الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 34 سبأ > الآيات ٣٤-٣٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءة﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ ﴾ أيْ: نَبِيٌّ يُنْذِرُ ﴿ إلا قالَ مُتْرَفُوها ﴾ وهْمُ أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا ﴾ .
في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُتْرَفُونَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ.
والثّانِي: مُشْرِكُو مَكَّةَ، فَظَنُّوا مِن جَهْلِهِمْ أنَّ اللَّهَ خَوَّلَهُمُ المالَ والوَلَدَ لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَقالُوا: ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ أحْسَنَ إلَيْنا بِما أعْطانا فَلا يُعَذِّبُنا، فَأخْبَرَ أنَّهُ ﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ ؛ والمَعْنى أنَّ بَسْطَ الرِّزْقِ وتَضْيِيقَهُ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ، لا أنَّ البَسْطَ يَدُلُّ عَلى رِضى اللَّهِ، ولا التَّضْيِيقُ يَدُلُّ عَلى سُخْطِهِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَصْلُحُ أنْ تَقَعَ " الَّتِي " عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ جَمِيعًا، لِأنَّ الأمْوالَ جَمْعٌ والأوْلادَ جَمْعٌ؛ وإنْ شِئْتَ وجَّهْتَ " الَّتِي " إلى الأمْوالِ، واكْتَفَيْتَ بِها مِن ذِكْرِ الأوْلادِ؛ وأنْشَدَ لِمَرّارٍ الأُسْدِيِّ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وَقَدْ شَرَحْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وما أمْوالُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ، ولا أوْلادُكم بِالَّذِينِ يُقَرِّبُونَكُمْ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وأبُو الجَوْزاءِ: " بِاللّاتِي تُقَرِّبُكم " .
قالَ الأخْفَشُ: و ﴿ زُلْفى ﴾ هاهُنا اسْمُ مَصْدَرٍ، كَأنَّهُ قالَ: تُقَرِّبُكم عِنْدَنا ازْدِلافًا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ زُلْفى ﴾ أيْ: قُرْبى ومَنزِلَةً عِنْدَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن آمَنَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ما تُقَرِّبُ الأمْوالُ إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ بِها في طاعَةِ اللَّهِ، ﴿ فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ ﴾ والمُرادُ بِهِ ها هُنا عَشْرُ حَسَناتٍ، تَأْوِيلُهُ: لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ الَّذِي قَدْ أعْلَمْتُكم مِقْدارَهُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يَرِدْ فِيما يَرى أهْلُ النَّظَرِ- واللَّهُ أعْلَمُ- أنَّهم يُجازَوْنَ بِواحِدٍ مِثْلِهِ، ولا اثْنَيْنِ، ولَكِنَّهُ أرادَ جَزاءَ التَّضْعِيفِ، وهو مِثْلٌ يُضَمُّ إلى مِثْلِ ما بَلَغَ، وكَأنَّ الضِّعْفَ الزِّيادَةُ، فالمَعْنى: لَهم جَزاءُ الزِّيادَةِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ورُوَيْسٌ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " لَهم جَزاءً " بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وكَسْرِ التَّنْوِينِ وصْلًا " الضِّعْفُ " بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وقَتادَةُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " لَهم جَزاءٌ " بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ " الضِّعْفُ " بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم في الغُرُفاتِ ﴾ يَعْنِي [فِي] غُرَفِ الجَنَّةِ، وهي البُيُوتُ فَوْقَ الأبْنِيَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ: " في الغُرْفَةِ " عَلى التَّوْحِيدِ؛ أرادَ اسْمَ الجِنْسِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " في الغُرْفاتِ " بِضَمِّ الغَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ مَعَ الألِفِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمَرَ: بِضَمِّ الغَيْنِ وفَتْحِ الرّاءِ مَعَ الألِفِ ﴿ آمِنُونَ ﴾ مِنَ المَوْتِ والغَيْرِ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الحَجِّ: ٥١، الرَّعْدِ: ٢٦ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ ﴾ أيْ: يَأْتِي بِبَدَلِهِ، يُقالُ: أخْلَفَ اللَّهُ لَهُ وعَلَيْهِ: إذا أبْدَلَ ما ذَهَبَ عَنْهُ وفي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ما أنْفَقْتُمْ مِن غَيْرِ إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ فَهو يُخْلِفُهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: ما أنْفَقْتُمْ في طاعَتِهِ، فَهو يُخْلِفُهُ في الآخِرَةِ بِالأجْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: ما أنْفَقْتُمْ في الخَيْرِ والبِرِّ فَهو يُخْلِفُهُ، إمّا أنْ يُعَجِّلَهُ في الدُّنْيا، أوْ يَدَّخِرَهُ لَكم في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُنْفِقُ مالَهُ في الخَيْرِ ولا يَرى لَهُ خَلَفًا أبَدًا؛ وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: ما كانَ مِن خَلَفٍ فَهو مِنهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ﴾ لَمّا دارَ عَلى الألْسُنِ أنَّ السُّلْطانَ يَرْزُقُ الجُنْدَ، وفُلانٌ يَرْزُقُ عِيالَهُ، أيْ: يُعْطِيهِمْ، أخْبَرَ أنَّهُ خَيْرُ المُعْطِينَ.
<div class="verse-tafsir"