الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 4 النساء > الآية ٢١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةثم كرر - سبحانه - توبيخه لمن يحاول أخذ شئ من صداق زوجته التى خاطلته فى حياته مدة طويلة فقال : ( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) .وأصل أفضى - كما يقول الفخر الرازى - من الفضاء الذى هو السعة يقال : فضا يفضو فضوا وفضاء إذا اتسع .
ويقال : افضى فلان إلى فلان أى : وصل إليه وأصله أنه صار فى فرجته وفضائه .المراد بالإِفضاء هنا : الوصول والمخالطة : لأن الوصول إلى الشئ قطع للفضاء الذى يبين المتواصلين .والاستفهام فى قوله ( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ) للتعجب من حال من يأخذ شيئا مما أعطاه لزوجته بعد إنكار ذات الأخذ .والمراد بالميثاق الغليظ فى قوله ( وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) هو ما أخذه الله للنساء على الرجال من حسن المعاشرة أو المفارقة بإحسان كما فى قوله - تعالى - : ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) وليس أخذ شئ مما أعطاه الرجال للنساء من التسريح بإحسان ، بل يكون من التسريح الذى صاحبه الظلم والإِساءة .والمراد بالميثاق الغليظ الذى أخذ : كلمة النكاح المعقود على الصداق ، والتى بها تستحل فروج النساء ، ففى صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال فى خطبة حجة الوداع : " استوصوا بالنساء خيراً فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " .والمعنى : بأى وجه من الوجوه تستحلون يا معشر الرجال ان تأخذوا شيئا من الصداق الذى أعطيتموه لنسائكم عند مفارقتهن؛ والحال أنكم قد اختلط بعضكم ببعض ، وصار كل واحد منكم لباسا لصاحبه ، وأخذن منكم عهدا وثيقا مؤكدا تأكيد؛ لا يحل لكم أن تنقضوه أو تخالفوه!!؟فأنت ترى أن الله - تعالى - قد منع الرجال من أخذ شئ من الصداق الذى أعطوه لنسائهم لسببين :أحدهما : الإفضاء وخلوص كل زوج لنفس صاحبه حتى صارا كأنهما نفس واحدة .وثانيهما : الميثاق الغليظ الذى أخذ على الرجال بأن يعاملوا النساء معاملة كريمة .والضمير فى قوله ( وَأَخَذْنَ ) للنساء .والآخذ فى الحقيقة إنما هو الله - تعالى - إلا أنه سبحانه - نسبه إليهن للمبالغة فى المحافظة على حقوقهن ، حتى جعلن كأنهن الآخذات له .قال بعضهم : وهذا الإِسناد مجاز عقلى ، لأن الآخذ للعهد هو الله .
أى : وقد أخذ الله عليكم العهد لأجلهن وبسبيهن .
فهو مجاز عقلى من الإِسناد إلى السبب .ووصف - سبحانه - الميثاق بالغلظة لقوته وشدته .
فقد قالوا : صحبة عشرين يوما قرابة .
فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟!هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة ما يأتى :1- تكريم الإِسلام للمرأة ، فقد كانت فى الجاهلية مهضومة الحق ، يعتدى عليها بأنواع من الاعتداء ، فرفعها الله - تعالى - بما شرعه من تعاليم إسلامية من تلك الهوة التى كانت فيها ، وقرر لها حقوقها ، ونهى عن الاعتداء عليها .ومن مظاهر ذلك أنه حرم أن تكون موروثة كما يورث المال .
وكذلك حرم عضلها وأخذ شئ من صداقها إلا إذا أتت بفاحشة مبينة .
وأمر الرجال بأن يعاشروا النساء بالمعروف ، وأن يصبروا على أخطائهن رحمة بهن .2- جواز الإِصداق بالمال الكثير : لأن الله - تعالى - قال : ( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ) .
والقنطار : المال الكثير الذى هو أقصى ما يتصور من مهور .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - ( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ) دليل على جواز المغالاة فى المهور ، لأن الله - تعالى - لا يمثل إلا بمباح .وخطب عمر - رضى الله عنه - فقال : ألا لا تغالوا فى صدقات النساء ، فإنها لو كانت مكرمة فى الدنيا أو تقوى عند الله ، لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنتى عشرة أوقية .
فقامت إليه امرأة فقال : يا عمر .
يعطينا الله وتحرمنا!!
أليس الله تعالى - يقول : ( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ) ؟
فقال عمر : أصابت امرأة وأخطأ عمر .
.وفى رواية أنه أطرق ثم قال : امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإِنكار .ثم قال القرطبى : وقال قوم : لا تعطى الآية جواز المغالاة فى المهور ، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة : كأنه قال : وآتيتم هذا القدر العظيم الذى لا يؤتيه أحد .
.ولقد " قال النبى صلى الله عليه وسلم لإِبن أبى حدرد - وقد جاءه يستعين فى مهره فسأله عنه فقال : مائتين ، فغضب صلى الله عليه وسلم : وقال : " كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة " " أى من ذلك المكان الذى به حجارة نخرة سود - فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة فى المهور .والذى نراه أن الآية الكريمة وإن كانت تفيد جواز الإِصداق بالمال الجزيل ، إلا ان الأفضل عدم المغالاة فى ذلك ، مع مراعاة أحوال الناس من حيث الغنى والفقر وغيرهما .ولقد ورد ما يفيد الندب إلى التيسير فى المهور .
فقد أخرج أبو داود والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير الصداق أيسره " .3- أن الرجل إذا أراد فراق امرأته .
فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا ما دام الفراق بسببه ومن جانبه : كما أنه لا ينبغى له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاه إياها إذا كان الفراق بسببها ومن جانبها .4- اتفق العلماء على أن المهر يستقر بالوطء .
واختلفوا فى استقراره بالخلوة المجردة .
قال القرطبى والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا .
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه .
قالوا : إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة .
دخل بها أو يدخل بها .
لما رواه الدارقطنى عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق " وقال مالك : إذا طال مكثه معها السنة ونحوها .
واتفقا على ألا مسيس .
وطلبت المهر كله كان لها .وبعد أن نهى - سبحانه - عن ظلم المرأة فى حال الزوجية .
وعن ظلمها بعد وفاة زوجها .
وعن ظلمها فى حالة فراقها .
وأمر بمعاشرتها بالمعروف بعد كل ذلك بين - سبحانه - من لا يحل الزواج بهن من النساء ومن يحل الزواج بهن حتى تبقى للأسرة فوتها ومودتها فقال - تعالى- ( وَلاَ تَنكِحُواْ .
.
.
.
عَلِيماً حَكِيماً ) .