الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 15 الحجر > الآية ٩٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق ، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى - : ( كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ ) .
.والكاف فى قوله ( كما ) للتشبيه ، و ( ما ) موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني ) .ولفظ ( المقتسمين ) افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقسامًا .
.والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب ، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر .أو المراد بهم - كما قال ابن كثير : " ( المقتسمين ) أى المتحالفين ، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم .
.
.
" .ولفظ ( عضين ) جمع عضة - بزنة عزة - ، وهى الجزء والقطعة من الشئ .
تقول : عضيت الشئ تعضية ، أى : فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة .قال القرطبى ما ملخصه : وواحد العضين عضة ، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته ، وكل فرقة عضة .
قال الشاعر : وليس دين الله بالمعضى .
أى : بالمفرق .والعضة والعضين فى لغة قريش السحر .
وهم يقولون للساحر عاضه ، وللساحرة عاضهة .
.
.وفى الحديث : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة " .
وقيل : هو من العضة ، وهى التميمة .
والعضيهة : البهتان .
.
.
يقال : أعضهت يا فلان أى : جئت بالبهتان .والمعنى : ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم ، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين ، أى الذين قسموا كتابهم أقسامًا ، فأظهروا قسمًا وأخفوا آخر ، والذين جعلوا - أيضًا - القرآن أقسامًا ، فآمنوا ببعضه ، وكفروا بالبعض الآخر ..
فجعله ( الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ ) بيان وتوضيح للمقتسمين .ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - ( كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين .
.
.
) متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك ، ( وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين ) ، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة .
وأن المراد بالمقتسمين : جماعة من مشركى قريش ، قسموا أنفسهم أقسامًا لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم .والمعنى : وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين .
.
.وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - ( كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين .
.
.
) متعلق بقوله - تعالى - ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً .
.
.
) على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى : آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا ، وهو فى معنى : أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب ( الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ ) أى قسموه إلى حق وباطل .
.وقيل : هو متعلق بقوله - تعالى - : ( وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين ) .
.
وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش .
.
.
أرسلهم الوليد بن المغيرة ، أيام موسم الحج ، ليقفوا على مداخل طرق مكة ، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل ، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر .
.أى : وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين .وقيل المراد بالمقتسمين ، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحًا - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله .
.
.ثم قال - رحمه الله - : والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله ( كما أنزلنا .
.
) متعلق بقوله - تعالى - ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً .
.
.
) وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين ، وأن الموصول مع صلته ، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم .
.
.والمعنى : لقد آتيناك سبعًا من المثانى والقرآن العظيم ، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما .
.
.
.ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين ، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير ، فقد قال - رحمه الله - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه : " والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال : إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه ، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته ، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم " .
.
.وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين : أهل الكتابين ..
وجائز أن يكون عنى بذلك : المشركين من قريش ، لأنهم اقتسموا القرآن ، فسماه بعضهم شعرا ، وسماه بعضهم كهانة .
.
.وجائز أن يكون عنى به الفريقين .
.
.
وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه .
لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل ، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين ، وإذا فكل من اقتسم كتابًا لله بتكذيب بعض وتصديق بعض ، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد .
.
.
.