تفسير سورة الأنعام الآيات ٤-٦ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 6 الأنعام > الآيات ٤-٦

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ٤ فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٥ أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ يحتمل: ما تأتيهم من آية من آيات توحيده، أو من آيات إثبات رسالة محمد ونبوته  ، ويحتمل في إثبات البعث والنشور بعد الموت؛ لما أخبر أنه خلقهم من طين، فإذا ماتوا صاروا تراباً، فإذا كان بدء إنشائهم من طين، فإذا عادوا إليه يقدر على إنشائهم ثانياً؛ إذ ليس إنشاء الثاني بأعسر من الأول.

ثم يحتمل الآيات آيات القرآن.

ويحتمل: الآيات ما كان أتى به رسول الله  من الآيات سوى آيات القرآن.

ثم أخبر عن تعنتهم ومكابرتهم بقوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ ، فإذا أعرضوا عنها لم ينتفعوا بها؛ ليعلم أنه إنما ينتفع بالآيات من تأملها ونظر فيها لا من أعرض عنها.

ثم سورة الأنعام إنما نزلت في محاجة أهل الشرك، ولو لم يكن القرآن معجزاً كانت سورة الأنعام معجزة؛ لأنها نزلت في محاجة أهل الشرك في إثبات التوحيد والألوهية لله والبعث، فكيف يكون وقد جعل الله القرآن آية معجزة عَجَزَ البشرُ عن إتيان مثله، ولم يكونوا يومئذ يعرفون التوحيد والبعث، كانوا كلهم كفاراً عبدة الأوثان والأصنام لا يحتمل أن يكون رسول الله  ألّف ذلك وأنشأه من ذات نفسه؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله.

وفيه دلالة إثبات المحاجة في التوحيد والمناظرة فيه؛ لأن أكثرها نزلت في محاجة أهل الشرك، وهم كانوا أهل شرك، وينكرون البعث والرسالة، فتنزل أكثرها في محاجتهم في التوحيد وإثبات البعث والرسالة.

وفيه أنه إذا ثبت فساد قول أحد الخصمين، ثبت صحة قول الآخر؛ لأن إبراهيم لما قال: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ  ﴾ أثبت فساد عبادة من يعبد الآفل بالأفول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ يحتمل الحق: الآيات التي كان يأتي بها رسول الله  من آيات التوحيد وآيات البعث.

ويحتمل القرآن، ولو لم يكن يأتي رسول الله  بآية كانت نفسه آية عظيمة من أول نشأته إلى آخر عمره؛ لأنه عصم حتى لم يأت منه ما يستسمج ويستقبح قط؛ فدل أن ذلك إنما كان لما جعل آية في نفسه، وموضعاً لرسالته، وعلى ذلك تخرج إجابة أبي بكر -  - في أول دعوة دعاه إلى ذلك لما كان رأى منه من آيات، فلما دعاه أجابه في ذلك مع ما كان معه [من] آيات عظيمة، وأعلام عجيبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ معناه - والله أعلم - [أن] يأتيهم وينزل بهم ما نزل بالمستهزئين، [وإلا كان أتاهم أنباء ما نزل بالمستهزئين]، ولكن معناه ما ذكرنا، أي: ينزل بهم ويحل ما نزل وحل بالمستهزئين.

ويحتمل قوله وجهاً آخر: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ وهو العذاب؛ لأن الرسل كانوا يوعدونهم أن ينزل بهم العذاب بتكذيبهم الرسل، فعند ذلك يستهزئون بهم؛ كقوله: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا  ﴾ وكقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ  ﴾ وغير ذلك؛ إذ قالوا: ﴿ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ فأخبر أنه ينزل بهم ذلك كما نزل بأولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ قال الحسن: ألم يروا: ألم يعتبروا ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ .

وقال أبو بكر الكيساني: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ قد رأوا ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ \[قال\]: وهو واحد، قد رأوا آثار الذين أهلكوا بتكذيبهم الرسل، وتعنتهم ومكابرتهم، لكنهم لم يعتبروا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ﴾ قال بعضهم: أعطيناهم من الخير والسعة والأموال ما لم نمكن لكم يا أهل مكة أي: لم نعطكم، ثم إذا كذبوا الرسل أهلكهم الله -  - وعاقبهم بأنواع العقوبة.

ويحتمل: مكناهم في الأرض من القوة والشدة؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً  ﴾ ثم مع شدة قوتهم أهلكوا إذ كذبوا الرسل.

ويحتمل وجها آخر: ﴿ مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: في قلوب الخلق، من نفاذ القول، وخضوع الناس لهم؛ لأنهم كانوا ملوكاً وسلاطين الأرض، من نحو نمرود، وفرعون، وعاد، مع ما كانوا كذلك أهلكوا إذ كذبوا الرسل، وأنتم يا هؤلاء ليس لكم شيء من ذلك، أفلا تهلكون إذا كذبتم الرسل؟!

وإنما حملهم على تكذيب الرسل - والله أعلم - لما كانوا ذوي سعة وقوة، فلم يروا الخضوع لمن دونهم في ذلك [لما رأوا الأمر بالخضوع لمن دونهم في ذلك] جوراً غير حكمة، وإنما أخذوا ذلك من إبليس اللعين؛ حيث قال عند أمره بالسجود لآدم، فقال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ فعلى ذلك هؤلاء الكفرة رأوا الأمر بالخضوع لمحمد  جَوْراً منه، حتى قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً ﴾ قال القتبي: مدرارا بالمطر: أي غزيرا، ومن درّ ويدرّ.

وقال أبو عوسجة: أي: درت عليهم السماء بالمطر، أي: كثر ودام وتتابع واحدا بعد واحد في وقت الحاجة ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ ﴾ \[أخبر عن سعة\] أولئك، وما أنعم عليهم من كثرة الأمطار والأنهار ما لم يكن ذلك لهؤلاء، ثم مع ما كان أعطاهم ذلك أهلكهم إذ كذبوا الرسل.

فإن قيل: [كيف] ذكر إهلاك هؤلاء، وخوف أولئك ذلك بتكذيبهم الرسل، وقد أهلك الرسل والأولياء من قبل؟

قيل: لأن إهلاك أولئك إهلاك عقوبة وتعذيب؛ لأنه كان أهلكهم هلاك استئصال واستيعاب؛ خارجاً عن الطبع، وأهلك أولئك الرسل والأولياء لا إهلاك عقوبة خارجاً عن الطبع؛ لذلك كان ما ذكر.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله