مؤنَّثة، والجمع الأباهيمُ.
والبَهيمَةُ: واحدة البَهائِمِ.
وهذا فرس بهيم، وهذا فرس بهيم، أي مُصْمَتٌ، وهو الذي لا يخلط لونه شئ سوى لونه.
والجمع بهم، مثل رغيف ورعف.
وبهمى: نبت، قال سيبويه: تكون واحدة وجمعا.
وألفها للتأنيث فلا تنون.
وقال[ بهم] البِهامُ: جمع بَهْمٍ.
والبَهْمُ: جمع بَهْمَةٍ، وهي أولاد الضأن.
والبهمة اسم للمذكر والمؤنث.
والسخال أولاد المعزى، فإذا اجتمعت البهام والسخال قلت لهما جميعا: بهام وبهم أيضا.
وأنشد الاصمعي (١) : لو أننى كنت من عاد ومن إرم غذى بهم ولقمانا وذا جدن لان الغذى السخلة.
وقد جعل لبيد أولاد البقر بِهَاماً بقوله: والعينُ ساكنةٌ على أَطْلائِها عوذاً تأَجَّلَ بالفضاء بِهامُها ويقال: هم يُبَهِّمُونَ البَهْمَ تَبْهيماً، إذا أفردوه عن أمّهاته فَرعَوْهُ وحده.
أبو عبيدة: البهمة بالضم: الفارس الذىلا يدرى من أين يُؤْتى، من شدّة بأسه، والجمع بُهَمٌ.
ويقال أيضاً للجيش بُهْمَةٌ، ومنه قولهم: فلان فارسُ بُهْمَةٍ وليثُ غابةٍ.
وأمرٌ مُبْهَمٌ، أي لا مَأْتى له.
وأَبْهَمْتُ البابَ: أغلقتُه.
والأسماء المُبْهَمَةُ عند النحويِّين هي أسماء الإشارات، نحو قولك: هذا، وهؤلاء، وذاك وأولئك.
واسْتَبْهَمَ عليه الكلام، أي استغلَقَ.
وتَبَهَّمَ أيضا، عن أبى زيد، إذا أرتج عليه.
وفى الحديث: " يحشر الناس حفاة عراة (١) بهما "، أي ليس معهم شئ.
ويقال أصخاء.
والابهام: الإصبع العَظمى، وهي مؤنَّثة، والجمع الأباهيمُ.
والبَهيمَةُ: واحدة البَهائِمِ.
وهذا فرس بهيم، وهذا فرس بهيم، أي مُصْمَتٌ، وهو الذي لا يخلط لونه شئ سوى لونه.
والجمع بهم، مثل رغيف ورعف.
وبهمى: نبت، قال سيبويه: تكون واحدة وجمعا.
وألفها للتأنيث فلا تنون.
وقالقوم: ألفها للالحاق، والواحدة بهماة.
وقال المبرد: هذا لا يعرف، ولا تكون ألف فعلى بالضم لغير التأنيث.
وأبهمت الارض: كثر بهماها.
فأمّا الأوّل فيقولون: بَهَلْتُه، إذا خَلَّيْتَه وإرادَتَه.
ومن ذلك النَّاقة الباهِلُ، وهى التى لا سِمَة عليها.
ويقال [التى] لا صِرَارَ عليها.
ومنه حديث المرأة (١) لِبعلها:«أبثَثْتُكَ مكتومى، وَأطعمتُك مأْدُومى، وأَتَيْتُك باهلاً غَيْرَ ذاتِ صِرَارٍ»، وقد أراد تطليقها.
وأمّا الآخَر فالابتهال والتضرُّع فى الدُّعاء.
والمباهلةُ يرجع إلى هذا، فإِنَّ المُتَبَاهِلَينِ يدعُو كلُّ واحدٍ منهما على صَاحِبِه.
قال اللّه تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّهِ عَلَى اَلْكاذِبِينَ﴾.
والثالث البَهْل وهو الماء القَلِيل.
[بهم]الباء والهاء والميم: أن يبقى الشَّئُ لا يُعْرَفُ المَأْتَى إليه.
يقال هذا أمرٌ مُبْهَم.
ومنه البُهْمةُ الصَّخرة التى لا خَرْق فيها، وبها شُبِّه الرّجُل الشُّجَاعُ الذى لا يُقدَرُ عليه من أىِّ ناحيةٍ طُلِب.
وقال قوم: البُهْمةُ جماعةُ الفرسان.
ومنه البَهيمُ: اللَّونُ الذى لا يخَالِطُه غيْرُه، سواداً كانَ أو غيرَه.
وأبْهَمْتُ البابَ: أغلقْتُه.
ومما شَذَّ عن هذا الباب: الإبهام من الأصابع.
والبَهْم صِغارُ الغنَم.
والبُهْمَى نبْتٌ، وقد أبْهَمَتِ الأرضُ كثُرَتْ بُهْمَاهَا.
قال:لها مُوفِدٌ وَفَّاهُ وَاصٍ كأنّه … زَرَابىُّ قَيْلٍ قَدْ تُحُومِى مُبْهمُ (٢)
أبهم الباب أغلقه.
أنشد سيبويه:الفارجي باب الأمير المبهمواللون البهيم: ما لا شية فيه أي لون كان إلا الشهبة.
يقال ليل بهيم، وليال دهم بهم.
وفلان بهمة من البهم: للشجاع الذي يستبهم على أقرانه مأتاه.
وقيل: سمي بالبهمة التي هي الصخرة المصمتة المبهمة.
ومن المجاز: أمر مبهم: لا مأتي له.
وأبهم فلان عليّ الأمر وكلام مبهم: لا يعرف له وجه واستبهم عليه الأمر: استغلق.
واستبهم على الرجل: أرتج عليه.
وصوت بهيم: لا ترجيع فيه.
بَهْمَةُ: أولادُ الضَّأْنِ والمَعَزِ (والبَقَرِ)ج: بَهْمٌ، ويُحَرَّكُ،وبِهامٌ جج: بِهاماتٌ.
والأبْهَمُ: الأعْجَمُ.
واسْتَبْهَمَ عليه: اسْتَعْجَمَ فلم يَقْدِرْ على الكَلامِ.
والبُهْمَةُ، بالضم: الخُطَّةُ الشديدةُ، والشُّجاعُ الذي لا يُهْتَدى من أيْنَ يُؤْتَى، والصَّخْرَةُ، والجيشُ.
ج: كصُرَدٍ.
وبَهَّموا البَهْمَ تَبْهيماً: أفْرَدُوهُ عن أُمَّهاتِهِ،وـ بالمَكانِ: أقاموا.
وأبْهَمَ الأمْرُ: اشْتَبَهَ،كاسْتَبْهَمَ،وـ فلاناً عن الأمرِ: نَحَّاهُ،وـ الأرضُ: أنْبَتَتِ البُهْمَى لنَبْتٍ م، يُطْلَقُ للواحِدِ والجميعِ، أَو واحِدَتُهُ: بُهْماةٌ.
وأرضٌ بَهِمَةٌ، كفَرِحَةٍ: كثيرَتُهُ.
والمُبْهَمُ، كمُكْرَمٍ: المُغْلَقُ من الأبْوابِ، والأصْمَتُ،كالأَبْهَم،وـ من المُحَرَّماتِ: ما لا يَحِلُّ بوجهٍ، كتَحْرِيمِ الأمِّ والأخْتِج: بُهْمٌ، بالضم وبضمتين.
والبَهيمُ: الأسْوَدُ، وفَرَسٌ لبَنِي كِلاب بنِ رَبيعةَ، وما لا شِيَةَ فيه من الخَيْلِ، للذَّكَرِ والأنْثَى، والنَّعْجَةُ السوداءُ، وصَوْتٌ لا تَرْجيعَ فيه، والخالِصُ الذي لم يَشُبْهُ غيرُهُ.
ويُحْشَرُ الناسُ بُهْماً، بالضم، أي: ليس بِهِم شيءٌ مما كان في الدُّنْيا، نحوُ البَرَصِ والعَرَجِ، أو عُراةٌ.
والبهائمُ: جِبالٌ بالحِمَى، وماؤُها يقالُ والإِنْسُ، أَو جميعُ ما على وجهِ الأرضِ.
• الأُوامُ، كغُرابٍ: العَطَشُ، أو حَرُّهُ، والدُّخَانُ، ودُوارُ الرأسِ، والوَتَرُ، وأنْ يَضِجَّ العَطْشانُ.
وقد آمَ يَؤُومُ أوْماً.
والإِيامُ، بالكسر: الدُّخانُج: أُيُمٌ، ككُتُبٍ.
وآمها وـ عليها يَؤومُها أوْماً وإِياماً: دَخَّنَ.
والمُؤَوَّمُ، كمعَظَّمٍ: العظيمُ الرأسِ، أو المُشَوَّهُ.
وآمَهُ: ساسَهُ.
وأوَّمَهُ تَأْويماً: عَطَّشَهُ.
والآمَةُ: الخِصْبُ، والعَيْبُ، وما يَعْلَقُ بسُرَّةِ الصَّبِيِّ حين يولدُ، أو ما لُفَّ فيه من خِرْقَةٍ، أَو ما خرَجَ معه.
وآمٌ: د تُنْسَبُ إِليه الثيابُ،وة بالجَزِيرةِ.
ولَيالٍ أُوَمٌ، كصُرَدٍ: مُنْكَرَةٌ.
• الأيِّمُ، ككَيِّسٍ: من لا زَوْجَ لها، بِكْراً أو ثَيِّباً، ومَنْ لا امرأةَ له، جَمْعُ الأَوَّلِ: أيايِمُ وأيامَى،وقد آمتْ تَئيمُ أيْماً وأُيوماً وأيْمةً وإيمَةً.
وأأمْتُها: تَزَوَّجْتُها أيِّماً.
ورجلٌ أيْمانُ عيْمَانُ: فَأَيْمانُ إلى النِّساءِ، وعَيْمانُ إلى اللَّبَنِ.
وامْرَأَةٌ أيْمَى عَيْمَى.
والحَرْبُ مَأْيَمَةٌ للنساء.
وتأَيَّمَ: مَكَثَ زماناً لم يَتَزَوَّجْ.
وأيَّمَهُ اللهُ تعالى تَأْيِيماً.
ومالَهُ آمٌ وعامٌ، أي هَلَكَت امْرَأَتُهُ وماشيتُهُ حتى يَئِيمَ ويَعِيمَ.
والأَيِّمُ، ككَيِّسٍ: الحُرَّةُ، والقَرابَةُ نحو البِنْتِ والأُخْتِ والخالَةِ، وجَبَلٌ
بهم: البَهْمَةُ: أسمٌ للذّكر والأُنثى من أولادِ بَقَرِ الوَحْش وضروب الغَنَم، والجميع: البَهْم والبِهام.
والبَهْمُ أيضاً: صِغارُ الغَنَم.
والبُهْمَي: نباتٌ تَجِدُ به الغَنَم وجداً شديداً ما دام أَخْضَرَ.
فإذا يَبِسَ هرَّ شوكُه وامتنع.
الواحد: بُهْمَي أيضا، ويقال للواحدة بُهماة أيضا.
والإِبُهْام: الإِصْبَع الكُبْرَى [التي تلي المُسَبِّحة] ، والجميع: الأباهيم.
[ولها مفصلان] «١» وأَبْهَم الأَمْر،
بهم: ضَاقَ.
ورَجُلٌ بَشِعٌ: غَليظُ الجِسْم.
وخَشَبَةٌ بَشِعَةٌ: كَثِيْرَةُ الأُبَن.
بهم: اتَّقى عليهم (٥٢).
ورَافَعْتُه: تارَكْتَه.
ورَفَّعْتُ بهم: أي تَحَرَّشَ.
وحَدَادُكَ أنْ تَفْعَلَ بهم: صارَ فيهم صِهْراً.
وصِهْرَةُ الرَّجُلِ: أُخْتُ امْرَأتِه.
والصَّهْرُ: إِذابَةُ الشَّيْءِ.
والصُّهَارَةُ: ما ذابَ منه.
وكذلك الاصْطِهارُ في إِذابَتِه وأكْلِ صُهَارَتِه.
والصَّهِيْرُ: المَشْوِيُّ.
واصْطَهَرَ الحِرْباءُ: أي صَهَرَه الحَرُّ.
وما بالبَعِيرِ صُهَارَةٌ: أي (٧) نِقْيٌ وطِرْقٌ.
والصَّيْهُوْرُ: ما يُوْضَعُ عليه مَتَاعُ البَيْتِ من صُفْرٍ ونَحْوِه.
ومُصَاهِرُ: اسْمُ رَجُلٍ.
والصِّهْرِيْرُ (٨): لُغَةٌ في الصِّهْرِيج.
وأصْهَرَ الجَيْشُ للجَيْش: دَنا بعضُهم من بعضٍ.
وفلانٌ مُصْهِرٌ لنا (٩): من القَرَابَة.
بهم:البَهْمَةُ: اسْمٌ للذَّكَرِ والأُنثى من أولاد بَقَرِ الوَحْشِ وغيرِها.
والبِهَامُ: جَمْعُ بَهِيْمَةٍ (٣) من أولاد المِعزى.
والبُهْمى: نباتٌ تَجِدُ به الإِبِلُ (٤) وَجْداً شَديدًا ما دامَ أخْضَرَ، والواحدةُ بُهْمَاةٌ.
وأبْهَمَتِ الأرْضُ: نَبَتَ عليها البُهْمَى.
والمُبْهِمُ: المَوْضِعُ الذي فيه البُهْمى.
والإِبْهَامُ: الإِصْبَعُ الكُبرى، والجميع الأباهِيْمُ.
وإبْهَامُ الأمْرِ: أنْ يَشْتَبِهَ فلا يُعْرَفَ وَجْهُه.
واسْتَبْهَمَ الأمْرُ اسْتِبْهاماً.
وأبْهَمْتُه فأنا مُبْهِمٌ وهو مُبْهَمٌ (٥).
وبابٌ مُبْهَمٌ: مُغْلَقٌ لا يُهْتَدى لِفَتْحِهِ.
بهم: غابَ عنهم.
والخَلَّةُ: الخَصَاصَة والحاجَةُ.
واخْتُلَّ إلى فلانٍ: أي احْتِيْجَ إليه (٧).
واخْتَلَّ بكَ (٨) فلانٌ: أدْخَلَ عليك الضَّرورةَ.
والخَلِيلُ: الرَّجُلُ (٩) الفَقِيرُ.
وأخَلَّ (١٠) فلانٌ فلاناً: أي أحْوَجَه.
وخَلَّ الرَّجُلُ وأخَلَّ.
والخَلَّةُ: الخَصْلَةُ [/١١٩ أ]، والجميع الخِلالُ.
وبِنْتُ المَخاض وبِنْتُ اللَّبُون، والذَّكَرُ خَلٌّ.
ويقولون: أتانا بقُرْصٍ كأنَّه خُفُّ خَلَّةٍ: أي بِقُرْصٍ صغيرٍ.
وقيل: الخَلَّةُ: العَظِيمةُ من الإِبل.
والهَضْبَةُ أيضاً.
والخُلَّةُ من النَّبات: ما ليس بِحَمْضٍ، وهو العَرْفَجُ.
وكلُّ شَجَرٍ يَبْقَى في الشِّتاء: [فهو] (١١) خُلَّةٌ.
والمُخِلُّ: الذي تَرْعى (١٢) إبلُه الخُلَّةَ (١٣).
و [يقولون] (١٤): الخُلَّةُ خُبْزُ الإِبل والحَمْضُ فاكِهَتُها.
والخَلُّ: خُلُولُ الجِسْم تَغَيُّراً وهُزَالاً (١٥)، رَجُلٌ خَلٌّ وقَوْمٌ خُلُولٌ.
بهم: أي يُسَمِّعُ بهم.
ورَجُلٌ خِنْظِيَانٌ: إذا كان فاحِشاً، وكذلك المرأةُ إذا كانتْ صَخّابةً سَيِّئةَ الخُلُق.
بهم: ما يُرِيهم من تَلَوُّنِه بالآل.
بهم: أي تَهَاوَنَ بهم وبحقُوقِهم.
والشِّعْرى الغُمَيْصَاءُ: هي الذِّراع السُّفلى.
وغَمِصَ هذا الأمْرُ عَلَيَّ: أي تَغَيَّرَ وكَدِرَ.
وإنَّه لَمَغْمُوْصٌ عليه: أي مَطْعُونٌ في دِينه وفِقْهِه.
وغَمَصْتُ عليهِ قَوْلَه: عِبْتَه.
ولا تَغْمَصْ عَلَيَّ: أي لا تَغْضَبْ.
ويُقال للكَذّاب: هو غَمُوْصُ الحَنْجَرَةِ.
ويَمِيْنٌ غَمُوْصٌ: بمعنى غَمُوس.
واغْتَمَصْتُ فلاناً: احْتَقَرْته.
بهم: أي يَسْتَغِيْثُ بهم.
وغاوَةُ: اسْمُ أرْضٍ (١٠).
ما أوَّلُهُ الواوالوَغى (١١): غَمْغَمَةُ الأبطالِ في الحَرْبِ [/١٥٣ أ].
وأصواتُ البَعُوضِ والنَّحْلِ، وكذلك الوَغْيُ.
تقول: سَمِعْتُ وَغْيَةً من خَبَرٍ.
بهم: أي لا حَرَاكَ بهم.
ويقولونَ في الإِتْبَاعِ: عَطْشان نَطْشَان.
[الشين والطاء والفاء] بهم: مُضَافٌ.
ويقولونَ: هيَ أُمُّ ضَيْفِها، وهو أبو ضَيْفِه.
وضافَ السَّهْمُ يَضِيْفُ: إذا عَدَلَ عن الهَدَف.
والنّاقَةُ تُضِيفُ (١٩) إلى الفَحْل: كأنَّها إذا سَمِعَتْ صَوْتَه أرادتْ أنْ تَأْتِيَه.
وضَيَّفَتِ الشَّمْسُ: دَنَتْ للغُرُوْب.
وهو يَتَضَيَّفُ الناسَ: أي يَبِيْتُ إلى هؤلاءِ لَيْلَةً وإلى هؤلاء لَيْلَةً.
والمَضُوْفُ: المُلْجَأ.
والمَضُوْفَةُ -مَفْعَلَةٌ-: من التَّضْيِيْفِ (٢٠).
ونَزَلَتْ بهم مَضُوْفَةٌ: أي شِدَّةٌ.
والمُضِيْفُ: الفارُّ.
وأضَافَ الرَّجُلُ: أسْرَعَ وعَدَا.
والمُسْتَضِيْفُ: المُسْتَغِيْثُ.
بهم: من مَوْتٍ أَو هَرَم فَيَقُولُونَ: أصابتْهم قوارِعُ الدهرِ، وأبادَهم الدَّهْرُ، فيجعلون الدَّهر الَّذِي يفعل ذَلِك، فيذمّونه، وَقد ذكرُوا ذَلِك فِي أشعارهم، وأَخبرَ الله عَنْهُم بذلك، ثمَّ كَذَّبهم، فَقَالَ جلّ وعزّ: {تَذَكَّرُونَ وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَاّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ} (الجَاثيَة: ٢٤) قَالَ الله جلّ وعزّ: {الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَاّ} (الجَاثيَة: ٢٤) .
فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تَسُبُّوا الدّهرَ) على تَأْوِيل: لَا تَسُبُّوا الدَّهْر الَّذِي يفعل بكم هَذِه الأشْياء، فَإِنَّكُم إِذا سببتم فاعلها فَإِنَّمَا يَقع السَّبُّ على الله لِأَنَّهُ الْفَاعِل لَهَا لَا الدهرُ، فَهَذَا وَجه الحَدِيث إِن شَاءَ الله.
قلتُ: وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي تَفْسِير هَذَا الحَدِيث نَحْواً مِمَّا قَالَ أَبُو عُبيد، وَاحْتج بالأبيات الَّتِي ذكرهَا أَبُو عبيد، فَظَنَنْت أَبَا عبيد عَنهُ أَخذ هَذَا التَّفْسِير لأنّه أوّل من فسره.
وَقَالَ شَ بهم: رُوي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة غرلًا بُهْمَاً) .
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو عَمْرو: البهْم وَاحِدهَا بَهِيم، وَهُوَ الَّذِي لَا يخلِط لَوْنَه لونٌ سِواه، من سوادٍ كَانَ أَو غَيره.
قَالَ أَبُو عبيد: فَمَعْنَاه عِنْدِي أَنه أَرَادَ بقوله: بُهْمَاً يَقُول: لَيْسَ فيهم شيءٌ من الْأَعْرَاض والعاهات الَّتِي تكونُ فِي الدُّنيا: من العَمَى والعَرَج والجُذام والبَرَص، وَغير ذَلِك من صُنوف الْأَمْرَاض وَالْبَلَاء، وَلكنهَا أجسادٌ مُبْهَمَةٌ مصحَّحة لخُلُود الأبَد.
وسُئل ابْن عبّاس عَن قَول الله جلّ وعزّ ثَنَاؤُهُ: {وَحَلَائِلُ أَبْنَآئِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} (النِّساء: ٢٣) وَلم يُبَيِّن: أَدَخلَ بهَا الابنُ أم لَا؟
فَقَالَ ابْن عبّاس: أَبْهِموا بهم: وَمَا أشبه ذَلِك.
يُقَال: غمَط النَّاس وغمَصهم.
وَفِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لمَالِك بن مرَارَة: (الكِبرُ أَن تَسْفَهَ الحقَّ وتَغمِطَ النَّاس) وَمَعْنَاهُ: احتقارُ الناسِ والإزْراءُ بهم.
وَقَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: أغمَطَتْ عَلَيْهِ الحُمَّى وأغْبَطَتْ إِذا دَامَت، وأغْمطَتِ السماءُ وأغبَطتْ إِذا دَامَ مَطرُهَا.
وَقَالَ اللَّيْث: الغمطُ كالغَمْجِ، بهم: (مَا رأيتُ كَالْيَوْمِ طاعةَ قَوْم، وَلَا فارسَ الأكارِم، وَلَا الرُّوم ذاتَ القُرون) .
قيل فِي تَفْسِيره: إنَّهم قيل لَهُم ذَات الْقُرُون لتَوارثهم المُلْكَ قَرْناً بعد قَرْن؛
وَ بهم: بلغ بهم مَكَانا وَاسِعًا أَفضى بهم إِلَيْهِ حَتَّى انْقَطع ذَلِك الطَّرِيق إِلَى شَيْء يعرفونه.
وَقَالَ ابْن شُ
(بهم):{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} [المائدة: ١]"حائط مُبْهم - كمُكْرَم: لا باب فيه.
وباب مبهم: لا يُهتدى لفتحه إذا أُغْلِق.
والبَهِيم من النعاج وغيرها: السوداء التي لا بياض فيها.
والبهيم: الذي لا يخالط لونَه لونٌ سواه ".
قال: (فَهَزَمَتْ ظَهْرَ السِّلام الأَبْهم).
أي: الذي لا صدع فيه.
(السِلَام: الحجارة الِعراض).
وليل بَهيم: لا ضوءَ فيه إلى الصباح.
والإبهام: أكبر الأصابع ".
° المعنى المحوري هو: خلو ظاهر الشيء العريض من الفتحات أو المعالم التي تميز أو تكشف: كما ذُكِر.
والإبهام أعرض وأقصر، وقليلة الحزوز والمفاصل بالنسبة لبقية الأصابع.
ومن ذلك: "أبْهَمْت الباب: أغلقته وسددته.
والبَهيم: كل حيّ لا يميّز (كأنه مُغلَق لعدم وصول معافي كلامنا إليه، إذ لا يفهمه.
وكذلك لا نعلم نحن ما وراء ظاهره أو أصواته).
ومنه كلمة "بهيمة "، وليس في القرآن من التركيب غيرها.
"والأَبهم: الأعجم لعَدَم تبيّن ما يقول.
ومنه: طريق مُبْهَم: خفيّ لا يستبين.
واستبْهَم الأمرُ وأَبْهَمَ: استَغْلَق.
والبُهْمة - بالضم: الفارس الشجاع الذي لا يُدْرى من أين يُؤتَى من شدة بأسه (لا ثغرة فيه أوْ إليه) ".
° معنى الفصل المعجمي
٤٧ - إِبْهَام أيمنالجذر:ب هـ ممثال:هَذِه بصمة إبهامه الأيمنالرأي:مرفوضةالسبب:لمعاملة الكلمة معاملة المذكَّر، وهي مؤنثة.
الصواب والرتبة:-هذه بصمة إبهامه اليُمْنى [فصيحة]-هذه بصمة إبهامه الأيمن [صحيحة] التعليق:الأفصح في كلمة «إبهام» التأنيث، ولكن يجوز فيها التذكير، لما وَرَد في التاج: «الإبهام مؤنثة .
وحكى اللحياني أنها تذكَّر وتؤنث»، وفي اللسان: «الأفصح فيها التأنيث».
١٠٥٢ - انْبَهَمَالجذر:ب هـ ممثال:فسر ما انبهم على طلابهالرأي:مرفوضةالسبب:لأنها لم ترد في المعاجم.
الصواب والرتبة:-فَسَّر ما أَبْهَمَه على طلابه [فصيحة]-فَسَّر ما اسْتَبْهَمَ على طلابه [فصيحة]-فَسَّر ما انْبَهَمَ على طلابه [صحيحة] التعليق:أقرَّ مجمع اللغة المصري قياسية «انفعل» لمطاوعة «فَعَلَ» المتعدي الدال على معالجة حسيّة.
ولكن أورد ابن سيده في المخصص: «غَمَمْتُهُ فاغتم وانغم عربية»، وفي القاموس والتاج: «غمّه يغمه غمًّا فاغتم وانغم، حكاهما سيبويه»، وأجاز المجمع نفسه «انعدم» مطاوعًا لـ «عَدِمَ» غير الدال على معالجة حسيّة؛
وعلى هذا يجوز اشتقاق «انفعل» لمطاوعة «فَعَلَ» الثلاثي المتعدي غير الدال على معالجة حسيّة، ولكن «بَهَمَ» لم يرد ولهذا يمكن أن يكون «انبهم» مطاوعًا لـ «أبهم» على رأي ابن بري (وانظر: انجال).
١٣١٨ - بَهِيمالجذر:ب هـ ممثال:أَصْفَر بهيمالرأي:مرفوضةالسبب:لاستخدام الكلمة وصفًا لغير السواد.
الصواب والرتبة:-أصفر بهيم [فصيحة]-أصفر خالص [صحيحة] التعليق: «البهيم» صفة للون الخالص الذي لا يخالطه لون آخر، ففي اللسان: البهيم ما كان لونًا واحدًا لا يخالطه غيره، سوادًا كان أو بياضًا، وفي الوسيط: البهيم: الأسود.
ومن الألوان: ما كان لونًا واحدًا لاشية فيه.
بِهِمُ الرَّعاعَ والجُهَّالَ لأَنهم لَا يَنْتَفِعُونَ بالسَّمْع وَلَا بالنُّطْق كبيرَ منْفعةٍ فكأَنهم قَدْ سُلِبُوهُما؛
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:سَتكونُ فِتنةٌ صَمَّاءُ بَكْماءُ عَمْياءُ؛
أَراد أَنها لَا تَسْمَع وَلَا تُبْصِر وَلَا تَنْطِق فَهِيَ لِذَهَابِ حَواسِّها لَا تُدْرِك شَيْئًا وَلَا تُقلِع وَلَا تَرْتَفِع، وَقِيلَ: شَبَّههَا لاخْتِلاطِها وقَتْل الْبَرِيءِ فِيهَا والسَّقِيم بالأَصَمّ الأَخْرس الأَعمى الَّذِي لَا يَهْتَدِي إِلى شَيْءٍ، فَهُوَ يَخْبِطُ خَبْطَ عَشْواء.
التَّهْذِيبُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَة الكُفَّار: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ*؛
وَكَانُوا يَسْمَعون ويَنْطِقُون ويُبْصرون وَلَكِنَّهُمْ لَا يعُون مَا أَنزل اللَّهُ وَلَا يتكلَّمون بِمَا أُمروا بِهِ، فَهُمْ بمنزِلة الصُّمِّ البُكْمِ العُمْي.
والبَكِيمُ: الأَبْكَمُ، وَالْجَمْعُ أَبْكامٌ؛
وأَنشد الْجَوْهَرِيُّ:فَلَيْتَ لِساني كانَ نِصْفَيْنِ: مِنْهُمَا .
بَكِيمٌ ونِصفٌ عِنْدِ مَجْرَى الكَواكِبوبَكُمَ: انقَطع عَنِ الْكَلَامِ جَهْلًا أَو تَعَمُّداً.
اللَّيْثُ: وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذا امتنَع مِنَ الْكَلَامِ جَهْلًا أَوْ تَعمُّداً: بَكُمَ عَنِ الْكَلَامِ.
أَبو زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ: رجلٌ أَبْكَم وَهُوَ العَييُّ المُفْحَم، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الأَبْكَم الأَقْطَع اللِّسَانِ، وَهُوَ العَييُّ بالجَواب الَّذِي لَا يُحسِن وَجْهَ الْكَلَامِ.
ابْنُ الأَعرابي: الأَبْكَمُ الَّذِي لَا يَعْقِل الجَواب، وَجَمْعُ الأَبْكَم بُكْمٌ وبُكْمان، وَجَمْعُ الأَصَمِّ صُمٌّ وصُمَّانٌ.
) وَفِي نُسْخَة الأَصْل وَأَن زَمنا مضى أَي ذهب وانقضى (لَا يَعود) أَي لَا يرجع، لِأَنَّهُ محَال عقليّ، وَقيل: عاديّ، كرجوع الشَّبَاب عِنْد السُّبكي.
وَفِي عكس هَذَا قَالَ الشَّاعِر:(حَلَفَ الزَّمَانُ لَيَأْتِيَنَّ بِمِثْلِهِ .
إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَعَقِيمُ)وَفِي الْكَلَام اسْتِعَارَة ومجاز عَقْلِي والتزام بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَاو الرَّوِيّ فَإِنَّهَا غير وَاجِبَة كَمَا قرّر فِي مَحَله (فرَدَّ عَلَيْهِم) أَي على الشامتين والقائلين أَي رَجَعَ (الدهْر مُراغِماً) أَي ملاصقاً بالرُّغام أَي التُّرَاب، وَفِي نُسْخَة الأَصْل مُرْغِماً (أُنوفَهم) وَهُوَ كِنَايَة عَن كَمَال الإهانة (وتبيَّن) أَي ظهر (الْأَمر) أَي الشان (بالضّدّ) أَي بِخِلَاف مَا زعموه، أَوعُلُوم الْأَدَب، كَمَا نَص عَلَيْهِ شَيخنَا طَابَ ثراه، نقلا عَن ابْن الأنصاريّ، فيَلزم حِينَئِذٍ احتياجُ الشَّيْء إِلَى نَفسه وتوقُّفه عَلَيْهِ، وَالْجَوَاب ظاهرٌ بِأَدْنَى تأمُّل (والمعرِفة) هِيَ عبارَة عَمَّا يحصل بعد الجهلِ، بِخِلَاف الْعلم (بِوُجوهها) جمع وَجْه، وَهُوَ من الْكَلَام الطريقُ الْمَقْصُود مِنْهُ (والوُقوف) أَي الِاطِّلَاع (على مُثُلها) بِضَمَّتَيْنِ جمع مِثال، وَهُوَ صِفة الشَّيْء ومِقداره (ورُسُومها) جمع رَسْم بِالْفَتْح وَهُوَ الْأَثر والعلامة، ثمَّ إِن الضمائر كلهَا رَاجِعَة إِلَى اللُّغَة، مَا عدا الْأَخيرينِ، فَإِنَّهُ يحْتَمل عودُهما إِلَى الْوُجُوه، وَفِي التَّعْبِير بالمُثل والرُّسوم مَا لَا يخفى على الماهر من الْإِشَارَة إِلَى دُرُوسِ هَذَا العِلم وذَهابِ أَهله وأُصولِه، وَإِنَّمَا البارَع من يقف على الْمثل والرسوم (وَقد عُنِي) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فِي اللُّغَة الفصيحة، وَعَلَيْهَا اقْتصر ثعلبٌ فِي الفصيح، وَحكى صاحبُ اليواقيت الفَتحَ أَيْضا أَي اهتم (بِهِ) أَي بِهَذَا الْعلم (مِنَ السَّلَف) هم العلماءُ المتقدمون فِي الصدْر الأوّل من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأتباعهم (والخَلف) المتأخِّرون عَنْهُم والقائمون مَقامهم فِي النّظر وَالِاجْتِهَاد (فِي كُلِّ عَصْرٍ) أَي دهرٍ وزَمانٍ (عِصَابَة) الْجَمَاعَة من الرّجال مَا بَين العَشرة إِلَى الْأَرْبَعين، كَذَا فِي لِسَان الْعَرَب، وَفِي شمس الْعُلُوم: الْجَمَاعَة من الناسِ والخيلِ والطيرِ، والأنسب مَا قَالَه الْأَخْفَش: العُصْبة والعصابة الْجَمَاعَة لَيْسَ لَهُم واحدٌ (هُمْ أهلُ الْإِصَابَة) أَي الصَّواب أَي هم مستحقُّون: لَهُ ومستوجبون لحيازته، وَفِي الفقرتين لُزومُ مَا لَا يلْزم، وَذَلِكَ لأَنهم (أحْرَزوا) أَي حازوا (دَقَائِقَه) أَي غوامِضه اللطيفة (وأَبْرَزُوا) أَي أظهرُوا وَاسْتَخْرَجُوا بأفكارهم (حَقائقه) أَي مَا هِيَّاته الْمَوْجُودَة، وَفِي القوافي الترصيع وَلُزُوم مَا لَا يلْزم (وعَمَرُوا) مخفَّفا، كَذَا هُوَ مضبوط فِي نسخنا (دِمَنَه) جمع دِمْنة، وَهِي آثَار الدّيار وَالنَّاس (وفَرَعوا) بِالْفَاءِ كَذَا هُوَ مضبوطٌ، أَي صعدوا وعَلَوْا، وَفِي بعض النّسخ بِالْقَافِ وَهُوَ غلط (قُننه) جمع قُنَّة بِالضَّمِّ وَهِي أعلَى الْجَبَل (وقَنَصوا) أَي اصطادواوَقد سمعتهما من أشياخنا الْأَئِمَّة مرَّات، ورأيتهما بِخَط وَالِدي قدّس سرّه فِي مَوَاضِع من تقاييده، وسمعتهما مِنْهُ غير مرَّة، وَقَالَ لي إِنَّه قالهما لما قُرئ عَلَيْهِ كتاب الْقَامُوس:(مُذْ مَدّ مَجْدُ الدِّينِ فِي أَيَّامِهِ .
مِنْ بعْضِ أَبْحُرِ عِلْمِهِ القَامُوسَا)(ذَهَبَتْ صَحَاحُ الجَوْهَرِيِّ كأَنَّها .
سِحْرُ المدائِن حِينَ أَلْقَى مُوسَى)وَفِي بعض الرِّوَايَات " وَاحِد عصره " بدل " فِي أَيَّامه " و " فيض " بدل " بعض " و " أضحت " بدل " ذهبت ".
قلت: وَمثله أنشدنا الأديب البارع عُثْمَان بن عليٍّ الجبيلي الزَّبيدي والفقيه المفنّن عبد الله بن سُليمان الجرهزِي الشَّافِعِي إِلَّا أَنَّهُمَا نسباهما إِلَى الإِمَام شهَاب الدّين الردّاد، أنشدهما لما قُرئ عَلَيْهِ الْقَامُوس، وَنَصّ إنشادهما.
(مُذْ مَدّ مجدُ الدّين فِي أرجَائنا .
)وَفِي " القاموسا " و " ألْقى مُوسَى " جناس تَامّ، وَقد استظرَفَت أديبة عَصْرِها زَيْنَب بنت أَحْمد بن مُحَمَّد الحسنية المتوفاة بشهارة سنة ١١١٤ إِذْ كتبت إِلَى السَّيِّد مُوسَى بن المتَوَكل تطلب مِنْهُ الْقَامُوس فَقَالَت:(مَوْلَاي مُوسَى بالذِي سَمَكَ السَّمَا .
وبِحَقِّ مَنْ فِي اليَمِّ أَلْقَى مُوسَى)(أُمْنُنْ عليّ بِعَارَةٍ مَرْدُودَةٍ .
واسْمَح بفضْلِك وابْعَثِ القَامُوسَا)قَالَ شَيخنَا: وَقد رَدّ على القَوْل الأوّل أديبُ الشأْم وصُوفِيّه شيخ مَشَايِخنَا العلاّمة عبدُ الْغَنِيّ بن إِسْمَاعِيل الكِناني الْمَقْدِسِي الْمَعْرُوف بِابْن النابُلسي، قدس سره، كَمَا أسمعنا غيرُ واحدٍ من مَشَايِخنَا الْأَعْلَام عَنهُ:(مَنْ قَال قَدْ بَطَلَتْ صِحَاحُ الجَوْهَرِي .
لَمَا أَتى القَامُوسُ فَهْوَ المُفْتَرِي)(قُلْتُ اسْمُه القَامُوسُ وَهْوَ البَحْرُ إنْ .
يَفْخَرْ فَمُعْظَمُ فَخْرِه بالجَوْهَرِي)(قلت) وأصل ذَلِك قَول أبي عبد الله رَحمَه الله:وَصفه، وَقد أطلقت الْعَرَب هَذَا اللَّفْظ عَلَيْهِ، فَصَارَ علَماً عَلَيْهِ، وَهُوَ حَال من فَاعل يضطرب (لَو أَتحَفَه) أَي الْبَحْر الممدوح (المرْجَان) هُوَ كبار اللُّؤْلُؤ أَو صغاره، على اخْتِلَاف فِيهِ (أَو أنفَذَ) أَي الْبَحْر أَي أمضى وأوصل (إِلَى البحرَيْن) مَوضِع بَين الْبَصْرَة وعُمَان، مَشْهُور بوجدان الْجَوَاهِر فِيهِ، وَقد أبدع غَايَة الإبداع بقوله (أعنِي يَدَيْه) الفائقتين (الجواهِرَ الثِّمان) مَنْصُوب على المفعولية، أَي وَلَو أتحف الْجَوَاهِر المثمنة الغالية، وَفِي الْأَوليين مَعَ الْأَخِيرَة الِالْتِزَام، وَفِي الثَّانِيَة الِاسْتِعَارَة التصريحية أَو التخييلية، بِحَسب إِعْمَال الصَّنْعَة فِي تَشْبِيه الْبَحْر بِرَجُل يقوم برسم الْخدمَة، فَيذْهب مَاء وَجهه على أَي وَجه استعملته، وَفِي الثَّالِثَة التوْرِية فِي الرجَّاف، وَفِي الرَّابِعَة الِاسْتِخْدَام ولطافة التورية (لَا زالتْ حضرَتُه) أطلقوها على كل كَبِير يحضر عِنْده النَّاس فَقَالُوا: الحضرة الْعَالِيَة تَأمر بِكَذَا، كَمَا قَالُوا: الْمقَام السَّامِي، والجناب العالي (الَّتِي هِيَ جَزيرةُ بحرِ الجُودِ) والجزيرة بقْعَة ينحسر عَنْهَا المَاء وينجزر وَيرجع إِلَى خلف (منْ خالداتِ الجزائر) أَي من الْبَاقِيَات إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، لما فِيهَا من النَّفْع بصاحبها وَفِيه التورية العجيبة بالجزائر الخالدات، وَهِي جزائر السعادات، يذكرهَا المنجمون فِي كتبهمْ، وَيَأْتِي ذكرهَا فِي مادّتها (و) لَا زلت (مَقرَّ أُناس يُقابِلون) أَي يواجهون أَو يعارضون (الخَرَزَ) محركةً هُوَ الْحجر الَّذِي ينظم كَاللُّؤْلُؤِ (المحمولَ إِلَيْهَا) أَي الحضرة (بأَنفَسِ الْجَوَاهِر) أَي الْبَالِغَة فِي النفاسة، وَهُوَ دُعَاء لَهُ بِالْبَقَاءِ على جِهةِ الخلود، وَأَنه يَخلُف من يقوم مَقامه فِي حَضرته، فَلَا تزَال مقرًّا للموصوفين بِمَا ذُكر، وَفِي الْكَلَام مُبَالغَة وتورية (وَيرْحَم الله عبدا قَالَ آمينا) ضمن الدُّعَاء كَلَامه، لكَمَال الاعتناء باستجابته، وَالرَّغْبَة فِي حُصُول ثَمَرَته، لِأَن كل من سمع هَذَا الدُّعَاء فَإِنَّهُ يَأْتِي بالتأمين رَغْبَة فِي الرَّحْمَة، فَيحصل الْمَطْلُوب، قَالَ شَيخنَا: وَهُوَ شطر من شعر رَوَاهُ صَاحب الحماسةلِلْقِتَالِ، أَو أوّل من يَحمِل من الرَّجَّالة، وجَعْلُه بِمَعْنى مَا يغْرَس من الكَرْم فِي أُصولِ الشجرِ العِظام، أَو بِمَعْنى جماعةٍ عادِيَة أَو ظالِمة فيأْباه الطبعُ السليمُ، مَعَ مَا يَرِد على الأوَّلِ من أَن فاعِلاً فِي صِفات المُذكَّر لَا يُجْمع على فَوَاعل، كَمَا هُوَ مُقرَّر فِي مَحَله (بالكَرَمِ) أَي بالفَضْلِ (المُمادى) الدَّائِم والمستمرّ البالِغ الْغَايَة، وَفِي بعض النّسخ المُتمادى، بِزِيَادَة التَّاء، وَهُوَ الظَّاهِر فِي الدِّرَايَة، لشُيُوعِ " تمادَى " على الْأَمر إِذا دَامَ واستمرَّ دون " مَادَى " وَإِن أثْبته الْأَكْثَرُونَ، والأُولَى هِيَ الْمَوْجُودَة فِي الرَّسوليَّة (ومُجْرى) من الجَرْيِ وَهُوَ المرُّ السَّرِيع أَي مُسِيل (الأَوْداء) جمع وادِ، وَالْمرَاد مَاؤُهُ مجَازًا، ثمَّ المُرَاد الإحسانات والتفضُّلات، فَهُوَ من الْمجَاز على الْمجَاز، ثمَّ ذَكَر العَيْنَ فِي قَوْله (مِنْ عَيْن العَطاءِ) تَرشيحاً للمجاز الأوَّل اسْتِقْلَالا وَللثَّانِي تَبعاً، وَمثل هَذَا الْمجَاز قَلَّمَا يُوجَد إِلَّا فِي كَلام البُلغاء، والعطاءُ بِالْمدِّ والقَصْر نَوْلُكَ السَّمْحُ وَمَا يُعْطَى، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (لكل صادى) أَي عَطْشان، وَالْمرَاد هُنَا مُطلَق المحتاجِ إِلَيْهَا والمشتاق لَهَا، قَالَ شَيخنَا: وَفِي الْفَقْرَة تَرْصِيع السَّجْع (باعِث) تَجوزُ فِيهِ الأوْجُه الثَّلَاثَة، والاستئناف أوْلَى فِي المَقام، لِعِظمِ هَذِه النِّعمة، وَالْمعْنَى مُرْسل (النبيِّ الْهَادِي) أَي المرشِد لعباد الله تَعَالَى، بدُعائهم إِلَيْهِ، وتعريفهم طرِيقَ نَجاتهم (مُفْحِماً) أَي حالةَ كَونه مُعجِزاً (بِاللِّسَانِ الضادِي) أَي العربيّ، لِأَن الضَّاد من الحُروف الخاصَّة بلغَة الْعَرَب (كُلَّ مُضَادِي) أَي مُخالِف ومُعانِد ومُعارِض، من ضَادَاه، لُغَة فِي ضَادَّه، وَضبط ابْن الشحْنة، والقَرافي، بالصَّاد الْمُهْملَة فيهمَا، فالصَّادي من صَاداه إِذا دَاجَاه ودَارَاه وسَاتَرَه، والمُصادِي من صَدّه يَصُدُّه إِذا مَنعه، والمُصادِي: المُعارض، ويُخالفان النقْلَ الصحيحَ المأْخوذ عَن الثِّقاتِ، مَعَ أَن فِي الثَّانِي خَلْطاً بَين بابَي المُعتلِّ والمُضاعَف، كَمَا هُوَ ظاهرٌ، وَبَين الضادي والمضادي جِناسٌ كَمَا هُوَ بيِّنٌ مفحماً (ومُفَخَّماً) أَي وَحَالَة كَونه مُعظَّماً ومُبجَّلاً جَزْلَ المنطِقِ (لَا تَشِينه) أَي لَا تَعِيبه مَعَ فخامتِه وحُسْنِ كلامِهأَي تتبختر وتتكبَّر (بِهِ الألسنُ لَا الأغصن) جمع غُصن، على المشاكلة، فَإِن الْقيَاس على مَا سَيَأْتِي فِي جمع غُصْن غصون وغِصنَة كقِرطَة وأغصان (ويُطلِع) بِضَم حرف المضارعة أَي يُظهِر (طَلْعَهُ) أَي ثمره السادات وَالْعُلَمَاء من (البَشَر لَا الشّجر) فَإِنَّهُ جامد، والطَّلع بِالْفَتْح شَيْء يخرج كَأَنَّهُ نَعْلَانِ مُطبقان، وَالْحمل بَينهمَا منضود الطَّرَف، مَحْدُود، وأُريد بِالشَّجَرِ النّخل، وَقد ثَبت عَن الْعَرَب تَسْمِيَة النّخل شَجرا، قَالَه الزّجاج وَغَيره، وَمِنْه الحَدِيث المرويّ فِي الصَّحِيحَيْنِ " إِن من الشّجر شَجَرَة لَا يَسقط وَرَقها، وَإِنَّهَا لمثلُ الْمُؤمن، أخبروني مَا هِيَ " فَوَقع النَّاس فِي أَشجَار الْبَوَادِي، فَقَالَ: " أَلا وَهِي النَّخْلَة " وَقَالَ شَيخنَا: وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْمُعْتَبر فِي الْعُلُوم هُوَ حملهَا عَن الرِّجَال ومشافهتهم بضبطها وإتقانها، لَا الْأَخْذ من الأوراق والصحف، فَإِنَّهُ ضلال مَحْضٌ، وَلَا سِيمَا المنقولات الَّتِي لَا مَجال لِلْعَقْلِ فِيهَا، كَرِوَايَة اللُّغَة والْحَدِيث الشريف، فَإِنَّهُمَا يتسلط عَلَيْهِمَا التَّصْحِيف والتحريف، وخصوصاً فِي هَذَا الزَّمَان، فالحذر الحذر.
قلت: وَقد عقد السُّيُوطِيّ لهَذَا بَابا مستقلاًّ فِي المزهر فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَخْذ والتحمُّل فراجعْه.
وَفِي الْفَقْرَة جناس الِاشْتِقَاق والتلميح لحَدِيث ابْن عمر الْمُتَقَدّم ذكره، وَزَاد فِي الأَصْل بعد قَوْله الشّجر: ويسمح بجَناه الجنَان لَا الجِنَّان (ويجلوه) أَي يظهره ويكشف عَن حَقِيقَته (المنطِق السَّحَّار) أَي الْكَلَام الَّذِي يسحر السامعين لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة السحر الْحَلَال (لَا الأسحار) جمع سحر، وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي يكون قبل طُلُوع الْفجْر، وَخص لتوجه القرائح السيالة فِيهِ للمنثور من غرائب الْعُلُوم والمنظوم، وَفِي الْفَقْرَة جناس الِاشْتِقَاق، وَزَاد فِي الأَصْل بعد هَذَا وتحلّ عقدته يدُ الإفصاح، لَا ناسم الإصياح، ويكسوه شعاعه الذَّكاء لَا ذُكَاء، ويهيج الطَّبْع وَلَا يكَاد يهيج، ويرف نَضارَة إِن ذَوَى الزهرُ البهيج (تُصان) وَفِي الأَصْل يُصان (عَن الخَبْطِ) أَي تحفظ عَن السُّقُوط (أوراقٌ عَلَيْهَا اشتملَتْ) أَي التفَّتفَوَائِد يَأْتِي ذكرهَا، وأقربها أَنه أَحْيَانًا يزن الْكَلِمَة الْوَاحِدَة بزُفر وصُرَد، وَكِلَاهُمَا مَشْهُور بِضَم أوّله وَفتح ثَانِيه، فَيظْهر أَنه تكرارٌ، وَهُوَ يُشِير بِالْوَزْنِ الأول إِلَى أَنه علم فَيعْتَبر فِيهِ الْمَنْع من الصّرْف، وَبِالثَّانِي إِلَى أَنه جنس لم يُقْصد مِنْهُ تَعْرِيف، فَيكون نكرَة فيُصرف، وَكَذَلِكَ يزِن تَارَة بسحاب وقطام وثمان وَمَا أشبه ذَلِك.
وَمِنْهَا: أَنه إِنَّمَا يعْتَبر الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة فِي الْكَلِمَات دون الزَّوَائِد، وَمن ثمَّ خَفِي على كثير من النَّاس مُرَاجعَة أَلْفَاظ مزيدة فِيهِ، نَحْو التَّوْرَاة وَالتَّقوى، وَكثير من النَّاس يحاجي وَيَقُول: إِن المُصَنّف لم يذكر التَّقْوَى فِي كِتَابه، أَي بِنَاء على الظَّاهِر.
وَمِنْهَا أَنه عِنْد تصدّيه لذكر الجموع أَيْضا يقدم الْمَقِيس مِنْهَا على غَيره فِي الْغَالِب، وَقد يهمل الْمَقِيس أَحْيَانًا اعْتِمَادًا على شهرته، كالبوادي، وَقد يتْرك غَيره سَهوا، كَمَا نبينه.
وَمِنْهَا: أَنه يقدم الصِّفات المقيسة أوّلاً ثمَّ يتبعهَا بغَيْرهَا من الْمُبَالغَة أَو غَيرهَا، ويعقبها بِذكر مؤنثها بِتِلْكَ الأوزان أَو غَيرهَا، وَقد يفصل بَينهمَا، فيذكر أوّلاً صِفَات الْمُذكر، ويتبعها بمجموعها، ثمَّ يذكر صِفَات الْمُؤَنَّث، ثمَّ يتبعهَا بمجموعها، على الْأَكْثَر.
وَمِنْهَا: أَنه اخْتَار اسْتِعْمَال التحريك ومحرَّكا فِيمَا يكون بِفتْحَتَيْنِ، كجبَلٍ وفَرَح، وَإِطْلَاق الْفَتْح أَو الضَّم أَو الْكسر على المفتوح الأوّل فَقَط أَو المضموم الأوّل فَقَط، أَو المكسور الأوّل فَقَط، وَهُوَ اصطلاحٌ لكَثير من اللغويين.
فَهَذِهِ نَحْو عشرَة أُمور إِنَّمَا تُؤْخَذ من الاستقراء والمعاناة، كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ.
انْتهى.
(ثمَّ إِنِّي نبّهت فِيهِ) أَي الْقَامُوس (على أشياءَ) وأُمورٍ (رَكِبَ) أَي ارْتكب إِمَام الْفَنّ أَبُو نصر (الجوهريّ رَحمَه الله تَعَالَى) وَهِي جملَة دعائية (فِيهَا خلافَ الصَّواب) وغالب مَا نبّه عَلَيْهِ فَهُوَ من تكمِلة الصَّاغَانِي وحاشية ابْن بَرِّي وَغَيرهمَا، وللبدر الْقَرَافِيّ بَهجة النُّفُوسالشّحْنَة والقرافي وَغَيرهمَا أَن نُسْخَة المؤلّف الَّتِي بِخَطِّهِ لَيْسَ فِيهَا شَيْء من هَذِه، وَإِنَّمَا فِيهَا بعد قَوله حَلَب العواديوَمثله فِي نُسْخَة نقيب الْأَشْرَاف السَّيِّد مُحَمَّد ابْن كَمَال الدّين الحُسيني الدِّمشقي، الَّتِي صححها على أُصول المشرف، وَالْمرَاد من الصَّلَاة عَلَيْهِ، زيادةُ التشريف والتعظيم، والتسليمُ والسلامُ: التَّحِيَّة والأمان (وعَلى آله) هم أقاربُه الْمُؤْمِنُونَ من بني هَاشم فَقَط، أَو والمطَّلب، أَو أَتْبَاعه وَعِيَاله، أوكُلّ تقيٍّ، كَمَا ورد فِي الحَدِيث، وَأما الْكَلَام على اشتقاقه وَأَن أصلَه أهلٌ كَمَا يَقُول سِيبويه، أَو أوّل كَمَا يَقُول الكسائيُّ، والاحتجاج لكل من الْقَوْلَيْنِ، وترجيح الرَّاجِح مِنْهُمَا، وَغير ذَلِك من الأبحاث الْمُتَعَلّقَة بذلك، فأَمرٌ كفَتْ شُهرته مُؤْنَة ذكره (وأصحابِه) جمع صَاحِب كناصِر وأنصار، وَهُوَ مَن اجْتمع بالنبيّمُؤْمِناً بِهِ وَمَات على ذَلِك (نُجومِ) جمع نجْم وَهُوَ الْكَوْكَب (الدَّآدِى) جمع دَأْدَاءٍ بِالدَّال والهمزة، وسُهِّل فِي كَلَام الْمُؤلف تَخْفِيفًا وَهِي اللَّيَالِي الْمظْلمَة جدًّا، وَمِنْهُم مَن عَيَّنها فِي آخر الشَّهْر، وسيأْتي الْخلاف فِي مادَّته (بُدُورِ) جمع بَدْرٍ هُوَ القمَر عِنْد الْكَمَال (القَوَادي) بِالْقَافِ فِي سَائِر النّسخ، جمع قادِية، من قَدِيَ بِهِ كَرَضِي إِذا استَنَّ واتَّبَع القُدْوَة، أَو مصدر بِمَعْنى الِاقْتِدَاء، كالعافية والعاقِبة، وَيجوز أَن يكون جمع قُدْوَة وَلَو شذوذاً بِمَعْنى المُقتدَى بِهِ، أَو الِاقْتِدَاء، قَالَه شَيخنَا، وَالْمعْنَى أَي النُّجُوم المضيئة الَّتِي بهَا يهتدِي الحائرُ فِي اللَّيْل البهيم، وَهِي صِفة للآلِ.
وبُدور: الْجَمَاعَات الَّتِي يُقتدى بأنوارهم، وأضوائهم، وَهِي صِفةٌ للأصحاب، وَالْمرَاد أَن الضالَّ يهتدِي بهم فِي ظلمات الضلالات، كَمَا يَهْتَدِي المسافرُ بالنجوم فِي ظلمات البرِّ وَالْبَحْر، للطريقِ الموَصِّلة إِلَى القَصْد، وَمِنْه قَوْلُ كثيرٍ من العارفين فِي استعمالاتهم: وعَلى آلِهِ نُجومِ الاهتداءِ وبُدُورِ الِاقْتِدَاء.
وَقَالَ شَيخنَا: وَبِهَذَا ظَهَرالشواهد على ذَلِك، وَنَقله كَلَام أهل الْفَنّ دون تصرف فِيهِ، وَغير ذَلِك من المحاسن الَّتِي لَا تُحْصَى، وَقد رزقه الله تَعَالَى شُهرة فاق بهَا كلَّ من تقدمه أَو تأخّر عَنهُ، وَلم يَصل شَيْء من المصنَّفات اللُّغَوِيَّة فِي كَثْرَة التداول والاعتماد على مَا فِيهِ مَا وصل إِلَيْهِ الصِّحَاح، وَقد أنْشد الإِمَام أَبُو مَنْصُور الثعالبي لأبي مُحَمَّد إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن عَبدُوس النَّيْسَابُورِي:(هذَا كِتَابُ الصَّحَاح سَيِّدُ مَا .
صُنِّفَ قَبْلَ الصّحَاح فِي الأدبِ)(تَشمَلُ أبوابُهُ وتَجْمَعُ مَا .
فُرِّقَ فِي غَيْرِه مِنَ الكُتُبِ)(غير أَنه) أَي الصِّحَاح قد (فاتَه) أَي ذَهب عَنهُ (نِصف اللغةِ) كَذَا فِي نُسْخَة مكّية، وَفِي الناصِرِيّة على مَا قيل ثُلثا اللُّغَة (أَو أَكثر) من ذَلِك، أَي فَهُوَ غير تَامّ، لفَوَات اللُّغَة الْكَثِيرَة فِيهِ.
قَالَ شَيخنَا: وصريح هَذَا النَّقْل يدلّ على أَنه جمع اللُّغَة كلهَا وأحاط بأَسرها، وَهَذَا أَمر متعذّر لَا يُمكن لأحد من الْآحَاد إِلَّا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام.
قلت: وَقد تقدم فِي أوّل الْكتاب نصُّ الإِمَام الشافعيّ رَضِي الله عَنهُ فِيهِ، فَإِذا عرفت ذَلِك ظهر لَك أَن ادِّعاءَ المصنّف حَصْر الْفَوات بِالنِّصْفِ أَو الثُّلثَيْنِ فِي غير محلّه، لِأَن اللُّغَة لَيْسَ يُنال مُنتهاها، فَلَا يُعرَف لَهَا نِصف وَلَا ثُلث، ثمَّ إِن الجوهريّ مَا ادّعى الْإِحَاطَة، وَلَا سَمَّى كِتَابه الْبَحْر وَلَا الْقَامُوس، وَإِنَّمَا الْتزم أَن يُورد فِيهِ الصَّحِيح عِنْده، فَلَا يلْزمه كل الصَّحِيح، وَلَا الصَّحِيح عِنْد غَيره، وَلَا غير الصَّحِيح، وَهُوَ ظَاهر، انْتهى.
ثمَّ بيّن وَجه الْفَوات فَقَالَ (إِمَّا بإهمال) أَي ترك (المادّة) وَهِي حُرُوف اللَّفْظ الدالّ على الْمَعْنى، وَالْمرَاد عدم ذكرهَا بالكلّيّة (أَو بترك الْمعَانِي الغَريبة) أَي عَن كثير من الأفهام، لعدم تداولها (النّادّة) أَي الشارِدة النافِرة (أَردْت أَن يَظهر) أَي ينْكَشف (للناظِر) المتأمّل (بَادِيَ) مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة مُضَاف إِلَى (بَدَا) أَي أوّل كل شَيْء قبل الشُّرُوع فِي غَيره (فَضْلُ كِتابي هَذَا عَلَيْهِ) أَي الصِّحَاحهُوَ الصَّغِير الَّذِي يَرضع أُمَّه، وَالْمعْنَى أَن كلّ من يتعاطَى العلومَ من الشُّيُوخ والمتوسِّطين والمبتدِئِين، أَو كلُّ، من من الأقوياء والضعفاء والصِّغار والكبار، فَإِن علم اللُّغَة هُوَ المتكفِّل بِإِظْهَار الْأَسْرَار، وإبراز الخفايا، لافتقارِ الْعُلُوم كلِّها إِلَيْهِ، لتوقف المرَكّبَات على الْمُفْردَات لَا محَالة، وَفِي الْفقر صناعةٌ أدبيَّةٌ وحُسْن الْمُقَابلَة (وَإِن بَيان الشَّريعةِ) فَعِيلة بِمَعْنى مَفعولة هِيَ مَا شرع اللهُ لِعِبَادِهِ كالشَّرْع بِالْفَتْح، وحقيقتها وَضْع مَا يتعَرَّف مِنْهُ العبادُ أحكامَ عقائدهم وأفعالهم وأقوالهم، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ صَلاحُهم (لَمّا كَانَ مَصْدَرُه) الضَّمِير يرجع للْبَيَان، أَو إِلَى الشَّرِيعَة لتأويلها بالشرْع، والمصدر مَفْعَل من الصُّدور وَهُوَ الْإِتْيَان (عَن لِسان الْعَرَب) كَذَا فِي نُسْخَة الشّرف الْأَحْمَر، وَفِي أُخرى " على " بدل " عَن " عَلَى أَن الصُّدور بِمَعْنى الِانْصِرَاف عَن الوِرْد، وَكِلَاهُمَا صَحِيحَانِ وَقد يكون الصُّدور بِمَعْنى الرُّجوع عَن المَاء، وَحِينَئِذٍ يتعدَّى بإلى، وَاللِّسَان هُوَ اللُّغَة أَو الجارِحة، والعرَب - على مَا حقَّق النَّاصِر اللقائيُّ فِي حَوَاشِي التصريف - هم خِلاف الْعَجم، سَوَاء سكنوا البوادِيَ أَو القُرَى، والأعراب سُكان البَوادِيَ، سَوَاء تكلَّموا بالعربيَّة أَولا، فبينهما عمومٌ وخُصوص من وَجْهٍ، فَلَيْسَ الثَّانِي جمعا للْأولِ، انْتهى.
وَفِي الْمُخْتَار: الْعَرَب جِيلٌ من النَّاس، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم عربٌّ ي، وهم أَهُل الْأَمْصَار، والأعرابُ هم سُكَّان البَوادِي خاصَّةً، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم أعرابيٌّ فَهُوَ اسْم جنس، انْتهى، وَسَيَأْتِي لذَلِك مزيدُ إِيضَاح فِي مادته، وَهُنَاكَ كلامٌ لشَيْخِنَا وَغَيره، وَالْجَوَاب عَن إيراداته، قلت: وَمن هُنَا سَمَّى ابنُ منظورٍ كتابَه لِسانَ الْعَرَب، لِأَنَّهُ مُتَضَمّن لبيانِ لُغاتِهم، لَا على سَبِيل الْحصْر بل بِمَا صحَّ عندَه (وَكَانَ العَملُ) هُوَ الفِعل الصَّادِر بالقصْد، وغالبُ اسْتِعْمَاله فِي أَفعَال الْجَوَارِح الظَّاهِرَة (بمُوجبه) الضَّمِير للْبَيَان أَو الشَّرِيعَة حَسْبَمَا تقدم، وَالْعَمَل بِالْمُوجبِخَاتِمَة الْمُحَقِّقين جمال الدّين مُحَمَّد بن الصدّيق بن إِبْرَاهِيم الْخَاص السراج الْحَنَفِيّ الزبيدِيّ قَالَ: أخبرنَا الْعَلامَة شرف الدّين أَبُو الْقَاسِم بن عبد الْعَلِيم ابْن إقبال القَرْيتي الْحَنَفِيّ الزبيدِيّ، عَن الإِمَام الْمُحدث الْأَصِيل زين الدّين أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد اللَّطِيف الشرجي الْحَنَفِيّ الزبيدِيّ قَالَ: قرأْته على الْمُؤلف.
وَهَذَا السَّنَد كَمَا ترى مُسلسل بالحنفية وبالزَّبيدِيين، وَأَجَازَ شيخَنا المذكورَ فِيهِ أَيْضا شيخُ الْجَمَاعَة الشريف عماد الدّين يحيى بن عمر ابْن عبد الْقَادِر الحُسيني الْحرار الزبيدِيّ، أَخبرنا الْمُحدث اللّغَوِيّ الْفَقِيه حسن ابْن عَليّ بن يحيى الْحَنَفِيّ الْمَكِّيّ، أخبرنَا عبد الرَّحِيم بن الصدّيق الْخَاص عَالِيا.
ح وأجازني بِهِ أَيْضا شَيْخي الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد، ابْن الشَّيْخ عَلَاء الدّين بن عبد الْبَاقِي المزجاجي، عَن وَالِده، عَن أَخِيه عفيف الدّين عبد الله، عَن الْعَلامَة عبد الْهَادِي بن عبد الْجَبَّار بن مُوسَى بن جُنَيْد الْقرشِي، عَن الْعَلامَة برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن جعمان، عَن الشريف الطَّاهِر ابْن حُسَيْن الأهدل، قَالَ: أخبرنَا شَيخنَا الْحجَّة وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن ابْن عَليّ بن الديبع الشَّيْبَانِيّ الزبيدِيّ.
ح وَأخْبرنَا شَيخنَا الْمُحدث الأُصولي اللّغَوِيّ نادرة الْعَصْر أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن مُوسَى الشرفي الفاسي نزيل طَيْبَة طَابَ ثراه فِيمَا قُرِئ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِع مِنْهُ وَأَنا أسمع ومناولة للْكُلّ سنة ١١٦٤ قَالَ: قرأته قراءةَ بحثٍ وإتقان على شَيخنَا الإِمَام الْكَبِير أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَنَاوِيّ، والعلامة أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الشاذلي، وَسمعت كثيرا من مباحثه وموادّه على شَيخنَا الْبركَة نحوِيِّ العصرِ ولُغوِيِّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الوجاري الأندلسي، الثَّلَاثَة عَن الشَّيْخ الْمسند أبي عبد الله مُحَمَّد الصَّغِير، ابْن الشَّيْخ الْحَافِظ أبي زيد عبد الرَّحْمَن، ابْن الإِمَام سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي، عَن الإِمَام مُحَمَّد بن أَحْمد الفاسي،فِي اللُّغَة (من الْكتب الفاخِرَة) الجيّدة أَي زِيَادَة على مَا ذُكِر من العُباب والمحكم والصحاح من مؤلّفات سائرِ الْفُنُون، كالفقه والْحَدِيث والأُصول والمنطق وَالْبَيَان وَالْعرُوض والطب وَالشعر ومعاجم الروَاة والبلدان والأمصار والقرى والمياه وَالْجِبَال والأمكنة وَأَسْمَاء الرِّجَال والقصص وَالسير، وَمن لُغَة الْعَجم، وَمن الاصطلاحات وَغير ذَلِك، فَفِيهِ تفخيم لشأن هَذَا الْكتاب، وتعظيم لأَمره وسَعَته فِي الْجمع والإحاطة (ونَتيج) بِفَتْح النُّون وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة، هَكَذَا فِي النّسخ الَّتِي بِأَيْدِينَا، كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ النتيجة أَي حَاصِل وثَمرَة (ألفَيْ) بالتثنية أَيْضا (قَلَمَّس) محركة مَعَ تَشْدِيد الْمِيم أَرَادَ بِهِ الْبَحْر (من العيَالم) جمع عَيْلَم كصَيْقَل، هُوَ الْبَحْر (الزاخِرة) الممتلئة الفائضة، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن تِلْكَ الْكتب الَّتِي مادّة كِتَابه مِنْهَا لَيست من المختصرات، بل كل وَاحِد مِنْهَا بَحر من الْبحار الزاخرة، وَفِي نُسْخَة: سَنِيح بِالسِّين الْمُهْملَة وَكسر النُّون وَفِي آخِره حاء، أَي جَوْهَر ألفى كتاب أَي مختارها وخالصها، وَقد أورد الْقَرَافِيّ هُنَا كلَاما، وتكلَّف فِي بَيَان بعض النّسخ تفقّهاً، لَا نقلا من كتاب، وَلَا سَمَاعا من ثِقة، وَقد كفانا شيخُنا رَحمَه الله تَعَالَى مُؤْنَة الردّ عَلَيْهِ، فراجع الشَّرْح إِن شِئْت، وَفِي الْفَقْرَة زِيَادَة على الْمجَاز الْتِزَام مَا لَا يلْزم (واللهَ) الْعَظِيم (أَسأَلُ) لَا غيرَه (أَن يُثِيبَني) أَي يعطيني (بِهِ) أَي الْكتاب أَي بِسَبَبِهِ (جَميلَ الذِّكر فِي الدُّنيا) وَهُوَ الثَّنَاء بالجميل، وَقد حصل، قَالَ الله تَعَالَى {وَاجعَل لي لِسَان صدق فِي الآخرين} فسَّره بَعضهم بالثناء الْحسن، قَالَ ابْن دُرَيْد:(وإنَّما الْمَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ .
فَكُنْ حَدِيثاً حَسَناً لِمَنْ وَعَى)وَإِنَّمَا رجا شكر الْعباد لِأَنَّهُ تقرَّر أَن ألسِنة الخلْق أَقْلَام الْحق، وَلقَوْله" مَنْ أَثنَيْتُم عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ " وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ شكر الْعباد(لله قاموسٌ يَطيبُ وُرُودُه .
أَغْنَى الوَرَى عَنْ كُلِّ مَعْنًى أَزْهَرِ)(نَبَذ الصحاحَ بلَفظه والبَحْر مِن .
عَادَاته يُلْقِي صحَاحَ الجَوْهَرِي)ونُقل من خطّ المجدِ صاحِبِ الْقَامُوس قَالَ: أنشدنا الفقيهُ جمالُ الدّين مُحَمَّد ابْن صباح الصباحيّ لنَفسِهِ فِي مدح هَذَا الْكتاب:(مَنْ رَامَ فِي اللُّغَةِ العُلُوَّ عَلَى السُّهَا .
فَعَلَيْه مِنْهَا مَا حَوى قامُوسُهَا)(مُغْنٍ عَنِ الكُتُبِ النَّفيسَةِ كُلِّها .
جَمَّاعُ شَمْلِ شَتِيتِهَا نامُوسُهَا)(فَإذا دَوَاوِينُ العُلُومِ تَجَمَّعَتْ .
فِي مَحْفِلٍ للدَّرْسِ فَهْوَ عَرُوسُهَا)(للهِ مَجْدُ الدِّينِ خَيْرُ مُؤَلِّفٍ .
مَلَك الأئمَّةَ وافتَدَتْه نُفُوسُها)وَوجدت لبَعْضهِم مَا نصّه:(ألَا لَيْسَ مِنْ كُتْبِ اللُّغاتِ مُحَقَّقًا .
يُشَابِهُ هذَا فِي الإحاطَةِ والجَمْعِ)(لَقَدْ ضَمَّ مَا يَحْوِي سِوَاهُ وفَاقَه .
بِما اختَصَّ مِنْ وَضْعٍ جَمِيلٍ وَمن صُنْعِ)(وَلما رأيتُ إقبال الناسِ) أَي توجُّه خاطِرِ عُلَمَاء وقته وَغَيرهم بالاعتناء الزَّائِد والاهتمام الكثيرِ (على صِحاح) الإِمَام أبي نصر إِسْمَاعِيل بن نصر بن حَمّاد (الجوهريِّ) لِبيع الْجَوْهَر، أَو لحسن خَطِّهِ أَو غير ذَلِك، الفارابيّ نِسبةً إِلَى مَدِينَة بِبِلَاد التّرْك، وَسَيَأْتِي فِي ف ر ب من أذكياء الْعَالم، وَكَانَ بخطِّه يُضرَب الْمثل، توفّي فِي حُدُود الأربعمائة، على اخْتِلَاف فِي التَّعْيِين، اختُلِف فِي ضَبْط لفظ الصِّحَاح، فالجاري على ألسِنة النَّاس الْكسر، ويُنكرون الفَتح، ورَجّحه الْخَطِيب التبريزي على الْفَتْح، وأَقرَّه السُّيُوطِيّ فِي المزهر، وَمِنْهُم من رجَّح الْفَتْح، قَالَ شَيخنَا: وَالْحق صِحَّة الرِّوَايَتَيْنِ وثبوتُهما من حَيْثُ الْمَعْنى، وَلم يرد عَن الْمُؤلف فِي تَخْصِيص أحدِهما بالسَّند الصَّحِيح مَا يُصار إِلَيْهِ وَلَا يُعْدل عَنهُ (وَهُوَ) أَي الْكتاب أَو مُؤَلفه (جَدِير) أَي حَقيق وحَرِيّ (بذلك) الإقبال، قَالَ شَيخنَا: وَقد مدحه غيرُ وَاحِد من الأفاضل، ووصفوا كِتابه بالإجادة، لالتزامه الصَّحِيح، وبَسْطه الْكَلَام، وإيرادهعبارَة الأَصْل (أفادَتْها) أَي أعطتها (مَيَامِنُ) أَي بَرَكَات (أنفاسِ المُستَجِنّ) أَي الْمُسْتَتر وَالْمرَاد بِهِ المقبور (بَطَيْبَةَ) وَهِي الْمَدِينَة المشرَّفة (طِيباً) أَي لذاذةً وعِطْرًا، وَالْمرَاد بِهِ النَّبِي(فشَدَتْ) أَي غَنَّت ورَنَّمت (بهَا) أَي اللُّغَة (أيْكيَّةُ النُّطْق) هِيَ الْحَمَامَة وَنَحْوهَا من الطُّيُور الَّتِي لَهَا شَدْوٌ، وغناء نَسَبهَا إِلَى الأيك، وَهِي الغَيْضَة، لِأَنَّهَا تأْوِي إِلَيْهَا كثيرا، وتتخذها مساكنَ (على فَننِ) محرّكةً: الغصنُ (اللسانِ) هَذِه الْجَارِحَة (رَطيبا) أَي رَخْصاً ليِّناً نَاعِمًا، وَهُوَ حَال من الفَنَن، أَي أَن هَذَا اللِّسَان ببركات أنفاسهلم تجفّ أغصانُها وَلم تزل حمائمُ النطقِ تُغنِّي على أَغْصَان الْأَلْسِنَة وَهِي رطبَة ناعمة، وَفِي الْفَقْرَة زِيَادَة على المجازات والاستعارات الِالْتِزَام (يَتداولها القومُ) أَي يَتَنَاوَلهَا (مَا ثَنَتِ الشَّمَال) أَي عطفت وأمالت، والشَّمال: الرّيح الَّتِي تهبُّ من الشأْم (مَعاطِفَ) جمع مِعْطَف كمنبر: الرِّدَاء، وَالْمرَاد مَا يكون عَلَيْهِ وَهُوَ الْقَامَة والجوانب (غُصْن و) مَا (مَرَت) أَي دَرّت (الجَنوبُ) بِالْفَتْح الريحُ اليمانِية لبن (لِقْحَة) بِالْكَسْرِ: النَّاقة ذَات اللَّبن (مُزْن) بِالضَّمِّ هُوَ السَّحَاب، وَالْإِضَافَة فِيهِ كلُجَيْنِ الماءِ: قَالَ شَيخنَا: شبَّه الأغصان بالقدود، والمُزْن باللّقاح من الْإِبِل، الْجنُوب بِصَاحِب إبل يمرِيها ليستخرج دَرَّها، وَأورد ذَلِك على أكمل وَجه من الْمجَاز والاستعارة الكنائية والتخييلية والترشيح والمقابلة وَغير ذَلِك مِمَّا يظْهر بِالتَّأَمُّلِ (استظلالاً بدَوْلَة) أَي دُخولا تَحت ظلّ دولة، وَفِي الأَصْل استظلالاً بدوحة (مَن رَفَع مَنارَها) وعَلَمَها (فَأَعْلَى) وأوضح منزلَتها بِحَيْثُ لَا تَخفى على أحدٍ، وَهُوَ النَّبِي(ودلّ) ضَبطه بَعضهم مبنيًّا للْمَفْعُول، وَالصَّوَاب مَبْنِيا للْفَاعِل مَعْطُوف على الصِّلَة، أَي أرشد وهَدَى (عَلى) نَيْلِ (شَجرةِ الْخلد) أَي الْبَقَاء والدوام وَهِي أَشجَار الْجنَّة (ومُلْكٍ لَا يَبْلَى) أَي سلطنة لَا يَلحقها بَلاءٌ وَلَا فَناء والدّالّ على ذَلِك هُوَ النَّبِيعلى جِهة النُصْحِ للعباد،الْفَنّ الْكِبَار (بالعيّ) وَهُوَ بِالْفَتْح الْعَجز والتعب وَعدم الإطاقة، وَيسْتَعْمل بِمَعْنى عدم الاهتداء لوجه المُرَاد، وبالكسر الحَصَرُ والعَجز فِي النُّطْق خَاصَّة (والإعياء) مصدر أَعْيَا رُباعيًّا إِذا تَعب، قَالَ شَيخنَا: وَبَعْضهمْ يَقُول العيّ من الثلاثي العَجز الْمَعْنَوِيّ، والإعياء الرباعي الْعَجز الجسماني، وَالْمعْنَى أَن هَذَا النَّوْع فِي التَّصَرُّف اللغويّ والصرفيّ مِمَّا يُوجب للمهرة فِي الْفَنّ الْعَجز وَعدم الْقُدْرَة حسًّا وَمعنى لما فِيهِ من الصعوبة الْبَالِغَة والتوقف على الْإِحَاطَة التامَّةِ، والاستقراء التَّام، بل يتَوَقَّف إِدْرَاكهَا على اطِّلاع عَظِيم وَعلم صَحِيح.
(وَمِنْهَا) أَي من محَاسِن كتابِه الدَّالَّة على حسن اختصاره (أَنِّي لَا أذكُر مَا جاءَ من جمع فاعلٍ) الَّذِي هُوَ اسْم فَاعل (المعتَلّ الْعين) الَّذِي عينه حرف عِلّة يَاء أَو واوًا (على فَعَلة) محركة فِي حَال من الْأَحْوَال (إِلَّا أَن يَصح) أَي يُعَامل (مَوضِع العينِ مِنْهُ) أَي من الْجمع معاملةَ الصَّحِيح، بِحَيْثُ يَتَحَرَّك وَلَا يعلّ (كجَوَلَة) بِالْجِيم من جال جَوَلانَا (وخَوَلَة) بِالْمُعْجَمَةِ جمع خائل، وَهُوَ المتكبّر، فَإِنَّهُمَا لما حُرّكت الْعين مِنْهُمَا أُلحِقا بِالصَّحِيحِ، وَإِن كَانَت فِي الأَصْل معتلة، فَإِنَّهَا لم تُعَلّ أَي لم يدخلهَا فِي الْجمع إعلال، فَصَارَت كَالصَّحِيحِ نَحْو طَلَبة وكَتبَة، فَاسْتحقَّ أَن تُذكر لغرابتها وخروجها عَن الْقيَاس (وَأما مَا جاءَ مِنْهُ) أَي من الْجمع (معتلاًّ) أَي مغيِّراً بالإبدال الَّذِي يَقْتَضِيهِ الإعلال (كبَاعة وسَادة) وَفِي نُسْخَة " وقادة " بدل " وسَادَة " جمع بَائِع وسيّد وقائد، وأَصلهما بَيَعَة وسَيَدَة، تحركت اليَاء وَانْفَتح مَا قبلهَا فَصَارَت ألفا (فَلَا أذكرهُ لاطِّراده) أَي لكَونه مطّردًا مَقيساً مَشْهُورا، وَفِي المزهر: قَالَ ابْن جني فِي الخصائص: أصل مَوَاضِع طَرَد فِي كَلَامهم التَّتَابُع والاستمرار، من ذَلِك طَرَدْت الطَّرِيدة إِذا تبعتها واستمرَّت بَين يَديك، وَمِنْه مُطارَدَة الفرسان بَعضهم بَعْضًا، ثمَّ جعل أهل الْعَرَبيَّة مَا استمرَّ من كلامٍ وَغَيره من مَوَاضِع الصِّناعة مطَّرِدًا، وَجعلُوا مَا فَارق مَا عَلَيْهِ(فَلَوْ كَانَ يَفْنَى الشِّعْرُ أَفْنَاهُ مَا قَرَتْ .
حِيَاضُك مِنْهُ فِي العُصُورِ الذَّوَاهِبِ)(ولكِنَّه صَوْبُ العُقُول إِذا انْجَلَتْ .
سَحَائبُ مِنْهُ أُعْقِبَتْ بِسَحَائبِ)ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي كَانَ يرجِّحه شيخُنا الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الشاذلي رَضِي الله عَنهُ، ويستبعد الأوّلَ وَيَقُول: يقبح أَن يتَمَثَّل بِهِ أوّلاً صَرِيحًا ثمَّ يُشِير إِلَيْهِ ثَانِيًا تَقْديرا وتلويحاً، وَهُوَ فِي غَايَة الوضوح لِأَنَّهُ يُؤدّي إِلَى التَّنَاقُض الظَّاهِر، وارتضاه شَيخنَا الإِمَام ابْن المسناويّ، وَعَلِيهِ كَانَ يقْتَصر الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ الوجاري، رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ.
والفقرة فِيهَا الْتِزَام مَا لَا يلْزم (وَلَو لم أَخْشَ) قَالَ الرَّاغِب: الخشية: خوفٌ يشوبه تَعظيم، وَأكْثر مَا يكون ذَلِك عَن علمٍ مِمَّا يخْشَى مِنْهُ.
وَسَيَأْتِي مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي مادّته (مَا يَلْحق المُزَكِّيَ نَفْسَه) تزكيةُ الشَّاهِد: تطهيرُه من عوارض القَدْح، أَو تَقْوِيتُه وتأْييده بِذكر أَوْصَافه الجميلة الدّالَّة على عَدَالَته، وَيُقَال: تزكيةُ النفسِ ضَرْبَان:فِعْلِيَّة، وَهِي محمودة ممدوحة شرعا، كَقَوْلِه تَعَالَى {قد أَفْلح من زكاها} بِأَن يحملهَا على الاتصاف بكامل الْأَوْصَاف.
وقوْلِيَّةِ، وَهِي مذمومة، كَقَوْلِه تَعَالَى {فَلَا تزكوا أَنفسكُم} أَي بثنائِكم عَلَيْهَا وافتخارِكم بأفعالكم، وَأنْشد ابْن التلمساني:(دَعْ مَدْحَ نَفْسِكَ إنْ أَرَدْتَ زَكَاءَهَا .
فَبِمَدْحِ نَفْسِكَ عَنْ مَقَامِكَ تَسْقُطُ)(مَا دُمْتَ تَخْفِضُهَا يَزِيدُ عَلاؤُهَا .
والعَكْسُ فَانْظُرْ أَيُّ ذَلِك أَحْوَطُ)(من المَعَرّة) أَي الْإِثْم وَالْعَيْب أَو الْخِيَانَة، وَسَيَأْتِي فِي مادّته مُطوَّلاً، وسبقت إِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي الْخطْبَة (والدَّمَان) هُوَ بِالْفَتْح، وَاخْتلف الشُّرَّاح والمحشُّون فِي مَعْنَاهُ، وَقَالَ بَعضهم: بل هُوَ الذَّان، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، بِمَعْنىغالِبٌ عَلَيْهِم بقُوَّته، وقاهِرُهم بحِلمه، ومُستوْل عَلَيْهِم (واستأْسَدَتْ) أَي طالَت وبَلغَتْ، يُقَال: رَوْضٌ مُستأْسِدٌ، وسيأْتي بيانُه (رِياض نُبُوَّتِه) بِالضَّمِّ، أَي نَباتُها، جمع رَوْضةٍ، هِيَ مستنقَعُ المَاء فِي الرَّمل والعُشْب، أَو الأَرْض ذَات الخُضرة والبُستان الحَسَن (فَعَيَّتْ) أَي أعجزَتْ (فِي المآسد) جمع مَأسَدة هِيَ الغَابة (اللُّيُوثَ) الْأسود (العوادِي) الَّتِي لاستيحاشها وجراءتها تَعْدُو على الخَلْق وتؤذيهم، وَمن قَوْله بَسقت إِلَى هُنَا هِيَ النُّسْخَة الصَّحِيحَة المكيّة، وَفِي نُسْخَة فغيَّبت بدل عَيَّت، أَي أَخْفَتْ وَفِي أُخرى فَطَهَّرت، بِالطَّاءِ الْمُهْملَة، أَي أزالت أوسَاخ الشِّرْك، وَهَذِه النُّسْخَة الَّتِي نَوَّهْنا بشأْنِها هِيَ نُسْخَة الملكِ الناصِرِ صلاحِ الدّين بن رَسول سُلطانِ الْيمن، بِخَط المحدِّث اللغويّ أبي بكرِ بن يُوسف بن عُثمان الحُميدِيّ المغربيّ، وَعَلَيْهَا خطُّ الْمُؤلف، إِذا قُرِئَت بَين يديهِ فِي مدينةِ زَبِيد، حَماها الله تَعَالَى وسائرَ بِلَاد الْإِسْلَام، قبل وَفاته بِسنتَيْنِ، وَفِي نُسْخَة أُخرى يمنِيَّة " نَبينَا الَّذِي شُعَب دَوْحِ رِسالته طَهَّرت شَوْكَة شَوْكِ الكَوَادي، وَلَا استأْسدت رِياضُ نبوّتِه يحم الذوابل نُضْرَتها إلاّ رَعَتْ فِي المآسد اللَّبون ذَات التعادِي فضلا عَن الذئاب العَوادي فِي إرداء الضوادِي "، وَفِي نُسْخَة أُخرى قديمَة: " استأْسدت " من غير " لَا " النافية، وَنجم بدل يحمّ، وعثَت بدل إلاّ رعت.
وَبَين شَوْكَة والشوك، واستأسدت، والمأسدة، جناسُ اشتقاقِ، والشُّعب هُوَ طَرفُ الغُصن، ويحم بالتحتانية مَحْذُوف الآخر، والذوابل جمع ذابل، الرمْح الرَّقِيق، ونُضرتها خُضرتها وحُسْن بهجتها، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الرياض، ورَعَت: تناولت الكلأَ، واللَّبون: الشَّاة ذَات اللَّبن، وَمِنْه الحديثَ " يَا أَبَا الهَيْثَمِ إيَّاكَ واللَّبُونَ، اذبَحْ عَنَاقًا " أَخرجه الْحَاكِم، والتَّعادي: التحامي أَو الْإِسْرَاع.
والإرداء: الإهلاك.
والضَّوادي: جمع ضادي بِمَعْنى الضدّ، بإبدال المضعَّف.
والنجْمُ من النَّبَات مَا كَانَ على غير ساقٍ.
وعَثَت، أَي أفسدت.
قَالَ شَيخنَا: وَنبهَ ابْنالحفّاظ مَا نَصه: وَقَرَأَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل الْعِرَاقِيّ صحيحَ مُسلم على مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الخَبَّاز بِدِمَشْق فِي سِتَّة مجَالِس مُتَوَالِيَة، قَرَأَ فِي آخر مجْلِس مِنْهَا أَكثر من ثلث الْكتاب، وَذَلِكَ بِحُضُور الْحَافِظ زين الدّين ابْن رَجَب وَهُوَ يُعَارض بنسخته، وقرأْت فِي تَارِيخ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة إِسْمَاعِيل بن أَحْمد الْحِيرِي النَّيْسَابُورِي الضَّرِير مَا نَصه: وَقد سمع عَلَيْهِ الْخَطِيب البغداديّ بِمَكَّة صَحِيح البُخَارِيّ سَمَاعه من الْكشميهني فِي ثَلَاثَة مجَالِس، قَالَ: وَهَذَا شَيْء لَا أعلم أحدا فِي زَمَاننَا يستطيعه، انْتهى.
(الْمَقْصد الْعَاشِر فِي أسانيدنا الْمُتَّصِلَة إِلَى الْمُؤلف)حَدثنَا شَيخنَا الإِمَام الْفَقِيه اللّغَوِيّ رضيّ الدّين عبد الْخَالِق بن أبي بكر الزين ابْن النمري المزجاجي الزَّبِيدي الْحَنَفِيّ، وَذَلِكَ بِمَدِينَة زَبيد حرسها الله تَعَالَى بِحُضُور جَمْعٍ من الْعلمَاء، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قدر الثُّلُث، وسماعي لَهُ فِيمَا قُرِئ عَلَيْهِ فِي بعضٍ مِنْهُ قَالَ: أَذن لنا شيخُنا الْفَقِيه عبد الفتاح بن إِسْمَاعِيل بن عبد الفتاح الخاصّ السِّراج الْحَنَفِيّ، الزَّبيدي، والعلامة عَلَاء الدّين بن مُحَمَّد بَاقِي المزجاجي الْحَنَفِيّ الْأَشْعَرِيّ الزبيدِيّ قَالَا: أخبرنَا الإِمَام أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن عبد الفتاح الْخَاص، وَهُوَ وَالِد الأول قِرَاءَة من الثَّانِي عَلَيْهِ فِي الْبَعْض، وإجازة مِنْهُ فِي سائره، وإجازة للأوّل ومناولة للْكُلّ عَن وَالِده فَخر الدّين عبد الفتاح ابْن الصدّيق بن مُحَمَّد الْخَاص، وَعَمه العلاّمة عبد الرَّحِيم بن الصّديق قَالَا: أخبرنَا عمنَا الْعَلامَة إِمَام المدرسين شرف الدّين أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْخَاص، وصِنْوُنا العلاّمة وجيه الدّين أَبُو بكر، وَشَيخ الْإِسْلَام جمال الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد، ابْنا الصّديق ابْن مُحَمَّد الْخَاص قَالُوا: أخبرنَا خَاتِمَة الْمُحدثين واللغويين رَضِي الدّين أَبُو مُحَمَّد الصّديق، والعلامة شُجَاع الدّين أَبُو حَفْص عمر، والعلامة نور الدّين أَبُو عمر، وَعُثْمَان أَبنَاء مُحَمَّد بن الصدّيق الْخَاص السراج قَالُوا: أخبرنَا والدنا الْحَافِظ المعمَّر شيخ الْإِسْلَامهَا هُنَا وَمن أَوْقفك، فَكتب إِلَيْهِ: هما وَاحِد.
قَالَ أَبُو زيد: لَقِيَنِي الْخَلِيل فَقَالَ لي فِي ذَلِك فَقلت لَهُ: إِنَّمَا يُقَال مَنْ وَقَفَك، ومَا أوقفك، قَالَ: فَرجع إِلَى قولي، وَأما وَفَاته وبقيّة أسانيده فقد تقدّم فِي المقدّمة.
وَيُوجد هُنَا فِي بعض النّسخ بعد قَوْله أَبُو زيد " وَجَمَاعَة " أَي مِمَّن تبعه وَرَأى رأْيه (إِذا جَاوَزت) أَنت أَيهَا النَّاظر فِي لُغَة الْعَرَب (المَشَاهِير) جمع مَشْهُور، وَهُوَ الْمَعْرُوف المتداول (من الْأَفْعَال) وَهِي الاصطلاحية (الَّتِي يَأْتِي) فِي الْكَلَام (ماضيها) الاصطلاحي (على فَعَل) بِالْفَتْح وَلم تكن عينه أَو لامه حرفا من حُرُوف الْحلق، وَلَا تعرض مضارِعه كَيفَ هُوَ بعد الْبَحْث عَنهُ فِي مظَانّه فَلَا تَجدهُ (فَأَنت فِي الْمُسْتَقْبل) حِينَئِذٍ (بالخِيار) أَي مخيّر فِيهِ (إِن شِئْت قُلْت يَفْعَلُ بضمِّ الْعين، وَإِن شِئْت قلت يفعِل بِكَسْرِهَا) وَفِي نُسْخَة " بِكَسْر الْعين " فالوجهانِ جائزان: الضمُّ وَالْكَسْر.
وهما مستعملان فِيمَا لَا يُعْرَف مستقبله ومُتساويان فِيهِ، فكيفما نطقت أصبت، وَلَيْسَ الضَّم أولى من الْكسر، وَلَا الْكسر أولى من الضَّم، إِذْ قد ثَبت ذَلِك كثيرا، قَالُوا حشَر يحشِر ويحشُر، وزمَر يزمِر ويزمُر، وقَمرَ يقمِر ويقمُر، وفَسَق يفسِق ويفسُق، وفسَد يفسِد ويفسُد، وحسَر يحسِر ويحسُر، وعرَج يعرِج ويعرُج، وعكَف يعكِف ويعكُف، ونفَر ينفِر وينفُر وغدَر يغدِر ويغدُر، وعثَر يعثِر ويعثُر، وقدَر يقدِر ويقدُر، وسفَك يسفِك ويسفُك إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول إِيرَاده، وَفِيه لغتانِ.
وَفِي البغية: قَالَ أَبُو عمر إِسْحَاق بن صَالح الجَرمي، سَمِعت أَبَا عُبَيْدَة مَعمَر ابْن المثنَّى يروي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: سَمِعت الضَّم والكَسْر فِي عامَّة هَذَا الْبَاب، لَكِن رُبمَا اقتُصر فِيهِ على وَجْهٍ واحِد لَا بدَّ فِيهِ من السماع، وَمِنْهُم من قَالَ جَوَاز الْوَجْهَيْنِ الضمّ وَالْكَسْر إِنَّمَا يكون عِنْد مجاوَزة الْمَشَاهِير من الْأَفْعَال، وَأما فِي مَشْهُور الْكَلَام فَلَا يتعدّى مَا أتَت الرِّوَايَات فِيهِ كَسْرًا، كضرَب يضرِب، أَو ضما نَحْو قتل يقتُل، ويريدون بمجاوزة الْمَشَاهِير أَن يَرِد عَلَيْك فِعل لَا تعرف مُضارعَه كَيفَ هُوَ بعد الْبَحْثوَهُوَ من أَسمَاء الْبَحْر أَيْضا إِلَّا أَنه أُريد هُنَا مَا ذَكرْنَاهُ، لتقدم الدَّأْماء عَلَيْهِ، فالدأْماء مفعول أوّل لغوْصي وَهُوَ تَارَة يستغنِي بالمفعول الْوَاحِد، وَتارَة يحْتَاج إِلَى مفعول آخَر فيتعَدَّى إِلَيْهِ بعَلَى، ومِنْ بَيانِيَّة حالٌ من الدأْماء (وأَسَمَيْته) كسمَّيته بِمَعْنى وَاحِد، وهما من الْأَفْعَال الَّتِي تتعدّى للْمَفْعُول الأول بِنَفسِهَا وَللثَّانِي تَارَة بِنَفسِهَا وَتارَة بِحرف جر، فالمفعول الأول الضَّمِير الْعَائِد للْكتاب، وَالْمَفْعُول الثَّانِي (القَامُوسَ) هُوَ الْبَحْر (الْمُحِيط) وَيُوجد فِي بعض نسخ المقلّدين التَّعَرُّض لبَقيَّة التَّسْمِيَة الَّتِي يُورِدها المُصَنّف فِي آخر الْكتاب، وَهُوَ قَوْله والقابوس الْوَسِيط، فَفِي بعضٍ الِاقْتِصَار على هَذَا، وَفِي أُخرى زِيَادَة " فِيمَا ذهب من لُغة الْعَرَب شَمَاطيط " وكل ذَلِك لَيْسَ فِي النّسخ الصَّحِيحَة وَيرد على ذَلِك أَيْضا قَوْله (لِأَنَّهُ) أَي الْكتاب (البحرُ الْأَعْظَم) فَإِن هَذَا قَاطع لبَقيَّة التَّسْمِيَة، قَالَ شَيخنَا: وَإِنَّمَا سمي كِتَابه هَذَا بالقاموس الْمُحِيط على عَادَته فِي إبداع أسامي مُؤَلّفاته، لإحاطته بلغَة الْعَرَب، كإحاطة الْبَحْر للرُّبْع الْمَعْمُور.
قلت: أَي فَإِنَّهُ جمع فِيهِ سِتين ألف مَادَّة، زَاد على الْجَوْهَرِي بِعشْرين ألف مَادَّة، كَمَا أَنه زَاد عَلَيْهِ ابْن مَنْظُور الإفْرِيقِي فِي لِسَان الْعَرَب بِعشْرين ألف مَادَّة، وَلَعَلَّ المُصَنّف لم يطّلع عَلَيْهِ، وَإِلَّا لزاد فِي كِتَابه مِنْهُ، وَفَوق كل ذِي علم عليم، وَمِمَّا أَحْمد الله تَعَالَى على نعْمَته أَن كَانَ من جملَة موادّ شرحي هَذَا كتابُه الْمَذْكُور.
قَالَ شَيخنَا رَحمَه الله: وَقد مَدح هَذَا الكتابَ غيرُ واحِدٍ مِمَّن عاصره وغيرُهم إِلَى زَمَاننَا هَذَا، وأَوْرَدوا فِيهِ أعارِيض مُخْتَلفَة، فَمن ذَلِك مَا قَالَه الأديب البارع نُور الدّين عليّ بن مُحَمَّد الْعَفِيف المكيّ الْمَعْرُوف بالعليفي.
قلت: ووالده الأديب جمال الدّين مُحَمَّد بن حسن بن عِيسَى، شُهر بِابْن العليف، توفّي بِمَكَّة سنة ٨١٥، كَذَا فِي ذيل الْحَافِظ تَقِيّ الدّين بن فَهد على ذيل الشريف أبي المحاسن.
ثمَّ قَالَ شَيخنَا:كالأقلام، أَي لَا يقنع بمجرّد ضبط الْقَلَم، أَي وضع الحرَكة على الْحَرْف، لِأَن ذَلِك عُرْضة للترك والتحريف، وَهَذَا من كَمَال الاعتناء، ووشّحه توشيحاً: ألبسهُ الوِشاح على عَاتِقه، مُخَالفا بَين طَرَفيه، وَيَأْتِي تَمَامه، والفقرة فِيهَا الِالْتِزَام والجناس المحرّف اللَّاحِق (مكتفياً بِكِتَابَة) هَذِه الأحرف الَّتِي اخترعها واقتطعها من الْكَلِمَات الَّتِي جعلهَا أعلاماً لَهَا فِي اصْطِلَاحه، وَهِي (ع د ة ج م) وَهِي خَمْسَة (عَن قولي: مَوضِع، وبلد، وقرية، وَالْجمع، ومعروف) فالعين وَالدَّال وَالْهَاء من آخر الْكَلِمَات، وَالْجِيم وَالْمِيم من أوائلها، لِئَلَّا يحصل الِاخْتِلَاط، وَفِيه لفّ وَنشر مرتّب (فتلخَّص) أَي تبين الْكتاب واتضح (وكُلُّ غَثٍّ) وَهُوَ اللَّحْم المهزول، وَمن الحَدِيث: الْفَاسِد (إِن شَاءَ الله تَعَالَى) جَاءَ بهَا تبركا (عَنهُ) أَي الْكتاب (مَصروف) أَي مَدْفُوع عَنهُ، وَقدمه اهتماماً ومناسبة للفقرة، وفيهَا الِالْتِزَام، قَالَ شَيخنَا، وَضَابِط هَذِه جُمُعَة المصنّف بِنَفسِهِ فِي بَيْتَيْنِ، نقلهما عَنهُ غير وَاحِد من أَصْحَابه وهما:(وَمَا فِيه مِنْ رَمْزٍ فخمسَةُ أَحْرُفٍ .
فمِيمٌ لمعْرُوفٍ وعَيْنٌ لموضِعِ)(وجِيمٌ لجَمْعٍ ثمَّ هَاءٌ لقَرْيَةٍ .
وللبَلَد الدَّالُ الَّتِي أُهْملَتْ فَعِي)وَفِي أزهار الرياض للمقّرِيّ.
(وَمَا فيهِ مِنْ رَمْزٍ بحرْفٍ فخمْسَةٌ .
)ونسبهما لعبد الرَّحْمَن بن معمر الوَاسِطِيّ: وَقد ذيَّل عَلَيْهِمَا أَحدُ الشُّعَرَاء فَقَالَ:(وفِي آخرِ الأبْوَابِ وَاوٌ وياؤهَا .
إشارةُ وَاوِيٍّ ويَائِيّها اسْمَعِ)واستدرك بَعضهم أَيْضا فَقَالَ:(وَمَا جاءَ فِي القَاموس رَمْزًا فسِتَّةٌ .
لموضِعهم عَيْنٌ ومعْرُوفٍ الميمُ)(وجَجٌّ لجمْع الجَمْع دَالٌ لبَلْدةٍ .
وقَرْيتُهُمْ هاءٌ وجمْعٌ لَهُ الجِيمُ)وَنقل شَيخنَا عَن شُيُوخه مَا نَصه: وَوجد بِهَامِش نسخةِ المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى بخطّه لنَفسِهِ:(إِذا رُمْت فِي الْقَامُوس كَشْفاً لِلَفْظَةٍ .
فَآخِرُها لِلْباب والبَدْءُ لِلْفَصْل)عَظِيم، وَفِي ذكره النُّور الاحتراس وَدفع الْإِيهَام، لِأَن المقباس هُوَ شعلة نَار (بَدْرٌ مُحيّا) كثُرَيَّا أَي حُرّ (وَجْهه الْأَسْنَى) أَي الأَضْوأ أَو الأَرفع (لنا مُغْنٍ) أَي كافٍ (عَن القمرَيْنِ) أَي الشَّمْس وَالْقَمَر تَغْلِيبًا كالنَّيِّرَيْنِ (و) عَن (النِّبْراسِ) بِالْكَسْرِ الْمِصْبَاح، وَفِيه الْمُبَالغَة (مِن أُسْرَةٍ) بِالضَّمِّ أَي رَهْطٍ (شَرُفَت) أَي علا مجدهم (وجَلَّت فاعْتَلَت) أَي ارْتَفَعت (عَنْ أَن يُقَاس) مَبْنِيّ للْمَجْهُول (عَلاؤُها) بِالْفَتْح مَمْدُود (بِقياس) وَفِيه جناس الِاشْتِقَاق ومراعاة النظير (رَوَوُا الخِلافَةَ) أَي أسندوها مُعَنْعَنةً من غير انْقِطَاع، كَمَا يُنْقَلُ الحَدِيث ويُحْمَل عَن أَصْحَابه (كابِرًا) حَال من فَاعل رووا أَي عَظِيما (عَن كابرٍ) أَي عَن عظيمٍ (بِصحيح إسنادٍ) غير مُعَلّلٍ وَلَا شَاذٍّ (بِلَا إلْباسِ) أَي بِلَا إِشْكَال وتدليس، وَفِيه التورية بِالْإِشَارَةِ إِلَى اصْطِلَاح المحدِّثين بِذكر الرِّوَاية والإسناد وَالصَّحِيح والإلباس والإتيان بِعَنْ، وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَول أبي سعيد الرُّسْتميّ فِي الصاحِب بن عَبَّاد، كَمَا أنشدنيه غيرُ وَاحِد:(وَرِثَ الوِزَارةَ كابِرًا عَن كَابٍ ر .
مَوْصُولَةَ الإسنادِ بالإسنادِ)(فروى عَن العبّاس عَبَّادٌ وِزارَته .
وإسماعيلُ عَن عَبَّادٌ)وَمن هُنَا أَخذ المُصَنّف فَقَالَ (فَرَوى عَلِيٌّ) شرع فِي بَيَان رجال السَّنَد، وَأَرَادَ بِهِ الْأَمِير شمس الدّين علِيًّا أوّل من ملك من هَذَا الْبَيْت وَهُوَ قد أَخذ الْخلَافَة (عَن) وَالِده (رَسُولٍ) وَيُقَال إِن اسْمه مُحَمَّد بن هَارُون بن أبي الْفَتْح بن يُوحى بن أبي الْفَتْح الجفنيّ الغَسَّانيّ، من نَسْلِ جَبلةَ بن الأَيْهم بن جَبلة بن الْحَارِث بن أبي جَبَلة الغسَّانيّ، وَهُوَ أوّل من عَهِد إِلَيْهِ بالنيابة الخليفةُ المستعصم بِاللَّه العباسيّ أَبُو مُحَمَّد عبد الله، كَمَا قَالَه الْملك الْأَشْرَف النسابة عُمر بن يُوسُف ابْن عمر بن عَليّ بن رَسُول عمّ وَالِد الممدوح، فِي رِسَالَة لَهُ سَمَّاها تُحفة الأحباب فِي علم الْأَنْسَاب.
قَالَ وأعقب الْأَمِير شمس الدّين عليّ أَرْبَعَة: بدر الدّين الْحسن، وَالْملك الْمَنْصُور(وَلَا تَعْتَبِرْ فِي بَدْئِها وأَخِيرِها .
مزِيدًا ولكِنَّ اعتِبَارَكَ للأصْلِ)وَقد تقدّم مَا قيل فِي اصْطِلَاح الصِّحَاح، فَهَذِهِ أُمور سَبْعَة جعلهَا اصْطِلَاحا لكتابه، ومَيَّزه بهَا اختصاراً وإيجازًا، وَإِن كَانَ بعضُها قد سبقه فِيهِ كالجوهري وَابْن سَيّده.
الأول: تَمْيِيزه الْموَاد الزَّائِدَة بِكِتَابَة الْأَحْمَر.
الثَّانِي: تَخْلِيص الْوَاو من الْيَاء.
الثَّالِث: عدم ذِكر جمع فَاعل المعتل مَا أُعِلّ مِنْهُ.
الرَّابِع: إتباع الْمُذكر الْمُؤَنَّث بقوله وَهِي بهاء.
الْخَامِس: الْإِشَارَة إِلَى الْمُضَارع مضموم الْعين هُوَ أَو مكسورها عِنْد ذكر الْآتِي وَعدم ذكره.
وَالسَّادِس: حَمْل المُطلق على ضَبْط الْفَتْح فِي غير الْمَشْهُور.
وَالسَّابِع: الِاقْتِصَار على الْحُرُوف الْخَمْسَة.
وَيجوز أَن يَجْعَل قَوْله " وَمَا سوى ذَلِك فأُقيده " اصْطِلَاحا ثامِناً، ليطابق عدد أَبْوَاب الجِنان.
قَالَ شَيخنَا: وَله ضَوابط واصطلاحات أُخر تعلم بممارسته ومعاناته واستقرائه.
مِنْهَا: أَن وسط الْكَلِمَة عِنْده مُرتب أَيْضا على حُروف المعجم كالأوائل والأواخر.
قلت، وَقد أَشرت إِلَى ذَلِك فِي أوّل الْخطْبَة، وَمثله فِي الصِّحَاح ولسان الْعَرَب وَغَيرهمَا.
وَمِنْهَا: إتقان الرباعيات والخماسيات فِي الضَّبْط، وترتيب الْحُرُوف، وَتَقْدِيم الأوّل فالأوّل.
وَمِنْهَا إِذا ذكرت الموازين فِي كلمة سَوَاء كَانَت فِعلاً أَو اسْما يقدّم الْمَشْهُور الفصيح وِلاءً ثمَّ يتبعهُ باللغات الزَّائِدَة إِن كَانَ فِي الْكَلِمَة لُغَتَانِ فَأكْثر.
وَمِنْهَا أَنه عِنْد إِيرَاد المصادر يقدم الْمصدر الْمَقِيس أوّلا ثمَّ يذكر غَيره فِي الْغَالِب.
وَمِنْهَا أَنه قد يَأْتِي بوزنين متّحدين فِي اللَّفْظ فيظُنُّ من لَا معرفَة لَهُ بأسرار الْأَلْفَاظ وَلَا باصطلاح الْحفاظ أَن ذَلِك تكرارٌ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة، وَقد يكون لَهُكَمَا سَيَأْتِي فِي محلّه (من كُظَام) متعلّق برشفت، وَهُوَ بِالضَّمِّ جمع كَظَمٍ مُحرَّكة وَهُوَ الحَلْق أَو الْفَم.
وَفِي الْأَرْبَعين الودعانية: فبادِرُوا فِي مُهَل الأنفاس، وحْدَة الإخلاس، قبل أَن يُؤخَذ بالكَظَم.
وَمِنْهُم من فسروه بأفواهِ الْوَادي والآبارِ المتقارب بعضُهَا بَعْضًا، وَقيل: الكِظامة: فَمُ الْوَادي الَّذِي يخرج مِنْهُ المَاء وَلَيْسَ فِي الكلامِ مَا يدلُّ على الأودية والآبار وَلَا بتقارب بَعْضهَا بَعْضًا، كَمَا فسّروه، لَا حَقِيقَة، وَلَا مجَازًا، وَلَا رمزًا، وَلَا كِنَايَة، وَفِي بعض الشُّرُوح كِظَام الشَّيْء: مبدؤُه، وَالصَّحِيح مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ (الجُلِّ) بِالضَّمِّ، كَذَا هُوَ مضبوط فِي نسخه شَيخنَا الإِمَام رضيّ الدّين المِزجاجي، قيل: مَعْنَاهُ مُعظَم الشَّيْء، وَقيل: هُوَ بالفتحِ، وفسّره بالياسمين والورد أبيضِه وأحمرِه وأصفره، والواحدة بهاء، أما الْمَعْنى الأوّل فَلَيْسَ بمرادٍ هُنَا قطعا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُذكَر إِلَّا مُضَافا، لفظا أَو تَقْديرا، ككلّ وَبَعض، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك، وَأما رِوَايَة الْفَتْح فَهِيَ أَيْضا غير صَحِيحَة، وَقد باحَثَني فِي ذَلِك شيخُنا الإِمَام الْمَذْكُور، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، حِين وصلتُ إِلَى هَذَا المحلّ عِنْد الْقِرَاءَة بِحَضْرَة شَيخنَا السَّيد سُلَيْمَان الأهدل وَغَيره، فَقلت: الَّذِي يُعْطِيهِ مَقام اللفظِ أَن اللَّفْظَة مُعَرّبة عَن الفارسيّة، وَمَعْنَاهُ عِنْدهم الزّهر مُطلقًا، من أَي شجرٍ كَانَ، وَيصرف غَالِبا فِي الْإِطْلَاق عِنْدهم إِلَى هَذَا الورْد الْمَعْرُوف، بأنواعه الثَّلَاثَة: الْأَحْمَر والأبيض والأصفر، فأُعجِبا بِمَا قرَّرْت وأقَرّاه (والجَادِي) قالى قاضى كَجرات: هُوَ طَالب المَطَر، عطف على الطفاوة، أَي وَمَا أَخذ الجادى المَاء من السَّحَاب، وَقيل: هُوَ الْخمر، عطف على رُضاب، وَلَا يخفى أَن فِيمَا ذكر من الْمَعْنيين تكلُّفاً، وَالصَّحِيح أَنه نوع من الزَّهرِ كالنرجس والياسمين، وَهُوَ الْمُنَاسب، وَمن قَالَ: إِنَّه عطفُ تفسيرٍ لما قبله فقد أخطأَ، فَإِن الجلّ إِنَّمَا يُطلقُ على الياسمين والوردكمُكْرَم: البُرْدُ المخطَّط، وَالثَّوْب المنقَّش، والعُجاب كغُراب بِمَعْنى عَجيب، كَذَا فِي تَقْرِير سيّدي عبد السَّلَام اللَّقاني على كنوز الْحَقَائِق، وَالصَّحِيح أَنه يَأْتِي للْمُبَالَغَة وَإِن أسْقطه النُّحَاة فِي ذكر أوزانها، فَالْمُرَاد بِهِ مَا جَاوز حَدَّ اللُّغَة، كَذَا فِي الكَشَّاف، وَقد نقل عَن خطِّ المُصَنّف نَفسه غيرُ واحدٍ أَنه كتب على ظهْرِ هَذَا الْكتاب أَنه لَو قُدِّر تمامُه لَكَانَ فِي مائَة مُجَلَّد، وَأَنه كمَّل مِنْهُ خَمْس مُجَلَّدَات (الجامِع بَين المُحْكم) هُوَ تأليف الإِمَام الْحَافِظ الْعَلامَة أبي الْحسن عليّ بن إِسْمَاعِيل الشهير بِابْن سِيدَه الضَّرِير ابْن الضَّرِير اللّغَوِيّ، وَهُوَ كتاب جامعٌ كبيرٌ، يشْتَمل على أَنْوَاع اللُّغَة، توفّي بِحَضْرَة دَانِية سنة ٤٥٨ عَن ثَمَانِينَ سنة (والعُبَاب) كغُراب تأليف الإِمَام الْجَامِع أبي الْفَضَائِل رَضِيِّ الدّين الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن حَيدر العُمَرِيّ الصَّغاني الْحَنَفِيّ اللغويّ وَهَذَا الْكتاب فِي عشْرين مجلدًا، وَلم يكمل، لِأَنَّهُ وصل إِلَى مَادَّة بكم، كَذَا فِي المزهر، وَله شوارق الْأَنْوَار وَغَيره، توفّي ١٩ شعْبَان سنة ٦٥٠ بِبَغْدَاد، عَن ثَلَاث وَسبعين سنة، وَدفن بِالْحَرِيمِ الطاهريّ، وَهَذَا الْكتاب لم أطّلع عَلَيْهِ مَعَ كَثْرَة بحثي عَنهُ، وَأما الْمُحكم المتقدّم ذِكره عِندي مِنْهُ أَربع مُجلدات، وَمِنْهَا مادّتي فِي هَذَا الشَّرْح.
وَفِي مُقَابلَة الْجَامِع باللامع، والمعلم بالمحكم، والعجاب بالعباب، ترصيع حسن (وهُمَا) أَي الكِتابان، هَكَذَا فِي نسختنا، وَفِي أُخْرَى بِحَذْف الْوَاو، وَفِي بَعْضهَا بِالْفَاءِ بدل الْوَاو (غُرَّتَا) تَثْنِيَة غُرَّة، وَفِي بعض النّسخ بِالْإِفْرَادِ (الكُتُب المصَنّفَة فِي هَذَا الْبَاب) أَي فِي هَذَا الْفَنّ، وَالْمرَاد وصفهما بِكَمَال الشُّهرة، أَو بِكَمَال الحُسْن، على اخْتِلَاف إِطْلَاق الأغرّ، وَفِي اسْتِعَارَة أَو تَشْبِيه بليغ (ونَيِّرا) تثنيةُ نيّر كسَيِّد، وَهُوَ الْجَامِع للنُّور الممتلئ بِهِ، والنَّيِّران: الشَّمْس وَالْقَمَر، والتثنية وَالْوَصْف كِلَاهُمَا على الْحَقِيقَة (بَرَاقع) جمْع بِرْقِعَ السَّمَاء السَّابِعَة أَو الرَّابِعَة أَو الأولى، وَالْمعْنَى: هذانِ الكتابانِ هما النِّيرانِ المشرقانِ الطالعانِفِي سَمَاء (الفَضْل والآداب) وَمِنْهُم من فسَّر البُرْقُع بِمَا تَستتر بِهِ النِّسَاء، أَو نيّر البرقع هُوَ مَحل مَخْصُوص مِنْهُ، وتمحَّل لبَيَان ذَلِك بِمَا تمجُّه الأسماع، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْهَام وأفكار تخالِف النَّقْل وَالسَّمَاع.
وعطْف الْآدَاب على الْفضل من عطف الخاصّ على العامّ (وضَمَمْت) أَي جمعت (إِلَيْهِمَا) أَي الْمُحكم والعباب (فَوَائِد) جمع فَائِدَة، وَهِي مَا استفدْته من عِلم أَو مَال (امتلَا) بِغَيْر همز من مَلِئ كفرِحِ إِذا صَار مملوءًا (بهَا) أَي بِتِلْكَ الْفَوَائِد (الوِطاب) بِالْكَسْرِ جمع وَطْب بِالْفَتْح فالسكون، هُوَ الظّرْف، وَله معَان أُخَرُ غير مُرادةٍ هُنَا (واعتَلَى) أَي ارْتَفع (مِنْهَا) أَي من تِلْكَ الْفَوَائِد (الخِطاب) هُوَ تَوْجِيه الْكَلَام نَحْو الغَيْر للإفهام، وَفِي بعض النّسخ " زيادات " بدل " فَوَائِد ".
وَبَين امتلا واعتلَى ترصيع، وَبَين الوطاب وَالْخطاب جِناس لَاحق (ففاقَ) أَي علا وارتفع بِسَبَب مَا حواه (كلَّ مُؤلَّف فِي هَذَا الْفَنّ) أَي اللُّغَة، بَيَان للْوَاقِع (هَذَا الْكتاب) فَاعل فاق، وَالْمرَاد بِهِ الْكتاب المتقدِّم ذِكرُه (غير أَنِّي) كَذَا فِي النّسخ المقروءة، وَفِي بَعْضهَا " أَنه " على أَن الضَّمِير يعود إِلَى الْكتاب (خَمَّنْته) أَي قدَّرته وتوهَّمت مَجيئه (فِي ستِّين سِفْرًا) قَالَ الفرَّاء: الْأَسْفَار: الكُتب العِظام، لِأَنَّهَا تُسْفِر عمَّا فِيهَا من الْمعَانِي إِذا قُرِئَت، وَفِي نُسْخَة من الأُصول المكّية: ضَمَّنته، بالضاد الْمُعْجَمَة بدل الْخَاء، وَفِي شِفَاء الغليل لِلشِّهَابِ الخفاجيّ تبعا للسيوطيّ فِي المزهر أَن التخمين لَيْسَ بعرَبيّ فِي الأَصْل.
وَفِي نُسْخَة أُخْرَى من الأُصول الزَّبيدية زِيَادَة " بِحَمْد الله " بعد " خمنته " (يُعجِز) أَي يعيى (تَحصيلُه) فَاعل يعجز (الطُّلَاّب) جمع طَالب، كرُكَّاب وراكب، أَي لكثرته، أَو لطوله.
وَفِي نُسْخَة ميرزا عَليّ الشِّيرَازِيّ يَعجَز عَن تَحْصِيله الطلاّب (وسُئلت) أَي طَلَب مني جمَاعَة (فِي تَقْدِيم كتاب وَجِيزٍ) أَي أُقدّم لَهُم كتابا آخرَإِلَى أَنَّهَا تخترع ذَلِك وتنشئه إنْشَاء بديعاً.
ومُراد المُصَنّف أَنَّهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَا تنقطِع وَلَا بُدَّ لَهَا مَن يقوم بهَا، وَإِن حصل فِيهَا التَّقْصِير أَحْيَانًا، لعُمُوم الْجَهْل، وتعاطي الْعُلُوم من لَيْسَ لَهَا بأَهْل، قَالَ شيخُنا وَلَا يخفى مَا فِي حذف المشبَّه وَذكر بعض أَنْوَاع الْمُشبه بِهِ كالغِرِّيدة وَذَات الطوْق، من الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ والتخييلية والترشيح، وَقد يدّعي إِثْبَات المشبّه أوّلاً حَيْثُ صرَّح باللغة الشَّرِيفَة، فَتكون الِاسْتِعَارَة تصريحيّة، وَفِيه الجناس المحرَّف الناقصُ، وإيراد الْمثل، وَغير ذَلِك من اللطائف الْجَوَامِع (وَإِن دارت الدوائرُ) أَي أحاطت النوائبُ والحوادث والمصائب من كُلّ جِهة (على ذوِيها) أَي أَصحابها، أَي اللُّغَة الشَّرِيفَة، وَفِي شرف إيوَان الْبَيَان: وَلَا أَشتكِي تَحامُل الدَّهرِ بإضاعة بِضاعَة الْأَدَب، وسَلْب خَطَر المُقامرين على ذَلِك النَّدَب، وتطّرق الخَلل إِلَى القشر دون اللُّبَاب، وموضوع اللَّفْظ دون الْمَعْنى الَّذِي هُوَ مَغْزَى الطلاب، بل أَقُول دارت الدَّوَائِر على الْعُلُوم وذويها (وأَخْنَت) أَي أهلكت واستولت، وَفِي نُسْخَة قَاضِي كجرات وَبَعض الأُصول الَّتِي بأَيدينا " أنحت " بالنُّون قبل الْحَاء الْمُهْملَة، مَعْنَاهُ أَقبلت، وَمثله فِي شرف إيوَان الْبَيَان (على نَضَارَة) بِالْفَتْح النِّعْمَة وحُسْن المنظر (رِيَاض) جمع رَوْض سقط من بعض النّسخ (عَيْشِهم) حياتهم أَو مَا يتعيَّش بِهِ (تُذْوِيها) أَي تُجفِّفها وتُبَسِّها (حَتَّى) غَايَة لدَوَرَان الدَّوَائِر الْعَارِضَة (لَا لَهَا) أَي اللُّغَة الشَّرِيفَة (اليومَ) أَي فِي زَمَانه، وَنَصّ عبارَة شرف إيوَان الْبَيَان بعد قَوْله " تذويها " فأهملوا الْفُرُوع والأُصول، واطَّرحوا الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول، وَرَغبُوا عَن الصناعات دقيقِها وجلِيلِها، وَالْحكم جُمَلِهَا وتفاصيلِها، فغاضت الشَّرَائِع بمسائلها، وَتركت مَدْلُولات أَحْكَام الْفِقْه بدلائلها فَلَا (دارِس) أَي قَارِئ ومشتغل بِهِ (سِوَى الطَّلَل) محركة: مَا شَخَص من آثَار الدَّار (فِي المَدَارس) جمع مَدْرسة، هِيَ مَوضِع الدِّراسة والقراءَة، وَذَلِكَ عبارَة عَن قلَّة الاعتناء بِالْعلمِ وانقراض أَهله، وَهَذَا فِي زَمَانه، فَكيفوالسفنُ الَّتِي تجْرِي فِيهِ لَا يحصل لَهَا انكفاءٌ وَلَا انقلابٌ، لِأَن رِيحه طيِّبة رِخْوَة، لَا تهبُّ إلاّ على: وَفْق السفن، فَلَا تخالفها، لعدم وجدان الزعازع والرياح الْعَاصِفَة فِي هَذَا الْبَحْر، وَفِيه الجناس اللَّاحِق، فِي اعتناء واعتلاء، والالتزام فِي جفَاء وانكفاء.
واستعارة الرّكُوب وَالْغَارِب للفلك، وهبوب الرِّيَاح للعناية، والتلميح للاقتباس فِي ذهب جُفاء إِلَى قَول المتَنَبِّي.
(تَجْري الرِّياحُ بمَا لَا تَشْتَهي السُّفُنُ .
)ثمَّ احتار وَبَالغ فِي هَيْبَة الْمُخَاطب وجلالته، كَأَنَّهُ لم يَتَّضِح لَهُ الطَّرِيق، وَلم يهتد لوجه الْعذر، فاستفهَم عَنهُ فَقَالَ (وَبِمَ) أَي بِأَيّ شيءٍ (أعتَذِرُ) أَرشدوني (مِن حَمْلِ الدُّرِّ مِن أَرْضِ الْجبَال) وَهِي الْمَعْرُوفَة الْيَوْم بعراق الْعَجم، وَهِي مَا بَين أصفهان إِلَى زنجان وقزوين وهمذان والدينور وقرميسين والري وَمَا بَين ذَلِك من الْبِلَاد والكُوَر (إِلَى عُمَان) كغُراب كُورة على سَاحل الْيمن، تشْتَمل على بلدان، أَي إِن الدرَّ كثيرٌ فِي عُمَان المعبّر بِهِ عَن الممدوح، وَقَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجبَال المعبَّر بِهِ عَن المُهدِي، وَهُوَ نَظِير قَوْلهم: كجالِب التَّمْر إِلَى هَجَر، قَالَ شَيخنَا: يَعْنِي أَن الهديّة شأْنُها أَن تكون أَمرًا غَرِيبا لَدَى المُهدَى إِلَيْهِ، وَمن يُهِدي الدرَّ إِلَى عُمان، وَالتَّمْر إِلَى يَثْرِب وَنَحْو ذَلِك، يَأْتِي بِالْأَمر المبتَذَل الْكثير الَّذِي لَا عِبْرَة بِهِ فِي ذَلِك الْموضع (وَأَرَى البحرَ) الْجُمْلَة حَالية (يَذهَبُ ماءُ وَجْهِهِ) أَي يضمحلّ، وَهُوَ كِنَايَة عَن التجرُّد عَن الْحيَاء، وقِدمًا قيل.
(وَلَا خَيْرَ فِي وَجْهٍ إذَا قَلَّ مَاؤُه .
)(لَو حَملَ) هُوَ أَي الْبَحْر (بِرَسْمِ الخِدْمة) وَقصد الْعُبُودِيَّة (إِلَيْهِ) أَي الممدوح أشرف مَا يفتخر بِهِ وَهُوَ (الجُمَان) بِالضَّمِّ هُوَ اللُّؤْلُؤ الصافي، أَي كَانَ ذَلِك قَلِيلا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لقلَّة حيائه وَذَهَاب رونق مَاء وَجهه (وفُؤاد البحرِ يَضطَرِبُ) أَي يتحرَّك ويَتموَّج ويَتلاطم (كاسْمِه رَجَّافاً) أَي بِاعْتِبَارأوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ، وَفِي صِحَاح الْجَوْهَرِي: قَالَ الْأَصْمَعِي: كنت فِي مَجلس شُعبه فروى الحَدِيث قَالَ: تَسْمَعُونَ جَرْش طير الْجنَّة.
بالشين الْمُعْجَمَة، فَقلت: جَرْس، فَنظر إليّ وَقَالَ: خذوها مِنْهُ، فَإِنَّهُ أعلم بِهَذَا منا.
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نَاصِر الدِّمَشْقِي فِي رِسَالَة لَهُ: إِن ضبط القَلَم لَا يُؤْمَن التحريفُ عَلَيْهِ، بل يتطرَّق أَوْهَامَ الظانِّين إِلَيْهِ، لَا سيّما من عِلْمه من الصُّحف بالمطالعة، من غير تَلَقٍّ من الْمَشَايِخ، وَلَا سُؤال وَلَا مُرَاجعَة.
وقرأت فِي كتاب الْإِيضَاح لما يُستدرك للإصلاح كتاب الْمُسْتَدْرك لِلْحَافِظِ زين الدّين الْعِرَاقِيّ بِخَطِّهِ نقلا عَن أبي عَمْرو ابْن الصَّلاح مَا نصُّه: وَأما التَّصْحِيف فسبيل السَّلامة مِنْهُ الْأَخْذ من أَفْوَاه أهلِ العِلم والضبط، فَإِن من حُرم ذَلِك وَكَانَ أخذُه وتعلُّمه من بطُون الْكتب كَانَ من شَأْنه التحريف، وَلم يُفلِتْ من التبديل والتصحيف، وَالله أعلم.
(على أَنِّي لَو رُمْتُ) أَي طَلبت (للنِّضال) مصدر ناضَلَه مُنَاضلَةً إِذا بَارَاه بالرَّمْيِ (إيتارَ القَوْس) يُقَال أَوْتَر القوْسَ إِذا جعل لَهُ وَتَراً (لأنشدت) أَي ذكرت وقرأت، وَقد تقدم فِي المقدّمة أَنه يُقَال فِي رِوَايَة الشّعْر أنشدنا وَأخْبرنَا (بيتَيْ) مُثَنَّى بَيْت (الطائيِّ) نِسبَة إِلَى طيّئ كسيّد، على خِلاف الْقيَاس، كَمَا سَيَأْتِي فِي مادته، وَهُوَ أَبُو تَمام (حَبيب ابْن أَوْس) الشَّاعِر الْمَشْهُور، صَاحب الحماسة العجيبة، الَّتِي شرحها المرزوقي والزمخشريّ وَغَيرهمَا، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو حَيّان، أَنا لَا أَسمع عَذلاً فِي حبيب، وَيُقَال: إِنَّه كَانَ يحفظ عشرَة آلَاف أُرجوزة للْعَرَب غير القصائد والمقاطيع، وَله الدِّيوَان الْفَائِق الْمَشْهُور الجامعُ لحُرّ الْكَلَام ودُرِّ النظام، ولد بجَاسم، قريةٍ من دمشق سنة ١٩٠، وَتُوفِّي بالموصل سنة ٢٣٢ وَقيل غير ذَلِك، والبيتان اللَّذَان أَشَارَ إِلَيْهِمَا المُصَنّف قد قدَّمنا إنشادهما آنِفا، هَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمَشْهُور على أَلْسِنَة النَّاس، وَهَكَذَا قرَّر لنا مَشَايِخنَا، قَالَ شَيخنَا: وَيُقَال إِن المُرَاد بالبيتين قَول أبي تَمام:تَنْزِيل من حَكِيم حميد (ودَوْلَة النَّبي)، وَالْمرَاد اسْتِمْرَار الغَلَبة النبويّة، قَالَ: وَهَذِه الْفَقْرَة كَالَّتِي قبلهَا مُشعرة بِبَقَاء هَذِه الْعُلُوم اللسانية، وَأَنَّهَا لَا تذْهب وَلَا تَنْقَطِع وَلَو صادمتها الزعازع والشدائد، لِأَنَّهَا قريبَة ومشاكلة لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم، وللدولة النَّبَوِيَّة، فَكَمَا أَن الْقُرْآن والدولة النَّبَوِيَّة ثابتان باقيان بِبَقَاء الدُّنْيَا، وَلَا تزَال كلمة الله هِيَ الْعليا، وَلَا تزَال الدولة المحمدية صائلة، فَكَذَلِك مَا يتوصَّل بِهِ إِلَى معرفَة الْكتاب الْعَزِيز وَكَلَام النَّبِيلَا يزَال مستمرًّا على مُرُور الزَّمَان، وَإِن حصل فِيهِ فتورٌ أَحْيَانًا، كَمَا أَن الاتقاءَ والتحفظ دَائِم لَا يَزُول، فَكَذَلِك عدم التساقط، وَفِي الْكَلَام من الاستعارات الكنائية والتخييلية والترشيحية، وَفِيه جناس الِاشْتِقَاق والتزام مَا لَا يلْزم (وَلَا يَشْنَأُ) أَي لَا يبغض (هَذِه اللغةَ الشريفةَ) وَعبارَة الأَصْل: فَهِيَ اللُّغَة لَا يَشنَؤُها (إلَاّ من اهْتافَ بِهِ) افتعل من الهَيْفِ أَي رَمَاه (رِيحُ الشقاءِ) أَي الشدَّة والعسر وَخلاف السَّعَادَة، واستعار للشقاء ريح الهَيْف، لما بَينهمَا من كَمَال الْمُنَاسبَة فِي الْفساد الظَّاهِر وَالْبَاطِن، لِأَن الهَيْفَ ريحٌ شَدِيدَة حارّة، من شَأْنهَا أَن تُجَفِّف النَّبَات وتُعطش الْحَيَوَان وتُنشف الْمِيَاه أَي مَنْ بَغَض اللسانَ العربيَّ أَدّاه بُغْضه إِلَى بُغْض الْقُرْآن وسُنّة الرَّسُول، وَذَلِكَ كُفْرٌ صُرَاح، وَهُوَ الشقاءُ الْبَاقِي، نسْأَل الله الْعَفو (وَلَا يَختار عَلَيْهَا) غَيرهَا من الْعُلُوم قبل مَعْرفَتهَا (إلاّ من اعتاض) أَي استبدل الرّيح (السافِيَة) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء، وَهِي الَّتِي تحمل الترابَ وتُلقيه فِي وَجهه وتَذرّه على عَيْنَيْهِ (مِن) وَفِي نُسْخَة عَن (الشَّحْوَاء) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة ممدودًا، هُوَ الْبِئْر الواسعة الْكَثِيرَة المَاء الَّذِي هُوَ مادّة الْحَيَاة، قَالَ شَيخنَا، وَسمعت من يَقُول: السافية: الأَرْض ذَات السَّفا، وَهُوَ التُّرَاب، والسَّجْواء بِالْجِيم وَالسِّين الْمُهْملَة الْبِئْر الواسعة، وَكِلَاهُمَا عِنْدِي غير ثَابت وَلَا صَحِيح، انْتهى.
قلت: وَهَذِه النُّسْخَة أَي الثَّانِيَة هِيَ نَصعَن الإِمَام النظار أبي عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الغرناطي الْقَيْسِي الشهير بالقصّار، عَن الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد اليسيتني، عَن عَلامَة الْمغرب أبي عبد الله مُحَمَّد بن غَازِي المِكناسي والعلامة أبي عبد الله مُحَمَّد الْحطاب، هما وابنُ الرّبيع عَن الْحَافِظ أبي الْخَيْر شمس الدّين مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن السخاوي.
ح وَزَاد حسن بن عَليّ الْمَكِّيّ عَن الْمُحدث المعمَّر أبي الْوَفَاء مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن الْعجل بن العجيل الشَّافِعِي الصُّوفِي اليمني، عَن إِمَام الْمقَام يحيى بن مكرم ابْن محب الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الطَّبَرِيّ الْحُسَيْنِي، عَن الإِمَام الْحَافِظ جلال الدّين أبي الْفضل عبد الرَّحْمَن بن أبي المناقب أبي بكر السُّيُوطِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي بِهِ التقي مُحَمَّد بن فَهد، وَأَخُوهُ ولي الدّين أَبُو الْفَتْح عَطِيَّة، وولداه فَخر الدّين أَبُو بكر، والحافظ نجم الدّين عمر، والشرف إِسْمَاعِيل بن أبي بكر الزَّبيدي، وَالْفَخْر أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم المرشدي، وَأمين الدّين سَالم بن الضياء مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سَالم الْقرشِي الْمَكِّيّ، وَعلم الدّين شَاكر ابْن عبد الْغَنِيّ بن الجيعان، والمحب مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الألواحي، وَرَضي الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن ظهيرة الْمَكِّيّ، وَأَخُوهُ وليّ الدّين ومسند الدُّنْيَا على الْإِطْلَاق مُحَمَّد ابْن مقبل الْحلَبِي، كلهم مَا بَين سَماع وإجازة ومناولة عَن الْمُؤلف.
ح وَأخذ ابْن غَازِي أَيْضا عَن شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ هُوَ والسخاوي وَابْن فَهد، عَن الإِمَام الرحلة الْحَافِظ شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن حجر الْعَسْقَلَانِي قَالَ: اجْتمعت بِهِ أَي بالمجد اللّغَوِيّ فِي زبيد، وَفِي وَادي الْحصيب، وناولني جُلَّ الْقَامُوس وأَذِن لي وقرأْت عَلَيْهِ من حَدِيثه، وَكتب لي تقريظاً على بعض تخاريجي، وأنشدني لنَفسِهِ فِي سنة ثَمَانمِائَة بزبيد، وكتبهما عَنهُ الصّلاح الصَّفَدِي فِي سنة ٥٧ بِدِمَشْق:(أَحِبَّتَنَا الأماجِدَ إنْ رحلْتُمْ .
ولَمْ تَرْعوْا لَنَا عهْداً وإلاّ)النضرة، فَأقبل بِقَلْبِه وقالَبه عَلَيْهَا، وَجعلهَا كَأَنَّهَا حَاضِرَة لَدَيْهِ، وَكَأَنَّهُ مخاطِب لَهُوَهُوَ بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ: وَفِي الأَصْل قبل الْبَيْت بعد قَوْله لَا يعشق مَا نَصه: وبواسطة من خُلِق أَجود من الرّيح المرسَلة نَجِد عَرْف الجِنان، وحُبًّا لمن ألّف الْبَوَادِي نَستروِح نَسِيم الرَّنْدِ والبان، ثمَّ أنْشد:(إذَا تَنَفَّسَ من وَادِيكَ رَيْحَانُ .
تَأَرَّجَتْ مِنْ قَميِصِ الصُّبْحِ أَرْدَانُ)(إِذا تنفَّس مِنْ وَادِيك) أَي مجلسك (رَيحانُ) أَي كل ذِي رَائِحَة طيبَة (تأَرّجَتْ) أَي توهجَت (مِنْ قَمِيص (الصُّبْح) هُوَ الْفجْر (أَرْدَان) أَي أَكمام، جعل الصُّبْح كَأَنَّهُ شخص وَمَا ينتشر عَنهُ من أضوائه وأنواره عِنْد صدوع الْفجْر كَأَنَّهُ ثِيَاب يلبسهَا، وَجعل الثِّيَاب قَمِيصًا لَهُ أكمام مُتَفَرِّقَة، وقيّد بالصبح لِأَن رَوَائِح الأزهار والرياض تفوح غَالِبا مَعَ الصَّباح.
وَالْبَيْت من الْبَسِيط، وَفِيه الِاسْتِعَارَة المكنية والتخييلية والترشيح وَقُوَّة الانسجام (وَمَا أجدَر) أَي أَحَق (هَذَا اللسانَ) أَي اللُّغَة، وَفِي الأَصْل ذَلِك اللِّسَان (وَهُوَ) أَي اللِّسَان (حَبيبُ النَّفس) أَي محبوبها (وعَشِيق الطبْع) أَي معشوقه أَي حُبُّه طبيعةٌ للأذواق السليمة (وسَمِيرُ) أَي مسامِر ومحادِث (ضميرِ) أَي خاطر وقلب (الجَمْع) هم الْجَمَاعَات المجتمعة للمنادَمَة والمسامَرة والملاطفة بأنواع الْأَدَب والمُلح وَذَلِكَ لما فِيهِ من الغرائب والنوادر (وَقد وَقَفَ) أَي اللِّسَان (على ثَنِيَّة الوَدَاع) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّهَا قد أزمعت الترحال، وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا مِقْدَار مَا يعدّ توديعاً بَين الرِّجال، وَفِي الْفَقْرَة الِاسْتِعَارَة المكنية والتخييلية والترشيح (وهَمّ) أَي اعتنى واهتم وَقصد (قِبْلِيُّ) بِالْكَسْرِ مَنْسُوب إِلَى القِبلة، وَهِي جِهَة الصَّلَاة وناحية الْكَعْبَة المشرَّفة (مُزْنِه) أَي غَيْثه (بالإقلاع) أَي بالكفِّ والارتفاع، وَخص القِبليَّ لما من شَأْنه الانصباب (بِأَن يُعْتَنَقَ) الظّرْف مُتَعَلق بأجدر، أَي مَا أَحَق هَذَا اللِّسَان لشرفه وَتوقف الْأَمر عَلَيْهِ وعزمه(شَوَارِدَه) جمع شاردة أَو شارد، من الشرود: النفور، وَيسْتَعْمل فِيمَا يُقَابل الفصيح (ونَظَمُوا) أَي ضمُّوا وجمعوا (قَلائدَه) جمع قِلادة، وَهِي مَا يُجعَل فِي العُنق من الحلى والجواهر (وأَرْهَفُوا) أَي رَقَّقوا ولَطَّفوا (مَخَاذِم) جمع مِخْذم كمِنْبر: السيفُ القاطِع (البَرَاعة) مصدر بَرَع إِذا فاقَ أَصْحَابه فِي الْعلم وَغَيره، وتمّ فِي كل فَضِيلَة (وأَرْعَفوا) أَي أَسَالوا دم (مَخاطِمَ) جمع مخْطم كَمِنْبر وَكمَجْلس: الْأنف (اليَرَاعة) أَي قَصبة الكِتابة، أَي أَجْروْا دمَ أَنفِ القَلَم، وَيُقَال رَعَفت الأقلامُ إِذا تقاطر مِدادُها.
وَفِي القوافي الترصيع، وَبَين أرهفوا وأرعفوا جناسٌ مُلْحق، وَفِي البراعة واليراعة الجناس المُصحَّف، وَفِي كلٍّ مَجازاتٌ بليغة واستعاراتٌ بديعة (فألّفوا) أَي جمعُوا الفنَّ مُؤتلِفاً بعْضُه إِلَى بعضٍ (وأفادُوا) أَي بَذَلوا الفائدَة (وصَنَّفُوا) أَي جَمعوا أَصْنَاف الفنِّ مميّزة مُوضّحة (وأجادُوا) أَي أَتَوا بالجَيِّد دون الرّديء، وَفِي الألفاظِ الْأَرْبَعَة الترصيعُ والجناس اللَّاحِق (وبَلَغوا) أَي انتَهوْا ووَصَلُوا (مِن المقاصِد) جمع مَقْصَد كمقْعَد أَي الْمُهِمَّات المَقصودة (قَاصِيَتها) هِيَ وقُصْواها بِمَعْنى أَبْعدِها ومُنتهاها (وملَكوا) أَي استوْلَوْا (مِن المحاسِن) جمع حُسْن وَهُوَ الْجمال، كالمَساوى جمع سُوء (نَاصِيَتَها) أَي رَأْسَهَا، وَهُوَ كِناية عَن المِلْكِ التامّ والاستيلاء الكُلِّيِّ، وَفِي الْفَقْرَة لُزُوم مَا لَا يلْزم، والجِناس اللَّاحِق (جَزاهُم الله) أَي كافأَهم (رِضْوانَه) أَي أعظم خيرِه وكثيرَ إنعامه، قَالَ شَيخنَا: وَأخرج الترمِذِيُّ والنَّسائيُّ وَابْن حبَان بأسانيدهم إِلَى النَّبِيقَالَ " مَنْ صُنِعَ، إِلَيْهِ مَعرُوفٌ فَقَالَ لفَاعِله: جَزاك اللهُ خَيراً فقد أَبْلَغ فِي الثَّناء ".
قلت: وَقع لنا هَذَا الحَدِيث عَالِيا فِي الجزءِ الثَّانِي من المشيخة الغَيلانِيَّة من طَرِيق أبي الجَوَّاب أَحْوَص بن جوَّاب، حَدثنَا سُعيْر بن الخِمْسِ، حَدثنَا سُليمانالْأَدَب، وَله غَيره من التصانيف الفائقة، كالمقتَضَب والرَّوْضة وَغَيرهمَا (وَهُوَ القائِلُ المحقّ) وَهَذِه جملَة اعتراضية جِيءَ بهَا فِي مدح الْمبرد بَين القَوْل ومقوله وَهُوَ (لَيْسَ لِقِدَم العَهْد) أَي تقدُّمه، والعَهد: الزَّمَان (يَفْضُل) أَي يزِيد ويكْمُل (الفائل) بِالْفَاءِ، وَضَبطه الْقَرَافِيّ وَغَيره بِالْقَافِ كالأوّل، وَهُوَ غلطٌ، فَالَ رَأْيُه كباع فَهُوَ فائِلُه، أَي فاسِدُه وضَعيفه (وَلَا لِحدْثَانِه) هُوَ كحِرْمان أَي الْقرب، وَالضَّمِير إِلَى الْعَهْد (يُهتَضَم) مبنيًّا للْمَجْهُول، أَي يُظلَم ويُنتَقص من هَضَمَه حَقَّه إِذا نَقصه (المُصِيب) ضد الْمُخطئ (وَلَكِن) الْإِنْصَاف وَالْحق أَن (يُعطى كلٌّ) من فائِل الرَّأْي ومُصِيبه (مَا يسْتَحق) أَي مَا يستوجبه من الْقبُول والردّ، وَمثل هَذَا الْكَلَام فِي خُطبة التسهيل مَا نَصه، وَإِذا كَانَت العُلوم مِنحاً إلهية ومواهب اختصاصِيّة، فَغير مُستبعَدٍ أَن يُدَّخَر لبَعض المتأَخرين مَا عَسُر على كَثير من المتقدِّمين، وَالْمعْنَى أَن تَقدُّمَ الزَّمَان وتأَخُّرَه لَيست لَهُ فضيلةٌ فِي نَفسه، لِأَن الْأَزْمَان كلهَا مُتَسَاوِيَة، وَإِنَّمَا المعتبَر الرجالُ الموجودون فِي تِلْكَ الْأَزْمَان، فالمصيب فِي رَأْيه وَنَقله ونقده لَا يضرُّه تأَخُّرُ زمانِه الَّذِي أظهره الله فِيهِ، والمخطئ الفاسدُ الرأيِ الفاسِدُ الفهمِ لَا يَنْفَعهُ تقدُّم زَمَانه، وَإِنَّمَا المُعَاصرة كَمَا قيل حِجَابٌ، والتقليد المَحْضُ وَبَالٌ على صاحِبِهِ وَعَذَاب، أنشدنا شيخُنا الأديب عبد الله بن سَلامَة الْمُؤَذّن:(قُلْ لمَن لَا يَرَى المعاصِرَ شَيْئاً .
ويَرى لِلأوائِل التَّقْدِيمَا)(إِن ذَاك القديمَ كانَ حَدِيثاً .
وسَيُسْمَى هَذَا الحديثُ قَدِيمَا)وأنشدني أَيْضا لِابْنِ رَشِيق:(أُولِع الناسُ بامتداحِ القَدِيمِ .
وَبِذَمِّ الجَدِيدِ غَيرِ الذَّميمِ)(لَيْسَ إلَاّ لأَنَّهُمْ حَسَدُوا الحَيَّ .
وَرَقُّوا عَلَى العِظامِ الرَّمِيمِ)لحظّ نَفسه، ولتكون لَهُ مَكانةٌ عندهَم إِذْ مثل هَذَا يطْلب الدُّعَاء للتنصُّل مِنْهُ والتجرّد عَنهُ (وجَزيلَ الأجْر فِي الآخِرة) هُوَ الْفَوْز بِالْجنَّةِ أَو التنعم بِالنّظرِ إِلَى الْوَجْه الْكَرِيم وَحُصُول الرضْوَان، وَقد حصل الثَّنَاء فِي الدُّنْيَا، كَمَا فَازَ بِطَلَبِهِ فِي الْآخِرَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَفِيه الِالْتِزَام مَعَ الَّتِي قبلهَا والترصيع فِي أغلبها (ضارِعاً) متذلِّلاً (إِلَى مَن ينظر) أَي يتَأَمَّل (مِنْ عَالِمٍ فِي عَمَلي) هَذَا (أَن يَستُرَ عِثَارِي) أَرَادَ بِهِ الْوُقُوع فِي الْخَطَأ (وَزَللِي) محرّكة عطف تَفْسِير لما قبله (ويَسُدَّ) بِالضَّمِّ أَي يصلح (بِسَدادِ) بِالْفَتْح أَي استقامة (فَضْلِه خَلَلي) محرّكة، وَهُوَ الوهن فِي الْأَمر، والتفرّق فِي الرَّأْي، وأمرٌ مختلٌّ أَي ضَعِيف، وَإِنَّمَا خصَّ العالِم بذلك لِأَنَّهُ الَّذِي يميِّز الزلَل، وَيسْتر الخلَل، وَأما الْجَاهِل فَلَا عِبرة بِهِ وَلَا بنظرِه، بل وَلَا نَظر لِبَصرِه، وَلذَا قيل: إِن المُرَاد بِالنّظرِ هُوَ التفكُّر والتأمُّل، لَا مُطلق الإمرار، ولزيادته وكثرته عدَّاه بفي الظَّرْفِيَّة، وصيَّر الْعَمَل مظروفاً لَهُ، قَالَه شَيخنَا.
ثمَّ إِن كَلَامه هَذَا خرج مَخرَج الِاعْتِذَار عَمَّا وَقع لَهُ فِي هَذَا الْمِضْمَار، فقد قيل: من صَنَّف فقد استهْدَف نَفْسَه.
وَقل المؤتمن الساجِي: كَانَ الْخَطِيب يَقُول: من صَنَّف فقد جعل عَقْلَة على طَبَقٍ يَعرِضُه على النَّاس.
وَفِيه الجناس المحرَّف بَين " مِنْ " الجارة البيانية و " مَنْ " الموصولة المبينة بهَا، والمقلوب فِي عَالم وَعمل، والاشتقاق فِي يسدّ وبسداد، والتزام مَا لَا يلْزم، وَفِي الفقرتين الْأَخِيرَتَيْنِ الجناس اللَّاحِق والمقابلة المعنوية للستر والعثار، والزلل والسداد والخلل (و) بعد أَن ينظر فِيهِ مَعَ التَّأَمُّل والمراجعة عَلَيْهِ أَن (يُصْلِحَ مَا طَغَى) أَي تجَاوز القدْرَ المُرَاد (بِهِ القلمُ) ونسبته إِلَيْهِ من الْمجَاز العقليّ، فَالْمُرَاد بالإصلاح إِزَالَة مَا فسد فِي الْكتاب، بالتنبيه عَلَيْهِ وإظهاره، مَعَ إِيضَاح الْعذر للْمُصَنف من غير إِظْهَار شناعةٍ وَلَا حطٍّ من منصبه، وَلَا إزراءٍ بمقامه وَكَون الأولى فِي ذَلِكبزماننا، وَقد روينَا فِي الحَدِيث المسلسل بالترحم أَن السيدة عَائِشَة أُم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: رحم الله لَبِيدًا كَيفَ لَو أدْرك زَمَاننَا هَذَا حِين أنْشد بَين يَديهَا:(ذَهَبَ الذّين يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ .
وبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجرَبِ)وأنشدنا غير وَاحِد:(أمَّا الخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ .
وأَرى نِسَاءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسَائِهَا)نسْأَل الله اللطفَ والستر، إِنَّه وليّ الْإِجَابَة وَالْأَمر (وَلَا) لَهَا (مُجَاوِب) يردُّ لَهَا جوابَهَا (إلاّ الصَّدَى) وَهُوَ الصَّوْت الَّذِي يُسْمَع من أَركان السُّقوف وَالْبَاب إِذا وَقع صِيَاحٌ فِي جوانبها (مَا بَين أعلامِها) أَي علاماتها الكائنة فِيهَا (الدَّوَارِس) أَي الَّتِي عفَتْ آثارها، وَكَأن هَذَا مُبَالغَة فِي الْإِعْرَاض عَن الْعلم وَطَلَبه، بِحَيْثُ لَو قدِّر أَنه رجل طَالب يسأَل من يأْخذه لَا يُلْقَى لَهُ مجاوب وَلَا يُوجَد لَهُ دَاع وَلَا مُجيب، وَفِي الْفَقْرَة الْتِزَام مَا لَا يلْزم، وَزَاد فِي الأَصْل بعد هَذِه الْعبارَة إِن اخْتلف إِلَى الْفُقَهَاء مُحَصل بِيَدِهِ التَّعْلِيق فمسبّب الدِّيوَان وحامل البروات، أَو ألزم الْحجَّة بطرِيق التَّوْجِيه معاند فمستخرج مَال القسمات، يَقع الْخلاف وَلَا منع إِلَّا عَن الْحق الصَّرِيح، وَلَا مُطَالبَة إِلَّا بِالْمَالِ الجسيم، وَلَا مصادرة على الْمَطْلُوب إِلَّا بِضَرْب يضْطَر مَعَه إِلَى التَّسْلِيم.
إِلَى آخر مَا قَالَ (لَكِن) اسْتِدْرَاك على الْكَلَام السَّابِق، وَعبارَة الأَصْل: وَلَو شِئْت لقلْت أَسْأَرَت شِفاه اللَّيَالِي من الْقَوْم بَقَايا، وأخلفت بواسقُ النّخل ودَايَا، بلَى (لم يَتَصَوَّحْ) أَي لم يتشقق وَلم يَجِفَّ، وَصَاح النبت وصَوّح وتَصَوّح: يَبِس وجَفَّ، وَظَهَرت فِيهِ الشقوق (فِي عَصْفِ) بِفَتْح فَسُكُون أَي هبّ (تِلْكَ البَوَارِح) وَهِي الرِّيَاح الشَّدِيدَة الحارّة الَّتِي تهبّ بِشدَّة فِي الصَّيف، وَالْمرَاد بهَا تِلْكَ الْحَوَادِث والمصائب (نَبْتُ تِلْكَ الأبَاطِح) عبارَةالمعجة، وَهُوَ تَصْحِيف (بِمَا) أَي بالسِّرّ والتخصيصِ الَّذِي (لم ينَلْه) أَي لم يُعْطَه، من النَّوال، أَو لم يُصِبْه بِسرٍّ وخُصوص وَلم يظفرْ بِهِ (العبهَرُ) نبتٌ طيِّبٌ مشهورٌ (والجادِي) بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة، كَذَا فِي النُّسْخَة الرَّسولية والملكية، وحُكِي إعجام الدالِ لُغَة، وَالْيَاء مشدَّدة خُفِّفت لمراعاة القوافي، وَهِي نِسْبة إِلَى الجادِيَةِ قَرْبة بالبلقاء، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الأساس: سَمِعت من يَقُول: أَرْض البلقاءِ أَرْضُ الزعفرانِ، وأَقرَّه المناوِيُّ، وَالْمعْنَى أَن الله تَعَالَى خصَّص النباتات البدويّة كالغَضا والقَيْصوم والشّيح، مَعَ كوْنِها مُبتذَلةً، بأسرارٍ ودقائقَ لم تُوجَد فِي النباتَاتِ الحَضَريَّة المُعَظَّمة المُعدّة للشَّمِّ والنَظَرِ كَالنّرجِس والياسمين والزعفران، وَفِي ضمن هَذَا الْكَلَام تخصيصُ العربِ بالفصاحة والبلاغة، وَاقْتضى أَن فِي عُروق رعْيِ أرضِهم وخِصْب زمانهم من النَّفْع والخاصّيّة مَا لم يَكن فِي فاخِرِ مَشموماتِ غَيرهم، وَهُوَ ظَاهر، وَفِي نُسْخَة مِيرزا عَليّ الشِّيرَازِيّ: الخادِي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَهُوَ غلَطٌ، وَفَسرهُ قَاضِي الْأَقْضِيَة بكَجرات، بالمُسترْخِي، فأَخطأ فِي تَفْسِيره، وَإِنَّمَا هُوَ الخاذي، بمعجمتين، وَلَا يُناسب هُنَا، لمُخَالفَته سائِر الفِقَر وَكَذَا تَفْسِيره العبْهر بالممتلِئ الْجِسْم الناعم، لبُعْده عَن مغزى المُراد.
وَبَين القَيْصومِ والقصِيمِ جِناسُ الاشتقاقِ ومُراعاة النّظير بَين كلٍّ من النَّباتين (ومُفيضِ) من أَفاضَ الماءَ فَفَاضَ، وأفاض أَيْضا إِذا جرى وكثُر حَتَّى مَلأ جوانبَ مَجراه (الأيادي) جمع أَيْدٍ جمْع يَدٍ فَهُوَ جَمْعُ الجمعِ، واليَد أَصلٌ فِي الجارِحة، وَتطلق بِمَعْنى القُوّة، لِأَنَّهَا بهَا، وَبِمَعْنى النِّعْمَة لِأَنَّهَا تُنَاوِلُها، والمُراد هُنَا النِّعم والآلاء (بالرَّوائِح) جمع رَائحةٍ، وَهِي المَطرة الَّتِي تكون عَشِيَّةً (والغوادي) جمع غادِيَة، وَهِي المَطرة الَّتِي تكون غدْوةً، وَالْبَاء إمَّا سَببيَّة أَو ظرفيَّة، وَالْمرَاد بالروائح والغوادِي إِمَّا الأمطارُ، أَي مُفيض النِّعَم بِسَبَبِهَا لمن يَطلبها، أَو مُفيضها فِيهَا، لِأَن الأمطار ظروفٌ للنِّعم، أَو أَن المُرَاد بهما عُمُومُ الْأَوْقَات، فالباء إِذا ظرفيّة،التَّيمي، عَن أبي عُثمان النَّهْدِيّ، عَن أُسامة بن زيدٍ رَضِي الله عَنهُ، فَذكره.
وَفِي أُخرى عَنهُ " إِذا قالَ الرجُلُ لِأَخِيهِ: جَزاكَ اللهُ خيرا فقد أبْلَغ " (وأَحَلّهم) أَي أنزلهم (مِن رِيَاض) جمع رَوْضة أَو رَيْضة وَقد تقدم (القُدْس) بِضَم فَسُكُون وَقيل بضمَّتين ورِياض الْقُدس هِيَ حَظيرَتُه، وَهِي الجَنّة، لكَونهَا مُقدَّسة أَي مُطهَّرَة مُنزَّهة عَن الأقذار (مِيطانه) المِيطان كمِيزان موضِعٌ يُهيَّأ لإرسال خَيْلِ السِّباق، فَيكون غَايَة فِي الْمُسَابقَة، أَي وأنزلهم، من محلَاّت الجِنان أَعْلَاهَا، وَمَا تَنتهِي إِلَيْهَا الغاياتُ، بِحَيْثُ لَا يكون وراءَها مَرْمَى أبصارٍ، وَالضَّمِير يعود إِلَى الْقُدس، وَلَو قَالَ رَوْض القُدس كَانَ أجلَّ، كَمَا لَا يَخفى، وَلَكِن الرِّواية مَا قَدَّمنا، وَمِنْهُم من قَالَ إِن مِيطان جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ، وتكلَّف لتصحيح مَعْنَاهُ فَاعْلَم أَنه من التأويلات الْبَعِيدَة الَّتِي لَا يُلتَفت إِلَيْهَا وَلَا يُعوَّل عَلَيْهَا.
(هَذَا) هُوَ فِي الأَصْل أَدَاة إِشَارَة للقريب، قُرنت بأداة التَّنْبِيه، وأُتي بِهِ هُنَا للانتقال من أُسلوب إِلَى أُسلوب آخَر، وَيُسمى عِنْد البلغاء فصْل الخِطاب.
وَالْمعْنَى خُذْ هَذَا أَو اعتمِدْ هَذَا (وَإِنِّي قد) أَي وَالْحَال أَنِّي قد (نَبَغْت) بالغين الْمُعْجَمَة، كَذَا قرأته على شَيخنَا أَي فقت غَيْرِي (فِي هَذَا الفنّ) أَي اللُّغَة، وَمِنْهُم من قَالَ: أَي ظَهرت، والتفوّق أَوْلى من الظُّهُور، وَفِي النُّسْخَة الرسولية فِي هَذَا الصِّغْو بِالْكَسْرِ، أَي النَّاحِيَة من الْعلم، واستغرَبها شيخُنا واستصوب النُّسْخَة الْمَشْهُورَة، وَهِي سماعُنا على الشُّيُوخ، وَاسْتعْمل الزمخشريُّ هَذِه اللَّفْظَة فِي بعض خطب مؤلّفاته، وَفِي بعض النّسخ نَبعْت بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَعَلَيْهَا شرح القَاضِي عِيسَى بن عبد الرَّحِيم الكجراتي وَغَيره، وتكلَّفوا لمعناه، أَي خرجت من ينبوعه، وَأَنت خبيرٌ بِأَنَّهُ تكلّف مَحّض، ومخالف للروايات، وَقيل: إِن نبَع بالمهملةِ لُغَة فِي نبغ بِالْمُعْجَمَةِ، فَزَالَ الْإِشْكَال (قَدِيما) أَي فِي الزَّمن الأوّل حَتَّى حَصلتْ لَهُ مِنه الثَّمَرَة (وَصَبَغَت) أَي لوَّنت (بِهِ) أَي بِهَذَا الْفَنّ (أَدِيما) أَي الجِلد المدبوغ،(على مَناكِبِ) جمع مَنكِب كمجلس، وَهُوَ رَأس العضُد والكَتِف، لِأَنَّهُ يعْتَمد عَلَيْهِ (الْآفَاق أَرْدِيَةُ) جمع رِدَاء، مَا يُرتَدَى بِهِ (عَواطِفِه) جمع عَاطِفة، وَهِي الخَصلَة الَّتِي تَحمل الْإِنْسَان على الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة كالرَّحِم وَنَحْوهَا (وتَسِيل طِلَاعَ) بِالْكَسْرِ أَي ملءَ (الأرضِ) وَفِي التوشيح: طِلاعُ كلِّ شيءٍ: مِلْؤُه (للإرْفَاق) بِالْكَسْرِ مصدر أرفَقَ بِهِ إِذا نَفعه وَأَعْطَاهُ وتلطَّف بِهِ، وَهَذِه اللَّفْظَة سَقَطت من نُسْخَة الأَصْل، وَنَصهَا بعد الأَرْض (أَوْدِيةُ) جَمع وَادٍ (عَوارِفِه) جمع عارفة وَهِي الْمَعْرُوف والعِطيَّة، وَفِي الفقرتين اسْتِعَارَة مكنية، وتخييلية وترشيح والترصيع والجناس اللَّاحِق (وتَشمَلُ) أَي تعُمُّ (رأْفتُه البلادَ والعِباد، وتَضْرِبُ دُون المِحَنِ) بِالْكَسْرِ جمع مِحْنَة وَهِي البَليَّة والمُصِيبة أَي يُحَال دونهَا (والأضدادِ) جمع ضِدّ بِالْكَسْرِ، هُوَ الْمُخَالف والعَدُوُّ (الجُنَنَ) جمع جُنَّة بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد وَهِي الوِقاية (والأسْدَاد) وَنَصّ عبارَة الأَصْل: وَيضْرب دون المحن الأسْداد، جمع سُدّ بِالضَّمِّ وَهُوَ الحاجز، يَعْنِي أَن هَذَا الممدوح لعلّو هِمته وَكَمَال رأْفته يحول بَين متعلقاته وَبَين المحن والبلايا والأضداد والأعداء بأنواع الْمَوَانِع والحجب الَّتِي تحفظهم من الْآفَات، وَفِيه الترصيع والالتزام، وَمن قَوْله تهب إِلَى هُنَا كلهَا عبارَة شرف إيوَان الْبَيَان الْمُتَقَدّم ذِكرُها (وَلم يَسَعِ البليغَ) مفعول مُقَدَّم وفاعله (سِوَى سُكُوتِ الحُوتِ بمُلتَطِمِ) صِيغَة اسْم فَاعل من التطمت الأمواج إِذا ضرب بَعْضهَا بَعْضًا (تَيَّار) كشدّادٍ مَوْج (بِحارِ فوائدِهِ) يَعْنِي أَن البليغ غرق فِي تيّار بَحر عطاياه المتلاطمة الأمواج، فَلَا يَسعهُ إِلَّا السُّكُوت، كالحوت الَّذِي امْتَلَأَ فوه بِالْمَاءِ فَلَا يَسْتَطِيع كلَاما لامتلاء فِيهِ (وَلم تَرْتَمِ) افتعال من الرمْي (جَوَاري الزُّهْرِ) أَرَادَ بهَا النُّجُوم الزاهرة من الجَوارِي الكُنَّس (فِي) مُتَعَلق بترتم (البحرِ الأخضرِ) الْعَظِيم (إلاّ لِتُضَاهِيَ) أَي تشابه وتشاكل (فرائدَ) أَي شذور (قَلائِدِهِ) وَالْمعْنَى أَن الْجَوَارِي الكنس الزاهرة لمالذَّام، وَهُوَ العَيْب، وَقَالَ بعضُهم: الدَّمَان كسَحاب من مَعَانِيه السَّرقين ويُراد بِهِ لازِمُه، وَهُوَ الحَقارة، هَذَا هُوَ الْمُنَاسب هُنَا، على حسب سَماعنا من الْمَشَايِخ، وَفِي بعض الأُصول بِكَسْر الْمُهْملَة أَو ضمهَا وَتَشْديد الْمِيم، مَصدرٌ من الدمَّامة وَهِي الحَقارة (لتمثَّلْت) يُقَال تمثّل بالشعر إِذا أَنشده مرَّةً بعد مرَّةٍ (بقول) أبي الْعَلَاء (أَحْمد بن) عبد الله بن (سُليمان) بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان المعَرِّيّ التنوخيّ القُضاعيّ اللغويّ، الشَّاعِر الْمَشْهُور، الْمُنْفَرد بِالْإِمَامَةِ، ولد يَوْم الجُمعة لثلاثٍ بَقينَ من ربيع الأوّل سنة ٣٦٣ بالمعرّة، وعمى بالجُدَرِيّ، وَكَانَ يَقُول إِنَّه لَا يعرف من الألوان غير الحُمرة، وَتُوفِّي فِي الثَّالِث من ربيع الأول سنة ٤٤٩ (أديب) وَهُوَ أَعَمُّ من الشَّاعِر، إِذْ الشِّعر أَحدُ فُنون الأَدب، وَهُوَ أَبلغ فِي الْمَدْح، وأضافه إِلَى (مَعَرّة النّعمانِ) لِأَنَّهَا بلدته، وَبهَا وُلد، وَهِي بَين حَلب وحَماة، وأُضيفت إِلَى النُّعمان بن بَشيرٍ الأنصاريّ، رَضِي الله عَنهُ، فنُسِبت إِلَيْهِ وَقيل: دفن بهَا ولَدٌ لَهُ، وَالْقَوْل الَّذِي أَشار إِلَيْهِ هُوَ قَوْله من قصيدة:ومطلعها:(وَإِنِّي وَإِن كُنْتُ الأخِيرَ زمَانُهُ .
لآت بِمَا لم تَسْتَطِعْه الأوائِلُ)(أَلَا فِي سَبيل المَجْدِ مَا أَنَا فَاعِلُ .
عَفَافٌ وإقبَالٌ ومَجْدٌ ونَائِلُ)وَفِي الْفَقْرَة الِالْتِزَام والجِناس التامُّ بَين مَعرّة والمعرَّة (وَلَكِنِّي أَقُول كَمَا قَالَ) الإِمَام (أَبُو الْعَبَّاس) مُحَمَّد بن يزِيد ابْن عبد الْأَكْبَر الثُّماليّ الأَزديّ البصريّ الإِمَام فِي النَّحْو واللغة وفنون الْأَدَب ولقبه (المبرّد) بِفَتْح الرَّاء المشدّد عِنْد الْأَكْثَر، وَبَعْضهمْ يكسر، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول بَرّد الله من بَرّدني، أَخذ عَن أبي عُثمانَ المازنيّ وَأبي حاتِمٍ السجسْتانِي وطبقتهما، وَعنهُ نفطَوَيْه وأَصحابه، وَكَانَ هُوَ وثعلب خَاتِمَة تَارِيخ الأُدباء، ولد سنة ٢١٠ وَتُوفِّي سنة ٢٨٦ بِبَغْدَاد (فِي) كِتَابه الْمَشْهُور الْجَامِع وَهُوَ (الْكَامِل) وَقد جعله ابنُ رَشِيق فِي العُمدة من أَركان الْأَدَب الَّتِي لَا يَسْتَغنِي عَنْهَا مَنْ يُعانيعَنهُ فِي مظانِّه فَلَا تَجدهُ، ومجاوزة الْمَشَاهِير لَيست لكل إِنْسَان، وَإِنَّمَا هِيَ بعد حفظ المشهورات، فَلَا يَتَأَتَّى لمن لم يدرس الكُتب وَلَا اعتنى بالمحفوظ أَن يَقُول قد عدمت السَّماع فيختار فِي اللَّفْظَة يفعِل أَو يفعُل، لَيْسَ لَهُ ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم إِذا عُرف أَن الْمَاضِي على وزن فعل بِفَتْح الْعين وَلم يعرف الْمُضَارع، فَالْوَجْه أَن يَجْعَل يفعِل بِالْكَسْرِ، لِأَنَّهُ أَكثر، والكسرة أَخف من الضمة، وَكَذَا قَالَ أَبُو عَمْرو الْمُطَرز حاكياً عَن الْفراء إِذا أشكل يفعُل أَو يفعِل فبتْ على يفعِل بِالْكَسْرِ، فَإِنَّهُ الْبَاب عِنْدهم، قلت: وَمثله فِي خَاتِمَة الْمِصْبَاح، وَقد عقد لَهُ ابنُ دريدٍ فِي كتاب الْأَبْنِيَة من الجمهرة بَابا، وَنَقله ابْن عُصفور وَغَيره، قَالَ شَيخنَا: ومقالة أبي زيد السَّابِق ذكرهَا قد ذكرهَا ابْن القُوطية فِي صدر كِتَابه، وَكَذَا ابنُ القطاع فِي صدر أَفعاله مَبْسُوطا، وَالشَّيْخ أَبُو حَيَّان فِي البحرِ، وَأَبُو جَعْفَر الرُّعيني فِي اقتطاف الأزاهر، ثمَّ إِنَّه قد وجد بعد هَذَا الْكَلَام زِيَادَة، وَهِي فِي نُسْخَة شَيخنَا وَشرح عَلَيْهَا كَمَا شرح الْمَنَاوِيّ وَغَيره.
(و) من المحاسن الدالّة على حسن اختصاره أَن (كلّ كلمة عرَّيْتها) أَي جرَّدتها (عَن الضَّبْط) فِيهِ بِأَن لم أتعرض لَهَا بِكَوْنِهَا بِالْفَتْح أَو الضَّم أَو الْكسر (فَإِنَّهَا بِالْفَتْح) فِي أَوله، فإهمالها من الضَّبْط هُوَ ضَبطهَا (إلاّ مَا اشْتهر بِخِلَافِهِ اشتهاراً رَافعا للنزاع) أَي الْخُصُومَة (من البَيْن) فَإِنَّهُ على مَا هُوَ الْمَشْهُور فِي ضَبطه، وَفِي الْفَقْرَة الْتِزَام، وَهَذِه النُّسْخَة سَاقِطَة عندنَا من بعض الأُصول وَلذَا أهملَها المحبُّ بن الشّحْنَة والبدر الْقَرَافِيّ وَغَيرهمَا، كَمَا قَالَه شَيخنَا.
قلت: وَلَو أهملها من أهمل فَلَا خلاف أَنَّهَا من اصْطِلَاح المُصَنّف وقاعدته، كَمَا هُوَ مَشْهُور (وَمَا سوى ذَلِك) مِمَّا ذكرنَا من التعرِية عَن الضَّبْط وَالتَّقْيِيد (فأُقيّده) من الْإِطْلَاق (بِصَرِيح الْكَلَام) أَي خالصه وَظَاهره، أَو أكتبه بالْكلَام الصَّرِيح الَّذِي لَا شُبهة فِيهِ وَلَا اختلال وَلَا كِنَايَة، حَال كوني (غير مُقْتَنع) أَي غير مكتف وَلَا مجتز (بتوشيح القِلام) بِالْكَسْرِ جمع قَلَم، وَهُوَ مقيسمَوْصُوفا بصِغَر الحجْمِ مَعَ سُرْعة الْوُصُول إِلَى فهم مَا فِيهِ، وَالَّذِي يظْهر عِنْد التأمُّل أَن السُّؤَال حَصل فِي الِانْصِرَاف عَن إتْمَام اللامع لِكثرة التَّعَب فِيهِ إِلَى جمع هَذَا الْكتاب (على ذَلِك النِّظام) أَي النهْج والأُسلوب، أَو الْوَضع وَالتَّرْتِيب السَّابِق (وعَمَلٍ) مَعْطُوف على كتاب أَي خَاص (مُفرَّغ) بِالتَّشْدِيدِ، أَي مَصبوب، من فَرِغَ إِذا انْصَبَّ، لَا من فَرَغ إِذا خلا كفرَغَ الْإِنَاء أَو فنِيَ كفرَغَ الزادُ، وتشبيهُ الْعَمَل بالشَّيْء الْمَائِع اسْتِعَارَة بالكِناية، وَإِثْبَات التفريغ لَهُ تَخييلية على رَأْي السَّكَّاكِي، وعَلى رَأْي غَيره تحقيقيّة تَبعيّة (فِي قَالَب) بِفَتْح اللَّام وتكسر آلَة كالمِثال يُفرَغ فِيهَا الجواهرُ الذائبة (الإيجاز) الِاخْتِصَار (والإحكام) أَي الإتقان (مَعَ الْتِزَام إتْمَام الْمعَانِي) أَي إنهائها إِلَى حدٍّ لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء خَارج عَنهُ، والمعاني جمع معْنًى، وَهُوَ إِظْهَار مَا تَضمَّنه اللَّفْظ، من عَنَتِ القِرْبة: أظَهَرت ماءَها، قَالَه الرَّاغِب (وإبرام) أَي إحكام (المباني) جمع مَبنى، اسْتعْمل فِي الْكَلِمَات والألفاظ والصِّيغِ الْعَرَبيَّة، وَفِي الفقرتين الترصيع.
وَفِي بعض النّسخ إبراز بدل إبرام، أَي الْإِتْيَان بِها ظَاهِرَة من غير خفاءٍ (فصَرَفْت) أَي وَجَّهْت (صَوْب) أَي جِهة وناحية، وَهُوَ مِمَّا فَاتَ المؤلّف (هَذَا المقصِد عِناني) أَي زِمامي (وألّفت هَذَا الكتابَ) أَي الْقَامُوس، وللسيّد الشريف الْجِرْجَانِيّ قُدِّس سرّه فِي هَذَا كَلَام نَفِيس فَرَاجعه (مَحذُوف الشواهِد) أَي متروكها، والشواهد هِيَ الجزئيات الَّتِي يُؤْتى بهَا لإِثْبَات الْقَوَاعِد النحوية، والألفاظ اللُّغَوِيَّة، والأوزان العَروضية، من كَلَام الله تَعَالَى، وَحَدِيث رَسُول الله، أَو من كَلَام الْعَرَب الموثوقِ بعرَبيَّتهم على أَن فِي الِاسْتِدْلَال بِالثَّانِيعلى الرحيل أَن يعامَل مُعاملة المفارِق فيُعْتَنق (ضمًّا والتزاماً كالأحبّة) أَي كَمَا يَضمُّون الصُّدُور على الصُّدُور، ويلتزمون بالنحور (لدَى التوديع) أَي مُوَادعة بَعضهم بَعْضًا (ويُكْرَم بِنَقْل الخطوات) أَي بِالْمَشْيِ مُتبعاً (على آثاره) أَي بَقِيَّته كالأعِزَّة، كَمَا فِي نُسْخَة الأَصْل (حالةَ التشييع) قَالَ شَيخنَا: وَقد أورد هَذَا الْكَلَام على جِهَة التَّمْثِيل حضًّا وحثًّا على تعلُّم اللُّغَة والاعتناء بشأنها وتحصيلها بِالْوَجْهِ الْمُمكن، وَإِن لم يُمكن الْكل فَلَا بُد من الْبَعْض فَجَعلهَا كشخص تهيَّأَ للسَّفر، ووقف على ثَنِيَّة الوَداع، وَأوجب تَشييعه وتَوْدِيعه بالاعتناق الْمُشْتَمل على الضمّ والالتزام الَّذِي لَا يكون إلَاّ للخاصة من الأحبَّة فِي وَقت التوديع، وحث على نقل الخُطا فِي آثاره حَالَة التشييع، كَمَا يفعل بِالصديقِ المضنون بمفارقته، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الزَّمن السَّابِق، من تَعْظِيم أهل اللُّغَة، وإنالتهم جلائل المكاسب فَقَالَ (وَإِلَى الْيَوْم) أَي إِلَى هَذَا الزَّمَان الَّذِي كَانَ فِيهِ (نَالَ القومُ) أَي أخذُوا وأدركوا (بِهِ) أَي بِسَبَب هَذَا اللِّسَان (الْمَرَاتِب) الجليلة (والحُظوظ) الجسيمة (وَجعلُوا) أَي صيروا (حَماطَة) بِالْفَتْح والمهملتين صَميم (جُلْجُلَانِهِم) بِالضَّمِّ أَي حَبَّة قلبهم، قَالَ شَيخنَا: وَهُوَ مَأْخُوذ من كَلام سيدنَا عليٍّ رَضِي الله عَنهُ، كَمَا مرَّ، وَفِي الأَصْل: جعلُوا حَمَاطة قُلُوبهم (لَوْحَه) أَي صَحِيفَته (الْمَحْفُوظ) المحروس، أَي جعل قلبه لَوْحَ ذَلِك الشَّيْء، فَإِن الْإِنْسَان إِذا أَكثر من ذكر شَيْء لَازمه وسلَّط قلبه على حفظه ورعايته.
وَفِي الْفَقْرَة تضمين (وفاح) أَي انْتَشَر (مِن زهر) أَي نَوْر (تِلْكَ الخمائِل) جمع خَمِيلة (وَإِن أَخطأَه) أَي تجاوزه فَلم يُصِبْه (صوْبُ) أَي قصد أَو نزُول (الغُيُوث) الأمطار (الهَواطل) الغزيرة المتتابعة الْعَظِيمَة الْقطر (مَا تتولّعُ بِهِ) أَي تستنشقه (الْأَرْوَاح) وتحِنُّ لَهُ النُّفُوس (لَا) من الأُمور الْعَارِضَة الَّتِي تَأْخُذهُ (الرِّياح) والأَهْوِية فتفرِّقه، فَفِيهِ الْمُبَالغَة وجناس الِاشْتِقَاق (وتُزْهَى) مَبْنِيا للْمَجْهُول على الفصيحبقيّة بَابه وَانْفَرَدَ عَن ذَلِك شاذًّا.
قلت وَقد تقدم طَرف من ذَلِك فِي المقدِّمة، قَالَ شَيخنَا: وَهَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي العُدول عَنهُ، على أَن المُصَنّف أخلَّ بِهَذَا الشَّرْط، بل وَبِغَيْرِهِ من شُروطه، فَهِيَ أغلبيَّة، لَا لَازِمَة، فَظَاهر كَلَامه أَنه لَا يذكر سادة وقادة، وَقد ذكر كلاًّ مِنْهُمَا فِي مادّته، نعم أهمل باعَة على الشَّرْط، وَذكر عَالَة وذَادة وَغَيرهمَا.
وَقَالَ المحبّ بن الشّحْنَة والقرافي: إِن فِي الْكَلَام تقدِيماً وتأخيراً، حَدَاه عَلَيْهِ التقْفِية، أَي لم يذكر مَا جاءَ على وزن فَعَلة مَفْتُوح الْعين إِذا كَانَت عَنهُ حرف عِلّة، كجَوَلة وخَوَلة وأشباههما لاطراده، أَي لمشابهة بعضِه بَعْضًا، قَالَ شَيخنَا: وَفِيه نظر، فَإِنَّهُ لَا قافية هَا هُنَا، بل جاءَ بِهذا الْكَلَام ترسيلاً، كَمَا هُوَ ظَاهر، وَقَالَ الشَّيْخ الْمَنَاوِيّ: قَوْله كجَولَة وخَولة فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَالْأَصْل: لَا أذكر مَا جَاءَ على وزن فَعَلة مَفْتُوح الْعين إِذا كَانَت عينه حرف عِلّة، كجَوَلَة وخَوَلة وَنَحْوهمَا، وَإِنَّمَا أذكر مَا جَاءَ صَحِيح الْعين، كدَرَجَة، وخَرَجة، انْتهى.
وَالصَّحِيح مَا قدَّمناه، وَبِمَا نَقَلْنَاهُ عَن المزهر يبطل كلامُ الْقَرَافِيّ فِي الاطِّراد.
ثمَّ شرع فِي بَيَان الْوَجْه الثَّالِث من وُجُوه التحسين الَّذِي أودعها هَذَا الْكتاب بقوله:(وَمن بَديع اختصاره) أَي الَّذِي ابتدعه وَلم يَسبقه بِهِ غَيره (وحُسْن ترصيع) أَي تحلية (تِقْصَاره) بِالْكَسْرِ هِيَ القلادةِ، وَفِي الْفَقْرَة مَعَ شبه الترصيع الِالْتِزَام (أَنِّي إِذا ذكرت صِيغة الْمُذكر) أَي بِنْيَته وهَيْأَته (أتبعتها) أَي ألحقتها بعد صِيغَة الْمُذكر (المؤنّث بِقَوْلِي وَهِي) أَي الأُنثى (بهاء) أَي هَاء التَّأْنِيث، كَمَا ستعلم أمثلته (وَلَا أُعيد) أَي لَا أُكرر (الصِّيغة) مرّةً ثَانِيَة، بل أَترك ذَلِك وأَحذفه اختصارًا إِلَّا فِي بعض الْمَوَاضِع لموانع تتَعَلَّق هُنَاكَ، وَفِي بَعْضهَا سَهوا من الْمُؤلف، كَمَا تَأتي الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي مَحَله.
(و) الْوَجْه الرَّابِع من وُجُوه التحسين أَنِّي (إِذا ذكرت الْمصدر) وَهُوَ اللَّفْظ الَّذِي(الهُجْنَة) قُبْحُ الْكَلَام (والعُجْمة) العجْز عَن إقامةِ الْعَرَبيَّة لعُجمة اللِّسَان (والضَّوادي) الكلامُ الْقَبِيح أَو مَا يُتَعلَّل بِهِ، وَالْمعْنَى أَي لَا يلْحقهُشيءٌ مِمَّا ذكر، وَلَا يتَّصِف بِهِ، وَقد تقدم فِي المقدِّمة " أَنا أفْصَحُ منْ نَطق بالضَّاد بَيْدَ أنِّي من قُرَيْش " الحَدِيث، وتقدَّم أَيْضا بيانُ أفصحيَّتِه،، وتَعجُّب الصحابةِ رِضوانُ الله عَلَيْهِم مِنْهُ، وَفِيه مَعَ مَا قبله نوعٌ من الجِناس، قَالَ شَيخنَا: وَهَذِه اللَّفْظَة مِمَّا استدركها المؤلفُ على الجوهريِّ وَلم يُعرَف لَهُ مُفْرد (مُحَمَّد) قَالَ ابْن القيّم: هُوَ عَلَمٌ وصِفة، اجْتمعَا فِي حَقِّه، وعلَم مَحْضٌ فِي حقّ من تَسمَّى بِهِ غَيره، وَهَذَا شأْنُ أسمائِه تَعَالَى وأسماءِ نَبيّه، فَهِيَ أعلامٌ دالَّة على معانٍ، هِيَ أوصافُ مَدْحٍ، وَهُوَ أعظم أَسْمَائِهِوَأَشْرَفهَا وأشهرها، لإنبائه عَن كَمَال ذَاته، فَهُوَ المحمودُ مرَّةً بعد مرَّةٍ، عِنْد الله وَعند الملائِكة، وَعند الْجِنّ وَالْإِنْس، وَأهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وأُمتُه الحمَّادُون وبيدِه لواءُ الْحَمد، وَيقوم المقامَ المحمودَ يومَ الْقِيَامَة، فيحمَدُه فِيهِ الأوَّلون والآخِرُون، فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة والسلامُ الحائزُ لمعاني الحمدِ مُطلقًا.
وَقد ألَّف فِي هَذَا الاسمِ المبارَك وبيانِ أسرارِه وأنوارِه شيخُ مشايِخنا الإِمَام شَرَفُ الدِّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد الخليليّ الشافعيّ نزيلُ بيتِ الْقُدس كُرَّاسةً لَطيفةً، فراجِعْها (خَيْرِ) أَي أَفضَلِ وأَشرفِ (مَنْ حَضَر) أَي شهد (النَّوادِي) أَي الْمجَالِس مُطلقًا، أَو خَاص بمجالس النَّهارِ أَو الْمجْلس مَا داموا مُجْتَمعين فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (وأفصحِ) أَي أَكثر فصاحةً من كُلِّ (من رَكِب) أَي علا واستوى (الخَوادي) هِيَ الْإِبِل المُسرِعة فِي السَّيْر، وَيسْتَعْمل فِي الْخَيل أَيْضا، مفردها خادٍ أَو خادِيَة، وَإِنَّمَا خصت الْإِبِل لِأَنَّهَا أَعظمُ مراكِب الْعَرَب وجُلُّ مَكَاسِبها (وأَبلَغِ) اسْم تَفْضِيل من البَلاغة، وَهِي المَلَكةُ، وتقدَّم تَعْرِيفهَا (مَنْ حَلَب) أَي استخرج لَبَن (العَوَادِي) هِيَ الْإِبِل الَّتِي تَرْعَىلفظ الجوهرِي، ومرادُه الْمُمَاثلَة فِي الْوَزْن لَا الأَصْل، لقَوْله فِي فصل الباءِ نقلا عَن أبي عليٍّ: إِن أصل بُرة بَرْوَةٍ بالفَتحِ، قَالَ: لِأَنَّهَا جُمعت على بُرًى مثل قَرْية وقُرًى، وَضبط فِي بعض النّسخ بِفَتْح اللَّام، وَهُوَ غلطٌ، لفساد الْمَعْنى، لِأَنَّهُ يكون حِينَئِذٍ من لَغِى يَلْغَى لَغًا إذَا هَذَى، وَقِيَاس بَاب عَلِم إِذا كَانَ لَازِما أَن يجِئ على فَعَلٍ، كفِرح فَرحا، قَالَ شَيخنَا، وَفِي الفقرتينِ شِبْهُ الجِناس المحرَّف، وعَلى النُّسْخَة الثَّانِيَة المُلحق، ويأْتي جمعُ لُغةٍ على لُغاتٍ فَيجب كسرُ التاءِ فِي حَالَة النَّصْب، وَحكى الكسائيُّ، سمعتُ لُغاتَهم، بِالْفَتْح، تَشْبِيها لَهَا بِالتَّاءِ الَّتِي يُوقف عَلَيْهَا (فِي الْبَوَادِي) أَي حالةَ كونِهم فِيهَا، وسوَّغ مجيءَ الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ كونُ الْمُضَاف عَاملا فِيهِ، وَهِي جمع بادِيةٍ سَمَاعا وَقِيَاسًا، واشتقاقها من البُدُوِّ، وَهُوَ الظُّهُور والبُرُوز، وَإِنَّمَا قُيِّد بذلك لِأَن الْمُعْتَبر فِي اللغاتِ مَا كَانَ مأْخوذًا عَن هَؤُلَاءِ الأعرابِ القاطنين بالبادِية، للحِكمة الَّتِي أَوْدَعها اللهُ سُبْحَانَهُ فِي لِسانهم، مَعَ مَظِنَّةِ البُعْدِ عَن أسرارها ولَطائِفِها وبدائِعها (ومُودِعِ) ، مِن أَوْدَعه الشَّيْء إِذا جعله عِنْده ودِيعةً يَحفَظُه لَهُ (اللسانِ) أَي لسانِ البلغاءِ (أَلْسَنَ) أفعلَ من لَسِنَ كفرِح لَسَنًا فَهُوَ لَسِنٌ ككتِف، وأَلْسن كأَحْمَر، فَهُوَ صِفة أَي أفْصح (اللُّسُن) بِضَمَّتَيْنِ جمع لِسان بِمَعْنى اللغةِ (الهَوادى) جمع هادية وهادِ، وَهُوَ المُتقدِّم من كلِّ شيءٍ وَمِنْه يُقَال لِلعُنق: الْهَادِي، وَالْمعْنَى مُودِع لِسانِ البلغاءِ أفصحَ اللُّغاتِ المُتقدِّمة فِي أَمرِ الفصاحةِ أَي الفائِقة فِيهِ، فَإِن الشَّيْء إِذا فاق فِي أَمرٍ وَبلغ النهايةَ فِيهِ يُقَال: إِنَّه تقدّم فِيهِ، وَفِي البُلغاء واللَغى وَاللِّسَان وَمَا بعده من الجناس مَا لَا يَخفَى (ومُخَصِّص) ، أَي مُؤْثِر ومُفْضّل (عُروقِ) جمع عِرْق من كُلِّ شَيْء أَصلُه (القَيْصُوم) نَبْتٌ طيِّبُ الريحِ خاصٌّ بِبِلَاد الْعَرَب (و) مُخصّص (غَضَا) مقصورٌ، وَهُوَ شجرٌ عربِيٌّ مَشْهُور (القَصِيم) جمع قَصيمةٍ، رملةٌ تُنْبِت الغَضا، وَفِي بعض النّسخ بالضادوالدَّعة والراحة الَّتِي ينشأُ عَنْهَا النّوم، يَعْنِي إشهار سيوف الْعدْل كَانَ سَببا فِي ذَلِك، وَفِيه التَّأْكِيد وَالْإِيهَام والمقابلة والاستعارة (مُقَلِّد أعناقِ البرايا) أَي الْخلق (بالتحقيق) أَي التثبيت (طَوْقَ امتنانِه) أَي إحسانه وإفضاله، وَفِيه الْمُبَالغَة والاستعارة (مُقَرِّط) أَي محلِّي (آذانِ اللَّيَالِي) أسماعها أَي جَاعل آذان اللَّيَالِي مُقَرَّطَةً مُشَنَّفةً مُحلَاّةً (على مَا بَلَغَ) أَي وصل إِلَى جَمِيع (المَسامِع) جمع مِسْمع كمنبر: الأُذن، أَي شاع وذاع حَتَّى وصل إِلَى جَمِيع الأسماع (شُنُوفَ) أَي حُلَى (بَيانِه) وَفِيه الِاسْتِعَارَة ومراعاة النظير (مُمهِّد الدّين) أَي مُسهِّله ومُوطِّئه (ومُؤَيِّده) ومُقوِّيه فِي قِيَامه بأُموره وَمَا يصلحه، وَفِيهِمَا تلميح إِلَى ألقاب جَدّ الممدوح الْملك المُؤَيَّد ممهِّد الدّين دَاوُد بن عليّ، كَمَا سَيَأْتِي (مُسَدِّد المُلْكِ) من السَّداد، بِالْفَتْح، هُوَ الصَّوَاب فِي القَوْل والفِعل، أَي مقوّمه ومُنَظِّم مَا اختلَّ مِنْهُ (ومُشَيِّده) أَي رافعه، وَسَيَأْتِي فِي مَادَّته مَا يتَعَلَّق بِهِ، وَفِي الفقرتين الترصيع والالتزام وَالْمُبَالغَة.
(١)(مولى مُلوك الأَرْض من فِي وَجْهه .
مِقْبَاسُ نُورٍ أَيُّما مِقْبَاسِ)(٢)(بَدْرٌ مُحَيَّا وَجْهِهِ الأَسنَى لنَا .
مُغْنٍ عَنِ القمَرَيْن والنِّبراسِ)(٣)(مِن أُسْرَة شَرُفَتْ وَجَلَّتْ فاعْتَلَتْ .
عَنْ أَنْ يُقَاسَ عَلاؤُها بِقياسِ)(٤)(رَوَوُا الخِلافة كابِراً عَنْ كابِرٍ .
بِصَحِيح إسْنَادِ بِلا إلْبَاسِ)(٥)(فَرَوى عَلِيٌّ عَنْ رَسُولٍ مِثلَ مَا .
يَرْوِيه يوسفُ عَنْ عُمَرْ ذِي البَاسِ)(٦)(وَرَواه دَاوُودٌ صَحِيحاً عَنْ عُمَرْ .
وروى عَليٌّ عَنْهُ للجُلَاّسِ)(٧)(ورَوَاه عَبَّاسٌ كَذَلِك عَنْ عَلِي .
ورَوَاهُ إسماعيلُ عَنْ عَبَّاسِ)(مولَى) أَي سيّد (مُلوكِ الأَرْض) ومالكهم بسطوته ومآثره (مَنْ فِي وَجْهِه مِقبَاسُ نورٍ) أَي شُعْلَة من نور تلمع فِي وَجه الممدوح (أَيُّما مِقباسِ) أيْ مِقْباس وأيُّ مقباس، أَي مقباس(صَحيحاً عَن) جده الْملك الْمَنْصُور (عُمَرْ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يلِ الْخلَافَة بعد وَالِده، وَإِنَّمَا وَليهَا بعد أَخِيه الْملك الْأَشْرَف وَغَيره، وَقَوله صَحِيحا يُشِير إِلَى ذَلِك، وَفِيه تَلميحٌ لطيفٌ.
وأعقب الْملك المؤيدُ داؤوُد، علَى مَا قَالَه الْملك الْأَشْرَف خَمْسَة: عُمَر، وضرغام الدّين حسن، وقطب الدّين عِيسَى، وَأحمد، وَيُونُس.
قلت: وَلم يذكر الْمُجَاهِد عليًّا، لتأَخُّر وِلَادَته عَن التَّأْلِيف، وَفِيه الْبَيْت والعَدَد والخلافة، وَقد تقدّم ذِكْرُ المسعود، وَله ولد اسْمه أَسد الْإِسْلَام مُحَمَّد، وَكَذَلِكَ الْمَنْصُور أَيُّوب لَهُ أَحْمد وَإِدْرِيس، وَكَذَلِكَ المفضّل، وَله عمر، وَكَذَلِكَ الفائز وَله يُوسُف وَعلي وَإِسْمَاعِيل وَرَسُول (ورَوَى) الْملك الْمُجَاهِد (عَليٌّ عَنهُ) أَي عَن وَالِده دَاوُد (للجُلَاّس) ولي السلطنة بعد أَبِيه فِي ذِي الْحجَّة سنة ٧٣١ وثار عَلَيْهِ ابنُ عَمه الظَّاهِر بن مَنْصُور، فغلبه، وَاسْتولى أَبوهُ الْمَنْصُور وَقبض على الْمُجَاهِد، ثمَّ مَاتَ فَقَامَ الظَّاهِر، وَجَرت بَينه وَبَين الْمُجَاهِد حُروبٌ، وَاسْتقر الظَّاهِر بالبلاد، واستقرت تعزّ بيد الْمُجَاهِد، فَخرج من الْحصار، ثمَّ كَاتب المجاهدُ الناصرَ صاحبَ مصر.
فَأرْسل لَهُ عسكراً، وَجَرت لَهُم قِصصٌ طَوِيلَة، إِلَى أَن آل الْأَمر للمجاهد، وَاسْتولى على الْبِلَاد كلهَا، وَحج سنة ٧٤٣ وَلما رَجَعَ وجد ولَدَه قد غلب على المملكة ولُقِّب بالمؤيد، فحاربه إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ وَقَتله، ثمَّ حجّ سنة ٧٥١ وقدّم محمله على محمل المصريّين، وَوَقع بَينهم الحروب، وأُسِر المجاهدُ وحُمل إِلَى الْقَاهِرَة، وأكرمه السُّلْطَان النَّاصِر وحلّ قَيده، وخلع عَلَيْهِ، وجهزه إِلَى بِلَاده، ثمَّ أُعيد إِلَى مصر أَسِيرًا وحُبس فِي الكَرك، ثمَّ أُطلِق وأُعيد إِلَى بِلَاده على طَرِيق عَيْذَاب، وَاسْتقر فِي مَمْلَكَته إِلَى أَن مَاتَ فِي جُمادى الأُولى سنة ٧٦٧ وَذكر اليافعي فِي تَارِيخه أَن للمجاهد نظماً ونثرًا وديوانَ شعرٍ وَمَعْرِفَة بِعلم الْفلك والنجوم والرّمْل وَبَعض الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة من فقه وَغَيره (ورَوَاه) الْملك الْأَفْضَل (عَبَّاسٌ) صَاحب زبيد وتعزّ، ولي سنة ٧٦٤ وَأقَام فِي إِزَالَة المتغلِّبينوَالْمَانِع الثَّالِث أَن يكون الْفِعْل معتلاًّ بِالْيَاءِ، فَإِن مضارعه حِينَئِذٍ يَجِيء بِالْكَسْرِ فَقَط، وَلَا يَجِيء بِالضَّمِّ، سَوَاء كَانَ متعدّياً، نَحْو قَوْلك كال زيدٌ الطعامَ يكِيله وذَامه يَذِيمه، أَو غير متعدٍّ، كَقَوْلِك عَال يَعِيل وصَار يَصير.
وَالْمَانِع الرَّابِع أَن يكون الفِعل معتل اللَّام بِالْيَاءِ، فَإِن مضارعه حينَئذ أَيْضا عَلَى يفعِل مكسورًا، سَوَاء كَانَ متعدّيا، نَحْو قَوْلك رَمَى زيدٌ الأَسدَ يَرْمِيه، ونمَى زيد الشيءَ يَنميه، أَي رَفَعه، أَو غير متعدٍّ، نَحْو قَوْلك سَرَى يَسرِي وهَمَت عينُه تَهْمي.
فَهَذِهِ الأُمور الْأَرْبَعَة موجبةٌ لمنع الْمُضَارع من الضَّم.
(وَإِذا ذكرت) الْمَاضِي وَذكرت (آتيَه) مُتَّصِلا بِهِ (بِلَا تَقْيِيد) أَي بِلَا ضبط وَلَا وزن (فَهُوَ) أَي الْفِعْل (على مِثال ضَرَبَ) بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُضَارع، وَهُوَ الْبَاب الثَّانِي من الثلاثي الْمُجَرّد المطّرد وَثَانِي الدعائم الثَّلَاثَة (على أَنِّي أذهب) وأختار وأعتقد وأميل (إِلَى مَا قَالَ) إِمَام الْفَنّ (أَبُو زيد) مَشْهُور بكنيته، واسْمه سعيد بن أَوْس بن ثَابت بن بشير بن أبي زيد وَقيل ثَابت بن زيد بن قيس ابْن النُّعمان بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ اللغويُّ النحويّ، أَخذ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء، وَعنهُ أَبُو عُبَيْد القاسمُ بن سلَاّم، وَأَبُو حَاتِم السجسْتانِي، وَأَبُو العيناء، وَكَانَ ثِقَة من أهل الْبَصْرَة، قَالَ السُّيُوطِيّ فِي المزهر: وَكَانَ أَبُو زيدٍ أحفظَ النَّاس للّغة بعد أبي مالِكٍ، وأوسعهم رِوَايَة، وَأَكْثَرهم أَخذاً عَن الْبَادِيَة، وَقَالَ ابنُ مِنادِر: وَأَبُو زيدٍ من الْأَنْصَار، وَهُوَ من رُوَاة الحَدِيث، ثِقةُ عِنْدهم مأْمونٌ.
قَالَ أَبُو حَاتِم عَن أبي زيد: كَانَ سِيبَوَيْهٍ يَأْتِي مجلسي وَله ذُؤابتان، قَالَ: فَإِذا سمعته يَقُول: وحَدَّثني من أَثِق بعربيته فَإِنَّمَا يُرِيدنِي، وَمن جَلالة أبي زيد فِي اللُّغَة مَا حدَّث بِهِ جَعْفَر بن مُحَمَّد، حدّثنا مُحَمَّد بن الْحسن الْأَزْدِيّ عَن أبي حَاتِم السجسْتانِي، عَن أبي زيد قَالَ: كتَب رجلٌ من أهل رَامَهُرْمز إِلَى الْخَلِيل يسْأَله كَيفَ يُقَال مَا أَوْقفكالْمُصحف (خِضَمٌّ) بِكَسْر فَفتح فتشديد أَي هُوَ، خِضمّ، وَهُوَ السّيد الحَمول الكثيرُ العطاءِ، كَمَا سَيَأْتِي (لَا يبلُغ كُنْهَهُ) بِالضَّمِّ أَي حَقيقته (المتعَمِّق) أَي المتنطِّع والمتكلِّف (عَوْض) من الظروف المستعملة فِي الزَّمَان الْمُسْتَقْبل، خلاف قطّ، أَي لَا يصل البليغ إِلَى إِدْرَاك حَقِيقَته أبدا، وَفِيه مُبَالغَة (وَلَا يُعطَى) مبنيًّا للْمَجْهُول (الماهرُ) الحاذق بالسِّباحة (أَمَانَهُ) ثَانِي مفعولي يعْطى (مِن الغَرَقِ) محرّكة هُوَ الغيبوبة فِي المَاء (إِن اتَّفَقَ لَهُ) من غير قصد (فِي لُجَّتِه) أَي أعظم مَائه (خَوْض) هُوَ الدُّخُول فِيهِ، وَفِيه الِالْتِزَام والجناس اللَّاحِق (مُحِيطٌ) أَي هُوَ بَحر مُحِيط جَامع غير مُحْتَاج، وَمَعَ ذَلِك (تَنْصَبُّ) فيهِ وتنحدر (إِلَيْهِ الجَدَاوِلُ) الْأَنْهَار الصغار (فَلَا يَرُدُّ ثِمادَهَا) بِالْكَسْرِ جمع ثَمَدِ محركةً، أَي قليلها الَّذِي جاءَت بِهِ، وَلَا يَدْفَعهُ، بل يقبله قَبُولاً حسنا، كَمَا تقبلُ البحارُ مَا ينحدر إِلَيْهَا من السُّيول والأنهار، وَلَا تدفع شَيْئا (وتغتَرِفُ) أَي تَأْخُذ الغُرْفة بعد الغُرْفة (من جُمَّتِه) بِالضَّمِّ فالتشديد أَي معظمه (السُّحُبُ) بِالضَّمِّ جمع سَحابة (فَتَملأُ مَزَادَها) أَي قِرَبَهَا، وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ وَالِاخْتِلَاف (فأَتحَفْتُ) أَي تلطَّفْت وأوصلت (مجلِسَه العالي) هُوَ ذَاتُه، كَقَوْلِهِم: الجنابُ العالي والمقامُ الرفيع (بِهَذَا الكِتابِ) يَعْنِي الْقَامُوس (الَّذِي سَمَا) أَي علا (إِلَى السما لمَّا تَسَامَى) يَعْنِي أَن كِتَابه تَسامَى بأوصافه البديعة إِلَى أَن وصل السماءَ، أَي بلغ الْغَايَة الَّتِي لَا يجاوزها أحدٌ، فَهُوَ فِي غَايَة العُلوِّ.
ثمَّ اعتذر للمدوح فَقَالَ (وأنَا فِي حَمْلِه) أَي الكِتاب [ (إِلَى حَضرَته) ] وَإِن دُعِيَ) وسمى ولقب (بالقاموس) وَهُوَ مُعظم الْبَحْر، كَمَا سبق (كحامل القَطْرِ إِلَى الدَّأْمَاء) من أَسمَاء الْبَحْر، أَي فَلَا صنيعةَ وَلَا مِنَّةَ لمن يحمل القَطْرَ إِلَى الْبَحْر، وَفِيه تلميح لطيف إِلَى مَا أنشدَناه الأديبُ عمر بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن صَلَاح الدّين الْأنْصَارِيّ:(كَالبحْرِ يُمْطِرُه السَّحَابُ ومَالَهُ .
فَضْلٌ عَلَيْهِ لأنَّه مِنْ مَائِهِ)لِأَن هَذِه الصيغةَ مُشِيرةٌ إِلَى التعاطي بِغَيْر اسْتِحْقَاق، وَهُوَ قد جعل االاعتماد علّةً لاختصاصه من دون الْكتب، وَلَو تكلّف بَعضهم فِي تَصْحِيحه كَمَا تكلّف آخَرُونَ فِي معنى هَذِه الْجُمْلَة، أَعني اختصصت إِلَى آخرهَا بِوَجْه يَمجُّه الطبعُ السَّلِيم، ويستبعِدُه الذِّهْن الْمُسْتَقيم، فليحذر المطالِع من الركون إِلَيْهِ أَو التعويل عَلَيْهِ (وَهَذِه اللُّغَة الشريفةُ) من هُنَا إِلَى قَوْله " وكتابي هَذَا " سَاقِط فِي بعض النّسخ، وَعَلِيهِ شرح الْبَدْر الْقَرَافِيّ وَجَمَاعَة، لعدم ثُبُوته فِي أُصولهم، وَهُوَ ثَابت عندنَا، وَمثله فِي نُسْخَة ميرزا عَليّ والشرف الْأَحْمَر وَغَيرهمَا، وَهَذِه الْعبارَة من هُنَا إِلَى قَوْله " مَالك رِقّ الْعُلُوم وربِقة الْكَلَام " مَأْخُوذَة من رِسَالَة شرف إيوَان الْبَيَان فِي شرف بَيت صَاحب الدِّيوان، وَهِي رِسَالَة أَنشأَها بعض أُدباء أَصْفهان، من رجال الستمائة وَالثَّلَاثِينَ، باسم بعض أُمراء أَصفهان ونصُّها: تَهُبُّ نَوَاسِمُ القَبُول، على رَيْحانَة الْأَشْعَار والفُصول، فيُناوِح سَحَرِيُّ شَمَالِهَا شَمائِل المَحبوب، ويُنْعِم نُعَامى أَرضِها بَالَ المكروب، تَرفَع العَقيرة غِرِّيدة بانِها أَحْيَانا، وتَصوغ ذاتَ طَوْقها بِقَدْرِ القُدْرَةِ أَلحاناً، يتمتَّع بشَمِيم عَرارِها، وَإِن انساق إِلَى طَفَلِ العَشيَّة مُتُونَ نَهارها، تَغْتَنِم خَيْلُ الطّباع انتهابَ نقْلِ رياضها، وَإِن توانَتْ خُطَا طالبيه وتدَانَت كَرُوَيْحَات الفَجر فِي انتهاضها.
إِلَى آخر مَا قَالَ، غير أَن الْمُؤلف قد تَصرَّف فِيهَا كَمَا ننبه عَلَيْهِ (لم تَزل ترفع العَقيرة) أَي الصَّوْت مُطلقًا أَو خاصَّة بالغِناء (غِرّيدة) بِالْكَسْرِ، صفة من غَرّد الطَّائِر تغريداً إِذا رفع صَوته وطَرّب بِهِ (بَانِها) شجرٌ مَعْرُوف، أَي لم تزل حمامةُ أَشجارِها ترفع صَوتهَا بِالْغنَاءِ (وتصوغ) مِن صَاغه صَوْغا إِذا هَيَّأه على مثالٍ مُسْتقِيم، وَأَصْلحهُ على أَحْسَن تَقْوِيم (ذاتُ طَوْقها) أَنْوَاع من الطير لَهَا أَطواق كالحمام والفواخت والقمارى وَنَحْوهَا (بقَدْرِ) أَي بِمِقْدَار (القُدْرَة) بِالضَّمِّ أَي الطَّاقَة (فُنونَ) أَي أَنْوَاع وَفِي نُسْخَة صنُوف (ألحانِها) أَي أَصواتها المطرّبة، وعبّر بالصوغ إِشَارَةالبصرية لمَجْنُون بني عَامر، واسْمه قيس ابْن مُعاذ الْمَعْرُوف بالملوّح، وأوّله:(يَا رَبِّ لَا تَسْلُبنّي حُبَّها أبدا .
ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قَالَ آمينَا)وَله قصَّة رَأَيْتهَا فِي الدِّيوَان الْمَنْسُوب إِلَيْهِ.
قَالَ شَيخنَا: وَهَذَا آخر الزِّيَادَة الَّتِي أهملها الْبَدْر الْقَرَافِيّ والمحب ابْن الشّحْنَة، لِأَنَّهَا لم تثبت فِي أصولهم من قَوْله: " وَهَذِه اللُّغَة الشَّرِيفَة " إِلَى هُنَا.
قَالَ: وَكَأن المُصَنّف زَادهَا فِي الْقَامُوس بعد أَن استقرَّ بِالْيمن وأزمع إهداءه لسلطان الْيمن الْملك الْأَشْرَف، فقد قيل: إِنَّه صنَّفه بمكّة المشرَّفة، فَلَمَّا رأى إكرام الْأَشْرَف لَهُ زَاد ذِكْرَه فِي الدّيباجة، وَأثبت اسْمه فِيهِ، لمَسِيس الْحَاجة، وَقصد بذلك ترغيبَه فِي الْعلم وَأَهله، أَو مَا يقرب من ذَلِك من الْمَقَاصِد الْحَسَنَة إِن شاءَ الله تَعَالَى، وَيُؤَيّد هَذَا الظَّاهِر أَن هَذَا الْكَلَام ساقِطٌ فِي كثير من النّسخ الْقَدِيمَة.
قلت: وَالَّذِي سمعناه من أَفْوَاه مَشَايِخنَا اليَمنيّين أَن الْمجد سوّد الْقَامُوس فِي زَبيد بالجامع الْمَنْسُوب لبني المِزجاجي، وهم قَبيلَة شيْخنا سيّدي عبد الْخَالِق، متع الله بحياته، وَفِيه خَلوَةٌ تواترَ عِنْدهم أَنه جلس فِيهَا لتسويد الْكتاب، وَهَذَا مَشْهُور عِنْدهم، وَأَن التبييض إِنَّمَا حصَل فِي مَكَّة المشرّفة، فَلِذَا ترى النّسخ الزَّبِيديّة غالبها محشُوّة بالزيادات الطبية وَغَيرهَا والمكية خَالِيَة عَنْهَا (وكتابي هَذَا) أَي الْقَامُوس (بِحَمْد الله [تَعَالَى] ) مصحوباً أَو ملتبساً، جاءَ بِهِ تبركاً وقياماً بِبَعْض الْوَاجِب على نعْمَة إِتْمَامه على هَذَا الْوَجْه الْجَامِع (صَريحُ) أَي خَالص ومحض (ألْفَىْ) تَثْنِيَة ألف (مُصَنَّف) على صِيغَة الْمَفْعُول أَي مؤلفكَرَمَى قَدَياناً، محرَّكة، إِذا أسْرع (وَصَاح) من الصِّياح، وَهُوَ رَفْعُ الصوتِ إِلَى الغَايَة (بالأنغام) جمع نَغَم محرّكة، وَهُوَ تَرجيع الغِناءِ وَتَرْدِيده (الْحَادِي) من حَدَا الْإِبِل، كدعا، يَحْدُوها، إِذا سَاقهَا وغَنَّى لَهَا ليحْصُل لَهَا نَشاطٌ وارتياح فِي السَّيْرِ، وَالْمرَاد بِهَذِهِ الجُمل طُولُ الْأَبَد الَّذِي لَا نِهاية لَهُ، لأنَّ الكَوْنَ لَا يَخْلُو عَن تَسجيع الْحمام، وتردُّد النعامِ، وسَوْق الْحَادِي إبِله بالأَنغام، ثمَّ إِن فِي مُقَابلَة ناح بساح وَصَاح، وَالْحمام بالنعام والأنغام، تَرصيعٌ بَدِيع ومُجانسة، وَفِي القوافي الدَّالِيَّة تسميط (ورشَفَت) مَصَّت (الطُّفاوةُ) بِالضَّمِّ دَارَة الشمسِ أَو الشَّمْس نفسُها، وَهُوَ الْمُنَاسب فِي الْمقَام، وَمِنْهُم من زَاد بعد دَارة الشمسِ وَدارة القَمر، وَمِنْهُم من اقْتصر على الْأَخير، وَكِلَاهُمَا تكلُّف، وَقيل بل الطُّفاوة أيَّام بَرْدِ العَجوز، وَقد نُسِب للْمُصَنف، وَلَا أَصْل لَهُ، أَو أَيَّام الرَّبيع، كَمَا للجوهريّ، وَهُوَ خطأٌ فِي النَّقْل، فَحِينَئِذٍ يكون إِسْنَاد الرَّشف لأيام الْعَجُوز بمناسبة أَن بُدوَّ الأزهار فِي أَوَاخِر الشتَاء، وَهِي تِلْكَ الْأَيَّام، وَهَذَا مَعَ صِحَة هَذِه الْمُنَاسبَة لَيْسَ خَالِيا عَن التَّكَلُّف، قَالَه شَيخنَا (رُضَاب) بالضمّ الرِّيق، المَرشوف، وَيُطلق على قِطَعِ الرِّيق فِي الفمٍ وفٌ تات المِسك وقِطَع الثَّلج والسُكَّر ولُعَاب العَسل ورغْوَتُه وَمَا تقطَّع من النَّدى على الشّجر، وَالْمرَاد هُنَا الْمَعْنى الأوّل، وزعمِ بَعضهم الْمَعْنى الْأَخير (الطَّلِّ) هُوَ الندَى أَو فَوْقه وَدون الْمَطَر، وَيُطلق على الْمَطَر الضَّعِيف، وَلَيْسَ بمرادٍ هُنَا، وَإِضَافَة الرُّضاب إِلَيْهِ من قَبِيل إِضَافَة المشبَّه بِهِ إِلَى المشبَّه، أَي الطل الَّذِي فِي الأزهار بَين الْأَشْجَار، كالرضاب فِي فَم الأحباب، كَقَوْلِه.
(والرِّيحُ تَعْبَثُ بالغُصُونِ وَقد جَرَى .
ذَهَبُ الأَصِيلِ عَلَى لُجَيْنِ الماءِ)أَي مَاء كاللُّجَين، وَمن قَالَ إِن الْإِضَافَة بيانِيَّة فقد أَخطَأ، وَكَذَا من فسَّر الرضابَ بالسَّحِّ، والطلّ بأخفِّ المَطر، فَكَأَنَّهُ أجَاز إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه مَعَ فَسَاد الْمَعْنى، على أَن السحَّ إِنَّمَا هُوَ من مَعَاني الرَّاضِبة دون الرُّضاب،أَي امتزج بِي هَذَا الْفَنّ امتزاجَ الصِّبغ بالمصبوغ (وَلم أَزَلْ) كَذَا الرِّوَايَة عَن الشُّيُوخ، أَي لم أبرَحْ، وَفِي بعض النّسخ لم أَزُلْ، بِضَم الزَّاي، مَعْنَاهُ لم أفارِق، من الزَّوال، وَفِيه تعسُّف ظَاهر (فِي خِدمته مُستدِيما) أَي دَائِما متأنياً فِيهَا.
وَفِي الفقرات لُزُوم مَا لَا يلْزم (وكنتُ بُرْهَة) بِالضَّمِّ، وروى الْفَتْح، قَالَ العكبريّ عَن الجوهريّ، هِيَ الْقطعَة من الزَّمَان، وَقَوله (من الدَّهْر) أَي الزَّمن الطَّوِيل، وَيقرب مِنْهُ مَا فسّره الرَّاغِب فِي الْمُفْردَات: إِنَّه فِي الأَصْل اسْم لمُدَّة العالَم من ابْتِدَاء وجوده إِلَى انقضائه، وَمِنْهُم من فسَّر البُرهة بِمَا صدَّر بِهِ المُصَنّف فِي المادَّة، وَهُوَ الزَّمن الطَّوِيل، ثمَّ فسّر الدَّهْر بِهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه، وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ فِي مَعزِل عَن اللطافة وَإِن أورد بعضُهم صِحَّته بتكلّف، قَالَه شَيخنَا (ألتمِسُ) أَي أطلب طلبا أكيداً مرَّةً بعد مرَّةٍ (كِتاباً) أَي مُصنَّفاً مَوْضُوعا فِي هَذَا الْفَنّ، مَوْصُوفا بِكَوْنِهِ (جَامعا) أَي مُستقصِياً لأكثرِ الفنِّ مملوءًا بغرائبه، وَيُوجد فِي بعض النّسخ قبل قَوْله جَامعا " باهراً "، وَلَيْسَ فِي الأُصول المصححة (بَسيطا) وَاسِعًا مُشْتَمِلًا على الْفَنّ كلّه أَو أَكْثَره مَبْسُوطا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن غَيره (ومُصنَّفا) هَكَذَا فِي النّسخ وَفِي بَعْضهَا تَصنيفاً (على الفُصح) بِضَمَّتَيْنِ، جمع فَصيح كقَضيب وقُضُب أَو بِضَم فَفتح ككُبْرى وكُبَر (والشوارِد) هِيَ اللُّغَات الحُوشية الغَريبة الشاذَّة (مُحِيطا) أَي مُشْتَمِلًا، وَلذَا عُدِّيَ بعَلى، أَو أَن عَلَى بِمَعْنى الْبَاء، فَتكون الْإِحَاطَة على حَقِيقَتهَا الْأَصْلِيَّة (ولمَّا أعياني) أَي أتعبني وأعجزني عَن الْوُصُول إِلَيْهِ (الطلاب) كَذَا فِي النّسخ والأُصول، وَهُوَ الطَّلَب، ويأْتي من الثلاثي فَيكون فِيهِ معنى الْمُبَالغَة، أَي الطّلب الْكثير، وَفِي نُسْخَة الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن غَانِم المقدسيّ رَحمَه الله تَعَالَى التَّطلاب، بِزِيَادَة التَّاء، وَهُوَ من المصادر القياسيَّة تأْتي غَالِبا للْمُبَالَغَة (شَرَعْت فِي) تأليف (كتابي) أَي مُصَنَّفي (المَوْسُوم) أَي المجعول لَهُ سِمَة وعلامة (باللامِع المُعْلَم العُجاب) هُوَ عَلَم الكتابِ، واللامع: المضيء، والمعلمفِي شعر امْرِئ الْقَيْس وَغَيره، قَالَه شَيخنَا، وَزَاد فِي الأَصْل بعد هَذَا: لَم تَزْهُ أَيدي الأغصانِ فِي أكمامِ الزَّهر بالامتداد دونهَا، إِلَّا ضَرَبَتْ عَلَيْهَا الرياحُ فكادَت تَقصِفُ مُتونَها، وَلم يَدَعْ مِسْكيَّ نَوْرِ الخِلاف يَجْنُبها طِيبُ الشمائلِ، إِلَّا ومَزَّقت فَرْوَته على ذُرَى الأعواد ترمِيه باصفرار الأنامل، إِلَى آخر مَا قَالَ (وللهِ) يُؤْتِي بهَا عِنْد إِرَادَة التفخيم والتهويل، وَإِظْهَار الْعَجز عَن الْقيام بِوَاجِب من يذكر فيضيفه الْمُتَكَلّم إِلَى الله تَعَالَى، وَمن ثَمَّ قَالُوا لمن يَستغربون مِنْهُ نَادِرَة: لله دَرُّه، وَللَّه فلانٌ، وَمن ذَلِك أنشدنا الأديب الماهر الْمُحَقق حُسَيْن بن عبد الشكُور الطائفيُّ بهَا:(لله قومٌ كِرَامٌ .
مَا فِيهِمُ مَنْ جَفَانِي)(عَادوا وعَادُوا وعَادُوا .
عَلى اخْتِلاف المَعاني)(صُبَابةٌ) بِالضَّمِّ الْبَقِيَّة من كل شَيْء، كَمَا يَأْتِي فِي مادّته، وَفِي نُسْخَة الأَصْل وَللَّه صُيَّابة، بِضَم وَتَشْديد مثناة تحتية وَبعد الْألف مُوَحدَة (من الخُلفاء) جمع خَليفَة وَهُوَ السُّلْطَان الْأَعْظَم (الحُنَفَاء) جمع حنيفَة وَالْمرَاد بِهِ الْكَامِل الإسلامِ، الناسك المائل إِلَى الدّين (و) عِصَابَة من (الْمُلُوك العُظماء) أَي ذَوِي العظمة والفخامة اللائقة بهم، وَفِيه الِالْتِزَام (الَّذين تَقلَّبوا فِي أعطاف الفَضْل) والكمال وتخوّلوا فِيهَا (وأَعْجَبوا بالمنطِق الفَصْل) الفصيح الَّذِي يَفْصل الْمعَانِي بَعْضهَا من بعض، أَو الْفَصْل بِمَعْنى الْحق، أَو هُوَ مصدر بِمَعْنى الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول، وَفِيه جناس تصحيفي (وتَفكَّهوا) أَي تنعَّموا (بثِمار الْأَدَب الغضّ) أَي الناعم الطري (وأُولِعوا) أَي أغروا (بأبكار الْمعَانِي) أَي الْمعَانِي المبتكرة (وَلَع) أَي إغراءَ (المُفتَرع المفتَضّ) وَكِلَاهُمَا من افترع البِكر وافتضَّها أَي أَزَال بَكَارَتهَا بِالْجِمَاعِ، وَبَين تفكَّهوا وتقلّبوا، وأعجبوا وأولعوا مُقَابلَة، وَفِي التقلب والتفكه وَالثِّمَار والأبكار مجازات (شَمِل القومَ)فِي المحاكمة بَين الصِّحَاح والقاموس جمعهَا من خطوط عبد الباسط البُلْقِينِيّ وسعدي أَفَنْدِي مفتي الديار الرومية، وَقد اطَّلعت عَلَيْهِ، وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى نورد فِي كل مَوضِع مَا يُنَاسِبه من الْجَواب عَن الْجَوْهَرِي، حَالَة كوني (غير طاعِنٍ) أَي دَافع وواقع وقادح (فِيهِ) أَي الجوهريّ (وَلَا قاصدٍ بذلك) أَي بالتنبيه الْمَفْهُوم من قَوْله نبهت (تَنْديداً) أَي إشهاراً (لَهُ) وَتَصْرِيحًا بعيوبه وإسماعه الْقَبِيح (و) لَا (إزراءً) أَي عَيْبا (عَلَيْهِ و) لَا (غضًّا مِنْهُ) أَي وَضْعا من قدره (بل) فعلت ذَلِك (استيضاحاً للصَّوَاب) أَي طلبا لِأَن يَتَّضِح الصَّوَاب من الْخَطَأ (واستِرْباحاً للثَّواب) أَي طلبا للرِّبح الْعَظِيم الَّذِي هُوَ الثَّوَاب من الله تَعَالَى، وَفِي الْفَقْرَة الترصيع والتزام مَا لَا يلْزم، وَقدم الاستيضاح على الاسترباح لكَونه الأهم عِنْد أُولي الْأَلْبَاب (وتحرُّزاً) أَي تحفظاً (وحَذَراً) محركة، وَفِي نُسْخَة حِذاراً ككِتاب، وَكِلَاهُمَا مصدران أَي خوفًا (من أَن يُنْمَى) أَي يُنسب (إليَّ التَّصْحِيف) قَالَ الرَّاغِب: هُوَ رِوَايَة الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ لاشتباه حُرُوفه.
وَفِي المزهر: قَالَ أَبُو الْعَلَاء المعريُّ: أصل التَّصْحِيف أَن يَأْخُذ الرجلُ اللفظَ من قراءتِهِ فِي صحيفةٍ وَلم يكن سَمِعه من الرّجال فيغيّره عَن الصَّوَاب (أَو يُعْزَى) أَي ينْسب (إليَّ الغَلَط) محرَّكة، هُوَ الإعياء بالشَّيْء بِحَيْثُ لَا يَعرف فِيهِ وجْهَ الصَّوَاب (والتحريف) وَهُوَ التَّغْيِير، وتحريف الْكَلَام: أَن تَجْعَلهُ على حَرْف من الِاحْتِمَال، والمحرَّف: الْكَلِمَة الَّتِي خَرَجَت عَن أَصْلهَا غَلطا، كَقَوْلِهِم للمشئوم مَيْشوم.
ثمَّ إِن الَّذِي حذر مِنْهُ وَهُوَ نِسبة الْغَلَط والتصحيف أَو التحريف إِلَيْهِ فقد وَقع فِيهِ جماعةٌ من الأجلاء من أَئِمَّة اللُّغَة وأئمة الحَدِيث، حَتَّى قَالَ الإِمَام أَحْمد: وَمَنْ يَعْرَى عَن الخَطَإ والتصحيف؟
قَالَ ابْن دُرَيْد: صحّف الخليلُ بن أَحْمد فَقَالَ: يَوْم بغاث، بالغين الْمُعْجَمَة، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ،من بني ميكال، إِلَى أَن استبدّ بالمملكة، وَكَانَ يحب الْفضل والفُضلاء، وألَّف كِتاباً وسماهُ نزهة الْعُيُون، وَله مدرسة بتعزّ، وأُخرى بِمَكَّة، توفّي فِي شعْبَان سنة ٧٧ {كَذَلِك عَن) وَالِده (عَلى) السَّابِق ذِكرُه (ورَوَاه) الممدوح الْملك الْأَشْرَف ممهد الدّين (إسماعيلُ عَن) وَالِده (عَبَّاس) ولي السلطنة بعد أَبِيه فَأَقَامَ فِيهَا خمْسا وَعشْرين سنة، وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره طائشاً، ثمَّ توقَّر وأَقبل على الْعلم وَالْعُلَمَاء وأحبّ جمعَ الكُتب، وَكَانَ يُكْرِم الغُرباء، ويبالغ فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِم، امتدحتُه لما قدِمْت بلدَه، فأثابني، أحسنَ الله جزاءه.
مَاتَ فِي ربيع الأول سنة ٨٠٣ بِمَدِينَة تعز، وَدفن بمدرسته الَّتِي أنشأَها بهَا وَلم يكمل الْخمسين.
هَذَا كَلَام الْحَافِظ ابْن حجر، نَقله عَنهُ شَيخنَا.
قلت: وَكَانَت رِحلة الْحَافِظ إِلَى زبيد سنة ثَمَانمِائَة.
وألّف لَهُ المؤلّف عدَّة تآليف باسمه وَكَانَ قد تزوّج بابنته، وَهُوَ الَّذِي ولاّه قضاءَ الْأَقْضِيَة بِالْيمن، وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ (تَهُبُّ) بِالضَّمِّ على غير قِيَاس كَمَا قَالَه الشَّيْخ ابْن مَالك (بِهِ) أَي الممدوح وَالْبَاء سَبَبِيَّة وَفِي نُسْخَة الأَصْل عِنْد مدح ولدَيْ صاحبِ الدِّيوَان السعيد مَا نَصه: يَهُبُّ بهما (علَى رِياض) وَفِي نُسْخَة الأَصْل: روض (المُنَى) جمع مُنْيَة بِالضَّمِّ، وَهِي مَا يتمنّاه الْإِنْسَان وتتوجَّه إِلَيْهِ إِرَادَته (رِيحَا) تَثْنِيَة ريح مُضَاف إِلَى المتعاطفين وهما (جنُوب وشَمَال) إِضَافَة العامّ إِلَى الخاصّ، وَفِيه تَشْبِيه الْمَعْقُول بالمحسوس والاستعارة وَشبه التفويف (وتَقِيل) أَي تُقِيم، وَقد يُقَيَّدُ بِطول النَّهَار، كالبيْتُوتَة بطُول اللَّيْل (بمكانه) أَي الممدوح.
وَفِي نُسْخَة الأَصْل: ويَقِيل بمكانهما (جنَّتان) تَثْنِيَة جَنَّة بِالْفَتْح (عَن يَمِين وشِمال) الجهتان المعروفتان، وَفِي الفقرتين الجِناس التَّام إِن قُرِئ الشمَال فيهمَا بِالْفَتْح فَقَط أَو الْكسر فَقَط، لِأَنَّهُمَا لُغَتَانِ فِي كلّ من الرّيح والجِهة، وَإِن ضبطت الْجِهَة بِالْكَسْرِ وَالرِّيح بِالْفَتْح على مَا هُوَ الْأَفْصَح فالجناس محرَّف، والاقتباس ظَاهر، قَالَه شَيخنَا (وتَشتمِل) وَفِي نُسْخَة الأَصْل: يشْتَمل، أَي يلتفّيدل على الحَدَث خاصّةً (مُطلقًا) أَي ذِكْرًا مُطلقًا، وَهُوَ عِنْدهم مَا دلَّ على الماهِيَّة بِلَا قَيْدٍ أَو بِكَسْر اللَّام، أَي حَالَة كوني مُطْلِقاً لَهُ غير مقيِّدٍ بِشَيْء (أَو) ذكرت الْفِعْل (الْمَاضِي) وَهُوَ مَا دلّ على حدث مقترن بِزَمن مَاض (بِدُونِ) أَي بِغَيْر (الْآتِي) وَهُوَ الْمُسْتَقْبل وَهُوَ الْمُضَارع (وَلَا مانعَ) هُنَاكَ (فالفِعْل) الْمَاضِي أَو الْمُضَارع كَائِن (على مِثَال كَتَب) كنَصر، أَي على وَزنه، وَهَذَا الْبَاب أحد الدعائم الثَّلَاثَة، وَيُقَال لَهُ الْبَاب الأوّل من الثلاثي المجرَّد، وَالْمَانِع من الضَّم فِي مضارعه أَرْبَعَة:أَحدهَا أَن يكون فِي عينه أَو لامه حرفٌ من حٌ روف الْحلق، فَإِن الْبَاب فِيهِ الْفَتْح، وَرُبمَا جاءَ على الأَصْل، إِمَّا على الضَّم فَقَط، كَقَوْلِك سَعَلَ يَسْعُل، ودَخَل يَدخُل، وصرَخ يصرُخ، ونفَخ ينفُخ، وطبخَ يطبُخُ، وَإِمَّا على الْكسر فَقَط نَحْو نَزع ينزِع، ورجَع يرجِع، ووأل يئل، وَهُوَ فِي الْهمزَة أقلّ، وَكَذَلِكَ فِي الْهَاء، لِأَنَّهَا مُسْتفِلة فِي الْحلق، وَكلما سَفل الْحَرْف كَانَ الْفَتْح لَهُ ألزم، لِأَن الْفَتْح من الْألف وَالْألف أقرب إِلَى حُرُوف الْحلق من أُختيها، وَرُبمَا جاءَ فِيهِ الْوَجْهَانِ إِمَّا الضمُّ، وَالْفَتْح، وَإِمَّا الْكسر وَالْفَتْح، فَأَما مَا جاءَ فِيهِ الضَّم وَالْفَتْح فَقَوْلهم: شحَبَ يشحَب ويشحُب، وصلَح يصلَح ويصلُح، وفرَغ يفرَغ ويفرُغ، وجنَح يجنَحُ ويجنُح، ومضَغ يمضَغ ويمضُغ، ومخَض يمخَض ويمخُض، وسلَخ يسلَخ ويسلُخ، ورعَف يرعَف ويرعُف، ونَعس ينعَس ويَنْعُس ورعَدت السَّمَاء تَرْعَد وترعُد، وبَرأ من الْمَرَض يبرأ ويبرُؤ، قَالَ أَبُو سعيد السيرافي: لم يَأْتِ مِمَّا لَام الْفِعْل فِيهِ همزَة على فعَل يفعُل بِالضَّمِّ إِلَّا هَذَا الْحَرْف، وَوجدت أَنا حرفين آخَرين وهما: هَنَأَ الْإِبِل يهنُؤُها بِالضَّمِّ ويهْنَأُها إِذا طلاها بالهناء وَهُوَ القطرَان، وقرأَ يقرَأ ويقرُؤ، حَكَاهُمَا ابنُ عُديس فِي كتاب الصَّوَاب، وَأما مَا جاءَ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْكسر وَالْفَتْح فَقَوْلهم زأَر الأَسد يزأَر ويزئِر، وهنأَ يهنِئ ويهنَأ، إِذا أعْطى، وشحَج الْبَغْل يشحَج ويشحج، وشهَق الرجل يشهَقإصْلَاح عبارَة بغَيْرهَا أَو إبْقَاء كَلَام المُصَنّف والتنبيه على مَا وَقع فِيهِ فِي الْحَاشِيَة إِذْ لَعَلَّ الْخَطَأ فِي الْإِصْلَاح، وَفِي ذَلِك قيل:(وكَمْ مِنْ عائبٍ قَوْلاً صَحِيحاً .
وآفتُه مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ)(وَزَاغَ عَنهُ) أَي مَال أَو كَلَّ (البَصَرُ وقَصَرَ) كقَعَدَ (عَنهُ الفَهْمُ) أَي عجز عَن إِدْرَاك الْمَطْلُوب فَلم ينله، والفَهْم: تصوُّر الْمَعْنى من اللَّفْظ أَو سرعَة انْتِقَال النَّفس من الأُمور الخارجية لغَيْرهَا (وغَفَلَ عَنهُ الخاطِر) أَي تَركه إهمالاً وسهوًا وإعراضاً عَنهُ، والغفلة: غيبوبةُ الشيءِ عَن بَال الْإِنْسَان وَعدم تذكُّره وَسَيَأْتِي، والخاطر: الهاجس وَمَا يخْطر فِي قلب الْإِنْسَان من خير وَشر (فالإنسانُ) وَفِي نُسْخَة الْبَدْر الْقَرَافِيّ: فَإِن الْإِنْسَان، أَي من حَيْثُ هُوَ (مَحلُّ النِّسْيَان) أَي مَظنَّة لوقوعِه وصُدور الْغَفْلَة مِنْهُ، وَلَو تحرَّى مَا عَسى، وَلذَلِك ورد عَنهُ" رُفع عَنْ أُمَّتي الخطأُ والنِّسْيان " وَلذَا قيل:(وَمَا سُمِّي الإنْسانُ إلَاّ لِنَسْيِهِ .
وَمَا القَلْبُ إِلَّا أنَّه يَتَقَلَّبُ)وَلذَلِك اعتنى الْأَئِمَّة بالتقييد لِمَا حَفِظوا وسمعوا، ومثَّلوا الحِكمَة كالصَّيْد والضالَّة، وربْطُها: تَقْييدُها، ثمَّ أَقَامَ على كَلَامه حُجَّة فَقَالَ: (وَإِن أوَّل ناسٍ) أَي أوّل من اتّصف بِالنِّسْيَانِ والغفلة عَمَّا كَانَ هُوَ (أَوَّلُ النَّاس) خلقه الله تَعَالَى وَهُوَ سيّدنا آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَا يلام غَيره على النسْيَان (وعَلَى الله) لَا على غَيره جلّ شَأْنه (التُّكْلَان) بِالضَّمِّ مصدر، وتاؤه عَن وَاو، لِأَنَّهُ منَ التَّوَكُّل، وَهُوَ إِظْهَار الْعَجز والاعتماد على الْغَيْر، وَالْمعْنَى لَا اعْتِمَاد وَلَا افتقار إلاّ إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ الْغَنِيّ الْمُطلق، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، وَلَا ربَّ غيرُه، وَلَا خير إلَاّ خَيْرُه، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَسلمأَي أهل اللُّغَة، وشملهم: عمَّهم (اصطناعُهُم) أَي معروفهم وإحسانهم وصنيعهم (وطَرِبت) أَي فرحت ونشطت وارتاحت (لِكَلِمهم) أَي الْقَوْم جمع كَلَام (الغُرِّ) بِالضَّمِّ جمع غُرَّةٍ، أَي الْوَاضِحَة البيِّنة، وَفِي نُسْخَة الأَصْل وطربت للأناشيد (أسماعُهُم) أَي آذان الْخُلَفَاء (بل أَنْعشَ) أَي رفع وأقال (الجُدودَ) جمع جَدّ هُوَ الْحَظ وَالْبخْت (العَواثِرَ) جمع عاثر وعثر كضرب وَنصر وَعلم وكرم إِذا كبا وسَقط وعثر جَدُّه: تعس، كَمَا سَيَأْتِي (إلطافهم) بِالْكَسْرِ أَي ملاطفتهم ورفقهم، وقرأت فِي مُعجم ياقوت لعَمْرو ابْن الْحَارِث بن مُضاض الجرهمي قَوْله من قصيدة طَوِيلَة:(بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا .
صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَوَاثِرُ)(واهتزَّت) أَي فرحت وسُرَّت (لاكتساء حُلَل) جمع حُلّة، ثَوبانِ يَحُلُّ أحدُهما فَوق الآخر (الحَمْدِ) أَي الثَّنَاء الْجَمِيل (أعطافُهم) جمع عِطْف بِالْكَسْرِ، هُوَ الْجَانِب، وَالْمرَاد بهَا ذاتهم، وَفِي الْفَقْرَة الِالْتِزَام والاستعارة المكنية (رَاموا تخليدَ الذِّكر) أَي إبقاءَه على وجْه الدَّوَام (بالإنعام) أَي الْإِحْسَان (على الْأَعْلَام) أَي عُلَمَاء الْأَدَب واللغة الْمشَار إِلَيْهِم، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: راموا تخليد الذّكر بِوَاسِطَة الْكَلَام (وَأَرَادُوا أَن يعيشوا بعُمُرٍ ثانٍ) والعمر مُدة بقاءِ الْإِنْسَان وَغَيره من الْحَيَوَانَات (بعد مُشَارَفة) أَي مقارَبة (الحِمام) بِالْكَسْرِ الْمَوْت، إِشَارَة إِلَى أَن من دَامَ ذِكْرُه لم ينتقص عمرُه، أنْشد أَبُو الْحجَّاج الْقُضَاعِي لِابْنِ السَّيِّد:(أخُو العِلْمِ حَيٌّ خَالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ .
وأَوصالهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ)(وَذُو الجَهْل مَيْتٌ وهْوَ يَمْشِي علَى الثَّرَى .
يُعدُّ مِنَ الأحْياءِ وَهْوَ عَدِيمُ)وَأنْشد شَيخنَا لأبي نَصرٍ الميكاليّ، وَهُوَ فِي الْيَتِيمَة:(وَإذَا الكَرِيمُ مَضَى وَولَّى عُمْرُهُ .
كَفَلَ الثَّنَاءُ لَهُ بِعُمْرٍ ثَانِ)وأنشدني أَيْضا:(تَرى الفَتَى يُنكِرُ فَضْلَ الفَتَى .
خُبْثاً ولُؤْماً فَإذَا مَا ذَهَبْ)(لجَّ بِهِ الحِرْصُ على نُكْتَةٍ .
يَكْتُبُهَا عَنْهُ بِمَاءِ الذَّهَبْ)والمُراد من ذَلِك كلّه النظرُ بعَين الْإِنْصَاف من المعاصِرين وَغَيرهم، فَإِن الْإِخْلَاص والإنصاف هُوَ الْمَقْصُود من الْعلم، وَإِنَّمَا أَورد المُصَنّف هَذَا القولَ مَعْزُوًّا لأبي الْعَبَّاس لِأَن بركَة العِلْم عَزْوُه إِلَى قَائِله.
(واختصصت) أَي آثرت (كِتَاب) الإِمَام أبي نصر (الجوهريّ) الْمُسَمّى بالصحاح، وأفردته بالتوجُّه إِلَيْهِ بالبحث على جِهة الْخُصُوص (من بَين الكُتب اللُّغَوِيَّة) أَي المصنفات المنسوبة إِلَى علم اللُّغَة، كاللُّباب والمحكم والمجمل وَالنِّهَايَة وَالْعين وَغَيرهَا (مَع مَا فِي غالبها) أَي أَكْثَرهَا، يَقُولُونَ: هَذَا الِاسْتِعْمَال هُوَ الْغَالِب، أَي الْأَكْثَر دَوَراناً فِي الْكَلَام، لكنه قد يتخلّف، بِخِلَاف المطَّرِد فَإِنَّهُ الْمَقِيس الَّذِي لَا يختلّ (مِن الأوهامِ) جمع وَهَم محركة، كالغَلَط وزْناً وَمعنى (الْوَاضِحَة) أَي الظَّاهِرَة ظهوراً بيِّناً لَا خفاءَ فِيهِ كوَضَح الصُّبْح (والأغلاط) جمع غَلَط قد تقدم مَعْنَاهُ (الفاضحة) المنكشفة فِي نَفسهَا، أَو الكاشفة لصَاحِبهَا ومرتكِبها (لِتَدَاوُله) بَين النَّاس، أَي عُلَمَاء الْفَنّ، كَمَا فِي بعض النّسخ هَذِه الزِّيَادَة، وَهُوَ حُصول الشَّيْء فِي يَدِ هَذَا مرَّةً وَفِي يَد الآخر أُخْرَى، وتداولوه: تناولوه وأَجْرَوْه بَينهم، وَهُوَ يدلّ على شُهرته ودورانه.
وَفِي نُسْخَة أُخرى " لتنَاوله " وَهُوَ أَخذ الشَّيْء مُنَاوَبةً أَيْضا (واشتهارِه) أَي انتشاره ووضوحه (بخُصُوصه) أَي خاصّته دون غَيره (و) لأجل (اعتمادِ المدرِّسين) كَذَا فِي نُسْخَة الْمَنَاوِيّ والقرافي وميرزا عَليّ الشِّيرَازِيّ، وقاضي كجرات أَي استنادهم ورُكُونهم (على نُقُوله) جمع نَقْل مصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول، أَي الْمَنْقُول الَّذِي يَنقله عَن الثِّقات وَالْعرب العَرْباء (ونُصُوصه) هِيَ مَسائله الَّتِي أُوردت فِيهِ.
وَفِي نُسْخَة ابْن الشّحْنَة " المتدرسين " بِزِيَادَة التَّاء، وَهُوَ خطأ،اخْتِلَافا وَالثَّالِث هم العرَب العَرْباءُ الجاهليّة والمخضرمون والإسلاميون لَا الموَلَّدون، وهم على ثلاثِ طبقاتٍ، كَمَا هُوَ مُفَصَّل فِي محلّه (مطرُوح الزوائدِ) قريب من مَحْذُوف الشواهد، وَبَينهمَا الموازنة (مُعْرِباً) أَي حَالَة كَونه موضِّحاً ومُبَيِّناً (عَن الفُصح والشَّوَارد) وَتقدم تفسيرهما (وجَعلْتُ بِتَوْفِيق الله) جلّ وَعلا، وَهُوَ الإلهام، لوُقُوع الْأَمر على الْمُطَابقَة بَين الشَّيْئَيْنِ (زُفَراً) كصُرَد: البَحر (فِي زِفْر) بِالْكَسْرِ القِرْبة أَي بَحرًا متلاطماً فِي قِرْبة صَغيرة، وَهُوَ كِنَايَة عَن شدّة الإيجاز وَنِهَايَة الِاخْتِصَار، وَجمع الْمعَانِي الْكَثِيرَة فِي الْأَلْفَاظ القليلة، هَذَا الَّذِي قرَّرناه هُوَ المسموع من أَفْوَاه مَشَايِخنَا، وَمِنْهُم من تمحَّل فِي بَيَان هَذِه الْجُمْلَة بمعانٍ أُخَر لَا تَخْلُو عَن التكلُّفات الحَدْسِيَّة الْمُخَالفَة للنقول الصَّرِيحَة (ولخَّصْت) أَي بَيَّنْت وهَذَّبت (كلَّ ثلاثينَ سِفْراً) أَي جعلت مُفادَها ومَعناها (فِي سِفْر) وَاحِد (وضمَّنْته) أَي جَعلت فِي ضِمْنِه وأَدرجت فِيهِ (خُلاصَة) بِالضَّمِّ بِمَعْنى خالِص ولُباب (مَا فِي) كتابي (العُباب والمُحْكم) السَّابِق ذكرهمَا (وأَضفْتُ) أَي ضممت (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْمُخْتَصر من الْكِتَابَيْنِ (زِياداتٍ) يحْتَاج إِلَيْهَا كلُّ لغويّ أَريب، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا كل أديب، فَلَا يُقَال إِن كَلَام المُصَنّف فِيهِ الْمُخَالفَة لما تقدم من قَوْله مطروح الزَّوَائِد، (مَنَّ الله تَعَالَى بهَا) أَي بِتِلْكَ الزِّيادات أَي هِيَ مَواهِبُ إلهِيّة مِمَّا فتح الله تَعَالَى بهَا (عَلَىَّ وأَنعم) أَي أعْطى وَأحسن (ورَزقنيها) أَي أعطانيها (عِند غَوْصي عَلَيْهَا) أَي تِلْكَ الزِّيَادَات، وَهُوَ كِنَايَة عَمَّا استنبطَتْه أفكارُه السليمة (من بُطُون الكُتب) أَي أجوافها (الفاخِرة) أَي الجيّدة أَو الْكَثِيرَة الْفَوَائِد أَو المعتمَدَة المعوَّل عَلَيْهَا (الدَّأْمَاءِ) ممدودًا هُوَ الْبَحْر (الغَطَمْطَم) هُوَ الْعَظِيم الْوَاسِع المنبسِط،ترتم فِي الْبَحْر الْعَظِيم أَي فِي وَسطه مُقَابلَة للأُفق إِلَّا طلبا مِنْهَا أَن تكون مشابهة للفرائد الَّتِي ينظمها فِي قلائد عطاياه، وَفِيه الترصيع والالتزام وَالْمُبَالغَة وَغَيرهَا (بَحْرٌ) أَي هُوَ بَحر أَي كالبحر، فَهُوَ تَشْبِيه بليغ عِنْد الْجُمْهُور، واستعارة عِنْد السكَّاكي، قَالَه شَيخنَا (عَلى عُذُوبةِ) أَي حلاوة (مائِه) وَفِيه احتراس، لأَنهم قرروا أَن الْجَوَاهِر إِنَّمَا تستخرج من الْبَحْر الْملح (تَملأُ السَّفائنَ) مفعول مقدم وَالْفَاعِل (جَواهِرُه) جمع جَوْهَرَة وَهِي كل حجر يسْتَخْرج مِنْهُ شَيْء ينْتَفع بِهِ، وَكثر اسْتِعْمَاله فِي اللُّؤْلُؤ خاصّةً، وَفِيه مُرَاعَاة النظير (وتُزْهَى) مَجْهُولا أَي تَفْخَر (بالجوَارِي المُنشَآتِ) أَرَادَ بهَا القصائد والأمداح تعبر عَنْهَا كَمَا تعبر عَن الْأَبْكَار يُؤَيّدهُ (مِن بَنَاتِ الخاطرِ) لِأَنَّهَا تتولد وتتكوّن من الخواطر (زَوَاخِرُه) أَي مواد عطاياه الَّتِي هِيَ كالبحر (بَرٌّ) أَي هُوَ برٌّ أوردهُ على جِهَة التورية وَالْإِيهَام بِمَا يُقَابل الْبَحْر لذكره فِي مُقَابلَته (سالَ) أَي جرى، وَفِيه إِيهَام لطيف (طِلاعَ الأرضِ) أَي مِلأها (أَوْدِيَةُ جُودِهِ) أَي جوده الْجَارِي كالأَوْدِيَة (وَلم يَرْضَ) أَي الْبر الَّذِي سَالَ جوده (للمُجْتَدِي) أَي السَّائِل (نَهْرا) بِفَتْح فَسُكُون أَي منعا وزجراً وطرداً، امتثالاً لقَوْله تَعَالَى {وَأما السَّائِل فَلَا تنهر} (وطَامِي) أَي ممتلئ (عُبَابِ) بِالضَّمِّ مُعظم السَّيْل، وَسَيَأْتِي (الكَرَم) أَي الْجُود (يُجَارِي) أَي يبارِي (نَدَاهُ) عطاؤُه (الرَّافِدَيْنِ) تَثْنِيَة رافِد، وهما دِجْلة والفُرات (وبَهْرا) بِفَتْح فَسُكُون أَي ويَبْهرهما بَهْرًا، أَي يغلبهما.
وَجعل قَاضِي كجرات الرافدين جمع رافد، وَهُوَ غلط، وَيجوز أَن يُقَال إِن بهرًا مَعْنَاهُ تعساً وقُبحاً، يُقَال بَهْرًا لَهُ، ردًّا لما يُتَوَهَّمُ بِالسُّكُوتِ من أَنَّهُمَا يَقدِرانِ على المجاراة، لِأَنَّهَا تكون من الطَّرفَيْنِ، فتدارك ذَلِك الْإِيهَام، يَعْنِي أَن نداه يجارِي الرافدينِ أَي دجلة والفرات، وَيُقَال لَهما بَهْرًا لَكمَا، أَي تعساً، كَيفَ تقدران على المجاراة، قَالَه شَيخنَا، وَفِيه الجناسالْقَاف، ثمَّ الْخَاء، ثمَّ الْعين، ثمَّ النُّون، ثمَّ اللَّام، ثمَّ الرَّاء، ثمَّ الْبَاء ثمَّ الْمِيم، فأَخفّ هَذِه الْحُرُوف كلِّها
أبهمَ يُبهم، إبهامًا، فهو مُبهِم، والمفعول مُبهَم (للمتعدِّي) • أبهم الأمرُ: خَفِيَ وأشكل واشتبه، كان غير واضح "تعقّدت القضيّة وأبهمت". • أبهم فلانٌ الأمرَ: أخفاه وأشكله، وجعله غامضًا غير مفهوم "يتّصف أسلوب هذا الكاتب بالإبهام". استبهمَ/ استبهمَ على يستبهم، استبهامًا، فهو مُستبهِم، والمفعول مُستبهَم
جذر «بهم» هو (بهم)، وقد ورد في 13 معجمًا من أمهات المعاجم العربية.
الماضي: أبهمَ، المضارع: يُبهم، المصدر: إبهامًا، اسم الفاعل: مُبهِم، اسم المفعول: مُبهَم.
جمع «إبهام»: إبهامات.