تفسير الثعالبي سورة النمل

الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > تفسير سورة النمل

تفسيرُ سورةِ النمل كاملةً من تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) (عبد الرحمن الثعالبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 47 دقيقة قراءة

تفسير سورة النمل كاملةً (عبد الرحمن الثعالبي)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد

تفسير «سورة النّمل

وهي مكّية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)

أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)

قَولُه تعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ تقدَّمَ القولُ في الحروفِ المقطَّعةِ، وعَطفِ الكِتَابِ على القرآنِ وهما لمُسَمًّى واحدٍ من حَيْثُ هُما صِفَتَانِ لمعنَيينِ، فالقُرْءَان: لأنه اجتمَعَ، والكتابُ: لأنه يُكْتَبُ، «وإقامةُ الصَّلاَةِ» :

إدامتُها وأداؤُهَا عَلى وَجْهِهَا.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ أي: جَعَلَ سُبْحَانَه عقابَهم على كُفرِهم أَن حَتَّمَ عَليهم الكُفْرَ، وحَبَّبَ إليهم الشِّركَ وزَيَّنه في نُفُوسِهِم. والعَمَهُ: الحيرةُ والتردُّدُ في الضَّلالِ.

ثم تَوَعَّدَهُمْ تَعَالى بسُوءِ العذَابِ فَمَنْ نَالَهُ مِنهُ شيءٌ في الدُّنْيَا بَقِيَ عليه عَذابُ الآخرةِ، وَمَنْ لَمْ يَنَلْه عَذَابُ الدُّنْيَا كَانَ سُوء عَذابِه في مَوْتِه وفي ما بعده.

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)

وقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ تُلَقَّى: مضاعفُ لَقِيَ يَلْقَى، ومعناه تُعْطَى، كما قَال: وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٥] .

وهذه الآيةُ ردٌّ على كُفَّارِ قُرَيْشٍ في قَوْلهم: إنَّ القُرْآن مِن تلقاءِ مُحَمَّدٍ ومِنْ لَدُنْ معناه: مِن عِنْدِهِ وَمِنْ جِهَتِهِ. ثم قَصَّ- تعالى- خَبرَ موسى حين خَرَجَ بزوجِه بنت شُعيب عَليهِ السَّلاَمُ يُرِيدُ مصرَ، وقد تقدَّم في «طه» قصصُ الآيةِ.

وقوله: سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ ... الآية، أصل الشهاب:

طسٓ ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍۢ مُّبِينٍ ١ هُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٣ إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ٤ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ ٥ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ٦ إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِۦٓ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًۭا سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍۢ قَبَسٍۢ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ٧ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٨ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٩ وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّۭ وَلَّىٰ مُدْبِرًۭا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَـٰمُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ١٠ إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًۢا بَعْدَ سُوٓءٍۢ فَإِنِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١١ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍۢ ۖ فِى تِسْعِ ءَايَـٰتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ١٢ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَـٰتُنَا مُبْصِرَةًۭ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ١٣ وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًۭا وَعُلُوًّۭا ۚ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ١٤

الكوكب المنقضّ في أثر مسترقِ السمعِ وكل ما يُقال له «شهابٌ» من المنيرات فعلى التَّشْبِيهِ، والقبسُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يكون اسماً، ويُحْتملُ أن يكونَ صفةً. وقرأ الجمهورُ بإضافة «شِهَابٍ» إلى «قَبَسٍ» ، وقرأ حَمزَةُ والكِسائِيُّ «١» وعاصمُ بتنوينِ «شِهَابٍ قَبَسٍ» : فَهَذَا على الصِّفَةِ.

ص: وقوله: جاءَها ضميرُ المفعولِ، عائدٌ على النّار، وقيل على الشجرة، انتهى. وبُورِكَ معناه: قُدِّسَ ونُمِيَ خَيْرُه، والبركة، مختصَّة بالخير.

وقولهِ تعالى: مَنْ فِي النَّارِ قال ابنُ عباس: أرادَ النُّورَ «٢» ، وقال الحسنُ وابنُ عباس: وأراد ب مَنْ حَوْلَها الملائكةٍ وموسى «٣» .

قال ع «٤» : ويُحتمَلُ أن تكونَ مَنْ للملائكةِ لأن ذلكَ النورَ الذي حَسِبَه موسى ناراً لم يخْلُ من ملائكة، وَمَنْ حَوْلَها لموسَى والمَلائِكَةِ المُطِيفينَ بهِ.

وقرأ أُبَيُّ بنُ كعب «٥» «أن بُوركَتِ النَّارُ وَمَنْ حَولَها» .

وقوله تعالى: وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هو تنزيهٌ للَّه تعالى مما عساه أن يخطر/ ببال في معنى النِّداءِ من الشَّجَرَةِ، أي: هو منزَّه عن جميع ما تتوّهمه الأوهام ٥١ أوعن التَّشبيهِ والتَّكْيِيفِ، والضميرُ في إِنَّهُ للأمرِ والشأنِ.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْمًۭا ۖ وَقَالَا ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٥ وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُۥدَ ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ ١٦ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ١٧

وقوله سبحانه: وَأَلْقِ عَصاكَ ... الآية، أمره- تعالى- بهذَينِ الأمرين إلقاءِ العصا، وأمرِ اليَدِ تَدريباً له في استعمالِهمَا، والجان: الحياتُ لأنها تَجِنُّ أنفُسُهَا أي:

تَسْتُرُهَا. وقالت فرقةٌ: الجانُّ: صِغَارُ الحَيَّاتِ.

وقوله تعالى: وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ، أي: ولَّى فَارّاً. قال مُجاهدٌ: ولم يرجعْ «١» ، وقال قَتَادَةُ: ولم يَلْتَفِتْ «٢» .

قال ع «٣» : وعَقَّبَ الرجلُ إذا ولَّى عَنْ أمر ثم صرف بدَنه أو وَجْهِه إليه- ثم ناداه سُبحانه مؤنسا له: يا مُوسى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.

وقولُهُ تعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ قال الفرَّاءُ وَجَمَاعَةٌ: الاستثْنَاءُ منقطعٌ، وهو إخبارٌ عن غَيرِ الأنبياء، كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ- قال: لكنْ من ظَلَمَ من النَّاسِ ثُمَّ تَابَ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، وهذه الآية تقتضي المغفرة للتّائب، والجيب الفتح في الثوب لرأس الإنسان.

وقوله تعالى: فِي تِسْعِ آياتٍ مُتَّصِلٌ بقوله: أَلْقِ وَأَدْخِلْ يَدَكَ وفيه اقتضَابٌ «٤» وحذفٌ، والمعنى في جُملةِ تسعِ آياتٍ، وقد تَقَدَّمَ بَيَانُها، والضميرُ في جاءَتْهُمْ لفِرْعَوْنَ وقومِه، وظاهِرُ قَولِهِ تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها حُصُولُ الكفْرِ عِنَاداً وهي مَسْأَلَةُ خلافٍ قد تَقَدَّمَ بيانها وظُلْماً معناهُ: على غيرِ استحقَاقٍ للجُحْدِ، والعُلُوُّ في الأرضِ أعظمُ آفةٍ على طَالبهِ، قال الله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً [القصص: ٨٣] .

وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً ... الآية، هذا ابتداءُ قصَصٍ فيه غيُوبٌ وعَبَرٌ.

وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ، أي: ورثَ مُلكَه وَمنزِلَتَهُ من النبوَّة بعدَ موتِ أبيهِ، وقوله:

«علّمناه منطق الطير» إخبار بنعمةِ الله تعالى عندهما في اَّنَّ فَهَّمهُمَا مِنْ أصواتِ الطير المعانيَ التي في نفوسِها، وهذا نحو ما كان النبيّ صلى الله عليه وسلّم يَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْحِجَارَةِ بالسَّلاَمِ عَلَيْهِ وغير ذلك حسب ما هو في الآثار.

قال قَتَادَةُ وغيره: إنَّمَا كان هذا الأمرُ في الطيرِ خاصةً، والنملةُ طائِرٌ إذ قد يوجَدُ لَهَا جَنَاحَان «١» .

وقالت فُرقَةٌ: بل كَانَ ذَلِكَ في جَمِيعِ الحيَوانِ وإنما خَصِ الطيرَ لأْنَّه كان جُنداً من جنودِ سليمان يحتاجُهُ في التَّظلِيلِ من الشَّمس وفي البَعْثِ في الأمور. والنَّمْلُ حيوانُ فَطِنٌ قويٌّ شَمَّامٌ جِدّاً يدَّخِرُ ويتخذُ القرى وَيَشُقُّ الحَبَّ بقطعتينِ لِئَلاَّ يُنْبِتَ، ويشُقَّ الكزبرةَ بأربعِ قطعٍ لأَنها تُنْبِت إذاً قُسِّمَتْ شقينِ، ويأكلُ في عامِهِ نصفَ مَا جمعَ، ويستبقي سائِرَهُ عُدَّةً. قال ابن العربي في «أحكامه «٢» » : ولا خلافَ عندَ العُلَمَاءِ في أَنَّ الحيواناتِ كلَّها لَهَا أفهامٌ وعقولٌ، وقد قال الشافعيُّ: الحمَامُ أعقلُ الطَّيرِ، انتهى.

وقوله: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ معناه: يَصْلُحُ لنا ونَتَمَنَّاهُ ولَيستْ على العموم. ثُمَّ ذَكَرَ شُكْرَ فَضلِ الله تعالى، واخْتُلِفَ في مقدار جُنْدِ سُليمانَ عليه السلام اختلافاً شديداً لا أرَى ذكرَه لعَدَمِ صحةِ التَّحدِيدِ، غيرَ أنَّ الصَّحِيحَ في هذا أنَّ مُلكَه كَانَ عَظيماً مَلأَ الأَرْضَ، وانقادت له المعمُورةُ كُلُّها، وَكَانَ كُرسيُّه يَحملُ أجْنَادَه من الأنسِ والجنِّ، وكانتِ الطيرُ تُظِلُّه منَ الشمس، ويبعثها في الأمور، ويُوزَعُونَ مَعناهُ: يَرُدُّ أولهُم إلى آخرهم، ويكُفُّونَ، قال قَتَادَةُ: فكأنَّ لِكُلِّ صَنْفٍ/ «٣» وَزْعَةً، ومنه قَوْلُ الحسن البصريّ حين ولي ٥١ ب قضَاءَ البَصْرَةِ: لا بدَّ للحَاكِم من وَزْعَةً «٤» ، ومنه قَوْلُ أبي قُحَافَةَ للجاريةِ: ذلك يا بنيّة

حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوْا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌۭ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُوا۟ مَسَـٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ١٨ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًۭا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٩ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ ٢٠ لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابًۭا شَدِيدًا أَوْ لَأَا۟ذْبَحَنَّهُۥٓ أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍۢ ٢١ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍۢ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍۭ بِنَبَإٍۢ يَقِينٍ ٢٢ إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةًۭ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌۭ ٢٣ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ٢٤

الوازِع «١» ومنه قولُ الشاعر: [الطويل]

على حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... فَقُلْتُ: أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ «٢»

أي: كافٌّ، وهَكَذا نقل ابنُ العربيِّ «٣» عن مَالكٍ فقال: يُوزَعُونَ أي: يُكَفَّونَ.

قال ابن العربي «٤» : وقد يكُونُ بمعنى يُلهَمُونَ من قوله «أَوْزِعْنِي أن أَشكُرَ نعمَتَكَ» أي: ألهمني، انتهى من «الإحكام» .

حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)

وقولُه تَعَالَى: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها التبسمُ هو ضِحْكُ الأنبيَاءِ في غالِبِ أمْرهم لا يَليقُ بهم سِوَاهُ، وكان تَبَسُّمُه سروراً بنعمَةِ الله تَعالى عَلَيهِ في إسماعِهِ وتفهيمهِ.

وفي قول النملة: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ثناءٌ على سليمانَ وجنودِه يتضمنُ تنزيهِهم عن تعمدِ القبيحِ. ثم دعا سليمانُ عليه السلام ربَّه أنْ يُعينَه ويُفَرِّغَهُ لشُكرِ نعمتهِ، وهذا معنى إيزاعِ الشُّكرِ، وقال الثعلبيُّ وغيرَه: «أوزِعْنِي» معناه: ألهِمْنِي، وكذلك قال العراقيّ: أَوْزِعْنِي ألهمني، انتهى.

وقوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ... الآية، قالت فرقةٌ: ذلك بحسْبِ ما تقتَضِيه العنايةُ بالمَمْلَكَةِ والتَّهمُّمِ بكل جُزْءٍ منها، وهذا ظاهر الآيةِ أنَّه تَفَقَّدَ جميعَ الطيرِ، وقالت فِرقةٌ: بل تَفَقَّدَ الطيرَ لأَنَّ الشَّمْسَ دَخَلَتْ مِنْ مَوضِعِ الهُدْهُدِ فكان ذلك سببَ تفقدِ الطيرِ ليَبِينَ مِنْ أين دَخَلَتِ الشمسُ، وقال عبدُ اللهِ بن سلاَم: إنما طلبَ الهدهدَ لأنه احتاجَ إلى معرفةِ الماءِ على كَم هو مِنْ وَجهِ الأرضِ لأنه كانَ نَزَلَ في مفازةٍ عَدِمَ فيها الماءَ، وأن الهُدْهُدَ كان يَرَى بَاطِنَ الأرضِ وظاهرَها فكان يخبرُ سليمانَ بموضع الماءِ، ثم كانتِ الجنُّ تُخْرجُه في ساعةٍ، وقيل غير هذا والله أعلم بما صح من ذلك. ثم توعد- عليه السلام- الهدهدَ بالعذابِ فروي عن ابن عباس وغيره: أن تعذيبَه للطير كانَ بنتفِ ريشِه «١» . والسلطانُ:

الحجةُ حيث وقع في القرآن [العظيم] قاله ابن «٢» عباس. وفعلَ سليمانُ هذا بالهدهدِ إغلاظاً على العاصينَ وعِقَاباً على إخلاله بنبوته ورتبته، والضميرُ في فَمَكَثَ يحتملُ أن يكونَ لسليمانَ أو للهدهدِ، وفي قراءة ابن مسعود «٣» «فتمكث ثم جاء فقال» وفي قراءة أُبَيِّ «٤» «فتمكث ثم قال أحطت» .

ت: وهاتان القراءتان تُبَيِّنَانِ أن الضميرَ في «مكث» للهدهدِ وهو الظاهرُ أيضاً في قراءة الجماعة، ومعنى مكثَ: أقامَ.

وقوله: غَيْرَ بَعِيدٍ يعني: في الزمن.

وقوله: أَحَطْتُ أي: عَلِمْتُ.

وقرأ الجمهورُ «٥» «سبأٍ» بالصرف على أنه اسمُ رجل وبه جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم من حديث فروةَ بن مسيك وغيره، سُئِلَ- عليه السلامُ- عَنْ سَبَإٍ فَقَالَ: «كَانَ رَجُلاً لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ تَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أرْبَعَة» «٦» . ورواه الترمذي من طريقِ فروة بن

أَلَّا يَسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ٢٥ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ۩ ٢٦ ۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٢٧ ٱذْهَب بِّكِتَـٰبِى هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ٢٨ قَالَتْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ إِنِّىٓ أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَـٰبٌۭ كَرِيمٌ ٢٩ إِنَّهُۥ مِن سُلَيْمَـٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠ أَلَّا تَعْلُوا۟ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ ٣١ قَالَتْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَفْتُونِى فِىٓ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ٣٢ قَالُوا۟ نَحْنُ أُو۟لُوا۟ قُوَّةٍۢ وَأُو۟لُوا۟ بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ وَٱلْأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ ٣٣ قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا۟ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓا۟ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةًۭ ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ ٣٤ وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍۢ فَنَاظِرَةٌۢ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ ٣٥

مُسَيْك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «١» «سَبَأَ» - بفتح الهَمْزَةِ وتَرْكِ الصَّرْف- على أنه اسمُ بَلْدَةِ وقاله الحسن وقتادة.

وقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي: مما تحتاجُه المملكةُ، قال الحسن: من كل أمر الدنيا «٢» ، وهذه المرأةُ هي «بلقيس» ، وَوَصَفَ عرشَها بالعِظَم في الهيئةِ ورتبة الملك، ٥٢ أوأكثر بَعضِ النَّاسِ/ في قصَصها بما رأيتُ اختصارَه لعدَمِ صحَّتِه، وإنما اللازم من الآية:

أنها امرأةٌ مَلِكَةٌ عَلى مدائنَ اليمن، ذاتُ مُلْكٍ عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار.

وقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ إلى قوله الْعَظِيمِ، ظاهره: أنه من قوله الهدهد وهو قول ابن زيد وابن إسحاق، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى اعتراضاً بيْنَ الكَلاَمَيْن، وقراءةُ التشديدِ في أَلَّا تعطى: أن الكلامَ للهدهدِ وهي قراءةُ الجمهورِ «٣» ، وقراءة التخفيفِ وهي للكسائي تَمْنَعَهُ «٤» وتقوِّي الآخرَ فتأملْه، وقرأ الأعمشُ «٥» هَلاَّ يَسْجُدُونَ وفي حرف عبد الله «ألا هل تسجدون» بالتّاء، والْخَبْءَ: الخفيّ من

الأمور وهو من: خَبَأْتُ الشيءَ، واللفظةُ تَعُمّ كل ما خَفِي من الأمور وبه فسر ابن عباس «١» . وقرأ الجمهورُ: «يُخْفُونَ وَيُعْلِنون» بياء الغائب وهذه القراءة تُعْطى أنَّ الآيةَ من كلامِ الهدهد. وقرأ الكسائيُّ وحفصٌ عن «٢» عاصم «تُخْفُونَ وَتُعْلِنُونَ» بتاء الخطاب وهذه القراءة تعطى أنَّ الآية من خطاب الله تعالى لأمة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم.

قوله: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ، قال وهب بن مُنَبِّه: أمره بالتولِّي حُسنُ أدب ليَتَنَحَّى حَسْبَ ما يُتأَدَّبُ به مع الملوك، بمعنى: وكن قريبا حتى ترى مراجعاتهم، وليكل الأمر، إلى حُكْمِ ما في الكتابِ دونَ أن تكونَ للرسولِ ملازمةٌ ولا إلحاحٌ «٣» . ورَوَى وهب بن منبِّه في قصص هذه الآية: أن الهدهدَ وصل فَوَجَدَ دون هذه المَلِكَةِ حُجُبَ جدراتٍ، فَعَمَدَ إلَى كُوَّةٍ كانتْ بلقيسُ صَنَعَتْهَا، لتَدْخُلَ منها الشمسُ عند طلوعها لمعنى عبادَتِهَا إيَّاهَا فدخل منها ورمى بالكتابِ إليها «٤» فقرأتْه وجَمَعَتْ أهْلَ مُلْكِها فخاطبتهم بما يأتي بعد. قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ تعني: الأشراف: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ وصَفَتِ الكتابَ بالكريمِ إما لأنه من عند عظيمٍ، أو لأنه بُدِىء باسمٍ كريمٍ. ثم أخذتْ تصف لهم ما في الكتابِ، ثم أخذتْ في حسْنِ الأدَبِ مَعَ رجَالِها ومشاورتهم في أمرها فراجعها قومُها بما يُقِرُّ عَيْنَها مِنْ إعلامِهم إيَّاها بالقوة، والبأس. ثم سلَّمُوا الأمر إلى نَظَرِها وهذه محاورةٌ حسنة من الجميع. وفي قراءة «٥» عبد الله: «ما كُنْتُ قَاضِيَةً أَمْراً» بالضاد من القضاء، ثم أخبرتْ بلقيسُ بفِعلِ الملوكِ بالقُرَى التي يَتَغَلَّبُونَ عليها، وفي كلامها خوفٌ على قومِها وحَيْطَة لهم، قال الدَّاوُودِيُّ: وعن ابن عباس: رضي الله عنه إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها قال: إذا أخذوهَا عَنْوَةً، أخربوها «٦» ، انتهى.

وقوله: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ قالت فرقة: هو من قول بلقيس، وقال ابن عباس: هو

فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَـٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍۢ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيْرٌۭ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ٣٦ ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍۢ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةًۭ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ ٣٧ قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ ٣٨ قَالَ عِفْرِيتٌۭ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌۭ ٣٩ قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌۭ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّۭ كَرِيمٌۭ ٤٠ قَالَ نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِىٓ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ٤١ فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَـٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُۥ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ٤٢

من قول الله تعالى معرِّفاً لمحمَّدٍ عليه السلام وأمَّتِهِ بذلك «١» .

وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ... الآية، روي أن بلقيس قالت لقومها: إني أُجَرِّبُ هذا الرجلَ بهدية فيها نفائسُ الأموالِ، فَإنْ كَانَ مَلِكاً دُنْيَوِيّاً أرضاه المال وإن كان نَبِيّاً لم يقبل الهديةَ، ولم يُرْضِهِ مِنّا إلا أن نَتَّبِعَه على دينه، فينبغي أن نؤمِنَ به، ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة.

فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)

وقوله تعالى: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ يعني: رسلُ بلقيس، وقولُ سليمان: ارْجِعْ خطابٌ لرسلِها لأن الرسولَ يقع على الجمعِ والإفرادِ والتذكيرِ والتأنيث. وفي قراءة ابن مسعود «٢» : «فلما جاءوا سليمان» وقرأ «ارجعوا» ، ووعيدُ سليمانَ لهم مقترنٌ بدوامِهم على الكفرِ، قال البخاري: لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِها: أي: لا طاقةَ لهم، انتهى. ثم قال سليمان ٥٢ ب لجمعه/ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها.

قال ابن زيد: وغرضُه في استدعاءِ عرشِها أن يُرِيَها القدرةَ التي من عند الله وليغرب «٣» عليها، ومُسْلِمِينَ في هذا التأويل بمعنى: مُسْتَسْلِمِينَ، ويحتملُ أنُ يكونَ بمعنى الإسلام.

وقال قتادة: كان غرضُ سليمان عليه السلام أخذه قبل أن يَعْصِمَهُم الإسلامُ فالإسلامُ على هذا التأويل يراد به الدين «٤» .

ت: والتأويل الأول أَليَقُ يمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ، فيتعينُ حملُ الآيةِ عليه، والله أعلم.

ورُوِي أن عرشِهَا كانَ من ذهبٍ وفضةٍ مُرَصَّعاً بالياقوتِ والجَوْهرِ وأنه كان في جوفِه سبعةُ أبياتٍ عليها سَبْعة أغلاقٍ. والعِفْرِيتُ هو من الشياطين: القويُّ الماردُ.

وقوله: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ قال مجاهد «١» وقتادة «٢» : معناه: قبل قيامِك من مجلس الحكم، وكان يجلس من الصبح إلى وقتَ الظهرِ في كل يوم، وقيل: معناه: قبلَ أنْ تستويَ من جلوسِكَ قَائِماً. وقول الذي عنده علم من الكتاب: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ قال ابن جبير «٣» وقتادة «٤» : معناه: قبل أن يصل إليكَ مَنْ يَقَعُ طَرْفُكَ عَلَيْهِ في أبعد ما ترى. وقال مجاهد «٥» : معناه: قبل أن تحتاج إلى التغميض، أي: مدة ما يمكنك أن تمد بصرك دون تغميض وذلك ارتداده.

قال ع «٦» : وهذانِ القولانِ يقابلانِ القولينِ قبلَهما.

وقوله: لَقَوِيٌّ أَمِينٌ معناه: قويٌّ على حمله أمين على ما فيه. ويُرْوَى أنَّ الجِنَّ كَانَتْ تُخْبِرُ سليمانَ بمَنَاقِل سَيْرِ بلقيس، فلما قربَتْ، قال: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها فدعا الذي عنده علم من التوراة، - وهو الكتاب المشار إليه- باسم الله الأعظم الذي كانت العادة في ذلك الزمان أن لا يدعو به أحد إلا أجيب، فشقت الأرض بذلك العرشِ، حتَّى نَبَعَ بَيْنَ يَدَيْ سليمانَ عليه السلام. وقيل: بل جِيءَ به في الهواءِ. وجمهورُ المفسرين على أن هذا الذي عنده علم من الكتاب- كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل اسمه (آصف بن برخيا) ، روي أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان [عليه السلام] : يا نبي الله امدد بصرك

وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍۢ كَـٰفِرِينَ ٤٣ قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةًۭ وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرْحٌۭ مُّمَرَّدٌۭ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٤

نحوَ اليَمَنِ، فمد بصره فإذا بالعرش، فما رد سليمان بَصره إلا وهو عنده. وقال قتادة:

اسمه بلخيا «١» . وقولُ سليمانَ- عليه السلام-: نَكِّرُوا لَها عَرْشَها يريدُ تَجْرِبَة مَيْزِهَا ونَظَرِهَا، ورَوَتْ فرقةٌ أن الجنَّ أحسَّتْ من سليمان أوْ ظنت به أنه ربما تزوجها، فكرهوا ذلك وعيَّبُوها عنده، بأنها غيرُ عاقلِة ولا مميزة وأَن رجلَها كحَافِرِ دابة، فجرَّب عَقْلَها وميَّزَها بتَنْكِيرِ السريرِ، وجرب أمر رجلِها بأمر الصَّرْحِ، لتكشفَ عن سَاقَيْها عنده، وتنكيرُ العرش: تغييرُ وضعهِ وسَتْرُ بعضِه. وقولُها كَأَنَّهُ هُوَ تحرزٌ فَصِيح، وقال الحسن بن الفضل «٢» : شَبَّهُوا عَلَيْهَا فَشَبَّهَتْ عَلَيْهِم. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: نعم، ثم قال سليمان عليه السلام عند ذلك: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها الآية، وهذا منه على جهة تعديد نعم الله تعالى عليه وعلى آبائه.

وقوله تعالى: وَصَدَّها مَا كانَتْ تَعْبُدُ أي: عن الإيمان، وهذا الكلامُ يحتملُ أنْ يكونَ مِنْ قولِ سليمانَ، أو مِنْ قولِ الله، إخبارا لمحمد عليه السلام: قال محمد بن كعب ٥٣ أالقرظي/ وغيره: ولمَّا وَصَلَتْ بلقيسُ أمر سليمانُ الجنَّ فصَنَعَتْ له صَرْحاً وهو السطحُ في الصَّحْنِ مِنْ غير سَقْفٍ وجَعَلَتْهُ مَبْنِيا كالصِّهْرِيجِ وملىء ماءً وبُثَّ «٣» فيهِ السَّمَكُ وطبَّقَه بالزُّجَاجِ الأَبيضِ الشَّفَّافِ، وبهذا جاءَ صَرْحاً. والصَّرْحُ أيضاً كل بناء عالٍ، وكل هذا من التصريح وهو الإعلان البالغ. ثم وضع سليمانُ في وسطِ الصَّرْحِ كرسيّاً، فلما وصلته بلقيس قيل لها: ادخلي إلى النبي- عليه السلام-، فلما رأتِ الصَّرْحَ حَسِبتَهُ لُجَّةً وهُو مُعْظَمُ المَاءِ، فَفَزِعَتْ وَظَنَّتِ أنها قُصِدَ بها الغَرَقُ، وَتَعَجَّبَتْ مِن كَوْنِ كرسِيِّه على الماءِ، ورأت مَا هَالَهَا، ولَمْ يكنْ لَها بُدَّ مِن امْتِثَالِ الأمرِ، فكَشَفَتْ عن ساقَيها، فرأى سليمانَ ساقَيْها سليمةً مِمَّا قالتِ الجنُّ غَيْرَ أَنَّها كثيرةُ الشَّعْرِ، فلما بلغتْ هذا الحد قالَ لها سليمانُ عليه السلام: نَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ

والممرد: المحكوكُ الْمُمَلَّسُ ومنه الأمرد، فعند ذلك قالت: بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ

فروي أن

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ٤٥ قَالَ يَـٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ۖ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٤٦ قَالُوا۟ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ۚ قَالَ طَـٰٓئِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ تُفْتَنُونَ ٤٧ وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍۢ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ٤٨ قَالُوا۟ تَقَاسَمُوا۟ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِۦ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ٤٩ وَمَكَرُوا۟ مَكْرًۭا وَمَكَرْنَا مَكْرًۭا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٥٠ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ٥١ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةًۢ بِمَا ظَلَمُوٓا۟ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ٥٢ وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ٥٣

سليمانَ عليه السلام تَزَوَّجَهَا عند ذلك، وأسكنها الشام قاله الضحاك «١» . وقيل: تزوجَها وردَّها إلى ملكها باليمنِ وكان يأتيها على الريح كلَّ شَهْرٍ مَرَّةً، فوَلَدَتْ له غلاماً سمَّاه داودَ مات في حياته. ورُوِيَ أن سليمانَ لما أراد زوالَ شَعْرِ ساقَيْهَا أمر الجنَّ بالتَّلَطُّفِ في زوالِه، فصنَعوا النُّورَةَ «٢» ولم تَكُنْ قَبْلٌ، وصنعوا الحمّام.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ... الآية، تمثيل لقريش، وفَرِيقانِ: يريد بهما مَنْ آمنَ بصالِح. وَمَنْ كفَر به. واختصامهُم هُو تنازُعُهم. وقد ذكر تعالى ذلك في سورة الأعراف، ثم إن صالحاً- عليه السلام- ترفّق بقومه ووقفهم على خطئهم في استعجالهم العذابَ قبل الرحمة. أو المعصيةَ لله قبل الطاعة، ثم أجابوه بقولهم: اطَّيَّرْنا بِكَ أي: تشاءمنا بك. تِسْعَةُ رَهْطٍ هُمْ رجالٌ كانوا من أوجُهِ القوْمَ وأعْتَاهُمْ وهم أصحاب قدار، والمدينةُ مُجْتَمَعُ ثمودَ وقَرْيَتِهُم.

وقوله تعالى: تَقاسَمُوا.

قال الجمهور: هو فعل أمر، أشَار بعضُهم على بعضٍ بأن يَتحَالَفُوا على هذا الفعل بصالح، وحكَى الطبريُّ «٣» أَنه يجوز أن يكونَ تقاسموا فِعْلاً ماضِياً في موضعِ الحالِ، كأنه قال: متقاسِمينَ أو متحالفِين بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهلَه، وتؤيِّدِه «٤» قراءةُ عبد الله: «ولا يصلحون تقاسموا» بإسقاطِ «قالوا» .

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ٥٤ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ ٥٥ ۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍۢ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ ٥٦ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَـٰهَا مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ٥٧ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ ٥٨

قال ع «١» : وهذه الألفاظُ الدالةُ على قَسَمِ تجاوب باللام، وإن لم يتقدمْ قَسَمٌ ظاهرٌ، فاللامُ في لَنُبَيِّتَنَّهُ: جوابُ القَسَمِ. ورُوِيَ في قصصِ هذهِ الآيةِ أَن هؤلاءِ التسعة لمَّا كانَ فِي صَدْرِ الثلاثة الأيام بعد عَقْرِ النَّاقَةِ وَقَدَ أخبرَهُمْ صالحٌ بمجيء العذابِ، اتفق هؤلاءِ التسعةُ فَتَحَالَفُوا على أن يأتوا دارَ صالحٍ ليلاً فيقتلوه وأهلَه المُخْتَصِّينَ به، قالوا: فإن كان كاذبا في وعيده أوقعنا به ما يستحقُّ، وإن كانَ صادقاً كنَّا قد عجّلناه قبلنا وشفينا به نفوسنا، فجاؤوا واخْتَفَوْا لذلك في غارٍ قريبٍ من داره، فروي أنّه انحدرت عليهم صخرة ٥٣ ب شَدَخَتْهُم جميعاً/، ورُوِيَ أنَّها طَبَّقَتْ عليهمُ الغَارَ فَهَلَكوا فيه حينَ هَلَكَ قَوْمُهُمْ، وكلُّ فَريقٍ لا يَعلم بِما جَرَى على الآخِرَ، وقَدْ كانوا بنوا على جحودِ الأمر من قرابةِ صالحٍ، ويعني بالأهل كلَّ مَنْ آمنَ بهِ قاله الحسن «٢» .

وقوله سبحانه: وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ قال ابن العربيّ الحاتميّ: المكر إرداف النّعم مع المخالفةِ وإبقاءِ الحالِ معَ سُوءِ الأدَب، انتهى من شرحه لألفاظ الصوفية.

والتدميرُ: الهلاكُ وخاوِيَةً مَعْنَاهُ: قَفْرا، وهذه البيوتُ المشارُ إليهَا هِي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلّم عَامَ تَبُوكَ: «لاَ تَدْخَلُوا بُيُوتَ المُعَذَّبِينَ إلاَّ أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ» «٣» . الحديثُ في «صحيحِ مُسْلِمٍ» وغيره.

وقوله تعالى: وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ تقدمَ قصصُ هؤلاءِ القومِ، وتُبْصِرُونَ معناه: بقلوبكم.

قال أبو حيان «٤» : وشَهْوَةً مفعولٌ منْ أجله، انتهى. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لَعَنَ الله مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» «٥» . رواه أبو داود والترمذيّ والنسائيّ

قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰٓ ۗ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ٥٩ أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍۢ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَآ ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌۭ يَعْدِلُونَ ٦٠ أَمَّن جَعَلَ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا وَجَعَلَ خِلَـٰلَهَآ أَنْهَـٰرًۭا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٦١

واللفظُ له وابن ماجهْ وابنُ حِبَّان في صحيحه، انتهى من «السلاح» .

وقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ الآياتِ: هذا ابتداء تقريرٍ وتنبيهٍ لقريشٍ والعربِ وهو بعدُ يَعُمُّ كلَّ مُكَلَّفٍ من الناس جميعاً، وافتتح ذَلِكَ بالقولِ بحمدِه- سبحانَه- وتمجيدِه وبالسلام على عباده الذين اصطفاهم للنبوّة والإيمان، فهذا اللفظ عام لجميعهم من ولد آدم، وكأنَّ هذا صدرُ خُطْبَةٍ للتقريرِ المذكورِ، قالتْ فرقة: وفي الآية حذْفُ مضافٍ في موْضِعَيْن، التقدير: أتوحيدُ اللهِ خيرٌ أم عبادةٌ ما تشركونَ، ف «ما» ، على هذا: موصولةٌ بمعنى: الذي، وقالت فرقة: «ما» مصدريةٌ، وحذفُ المضافِ إنما هو أولاً تَقْديرُه: أتوحيدُ الله خير أم شركُكُمْ.

ت: ومِنْ كلاَم الشيخ العارفِ بالله أَبى الحسن الشاذليِّ قَال- رحمه الله-: إن أردتَ أَن لا يصدأَ لكَ قلبٌ ولا يلحقك همٌّ ولا كربٌ ولا يبقَى عليكَ ذنبٌ- فأكْثِرْ من قولك: «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، لا إله إلا الله، اللهم ثبِّتْ عِلْمَها في قلبي، واغفر لي ذنبي، واغفر للمؤمنينَ والمؤمناتِ، وقل الحمد للَّه وسلام على عباده الذين اصطفى» انتهى.

وقوله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ وما بعدها من التقريراتِ توبيخٌ لهم وتقريرٌ على ما لا مَنْدُوحَةَ عن الإقرارِ به، و «الحدائق» مُجْتَمع الشجرِ من الأعنابِ والنَّخِيل وغير ذلك، قال قوم: لا يقال حديقةٌ إلا لِمَا عليه جدارٌ قد أحدق له.

وقال قوم: يقال ذلك كان جدارٌ أو لم يَكُنْ لأَن البَيَاضَ مُحْدِقٌ بالأشجار، والبهجةُ الجمالُ والنَّضَارَة.

وقوله سبحانه: مَّا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أي: ليس ذلك في قدرتكم،

أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلْأَرْضِ ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦٓ ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ تَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٦٣ أَمَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٦٤ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ٦٥ بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّنْهَا ۖ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ٦٦

ويَعْدِلُونَ يجوز أن يرادَ به: يعدِلُونَ عن طريق الحقِّ، ويجوزُ أَنْ يُرَادَ به يَعْدِلُونَ باللهِ غيره، أي: يجعلون له عديلا ومثيلا، وخِلالَها مَعْنَاه: بَيْنها، والرواسي: الجبال، والبحرانِ/: الماءُ العذبُ والماءُ الأجاج على ما تقدم، والحاجز: ما جَعَلَ الله بيْنَهما مِنْ حَوَاجِز الأرْضِ وموانِعها على رِقَّتِها في بعض المواضع، ولطافتِها لولا قدرة الله لغلب المالح العذب.

وقوله سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ... الآية، وعن حبيب بن مسلمة «١» الفهري وكان مجاب الدعوة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «لاَ يَجْتَمِعُ مَلأٌ فَيَدْعُوَ بَعْضُهُمْ وَيُؤَمِّنُ بَعْضُهُمْ إلاَّ أَجَابَهُمْ اللهُ تعالى» «٢» ، رواه الحاكم في «المستدرك» ، انتهى من «سلاح المؤمن» ، وعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ» «٣» رواه الترمذيُّ وهذا لفظه. قال «صاحب السلاح» : ورواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: مستقيمُ الإسناد، انتهى. والسُّوءَ عامٌّ في كل ضرُّ يَكْشِفُه اللهُ تعالى عن عبادِه، قال ابن عطاء الله: ما طُلِبَ لَك شيءٌ مثلَ الاضْطِرَارِ، ولا أسْرَع بالمواهِب لكَ مثلَ الذِّلةِ والافتقارِ، انتهى. و «الظلماتُ» عام لظلمةِ الليل ولظلمةِ الجهل والضلال، والرزق من

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًۭا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ٦٧ لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٦٨ قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ٦٩ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ٧٠ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٧١ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ ٧٢ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ٧٣ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ٧٤ وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍۢ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ ٧٥ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٧٦ وَإِنَّهُۥ لَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٧٧ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ٧٨ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ ٧٩ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا۟ مُدْبِرِينَ ٨٠ وَمَآ أَنتَ بِهَـٰدِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ ۖ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ٨١ ۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢

السماءِ هو بالمطر ومن الأرض بالنبات هذا هو مشهور ما يحُسُّه البشرُ، وكم للَّهِ بَعْدُ مِنْ لُطْفٍ خَفِي. ثم أمرَ تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يُوقِفَهُمْ عَلَى أَنَّ الغَيبَ مِما انفَرَدَ الله بعلمِه ولذلكَ سُمِّي غَيْباً لغيبِه عن المخلوقين. رُوِيَ: أنَّ هذهِ الآيةَ مِن قوله: قُلْ لاَّ يَعْلَمُ إنما نَزَلَتْ لأَجْلِ سؤالِ الكفّارِ عن السَّاعَةِ الموعودِ بِهَا، فجاءَ بلفظ يَعُمَّ السَّاعَةَ وغيرَها، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون إيان يبعثون.

ص: أَيَّانَ اسم استفهامٍ بمعنى: متى، وهي معمولةً ل يُبْعَثُونَ، والجملة في موضع نصب ب يَشْعُرُونَ، انتهى.

وقرأ جمهور القراء: بَلِ ادَّارَكَ أصله: تَدَارَكَ. وقرأ عاصم «١» في رواية أبي بكر:

«بل ادرك» على وزن افتعل، وهي بمعنى: تَفَاعَلَ.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «بَلْ أَدْرَكَ» وهذه القراءاتُ تحتملُ مَعْنَيَيْن: أحدهما: ادَّرَكَ علمُهم، أي: تَناهى، كما تقول ادَّركَ النباتُ، والمعنى: قد تَنَاهى علمهُم بالآخرة إلى أَن لا يعرفوا لها مقداراً، فيؤمنوا وإنما لهم ظنونٌ كاذبةٌ، أو إلى أن لا يعرفوا لها وقْتاً، والمعنى الثاني: بل ادَّرَكَ بمعنى: يُدْرِك أي أنهم في الآخرة يُدْرِكُ علمُهم وقتَ القيَامَةِ، ويرونَ العذابَ والحقائقَ التي كذَّبوا بها، وأمَّا في الدنيا فلا، وهذا هو تأويل ابن عباس «٢» ، ونحا إليه الزجاج «٣» ، فقوله: فِي الْآخِرَةِ على هذا التأويل: ظَرْفٌ وعلى التأويل الأول:

فِي بمعنى الباء. ثم وَصَفَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ بأنهم في شكٍ منها، ثم أردف بصِفَةِ هي أبلغُ من الشَّكِ وهي العمى بالجملة عن أمر الآخرة، وعَمُونَ: أصله: (عميون) فعلون كحذرون.

وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، هذه الآية معنَاها واضحٌ مما تَقَدَّمَ في غيرها. ثم ذكر- تعالى- استعجالَ كفارِ قريشٍ أمْرَ السَّاعَةِ والعذابَ بقولِهم: مَتى هذَا الْوَعْدُ على معنى التعجيز، ورَدِفَ مَعْنَاه: قَرُبَ وأزِفَ قاله ابن عباس «١» وغيرُه، ولكنَّها عبارةٌ عَما يجيءُ بعدَ الشيء قريباً منه، والهاءُ في غائِبَةٍ للمبَالَغَةِ، أي مَا مِنْ شَيْءٍ في غايةِ الغَيْبِ والخفاءِ إلاَّ فِي كِتَابٍ عِندَ اللهِ وفي مكنونِ علمِه، لا إله إلا هو. ثم نبّه- ٥٤ ب تعالى- على أنَّ/ هذا القرآن يَقُصُّ على بني إسرائيل أكثر الأشياءِ التي كان بينهُم اختلافٌ في صِفَتِها، جاء بها القرآن على وجهها، وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كما أنه عمَىً على الكافرين المحتومِ عليهم، ثم سلَّى نبيَّه بقوله: إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى فشبَّهَهُمْ مرةً بالموتى، ومرةً بالصُّمِّ من حيث إنَّ فائدةَ القولِ لهؤلاءِ مَعْدُومَةٌ.

وقرأ حمزة «٢» : «وَمَا أَنتَ تَهْدِي العمي» بفعلٍ مستقبل، ومعنى قوله تعالى وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، أي: إذا انْتَجَزَ وعدُ عذابِهمُ الذي تَضَمَّنَه القولُ الأزلي من الله في ذلك، وهذا بمنزلة قوله تعالى: حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ [الزمر: ٧١] ، فمعنى الآية وإذا أراد اللهُ أن يُنْفذَ في الكافرينَ سَابقَ عِلمِهِ لَهُم من العذابِ أخْرَجَ لهم دابَّةً من الأرض، ورُوِيَ أَن ذلك حين ينقطعُ الخيرُ، ولا يؤمَر بمعروف، ولا يُنْهى عن منكر، ولا يِبْقَى مَنيبٌ ولا تائبٌ،

ووَقَعَ عبارةٌ عن الثبوت واللُّزُوم، وفي الحديث: أن الدابةَ وطلوعَ الشمسِ من المغْرِب مِنْ أولِ الأشراط، وهذه الدَّابَّةُ رُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ من الصَّفَا بمكَّةَ قاله ابن عمر «١» وغيره، وقيل غيرُ هذا.

وقرأ الجمهور «٢» : تُكَلِّمُهُمْ من الكلام. وقرأ ابن عباس «٣» وغيرُه: تُكَلِّمُهُمْ- بفَتْحِ التاءِ وتخفيفِ اللام-، من الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، وسئل ابن عباس عن هذه الآية «تكلمهم أو تكلمهم» ؟ فقال: كل ذلك، واللهِ تفعلُ: تُكَلِّمُهُمْ وَتَكْلُمُهُمْ، وروي أنها تَمُرُّ على الناسِ فَتَسِمُ الكافرَ فِي جبهتِه وتَزْبُرُهُ وتَشْتُمُه وربما خَطَمَتْه، وَتَمْسَحُ على وجهِ المؤمنِ فتبيضه، ويعرفُ بعدَ ذلكَ الإيمانُ والكفرُ مِن أثرها، وفي الحديث: «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَعَصَا مُوسَى، فَتَجْلُو وُجُوهَ المؤمِنِينَ بالعَصَا وتَخْتِمُ أَنْفَ الكَافِرِ بِالخَاتِمِ، حَتَّى أنَّ النَّاسَ لَيَجْتَمِعُونَ، فَيَقُولُ هَذَا: يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذا: يَا كَافِرُ» «٤» . رواه البَزَّار، انتهى من «الكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ» .

وقرأ الجمهور: «إنَّ النَّاسَ» - بكسر «إن» .

وقرأ حمزةُ «٥» والكسائيّ وعاصمٌ: «أنَّ» بفتحها.

وفي قراءة عبد الله «٦» : «تُكَلِّمُهُمْ بَأَنَّ» ، وعلى هذه القراءة فيكونُ قوله: أَنَّ النَّاسَ إلى آخرها مِنْ كلامِ الدابَّةِ، وروي ذلك عن ابن عَبَّاس. ويحتملُ أَنْ يكون من كلام الله تعالى.

وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ فَوْجًۭا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَـٰتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ٨٣ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبْتُم بِـَٔايَـٰتِى وَلَمْ تُحِيطُوا۟ بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٨٤ وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا۟ فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ٨٥ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِيَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٨٦ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَٰخِرِينَ ٨٧

وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)

وقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً: هو تذكيرٌ بيومِ القيامةِ، والفوجُ:

الجماعة الكثيرة، ويُوزَعُونَ معناه: يكفّون في السوق، يَحْبِسُ أولُهُم عَلى آخرهم «١» قاله قتادة، ومنه وَازَع الجيشَ، ثم أخبر- تعالى- عن توقيفِه الكفرةَ يومَ القيامةِ وسؤالِهم على جهة التوبيخ: أَكَذَّبْتُمْ ... الآية، ثم قال: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على معنى استيفاء الحُجَجِ، أي: إن كان لكم عملٌ أو حُجَّةٌ فهاتوها. ثم أخبر عن وقوع القول عليهم، أي:

نفوذُ العذابِ وحَتْمُ القَضَاءِ وأنهم لا ينطقونَ بحجَّةٍ، وهذا في موطن من مواطِنِ القيامةِ.

ولما تكلَّم المحاسِبيُّ على أهوال القيامة، قال: واذكر الصراط بدقّته وهوله وزلَّتِه وعَظِيم خطره وجهنم تخفق بأمواجها من تحته، فيا له مِنْ مَنظرٍ ما أفْظَعَهُ وأهْوَلَهُ، فتَوهَّمْ ذلِكَ بقلبٍ فارغٍ، وعقلٍ جامعٍ، فإن أهوالَ يومِ القيامةِ إنما خَفَّتْ علَى الذِينَ تَوَهَّمُوهَا في الدنيا بعقولهم، فتحملوا في الدنيَا الهُمُومَ خَوْفاً مِن مَقامِ رَبِّهِمْ، فَخَفَّفَها مَوْلاَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْهم، انتهى من «كتاب التوهم» .

وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهو القَرْنُ في قول جمهور الأمة، وصاحب الصور هو ٥٥ أإسرافيل- عليه السلام-، وهذه النفخةُ المذكورة هنا هي نفخة/ الفَزَع، ورَوى أبو هريرةَ «٢» أنها ثلاثُ نفخات: نفخةُ الفَزَعِ، وهو فزع حياةِ الدُّنيَا وليْسَ بالفَزَع الأكْبَرِ، ونفخةُ الصَّعْقِ، ونفخةُ القيام من القبور. وقالت فرقة: إنما هما نفختان: كأنهم جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ في نفخةٍ وَاحِدَةٍ مستدلين بقوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ... الآية [الزمر: ٦٨] .

قالوا: وأخرى لا يقال إلا في الثانية. قال ع «٣» : والأول أصحُّ، وأخرى يقال في الثالثةِ، ومنه قوله تعالى: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. [النجم: ٢٠] .

وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ استثناءٌ فيمن قَضَى الله سبحانه مِنْ ملائكتِه، وأنبيائه، وشهداءِ عبيدِه أن لا ينالهم فزعُ النَّفْخِ في الصورِ، حَسَبَ ما ورد في ذلك من الآثار.

وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةًۭ وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ ٨٨ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيْرٌۭ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍۢ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٨٩ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٩٠

قال ع «١» : وإذا كان الفزعُ الأَكْبَرُ لاَ ينالهُم فَهُمْ حَرِيُّونَ أن لا ينالَهم هَذا.

وقرأ حمزة «٢» : «وَكُلُّ أَتَوْهُ» على صيغة الفعل الماضي، والدَّاخِرُ: المُتَذَلِّلُ الخاضِعُ، قال ابن عباس وابن زيد: الداخرُ: الصاغرُ، وقد تظاهرَتِ الرواياتُ بأنَّ الاستثناءَ فِي هذِه الآيةِ إنما أريد به الشهداءُ: لأنهم أحياءٌ عند ربهم يُرْزَقُونَ، وهم أهلٌ للفزعِ لأنَّهُمْ بشر لكن فُضِّلُوا بالأمن في ذلك اليوم.

ت: واختار الحليميُّ هذا القولَ قال: - وهو مروي عن ابن عباس-: إن المستَثْنَى هم الشهداء. وضعَّفَ ما عداه من الأقوال، قال القرطبي «٣» ، في «تذكرته» : وَقَدْ وَرَدَ في حديث أبي هريرة بِأَنَّهُمُ الشهداء وهو حديث صحيح «٤» ، انتهى.

وقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ... الآية، هذا وصفُ حالِ الأشياءِ يومَ القيامةِ عَقِبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، والرؤية: هي بالعَيْن، قال ابن عباس: جامدةً «٥» :

قائمةً، والحَسَنَةُ الإيمانُ، وقال ابن عباس وغيره: هي «لا إله إلا الله» «٦» ورُوِيَ عَنْ علي بن الحسين أنه قال: كُنْتُ في بعض خَلَواتِي فَرفَعْتُ صَوْتي: ب «لا إله إلا الله» فسمعتُ قائلاً يقول: إنها الكلمةُ التي قال الله فيها: «من جاء بالحسنة فله خير منها» «٧» .

إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَـٰذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَىْءٍۢ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ٩١ وَأَنْ أَتْلُوَا۟ ٱلْقُرْءَانَ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ٩٢ وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَتَعْرِفُونَهَا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٩٣

وقال ابن زيد: يُعْطَى بالحَسَنَةِ الواحدةِ عَشْراً «١» .

قال ع «٢» : والسيئةُ التي في هذه الآية هي الكُفْر والمَعَاصِي. فيمن حتَّم الله عليه من أهل المشيئة بدخول النار.

وقوله: إِنَّما أُمِرْتُ المعنى: قل يا محمد لقومك: إنما أمرتُ أن أعبدَ ربَّ هذه البلدة، يعني: مكة، وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ معناه: تَابعْ فِي قراءتِك، أي: بَيْنَ آياتِه واسْرُدْ.

قال ص: وَأَنْ أَتْلُوَا معطوفٌ على «أَنْ أَكُونَ» .

وقرأ عبد الله «٣» : «وَأَنِ اتل» بغير واو وقوله: وَمَنْ ضَلَّ جوابُه محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبلَه، أي: فَوَبَالُ ضلالهِ عَلَيْهِ، أو يكونَ الجوابُ: فَقل، ويُقَدَّرُ ضميرٌ عائدٌ من الجوابِ على الشرط لأنه اسمٌ غَيرُ ظَرْفٍ، أي: من المنذرين له، انتهى. وتلاوة القرآن سببُ الاهتداءِ إلى كل خير.

وقوله تعالى: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ توعُّدٌ بعذابِ الدُّنيَا كَبَدْرِ ونَحوه، وبعذاب الآخرة.

وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فيه وعيدٌ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد