الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 8 الأنفال > الآية ٤٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةوقوله ( وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ ) معطوف على ما قبله ، أى : اثتبوا عند لقاء الأعداء ، وأكثروا من ذكر الله ، وأطيعوا الله ورسوله فى كل أقوالكم وأعمالكم ، وفى سركم وجهركم ، وفى كل ما تأتون وما تذرون .وقوله ( وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) نهى لهم عن الاختلاف المؤدى إلى الفشل وضياع القوة بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكر الله وطاعته .وقوله ( تَنَازَعُواْ ) من النزع بمعنى الجذب وأخذ الشئ .
.
.
والتنازع والمنازعة المجاذبة كأن كل واحد من المتنازعين يريد أن ينزع ما عند الآخر ويلقى به .والمراد بالتنازع هنا : الخصام والجدال والاختلاف المفضى إلى الفشل أى : الضعف .قال الآلوسى : وقوله : ( وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) ، قال الأخفش : الريح مستعارة للدولة .
لشبهها بها فى نفوذ أمرها وتمشية ، ومن كلامهم هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة وجرى أمره على ما ريد .
وركدت رياحه إذا ولت عنه وأدبر أمره .
قال الشاعر :إذا هبت رياحك فاغتنمها ...
فإن لكل خافقة سكونلا تغفل عن الإِحسان فيها ...
فما تدرى السكون متى يكونوالمعنى : كونوا - أيها المؤمنون - ثابتين ومستمرين على ذكر الله وطاعته عند لقاء الأعداء ، ولا تنازعوا وتختمصوا وتختلفوا ، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الفشل أى الضعف ، وإلى ذهاب دولتكم ، وهوان كلمتكم ، وظهور عدوكم عليكم .( واصبروا ) على شدائد الحرب ، وعلى مخالفة أهوائكم التى تحملكم على التنازع ، ( إِنَّ الله مَعَ الصابرين ) بتأييده ومعونته ونصره .هذا والمتأمل فى هاتين الآيتين يراهما قد رسمتا للؤمنين فى كل زمان ومكان الطريق التى توصلهم إلى الفلاح إلى النصر أكثرهما ثباتا .ويأمرون بمداومة ذكر الله ، لأن ذكر الله هو الصلة التى تربط الإِنسان بخالقه الذى بيده كل شئ ، ومتى حسنت صلة الإِنسان بخالقه ، صغرت فى عينه قوة أعدائه مهما كبرت .ويأمران بطاعة الله ورسوله ، حتى يدخل المؤمنون المعركة بقلوب نقية ، وبنفوس صافية .
.
لا مكان فيها للتنازع والاختلاف المؤدى إلى الفشل ، وذهاب القوة .
.
ويأمران بالصبر ، أى بتوطين النفس على ما يرضى الله ، واحتمال المكاره والمشاق فى جلد .
وهذه الصفة لا بد منها لمن يريد أن يصل إلى آماله وغاياته .ورحم الله الإِمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريميتن : " هذا تعليم من الله - تعالى - لعباده - المؤمنين آداب اللفاء ، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء " .وقد ثبت فى الصحيحين عن عبد الله بن أبى أوفى " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتظر فى بعض أيامه التى لقى فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال : يأيها الناس لاتتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف .
ثم قام وقال : اللهم منزل الكتاب ، ومجرى السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم " .وفى الحديث الآخر المرفوع يقول الله - تعالى - " إن عبدى كل عبدى الذى يذكرنى وهو مناجز قرنه " أى : لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى ودعائى واستعانتى .وعن قتادة فى هذه الآية : " افترض الله ذكره عند اشتغل ما يكون .
الضرب بالسيوف " .ثم قال : " وقد كان للصحابة - رضى الله عنهم - فى باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله ، وامتثال ما أرشدهم إليه ، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم ، ولا يكون لأحد من بعدهم ، فإنهم ببركة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطاعته فيما أمرهم ، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا ، فى المدة اليسيرة ، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس .
.
قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان ، وامتدت الممالك الاسلامية فى مشارق الأرض ومغاربها فى أقل من ثلاثين سنة فرضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين ، وحشرنا فى زمرتهم إنه كريم وهاب .