تفسير سورة الأنفال الآية ٣٠ عند الوسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٠

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ ٣٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

استمع - أخى القارئ - بتدبر إلى الآيات التى حكى كل ذلك بأسلوبها البليغ المثر فتقول : ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ .

.

.

وَنِعْمَ النصير ) .قال ابن كثير : " عن ابن عباس فى قوله : ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ ) أنه قال : تشاورت قريش ليلة بمكة - فى شأن النبى - صلى الله عليه وسلم ، وذلك بعد أن رأوا أمره قد اشتهر ، وأن غيرهم قد آمن به - فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق .

وقال بعضهم بل اقتلوه ، وأمره أن لا يبيت فى مضجعه ، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - عليا أن يبيت مكانه ففعل وخرج النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبى - صلى الله عليه وسلم - فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوا عليا قالوا له أين صاحبك؟

قال : لا أدرى .

فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم ، فصعدوا فى الجبل فرموا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاثة ليال " .وقد ذكر ابن كثير وغيره روايات أخرى تتعلق بهذه الآية ، إلا أننا نكتفى بهذه الرواية ، لإفادتها بالمطلوب فى موضوعنا ، ولأن غيرنا قد اشتمل على أخبار أنكرها بعض المحققين ، كما أنكرها ابن كثير نفسه .وقوله : ( وَإِذْ يَمْكُرُ .

.

) تذكير من الله - تعالى - لنبيه وللمؤمنين ببعض نعمه عليهم ، حيث نجى نبيه - صلى الله عليه وسلم - من مكر المشركين حين تأمروا على قتله وهو بينهم بمكة .قال ابن جرير : أنزل الله على النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد قدومه المدينة سورة الأنفال ، يذكره نعمه عليه - ومن ذلك قوله - تعالى - ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ .

.

) الآية .وقوله ( يَمْكُرُ ) من المكر ، وهو - كما يقول الراغب - صرف الغير عما يقصده بحيلة وذلك ضربان : مكر محمود وذلك أن يتحرى بمكره فعلا جميلا ومنه قوله - تعالى - ( والله خَيْرُ الماكرين ) .

ومكر مذموم ، وهو أن يتحرى بمكره فعلا قبيحا ، ومنه قوله - تعالى - ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ .

.

) وقال - سبحانه - وتعالى - فى الأمرين : ( وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) وقوله : " ليثبتوك " أى ليحبسوك .

يقال أثبته إذا حبسته .والمعنى : واذكر - يا محمد - وقت ان نجيتك من مكر أعدائك ، حين تآمروا عليك وأنت بين اظهرهم فى مكة ، لكى ( لِيُثْبِتُوكَ ) أى : يحسبوك فى دارك ، فلا تتمكن من لقاء الناس ومن طعوتهم إلى الدين الحق ( أَوْ يَقْتُلُوكَ ) بواسطة مجموعة من الرجال الذين اختلفت قبائلهم فى النسب ، حتى يتفرق دمك فيهم فلا تقدر عشيرتك على الأخذ بثأرك من هذه القبائل المتعددة .

.

( أَوْ يُخْرِجُوكَ ) أى : من مكة منفيا مطاردا حتى يحولوا بينك وبين لقاء قومك .وقوله : ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين ) بيان لموضع النعمة والمنة ، أى : والحال أن هؤلاء المشركين يمكرون بك وبأتباعك المكر السئ ، والله - تعالى - يرد مكرهم فى نحورهم ، ويحبط كيدهم ، ويخيب سعيهم ، ويعاقب عليهم عقابا شديداً ، ويدبر أمرك وأمر أتباعك ، ويحفظكم من شرورهم ، فهو - سبحانه - أقوى الماكرين ، وأعظم تأثيرا ، وأعلمهم بما يضر منه وما ينفع .قال الآلوسى : قوله ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله ) أى : برد مكرهم ويجعل وخامته عليهم ، أو يجازيهم عليه أو يعاملهم معاملة الماكرين ، وذلك بأن أخرجهم إلى بدر ، وقلل المسلمين فى أعينهم حتى حملوا فلقوا منهم ما يشب منه الوليد .( والله خَيْرُ الماكرين ) إذ لا يعتد بمكرهم عند مكره - سبحانه - وإطلاق هذا المركب الإِضافى عليه - تعالى - إن كان باعتبار أن مكره - سبحانه - أنفذ وأبلغ تأثيرا فالإِضافة للتفضيل ، لأن لمكر الغير - أيضا نفوذا أو تأثيراً فى الجملة .

.

وإن كان باعتبار أنه - سبحانه - لا ينزل إلا الحق ولا يصيب إلا ما يستوجب الممكور به ، فلا شكرة لمكر الغير فيه ، وتكون الإِضافة حينئذ للاختصاص ، لانتفاء المشاركة .

.هذا والصورة التى يرسمها قوله - تعالى - : ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله ) صورة عميقة التأثير ، ذلك حين تتراءى للخيال ندوة قريش ، وهم يتأمرون ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون ، والله من ورائهم محيط ، ويمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون .إنها صورة ساخرة ، وهى فى الوقت ذاته صورة مفزعة .

.

فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل ، من تلك القدرة .

.

.

.

قدرة الله الجبار ، القاهر فوق عباده ، الغالب على أمره ، وهو بكل شئ محيط؟والتعبير القرآنى يرسم الصورة على طريقة القرآن الفريدة فى التصوير ، فيهز بها القلوب ، ويحرك بها أعماق الشعور .

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل