الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 32 السجدة > الآيات ١٣-١٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ أيْ: وجَبَ وسَبَقَ؛ والقَوْلُ هو قَوْلُهُ لِإبْلِيسَ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ أيْ: مِن كُفّارِ الفَرِيقَيْنِ.
﴿ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إذا دَخَلُوا النّارَ قالَتْ لَهُمُ الخَزَنَةُ: فَذُوقُوا العَذابَ.
وقالَ غَيْرُهُ: إذا اصْطَرَخُوا فِيها قِيلَ لَهُمْ: ذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ، أيْ: بِما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِكم هَذا، ﴿ إنّا نَسِيناكُمْ ﴾ أيْ: تَرَكْناكم مِنَ الرَّحْمَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها ﴾ أيْ: وُعِظُوا بِها ﴿ خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ أيْ: سَقَطُوا عَلى وُجُوهِهِمْ ساجِدِينَ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنَّما يُؤْمِنُ بِفَرائِضِنا مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها بِالأذانِ والإقامَةِ خَرُّوا سُجَّدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ وفي الصَّلاةِ الَّتِي تَتَجافى لَها جُنُوبُهم عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في المُتَهَجِّدِينَ بِاللَّيْلِ؛ رَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ﴾ قالَ: قِيامُ العَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ» وفي لَفْظٍ آخَرَ «أنَّهُ قالَ لِمُعاذٍ: " إنْ شِئْتَ أنْبَأْتُكَ بِأبْوابِ الخَيْرِ " قالَ: قُلْتَ أجَلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: " الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وقِيامُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ يَبْتَغِي وجْهَ اللَّهِ "، ثُمَّ قَرَأ: " تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ "» .
وَكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ أنَّها في قِيامِ اللَّيْلِ.
وقَدْ رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَتَجافى جُنُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ، كُلَّما اسْتَيْقَظُوا ذَكَرُوا اللَّهَ، إمّا في الصَّلاةِ، وإمّا في قِيامٍ، أوْ في قُعُودٍ، أوْ عَلى جُنُوبِهِمْ، فَهم لا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في صَلاةِ العِشاءِ [كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ لا يَنامُونَ حَتّى يُصَلُّوها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ العِشاءِ] والصُّبْحِ في جَماعَةٍ، قالَهُ أبُو الدَّرْداءِ، والضَّحّاكُ.
وَمَعْنى ﴿ تَتَجافى ﴾ : تَرْتَفِعُ.
والمَضاجِعُ جَمْعُ مَضْجَعٍ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُضْطَجَعُ عَلَيْهِ.
﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا ﴾ مِن عَذابِهِ ﴿ وَطَمَعًا ﴾ في رَحْمَتِهِ [وَثَوابِهِ] ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ في الواجِبِ والتَّطَوُّعِ.
﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ وأسْكَنَ ياءَ " أُخْفِي " حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ.
قالَ الزَّجّاجُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ الَّتِي قَبْلَها: الصَّلاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، لِأنَّهُ عَمَلٌ يَسْتَسِرُّ الإنْسانُ بِهِ، فَجَعَلَ لَفْظَ ما يُجازى بِهِ ﴿ أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ ، فَإذا فَتَحْتَ ياءَ " أُخْفِيَ "، فَعَلى تَأْوِيلِ الفِعْلِ الماضِي، وإذا أسْكَنْتَها، فالمَعْنى: ما أُخْفِي أنا لَهُمْ، إخْبارٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أُخْفِي لَهُمْ، بِالخُفْيَةِ خُفْيَةُ، وبِالعَلانِيَةِ عَلانِيَةٌ.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قالَ: " يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ مالا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ » قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: " مَن قُرّاتِ أعْيُنٍ " [بِألِفٍ] عَلى الجَمْعِ.
<div class="verse-tafsir"