الآية ٢ من سورة الفاتحة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 1 الفاتحة > الآية ٢ من سورة الفاتحة

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 444 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة الفاتحة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الفاتحة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

القراء السبعة على ضم الدال من قوله : ( الحمد لله وهو مبتدأ وخبر .

وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج أنهما قالا الحمد لله بالنصب وهو على إضمار فعل ، وقرأ ابن أبي عبلة : ( الحمد لله بضم الدال واللام إتباعا للثاني الأول وله شواهد لكنه شاذ ، وعن الحسن وزيد بن علي : الحمد لله بكسر الدال إتباعا للأول الثاني .

قال أبو جعفر بن جرير : معنى الحمد لله الشكر لله خالصا دون سائر ما يعبد من دونه ، ودون كل ما برأ من خلقه ، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ، ولا يحيط بعددها غيره أحد ، في تصحيح الآلات لطاعته ، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق ، وغذاهم به من نعيم العيش ، من غير استحقاق منهم ذلك عليه ، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه ، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم ، فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرا .

[ وقال ابن جرير : الحمد لله ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال : قولوا : الحمد لله ] .

قال : وقد قيل : إن قول القائل : ( الحمد لله ، ثناء عليه بأسمائه وصفاته الحسنى ، وقوله : الشكر لله ثناء عليه بنعمه وأياديه ، ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلا من الحمد والشكر مكان الآخر .

[ وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية .

وقال ابن عباس : الحمد لله كلمة كل شاكر ، وقد استدل القرطبي لابن جرير بصحة قول القائل : الحمد لله شكرا ] .

وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر ؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية ، والشكر لا يكون إلا على المتعدية ، ويكون بالجنان واللسان والأركان ، كما قال الشاعر : أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا ولكنهم اختلفوا : أيهما أعم ، الحمد أو الشكر ؟

على قولين ، والتحقيق أن بينهما عموما وخصوصا ، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه ؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية ، تقول : حمدته لفروسيته وحمدته لكرمه .

وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول ، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه ، لأنه يكون بالقول والعمل والنية ، كما تقدم ، وهو أخص ؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية ، لا يقال : شكرته لفروسيته ، وتقول : شكرته على كرمه وإحسانه إلي .

هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين ، والله أعلم .

وقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري : الحمد نقيض الذم ، تقول : حمدت الرجل أحمده حمدا ومحمدة ، فهو حميد ومحمود ، والتحميد أبلغ من الحمد ، والحمد أعم من الشكر .

وقال في الشكر : هو الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف ، يقال : شكرته ، وشكرت له .

وباللام أفصح .

[ وأما المدح فهو أعم من الحمد ؛ لأنه يكون للحي وللميت وللجماد - أيضا - كما يمدح الطعام والمال ونحو ذلك ، ويكون قبل الإحسان وبعده ، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضا فهو أعم ] .

ذكر أقوال السلف في الحمد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو معمر القطيعي ، حدثنا حفص ، عن حجاج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قال عمر : قد علمنا سبحان الله ، ولا إله إلا الله ، فما الحمد لله ؟

فقال علي : كلمة رضيها الله لنفسه .

ورواه غير أبي معمر ، عن حفص ، فقال : قال عمر لعلي ، وأصحابه عنده : لا إله إلا الله ، وسبحان الله ، والله أكبر ، قد عرفناها ، فما الحمد لله ؟

قال علي : كلمة أحبها [ الله ] لنفسه ، ورضيها لنفسه ، وأحب أن تقال .

وقال علي بن زيد بن جدعان ، عن يوسف بن مهران ، قال : قال ابن عباس : الحمد لله كلمة الشكر ، وإذا قال العبد : الحمد لله ، قال : شكرني عبدي .

رواه ابن أبي حاتم .

وروى - أيضا - هو وابن جرير ، من حديث بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : أنه قال : الحمد لله هو الشكر لله والاستخذاء له ، والإقرار له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك .

وقال كعب الأحبار : الحمد لله ثناء الله .

وقال الضحاك : الحمد لله رداء الرحمن .

وقد ورد الحديث بنحو ذلك .

قال ابن جرير : حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، حدثنا بقية بن الوليد ، حدثني عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبي حبيب ، عن الحكم بن عمير ، وكانت له صحبة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا قلت : الحمد لله رب العالمين ، فقد شكرت الله ، فزادك .

وقد روى الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا روح ، حدثنا عوف ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع ، قال : قلت : يا رسول الله ، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي ، تبارك وتعالى ؟

فقال : أما إن ربك يحب الحمد .

ورواه النسائي ، عن علي بن حجر ، عن ابن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع ، به .

وروى الترمذي ، والنسائي وابن ماجه ، من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير ، عن طلحة بن خراش ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله .

وقال الترمذي : حسن غريب .

وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنعم الله على عبد نعمة فقال : الحمد لله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ .

وقال القرطبي في تفسيره ، وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال : الحمد لله ، لكان الحمد لله أفضل من ذلك .

قال القرطبي وغيره : أي لكان إلهامه الحمد لله أكبر نعمة عليه من نعم الدنيا ؛ لأن ثواب الحمد لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى ، قال الله تعالى : المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا [ الكهف : 46 ] .

وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم : أن عبدا من عباد الله قال : يا رب ، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها ، فصعدا إلى السماء فقالا يا رب ، إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها ، قال الله - وهو أعلم بما قال عبده - : ماذا قال عبدي ؟

قالا يا رب إنه قد قال : يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .

فقال الله لهما : اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها .

وحكى القرطبي عن طائفة أنهم قالوا : قول العبد : الحمد لله رب العالمين ، أفضل من قول : لا إله إلا الله ؛ لاشتمال " الحمد لله رب العالمين " على التوحيد مع الحمد ، وقال آخرون : لا إله إلا الله أفضل لأنها الفصل بين الإيمان والكفر ، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله كما ثبت في الحديث المتفق عليه وفي الحديث الآخر في السنن : أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له .

وقد تقدم عن جابر مرفوعا : أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله .

وحسنه الترمذي .

والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد ، وصنوفه لله تعالى كما جاء في الحديث : اللهم لك الحمد كله ، ولك الملك كله ، وبيدك الخير كله ، وإليك يرجع الأمر كله الحديث .

رب العالمين والرب هو : المالك المتصرف ، ويطلق في اللغة على السيد ، وعلى المتصرف للإصلاح ، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى .

[ ولا يستعمل الرب لغير الله ، بل بالإضافة تقول : رب الدار ، رب كذا ، وأما الرب فلا يقال إلا لله عز وجل ، وقد قيل : إنه الاسم الأعظم ] .

والعالمين : جمع عالم ، [ وهو كل موجود سوى الله عز وجل ] ، والعالم جمع لا واحد له من لفظه ، والعوالم أصناف المخلوقات [ في السماوات والأرض ] في البر والبحر ، وكل قرن منها وجيل يسمى عالما أيضا .

قال بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( الحمد لله رب العالمين ) [ الفاتحة : 2 ] الحمد لله الذي له الخلق كله ، السماوات والأرضون ، ومن فيهن وما بينهن ، مما نعلم ، وما لا نعلم .

وفي رواية سعيد بن جبير ، وعكرمة ، عن ابن عباس : رب الجن والإنس .

وكذلك قال سعيد بن جبير ، ومجاهد وابن جريج ، وروي عن علي [ نحوه ] .

وقال ابن أبي حاتم : بإسناد لا يعتمد عليه .

واستدل القرطبي لهذا القول بقوله : ( ليكون للعالمين نذيرا ) [ الفرقان : 1 ] وهم الجن والإنس .

وقال الفراء وأبو عبيدة : العالم عبارة عما يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين ولا يقال للبهائم : عالم ، وعن زيد بن أسلم وأبي عمرو بن العلاء : كل ما له روح يرتزق .

وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم - وهو آخر خلفاء بني أمية ويعرف بالجعد ويلقب بالحمار - أنه قال : خلق الله سبعة عشر ألف عالم أهل السماوات وأهل الأرض عالم واحد وسائر ذلك لا يعلمه إلا الله ، عز وجل .

وقال قتادة : رب العالمين ، كل صنف عالم .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى رب العالمين قال : الإنس عالم ، والجن عالم ، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم ، أو أربعة عشر ألف عالم ، هو يشك ، من الملائكة على الأرض ، وللأرض أربع زوايا ، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم ، وخمسمائة عالم ، خلقهم [ الله ] لعبادته .

رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .

[ وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن خالد ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الفرات ، يعني ابن الوليد ، عن معتب بن سمي ، عن تبيع ، يعني الحميري ، في قوله : رب العالمين قال : العالمين ألف أمة فستمائة في البحر ، وأربعمائة في البر .

[ وحكي مثله عن سعيد بن المسيب ] .

وقد روي نحو هذا مرفوعا كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في مسنده : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبيد بن واقد القيسي ، أبو عباد ، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان ، حدثنا محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قل الجراد في سنة من سني عمر التي ولي فيها فسأل عنه ، فلم يخبر بشيء ، فاغتم لذلك ، فأرسل راكبا يضرب إلى اليمن ، وآخر إلى الشام ، وآخر إلى العراق ، يسأل : هل رئي من الجراد شيء أم لا ؟

قال : فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد ، فألقاها بين يديه ، فلما رآها كبر ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خلق الله ألف أمة ، ستمائة في البحر وأربعمائة في البر ، فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد ، فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه .

محمد بن عيسى هذا - وهو الهلالي - ضعيف .

وحكى البغوي عن سعيد بن المسيب أنه قال : لله ألف عالم ؛ ستمائة في البحر وأربعمائة في البر ، وقال وهب بن منبه : لله ثمانية عشر ألف عالم ؛ الدنيا عالم منها .

وقال مقاتل : العوالم ثمانون ألفا .

وقال كعب الأحبار : لا يعلم عدد العوالم إلا الله عز وجل .

نقله كله البغوي ، وحكى القرطبي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : إن لله أربعين ألف عالم ؛ الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها ، وقال الزجاج : العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة .

قال القرطبي : وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين ، كقوله : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين والعالم مشتق من العلامة ( قلت ) : لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته كما قال ابن المعتز : فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

الْحَمْدُ لِلَّهِ : قال أبو جعفر: ومعنى (الْحَمْدُ لِلَّهِ) : الشكر خالصًا لله جل ثناؤه دون سائر ما يُعبد من دونه، ودون كلِّ ما برَأَ من خلقه (46) ، بما أنعم على عباده من النِّعم التي لا يُحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحدٌ، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلَّفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وَغذَاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم لذلك عليه، ومع ما نبَّههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدِّية إلى دوام الخلود في دار المُقام في النعيم المقيم.

فلربِّنا الحمدُ على ذلك كله أولا وآخرًا.

وبما ذكرنا من تأويل قول ربنا جلّ ذكره وتقدَّست أسماؤه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، جاء الخبرُ عن ابن عباس وغيره:- 151 - حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: قال جبريل لمحمد صلى الله عليهما: قل يا محمد " الحمد لله " قال ابن عباس: " الحمد لله ": هو الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه، وغير ذلك.

(47) 152 - وحدثني سعيد بن عمرو السَّكُوني، قال: حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حَبيب، عن الحكم بن عُمَير - وكانت له صحبة - قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إذا قلت " الحمد لله ربِّ العالمين "، فقد شكرت الله، فزادك.

(48) قال: وقد قيل: إنّ قول القائل " الحمد لله "، ثناء على الله بأسمائه وصفاته الحُسنى، وقوله: " الشكر لله "، ثناء عليه بنعمه وأياديه.

وقد رُوي عن كعب الأحبار أنه قال: " الحمد لله "، ثناءٌ على الله.

ولم يبيّن في الرواية عنه، من أي معنيي الثناء اللذين ذكرنا ذلك.

153 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: حدثني عمر بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: أخبرني السلولي، عن كعب، قال: من قال " الحمد لله "، فذلك ثناء على الله.

(49) 154 - حدثني علي بن الحسن الخرّاز، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجَرْمي، قال: حدثنا محمد بن مصعب القُرْقُساني، عن مُبارك بن فَضالة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس شيءٌ أحبَّ إليه الحمد، من الله تعالى، ولذلك أثنى على نَفسه فقال: " الحمد لله " (50) .

قال أبو جعفر: ولا تَمانُع بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحُكْم (51) ، لقول القائل: " الحمد لله شكرًا " - بالصحة.

فقد تبيّن - إذْ كان ذلك عند جميعهم صحيحًا - أنّ الحمد لله قد يُنطق به في موضع الشكر، وأن الشكر قد يوضع موضعَ الحمد.

لأن ذلك لو لم يكن كذلك، لما جاز أن يُقال " الحمد لله شكرًا "، فيُخْرِج من قول القائل " الحمد لله " مُصَدَّرَ: " أشكُرُ"، لأن الشكر لو لم يكن بمعنى الحمد ، كان خطأ أن يُصَدَّرَ من الحمد غيرُ معناه وغير لفظه.

(52) فإن قال لنا قائل: وما وجه إدخال الألف واللام في الحمد؟

وهلا قيل: حمدًا لله رب العالمين؟

قيل: إن لدخول الألف واللام في الحمد، معنى لا يؤديه قول القائل " حَمْدًا "، بإسقاط الألف واللام.

وذلك أن دخولهما في الحمد مُنْبِئٌ عن أن معناه (53) : جميعُ المحامد والشكرُ الكامل لله.

ولو أسقطتا منه لما دَلّ إلا على أنّ حَمْدَ قائلِ ذلك لله، دون المحامد كلها.

إذْ كان معنى قول القائل: " حمدًا لله " أو " حمدٌ لله ": أحمد الله حمدًا، وليس التأويل في قول القائل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، تاليًا سورةَ أم القرآن: أحمدُ الله، بل التأويلُ في ذلك ما وصفنا قبلُ، من أنّ جميع المحامد لله بألوهيّته وإنعامه على خلقه بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كِفاء لها في الدين والدنيا، والعاجل والآجل.

ولذلك من المعنى، تتابعتْ قراءة القرّاء وعلماء الأمة على رَفع الحمد من (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) دون نصبها، الذي يؤدي إلى الدلالة على أن معنى تاليه كذلك: أحمد الله حمدًا.

ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب، لكان عندي مُحيلا معناه، ومستحقًّا العقوبةَ على قراءته إياه كذلك، إذا تعمَّد قراءتَه كذلك، وهو عالم بخطئه وفساد تأويله.

فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله " الحمد لله "؟

أحَمِد الله نفسه جلّ ثناؤه فأثنى عليها، ثم علَّمنَاه لنقول ذلك كما قال ووصَف به نفسه؟

فإن كان ذلك كذلك، فما وجه قوله تعالى ذكره إذًا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهو عزّ ذكرُه معبودٌ لا عابدٌ؟

أم ذلك من قِيلِ جبريلَ أو محمدٍ رَسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقد بَطل أن يكون ذلك لله كلامًا .

قيل: بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه، ولكنه جلّ ذكره حَمِد نفسه وأثنى عليها بما هو له أهلٌ، ثم علَّم ذلك عباده، وفرض عليهم تلاوته، اختبارًا منه لهم وابتلاءً، فقال لهم قولوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وقولوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .

فقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ مما علمهم جلّ ذكره أن يقولوه ويَدينُوا له بمعناه، وذلك موصول بقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وكأنه قال: قولوا هذا وهذا.

فإن قال: وأين قوله: " قولوا "، فيكونَ تأويلُ ذلك ما ادَّعَيْتَ؟

قيل: قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها - إذا عرفتْ مكان الكلمة، &; 1-140 &; ولم تَشكَّك أنّ سامعها يعرف، بما أظهرت من منطقها، ما حذفت - (54) حذفُ ما كفى منه الظاهرُ من منطقها، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حُذفت، قولا أو تأويلَ قولٍ، كما قال الشاعر: وأَعْلَــمُ أَنَّنِــي سَــأَكُونُ رَمْسًـا إذَا سَـــارَ النَّـــوَاعِجُ لا يَسِــيرُ (55) فَقَــالَ السّــائلون لِمَــنْ حَـفَرْتُمْ? فَقَــالَ المُخْــبِرُون لَهُــمْ: وزيـرُ (56) قال أبو جعفر: يريد بذلك، فقال المخبرون لهم: الميِّتُ وزيرٌ، فأسقَط الميت، إذ كان قد أتى من الكلام بما دلّ على ذلك.

وكذلك قول الآخر: وَرأَيــتِ زَوْجَــكِ فــي الــوغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا (57) وقد علم أنّ الرمح لا يُتَقَلَّد، وإنما أراد: وحاملا رمحًا، ولكن لما كان معلومًا معناه، اكتفى بما قد ظَهر من كلامه، عن إظهار ما حذف منه.

وقد يقولون للمسافر إذا ودَّعوه: " مُصاحَبًا مُعافًى "، يحذفون " سر، واخرج " ، إذ كان معلومًا معناه، وإن أسقط ذكره.

فكذلك ما حُذف من قول الله تعالى ذكره: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، لمَّا عُلم بقوله جل وعزّ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ ما أراد بقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، من معنى أمره عبادَه، أغنتْ دلالةُ ما ظُهِر عليه من القول عن إبداء ما حُذف.

وقد روينا الخبرَ الذي قدمنا ذكره مبتَدأ في تأويل قول الله: (58) (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، عن ابن عباس، وأنه كان يقول: إن جبريل قال لمحمد: قل يا محمد: " الحمد لله رب العالمين "، وبيّنا أن جبريل إنما علّم محمدًا ما أُمِر بتعليمه إياه (59) .

وهذا الخبر يُنبئ عن صحة ما قلنا في تأويل ذلك.

القول في تأويل قوله : رَبِّ .

قال أبو جعفر: قد مضى البيان عن تأويل اسم الله الذي هو اللَّهِ ، في بِسْمِ اللَّهِ ، فلا حاجة بنا إلى تكراره في هذا الموضع.

وأما تأويل قوله (رَبِّ)، فإن الرّب في كلام العرب منصرفٌ على معان: فالسيد المطاع فيها يدعَى ربًّا، ومن ذلك قول لَبِيد بن ربيعة: وأَهْلكْــنَ يومًــا ربَّ كِنْـدَة وابنَـه ورَبَّ مَعـدٍّ , بيـن خَـبْتٍ وعَرْعَـرِ (60) يعني بربِّ كندة: سيِّد كندة.

ومنه قول نابغة بني ذُبيان: تَخُــبُّ إلـى النُّعْمَـانِ حَـتَّى تَنالَـهُ فِـدًى لـكَ مـن رَبٍّ طَـرِيفِي وَتَالِدِي (61) والرجل المصلح للشيء يُدعى ربًّا، ومنه قول الفرزدق بن غالب: كــانُوا كَسَـالِئَةٍ حَمْقَـاءَ إذْ حَـقَنتْ سِـلاءَها فِـي أدِيـم غَـيْرِ مَرْبُـوبِ (62) يعني بذلك: في أديم غير مُصلَحٍ.

ومن ذلك قيل: إن فلانًا يَرُبُّ صنيعته عند فلان؛ إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها، ومن ذلك قول علقمة بن عَبَدة: فكُـنْتَ امـرَأً أَفْضَـتْ إليـك رِبَابَتي وَقَبْلَــكَ رَبَّتْنـي, فَضِعْـتُ رُبُـوبُ (63) يعنى بقوله: " أفضتْ إليك " أي وصلتْ إليك رِبَابتي، فصرتَ أنت الذي ترُبُّ أمري فتصلحه، لمّا خرجتُ من ربابة غيرك من الملوك الذين كانوا قبلك عليّ (64) ، فضيَّعوا أمري وتركوا تفقُّده - وهم الرُّبوب: واحدهم ربٌّ .

والمالك للشيء يدعى رَبَّه.

وقد يتصرف أيضًا معنى " الربّ" في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة.

فربّنا جلّ ثناؤه: السيد الذي لا شِبْه لهُ، ولا مثل في سُؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله جلّ ثناؤه (رَبِّ الْعَالَمِينَ)، جاءت الرواية عن ابن عباس:- 155 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا &; 1-143 &; بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحّاك، عن ابن عباس، قال: قال جبريل لمحمد: " يا محمد قل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)"، قال ابن عباس: يقول: قل الحمد لله الذي له الخلق كله - السمواتُ كلهن ومن فيهنّ، والأَرَضُون كلُّهنّ ومن فيهنّ وما بينهن، مما يُعلم ومما لا يُعلم.

يقول: اعلم يا محمد أن ربَّك هذا لا يشبهه شيء.

(65) القول في تأويل قوله : الْعَالَمِينَ .

قاله أبو جعفر: والعالَمون جمع عالَم، والعالَم: جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جِمَاعٍ لا واحد له من لفظه.

والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالَمٌ، وأهل كل قَرْن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان.

فالإنس عالَم، وكل أهل زمان منهم عالمُ ذلك الزمان.

والجنُّ عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كلّ جنس منها عالمُ زمانه.

ولذلك جُمع فقيل: عالمون، وواحده جمعٌ، لكون عالم كلّ زمان من ذلك عالم ذلك الزمان.

ومن ذلك قول العجاج: * فَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذَا العَالَمِ * (66) فجعلهم عالمَ زمانه.

وهذا القول الذي قلناه، قولُ ابن عباس وسعيد بن جبير، وهو معنى قول عامّة المفسرين.

&; 1-144 &; 156 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، الحمد لله الذي له الخلق كله: السموات والأرضون ومَن فيهنّ، وما بينهن، مما يُعلم ولا يعلم.

(67) 157 - وحدثني محمد بن سنان القَزَّاز، قال حدثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: (رب العالمين): الجن والإنس.

(68) 158 - حدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قول الله جل وعزّ(رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال: ربِّ الجن والإنس.

(69) 159 - حدثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا قيس، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير: قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال: الجنّ والإنس.

(70) 160 - حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرْقي، قال: حدثني ابن أبي مريم، عن ابن لَهِيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال: ابن آدم، والجن والإنس، كل أمة منهم عالمٌ على حِدَته.

(71) 161 - حدثني محمد بن حُميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال: الإنس والجن.

(72) 162 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد بمثله.

(73) 163 - حدثنا بشر بن معاذ العَقَدي، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد، عن قتادة: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال: كلّ صنف عالم.

(74) &; 1-146 &; 164 - حدثني أحمد بن حازم الغِفَاري، قال: حدثنا عُبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن ربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ)، قال: الإنس عالَمٌ، والجنّ عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم، أو أربعةَ عشر ألف عالم - هو يشكّ - من الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلافِ عالم وخمسمائة عالَمٍ، خلقهم لعبادته.

(75) 165 - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جُريج، في قوله: (رَبِّ الَعَالَمِينَ) قال: الجن والإنس.

(76) ---------------- الهوامش : (46) في المطبوعة : "ما يرى" ، والصواب من المخطوطة وابن كثير 1 : 42 .

(47) الحديث 151- هذا الإسناد سبق بيان ضعفه في 137 .

و "محمد بن العلاء" شيخ الطبري : هو "أبو كريب" نفسه في الإسناد السابق ، مرة يسميه ومرة يكنيه .

وهذا الحديث نقله ابن كثير في التفسير 1 : 43 ، والسيوطي في الدر المنثور 1 : 11 ، والشوكاني في تفسيره الذي سماه فتح القدير 1 : 10 ، ونسبوه أيضًا لابن أبي حاتم في تفسيره .

(48) الحديث 152- نقله ابن كثير 1 : 43 بإسناد الطبري هذا ، وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 11 ونسبه للطبري والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي "بسند ضعيف" .

وإسناده ضعيف حقًا ، بل هو إسناد لا تقوم له قائمة ، كما سنذكر : أما بقية بن الوليد ، فالحق أنه ثقة ، وإنما نعوا عليه التدليس ، ولا موضع له هنا ، فإنه صرح بالتحديث .

ولكن عيسى بن إبراهيم ، وهو القرشي الهاشمي ، كل البلاء منه في هذا الحديث ، وفي أحاديث من نحوه ، رواها بهذا الإسناد .

وقد قال فيه البخاري في الضعفاء : 27 : "منكر الحديث" ، وكذلك النسائي : 22 .

وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 1 271 - 272 ، وروى عن أبيه قال : "متروك الحديث" ، وعن ابن معين : "ليس بشيء" ، وقال ابن حبان في الضعفاء ، الورقة 163 : "لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد" .

وترجمته في الميزان ولسان الميزان فيها العجب .

وشيخه "موسى بن أبي حبيب" مثله : ضعيف تالف ، وقال الذهبي في الميزان : "ضعفه أبو حاتم ، وخبره ساقط .

وله عن الحكم بن عمير ، رجل قيل : له صحبة .

والذي أراه أنه لم يلقه .

وموسى -مع ضعفه- فمتأخر عن لقي صحابي كبير" .

فالبلاء من هذين أو من أحدهما .

حتى لقد شك بعض الحفاظ في وجود الصحابي نفسه "الحكم بن عمير" ، من أجلهما!

فترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 2 / 125 ، قال : "الحكم بن عمير : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يذكر السماع ولا لقاء ، أحاديث منكرة ، من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب ، وهو شيخ ضعيف الحديث ، ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم ، وهو ذاهب الحديث ، سمعت أبي يقول ذلك" .

وحتى إن الذهبي أنكر صحبته وترجم له في الميزان ، وأخطأ في النقل فيه عن أبي حاتم ، ذكر أنه ضعف الحكم!

وكلام أبي حاتم -كما ترى- غير ذلك .

وتعقبه الحافظ في لسان الميزان 2 : 337 وأثبت أنه صحابي ، بما ذكره ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم والترمذي وغيرهم ، وأن الدار قطني قال : "كان بدريًا" .

وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (ص 54) في طبقة الصحابة ، وقال : "يقال إن له صحبة" .

ونقل الحافظ هذا في اللسان عن ابن حبان ، ولكن سها فزعم أنه ذكره "في ثقات التابعين" .

وترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب ، رقم 476 : باسم "الحكم بن عمرو الثمالي ، وثمالة في الأزد ، شهد بدرًا ، ورويت عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشأم ، لا تصح" .

وتسمية أبيه باسم "عمرو" خطأ قديم في نسخ الاستيعاب ، لأن ابن الأثير تبعه في أسد الغابة 1 : 26 ، وأشار إلى الغلط فيه ، ثم ترجمه على الصواب : "الحكم بن عمير الثمالي ، من الأزد ، وكان يسكن حمص" .

وحقق الحافظ ترجمته في الإصابة 2 : 30 تحقيقًا جيدًا .

(49) الخبر 153- هذا الإسناد صحيح ، وسواء صح أم ضعف ، فلا قيمة له ، إذ منتهاه إلى كعب الأحبار .

وما كان كلام كعب حجة قط ، في التفسير وغيره .

و "الصدفي" : بفتح الصاد والدال المهملتين ، نسبة إلى "الصدف" بفتح الصاد وكسر الدال ، وهي قبيلة من حمير ، نزلت مصر .

و "السلولي" ، هو : عبد الله بن ضمرة السلولي ، تابعي ثقة .

وهذا الخبر -عن كعب- ذكره ابن كثير 1 : 43 دون إسناد ولا نسبة .

وذكر السيوطي 1 : 11 ونسبه للطبري وابن أبي حاتم .

(50) الحديث 154 - إسناده صحيح .

علي بن الحسن بن عبدويه أبو الحسن الخراز ، شيخ الطبري : ثقة ، مترجم في تاريخ بغداد 11 : 374 - 375 .

و "الخراز" : ثبت في الطبري بالخاء والراء وآخره زاي .

وفي تاريخ بغداد "الخزاز" بزاءين ، ولم نستطع الترجيح بينهما .

مسلم بن عبد الرحمن الجرمي : مترجم في لسان الميزان 6 : 32 باسم "مسلم بن أبي مسلم" فلم يذكر اسم أبيه ، وهو هو .

ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد 13 : 100 ، قال : "مسلم بن أبي مسلم الجرمي ، وهو مسلم بن عبد الرحمن" ، وقال : "كان ثقة ، نزل طرسوس ، وبها كانت وفاته" .

و "الجرمي" : رسمت في أصول الطبري ولسان الميزان "الحرمي" بدون نقط .

ولكنهم لم ينصوا على ضبطه .

وعادتهم في مثل هذا أن ينصوا على ضبط القليل والشاذ ، وأن يدعوا الكثير الذي يأتي على الجادة في الضبط ، والجادة في هذا الرسم "الجرمي" بالجيم ، وبذلك رسم في تاريخ بغداد ، فعن هذا أو ذاك رجحناه .

و "محمد بن مصعب القرقساني" ، و "مبارك بن فضالة" : مختلف فيهما .

وقد رجحنا توثيقهما في شرح المسند : الأول في 3048 ، والثاني في 521 .

و "الحسن" : هو البصري ، وقد أثبتنا في شرح صحيح ابن حبان ، في الحديث 132 أنه سمع من الأسود بن سريع .

وقد ذكر السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور 1 : 12 عن تفسير الطبري .

ورواه أحمد في المسند بمعناه مختصرًا 15650 (3 : 435 حلبي) عن روح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن الأسود بن سريع ، قال : "قلت : يا رسول الله ، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي؟

قال : أما إن ربك يحب الحمد" .

وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات أثبات .

وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 43 عن المسند .

وكذلك ذكره السيوطي ، ونسبه أيضًا للنسائي والحاكم وغيرهما .

ورواه أحمد أيضًا 15654 ، والبخاري في الأدب المفرد : 51 ، بنحوه ، في قصة مطولة ، من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأسود بن سريع .

ومعناه ثابت صحيح ، من حديث ابن مسعود ، في المسند 4153 : "لا أحد أغير من الله ، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله ، ولذلك مدح نفسه" .

ورواه أيضًا البخاري ومسلم وغيرهما .

(51) انظر ما كتبناه آنفًا : 126 عن معنى "لا تمانع" .

(52) تكلم العلماء في نقض ما ذهب إليه أبو جعفر من أن "الحمد والشكر" بمعنى ، وأن أحدهما يوضع موضع الآخر ، وهو ما ذهب إليه المبرد أيضًا .

انظر القرطبي 1 : 116 ، وابن كثير 1 : 42 ، وأخطأ النقل عن القرطبي ، فظنه استدل لصحة قول الطبري ، وهو وهم .

والذي قاله الطبري أقوى حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه .

وقوله "مصدر أشكر" ، وقوله "أن يصدر من الحمد" ، يعني به المفعول المطلق .

وانظر ما مضى : 117 ، تعليق : 1 .

(53) في المطبوعة : "مبني على أن معناه" ، أدخلوا عليه التبديل .

(54) سياق الكلام : "أن العرب من شأنها .

.

.

حذف" وما بينهما فصل .

(55) تأتي في تفسير آية سورة المؤمنون : 87 (18 : 27 بولاق) .

، ونسبهما لبعض بني عامر ، وكذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 170 وهما في البيان والتبيين 3 : 184 منسوبان للوزيري ، ولم أعرفه ، وفيها اختلاف في الرواية .

الرمس : القبر المسوى عليه التراب .

يقول : أصبح قبرا يزار أو يناح عليه .

ورواه الجاحظ : "سأصير ميتًا" ، وهي لا شيء .

والنواعج جمع ناعجة : وهي الإبل السراع ، نعجت في سيرها ، أي سارت في كل وجه من نشاطها .

وفي البيان ومعاني الفراء "النواجع" ، وليست بشيء .

(56) رواية الجاحظ : "فقال السائلون : من المسجى" .

وفي المعاني "السائرون" .

(57) يأتي في تفسير آيات سورة البقرة : 7 / وسورة آل عمران : 49 / وسورة المائدة : 53 / وسورة الأنعام : 99 / وسورة الأنفال : 14 / وسورة يونس : 71 / وسورة الرحمن : 22 .

وهو بيت مستشهد به في كل كتاب .

(58) في المطبوعة : "في تنزيل قول الله" .

(59) انظر ما مضى آنفًا لحديث رقم : 151 .

(60) ديوانه القصيدة : 15 / 32 .

وسيد كندة هو حجر أبو امرئ القيس .

ورب معد : حذيفة بن بدر ، كما يقول شارح ديوانه ، وأنا في شك منه ، فإن حذيفة بن بدر قتل بالهباءة .

ولبيد يذكر خبتًا وعرعرًا ، وهما موضعان غيره .

(61) ديوانه : 89, والمخصص 7 : 154 .

الطريف والطارف : المال المستحدث, خلاف التليد والتالد : وهو العتيق الذي ولد عندك .

(62) ديوانه : 25 .

سلأ السمن يسلؤه : طبخه وعالجه فأذاب زبده .

والسلاء ، بكسر السين : السمن .

وحقن اللبن في الوطب ، والماء في السقاء : حبسه فيه وعبأه .

رب نحى السمن يربه : دهنه بالرب ، وهو دبس كل ثمرة ، وكانوا يدهنون أديم النحى بالرب حتى يمتنوه ويصلحوه ، فتطيب رائحته ، ويمنع السمن أن يرشح ، من غير أن يفسد طعمه أو ريحه .

وإذا لم يفعلوا ذلك بالنحى فسد السمن .

وأديم مربوب : جدا قد أصلح بالرب .

يقول : فعلوا فعل هذه الحمقاء ، ففسد ما جهدوا في تدبيره وعمله .

(63) ديوانه : 29 ، ويأتي في تفسير آية سورة آل عمران : 79 ، (3 : 233 بولاق) والمخصص 17 : 154 ، والشعر يقوله للحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان ، وهو الحارث الأعرج المشهور .

قال ابن سيده : "ربوب : جمع رب ، أي الملوك الذين كانوا قبلك ضيعوا أمري ، وقد صارت الآن ربابتي إليك - أي تدبير أمري وإصلاحه - فهذا رب بمعنى مالك ، كأنه قال : الذين كانوا يملكون أمري قبلك ضيعوه" .

وقال الطبري فيما سيأتي : "يعني بقوله : ربتني : ولي أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه فلم يصلحوه ، ولكنهم أضاعوني فضعت" .

والربابة : المملكة ، وهي أيضًا الميثاق والعهد .

وبها فسر هذا البيت ، وأيدوه برواية من روى بدل"ربابتي" ، "أمانتي" .

والأول أجود .

(64) في المطبوعة : "من الملوك الذين كانوا" ، غيروه ليوافق ما ألفوا من العبارة .

(65) الحديث 155- سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد ، برقم 137 .

وهذا الحديث في ابن كثير 1 : 44 ، والدر المنثور 1 : 13 ، والشوكاني 1 : 11 .

ونسبه الأخيران أيضًا لابن أبي حاتم .

وفي المطبوع وابن كثير "والأرض ومن فيهن" .

(66) ديوانه : 60 ، وطبقات فحول الشعراء : 64 ، وخندف : أم بني إلياس بن مضر ، مدركة وطابخة ، وتشعبت منهم قواعد العرب الكبرى .

(67) الحديث 156- هو مختصر مما قبله : 155 .

(68) الخبر 157- إسناد صحيح .

محمد بن سنان القزاز ، شيخ الطبري : تكلموا فيه من أجل حديث واحد .

والحق أنه لا بأس به ، كما قال الدارقطني .

وهو مترجم في التهذيب ، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد 5 : 343- 346 .

أبو عاصم : هو النبيل ، الضحاك بن مخلد ، الحافظ الحجة .

شبيب : هو ابن بشر البجلي ، ووقع في التهذيب 4 : 306 "الحلبي" وهو خطأ مطبعي ، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري 2 / 2 / 232 / 233 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 1 / 357- 358 والتقريب وغيرها ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين .

(69) الخبر 158- إسناده حسن على الأقل ، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه في آخر عمره ، وقيس بن الربيع قديم ، لعله سمع منه قبل الاختلاط ، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح .

ووقع في هذا الإسناد خطأ في المطبوع "حدثنا مصعب" ، وصوابه من المخطوطة "حدثنا محمد بن مصعب" ، وهو القرقساني ، كما مضى في الإسناد 154 .

(70) الخبر 159- إسناده حسن كالذي قبله .

وأبو أحمد الزبيري : هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي ، من الثقات الكبار ، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ .

وقيس : هو ابن الربيع .

وهذه الأخبار الثلاثة 157- 159 ، ولفظها واحد ، ذكرها ابن كثير 1 : 44 خبرًا واحدًا دون إسناد .

وذكرها السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 خبرًا واحدًا ونسبه إلى "الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم وصححه ، عن ابن عباس" .

(71) الأثر 160 - أحمد بن عبد الرحيم البرقي : اشتهر بهذا ، منسوبًا إلى جده ، وكذلك أخوه "محمد" وهو : أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم .

وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم 22 باسم "ابن البرقي" .

ابن أبي مريم : هو سعيد .

ابن لهيعة هو عبد الله .

عطاء بن دينار المصري : ثقة ، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 1 / 332 وفي المراسيل : 58 عن أحمد بن صالح ، قال : " عطاء بن دينار ، هو من ثقات أهل مصر ، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير - : صحيفة ، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير " .

وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم ، قال : " هو صالح الحديث ، إلا أن التفسير أخذه من الديوان ، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن ، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه ، فوجده عطاء بن دينار في الديوان ، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير" .

(72) الأثر 161 - إسناده إلى مجاهد ضعيف .

لأن سفيان ، وهو الثوري ، لم يسمع من مجاهد ؛ لأن الثوري ولد سنة 97 ، ومجاهد مات سنة 100 أو بعدها بقليل ، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر ، راويها عن الثوري ، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي 11 .

وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 44 دون نسبة ولا إسناد .

وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 ، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد .

(73) الأثر 162 - إسناده ضعيف ، لإبهام الرجل راويه عن مجاهد .

وهو يدل على غلط مهران في الإسناد قبله ، إذ جعله عن الثوري عن مجاهد مباشرة ، دون واسطة .

(74) الأثر 163 - سعيد : هو ابن أبي عروبة ، وقد مضى أثر آخر عن قتادة بهذا الإسناد.

119 وهذا الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 ، وفي نسبته هناك خطأ مطبعي : " ابن جريج " بدل " ابن جرير " .

وكلام ابن جريج سيأتي 165 مرويًا عنه لا راويًا .

(75) الأثر 164 - أبو جعفر : هو الرازي التميمي ، وهو ثقة ، تكلم فيه بعضهم ، وقال ابن عبد البر : "هو عندهم ثقة ، عالم بتفسير القرآن" .

وله ترجمة وافية في تاريخ بغداد 11 : 143 - 147 .

وهذا الأثر عن أبي العالية ذكره ابن كثير 1 : 45 والسيوطي 1 : 13 بأطول مما هنا قليلا ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم ، وقال ابن كثير : "وهذا كلام غريب ، يحتاج مثله إلى دليل صحيح" .

وهذا حق .

(76) الأثر 165 - سبق الكلام على هذا الإسناد 144 .

وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 44 دون نسبة ولا إسناد .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

الحمد للهسورة الفاتحة :وفيها أربعة أبواب :[ الباب الأول في فضائلها وأسمائها ] وفيه سبع مسائلالأولى : روى الترمذي عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل .

أخرج مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب : أن أبا سعيد مولى [ عبد الله بن ] عامر بن كريز أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي ; فذكر الحديث .

قال ابن عبد البر : أبو سعيد لا يوقف له على اسم وهو معدود في أهل المدينة ، [ ص: 106 ] روايته عن أبي هريرة وحديثه هذا مرسل ; وقد روى هذا الحديث عن أبي سعيد بن المعلى رجل من الصحابة لا يوقف على اسمه أيضا رواه عنه حفص بن عاصم ، وعبيد بن حنين .قلت : كذا قال في ( التمهيد ) : لا يوقف له على اسم .

وذكر في كتاب الصحابة الاختلاف في اسمه .

والحديث خرجه البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه ، فقلت : يا رسول الله إني كنت أصلي ; فقال : ( ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ) - ثم قال لي - ( إني لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ) ثم أخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج قلت له : ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ؟

قال : الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته .

قال ابن عبد البر وغيره : أبو سعيد بن المعلى من جلة الأنصار ، وسادات الأنصار ، تفرد به البخاري ، واسمه رافع ، ويقال : الحارث بن نفيع بن المعلى ، ويقال : أوس بن المعلى ، ويقال : أبو سعيد بن أوس بن المعلى ; توفي سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وستين سنة ، وهو أول من صلى إلى القبلة حين حولت ، وسيأتي .

وقد أسند حديث أبي يزيد بن زريع قال : حدثنا روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي وهو يصلي ; فذكر الحديث بمعناه .وذكر ابن الأنباري في كتاب الرد له : حدثني أبو عبيد الله الوراق حدثنا أبو داود حدثنا شيبان عن منصور عن مجاهد قال : إن إبليس - لعنه الله - رن أربع رنات : حين لعن ، وحين أهبط من الجنة ، وحين بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، وحين أنزلت فاتحة الكتاب ، وأنزلت بالمدينة .الثانية : اختلف العلماء في تفضيل بعض السور والآي على بعض ، وتفضيل بعض أسماء الله تعالى الحسنى على بعض ، فقال قوم : لا فضل لبعض على بعض ، لأن الكل كلام الله ، وكذلك أسماؤه لا مفاضلة بينها .

ذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسن الأشعري ، والقاضي أبو بكر بن الطيب ، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي ، وجماعة من الفقهاء .

وروي معناه عن مالك .

قال يحيى بن يحيى : تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ ، وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها .

وقال عن مالك في قول الله تعالى : نأت بخير منها أو مثلها [ ص: 107 ] قال : محكمة مكان منسوخة .

وروى ابن كنانة مثل ذلك كله عن مالك .

واحتج هؤلاء بأن قالوا : إن الأفضل يشعر بنقص المفضول ، والذاتية في الكل واحدة ، وهي كلام الله ، وكلام الله تعالى لا نقص فيه .

قال البستي : ومعنى هذه اللفظة ( ما في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن ) : أن الله تعالى لا يعطي لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل ما يعطي لقارئ أم القرآن ، إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم ، وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه ، وهو فضل منه لهذه الأمة .

قال ومعنى قوله : ( أعظم سورة ) أراد به في الأجر ، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض .

وقال قوم بالتفضيل ، وأن ما تضمنه قوله تعالى وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وآية الكرسي ، وآخر سورة الحشر ، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودا مثلا في تبت يدا أبي لهب وما كان مثلها .والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها ، لا من حيث الصفة ، وهذا هو الحق .

وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين ، وهو اختيار القاضي أبي بكر بن العربي وابن الحصار ، لحديث أبي سعيد بن المعلى وحديث أبي بن كعب أنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبي أي آية معك في كتاب الله أعظم ) قال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم .

قال : فضرب في صدري وقال : ( ليهنك العلم أبا المنذر ) أخرجه البخاري ومسلم .قال ابن الحصار : عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص .وقال ابن العربي : قوله : " ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها " وسكت عن سائر الكتب ، كالصحف المنزلة والزبور وغيرها ، لأن هذه المذكورة أفضلها ، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل ، صار أفضل الكل .

كقولك : زيد أفضل العلماء فهو أفضل الناس .[ ص: 108 ] وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها ، حتى قيل : إن جميع القرآن فيها .

وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن .

ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها بينه وبين عبده ، ولا تصح القربة إلا بها ، ولا يلحق عمل بثوابها ، وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم ، كما صارت قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ، إذ القرآن توحيد وأحكام ووعظ ، و قل هو الله أحد فيها التوحيد كله ، وبهذا المعنى وقع البيان في قوله عليه السلام لأبي .

( أي آية في القرآن أعظم ) قال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم .

وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها كما صار قوله : أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له أفضل الذكر ; لأنها كلمات حوت جميع العلوم في التوحيد ، والفاتحة تضمنت التوحيد والعبادة والوعظ والتذكير ، ولا يستبعد ذلك في قدرة الله تعالى .الثالثة : روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فاتحة الكتاب ، وآية الكرسي ، و شهد الله أنه لا إله إلا هو ، و قل اللهم مالك الملك ، هذه الآيات معلقات بالعرش ليس بينهن وبين الله حجاب ) .

أسنده أبو عمرو الداني في كتاب ( البيان ) له .الرابعة : في أسمائها ، وهي اثنا عشر اسما :( الأول ) : الصلاة ، قال الله تعالى : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) الحديث .

وقد تقدم .( الثاني ) : الحمد ، لأن فيها ذكر الحمد ; كما يقال : سورة الأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ونحوها .( الثالث ) : فاتحة الكتاب ، من غير خلاف بين العلماء ; وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظا ، وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا ، وتفتتح بها الصلوات .( الرابع ) : أم الكتاب ، وفي هذا الاسم خلاف ، جوزه الجمهور ، وكرهه أنس والحسن [ ص: 109 ] وابن سيرين .

قال الحسن : أم الكتاب الحلال والحرام ، قال الله تعالى : آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات .

وقال أنس وابن سيرين : أم الكتاب اسم اللوح المحفوظ .

قال الله تعالى : وإنه في أم الكتاب .( الخامس ) : أم القرآن ، واختلف فيه أيضا ، فجوزه الجمهور ، وكرهه أنس وابن سيرين ; والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين .

روى الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني قال : هذا حديث حسن صحيح .

وفي البخاري قال : وسميت أم الكتاب لأنه يبتدأ بكتابتها في المصاحف ، ويبدأ بقراءتها في الصلاة .

وقال يحيى بن يعمر : أم القرى : مكة ، وأم خراسان : مرو ، وأم القرآن : سورة الحمد .

وقيل : سميت أم القرآن لأنها أوله ومتضمنة لجميع علومه ، وبه سميت مكة أم القرى لأنها أول الأرض ومنها دحيت ، ومنه سميت الأم أما لأنها أصل النسل ، والأرض أما ، في قول أمية بن أبي الصلت :فالأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا وفيها نولدويقال لراية الحرب : أم ; لتقدمها واتباع الجيش لها .

وأصل أم أمهة ، ولذلك تجمع على أمهات ، قال الله تعالى : وأمهاتكم .

ويقال أمات بغير هاء .

قال :فرجت الظلام بأماتكاوقيل : إن أمهات في الناس ، وأمات في البهائم ; حكاه ابن فارس في المجمل .( السادس ) : المثاني ، سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة .

وقيل : سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها .( السابع ) : القرآن العظيم ، سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن ، وذلك أنها تشتمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجلاله ، وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها ، [ ص: 110 ] والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى ، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم ; وكفاية أحوال الناكثين ، وعلى بيانه عاقبة الجاحدين .( الثامن ) : الشفاء ، روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاتحة الكتاب شفاء من كل سم .( التاسع ) : الرقية ، ثبت ذلك من حديث أبي سعيد الخدري وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للرجل ، الذي رقى سيد الحي : ( ما أدراك أنها رقية ) فقال : يا رسول الله شيء ألقي في روعي ; الحديث .

خرجه الأئمة ، وسيأتي بتمامه .( العاشر ) : الأساس ، شكا رجل إلى الشعبي وجع الخاصرة ; فقال : عليك بأساس القرآن فاتحة الكتاب ، سمعت ابن عباس يقول : لكل شيء أساس ، وأساس الدنيا مكة ، لأنها منها دحيت ; وأساس السماوات عريبا ، وهي السماء السابعة ; وأساس الأرض عجيبا ، وهي الأرض السابعة السفلى ; وأساس الجنان جنة عدن ، وهي سرة الجنان عليها أسست الجنة ; وأساس النار جهنم ، وهي الدركة السابعة السفلى عليها أسست الدركات ، وأساس الخلق آدم ، وأساس الأنبياء نوح ; وأساس بني إسرائيل يعقوب ; وأساس الكتب القرآن ; وأساس القرآن الفاتحة ; وأساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم ; فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى .( الحادي عشر ) : الوافية ، قاله سفيان بن عيينة ، لأنها لا تتنصف ولا تحتمل الاختزال ، ولو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة ، ونصفها الآخر في ركعة لأجزأ ; ولو نصفت الفاتحة في ركعتين لم يجز .[ ص: 111 ] ( الثاني عشر ) : الكافية ، قال يحيى بن أبي كثير : لأنها تكفي عن سواها ولا يكفي سواها عنها .

يدل عليه ما روى محمد بن خلاد الإسكندراني قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أم القرآن عوض من غيرها وليس غيرها منها عوضا .الخامسة : قال المهلب : إن موضع الرقية منها إنما هو إياك نعبد وإياك نستعين .

وقيل : السورة كلها رقية ، لقوله عليه السلام للرجل لما أخبره : ( وما أدراك أنها رقية ) ولم يقل : أن فيها رقية ; فدل هذا على أن السورة بأجمعها رقية ، لأنها فاتحة الكتاب ومبدؤه ، ومتضمنة لجميع علومه ، كما تقدم والله أعلم .السادسة : ليس في تسميتها بالمثاني وأم الكتاب ما يمنع من تسمية غيرها بذلك ، قال الله عز وجل : كتابا متشابها مثاني فأطلق على كتابه : مثاني ; لأن الأخبار تثنى فيه .

وقد سميت السبع الطول أيضا مثاني ; لأن الفرائض والقصص تثنى فيها .

قال ابن عباس : أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا من المثاني ; قال : السبع الطول .

ذكره النسائي ، وهي من " البقرة " إلى " الأعراف " ست ، واختلفوا في السابعة ، فقيل : يونس ، وقيل : الأنفال والتوبة ; وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير .

وقال أعشى همدان :فلجوا المسجد وادعوا ربكم وادرسوا هذي المثاني والطولوسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " الحجر " إن شاء الله تعالى .السابعة : المثاني جمع مثنى ، وهي التي جاءت بعد الأولى ، والطول جمع أطول .

وقد سميت الأنفال من المثاني لأنها تتلو الطول في القدر .

وقيل : هي التي تزيد آياتها على المفصل وتنقص عن المئين .

والمئون : هي السور التي تزيد كل واحدة منها على مائة آية .وفيه عشرون مسألةالأولى : أجمعت الأمة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات ; إلا ما روي عن حسين الجعفي : أنها ست ; وهذا شاذ .

وإلا ما روي عن عمرو بن عبيد أنه جعل إياك نعبد آية ، وهي على عدة ثماني آيات ; وهذا شاذ .

وقوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني ، وقوله : ( قسمت الصلاة ) الحديث ، يرد هذين القولين .[ ص: 112 ] وأجمعت الأمة أيضا على أنها من القرآن .

فإن قيل : لو كانت قرآنا لأثبتها عبد الله بن مسعود في مصحفه ، فلما لم يثبتها دل على أنها ليست من القرآن ، كالمعوذتين عنده .فالجواب ما ذكره أبو بكر الأنباري قال : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا سليمان بن الأشعث حدثنا ابن أبي قدامة حدثنا جرير عن الأعمش قال : أظنه عن إبراهيم قال : قيل لعبد الله بن مسعود : لم لم تكتب فاتحة الكتاب في مصحفك ؟

قال لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة .

قال أبو بكر : يعني أن كل ركعة سبيلها أن تفتتح بأم القرآن قبل السورة المتلوة بعدها ، فقال : اختصرت بإسقاطها ، ووثقت بحفظ المسلمين لها ، ولم أثبتها في موضع فيلزمني أن أكتبها مع كل سورة ، إذ كانت تتقدمها في الصلاة .الثانية : اختلفوا أهي مكية أم مدنية ؟

فقال ابن عباس وقتادة وأبو العالية الرياحي - واسمه رفيع - وغيرهم : هي مكية .

وقال أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري وغيرهم : هي مدنية .

ويقال : نزل نصفها بمكة ، ونصفها بالمدينة .

حكاه أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي في تفسيره .

والأول أصح لقوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم والحجر مكية بإجماع .

ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة .

وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير الحمد لله رب العالمين ; يدل على هذا قوله عليه السلام : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) .

وهذا خبر عن الحكم ، لا عن الابتداء ، والله أعلم .

وقد ذكر القاضي ابن الطيب اختلاف الناس في أول ما نزل من القرآن ; فقيل : المدثر ، وقيل : اقرأ ، وقيل : الفاتحة .

وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة : إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا قالت : معاذ الله !

ما كان الله ليفعل بك ، فوالله إنك لتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، وتصدق الحديث .

فلما دخل أبو بكر - وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم - ذكرت خديجة حديثه له ، قالت : يا عتيق ، اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل .

فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده ، فقال : انطلق بنا إلى ورقة ، فقال : ( ومن أخبرك ) .

قال : خديجة ، فانطلقا إليه فقصا [ ص: 113 ] عليه ; فقال : إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض فقال : لا تفعل ، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني .

فلما خلا ناداه : يا محمد ، قل بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين - حتى بلغ ولا الضالين ، قل : لا إله إلا الله .

فأتى ورقة فذكر ذلك له ; فقال له ورقة : أبشر ثم أبشر ، فأنا أشهد أنك الذي بشر به عيسى ابن مريم ، وأنك على مثل ناموس موسى ، وأنك نبي مرسل ، وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ، وإن يدركني ذلك لأجاهدن معك .

فلما توفي ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني يعني ورقة .

قال البيهقي رضي الله عنه : هذا منقطع .

يعني هذا الحديث ، فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعدما نزل عليه اقرأ باسم ربك و ياأيها المدثر .الثالثة : قال ابن عطية : ظن بعض العلماء أن جبريل عليه السلام لم ينزل بسورة الحمد ; لما رواه مسلم عن ابن عباس قال : بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم ، سمع نقيضا من فوقه ، فرفع رأسه فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم ، فنزل منه ملك ، فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم ; فسلم وقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ; لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته .

قال ابن عطية : وليس كما ظن ، فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل عليه السلام تقدم الملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم معلما به وبما ينزل معه ; وعلى هذا يكون جبريل شارك في نزولها ; والله أعلم .قلت : الظاهر من الحديث يدل على أن جبريل عليه السلام لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك .

وقد بينا أن نزولها كان بمكة ، نزل بها جبريل عليه السلام ، لقوله تعالى : نزل به الروح الأمين وهذا يقتضي جميع القرآن ، فيكون جبريل عليه السلام نزل بتلاوتها بمكة ، ونزل الملك بثوابها بالمدينة .

والله أعلم .

وقد قيل : إنها مكية مدنية ، نزل بها جبريل مرتين ; حكاه الثعلبي .

وما ذكرناه أولى .

فإنه جمع بين القرآن والسنة ، ولله الحمد والمنة .الرابعة : قد تقدم أن البسملة ليست بآية منها على القول الصحيح ، وإذا ثبت ذلك فحكم المصلي إذا كبر أن يصله بالفاتحة ولا يسكت ، ولا يذكر توجيها ولا تسبيحا ، لحديث عائشة وأنس المتقدمين وغيرهما ، وقد جاءت أحاديث بالتوجيه والتسبيح والسكوت ، قال بها [ ص: 114 ] جماعة من العلماء ; فروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنهما كانا يقولان إذا افتتحا الصلاة : سبحانك اللهم وبحمدك ، تبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك .

وبه قال سفيان وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي .

وكان الشافعي يقول بالذي روي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال : وجهت وجهي الحديث ، ذكره مسلم ، وسيأتي بتمامه في آخر سورة الأنعام ، وهناك يأتي القول في هذه المسألة مستوفى إن شاء الله .قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ يقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد واستعمل ذلك أبو هريرة .

وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : للإمام سكتتان فاغتنموا فيهما القراءة .

وكان الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل يميلون إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب .الخامسة : واختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة ; فقال مالك وأصحابه : هي متعينة للإمام والمنفرد في كل ركعة .

قال ابن خويز منداد البصري المالكي : لم يختلف [ ص: 115 ] قول مالك أنه من نسيها في صلاة ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل ولا تجزيه .

واختلف قوله فيمن تركها ناسيا في ركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية ; فقال مرة : يعيد الصلاة ، وقال مرة أخرى : يسجد سجدتي السهو ; وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عن مالك .

قال ابن خويز منداد وقد قيل : إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام .

قال ابن عبد البر : الصحيح من القول إلغاء تلك الركعة ويأتي بركعة بدلا منها ، كمن أسقط سجدة سهوا .

وهو اختيار ابن القاسم .

وقال الحسن البصري وأكثر أهل البصرة والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني : إذا قرأ بأم القرآن مرة واحدة في الصلاة أجزأه ولم تكن عليه إعادة ; لأنها صلاة قد قرأ فيها بأم القرآن ; وهي تامة لقوله عليه السلام : لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن وهذا قد قرأ بها .قلت : ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في كل ركعة ، وهو الصحيح على ما يأتي .

ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في أكثر عدد الركعات ، وهذا هو سبب الخلاف والله أعلم .وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : إن تركها عامدا في صلاته كلها وقرأ غيرها أجزأه ; على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك .

وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن : أقله ثلاث آيات أو آية طويلة كآية الدين .

وعن محمد بن الحسن أيضا قال : أسوغ الاجتهاد في مقدار آية ومقدار كلمة مفهومة ; نحو : الحمد لله ولا أسوغه في حرف لا يكون كلاما .

وقال الطبري : يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة ، فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آيها وحروفها .

قال ابن عبد البر : وهذا لا معنى له ; لأن التعيين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها ; ومحال أن يجيء بالبدل منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها ، وإنما عليه أن يجيء بها ويعود إليها ، كسائر المفروضات المتعينات في العبادات .السادسة : وأما المأموم فإن أدرك الإمام راكعا فالإمام يحمل عنه القراءة ; لإجماعهم على أنه إذا أدركه راكعا أنه يكبر ويركع ولا يقرأ شيئا وإن أدركه قائما فإنه يقرأ ، وهي المسألة :السابعة : ولا ينبغي لأحد أن يدع القراءة خلف إمامه في صلاة السر ; فإن فعل فقد أساء ; ولا شيء عليه عند مالك وأصحابه .

وأما إذا جهر الإمام وهي المسألة :الثامنة : فلا قراءة بفاتحة الكتاب ولا غيرها في المشهور من مذهب مالك ; لقول الله [ ص: 116 ] تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لي أنازع القرآن ، وقوله في الإمام : إذا قرأ فأنصتوا ، وقوله : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة .وقال الشافعي فيما حكى عنه البويطي وأحمد بن حنبل : لا تجزئ أحدا صلاة حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة ، إماما كان أو مأموما ، جهر إمامه أو أسر .

وكان الشافعي بالعراق يقول في المأموم : يقرأ إذا أسر ولا يقرأ إذا جهر ; كمشهور مذهب مالك .

وقال بمصر : فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة قولان : أحدهما أن يقرأ والآخر يجزئه ألا يقرأ ويكتفي بقراءة الإمام .

حكاه ابن المنذر .

وقال ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن حبيب والكوفيون : لا يقرأ المأموم شيئا ، جهر إمامه أو أسر ; لقوله عليه السلام : فقراءة الإمام له قراءة وهذا عام ، ولقول جابر : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام .التاسعة : الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر ، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة لكل أحد على العموم ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، وقوله : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا .

وقال أبو هريرة : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أنه : ( لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما [ ص: 117 ] زاد ) أخرجه أبو داود .

كما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى ، فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها ; وبه قال عبد الله بن عون وأيوب السختياني وأبو ثور وغيره من أصحاب الشافعي وداود بن علي ، وروي مثله عن الأوزاعي ; وبه قال مكحول .وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وأبي بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير أنهم قالوا : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب .

وهو قول ابن عمر والمشهور من مذهب الأوزاعي ; فهؤلاء الصحابة بهم القدوة ، وفيهم الأسوة ، كلهم يوجبون الفاتحة في كل ركعة .وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه ما يرفع الخلاف ويزيل كل احتمال فقال : حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن فضيل ، ح ، وحدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر جميعا عن أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال للذي علمه الصلاة : وافعل ذلك في صلاتك كلها وسيأتي .

ومن الحجة في ذلك أيضا ما رواه أبو داود عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال : أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح ; فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة فصلى أبو نعيم بالناس ، وأقبل عبادة بن الصامت وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم ، وأبو نعيم يجهر بالقراءة ; فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن ; فلما انصرف قلت لعبادة : سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر ؟

قال : أجل !

صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فالتبست عليه ; فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال : هل تقرءون إذا جهرت بالقراءة ؟

فقال بعضنا : إنا نصنع ذلك ; قال : فلا .

وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن .

وهذا نص صريح في المأموم .

وأخرجه [ ص: 118 ] أبو عيسى الترمذي من حديث محمد بن إسحاق بمعناه ; وقال : حديث حسن .

والعمل على هذا الحديث في القراءة خلف الإمام عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ; وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ، يرون القراءة خلف الإمام .

وأخرجه أيضا الدارقطني وقال : هذا إسناد حسن ، ورجاله كلهم ثقات ; وذكر أن محمود بن الربيع كان يسكن إيلياء ، وأن أبا نعيم أول من أذن في بيت المقدس .

وقال أبو محمد عبد الحق : ونافع بن محمود لم يذكره البخاري في تاريخه ولا ابن أبي حاتم ; ولا أخرج له البخاري ومسلم شيئا .

وقال فيه أبو عمر : مجهول .

وذكر الدارقطني عن يزيد بن شريك قال : سألت عمر عن القراءة خلف الإمام ، فأمرني أن أقرأ ، قلت : وإن كنت أنت ؟

قال : وإن كنت أنا ; قلت : وإن جهرت ؟

قال : وإن جهرت .

قال الدارقطني : هذا إسناد صحيح .

وروي عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإمام ضامن فما صنع فاصنعوا .

قال أبو حاتم : هذا يصح لمن قال بالقراءة خلف الإمام ; وبهذا أفتى أبو هريرة الفارسي أن يقرأ بها في نفسه حين قال له : إني أحيانا أكون وراء الإمام ، ثم استدل بقوله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرءوا يقول العبد الحمد لله رب العالمين الحديث .العاشرة : أما ما استدل به الأولون بقوله عليه السلام : وإذا قرأ فأنصتوا أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ; وقال : وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة وإذا قرأ فأنصتوا قال الدارقطني : هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة ; وخالفه الحفاظ من أصحاب قتادة فلم يذكروها ; منهم شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة وهمام وأبو عوانة ومعمر وعدي بن أبي عمارة .

قال الدارقطني : فإجماعهم يدل على وهمه .

وقد روي عن عبد الله بن عامر عن قتادة متابعة التيمي ; ولكن ليس هو بالقوي ، تركه القطان .

وأخرج أيضا هذه الزيادة أبو داود من حديث أبي هريرة وقال : هذه الزيادة إذا قرأ فأنصتوا ليست بمحفوظة .

وذكر أبو محمد عبد الحق : أن مسلما صحح حديث أبي هريرة وقال : هو عندي صحيح .قلت : ومما يدل على صحتها عنده إدخالها في كتابه من حديث أبي موسى وإن كانت مما لم يجمعوا عليها .

وقد صححها الإمام أحمد بن حنبل وابن المنذر .

وأما قوله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا فإنه نزل بمكة ، وتحريم الكلام في الصلاة نزل بالمدينة - كما قال زيد بن أرقم فلا حجة فيها ; فإن المقصود كان المشركين ، على ما قال سعيد بن المسيب .

وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة أنها نزلت في رفع الصوت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال : عبد الله بن عامر ضعيف .

وأما قوله عليه السلام : ( ما لي أنازع القرآن ) فأخرجه مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي ، واسمه فيما قال مالك : عمرو ، وغيره يقول عامر ، وقيل يزيد ، وقيل عمارة ، وقيل عباد ، يكنى أبا الوليد توفي سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وسبعين سنة ، لم يرو عنه الزهري إلا هذا الحديث الواحد ، وهو ثقة ، وروى عنه محمد بن عمرو وغيره .

والمعنى في حديثه : لا تجهروا إذا جهرت فإن ذلك [ ص: 120 ] تنازع وتجاذب وتخالج ، اقرءوا في أنفسكم .

يبينه حديث عبادة وفتيا الفاروق وأبي هريرة الراوي للحديثين .

فلو فهم المنع جملة من قوله : ( ما لي أنازع القرآن ) لما أفتى بخلافه ، وقول الزهري في حديث ابن أكيمة : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة ، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يريد بالحمد على ما بينا ; وبالله توفيقنا .وأما قوله صلى الله عليه وسلم : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة فحديث ضعيف أسنده الحسن بن عمارة وهو متروك ، وأبو حنيفة وهو ضعيف ; كلاهما عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر .

أخرجه الدارقطني وقال : رواه سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل بن يونس وشريك وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وغيرهم ، عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب .

وأما قول جابر : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام ; فرواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قوله .

قال ابن عبد البر : ورواه يحيى بن سلام صاحب التفسير عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصوابه موقوف على جابر كما في الموطأ .

وفيه من الفقه إبطال الركعة التي لا يقرأ فيها بأم القرآن ; وهو يشهد لصحة ما ذهب إليه ابن القاسم ورواه عن مالك في إلغاء الركعة والبناء على غيرها ولا يعتد المصلي بركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب .

وفيه أيضا أنالإمام قراءته لمن خلفه قراءة ; وهذا مذهب جابر وقد خالفه فيه غيره .الحادية عشرة : قال ابن العربي : لما قال صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب واختلف الناس في هذا الأصل هل يحمل هذا النفي على التمام والكمال ، أو على الإجزاء ؟

اختلفت الفتوى بحسب اختلاف حال الناظر ، ولما كان الأشهر في هذا الأصل والأقوى أن النفي على العموم ، كان الأقوى من رواية مالك أن من لم يقرأ الفاتحة في صلاته بطلت .

ثم نظرنا في تكرارها في كل ركعة ; فمن تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ) لزمه أن يعيد القراءة كما يعيد الركوع والسجود .

والله أعلم .الثانية عشرة : ما ذكرناه في هذا الباب من الأحاديث والمعاني في تعيين الفاتحة يرد على [ ص: 121 ] الكوفيين قولهم في أن الفاتحة لا تتعين ، وأنها وغيرها من آي القرآن سواء .

وقد عينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كما ذكرناه ; وهو المبين عن الله تعالى مراده في قوله : وأقيموا الصلاة .

وقد روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر .

فدل هذا الحديث على أن قوله عليه السلام للأعرابي : اقرأ ما تيسر معك من القرآن ما زاد على الفاتحة ، وهو تفسير قوله تعالى : فاقرءوا ما تيسر منه وقد روى مسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن - زاد في رواية - فصاعدا .

وقوله عليه السلام : ( هي خداج - ثلاثا - غير تمام ) أي غير مجزئة بالأدلة المذكورة .

والخداج : النقص والفساد .

قال الأخفش : خدجت الناقة ; إذا ألقت ولدها لغير تمام ، وأخدجت إذا قذفت به قبل وقت الولادة وإن كان تام الخلق .والنظر يوجب في النقصان ألا تجوز معه الصلاة ، لأنها صلاة لم تتم ; ومن خرج من صلاته وهي لم تتم فعليه إعادتها كما أمر ، على حسب حكمها .

ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل ، ولا سبيل إليه من وجه يلزم ، والله أعلم .الثالثة عشرة : روي عن مالك أن القراءة لا تجب في شيء في الصلاة ; وكذلك كان الشافعي يقول بالعراق فيمن نسيها ، ثم رجع عن هذا بمصر فقال : لا تجزئ صلاة من يحسن فاتحة الكتاب إلا بها ، ولا يجزئه أن ينقص حرفا منها ; فإن لم يقرأها أو نقص منها حرفا أعاد صلاته وإن قرأ بغيرها .

وهذا هو الصحيح في المسألة .

وأما ما روي عن عمر رحمه الله أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيها ، فذكر ذلك له فقال : كيف كان الركوع والسجود ؟

قالوا : حسن ، قال : لا بأس إذا ، فحديث منكر اللفظ منقطع الإسناد ، لأنه يرويه إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر ، ومرة يرويه إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عمر ، وكلاهما منقطع لا حجة فيه ; وقد ذكره مالك في الموطأ ، وهو عند بعض الرواة وليس عند يحيى وطائفة معه ، لأنه رماه مالك من كتابه بأخرة ، وقال ليس عليه العمل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل صلاة لا يقرأ فيها بأم [ ص: 122 ] القرآن فهي خداج وقد روي عن عمر أنه أعاد تلك الصلاة ; وهو الصحيح عنه .

روى يحيى بن يحيى النيسابوري قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث أن عمر نسي القراءة في المغرب فأعاد بهم الصلاة .

قال ابن عبد البر : وهذا حديث متصل شهده همام من عمر ; روي ذلك من وجوه .

وروى أشهب عن مالك قال : سئل مالك عن الذي نسي القراءة ، أيعجبك ما قال عمر ؟

فقال : أنا أنكر أن يكون عمر فعله - وأنكر الحديث - وقال : يرى الناس عمر يصنع هذا في المغرب ولا يسبحون به !

أرى أن يعيد الصلاة من فعل هذا .الرابعة عشرة : أجمع العلماء على أن لا صلاة إلا بقراءة ، على ما تقدم من أصولهم في ذلك .

وأجمعوا على أن لا توقيت في ذلك بعد فاتحة الكتاب ، إلا أنهم يستحبون ألا يقرأ مع فاتحة الكتاب إلا سورة واحدة لأنه الأكثر مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال مالك : وسنة القراءة أن يقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة ، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب .

وقال الأوزاعي : يقرأ بأم القرآن فإن لم يقرأ بأم القرآن وقرأ بغيرها أجزأه ، وقال : وإن نسي أن يقرأ في ثلاث ركعات أعاد .

وقال الثوري : يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، ويسبح في الأخريين إن شاء ، وإن شاء قرأ ، وإن لم يقرأ ولم يسبح جازت صلاته ، وهو قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين .قال ابن المنذر : وقد روينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين ، وبه قال النخعي .

قال سفيان : فإن لم يقرأ في ثلاث ركعات أعاد الصلاة لأنه لا تجزئه قراءة ركعة .

قال : وكذلك إن نسي أن يقرأ ركعة في صلاة الفجر .

وقال أبو ثور : لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة ، كقول الشافعي المصري ، وعليه جماعة أصحاب الشافعي .

وكذلك قال ابن خويز منداد المالكي ; قال : قراءة الفاتحة واجبة عندنا في كل ركعة ، وهذا هو الصحيح في المسألة .

روى مسلم عن أبي قتادة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ، ويسمعنا الآية أحيانا ، وكان يطول في الركعة الأولى من الظهر [ ص: 123 ] ويقصر الثانية ، وكذلك في الصبح .

وفي رواية : ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب ; وهذا نص صريح وحديث صحيح لما ذهب إليه مالك .

ونص في تعين الفاتحة في كل ركعة ; خلافا لمن أبى ذلك ، والحجة في السنة لا فيما خالفها .الخامسة عشرة : ذهب الجمهور إلى أن ما زاد على الفاتحة من القراءة ليس بواجب ; لما رواه مسلم عن أبي هريرة قال : في كل صلاة قراءة ، فما أسمعنا النبي صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفى منا أخفينا منكم ; فمن قرأ بأم القرآن فقد أجزأت عنه ، ومن زاد فهو أفضل .

وفي البخاري : وإن زدت فهو خير .

وقد أبى كثير من أهل العلم ترك السورة لضرورة أو لغير ضرورة ; منهم عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري وخوات بن جبير ومجاهد وأبو وائل وابن عمر وابن عباس وغيرهم ; قالوا : لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها من القرآن ; فمنهم من حد آيتين ، ومنهم من حد آية ، ومنهم من لم يحد ، وقال : شيء من القرآن معها ; وكل هذا موجب لتعلم ما تيسر من القرآن على كل حال مع فاتحة الكتاب ; لحديث عبادة وأبي سعيد الخدري وغيرهما .

وفي المدونة : وكيع عن الأعمش عن خيثمة قال : حدثني من سمع عمر بن الخطاب يقول : لا تجزئ صلاة من لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها .واختلف المذهب في قراءة السورة على ثلاثة أقوال : سنة ، فضيلة ، واجبة .السادسة عشرة : من تعذر ذلك عليه بعد بلوغ مجهوده فلم يقدر على تعلم الفاتحة أو شيء من القرآن ولا علق منه بشيء ، لزمه أن يذكر الله في موضع القراءة بما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد أو لا حول ولا قوة إلا بالله ، إذا صلى وحده أو مع إمام فيما أسر فيه الإمام ; فقد روى أبو داود وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا ، فعلمني ما يجزئني منه ; قال : قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ; قال : يا رسول الله ، هذا لله ، فما لي ؟

قال : قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني .السابعة عشرة : فإن عجز عن إصابة شيء من هذا اللفظ فلا يدع الصلاة مع الإمام جهده ; فالإمام يحمل ذلك عنه إن شاء الله ; وعليه أبدا أن يجهد نفسه في تعلم فاتحة الكتاب فما زاد ، إلى أن يحول الموت دون ذلك وهو بحال الاجتهاد فيعذره الله .الثامنة عشرة : من لم يواته لسانه إلى التكلم بالعربية من الأعجميين وغيرهم ترجم له الدعاء العربي بلسانه الذي يفقه لإقامة صلاته ; فإن ذلك يجزئه إن شاء الله تعالى .التاسعة عشرة : لا تجزئ صلاة من قرأ بالفارسية وهو يحسن العربية في قول الجمهور .

وقال أبو حنيفة : تجزئه القراءة بالفارسية وإن أحسن العربية ; لأن المقصود إصابة المعنى .

قال ابن المنذر : لا يجزئه ذلك ; لأنه خلاف ما أمر الله به ، وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلاف جماعات المسلمين .

ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال .الموفية عشرين : من افتتح الصلاة كما أمر وهو غير عالم بالقراءة ، فطرأ عليه العلم بها في أثناء الصلاة ويتصور ذلك بأن يكون سمع من قرأها فعلقت بحفظه من مجرد السماع فلا يستأنف الصلاة ; لأنه أدى ما مضى على حسب ما أمر به ; فلا وجه لإبطاله قاله في كتاب ابن سحنون .فيه ثمان مسائل :الأولى : ويسن لقارئ القرآن أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة بعد سكتة على نون " ولا الضالين " : آمين ، ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن .الثانية : ثبت في الأمهات من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه .

قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فترتبت المغفرة للذنب على مقدمات أربع تضمنها هذا الحديث .

الأولى : تأمين الإمام ، الثانية : تأمين من خلفه ، الثالثة : تأمين الملائكة ، الرابعة : موافقة التأمين ، قيل في [ ص: 125 ] الإجابة ، وقيل في الزمن ، وقيل في الصفة من إخلاص الدعاء ، لقوله عليه السلام : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه .الثالثة : روى أبو داود عن أبي مصبح المقرائي قال : كنا نجلس إلى أبي زهير النميري وكان من الصحابة ، فيحدث أحسن الحديث ، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال : اختمه بآمين .

فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة .

قال أبو زهير ألا أخبركم عن ذلك ، خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فأتينا على رجل قد ألح في المسألة ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يسمع منه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أوجب إن ختم فقال له رجل من القوم : بأي شيء يختم ؟

قال : بآمين فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب فانصرف الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتى الرجل فقال له : اختم يا فلان وأبشر .

قال ابن عبد البر : أبو زهير النميري اسمه يحيى بن نفير روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم .

وقال وهب بن منبه : آمين أربعة أحرف يخلق الله من كل حرف ملكا يقول : اللهم اغفر لكل من قال آمين .

وفي الخبر ( لقنني جبريل آمين عند فراغي من فاتحة الكتاب وقال إنه كالخاتم على الكتاب ) وفي حديث آخر : آمين خاتم رب العالمين .

قال الهروي قال أبو بكر : معناه أنه طابع الله على عباده ; لأنه يدفع [ به عنهم ] الآفات والبلايا ; فكان كخاتم الكتاب الذي يصونه ، ويمنع من إفساده وإظهار ما فيه .

وفي حديث آخر آمين درجة في الجنة .

قال أبو بكر : معناه أنه حرف يكتسب به قائله درجة في الجنة .الرابعة : معنى آمين عند أكثر أهل العلم : اللهم استجب لنا ; وضع موضع الدعاء .

وقال قوم : هو اسم من أسماء الله ; روي عن جعفر بن محمد ومجاهد وهلال بن يساف ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح ; قاله ابن العربي .

وقيل معنى آمين : كذلك فليكن ; قاله الجوهري .

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى آمين ؟

قال : ( رب افعل ) .

وقال مقاتل : هو قوة للدعاء ، واستنزال للبركة .

وقال الترمذي : معناه لا تخيب رجاءنا .الخامسة : وفي آمين لغتان : المد على وزن فاعيل كياسين .

والقصر على وزن يمين .

قال الشاعر في المد :يا رب لا تسلبني حبها أبدا ويرحم الله عبدا قال آميناوقال آخر :آمين آمين لا أرضى بواحدة حتى أبلغها ألفين آميناوقال آخر في القصر :تباعد مني فطحل إذ سألته أمين فزاد الله ما بيننا بعداوتشديد الميم خطأ ; قال الجوهري .

وقد روي عن الحسن وجعفر الصادق التشديد ; وهو قول الحسين بن الفضل ; من " أم " إذا قصد ، أي نحن قاصدون نحوك ; ومنه قوله : ولا آمين البيت الحرام .

حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري .

قال الجوهري : وهو مبني على الفتح مثل أين وكيف ; لاجتماع الساكنين .

وتقول منه : أمن فلان تأمينا .السادسة : اختلف العلماء هل يقولها الإمام وهل يجهر بها ; فذهب الشافعي ومالك في رواية المدنيين إلى ذلك .

وقال الكوفيون وبعض المدنيين : لا يجهر بها .

وهو قول الطبري ، وبه قال ابن حبيب من علمائنا .

وقال ابن بكير : هو مخير .

وروى ابن القاسم عن مالك أن الإمام لا يقول آمين وإنما يقول ذلك من خلفه ; وهو قول ابن القاسم والمصريين من أصحاب مالك .

وحجتهم حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال : إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قال " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " فقولوا آمين يجبكم الله وذكر الحديث ، أخرجه مسلم .

ومثله حديث سمي عن أبي هريرة ; وأخرجه مالك .

والصحيح الأول لحديث وائل بن حجر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ولا الضالين قال : " آمين " يرفع بها صوته ; أخرجه أبو داود والدارقطني ، وزاد " قال أبو بكر : هذه سنة تفرد بها أهل الكوفة ، هذا صحيح والذي بعده " .

وترجم البخاري " باب جهر الإمام بالتأمين " .[ ص: 127 ] وقال عطاء : " آمين " دعاء ، أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة .

قال الترمذي : وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم ، يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا يخفيها .

وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق .

وفي الموطأ والصحيحين قال ابن شهاب : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " آمين " .

وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة قال : ترك الناس آمين ; وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال : " آمين " حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد .

وأما حديث أبي موسى وسمي فمعناهما التعريف بالموضع الذي يقال فيه آمين ; وهو إذا قال الإمام : ولا الضالين ليكون قولهما معا ، ولا يتقدموه بقول : آمين ; لما ذكرناه ، والله أعلم .

ولقوله عليه السلام : إذا أمن الإمام فأمنوا .

وقال ابن نافع في كتاب ابن الحارث : لا يقولها المأموم إلا أن يسمع الإمام يقول : ولا الضالين .

وإذا كان ببعد لا يسمعه فلا يقل .

وقال ابن عبدوس : يتحرى قدر القراءة ويقول : آمين .السابعة : قال أصحاب أبي حنيفة : الإخفاء بآمين أولى من الجهر بها لأنه دعاء ، وقد قال الله تعالى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية .

قالوا : والدليل عليه ما روي في تأويل قوله تعالى : قد أجيبت دعوتكما .

قال : كان موسى يدعو وهارون يؤمن ، فسماهما الله داعيين .[ ص: 128 ] الجواب : أن إخفاء الدعاء إنما كان أفضل لما يدخله من الرياء .

وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة فشهودها إشهار شعار ظاهر ، وإظهار حق يندب العباد إلى إظهاره ; وقد ندب الإمام إلى إشهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء والتأمين في آخرها ; فإذا كان الدعاء مما يسن الجهر فيه فالتأمين على الدعاء تابع له وجار مجراه ; وهذا بين .الثامنة : كلمة آمين لم تكن قبلنا إلا لموسى وهارون عليهما السلام .

ذكر الترمذي الحكيم في ( نوادر الأصول ) : حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال حدثنا أبي قال حدثنا رزين مؤذن مسجد هشام بن حسان قال حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهو تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون قال أبو عبد الله : معناه أن موسى دعا على فرعون ، وأمن هارون ، فقال الله تبارك اسمه عندما ذكر دعاء موسى في تنزيله : قد أجيبت دعوتكما ولم يذكر مقالة هارون ; وقال موسى : ربنا ، فكان من هارون التأمين ، فسماه داعيا في تنزيله ، إذ صير ذلك منه دعوة .

وقد قيل : إن أمين خاص لهذه الأمة ; لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين أخرجه ابن ماجه من حديث حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال .

.

.

; الحديث .

وأخرج أيضا من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين فأكثروا من قول آمين .

قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إنما حسدنا أهل الكتاب لأن أولها حمد لله وثناء عليه ثم خضوع له واستكانة ، ثم دعاء لنا بالهداية إلى الصراط المستقيم ، ثم الدعاء عليهم مع قولنا آمين .وفيه ست وثلاثون مسألة :الأولى : قوله سبحانه وتعالى : الحمد لله روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قال العبد الحمد لله [ ص: 129 ] قال صدق عبدي الحمد لي .

وروى مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ } [هو] الثناء على الله بصفات الكمال, وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل, فله الحمد الكامل, بجميع الوجوه.

{ رَبِّ الْعَالَمِينَ } الرب, هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم, وإعداده لهم الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة, التي لو فقدوها, لم يمكن لهم البقاء.

فما بهم من نعمة, فمنه تعالى.

وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.

فالعامة: هي خلقه للمخلوقين, ورزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي فيها بقاؤهم في الدنيا.

والخاصة: تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويكمله لهم, ويدفع عنهم الصوارف, والعوائق الحائلة بينهم وبينه, وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير, والعصمة عن كل شر.

ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب.

فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.

فدل قوله { رَبِّ الْعَالَمِينَ } على انفراده بالخلق والتدبير, والنعم, وكمال غناه, وتمام فقر العالمين إليه, بكل وجه واعتبار.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله: {الحمد لله}: لفظه خبر كأنه يخبر أن المستحق للحمد هو الله عز وجل وفيه تعليم الخلق تقديره قولوا الحمد لله، والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة، ويكون بمعنى الثناء عليه بما فيه من الخصال الحميدة.

يقال: حمدت فلاناً على ما أسدى إلي من النعمة وحمدته على علمه وشجاعته، والشكر لا يكون إلا على النعمة، فالحمد أعم من الشكر إذ لا يقال شكرت فلاناً على علمه فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامداً.

وقيل: الحمد باللسان قولاً والشكر بالأركان فعلاً، قال الله تعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً} [11 - الإسراء]، وقال: {اعملوا آل داود شكراً} [123 - سبأ].

قوله: {لله} اللام فيه للاستحقاق؛ كما يقال الدار لزيد.

قوله: {رب العالمين}: فالرب يكون بمعنى المالك؛ كما يقال لمالك الدار: رب الدار، ويقال: رب الشيء إذا ملكه، ويكون بمعنى التربية والإصلاح، يقال: رب فلان الضيعة يربها إذا أتممها وأصلحها فهو رب مثل طب، وبر.

فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم، ولا يقال للمخلوق هو الرب مُعَرَّفاً إنما يقال رب كذا مضافاً، لأن الألف واللام للتعميم وهو لا يملك الكل.

و(العالمين) جمع عالم، لا واحد له في لفظه، واختلفوا في العالمين؛ قال ابن عباس:" هم الجن والإنس لأنهم المكلفون بالخطاب"، قال الله تعالى: {ليكون للعالمين نذيراً} [1 - الفرقان].

وقال قتادة ومجاهد والحسن: "هم جميع المخلوقات"، قال الله تعالى: {قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض وما بينهما} [23 - 24 الشعراء].

واشتقاقه من العلم والعلامة سموا به لظهور أثر الصنعة فيهم، قال أبو عبيد: "هم أربعة أمم: الملائكة، والإنس، والجن، والشياطين".

مشتق من العلم، ولا يقال للبهائم عالم لأنها لا تعقل، واختلفوا في مبلغهم، قال سعيد بن المسيب: "لله ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر".

وقال مقاتل بن حيان: "لله ثمانون ألف عالم أربعون ألفاً في البحر وأربعون ألفاً في البر".

وقال وهب: "لله ثمانية عشر ألف عالم الدنيا عالم منها، وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء".

وقال كعب الأحبار: "لا يحصي عدد العالمين أحد إلا الله"، قال الله تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} [31 - المدثر].

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الحمد لله» جملة خبرية قصد بها الثناء على الله بمضمونها من أنه تعالى: مالك لجميع الحمد من الخلق أو مستحق لأن يحمدوه، والله علم على المعبود بحق «ربِّ العالمين» أي مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم، وكل منها يُطلق عليه عالم، يقال عالم الإنس وعالم الجن إلى غير ذلك، وغلب في جمعه بالياء والنون أولي العلم على غيرهم، وهو من العلامة لأنه علامة على موجده.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ) الثناء على الله بصفاته التي كلُّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وفي ضمنه أَمْرٌ لعباده أن يحمدوه، فهو المستحق له وحده، وهو سبحانه المنشئ للخلق، القائم بأمورهم، المربي لجميع خلقه بنعمه، ولأوليائه بالإيمان والعمل الصالح.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

{ الحمد } هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.{ رب العالمين } أى: مالكهم، إذ الرب مصدر " ربه يربه " إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئاً فشيئا درجة الكمال.

وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على غيره إلا مقيداً فيقال: رب الدار، ورب الضيعة أى: صاحبها ومالكها.والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى -قال القرطبى: " وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده " وقيل: المراد بالعالمين أولو العلم من الإِنس والجن والملائكة.وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لأنه سبحانه أول كل شئ وآخر كل شئ، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه، حتى نبدأ ونحن فى صلة بالله تكشف عن النفوس أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها.والمعنى - كما قال ابن جرير - " الشكر خالصاً لله - جل ثناؤه - دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد.

ولا يحيط بعددها غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، عن غير استحقاق لهم عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود فى دار المقام فى النعيم المقيم.

لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخراً.فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذى لا يحد لله - تعالى - وانه ليس لأحد أن ينازعه إباه - سبحانه - هو رب العالمين.وجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } مفيدة لقصر الحمد عليه - سبحانه - نحو قولهم: " الكرم فى العرب ".

كما أن أل فى " الحمد " للاستغراق.

أى: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين.وإنما كان الحمد مقصوراً فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك وأعانهم عليه.ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال: احمدوا الله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } ، لأن الأمر يقتضى التكليف: والتكليف قد تنفر منه النفوس أحياناً، فأراد - سبحانه - وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها، أن يؤنس نفوسهم، ويؤلف قلوبهم، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديموا الإِصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف.وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله - تعالى - { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } ، دون قوله - تعالى -: المدح لله، أو: الشكر لله.

فقال:اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر.

أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله.أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد.وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام.

سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك.

وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك، فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر.إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل: المدح لله، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره.

وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار.

فكان قوله " الحمد لله " تصريحاً بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة...

وإنما لم يقل: الشكر لله، لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة.

فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه.

وهذه درجة حقيرة.

فأما إذا قال " الحمد لله " ، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت.وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبيه للعالمين، ليكون كالاستدلال على استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم، أما إذا كان موجهاً ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم.فكأنه - سبحانه - يقول لهم: اجعلوا حمدكم وثناءكم لى وحدى.

لأنى أنا رب العالمين.

وأنا الذى تعهدتكم برعايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله جل جلاله: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ فاعلم أن الحمد إنما يكون حمداً على النعمة، والحمد على النعمة لا يمكن إلا بعد معرفة تلك النعمة، لكن أقسام نعم الله خارجة عن التحديد والإحصاء، كما قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  ﴾ ولنتكلم في مثال واحد، وهو أن العاقل يجب أن يعتبر ذاته، وذلك لأنه مؤلف من نفس وبدن؛ ولا شك أن أدون الجزءين وأقلهما فضيلة ومنفعة هو البدن، ثم إن أصحاب التشريح وجدوا قريباً من خمسة آلاف نوع من المنافع والمصالح التي دبرها الله عزّ وجلّ بحكمته في تخليق بدن الإنسان، ثم إن من وقف على هذه الأصناف المذكورة في كتب التشريح عرف أن نسبة هذا القدر المعلوم المذكور إلى ما لم يعلم وما لم يذكر كالقطرة في البحر المحيط، وعند هذا يظهر أن معرفة أقسام حكمة الرحمن في خلق الإنسان تشتمل على عشرة آلاف مسألة أو أكثر، ثم إذا ضمت إلى هذه الجملة آثار حكم الله تعالى في تخليق العرش والكرسي وأطباق السموات، وأجرام النيرات من الثوابت والسيارات، وتخصيص كل واحد منها بقدر مخصوص ولون مخصوص وغير مخصوص، ثم يضم إليها آثار حكم الله تعالى في تخليق الأمهات والمولدات من الجمادات والنباتات والحيوانات وأصناف أقسامها وأحوالها علم أن هذا المجموع مشتمل على ألف ألف مسألة أو أكثر أو أقل، ثم إنه تعالى نبه على أن أكثرها مخلوق لمنفعة الإنسان، كما قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السموات وَمَا فِي الأرض  ﴾ وحينئذٍ يظهر أن قوله جل جلاله: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ مشتمل على ألف ألف مسألة، أو أكثر أو أقل.

أنواع العالم وإمكان وجود عوالم أخرى: وأما قوله جل جلاله: ﴿ رَبّ العالمين ﴾ فاعلم أن قوله: ﴿ رَبّ ﴾ مضاف وقوله: ﴿ العالمين ﴾ مضاف إليه، وإضافة الشيء إلى الشيء تمتنع معرفتها إلا بعد حصول العلم بالمتضايفين، فمن المحال حصول العلم بكونه تعالى رباً للعالمين إلا بعد معرفة رب والعالمين، ثم إن العالمين عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، وهي على ثلاثة أقسام: المتحيزات، والمفارقات، والصفات.

أما المتحيزات فهي إما بسائط أو مركبات، أو البسائط فهي الأفلاك والكواكب والأمهات، وأما المركبات فهي المواليد الثلاثة، واعلم أنه لم يقم دليل على أنه لا جسم إلا هذه الأقسام الثلاثة، وذلك لأنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له، وثبت بالدليل أنه تعالى قادر على جميع الممكنات، فهو تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج العالم، بحيث يكون كل واحد من تلك العوالم أعظم وأجسم من هذا العالم، ويحصل في كل واحد منها مثل ما حصل في هذا العالم من العرش والكرسي والسموات والأرضين والشمس والقمر، ودلائل الفلاسفة في إثبات أن العالم واحد دلائل ضعيفة ركيكة مبنية على مقدمات واهية؛ قال أبو العلاء المعري: يا أيها الناس كم لله من فلك *** تجري النجوم به والشمس والقمر هين على الله ماضينا وغابرنا *** فما لنا في نواحي غيره خطر ومعلوم أن البحث عن هذه الأقسام التي ذكرناها للمتحيزات مشتمل على ألوف ألوف من المسائل، بل الإنسان لو ترك الكل وأراد أن يحيط علمه بعجائب المعادن المتولدة في أرحام الجبال من الفلزات والأحجار الصافية وأنواع الكباريت والزرانيخ والأملاح، وأن يعرف عجائب أحوال النبات مع ما فيها من الأزهار والأنوار والثمار، وعجائب أقسام الحيوانات من البهائم والوحوش والطيور والحشرات لنفد عمره في أقل القليل من هذه المطالب، ولا ينتهي إلى غورها كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ مَّا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله  ﴾ وهي بأسرها وأجمعها داخلة تحت قوله: ﴿ رَبّ العالمين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الحمد والمدح أخوان، وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها.

تقول: حمدت الرجل على إنعامه، وحمدته على حسبه وشجاعته.

وأمّا الشكر فعلى النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح قال: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ منِّي ثلاثة ** يَدِي ولِسَانِي والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا والحمد باللسان وحده، فهو إحدى شعب الشكر، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمده» وإنما جعله رأس الشكر؛ لأنّ ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها، أشيع لها وأدلّ على مكانها من الاعتقاد وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال، بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كلّ خفي ويجلي كل مشتبه.

والحمد نقيضه الذمّ، والشكر نقيضه الكفران، وارتفاع الحمد بالابتداء وخبره الظرف الذي هو (لله) وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله على أنه من المصادر التي تنصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الإخبار، كقولهم: شكراً، وكفراً، وعجباً، وما أشبه ذلك، ومنها: سبحانك، ومعاذ الله، ينزلونها منزلة أفعالها ويسدّون بها مسدّها، لذلك لا يستعملونها معها ويجعلون استعمالها كالشريعة المنسوخة، والعدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره.

ومنه قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ سلاما قَالَ سلام ﴾ [هود: 69] ، رفع السلام الثاني للدلالة على أنّ إبراهيم عليه السلام حياهم بتحية أحسن من تحيتهم؛ لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدّده وحدوثه.

والمعنى: نحمد الله حمداً، ولذلك قيل: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ؛ لأنه بيان لحمدهم له، كأنه قيل: كيف تحمدون؟

فقيل: إياك نعبد.

فإن قلت: ما معنى التعريف فيه؟

قلت: هو نحو التعريف في أرسلها العراك، وهو تعريف الجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أنّ الحمد ما هو، والعراك ما هو، من بين أجناس الأفعال.

والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم.

وقرأ الحسن البصري: ﴿ الحمد ِللَّهِ ﴾ بكسر الدال لإتباعها اللام.

وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: ﴿ الحمد ِللَّهِ ﴾ بضم اللام لإتباعها الدال، والذي جسرهما على ذلك والإتباع إنما يكون في كلمة واحدة كقولهم منحدر الجبل ومغيرة تنزل الكلمتين منزلة كلمة لكثرة استعمالهما مقترنتين، وأشف القراءتين قراءة إبراهيم حيث جعل الحركة البنائية تابعة للإعرابية التي هي أقوى، بخلاف قراءة الحسن.

الرب: المالك.

ومنه قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن.

تقول: ربه يربه فهو رب، كما تقول: نمّ عليه ينمّ فهو نمّ.

ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل، ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده، وهو في غيره على التقيد بالإضافة، كقولهم: رب الدار، ورب الناقة، وقوله تعالى: ﴿ ارجع إلى رَبّكَ ﴾ [يوسف: 50] ، ﴿ إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ [يوسف: 23] .

وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما: ﴿ رَبِّ العالمين ﴾ بالنصب على المدح وقيل بما دل عليه الحمد لله كأنه قيل: نحمد الله رب العالمين.

العالم: اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وقيل: كل ما علم به الخالق من الأجسام والأعراض.

فإن قلت: لم جمع؟

قلت: ليشمل كل جنس مما سمي به.

فإن قلت: هو اسم غير صفة، وإنما تجمع بالواو والنون صفات العقلاء أو ما في حكمها من الأعلام.

قلت: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه وهي الدلالة على معنى العلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ الحَمْدُ: هو الثَّناءُ عَلى الجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ مِن نِعْمَةٍ أوْ غَيْرِها، والمَدْحُ: هو الثَّناءُ عَلى الجَمِيلِ مُطْلَقًا.

تَقُولُ حَمِدْتُ زَيْدًا عَلى عِلْمِهِ وكَرَمِهِ، ولا تَقُولُ حَمِدْتُهُ عَلى حُسْنِهِ، بَلْ مَدَحْتُهُ.

وقِيلَ هُما أخَوانِ.

والشُّكْرُ: مُقابَلَةُ النِّعْمَةِ قَوْلًا وعَمَلًا واعْتِقادًا قالَ: أفادَتْكُمُ النُّعْماءُ مِنِّي ثَلاثَةً...

يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرَ المُحَجَّبا فَهُوَ أعَمُّ مِنهُما مِن وجْهٍ، وأخَصُّ مِن آخَرَ، ولَمّا كانَ الحَمْدُ مِن شُعَبِ الشُّكْرِ أشْيَعَ لِلنِّعْمَةِ، وأدُلَّ عَلى مَكانِها لِخَفاءِ الِاعْتِقادِ، وما في آدابِ الجَوارِحِ مِنَ الِاحْتِمالِ جُعِلَ رَأْسَ الشُّكْرِ والعُمْدَةَ فِيهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، وما شَكَرَ اللَّهَ مَن لَمْ يَحْمَدْهُ».

والذَّمُّ نَقِيضُ الحَمْدِ والكُفْرانُ نَقِيضُ الشُّكْرِ.

ورَفَعَهُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ لِلَّهِ وأصْلُهُ النَّصْبُ وقَدْ قُرِئَ بِهِ، وإنَّما عَدَلَ عَنْهُ إلى الرَّفْعِ لِيَدُلَّ عَلى عُمُومِ الحَمْدِ وثَباتِهِ لَهُ دُونَ تَجَدُّدِهِ وحُدُوثِهِ.

وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تُنْصَبُ بِأفْعالٍ مُضْمَرَةٍ لا تَكادُ تُسْتَعْمَلُ مَعَها، والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْجِنْسِ ومَعْناهُ: الإشارَةُ إلى ما يَعْرِفُ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الحَمْدَ ما هُوَ؟

أوْ لِلِاسْتِغْراقِ، إذِ الحَمْدُ في الحَقِيقَةِ كُلُّهُ لَهُ، إذْ ما مِن خَيْرٍ إلّا وهو مُوَلِّيهِ بِوَسَطٍ أوْ بِغَيْرِ وسَطٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ تَعالى حَيٌّ قادِرٌ مُرِيدٌ عالِمٌ.

إذِ الحَمْدُ لا يَسْتَحِقُّهُ إلّا مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ.

وقُرِئَ: الحَمْدُ لِلَّهِ بِإتْباعِ الدّالِ اللّامَ وبِالعَكْسِ تَنْزِيلًا لَهُما مِن حَيْثُ إنَّهُما يُسْتَعْمَلانِ مَعًا مَنزِلَةَ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.

﴿ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ الرَّبُّ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّرْبِيَةِ: وهي تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ كالصَّوْمِ والعَدْلِ.

وقِيلَ: هو نَعْتٌ مِن رَبَّهُ يُرَبِّهِ فَهو رَبٌّ، كَقَوْلِكَ نَمَّ يَنُمُّ فَهو نَمٌّ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ المالِكُ لِأنَّهُ يَحْفَظُ ما يَمْلِكُهُ ويُرَبِّيهِ.

ولا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ تَعالى إلّا مُقَيَّدًا كَقَوْلِهِ: ﴿ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ ﴾ والعالَمُ اسْمٌ لِما يُعْلَمُ بِهِ، كالخاتَمِ والقالَبِ، غَلَبَ فِيما يُعْلَمُ بِهِ الصّانِعُ تَعالى، وهو كُلُّ ما سِواهُ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ، فَإنَّها لِإمْكانِها وافْتِقارِها إلى مُؤَثِّرٍ واجِبٍ لِذاتِهِ تَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ، وإنَّما جَمَعَهُ لِيَشْمَلَ ما تَحْتَهُ مِنَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ، وغَلَبَ العُقَلاءُ مِنهم فَجَمَعَهُ بِالياءِ والنُّونِ كَسائِرِ أوْصافِهِمْ.

وقِيلَ: اسْمٌ وُضِعَ لِذَوِي العِلْمِ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، وتَناوُلُهُ لِغَيْرِهِمْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِتْباعِ.

وقِيلَ: عُنِيَ بِهِ النّاسُ هاهُنا فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم عالَمٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى نَظائِرِ ما في العالَمِ الكَبِيرِ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ يُعْلَمُ بِها الصّانِعُ كَما يَعْلَمُ بِما أبْدَعَهُ في العالَمِ الكَبِيرِ، ولِذَلِكَ سَوّى بَيْنَ النَّظَرِ فِيهِما، وقالَ تَعالى: ﴿ وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ .

وقُرِئَ (رَبَّ العالَمِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ.

أوِ النِّداءِ.

أوْ بِالفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الحَمْدُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُمَكَّناتِ كَما هي مُفْتَقِرَةٌ إلى المُحْدِثِ حالَ حُدُوثِها فَهي مُفْتَقِرَةٌ إلى المُبْقِي حالَ بَقائِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الحمد} الوصف الجميل على جهة التفضيل وهو رفع بالابتداء وأصله النصب وقد قرئ باظمار فعله على أنه من المصادر المنصوبة بأفعال مظمرة في معنى الإخبار كقولهم شكراً وكفراً والعدول عن النصب إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى واستقراره والخبر {لله} اللام متعلق بمحذوف أي واجب أو ثابت وقيل الحمد والمدح أخوان وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها تقول حمدت الرجل على إنعامه وحمدته على شجاعته وحسبه وأما الشكر فعلى النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح قال ...

أفادتكم النعماء مني ثلاثة ...

يدي ولساني والضمير المحجبا ...

أي القلب والحمد باللسان وحده وهو إحدى شعب الشكر ومنه الحديث الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده وجعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان أشيع لها من اللاعتقاد وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب وما في عمل الجوارح من الاحتمال ونقيض الحمد الذم ونقيض الشكر الكفران وقيل المدح ثناء على ما هو له من أوصاف الكمال ككونه باقياً قادراً عالماً أبدياً أزلياً والشكر ثناء على ما هو منه من أوصاف الإفضال والحمد يشملها والألف واللام فيه للإستغراق عندنا خلافاً للمعتزلة ولذا قرن باسم

الله لأنه اسم ذات فيستجمع صفات الكمال وهو بناء على مسألة خلق الأفعال وقد حققته في مواضع {رَبّ العالمين} الرب المالك ومنه قول صفوان لأبي سفيان لأن يربني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن تقول ربه يربه رباً فهو رب ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل ولم يطلقوا الرب إلاّ في الله وحده وهو فى العبد مع التقيد إنه ربى أحسن مثواى قال ارجع إلى ربك وقال الواسطى هو الخالق ابتداء

الفاتحة (٢ - ٤)

والمربي غذاء والغافر انتهاء وهو اسم الله الأعظم والعالم هو ما علم به الخالق من الأجسام والجواهر والأعراض أوكل موجود سوى الله تعالى سمي به لأنه علم على وجوده وإنما جمع بالواو والنون مع أنه يختص بصفات العقلاء أو مافى حكمها من الأعلام لما فيه من معنى الوصفية وهي الدلالة على معنى العلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ.

ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ اهْدِنا ﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ .

(الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ﴿ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ ﴿ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ.

ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

(وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ.

وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان النبيّ  يكتب: باسمك اللهم فلما نزل في سورة هود بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] كتب: بسم الله فلما نزل في سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] كتب بسم الله الرحمن فلما نزل في سورة النمل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] كتب: بسم الله الرحمن الرحيم.

ففي هذا الخبر دليل على أنه ليس من أول كل سورة، ولكنه بعض آية من كتاب الله تعالى من سورة النمل.

فأما تفسير قوله: بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت باسم الله، ولكن لم يذكر بدأت، لأن الحال ينبئ أنك مبتدئ فيستغنى عن ذكره.

وأصله: باسم الله بالألف، ولكن حذفت من الاسم لكثرة الاستعمال، لأنها ألف وصل، وليست بأصلية، بدليل أنها تسقط عند التصغير، فتقول سميّ.

وقال بعضهم: معنى قوله بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده، ليذكروا اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة اسم الله تعالى.

وقوله اللَّهِ هو اسم موضوع ليس له اشتقاق، وهو أجلّ من أن يذكر له الاشتقاق، وهو قول الكسائي.

قال أبو الليث رحمه الله: هكذا سمعت أبا جعفر يقول: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: هو اسم موضوع ليس له اشتقاق.

وروي عن الضحاك أنه قال: إنّما سمي اللَّهِ إلها، لأن الخلق يولهون إليه في قضاء حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم.

وذكر عن الخليل بن أحمد البصري أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بنصب اللام، ويألهون بكسر اللام أيضا، وهما لغتان وقيل أيضا: إنه اشتق من الارتفاع.

وكانت العرب تقول للشيء المرتفع «لاه» ، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: طلعت لاهة، غربت لاهة وقيل أيضا: إنما سمي اللَّهِ، لأنه لا تدركه الأبصار، «ولاه» معناه احتجب كما قال القائل: لاه ربّي عن الخلائق طرّا ...

خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل أيضا: سمي اللَّهِ لأنه يوله قلوب العباد بحبه.

وأما «الرحمن» فالعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، ولا يزيد في رزق التقيّ لأجل تقاه، ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره.

وما كان في لغة العرب على ميزان «فعلان» يراد به المبالغة في وصفه، كما يقال: شبعان، وغضبان، إذا امتلأ غضبا.

فلهذا سمى نفسه رحمانا، لأن رحمته وسعت كل شيء، فلا يجوز أن يقال لغير الله تعالى «الرحمن» ، لأن هذا الوصف لا يوجد في غيره.

وأما «الرحيم» فالرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة، ويدخلهم الجنة.

وقيل أيضا: إنما سمى نفسه رحيما، لأنه لا يكلف عباده جميع ما يطبقون، وكل ملك يكلف عباده جميع ما يطيقون، فليس برحيم.

وروي عن علي بن أبي طالب  أنه قال في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ قال: اسمه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء.

وأما الرحمن فهو عون لمن آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره.

وأما «الرحيم» فلمن تاب وآمن وعمل صالحاً.

وقد فسره بعضهم على الحروف، وروى عبد الرحمن المديني، عن عبد الله بن عمر: أن عثمان بن عفان-  م- سأل  عن تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال: أما الباء: فبلاء الله وروحه، ونصره وبهاؤه وأما السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله وأما الله: فلا إله غيره وأما الرحمن: فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم: فالرفيق بالمؤمنين خاصة.

وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء، بهاؤه، والسين: سناؤه ولا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير، فلا شيء يعازه.

وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه ملك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء: مفتاح اسمه رزاق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور.

ومعنى هذا كله: دعاء الله عند الافتتاح.

سبع آيات مدنية روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية.

ويقال: نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة.

حدثنا الحاكم أبو الفضل، محمد بن الحسين الحدادي قال: حدثنا أبو حامد المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة-  - قال: قال رسول الله  : «إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا، فسأله أبي بن كعب عنها فقال: إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، فجعلتُ أتبطَّأ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟

قال: بأمِّ الكتاب.

فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران، والخمس التي بعدها، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين.

وقال أكثر أهل العلم: هي سورة الفاتحة وإنما سميت السبع، لأنها سبع آيات وإنما سميت المثاني، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة.

وقال: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن حامد الخزعوني قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن ابن عباس-  ما- في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال: الشكر لله.

ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل: (الحمد لله) يعني الوحدانية لله.

وقد قيل: الألوهية لله.

وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذى لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين.

ثم معنى قوله (الحمد لله) قال بعضهم: «قل» فيه مضمر يعني: قُلِ: الحمد لِلَّهِ.

وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده فيحمدوه.

وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: الثناء عليه بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد.

وقال بعضهم: الشكر أعم، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة.

كما قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] .

وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك إن آدم  ، قال حين عطس: الحمد لله فقال الله تعالى: يرحمك الله، فسبقت رحمته غضبه.

وقال الله تعالى لنوح: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم-  -: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: 39] وقال في قصة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل: 15] وقال لمحمد-  -: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111] وقال أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] فهي كلمة كل شاكر.

وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس-  ما-: سيد العالمين.

وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض.

ويقال: معنى قوله رَبِّ الْعالَمِينَ: خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة.

والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: 50] ، يعني إلى سيدك.

والربّ: هو المالك يقال: ربّ الدار، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي.

وقوله: (العالمين) كل ذي روح ويقال: كل من كان له عقل يخاطب، مثل بني آدم والملائكة والجن، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «إن لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ» ويقال: كل صنف من الحيوان عالم على حده.

قوله عَزَّ وَجَلَّ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال في رواية الكلبي: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر.

وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع، فلو قال: هما اسمان لطيفان، لكان أحسن ولكن معناه عندنا- والله أعلم- أنه أراد بالرقة الرحمة، يقال: رق فلان لفلان إذا رحمه.

يقال: رق يرق إذا رحم.

وقوله: أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم: الرحمن أرق، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم: الرحيم أرق، لأنه في الدنيا وفي الآخرة.

وقال بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال: أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر.

قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بالألف.

فأما من قرأ بالألف قال: لأن المالك أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك: إلا لملك من ملوك.

وأما الذي قرأ: ملك بغير ألف قال: «لأن الملك أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة.

وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله  وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكلهم يقرءون مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف.

قال الفقيه- رحمه الله-: سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله، محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ بقراءة الكسائي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف، فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ ملك يَوْمِ الدين، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟

أما بلغك الخبر عن رسول الله  أنه قال: «اقرءوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً» ، فلم أترك القراءة ب: «ملك» حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟

أما بلغك عن رسول الله  أنه قال: من قرأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة؟

فلما أصبحت، أتيت قطرباً- وكان إماماً في اللغة- فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟

فقال: بينهما فرق كثير.

فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك.

فرجعت إلى قراءة الكسائي.

ثم معنى قوله «مالك» يعني: قاضي وحاكم يَوْمِ الدِّينِ يعني: يوم الحساب كما قال تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة: 36 وغيرها] ، يعني الحساب القيم.

وقيل أيضاً: معنى يَوْمُ الدين، يعني يوم القضاء.

كما قال تعالى: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76] يعني: في قضائه وقيل أيضاً: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما يقال: كما تدين تدان، يعني كما تجازي تجازى به.

فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟

وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما.

وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له.

كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [الرعد: 16، وغيرها] فكذلك هاهنا.

قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك، ولا قاض، ولا مجاز غيره.

قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ هو تعليم علم المؤمنين كيف يقولون، إذا قاموا بين يديه في الصلاة، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم، حتى يوفقهم ويعينهم فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي نوحد ونطيع.

وقال بعضهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك.

وقوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول: بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق.

وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم ذكر بلفظ المخاطبة، فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا كما قال في آية أخرى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [يونس: 22] هذا ذكر على المغايبة ومثل هذا في القرآن كثير.

قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ «السراط» بالسين، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي، وقرأ الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس  ما: اهْدِنَا يعني أرشدنا، الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الإسلام فإن قيل: أليس هو الطريق المستقيم؟

وهو الإسلام فما معنى السؤال؟

قيل له: الصراط المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود.

فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل المتفرقة.

وقد روي عن عبد الله بن مسعود-  - أنه قال: خط لي رسول الله  خطاً مستقيماً، وخط بجنبه خطوطاً، ثم قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول: هلم إلى الطريق.

وفي هذا نزلت هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة.

قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام.

وروي عن علي بن أبي طالب-  - أنه قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني ثبتنا عليه.

ومعنى قول علي: ثبتنا عليه.

يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا تقلبها بمعصيتنا.

وهذا موافق لقول الله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2] فكذلك هاهنا.

قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه.

وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه.

فامنن علينا كما مننت عليهم.

أخبرنا الفقيه، أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل، القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: هو النبي  وصاحباه من بعده أبو بكر- وعمر  ما- قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: صدق والله أبو العالية ونصح.

وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي غير طريق اليهود.

يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام.

وَلَا الضَّالِّينَ يعني ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا.

وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى، فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟

واليهود أيضاً من الضالين؟

فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟

قيل له: إنّما عرف ذلك بالخبر واستدلالاً بالآية.

فأما الخبر، فما روي عن رسول الله  أن رجلاً سأله وهو بوادي القرى: من المغضوب عليهم؟

قال: اليهود قال: ومن الضالين؟

فقال: النصارى وأما الآية، فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] .

«آمين» ليس من السورة.

ولكن روي عن النبيّ  أنه كان يقوله ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك يكون.

وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم ن أسماء الله تعالى ويكون معناه: يا الله استجب دعاءنا.

وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية.

وروي عن النبيّ  أنه قال: مَا حَسَدَتْكُمْ اليَهُودُ فِي شَيْءٍ، كَحَسَدِهِمْ فِي «آمين» خَاتَمِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَخْتِمُ بِهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ.

وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة.

وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس-  ما-: سألت رسول الله  ما معنى آمين؟

قال: رَبِّ افْعَلْ.

ويقال: فيه لغتان «أمين» بغير مد، و «آمين» بالمد، ومعناهما واحد، وقد جاء في أشعارهم كلا الوجهين.

قال القائل: تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ دَعَوْتُه ...

آمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا وقال الآخر: يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدَا ...

وَيَرْحَمُ الله عَبْداً قَالَ: آمِينَا وصلى الله على سيدنا محمد.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: ونحو حديث أبيّ حديث أبي سعيد بن المعلّى «١» إذ قال له صلّى الله عليه وسلم: «ألا أعلّمك أعظم سورة في القرآن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هي السّبع المثاني، والقرآن العظيم الّذي أوتيته» .

رواه البخاري، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة.

انتهى من «سلاح المؤمن» تأليف الشيخ المحدّث أبي الفتح تقي الدّين محمّد بن علي بن همام «٢» - رحمه الله-.

الحَمْدُ: معناه الثناء الكاملُ، والألف واللام فيه لاِستغراقِ الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر لأنَّ الشكر إنما يكون على فِعْلٍ جميل يسدى إِلى الشاكر، والحمد المجرَّد هو ثناء بصفات المحمود.

قال ص «٣» : وهل الحمدُ بمعنى الشكْر أو الحمدُ أَعمُّ، أو الشكر ثناءٌ على اللَّه بأفعاله، والحمد ثناء عليه بأوصافه؟

ثلاثةُ أقوال.

انتهى.

قال الطبريُّ «٤» : الحمدُ لِلَّهِ: ثناءٌ أثنى به على نفسه تعالى، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا به عليه فكأنه قال: قولوا: الحمد للَّه/، وعلى هذا يجيء: قولوا: إِيَّاكَ، واهْدِنَا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الفاتِحَةِ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ «وَقَرَأ عَلَيْهِ أبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أُمَّ القُرْآنِ فَقالَ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أُنْزِلُ في التَّوْراةِ، ولا في الإنْجِيلِ، ولا في الزَّبُورِ، ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها، هي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآَنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيَتَهُ" .» فَمِن أسْمائِها: الفاتِحَةُ، لِأنَّهُ يُسْتَفْتَحُ الكِتابُ بِها تِلاوَةً وكِتابَةً.

وَمِن أسْمائِها: أُمُّ القُرْآَنِ، وأُمُّ الكِتابِ، لِأنَّها أمَّتِ الكِتابَ بِالتَّقَدُّمِ.

وَمِن أسْمائِها: السَّبْعُ المَثانِي، وإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما سَنَشْرَحُهُ في (الحِجْرِ) إنْ شاءَ اللَّهُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ، وقَتادَةَ، وأبِي مَيْسَرَةَ.

والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٍ، وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقَوْلَيْنِ.

* فَصْلٌ فَأُمًّا تَفْسِيرُها: فَـ ﴿ الحَمْدُ ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و (لِلَّهِ) الخَبَرُ.

والمَعْنى: الحَمْدُ ثابِتٌ لِلَّهِ، ومُسْتَقِرٌّ لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ لامِ (لِلَّهِ) وضَمَّها ابْنُ عَبْلَةَ، قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ بَعْضِ بَنِي رَبِيعَةَ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: (الحَمْدُ) بِنَصْبِ الدّالِ "لِلَّهِ" بِكَسْرِ اللّامِ.

وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ بِكَسْرِ الدّالِ واللّامِ جَمِيعًا.

واعْلَمْ أنَّ الحَمْدَ: ثَناءٌ عَلى المَحْمُودِ، ويُشارِكُهُ الشُّكْرُ، إلّا أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا، وهُوَ: أنَّ الحَمْدَ قَدْ يَقَعُ ابْتِداءً لِلثَّناءِ، والشُّكْرُ لا يَكُونُ إلّا في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ، وقِيلَ: لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، فَتَقْدِيرُهُ: قُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ.

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَمْدُ: الثَّناءُ عَلى الرَّجُلِ بِما فِيهِ مِن كَرَمٍ أوْ حَسَبٍ أوْ شَجاعَةٍ، وأشْباهُ ذَلِكَ.

والشُّكْرُ: الثَّناءُ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ أوْلاكَهُ، وقَدْ يُوضَعُ الحَمْدُ مَوْضِعَ الشُّكْرِ.

فَيُقالُ: حَمِدَتْهُ عَلى مَعْرُوفِهِ عِنْدِي، كَما يُقالُ: شَكَرْتُ لَهُ عَلى شَجاعَتِهِ.

فَأمّا (الرَّبُّ) فَهو المالِكُ، ولا يُذْكَرُ هَذا الِاسْمُ في حَقِّ المَخْلُوقِ إلّا بِالإضافَةِ، فَيُقالُ: هَذا رَبُّ الدّارِ، ورَبُّ العَبْدِ.

وَقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ.

قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: يُقالُ: رَبُّ فُلانٍ صَنِيعَتُهُ يَرُبُّها رَبًّا: إذا أتَمَّها وأصْلَحَها، فَهو رَبٌّ ورابٌ.

قالَ الشّاعِرُ: يُرَبِّ الَّذِي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ إنَّهُ إذا سُئِلَ المَعْرُوفَ زادَ وتَمَّما قالَ: والرَّبُّ يُقالُ: عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.

أحَدُها: المالِكُ.

يُقالُ: رَبُّ الدّارِ.

والثّانِي: المُصْلِحُ، يُقالُ: رَبُّ الشَّيْءِ.

والثّالِثُ: السَّيِّدُ المُطاعُ، قالَ تَعالى: ﴿ فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا  ﴾ .

والجُمْهُورُ عَلى خَفْضِ باءِ "رَبٍّ" وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِها.

وَقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ بِرَفْعِها.

فَأمّا (العالَمِينَ) فَجَمْعُ عالَمٍ، وهو عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ: اسْمٌ لِلْخَلْقِ مِن مَبْدَئِهِمْ إلى مُنْتَهاهم وقَدْ سَمَّوْا أهْلَ الزَّمانِ الحاضِرِ عالِمًا.

فَقالَ الحَطِيئَةُ: تَنَحِّي فاجْلِسِي مِنِّي بَعِيدًا ∗∗∗ أراحَ اللَّهُ مِنكَ العالَمِينا فَأمّا أهْلُ النَّظَرِ، فالعالَمُ عِنْدَهُمُ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى الكَوْنِ الكُلِّيِّ المُحْدَثِ مِن فَلَكٍ، وسَماءٍ، وأرْضٍ، وما بَيْنَ ذَلِكَ.

وَفِي اشْتِقاقِ العالَمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ العِلْمِ، وهو يُقَوِّي قَوْلَ أهْلِ اللُّغَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ العَلامَةِ، وهو يُقَوِّي قَوْلَ أهْلِ النَّظَرِ، فَكَأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ عِنْدَهم بِذَلِكَ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى خالِقِهِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِ "العالَمِينَ" هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: الخَلْقُ كُلُّهُ، السَّماواتُ والأرْضُونَ وما فِيهِنَّ وما بَيْنَهُنَّ.

رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: كُلُّ ذِي رُوحٍ دَبَّ عَلى وجْهِ الأرْضِ.

رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الجِنُّ والإنْسُ.

رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الجِنُّ والإنْسُ والمَلائِكَةُ، نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

"الحَمْدُ" مَعْناهُ: الثَناءُ الكامِلُ، والألِفُ واللامُ فِيهِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ مِنَ المَحامِدِ، وهو أعَمُّ مِنَ الشُكْرِ، لِأنَّ الشُكْرَ إنَّما يَكُونُ عَلى فِعْلٍ جَمِيلٍ يُسْدى إلى الشاكِرِ، وشُكْرُهُ حَمْدٌ ما، والحَمْدُ المُجَرَّدُ هو ثَناءٌ بِصِفاتِ المَحْمُودِ مِن غَيْرِ أنْ يُسْدِيَ شَيْئًا، فالحامِدُ مِنَ الناسِ قِسْمانِ: الشاكِرُ والمُثْنِي بِالصِفاتِ، وذَهَبَ الطَبَرَيُّ إلى أنَّ الشُكْرَ والحَمْدَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُرْضِيٍّ.

وحُكِيَ عن بَعْضِ الناسِ أنَّهُ قالَ: الشُكْرُ ثَناءٌ عَلى اللهِ بِأفْضالِهِ وإنْعامِهِ، والحَمْدُ ثَناءٌ بِأوصافِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أصَحُّ مَعْنًى مِن أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، واسْتَدَلَّ الطَبَرَيُّ عَلى أنَّهُما بِمَعْنًى بِصِحَّةِ قَوْلِكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا، وهو في الحَقِيقَةِ دَلِيلٌ عَلى خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ، لِأنَّ قَوْلَكَ: شُكْرًا؛ إنَّما خَصَّصَتْ بِهِ الحَمْدُ أنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ مِنَ النِعَمِ.

وأجْمَعَ السَبْعَةُ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى رَفْعِ الدالِّ مِنَ "الحَمْدِ لِلَّهِ"، ورُوِيَ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، ورُؤْبَةَ بْنُ العَجّاجِ: "الحَمْدَ لِلَّهِ" بِفَتْحِ الدالِ، وهَذا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ "الحَمْدِ لِلَّهِ" بِكَسْرِ الدالِ عَلى إتْباعِ الأوَّلِ الثانِي، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ "الحَمْدُ لِلَّهِ" بِضَمِّ الدالِ واللامِ عَلى إتْباعِ الثانِي والأوَّلِ.

قالَ الطَبَرِيُّ: "الحَمْدُ لِلَّهِ" ثَناءٌ أثْنى بِهِ عَلى نَفْسِهِ، وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا بِهِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُولُوا الحَمْدُ لِلَّهِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قُولُوا إيّاكَ.

قالَ: وهَذا مِن حَذْفِ العَرَبِ ما يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَما قالَ الشاعِرُ: وأعْلَمُ أنَّنِي سَأكُونُ رَمْسًا إذا سارَ النَواعِجُ لا يَسِيرُ ∗∗∗ فَقالَ السائِلُونَ: لِمَن حَفَرْتُمْ؟

∗∗∗ فَقالَ المُخْبِرُونَ لَهُمْ: وزِيرُ المَعْنى: "المَحْفُورُ لَهُ وزِيرُ"، فَحَذَفَ لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وهَذا كَثِيرٌ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ "رَبَّ" بِالنَصْبِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو عَلى النِداءِ، وعَلَيْهِ يَجِيءُ إيّاكَ.

و"الرَبُّ" في اللُغَةِ المَعْبُودُ، والسَيِّدُ المالِكُ، والقائِمُ بِالأُمُورِ، المُصْلِحُ لِما يَفْسُدُ مِنها، والمَلِكُ، تَأْتِي اللَفْظَةُ لِهَذِهِ المَعانِي.

فَمِمّا جاءَ بِمَعْنى "المَعْبُودِ" قَوْلُ الشاعِرِ: أرَبٌّ يَبُولُ الثَعْلَبانُ بِرَأْسِهِ ∗∗∗ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَعالِبُ وَمِمّا جاءَ بِمَعْنى "السَيِّدِ المالِكِ" قَوْلُهُمْ: رَبُّ العَبِيدِ والمَمالِيكِ.

ومِمّا جاءَ بِمَعْنى "القائِمِ بِالأُمُورِ الرَئِيسُ فِيها" قَوْلُ لَبِيدٍ: وأهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَهُ ∗∗∗ ورَبَّ مَعَدٍّ بَيْنَ خِبْتٍ وعَرْعَرِ ومِمّا جاءَ بِمَعْنى "المَلِكِ" قَوْلُ النابِغَةِ: تَخِبُّ إلى النُعْمانِ حَتّى تَنالَهُ ∗∗∗ فِدًى لَكَ مِن رَبٍّ طَرِيفِي وتالِدِي ومِن مَعْنى "الإصْلاحِ" قَوْلُهُمْ: أدِيمٌ مَرْبُوبٌ.

أيْ: مُصْلِحٌ: قالَ الشاعِرُ: كانُوا كَسالِئَةٍ حَمْقاءَ إذْ حُقِنَتْ ∗∗∗ سَلاءَها في أدِيمٍ غَيْرِ مَرْبُوبٍ ومِن مَعْنى "المَلِكِ" قَوْلِ صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ لِأخِيهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: " لِأنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ خَيْرٌ مِن أنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ، وعَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: وإنْ كانَ لا بُدَّ، لِأنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِن بَنِي عَمِّي أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يُرَبِّنِي غَيْرُهم.

ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ بَراءَةَ.

ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وكُنْتُ امْرَءًا أفْضَتْ إلَيْكَ رِبابَتِي ∗∗∗ وقَبْلَكِ رَبَّتْنِي فَضِعْتُ رُبُوبُ وهَذِهِ الِاسْتِعْمالاتُ قَدْ تَتَداخَلُ، فالرَبُّ عَلى الإطْلاقِ الَّذِي هو رَبُّ الأرْبابِ عَلى كُلِّ جِهَةٍ هو اللهُ تَعالى.

و"العالَمِينَ" جَمْعُ عالَمٍ، وهو كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللهِ تَعالى، يُقالُ لِجُمْلَتِهِ: عالَمٌ، ولِأجْزائِهِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ وغَيْرِ ذَلِكَ: عالَمٌ، وبِحَسَبِ ذَلِكَ يُجْمَعُ عَلى العالَمِينَ، ومِن حَيْثُ عالَمُ الزَمانِ مُتَبَدِّلٌ في زَمانٍ آخَرَ حَسُنَ جَمْعُها.

ولَفْظَةُ "العالَمِ" جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العِلْمِ والعَلامَةِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُوجِدِهِ.

كَذا قالَ الزُجاجَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ الْحَمْدُ للَّهِ ﴾ .

الشأن في الخطاب بأمر مهم لم يسِبق للمخاطب به خطابٌ من نوعه أنْ يُسْتأنَس له قبل إلقاء المقصود وأن يهيَّأَ لتلقيه، وأن يشوق إلى سماع ذلك وتُراضَ نفسه على الاهتمام بالعمل به ليستعد للتلقي بالتخلي عن كل ما شأنُه أن يكون عائقاً عن الانتفاع بالهدى من عناد ومكابرة أو امتلاء العقل بالأوهام الضالة، فإن النفس لا تكاد تنتفع بالعِظات والنذُر، ولا تُشرق فيها الحكمة وصحة النظر ما بقي يخالجها العناد والبهتان، وتخامر رشدها نزغات الشيطان، فلما أراد الله أن تكون هذه السورة أُولى سور الكتاب المجيد بتوقيف النبيء صلى الله عليه وسلم كما تقدم آنفاً نبه الله تعالى قُراء كتابه وفاتحي مصحفه إلى أصول هذه التزكية النفسية بما لقنهم أن يبتدئوا بالمناجاة التي تضمنتها سورة الفاتحة من قوله: ﴿ إياك نعبد ﴾ إلى آخر السورة، فإنها تضمنت أصولاً عظيمة: أولها التخلية عن التعطيل والشرك بما تضمنه ﴿ إياك نعبد ﴾ .

الثاني التخلي عن خواطر الاستغناء عنه بالتبرئ من الحول والقوة تجاه عظمته بما تضمنه ﴿ وإياك نستعين ﴾ .

الثالث الرغبة في التحَلي بالرشد والاهتداء بما تضمنه ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ .

الرابع الرغبة في التحلي بالأسوة الحسنة بما تضمنه ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ .

الخامس التهمم بالسلامة من الضلال الصريح بما تضمنه ﴿ غير المغضوب عليهم ﴾ .

السادس التهمم بسلامة تفكيرهم من الاختلاط بشبهات الباطل المموَّه بصورة الحق وهو المسمى بالضلال لأن الضلال خطأ الطريق المقصود بما تضمنه ﴿ ولا الضالين ﴾ .

وأنت إذا افتقدت أصول نجاح المرشِد في إرشاده والمسترشد في تلقيه على كثرتها وتفاريعها وجدتها عاكفة حول هذه الأركان الستة فكن في استقصائها لبيباً.

وعسى أن أزيدك من تفصيلها قريباً.

وإن الذي لقن أهل القرآن ما فيه جماع طرائق الرشد بوجه لا يحيط به غير علام الغيوب لم يهمل إرشادهم إلى التحلي بزينة الفضائل وهي أن يقدروا النعمة حق قدرها بشكر المنعم بها فأراهم كيف يُتَوِّجُون مناجاتَهم بحمد واهب العقل ومانح التوفيق، ولذلك كان افتتاح كل كلام مهم بالتحميد سنة الكتاب المجيد.

فسورة الفاتحة بما تقرر مُنَزَّلَةٌ من القرآن مَنْزلَة الديباجة للكتاب أو المقدمة للخطبة، وهذا الأسلوب له شأن عظيم في صناعة الأدب العربي وهو أعون للفهم وأدعى للوعي.

وقد رسم أسلوب الفاتحة للمنشئين ثلاث قواعد للمقدمة: القاعدة الأولى إيجاز المقدمة لئلا تمل نفوس السامعين بطول انتظار المقصود وهو ظاهر في الفاتحة، وليكون سنة للخطباء فلا يطيلوا المقدمة كي لا ينسَبوا إلى العِي فإنه بمقدار ما تطال المقدمة يقصر الغرض، ومن هذا يظهر وجه وضعها قبل السور الطوال مع أنها سورة قصيرة.

الثانية أن تشير إلى الغرض المقصود وهو ما يسمى براعة الاستهلال لأن ذلك يهيئ السامعين لسماع تفصيل ما سيرد عليهم فيتأهبوا لتلقيه إن كانوا من أهل التلقي فحسب، أو لنقده وإكماله إن كانوا في تلك الدرجة، ولأن ذلك يدل على تمكن الخطيب من الغرض وثقته بسداد رأيه فيه بحيث ينبه السامعين لوعيه، وفيه سنة للخطباء ليحيطوا بأغراض كلامهم.

وقد تقدم بيان اشتمال الفاتحة على هذا عند الكلام على وجه تسميتها أم القرآن.

الثالثة أن تكون المقدمة من جوامع الكلم وقد بين ذلك علماء البيان عند ذكرهم المواضع التي ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيها.

الرابع أن تفتتح بحمد الله.

إن القرآن هدى للناس وتبياناً للأحكام التي بها إصلاح الناس في عاجلهم وآجلهم ومعاشهم ومعادهم ولما لم يكن لنفوس الأمة اعتياد بذلك لزم أن يُهَيَّأَ المخاطبون بها إلى تلقيها ويعرف تهيؤهم بإظهارهم استعداد النفوس بالتخلي عن كل ما من شأنه أن يعوق عن الانتفاع بهاته التعاليم النافعة وذلك بأن يجردوا نفوسهم عن العناد والمكابرة وعن خلط معارفهم بالأغلاط الفاقرة، فلا مناص لها قبل استقبال تلك الحكمة والنظر من الاتسام بميسم الفضيلة والتخلية عن السفاسف الرذيلة.

فالفاتحة تضمنت مناجاة للخالق جامعة التنزه عن التعطيل والإلحاد والدهرية بما تضمنه قوله: ﴿ ملك يوم الدين ﴾ ، وعن الإشراك بما تضمنه ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ ، وعن المكابرة والعناد بما تضمنه ﴿ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ فإن طلب الهداية اعتراف بالاحتياج إلى العلم، ووصف الصراط بالمستقيم اعتراف بأن من العلم ما هو حق ومنه ما هو مشوب بشُبه وغلط، ومَن اعترف بهذين الأمرين فقد أعد نفسه لاتباع أحسنهما، وعن الضلالات التي تعتري العلوم الصحيحة والشرائع الحقة فتذهب بفائدتها وتنزل صاحبها إلى دَركةٍ أقل مما وقف عنده الجاهل البسيط، وذلك بما تضمنه قوله: ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ كما أجملناه قريباً، ولأجل هذا سميت هاته السورة أم القرآن كما تقدم.

ولما لُقِّن المؤمنون هاته المناجاة البديعة التي لا يهتدي إلى الإحاطة بها في كلامه غير علام الغيوب سبحانه قدم الحمد عليها ليضعه المناجون كذلك في مناجاتهم جرياً على طريقة بلغاء العرب عند مخاطبة العظماء أن يفتتحوا خطابهم إياهم وطلبتهم بالثناء والذكر الجميل.

قال أمية ابن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جُدْعان: أَأَذْكُرُ حاجتي أَم قَدْ كفاني *** حَيَاؤُكَ إِنَّ شيمتَك الحَياء إذا أَثنى عليك المرءُ يوماً *** كفاه عن تَعَرُّضِه الثَّناءُ فكان افتتاح الكلام بالتحميد سنة الكتاب المجيد لكل بليغ مُجيد، فلم يزل المسلمون من يومئذٍ يُلقِّبُون كل كلام نفيس لم يشتمل في طالعه على الحمد بالأبتر أخذاً من حديث أبي هريرة عن النبيء صلى الله عليه وسلم «كلُّ أَمْرٍ ذِي بال لا يُبْدَأ فيه بالحمدُ لله أو بالحمد فهو أقطع» وقد لُقبت خطبة زياد ابن أبي سفيان التي خطبها بالبصرة بالبتراء لأنه لم يفتتحها بالحمد، وكانت سورة الفاتحة لذلك منزَّلة من القرآن منزلة الديباجة للكتاب أو المقدمة للخطبة، ولذلك شأن مهم في صناعة الإنشاء فإن تقديم المقدمة بين يدي المقصود أعود للأَفهام وأدعى لوعيها.

و (الحمد) هو الثناء على الجميل أي الوصف الجميل الاختياري فِعْلاً كان كالكرم وإغاثة الملهوف أم غيره كالشجاعة.

وقد جعلوا الثناء جنساً للحمد فهو أعم منه ولا يكون ضده.

فالثناء الذكر بخير مطلقاً وشذ من قال يستعمل الثناء في الذكر مطلقاً ولو بَشرَ، ونسبا إلى ابن القطاع وغرَّه في ذلك ما رود في الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم " من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار " وإنما هو مجاز دعت إليه المشاكلة اللفظية والتعريض بأن من كان متكلماً في مسلم فليتكلم بثناء أو ليدَعْ، فسمَّى ذكرهم بالشر ثناء تنبيهاً على ذلك.

وأما الذي يستعمل في الخير والشر فهو النثاء بتقديم النون وهو في الشر أكثر كما قيل.

وأما المدح فقد اختلف فيه فذهب الجمهور إلى أن المدح أعم من الحمد فإنه يكون على الوصف الاختياري وغيره.

وقال صاحب «الكشاف» الحمد والمدح أخوان فقيل أراد أخوان في الاشتقاق الكبير نحوجَبذ وجَذب، وإن ذلك اصطلاح له في «الكشاف» في معنى أُخوة اللفظين لئلا يلزم من ظاهر كلامه أن المدح يطلق على الثناء على الجميل الاختياري، لكن هذا فهم غير مستقيم والذي عليه المحققون من شراح «الكشاف» أنه أراد من الأخوة هنا الترادف لأنه ظاهر كلامه؛ ولأنه صريح قوله في «الفائق»: «الحمد هو المدح والوصف بالجميل» ولأنه ذكر الذم نقيضاً للحمد إذ قال في «الكشاف»: «والحمد نقيضه الذم» مع شيوع كون الذم نقيضاً للمدح، وعُرفُ علماء اللغة أن يريدوا من النقيض المقابل لا ما يساوي النقيض حتى يجاب بأنه أراد من النقيض ما لا يجامع المعنى والذم لا يجامع الحمد وإن لم يكن معناه رفع معنى الحمد بل رفع معنى المدح إلا أن نفي الأعم وهو المدح يستلزم نفي الأخص وهو الحمد لأن هذا لا يقصده علماء اللغة، يعني وإن اغتفر مثله في استعمال العرب كقول زهير: ومن يجعل المَعْروف في غير أهله *** يَكُنْ حمده ذمّاً عليه ويندم لأن كلام العلماء مبني على الضبط والتدقيق.

ثم اختلف في مراد صاحب «الكشاف» من ترادفهما هل هما مترادفان في تقييدهما بالثناء على الجميل الاختياري؟

أو مترادفان في عدم التقييد بالاختياري، وعلى الأول حمله السيد الشريف وهو ظاهر كلام سعد الدين.

واستدل السيد بأنه صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان ﴾ [الحجرات: 7] إذ قال: «فإن قلت فإن العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه وهو مدح مقبول عند الناس، قلت الذي سوغ ذلك أنهم رأوا حسن الرواء ووسامة المنظر في الغالب يسفر عن مخبر مرضضٍ وأخلاق محمودة على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك وخطأ المادح به وقصر المدح على النعت بأمهات الخير وهي كالفصاحة والشجاعة والعدل والعفة وما يتشعب عنها» ا ه.

وعلى المحمل الثاني وهو أن يكون قُصد من الترادف إلغاء قيد الاختياري في كليهما حمله المحقق عبد الحكيم السلكوتي في «حواشي التفسير» فرضاً أو نقلاً لا ترجيحاً بناء على أنه ظاهر كلامه في «الكشاف» و«الفائق» إذ ألغى قيد الاختياري في تفسير المدح بالثناء على الجميل وجعلهما مع ذلك مترادفين.

وبهذا يندفع الإشكال عن حمدنا الله تعالى على صفاته الذاتية كالعلم والقدرة دون صفات الأفعال وإن كان اندفاعه على اختيار الجمهور أيضاً ظاهراً؛ فإن ما ورد عليهم من أن مذهبهم يستلزم أن لا يحمد الله تعالى على صفاته لأنها ذاتية فلا توصف بالاختيار إذ الاختيار يستلزم إمكان الاتصاف، وقد أجابوا عنه إما بأن تلك الصفات العلية نزلت منزلة الاختيارية لاستقلال موصوفها، وإما بأن ترتب الآثار الاختيارية عليها يجعلها كالاختيارية، وإما بأن المراد بالاختيارية أن يكون المحمود فاعلاً بالاختيار وإن لم يكن المحمود عليه اختيارياً.

وعندي أن الجواب أن نقول إن شرط الاختياري في حقيقة الحمد عند مثبته لإخراج الصفات غير الاختيارية لأن غير الاختياري فينا ليس من صفات الكمال إذ لا تترتب عليها الآثار الموجبة للحمد، فكان شرط الاختيار في حمدنا زيادة في تحقق كمال المحمود، أما عدم الاختيار المختص بالصفات الذاتية الإلهية فإنه ليس عبارة عن نقص في صفاته ولكنه كمال نشأ من وجوب الصفة للذات لقدم الصفة فعدم الاختيار في صفات الله تعالى زيادةٌ في الكمال لأن أمثال تلك الصفات فينا لا تكون واجبة للذات ملازمة لها فكان عدم الاختيار في صفات الله تعالى دليلاً على زيادة الكمال وفينا دليلاً على النقص، وما كان نقصاً فينا باعتبار مّا قد يكون كمالاً لله تعالى باعتبار آخر مثل عدم الولد، فلا حاجة إلى الأجوبة المبنية على التنزيل إما باعتبار الصفة أو باعتبار الموصوف، على أن توجيه الثناء إلى الله تعالى بمادة (حمد) هو أقصى ما تسمى به اللغة الموضوعة لأداء المعاني المتعارفة لدى أهل تلك اللغة، فلما طرأت عليهم المدارك المتعلقة بالحقائق العالية عبر لهم عنها بأقصى ما يقربها من كلامهم.

(الحمد) مرفوع بالابتداء في جميع القراءات المروية وقوله (لله) خبره فلام (لله) متعلق بالكون والاستقرار العام كسائر المجرورات المخبر بها وهو هنا من المصادر التي أتت بدلاً عن أفعالها في معنى الإخبار، فأصله النصب على المفعولية المطلقة على أنه بدل من فعله وتقدير الكلام نحمد حمداً لله، فلذلك التزموا حذف أفعالها معها.

قال سيبويه هذا باب ما ينصب من المصادر على إضمار الفعل غير المستعمل إظهاره وذلك قولك سقياً ورعياً وخيبةً وبؤساً، والحذرَ بدلاً عن احذر فلا يحتاج إلى متعلق وأما قولهم سقياً لك نحو: سقْياً وَرعْياً لذاك العاتببِ الزَّارِي *** فإنما هو ليبينوا المعنيَّ بالدعاء.

ثم قال بعد أبواب: هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره من المصادر في غير الدعاء، من ذلك قولك حمداً وشُكراً لا كفراً وعَجباً، فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل كأنك قلت أحمد الله حمداً وإنما اختُزِل الفعل هاهنا لأنهم جعلوا هذا بدلاً من اللفظ بالفعل كما فعلوا ذلك في باب الدعاء وقد جاء بعض هذا رفعاً يُبتدأ به ثم يبنى عليه (أي يخبر عنه) ثم قال بعد باب آخر: هذا باب يختار فيه أن تكون المصادر مبتدأة مبنياً عليها ما بعدَها، وذلك قولك ﴿ الحمد لله ﴾ ، والعجبُ لك، والويل له، وإنما استحبوا الرفع فيه لأنه صار معرفة وهو خبر (أي غير إنشاء) فقوي في الابتداء (أي إنه لما كان خبراً لا دعاء وكان معرفة بأَلْ تهيأت فيه أسباب الابتداء لأن كونه في معنى الإخبار يهّيئ جانب المعنى للخبرية وكونه معرفة يصحح أن يكون مبتدأ) بمنزلة عبد الله، والرجل، والذي تَعْلم (من المعارف) لأن الابتداء إنما هو خبر وأحسنه إذا اجتمع معرفة ونكرة أن تبدأ بالأعرف وهو أصل الكلام.

وليس كل حرف (أي تركيب) يصنع به ذاك، كما أنه ليس كل حرف (أي كلمة من هذه المصادر) يدخل فيه الألف واللام، فلو قلت السقي لك والرعي لك لم يجز (يعني يقتصر فيه على السماع).

واعلم أن ﴿ الحمدُ لله ﴾ وإن ابتدأْتَه ففيه معنى المنصوب وهو بدل من اللفظ بقولك أحمد الله.

وسمعنا ناساً من العرب كثيراً يقولون: الترابَ لك والعجبَ لك، فتفسير نصب هذا كتفسيره حيث كان نكرة، كأنك قلت حمداً وعجباً، ثم جئت بِلَك لتبين من تعني ولم تجعله مبنياً عليه فتبتدئه».

انتهى كلام سيبويه باختصار.

وإنما جلبناه هنا لأنه أفصح كلام عن أطوار هذا المصدر في كلام العرب واستعمالهم، وهو الذي أشار له صاحب «الكشاف» بقوله: «وأصله النصب بإضمار فعله على أنه من المصادر التي ينصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الإخبار كقولهم شكراً، وكفراً، وعجباً، ينزلونها منزلة أفعالها ويسدون بها مسدها، ولذلك لا يستعملونها معها والعدول بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى» الخ.

ومن شأن بلغاء العرب أنهم لا يعدلون عن الأصل إلا وهم يرمون إلى غرض عدلوا لأجله، والعدول عن النصب هنا إلى الرفع ليتأتى لهم الدلالةُ على الدوام والثبات بمصير الجملة اسمية؛ والدلالةُ على العموم المستفاد في المقام من أل الجنسية، والدلالةُ على الاهتمام المستفاد من التقديم.

وليس واحد من هذه الثلاثة بممكن الاستفادة لو بقي المصدر منصوباً إذ النصب يدل على الفعل المقدر والمقدر كالملفوظ فلا تكون الجملة اسمية إذ الاسم فيها نائب عن الفعل فهو ينادي على تقدير الفعل فلا يحصل الدوام.

ولأنه لا يصح معه اعتبار التقديم فلا يحصل الاهتمام.

ولأنه وإن صح اجتماع الألف واللام مع النصب كما قرئ بذلك وهي لغة تميم كما قال سيبويه فالتعريف حينئذٍ لا يكون دالاً على عموم المحامد لأنه إن قدر الفعل أَحمدُ بهمزة المتكلم فلا يعم إلا تحميدات المتكلم دون تحميدات جميع الناس، وإن قدر الفعل نحمد وأريد بالنون جميع المؤمنين بقرينة ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ وبقرينة ﴿ إياك نعبد ﴾ فإنما يعم محامد المؤمنين أو محامد الموحدين كلهم، كيف وقد حمد أهل الكتاب الله تعالى وحمده العرب في الجاهلية.

قال أمية بن أبي الصلت: الحمد لله حمداً لا انقطاعَ له *** فليس إحسانُه عنا بمقطوع أما إذا صار الحمد غير جار على فعل فإنه يصير الإخبار عن جنس الحمد بأنه ثابت لله فيعم كل حمد كما سيأتي.

فهذا معنى ما نُقل عن سيبويه أنه قال: إن الذي يَرْفع الحمدَ يُخبرُ أنَّ الحمدَ منه ومن جميع الخلق والذي ينصب يُخبرُ أن الحمد منه وحدَه لله تعالى.

واعلم أن قراءة النصب وإن كانت شاذة إلا أنها مجدية هنا لأنها دلت على اعتبار عربي في تطور هذا التركيب المشهور، وأَن بعض العرب نطقوا به في حال التعريف ولم ينسوا أصل المفعولية المطلقة.

فقد بان أن قوله ﴿ الحمد لله ﴾ أبلغ من ﴿ الحمدَ لله ﴾ بالنصب، وأنَّ ﴿ الحمدَ لله ﴾ بالنصب والتعريف أبلغ من حمداً لله بالتنكير.

وإنما كان ﴿ الحمد لله ﴾ بالرفع أبلغ لأنه دال على الدوام والثبات.

قال في «الكشاف»: «إن العدول عن النصب إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى واستقراره ومنه قوله تعالى: ﴿ قالوا سلاماً قال سلام ﴾ [الذاريات: 25] رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم عليه السلام حيّاهم بتحيّة أحسنَ من تحيّتهم» ا ه.

فإن قلت وقع الاهتمام بالحمد مع أن ذكر اسم الله تعالى أهم فكان الشأن تقديم اسم الله تعالى وإبقاء الحمد غير مهتم به حتى لا يلجأ إلى تغييره عن النصب إلى الرفع لأجل هذا الاهتمام، قلت قدم الحمد لأن المقام هنا مقام الحمد إذ هو ابتداء أَوْلى النعم بالحمد وهي نعمة تنزيل القرآن الذي فيه نجاح الدارين، فتلك المنة من أكبر ما يحمد الله عليه من جلائل صفات الكمال لا سيما وقد اشتمل القرآن على كمال المعنى واللفظ والغاية فكان خطوره عند ابتداء سماع إنزاله وابتداء تلاوته مذكراً بما لمنزِّله تعالى من الصفات الجميلة، وذلك يذكِّر بوجوب حمده وأن لا يُغفل عنه فكان المقام مقام الحمد لا محالة، فلذلك قدم وأزيل عنه ما يؤذن بتأخره لمنافاته الاهتمام، ثم إن ذلك الاهتمام تأتَّى به اعتبار الاهتمام بتقديمه أيضاً على ذكر الله تعالى اعتداداً بأهمية الحمد العارضةِ في المقام وإن ذكر الله أهمَّ في نفسه لأن الأهمية العارضة تقدم على الأهمية الأصلية لأنها أمر يقتضيه المقام والحال والآخر يقتضيه الواقع، والبلاغة هي المطابقة لمقتضى الحال والمقاممِ، ولأن ما كان الاهتمام به لعارض هو المحتاج للتنبيه على عارضه إذ قد يخفى، بخلاف الأمر المعروف المقرر فلا فائدة في التنبيه عليه بل ولا يفيته التنبيه على غيره.

فإن قلت كيف يصح كون تقديم الحمد وهو مبتدأ مؤذناً بالاهتمام مع أنه الأصل، وشأن التقديم المفيد للاهتمام هو تقديم ما حقه التأخير؟

قلت لو سلم ذلك فإن معنى تقديمه هو قصد المتكلم للإتيان به مقدماً مع إمكان الإتيان به مؤخراً؛ لأن للبلغاء صيغتين متعارفتين في حمد الله تعالى إحداهما ﴿ الحمدُ الله ﴾ كما في الفاتحة والأخرى ﴿ لله ﴾ كما في سورة الجاثية (36).

وأما قصد العموم فسيتضح عند بيان معنى التعريف فيه.

والتعريف فيه بالألف واللام تعريف الجنس لأن المصدر هنا في الأصل عوض عن الفعل فلا جرم أن يكون الدال على الفعل والساد مسده دالاً على الجنس فإذا دخل عليه اللام فهو لتعريف مدلوله لأن اللام تدل على التعريف للمسمى فإذا كان المسمى جنساً فاللام تدل على تعريفه.

ومعنى تعريف الجنس أن هذا الجنس هو معروف عند السامع فإذا قلت الحمد لله أو العجب لك فكأنك تريد أن هذا الجنس معروف لديك ولدى مخاطبك لا يلتبس بغيره كما أنك إذا قلت الرجل وأردت معيناً في تعريف العهد النحوي فإنك تريد أن هذا الواحد من الناس معروف بينك وبين مخاطبك فهو في المعنى كالنكرة من حيث إن تعريف الجنس ليس معه كبير معنى إذ تعين الجنس من بين بقية الأجناس حاصل بذكر لفظه الدال عليه لغة وهو كاف في عدم الدلالة على غيره، إذ ليس غيره من الأجناس بمشارك له في اللفظ ولا متوهم دخوله معه في ذهن المخاطب بخلاف تعريف العهد الخارجي فإنه يدل على واحد معين بينك وبين مخاطبك من بين بقية أفراد الجنس التي يشملها اللفظ، فلا يفيد هذا التعريف أعني تعريف الجنس إلا توكيد اللفظ وتقريره وإيضاحه للسامع؛ لأنك لما جعلته معهوداً فقد دللت على أنه واضح ظاهر، وهذا يقتضي الاعتناء بالجنس وتقريبه من المعروف المشهور، وهذا معنى قول صاحب «الكشاف»: «وهو نحو التعريف في أُرسلَها العِراكَ ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو والعراك ما هو من بين أجناس الأفعال» وهو مأخوذ من كلام سيبويه.

وليست لام التعريف هنا للاستغراق لما علمت أنها لام الجنس ولذلك قال صاحب «الكشاف»: «والاستغراق الذي توهمه كثير من الناس وهم منهم» غير أن معنى الاستغراق حاصل هنا بالمثال لأن الحكم باختصاص جنس الحمد به تعالى لوجود لام تعريف الجنس في قوله: ﴿ الحمد ﴾ ولام الاختصاص في قوله: ﴿ لله ﴾ يستلزم انحصار أفراد الحمد في التعلق باسم الله تعالى لأنه إذا اختص الجنسُ اختصت الأفراد؛ إذ لو تحقق فرد من أفراد الحمد لغير الله تعالى لتحقق الجنس في ضمنه فلا يتم معنى اختصاص الجنس المستفاد من لام الاختصاص الداخلة على اسم الجلالة، ثم هذا الاختصاص اختصاص ادعائي فهو بمنزلة القصر الادعائي للمبالغة.

واللام في قوله تعالى: ﴿ للَّه ﴾ يجوز أن يكون للاختصاص على أنه اختصاص ادعائي كما مر، ويجوز أن يكون لام التقوية قوت تعلق العامل بالمفعول لضعف العامل بالفرعية وزاده التعريف باللام ضعفاً لأنه أبعدَ شبهه بالأفعال، ولا يفوت معنى الاختصاص لأنه قد استفيد من تعريف الجزأين.

هذا وقد اختلف في أن جملة (الحمد) هل هي خبر أو إنشاء؟

فإن لذلك مزيد تعلق بالتفسير لرجوعه إلى المعنى بقول القائل (الحمد لله).

وجماع القول في ذلك أن الإنشاء قد يحصل بنقل المركب من الخبرية إلى الإنشاء وذلك كصيغ العقود مثل بعت واشتريت، وكذلك أفعال المدح والذم والرجاء كعسى ونعم وبئس وهذا الأخير قسمان منه ما استعمل في الإنشاء مع بقاء استعماله في الخبر ومنه ما خص بالإنشاء فالأول كصيغ العقود فإنها تستعمل أخباراً تقول بعت الدار لزيد التي أخبرتك بأنه ساومني إياها فهذا خبر، وتقول بعت الدار لزيد أو بعتك الدار بكذا فهذا إنشاء بقرينة أنه جاء للإشهاد أو بقرينة إسناد الخبر للمخاطب مع أن المخبر عنه حال من أحواله، والثاني كنعم وعسى.

فإذا تقرر هذا فقد اختلف العلماء في أن جملة ﴿ الحمد لله ﴾ هل هي إخبار عن ثبوت ﴿ الحمد لله ﴾ أو هي إنشاء ثناء عليه إلى مذهبين، فذهب فريق إلى أنها خبر، وهؤلاء فريقان منهم من زعم أنها خبر باق على الخبرية ولا إشعار فيه بالإنشائية، وأورد عليه أن المتكلم بها لا يكون حامداً لله تعالى مع أن القصد أنه يثني ويحْمد الله تعالى، وأجيب بأن الخبر بثبوت الحمد له تعالى اعتراف بأنه موصوف بالجميل إذ الحمد هو عين الوصف بالجميل، ويكفي أن يحصل هذا الوصف من الناس وينقله المتكلم.

ويمكن أن يجاب أيضاً بأن المخبر داخل في عموم خبره عند الجمهور من أهل أصول الفقه.

وأجيب أيضاً بأن كون المتكلم حامداً قد يحصل بالالتزام من الخبر يريدون أنه لازم عرفي لأن شأن الأمر الذي تضافر عليه الناس قديماً أن يقتدي بهم فيه غيرهم من كل من علمه، فإخبار المتكلم بأنه علم ذلك يدل عرفاً على أنه مقتد بهم في ذلك هذا وجه اللزوم، وقد خفي على كثير أي فيكون مثل حصول لازم الفائدة من الخبر المقررة في علم المعاني، مثل قولك سهرتَ الليلة وأنت تريد أنك علمتَ بسهره، فلا يلزم أن يكون ذلك إنشاء لأن التقدير على هذا القول أن المتكلم يخبر عن كونه حامداً كما يخبر عن كون جميع الناس حامدين فهي خبر لا إنشاء والمستفاد منها بطريق اللزوم معنى إخباري أيضاً.

ويرد على هذا التقدير أيضاً أن حمد المتكلم يصير غير مقصود لذاته بل حاصلاً بالتبع مع أن المقام مقام حمد المتكلم لا حمد غيره من الناس، وأجيب بأن المعنى المطابقي قد يؤتى به لأجل المعنى الالتزامي لأنه وسيلة له، ونظيره قولهم طويل النجاد والمرادُ طول القامة فإن طول النجاد أتى به ليدل على معنى طول القامة.

وذهب فريق ثان إلى أن جملة ﴿ الحمد لله ﴾ هي خبر لا محالة إلا أنه أريد منه الإنشاء مع اعتبار الخبرية كما يراد من الخبر إنشاء التحسر والتحزن في نحو: ﴿ إني وصعتُها أنثى ﴾ [آل عمران: 36] وقول جعفر بن عُلْبة الحارثي: هوايَ مع الركْببِ اليمانين مُصِعدُ *** فيكون المقصد الأصلي هو الإنشاء ولكن العدولَ إلى الإخبار لما يتأتى بواسطة الإخبار من الدلالة على استغراق والاختصاص والدوام والثبات ووجه التلازم بين الإخبار عن حمد الناس وبين إنشاء الحمد واضح مما علمته في وجه التلازم على التقرير الأول، بل هو هنا أظهر لأن المخبر عن حمد الناس لله تعالى لا جَرَم أنه منشئ ثناء عليه بذلك، وكونُ المعنى الالتزامي في الكناية هو المقصود دون المعنى المطابقي أظهر منه في اعتبار الخبرية المحضة لما عهد في الكناية من أنها لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة الأصل معه، فدل على أن المعنى الأصلي إما غير مراد أو مراد تبعاً لأن مع تدخل على المتبوع.

المذهب الثاني أن جملة ﴿ الحمد لله ﴾ إنشاء محض لا إشعار له بالخبرية، على أنها من الصيغ التي نقلتْها العرب من الإخبار إلى إنشاء الثناء كما نقلتْ صيغَ العقود وأفعالَ المدح والذم أي نقلاً مع عدم إماتة المعنى الخبري في الاستعمال، فإنك قد تقول الحمد لله جواباً لمن قال لمن الحمدُ أو من أَحمد ولكنَّ تعهد المعنى الأصلي ضعيف فيحتاج إلى القرينة.

والحق الذي لا محيد عنه أن الحمد لله خبر مستعمل في الإنشاء فالقصد هو الإنشائية لا محالة، وعدل إلى الخبرية لتحمل جملة الحمد من الخصوصيات ما يناسب جلالة المحمود بها من الدلالة على الدوام والثبات والاستغراق والاختصاص والاهتمام، وشيءٌ من ذلك لا يمكن حصوله بصيغةِ إنشاءٍ نحو حمداً لله أو أحمد الله حمداً ومما يدل على اعتبار العرب إياها إنشاء لا خبراً قول ذي الرمة: ولما جَرَتْ في الجزل جرياً كأنَّه *** سنا الفجر أَحْدَثْنا لخالقها شكرا فعبر عن ذكر لفظ الحمد أو الشكر بالإحداث، والإحداث يرادف الإنشاء لغة فقوله أحدثنا خبر حكى به ما عبر عنه بالإحداث وهو حَمْده الواقع حين التهابها في الحطب.

والله هو اسم الذاتتِ الواجببِ الوجود المستحق لجميع المحامد.

وأصل هذا الاسم الإله بالتعريف وهو تعريف إلاه الذي هو اسم جنس للمعبود مشتق من أَلَهَ بفتح اللام بمعنى عبد، أو من ألِه بكسر اللام بمعنى تحير أو سكن أو فزع أو ولع مما يرجع إلى معنى هو ملزوم للخضوع والتعظيم فهو فِعال بكسر الفاء بمعنى مفعول مثل كتاب، أطلقه العرب على كل معبود من أصنامهم لأنهم يرونها حقيقةً بالعبادة ولذلك جمعوه على آلهة بوزن أَفعلة مع تخفيف الهمزة الثانية مَدَّةً، وأحسب أن اسمه تعالى تقرر في لغة العرب قبل دخول الإشراك فيهم فكان أصل وضعه دالاً على انفراده بالألوهية إذ لا إله غيره فلذلك صار علماً عليه، وليس ذلك من قبيل العلمَ بالغلبة بل من قبيل العلم بالانحصار مثل الشمس والقمر فلا بدع في اجتماع كونه اسمَ جنس وكونه علماً، ولذلك أرادوا به المعبود بحق رداً على أهل الشرك قبل دخول الشرك في العرب وإننا لم نقف على أن العرب أطلقوا الإله معرَّفاً باللام مفرداً على أحد أصنامهم وإنما يضيفون فيقولون إلاه بني فلان والأكثر أن يقولوا رَب بني فلان أو يجمعون كما قالوا لعبد المطلب أَرْضضِ الآلهةَ، وفي حديث فتح مكة: «وجد رسول الله البيتَ فيه الآلهة».

فلما اختص الإله بالإله الواحد واجببِ الوجود اشتقوا له من اسم الجنس علماً زيادة في الدلالة على أنه الحقيق بهذا الاسم ليصير الاسم خاصاً به غير جائز الإطلاق على غيره سَنن الأعلام الشخصية، وأَراهم أبدعوا وأَعجبوا إذ جعلوا علم ذاته تعالى مشتقاً من اسم الجنس المؤذن بمفهوم الألوهية تنبيهاً على أن ذاته تعالى لا تستحضر عند واضع العَلَم وهو الناطق الأول بهذا الاسم من أهل اللسان إلا بوصف الألوهية وتنبيهاً على أنه تعالى أَوْلى من يُؤَلَّه ويُعبد لأنه خالق الجميع فحذفوا الهمزة من الإله لكثرة استعمال هذا اللفظ عند الدلالة عليه تعالى كما حذفوا همزة الأناس فقالوا النَّاس؛ ولذلك أظهروها في بعض الكلام.

قال البَعِيث بن حُرَيث.

معَاذَ الإله أَنْ تكون كظبيةٍ *** ولا دُميةٍ ولا عقيلةِ رَبْرَب كما أظهروا همزة الأناس في قول عَبيد بن الأبرص الأسدي: إن المنَايَا ليطَّلِعْ *** نَ على الأناس الآمِنِينَ ونُزِّل هذا اللفظ في طوره الثالث منزلة الأعلام الشخصية فتصرفوا فيه هذا التصرف لينتقلوا به إلى طَور جديد فيجعلُوه مثل علم جديد، وهذه الطريقة مسلوكة في بعض الأعلام.

قال أبو الفتح بن جني في شرح قول تأبط شرا في النشيد الثالث عشر من «الحماسة»: إِني لمُهْدٍ من ثَنائي فقَاصِدٌ *** به لابن عم الصدق شُمْسسِ بن مَالك شُمس بضم الشين وأصله شَمس بفتحها كما قالوا حُجْر وسُلْمَى فيكون مما غُير عن نظائره لأجْل العلمية ا ه.

وفي «الكشاف» في تفسير سورة أبي لهب بعد أن ذكر أن من القراء من قرأ (أبي لهْبٍ) بسكون الهاء ما نصه وهي من تغيير الأعلام كقولهم شُمْس بن مالك بالضم ا ه.

وقال قبله: «ولفُلَيْتَه بن قاسم أمير مكة ابنان أحدهما عبدِ الله بالجر، والآخر عبدَ الله بالنصب، وكان بمكة رجل يقال له عبدِ الله لا يعرف إلا هكذا» ا ه.

يعني بكسر دال عبد في جميع أحوال إعرابه، فهو بهذا الإيماء نوع مخصوص من العَلَم، وهو أنه أقوى من العلم بالغلَبة لأن له لفظاً جديداً بعد اللفظ المغلَّب.

وهذه الطريقة في العلمية التي عرضت لاسم الجلالة لا نظير لها في الأعلام فكان اسمه تعالى غيرَ مشابه لأسماء الحوادث كما أن مسمى ذلك الاسممِ غير مماثل لمسميات أسماء الحوادث.

وقد دلوا على تناسيهم ما في الألف واللام من التعريف وأنهم جعلوهما جزءاً من الكلمة بتجويزهم ندَاء اسم الجلالة مع إبقاء الألف واللام إذ يقولون يا الله مع أنهم يمنعون نداء مدخول الألف واللام.

وقد احتج صاحب «الكشاف» على كون أصله الإله ببيت البعيث المتقدم، ولم يقررْ ناظروه وجه احتجاجه به، وهو احتجاج وجيه لأن مَعَاذ من المصادر التي لم ترد في استعمالهم مضافة لغير اسم الجلالة، مثل سبحان فأجريت مُجرى أمثال في لزومها لهاته الإضافة، إذ تقول معاذالله فلما قال الشاعر معاذ الإله وهو من فصحاء اللسان علمنا أنهم يعتبرون الإله أصلاً للفظ الله، ولذلك لم يكن هذا التصرف تغييراً إلا أنه تصرف في حروف اللفظ الواحد كاختلاففِ وجوه الأداء مع كون اللفظ واحداً، ألا ترى أنهم احتجوا على أن لاَه مخفف الله بقول ذي الأَصبع العَدْواني: لاَه ابنُ عمِّكَ لا أُفْضِلْتَ في حَسَبٍ *** عنّى ولا أنتَ ديَّانِي فتَخْزُوني وبقولهم لاَه أبوكَ لأن هذا مما لزم حالة واحدة، إذ يقولون لله أبوك ولله ابن عمك ولله أنتَ.

وقد ذُكِرتْ وجوه أخر في أصل اسم الجلالة: منها أن أصله لاَهٌ مصدر لاه يليه ليهاً إذا احتجب سمي به الله تعالى، ثم أدخلت عليه الألف واللام للمح الأصل كالفضل والمَجد اسمين، وهذا الوجه ذكر الجوهري عن سيبويه أنه جوزه.

ومنها أن أصله وِلاَهٌ بالواو فِعال بمعنى مفعول من وله إذا تحيَّر، ثم قلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها، كما قلبت في إعاء وإشاح، أي وِعاء ووشاح، ثم عرف بالألف واللام وحذفت الهمزة.

ومنها أن أصله (لاَها) بالسريانية علم له تعالى فعرب بحذف الألف وإدخال اللام عليه.

ومنها أنه علم وضع لاسم الجلالة بالقصد الأوَّلِي من غير أخذ من أَلِهَ وتصييرِه الإله فتكون مقاربته في الصورة لقولنا الإله مقاربةً اتفاقيةً غير مقصودة، وقد قال بهذا جمع منهم الزجاج ونسب إلى الخليل وسيبويه، ووجَّهه بعض العلماء بأن العرب لم تهمل شيئاً حتى وضعت له لفظاً فكيف يتأتى منهم إهمال اسم له تعالى لتجري عليه صفاته.

وقد التُزم في لفظ الجلالة تفخيم لامه إذا لم ينكسر ما قبل لفظه وحاول بعض الكاتبين توجيه ذلك بما لا يسلَم من المنع، ولذلك أبَى صاحب «الكشاف» التعريج عليه فقال: «وعلى ذلك (أي التفخيم) العرب كلهم، وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابراً عن كابر».

وإنما لم يقدم المسند المجرور وهو متضمن لاسم الجلالة على المسند إليه فيقال لله الحمد، لأن المسند إليه حَمْد على تنزيل القرآن والتشرف بالإسلام وهما منة من الله تعالى فحمده عليهما عند ابتداء تلاوة الكتاب الذي به صلاح الناس في الدارين فكان المقام للاهتمام به اعتباراً لأهمية الحمد العارضة، وإن كان ذكر الله أهم أصالة فإن الأهمية العارضة تقدم على الأهمية الأصلية لاقتضاء المقام والحاللِ، والبلاغة هي المطالبة لمقتضى الحال، على أن الحمد لما تعلق باسم الله تعالى كان في الاهتمام به اهتمام بشؤون الله تعالى.

ومن أعجب الآراء ما ذكره صاحب «المنهل الأصفى في شرح الشفاء» التلمساني عن جمع من العلماء القول بأن اسم الجلالة يمسك عن الكلام في معناه نعظيماً وإجلالاً ولتوقف الكلام فيه على إذن الشارع.

﴿ رَبِّ العالمين ﴾ .

وصف لاسم الجلالة فإنه بعد أن أسند الحمد لاسم ذاته تعالى تنبيهاً على الاستحقاق الذاتي، عقبَ بالوصف وهو الرب ليكون الحمد متعلقاً به أيضاً لأن وصف المتعلَّق متعلَّق أيضاً، فلذلك لم يقل الحمد لرب العالمين كما قال: ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ [المطففين: 6] ليؤذن باستحقاقه الوصفي أيضاً للحمد كما استحقه بذاته.

وقد أجرى عليه أربعة أوصاف هي: رب العالمين، الرحمن، الرحيم، ملك يوم الدين، للإيذان بالاستحقاق الوصفي فإن ذكر هذه الأسماء المشعرة بالصفات يؤذن بقصد ملاحظة معانيها الأصلية، وهذا من المستفادات من الكلام بطريق الاستتباع لأنه لما كان في ذكر الوصف غنية عن ذكر الموصوف لا سيما إذا كان الوصف منزلاً منزلة الاسم كأوصافه تعالى وكان في ذكر لفظ الموصوف أيضاً غُنية في التنبيه على استحقاق الحمد المقصود من الجملة عَلمنا أن المتكلم ما جمع بينهما إلا وهو يشير إلى أن كِلاَ مَدلُولَيْ الموصوف والصفة جدير بتعلق الحمد له مع ما في ذكر أوصافه المختصة به من التذكير بما يُميزه عن الآلاهة المزعومة عند الأمم من الأصنام والأوثان والعناصر كما سيأتي عند قوله تعالى: ﴿ ملك يوم الدين ﴾ .

والرب إما مصدر وإما صفة مشبهة على وزن فَعْل مِنْ رَبَّه يَرُبُّه بمعنى رباه وهو رَب بمعنى مُرَبَ وسائس.

والتربية تبليغ الشيء إلى كماله تدريجاً، ويجوز أن يكون من ربه بمعنى ملَكَه، فإن كان مصدراً على الوجهين فالوصف به للمبالغة، وهو ظاهر، وإن كان صفة مشبهة على الوجهين فهي واردة على القليل في أوزان الصفة المشبهة فإنها لا تكون على فَعْل من فعَل يفعُل إلا قليلاً، من ذلك قولهم نمّ الحديث ينُمُّه فهو نَمٌّ للحديث.

والأظهر أنه مشتق من ربَّه بمعنى رباه وساسه، لا من ربه بمعنى ملكه لأن الأول الأنسب بالمقام هنا إذ المراد أنه مدبر الخلائق وسائس أمورها ومبلغها غاية كمالها، ولأنه لو حمل على معنى المالك لكان قوله تعالى بعد ذلك ﴿ ملك يوم الدين ﴾ كالتأكيد والتأكيد خلاف الأصل ولا داعي إِليه هنا، إلا أن يجاب بأن العالمين لا يشمل إلا عوالم الدنيا، فيحتاج إلى بيان أنه ملك الآخرة كما أنه ملك الدنيا، وإن كان الأكثر في كلام العرب ورود الرب بمعنى الملك والسيد وذلك الذي دعا صاحب «الكشاف» إلى الاقتصار على معنى السيد والملك وجوز فيه وجهي المصدرية والصفة، إلا أن قرينة المقام قد تصرف عن حمل اللفظ على أكثر موارده إلى حمله على ما دونه فإن كلا الاستعمالين شهير حقيقي أو مجازي والتبادر العارض من المقام المخصوص لا يقضي بتبادر استعماله في ذلك المعنى في جميع المواقع كما لا يخفي.

والعرب لم تكن تخص لفظ الرب به تعالى لا مطلقاً ولا مقيداً لما علمت من وزنه واشتقاقه.

قال الحرث بن حلزة: وهُوَ الرب والشهيدُ على يو *** م الحِيارَيْن والبلاء بلاء يعني عَمْرو بن هند.

وقال النابغة في النعمان بن الحارث: تخُبُّ إلى النعمان حتى تناله *** فِدًى لك من ربَ طرِيفي وتالدي وقال في النعمان بن المنذر حين مرض: ورَبٌّ عليه الله أحسن صنعه *** وكان له على البرية ناصرا وقال صاحب «الكشاف» ومن تابعه: إنه لم يطلق على غيره تعالى إلا مقيداً أو لم يأتوا على ذلك بسند وقد رأيتَ أن الاستعمال بخلافه، أما إطلاقه على كل من آلهتهم فلا مرية فيه كما قال غاوي بن ظالم أو عباس بن مرداس: أَرَبٌّ يبولُ الثُّعْلُبَانُ برأْسِه *** لقد هان من بالت عليه الثعالبُ وسموا العزى الرَّبة.

وجمْعه على أرباب أدل دليل على إطلاقه على متعدد فكيف تصح دعوى تخصيص إطلاقه عندهم بالله تعالى؟

وأما إطلاقه مضافاً أو متعلقاً بخاص فظاهر وروده بكثرة نحو رب الدار ورب الفرس ورب بني فلان.

وقد ورد الإطلاق في الإسلام أيضاً حين حكى عن يوسف عليه السلام قوله: ﴿ إنه ربي أحسن مثواي ﴾ [يوسف: 23] إذا كان الضمير راجعاً إلى العزيز وكذا قوله: ﴿ أأرباب متفرقون خير ﴾ [يوسف: 39] فهذا إطلاق للرب مضافاً وغير مضاف على غير الله تعالى في الإسلام لأن اللفظ عربي أطلق في الإسلام، وليس يوسفُ أطلَقَ هذا اللفظ بل أطلق مرادفه فلو لم يصح التعبير بهذا اللفظ عن المعنى الذي عبر به يوسف لكان في غيره من ألفاظ العربية مَعْدَل، إنما ورد في الحديث النهي عن أن يقول أحد لسيده ربي وليقل سيدي، وهو نهي كراهة للتأديب ولذلك خص النهي بما إذا كان المضاف إليه ممن يعبد عرفاً كأسماء الناس لدفع تهمة الإشراك وقطع دابره وجوزوا أن يقول رب الدابة ورب الدار، وأما بالإطلاق فالكراهة أشد فلا يقل أحد للملك ونحوه هذا رب.

و (العالمين) جمع عالم قالوا ولم يجمع فاعَلٌ هذا الجمع إلا في لفظين عالَم وياسم، اسم للزهر المعروف بالياسمين، قيل جمعوه على يَاسَمُون وياسَمِين قال الأعشى: وقابَلَنَا الجُلُّ والياسم *** ونَ والمُسْمِعات وقَصَّابها والعالم الجنس من أجناس الموجودات، وقد بنته العرب على وزن فاعل بفتح العين مشتقاً من العِلْم أو من العلامة لأن كل جنس له تميز عن غيره فهو له علامة، أو هو سببُ العلم به فلا يختلط بغيره.

وهذا البناء مختص بالدلالة على الآلة غالباً كخاتم وقالب وطابع فجعلوا العوالم لكونها كالآلة للعلم بالصانع، أو العلم بالحقائق.

ولقد أبدع العرب في هذه اللطيفة إذ بنوا اسم جنس الحوادث على وزن فاعل لهذه النكتة، ولقد أبدعوا إذ جمعوه جمع العقلاء مع أن منه ما ليس بعاقل تغليباً للعاقل.

وقد قال التفتزاني في «شرح الكشاف»: «العالم اسم لذوي العلم ولكل جنس يعلم به الخالق، يقال عالم الملك، عالم الإنسان، عالم النبات يريد أنه لا يطلق بالإفراد إلا مضافاً لنوع يخصصه يقال عالم الإنس عالم الحيوان، عالم النبات وليس اسماً لمجموع ما سواه تعالى بحيث لا يكون له إجراء فيمتنع جمعه» وهذا هو تحقيق اللغة فإنه لا يوجد في كلام العرب إطلاق عالم على مجموع ما سوى الله تعالى، وإنما أطلقه على هذا علماء الكلام في قولهم العالم حادث فهو من المصطلحات.

والتعرف فيه للاستغراق بقرينة المقام الخطابي فإنه إذا لم يكن عهد خارجي ولم يكن معنى للحمل على الحقيقة ولا على المعهود الذهني تمحض التعريف للاستغراق لجميع الأفراد دفعاً للتحكم فاستغراقه استغراق الأجناس الصادق هو عليها لا محالة وهو معنى قول صاحب «الكشاف»: «ليشمل كل جنس مما سُمِّي به» إلا أن استغراق الأجناس يستلزم استغراق أفرادها استلزاماً واضحاً إذ الأجناس لا تقصد لذاتها لا سيما في مقام الحكم بالمربوبية عليها فإنه لا معنى لمربوبية الحقائق.

وإنما جمع العالم ولم يُؤت به مفرداً لأن الجمع قرينة على استغراق، لأنه لو أُفرد لتوهم أن المراد من التعريف العهد أو الجنس فكان الجمع تنصيصاً على الاستغراق، وهذه سنة الجموع مع (ال) الاستغراقية على التحقيق، ولما صارت الجمعية قرينة على الاستغراق بطل منها معنى الجماعات فكان استغراق الجموع مساوياً لاستغراق المفردات أو أشمل منه.

وبطل ما شاع عند متابعي السكاكي من قولهم استغراق المفرد أشْمَل كما سنبينه عند قوله تعالى: ﴿ وعلم آدم الاسماء كلها ﴾ [البقرة: 31].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أمّا ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ فَهو الثَّناءُ عَلى المَحْمُودِ بِجَمِيلِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ، والشُّكْرُ الثَّناءُ عَلَيْهِ بِإنْعامِهِ، فَكُلُّ شُكْرٍ حَمْدٌ، ولَيْسَ كُلُّ حَمْدٍ شُكْرًا، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَحْمِدَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يَشْكُرَها.

فَأمّا الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ والمَدْحِ، فَهو أنَّ الحَمْدَ لا يُسْتَحَقُّ إلّا عَلى فِعْلٍ حَسَنٍ، والمَدْحُ قَدْ يَكُونُ عَلى فِعْلٍ وغَيْرِ فِعْلٍ، فَكُلُّ حَمْدٍ مَدْحٌ ولَيْسَ كُلُّ مَدْحٍ حَمْدًا، ولِهَذا جازَ أنْ يُمْدَحَ اللَّهُ تَعالى عَلى صِفَتِهِ، بِأنَّهُ عالِمٌ قادِرٌ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يُحْمَدَ بِهِ، لِأنَّ العِلْمَ والقُدْرَةَ مِن صِفاتِ ذاتِهِ، لا مِن صِفاتِ أفْعالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُمْدَحَ ويُحْمَدَ عَلى صِفَتِهِ، بِأنَّهُ خالِقٌ رازِقٌ لِأنَّ الخَلْقَ والرِّزْقَ مِن صِفاتِ فِعْلِهِ لا مِن صِفاتِ ذاتِهِ.

وَأمّا قَوْلُهُ: ( رَبِّ ) فَقَدِ اخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المالِكِ، كَما يُقالُ: رَبُّ الدّارِ أيْ مالِكُها.

والثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّيِّدِ، لِأنَّ السَّيِّدَ يُسَمّى رَبًّا قالَ تَعالى: ﴿ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا  ﴾ يَعْنِي سَيِّدَهُ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الرَّبَّ المُدَبِّرُ، ومِنهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ ﴾ وهْمُ العُلَماءُ، سُمُّوا رَبّانِيِّينَ، لِقِيامِهِمْ بِتَدْبِيرِ النّاسِ بِعِلْمِهِمْ، وقِيلَ: رَبَّةُ البَيْتِ، لِأنَّها تُدَبِّرُهُ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: الرَّبُّ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّرْبِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ  ﴾ فَسَمّى ولَدَ الزَّوْجَةِ رَبِيبَةً، لِتَرْبِيَةِ الزَّوْجِ لَها.

فَعَلى هَذا، أنَّ صِفَةَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ رَبٌّ، لِأنَّهُ مالِكٌ أوْ سَيِّدٌ، فَذَلِكَ صِفَةٌ مِن صِفاتِ ذاتِهِ، وإنْ قِيلَ: لِأنَّهُ مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ، ومُرَبِّيهِمْ، فَذَلِكَ صِفَةٌ مِن صِفاتِ فِعْلِهِ، ومَتى أدْخَلْتَ عَلَيْهِ الألِفَ واللّامَ.

اخْتَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ، دُونَ عِبادِهِ، وإنْ حُذِفَتا مِنهُ، صارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِبادِهِ.

وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ العالَمِينَ ﴾ فَهو جَمْعُ عالَمٍ، لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، مِثْلُ: رَهْطٍ وقَوْمٍ، وأهْلُ كُلِّ زَمانٍ عالَمٌ قالَ العَجّاجُ: ...

...

...

∗∗∗ فَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذا العالَمِ واخْتُلِفَ في العالَمِ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ما يَعْقِلُ: مِنَ المَلائِكَةِ، والإنْسِ، والجِنِّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ العالَمَ الدُّنْيا وما فِيها.

والثّالِثُ: أنَّ العالَمَ كُلُّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ.

واخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِلْمِ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن جَعَلَ العالَمَ اسْمًا لِما يَعْقِلُ.

والثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَلامَةِ، لِأنَّهُ دِلالَةٌ عَلى خالِقِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن جَعَلَ العالَمَ اسْمًا لِكُلِّ مَخْلُوقٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد من طرق مطر الوراق عن قتادة في قول الله: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ قال: ما وصف من خلقه.

وفي قوله: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ قال: مدح نفسه ﴿ مالك يوم الدين ﴾ قال: يوم يدان بين الخلائق.

أي هكذا فقولوا ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ قال: دلّ على نفسه ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ أي الصرط المستقيم ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ أي طريق الأنبياء ﴿ غير المغضوب عليهم ﴾ قال: اليهود ﴿ ولا الضالين ﴾ قال: النصارى.

وأخرج الدارقطني والحاكم والبيهقي عن ام سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فعدّها آية ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ آيتين ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ثلاث آيات ﴿ مالك يوم الدين ﴾ أربع آيات وقال: هكذا ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ وجمع خمس أصابعه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ .

قال ابن عباس: يعني الشكر لله، وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه (١) وقال الأخفش: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ : الشكر لله (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقال أبو بكر (٩) ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ يحتمل أن يكون هذا إخبارًا أخبر الله تعالى به، والفائدة فيه أنه يبين (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وعلى هذا فقد حُكِي أن ابن التوءم (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) فأما من مدحه بشار (٢٨) (٢٩) (٣٠) فأي معنى لشكر (٣١) (٣٢) قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون هذا ثناء أثنى به على نفسه، علم عباده في أول كتابه ثناء (٣٣) (٣٤) ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي قولوا: يا معشر الناس ما إذا قلتموه علت منزلتكم [وارتفعت درجتكم بقوله] (٣٥) ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى  ﴾ معناه يقولون: ما نعبدهم (٣٦) ثم إذا قال القائل: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ فقد (٣٧) يدل على صحة هذا أن بعض العلماء، سئل عن تفسير الحديث المروي: "أفضل الدعاء سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر" (٣٨) (٣٩) (٤٠) كَرِيمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ صبَاحٌ ...

عَنِ الخُلُقِ الجَمِيلِ وَلاَ مَسَاءُ إِذاَ أَثْنى عَلَيْهِ المَرْءُ يَوْمًا ...

كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ (٤١) قال (٤٢) (٤٣) قال الشاعر: يَا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوى دُونكا ...

إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونكا (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقد أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي (٤٧)  -، أنبا (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣)  قال: (الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبدًا لا يحمده) (٥٤) قال أحمد (٥٥) (٥٦) (٥٧) وهو على ثلاث منازل: شكر القلب، وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ  ﴾ ، وشكر اللسان وهو إظهار النعمة بالذكر لها، والثناء على مسديها، قال الله: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ  ﴾ وهو رأس الشكر المذكور في الحديث.

وشكر العمل، وهو (٥٨) قال الله سبحانه (٥٩) ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ﴾ (٦٠) وقام رسول الله  حتى تفطرت قدماه، فقيل: يا رسول الله أليس قد غفر الله (٦١) (٦٢) وقد جمع الشاعر أنواعه الثلاثة فقال: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّى ثَلاَثَةً ...

يَدِي وَلِسَانِي والضمِيرَ المُحَجَّبَا (٦٣) (٦٤) وبين الحمد والشكر فرق واضح (٦٥) (٦٦) ولا بد من ذكر طرف من مذهب النحويين في (الألف واللام) اللتين للتعريف وحكمهما.

ومذهب (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) واحتج لهذا المذهب بفصلين (٧١) (٧٢) أحدهما: أن العرب قد قطعت (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد (٧٣) يا خَلِيلَيَّ ارْبَعَا واستَخبِرَا الـ ...

مَنْزِلَ الدّارِس مِنَ أَهْلِ الحِلاَل مِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكَ الـ ...

قَطْرُ مَغْنَاهُ وتَأْوِيبُ الشَّمَالِ (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) أَفِدَ (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) وإذا (٨٢) (٨٣) والفصل (٨٤) (٨٥) ﴿ قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴾ (٨٦) ﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ  ﴾ ، ولم (٨٧) ومذهب الجمهور (٨٨) (٨٩) (٩٠) وأيضا فإن (٩١) (٩٢) (٩٣) (٩٤) فأما ما احتج به الخليل من قطع (أل) عن الحرف الذي بعده في الشعر فقد يقطعون (٩٥) (٩٦) وهو كثير، وإذا جاز ذلك في أَنْفُسِ الكَلِم، ولم يدل على انفصال بعض الكلمة من بعض، فغير منكر أيضًا أن تفصل (لام المعرفة) في الأول (٩٧) وأما ما احتج به من قطع الهمزة في نحو: ﴿ آللَّهُ ﴾ (٩٨) (٩٩) وإنما جعل حرف التعريف حرفا واحدا؛ لأنهم أرادوا خلطه (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) وإنما اختاروا (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) (١٠٨) (١٠٩) (١١٠) (١١١) (١١٢) (١١٣) (١١٤) (١١٥) (١١٦) (١١٧) (١١٨) (١١٩) (١٢٠) فأما الكلام في (الهمزة) الداخلة على هذِه (اللام): فاعلم أن (الهمزة) (١٢١) (١٢٢) (١٢٣) (١٢٤) (١٢٥) (١٢٦) (١٢٧) (١٢٨) وإنما اختاروا الهمزة لوقوع الابتداء (١٢٩) (١٣٠) (١٣١) (١٣٢) وَكَانَ حَاملُكُمْ مِنَّا وَرَافِدُكُمْ ...

وَحَامِلُ المِينَ بَعْد المِينَ والْأَلَفِ (١٣٣) أراد المئين، فحذف الهمزة، وأراد (الألف) فحرك اللام ضرورة (١٣٤) وقالوا: (ذن (١٣٥) (١٣٦) (١٣٧) والأصل في جميع (ألفات الوصل) أن تبدأ بالكسر؛ لأنها إنما دخلت وصلة إلى النطق بالساكن (١٣٨) (١٣٩) (١٤٠) (١٤١) و (لام التعريف) تقع (١٤٢) (١٤٣) 1 - تعريف الواحد بعهد، نحو قولك لمن كنت معه في ذكر رجل: (قد وافى الرجل) أي: الرجل الذي كنا في حديثه وذكره.

2 - وتعريف الواحد بغير عهد نحو قولك لمن لم تره قط ولا ذكرته: (يا أيها الرجل أقبل) فهذا تعريف لم يتقدمه ذكر ولا عهد.

3 - الثالث: تعريف الجنس، نحو قولك: (العسل حلو والخل حامض) فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ولا مشاهدة له؛ لأن ذلك متعذر، وإنما معناه: أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة (١٤٤) 4 - الرابع: أن تكون زائدة، نحو قوله: (الآن، ولام الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، ولام اللات والعزى) وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه إن شاء (١٤٥) فأما قوله: (الحمد) فـ (اللام) فيه تحتمل (١٤٦) (١٤٧) (١٤٨) ورفعه على معنى قولوا: (الحمد لله) على ما حكينا عن ابن الأنباري (١٤٩) (١٥٠) وقوله تعالى: ﴿ لِلَّهِ ﴾ : هذِه (اللام) تسمى لام الإضافة (١٥١) (١٥٢) أحدهما: الملك نحو: (المال لزيد).

والآخر: الاستحقاق (١٥٣) (١٥٤) (١٥٥) (١٥٦) (١٥٧) (١٥٨) (١٥٩) وإنما كسرت الجارة وتركت (لام الابتداء) بحالها مفتوحة (١٦٠) (١٦١) (١٦٢) (١٦٣) (١٦٤) وقوله تعالى ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ : (الرب) في اللغة له معنيان (١٦٥) قال الأصمعي: (رب فلان الصنيعة يَرُبُّها رَبًّا إذا أتمها وأصلحها) قال: ويقال: فلان رَبَّ نِحْيَهُ يَرُبُّه رَبًّا (١٦٦) (١٦٧) (١٦٨) فَإِنْ كُنْتِ مِنِّي أَوْ تُرِيدِين صُحْبَتِي (١٦٩) (١٧٠) (١٧١) (١٧٢) (١٧٣) يَرُبُّ الذِّي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ أَنَّهُ ...

إذَا فَعَلَ المَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا (١٧٤) فالمعنى (١٧٥) (١٧٦) (١٧٧) الثاني: أن يكون الرب بمعنى المالك، يقال: رب الشيء إذا ملكه، ورببت (١٧٨) (١٧٩) ومنه قول صفوان بن أمية (١٨٠) (١٨١) (١٨٢) (١٨٣)  لرجل (١٨٤) (١٨٥) فَإِنْ تَكُ رَبَّ أَذْوَادٍ بِحُزْوى ...

أَصَابُوا مِنْ لِقَاحِكَ مَا أَصَابُوا (١٨٦) ثم (السيد) يسمى ربًّا وإن لم يكن مالكا على الحقيقة (١٨٧) ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ  ﴾ .

وقال الأعشى (١٨٨) وَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَه (١٨٩) أي: سيدها.

والله تعالى ربُّ كل شيء أي: مالكه، وهو السيد على الحقيقة.

وقال بعض أهل اللغة: المعنى الثاني راجع إلى الأول الذي هو بمعنى التربية (١٩٠) فأما ما يذهب إليه المتكلمون أنه لم يزل ربًّا (١٩١) (١٩٢) (١٩٣) (١٩٤) (١٩٥) (١٩٦) وقوله تعالى: ﴿ الْعَالَمِينَ ﴾ : هو جمع (عالم) على وزن (فَاعَل) (١٩٧) (١٩٨) (١٩٩) (٢٠٠) (٢٠١) (٢٠٢) (٢٠٣) ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا  ﴾ فسر (٢٠٤) (٢٠٥) فالعالمون على هذا هم من يعقل، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هم الجن والإنس (٢٠٦) واختاره أبو الهيثم (٢٠٧) (٢٠٨) ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا  ﴾ وإنما بعث محمد نذيرا للجن والإنس (٢٠٩) (٢١٠) (٢١١) ﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165)  ﴾ .

وقال الفراء (٢١٢) (٢١٣) وقد ذكر الله تعالى ﴿ الْعَالَمِينَ ﴾ وأراد به أهل عصر واحد، وهو قوله لبني إسرائيل: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  ﴾ يعني عالمي زمانهم (٢١٤) وهذِه الأقوال صحيحة على أصل من يجعله مشتقًّا من العِلْم، والذين صححوا هذِه الطريقة قالوا في جواب موسى لفرعون: ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ (٢١٥) (٢١٦) وأبو إسحاق (٢١٧) ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ كقوله ﴿ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ (٢١٨) والعالم على كلا (٢١٩) (٢٢٠) (٢٢١) قال أبو إسحاق: وإنما لم يستعمل الواحد من لفظه؛ لأن (العالم) اسم لأشياء مختلفة، فإن جعل لواحد منها اسم من لفظه صار جمعا لأشياء متفقة (٢٢٢) وهذا النوع من الجمع (٢٢٣) (٢٢٤) واختلف النحويون في (الواو والياء والألف) اللواتي تلحق التثنية والجمع (٢٢٥) (٢٢٦) والدليل على ذلك (٢٢٧) (٢٢٨) (٢٢٩) (٢٣٠) ويفسد أن تكون (الدال) من زيد هي حرف الإعراب في التثنية؛ لأنها قد كانت في الواحد حرف الإعراب، وقد انقلبت عن الواحد الذي هو الأصل إلى التثنية التي هي فرع، كما تقول في (قائمة) لما انقلبت عن المذكر (٢٣١) (٢٣٢) (٢٣٣) (٢٣٤) (٢٣٥) (٢٣٦) (٢٣٧) (٢٣٨) (٢٣٩) (٢٤٠) وهذا الذي ذكرنا من مذهب سيبويه، مذهب أبي إسحاق وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي (٢٤١) وإذا ثبت أن هذِه الحروف حروف إعراب (٢٤٢) (٢٤٣) (٢٤٤) قال أبو علي: (٢٤٥) (٢٤٦) (٢٤٧) وهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن، وصحة المذهب وسداد الطريقة (٢٤٨) (٢٤٩) (٢٥٠) (٢٥١) (٢٥٢) (٢٥٣) فإن قلت: إنك تكسر النون مع (الياء) في النصب والجر، فهلا هربت إلى الفتحة لمكان (الياء) كما هربت إلى الفتحة لمكانها في (أين وكيف)؟.

والجواب: أن (الياء) في التثنية ليست بلازمة كلزومها في (أين) لأن الأصل هو الرفع، والنصب والجر فرعان عليه، فأجروا الباب على حكم الرفع الذي هو الأصل (٢٥٤) (١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 24 ب، وأخرج الطبري عن ابن عباس بمعناه، دون قوله (وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه) قال شاكر: إسناده ضعيف.

الطبري في "تفسيره" 1/ 135 وبمثل رواية الطبري أخرجه ابن أبي حاتم، قال المحقق: سنده ضعيف 1/ 150، وانظر: "الدر" 1/ 34 - 35، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 24 - 25.

(٢) في (ج): (والحمد لله) ومثله في "اللسان".

(٣) نص كلام الأخفش في "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، وفيه (قال الأخفش ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ الشكر لله، قال والحمد أيضًا: الثناء)، وانظر: "اللسان" (حمد) 2/ 987، وفي "معاني القرآن" للأخفش ذكر اللغات فيها ولم يذكر المعنى 1/ 155، والنص في "اللسان".

(٤) في (ب): (فكأن)، وفي "التهذيب" مكانها (قلت ...) فهو من كلام الأزهري، ونص عليه في "اللسان" قال: قال الأزهري: الشكر لا يكون ...

"اللسان" (حمد) 2/ 987، فكيف تصحف عند الواحدي، فصار كأنه من كلامه، أو من كلام الأخفش.

(٥) في (ب): (أولاها).

(٦) في "التهذيب" "اللسان" (للثناء).

(٧) مابين المعقوفتين ساقط من (ج).

(٨) انتهى من "التهذيب" (حمد) 1/ 913، مع اختلاف يسير في العبارة، وانظر: "اللسان" (حمد) 2/ 987.

(٩) هو ابن الأنباري، وقد نقل عنه الواحدي في هذا الموضع كثيرا، ولم أجده في كتبه الموجودة، ولعله ضمن كتبه المفقودة كـ "المشكل في معاني القرآن"، انظر الدراسة.

(١٠) في (ب): (أن بين) وفي (ج): (أنه بين).

(١١) في (ب): (لله).

(١٢) في (ب): (أنه).

(١٣) في (ب): (يُنَعَّم) بالتشديد.

(١٤) في (ب): (الشكر).

(١٥) انظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 17، "تفسير الثعلبي" 1/ 24/ ب، 25/ أ، "الزاهر" 2/ 84، "تفسير الطبري" 1/ 59، "تفسير ابن عطية" 1/ 99 - 100، "تفسير الماوردي" 1/ 53، "تفسير البغوي" 1/ 52، "القرطبي" 1/ 114 - 115، "الكشاف" 1/ 46، 47.

(١٦) ابن التوءم لم أجد له ترجمة، وكلامه أورده ابن قتيبة في عيون الأخبار أوسع مما ذكره الواحدي هنا.

"عيون الأخبار" 3/ 191، قال ابن قتيبة: (قال ابن التوءم: كل من كان جوده يرجع إليه ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك ..

وإنما يوصف بالجود في الحقيقة، ويشكر على النفع في حجة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد ..).

(١٧) (إن نفعك) ليس في "عيون الأخبار" 3/ 191.

(١٨) في (ب): (شيء) بسقوط الباء وما في (أ)، (ج) موافق لما في "عيون الأخبار".

(١٩) في (ب): (اله).

(٢٠) بعد قوله: (وحده لا شريك له) كلام لابن التوءم تركه هنا، انظر: "عيون الأخبار" 3/ 191.

(٢١) في (ب): (كان).

(٢٢) في (ب): (ولا معنى).

(٢٣) في (ب): (كان).

(٢٤) في (ب): (ومعونته).

(٢٥) في (ب): (يكون).

(٢٦) في (ب): (ومن حاد عن هذا).

(٢٧) إلى هنا ما ذكره ابن قتيبة عن ابن التوءم مع اختلاف في بعض العبارات، انظر: "عيون الأخبار" 3/ 191.

(٢٨) هو بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء، وأصله من (طخارستان)، أشعر الشعراء المولدين، نشأ بالبصرة، ومات سنة سبع أو ثمان وستين ومائة.

انظر ترجمته في: == "الشعر والشعراء" ص 511، "طبقات الشعراء" لابن المعتز ص 21، "البيان والتبيين" 1/ 65، "خزانة الأدب" 3/ 230.

(٢٩) في (ج): (لئن).

(٣٠) من قصيدة قالها بشار يمدح عقبة بن سلم، ويروى (ولا الخوف) بدل (وللخوف) انظر: "ديوانه" ص 14، "طبقات الشعراء" لابن المعتز ص 30، "عيون الأخبار" لابن قتيبة 1/ 164، "شرح ديوان المتنبي" للعكبري 4/ 279.

(٣١) في (ب): (فإن معنى الشكر).

(٣٢) في (ب): (ويحبب).

(٣٣) في (ب): (الثناء).

(٣٤) في (ب): (والشكرا).

(٣٥) مابين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣٦) انظر: "الوسيط" 1/ 17، ونحوه في "تفسير الطبري" 1/ 60، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 23 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 79، "ابن عطية" 1/ 100، "القرطبي" 1/ 118.

(٣٧) في (ب): (قد).

(٣٨) لم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرج ابن ماجه عن سمرة بلفظ: "أربع أفضل الكلام لا يضرك بأيهن بدأت سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر" "سنن ابن ماجه" (3811) كتاب الأدب، باب: فضل التسبيح، ونحوه عند أحمد في "المسند" 5/ 20، وذكره البخاري معلقا (الفتح) 11/ 566، وأخرج ابن ماجه عن جابر: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله" "سنن ابن ماجه" كتاب الأدب، باب: فضل الحامدين، قال العجلوني في "كشف الخفاء": رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وصححاه 1/ 152، وانظر: "فيض القدير" 1/ 601.

(٣٩) (من) ساقطة من (ب).

(٤٠) عبد الله بن جدعان التيمي القرشي، أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، لهذا مدحه أمية بن أبي الصلت، أدرك النبي  قبل النبوة.

انظر ترجمته وبعض أخباره في "المحبر" ص 138، "السيرة" لابن هشام 1/ 144، "الخزانة" 8/ 366، "الأعلام" 4/ 76.

(٤١) تروى الأبيات بروايات أخرى منها: (خليل) بدل (كريم)، و (السنى) بدل (الجميل) و (عليك) بدل (عليه).

انظر: "ديوان أمية بن أبي الصلت" ص 254، "المحبر" ص 138، "طبقات فحول الشعراء" للجمحي 1/ 265، "ديوان الحماسة" 2/ 372، "العمدة" لابن رشيق 2/ 158.

(٤٢) أبو بكر ابن الأنباري.

(٤٣) انظر: "الزاهر" 2/ 84، 85، وفيه تكلم ابن الأنباري عن الفرق بين الحمد والشكر بنحو هذا، وإلى هذا ذهب أكثر المفسرين، انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 3، "تفسير أبي الليث" 1/ 79، "تفسير الثعلبي" 1/ 24/ ب، "تفسير الماوردي" 153، وانظر: "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، "اشتقاق أسماء الله" ص 90، وذهب الطبري إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد، واستدل على هذا بصحة قول القائل: (الحمد لله شكرا).

"تفسير الطبري" 1/ 60، وهذا قول المبرد، كما قال القرطبي في "تفسيره" 1/ 116، ونسبة في "اللسان" للحياني.

"اللسان" (حمد) 2/ 987، وقد تكلم العلماء في نقض ما قاله الطبري ورده، منهم ابن عطية في "تفسيره" 1/ 99، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 116، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 201.

قال محمود شاكر في حاشية "تفسير الطبري": والذي قاله الطبري أقوى حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه.

(٤٤) نسبه الأكثر لراجز جاهلي من بني أسد بن عمرو بن تميم، ونسبه بعضهم لجارية في مازن، وقيل: روته وليس لها، ونسبه بعضهم لرؤبة.

و (المائح) الرجل في جوف البئر يملأ الدلاء.

ورد الرجز في "معاني القرآن" للفراء 1/ 260، "الزاهر" 2/ 85، "أمالي الزجاجي" ص 237، "أمالي القالي" 2/ 244، "الإنصاف" ص 187، "مغني اللبيب" 2/ 609، 618، "شرح شذور الذهب" ص 485، "شرح المفصل" 1/ 117، "الخزانة" 6/ 200.

(٤٥) ورد الثناء والتمجيد في بيت آخر لم يورده الواحدي هنا وهو قوله: يُثْنُون خَيْرًا ويَمُجِّدُوَنَكاَ أورد ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 85، وأنظر المصادر السابقة.

(٤٦) في (أ)، (ج): التحميد، وما في (ب) أصح؛ لأنه أراد: الثناء والتمجيد الذين وردا في البيت الثالث الذي لم يذكره.

(٤٧) أحد شيوخ الواحدي: عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي أبو الحسين، حدث عن أبي سليمان الخطابي بغريب الحديث سبق ذكره في، وانظر المنتخب من السياق 106، "سير أعلام النبلاء" 18/ 19.

(٤٨) في (ب): (أنا) وفي (ج): (أن) في الموضعين.

(٤٩) هو أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الشافعي، وقيل: اسمه: حمد، له مصنفات منها "غريب الحديث" "ت 388 هـ"، انظر ترجمته في "الأنساب" 5/ 158، 159، "إنباه الرواة" 1/ 125، "تذكرة الحفاظ" 3/ 1018.

(٥٠) محمد بن هاشم أحد شيوخ الخطابي، روى عنه في "غريب الحديث" كثيرا، ولم أجد له ترجمة، حتى إن محقق "غريب الحديث" ترجم لجميع شيوخ الخطابي، ولم يذكر محمد بن هاشم مع كثرة روايته عنه، ولعله لم يجد له ذكرا.

والله أعلم.

(٥١) أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدَّبَرِي و (الدَّبَرِي) بفتح الدال والباء نسبة إلى (الدَّبَر) قرية من قرى صنعاء، راوية عبد الرزاق، (ت 285 هـ).

انظر ترجمته في "اللباب" 1/ 489، "ميزان الاعتدال" 1/ 181، "سير أعلام النبلاء" 13/ 416.

(٥٢) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحافظ، عالم اليمن، أبو بكر الحصيري بالولاء.

حدث عن جماعة منهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وحدث عنه أحمد بن حنبل، وابن راهويه، وابن معين، وابن المديني وجماعة (ت 211 هـ) وانظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 5/ 548، "سير أعلام النبلاء" 9/ 568، "ميزان الاعتدال" 3/ 323.

(٥٣) هو الإمام الحافظ مَعْمَر بن راشد، أبو عروة، الأزدي بالولاء البصري، نزيل اليمن، حدث عن قتادة، والزهري وعمرو بن دينار، وهمام بن منبه وجماعة، وعنه السفيانان، وابن المبارك، وعبد الرزاق بن همام (ت 153 هـ)، انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 546، "الجرح والتعديل" 8/ 255، "سير أعلام النبلاء" 7/ 5.

(٥٤) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 10/ 424 (19574) كتاب الجامع، باب: شكر الطعام، وذكره الخطابي في "غريب الحديث" 1/ 345، 346، وذكره السيوطي في "الجامع الصغير" ورمز له بالحسن، انظر: "فيض القدير شرح الجامع الصغير" 3/ 418، وقال الألباني: في "ضعيف الجامع" 3/ 411 (2790): ضعيف.

(٥٥) هو أحمد بن محمد الخطابي البستي، سبقت ترجمته.

قال في "غريب الحديث" بعد أن ذكر الحديث.

وقال أبو سليمان: الحمد نوع ..

1/ 346.

(٥٦) الجنس: كلي دال على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب (ماهو).

والنوع: كلي دال على كثيرين متفقين في الحقيقة واقع في جواب (ما هو).

انظر: "التعريفات" للجرجاني ص 78، 247، "المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين" للآمدي ص 73.

(٥٧) في (ج): (شكرا).

(٥٨) في (ب): (وهو شكر اداب).

(٥٩) في (ج): (تعالى).

(٦٠) في (ب): (الى) تصحيف.

(٦١) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).

(٦٢) متفق عليه من حديث المغيرة وعائشة، حديث المغيرة رواه البخاري (1130) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي  الليل، ومسلم (2819) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والإجتهاد في العبادة، وحديث عائشة رواه البخاري (4837) كتاب التفسير، باب: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ ، ومسلم (2820) كتاب صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.

(٦٣) يقول: إن نعمتكم علي أفادتكم مني يدي ولساني وجناني فهي وأعمالها لكم.

ورد البيت بدون عزو في "غريب الحديث" للخطابي 1/ 346، " الكشاف" 1/ 47، "الفائق" 1/ 314، "الدر المصون" 1/ 36، وانظر: "مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف" ص 7.

(٦٤) انتهى من "غريب الحديث" للخطابي 1/ 346، وانظر: "الكشاف" 1/ 47.

(٦٥) سبق بيان خلاف العلماء في ذلك، وأن قول الأكثر على أن بينهما فرقا وقال الطبري ومعه طائفة: إنهما بمعنى واحد، انظر ص 275.

(٦٦) انظر: "الزينة" 2/ 112، "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، "اللسان" (حمد) 2/ 987.

(٦٧) الكلام عن (أل) نقله الواحدي عن أبي الفتح بن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" وأذكر الفروق الهامة بين عبارة الواحدي وعبارة ابن جني في موضعه إن شاء الله.

قال ابن جني: (وذهب الخليل إلى أن (أل) حرف التعريف بمنزلة (قد) ..) 1/ 333.

(٦٨) انظر مذهب الخليل في "الكتاب" 3/ 324.

(٦٩) عند أبي الفتح: (إن الهمزة واللام جميعهما ..) 1/ 333.

(٧٠) انظر: "الكتاب" 3/ 325.

(٧١) في (ج): (بفضلين).

(٧٢) عند أبي الفتح: (ويقول هذا المذهب قطع (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد ..) 1/ 333.

(٧٣) هو عبيد بن الأبرص بن جُشْم، من بني أسد، يعد من فحول شعراء الجاهلية، قيل: إنه عمر طويلا.

ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 161، "طبقات فحول الشعرء" ص 58، "خزانة الأدب" 2/ 215.

(٧٤) قوله: (اربعا) أقيما، (الحلاَل): جمع حال أي نازل، أو جمع حِلَّة وهو جماعة البيوت، (سحق البرد) الثوب البالي، (عفى) غطى، (القطر): المطر، (مغناه) المغنى: المنزل الذي غنى به أهله ثم ظعنوا، (التأويب) الرجوع وتردد هبوبها.

وردت الأبيات وفي "ديوان عبيد" ص 115، "المنصف" 1/ 333، "شرح المفصل" 9/ 17، "الخزانة" == 7/ 198.

والشاهد فيه فصل (أل) في البيتين، استدل به الخليل على أن (أل) جميعها حرف التعريف، ولو كانت اللام وحدها للتعريف لما جاز فصلها.

(٧٥) من القائل؟

ظاهر كلام الواحدي أن القائل الخليل، لأنه هو المذكور قبله، والواقع أن الكلام لأبي الفتح ابن جني، حيث قال بعد الأبيات: (وهذِه قطعة لعبيد مشهورة عددها بضعة عشر بيتا يطرد جميعها على هذا القطع الذي تراه إلى بيتا واحدا من جملتها، ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها ..

"سر صناعة الإعراب" 1/ 333.

(٧٦) بعده كلام لأبي الفتح تركه الواحدي.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 333.

(٧٧) في (ب): (لقطع التابعه).

والنابغة: هو زياد بن معاوية الذبياني، أحد شعراء الجاهلية المشهورين، توفي في زمن النبي  قبل أن يبعث.

انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 83، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 51.

"جمهرة أنساب العرب" ص 253، "الخزانة" 2/ 135.

(٧٨) في (ب): (أرف) وفي (جـ): (أفر) وفي نسخة من "سر صناعة الإعراب" (أزف) 1/ 334.

(٧٩) في (ب): (الترجيل).

(٨٠) في (ب): (برجالها) وعند أبي الفتح (برحالنا) وفي الحاشية: في (ش): (برحالها)، والأكثر في رواية البيت (برحالنا).

(٨١) من قصيدة قالها النابغة في (المتجردة) امرأة النعمان بن المنذر (أفد الترحل): أي دنا الرحيل وقرب.

و (الركاب): الإبل.

و (كأن قد): (أي: زالت لقرب وقت زوالها ودنوه.

انظر: "ديوان النابغة الذيباني" ص 89، "الخصائص" 2/ 361، 3/ 131، "مغنى اللبيب" 1/ 171، 2/ 342، "شرح المفصل" 8/ 5، 110، 148، 9/ 18، 52، "الأزهية" ص 211، "شرح ابن عقيل" 1/ 19، "الهمع" 2/ 188، 4/ 315، "الخزانة" 1/ 70، 7/ 197.

(٨٢) ترك بعض كلام أبي الفتح.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 334.

(٨٣) والقياس فيهما: لم يكن (و) لا أدري (لكن لما كثر في الاستعمال حذفت النون في الأول والياء من الثاني، قال أبو الفتح: وحذفها شاذ انظر: "المنصف" 2/ 227.

(٨٤) في (ج): (الفضل).

(٨٥) نص كلام أبي الفتح: (ويؤكد هذا القول عندك أيضا: أنهم قد أثبتوا ...

الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 334.

(٨٦) في (ب) تصحيف في الآية، حيث حذف (أذن) وكرر (لكم).

(٨٧) عند أبي الفتح: (...

ونحو قولهم في القسم (أفألله) و (لا ها ألله ذا) ولم نر همزة الوصل تثبت في نحو هذا ....

الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 335.

(٨٨) عند أبي الفتح: (وأما ما يدل على أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها، فهو إيصالهم جر الجار إلى ما بعد حرف التعريف ....) "سر صناعة الإعراب" 1/ 335.

قال في "شرح المفصل": (واللام هي حرف التعريف وحدها، والهمزة وصلة إلى النطق بها ساكنة، هذا مذهب سيبويه، وعليه أكثر البصريين والكوفيين ما عدا الخليل ....)، 9/ 17، وانظر: "الخزانة" 7/ 198 - 199.

(٨٩) أي على مذهب الجمهور وهو أن حرف التعريف (اللام) وحدها.

(٩٠) عند أبي الفتح: (...

ولو كان حرف التعريف عندهم حرفين كـ (قد) و (هل) لما جاز الفصل به بين الجار والمجرور به ....) ثم أخذ يشرح ولفصل في هذا في كلام طويل تركه الواحدي، ثم قال: (...

وكذلك لو كان حرف التعريف في نية الانفصال لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف، وهذا يدل على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرفه ...) 1/ 336، 337.

(٩١) قال أبو الفتح: (..

ويزيدك تأنيسا بهذا أن حرف التعريف نقيض التنوين ..) 1/ 337.

(٩٢) أي حرف التعريف.

(٩٣) في (ج): (وكما).

(٩٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (ج).

(٩٥) في (ب): (يقطعونه).

(٩٦) نسب البيت لكثير عزة، وليس في "ديوانه".

انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 340، "شرح المفصل" 9/ 19، "الخزانة" 7/ 202، وانظر: "معجم الشواهد العربية" لعبد السلام هارون 1/ 99.

والشاهد فيه: أنه فصل الكلمة بين مصراعي البيت، وأورده ردا على ما ذهب إليه الخليل من أن قطع (أل) في المصراع الأول دليل على أن (الألف واللام) أداة تعريف، وليس اللام وحدها.

(٩٧) أي: المصراع الأول من البيت، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 340.

(٩٨) أي قوله تعالى: ﴿ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ  ﴾ .

(٩٩) يلحظ أن الكلام من قوله: (فأما ما احتج به الخليل ....) إلى قوله: (بالخبر) ليس بهذا السياق والترتيب عند أبي الفتح، وانما تصرف فيه الواحدي.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 337، 340، انظر: "الخزانة" 7/ 201، 202.

(١٠٠) في (ب): (خالطه).

(١٠١) في (أ)، (جـ): (على)، وما في (ب) موافق لـ"سر صناعة الإعراب" 1/ 346.

(١٠٢) (قد) ساقط من (ج).

(١٠٣) في (أ)، (ج): (اعترفوا)، وما في (ب) موافق لـ"سر صناعة الإعراب" 1/ 346.

(١٠٤) من قوله (وإنما جعل حرف التعريف) ملخص من "سر صناعة الإعراب" 1/ 346.

(١٠٥) عند أبي الفتح (وأما لم اختاروا له اللام دون سائر حروف المعجم؟

فالجواب عنه أنهم إنما أرادوا ....) 1/ 346، قوله (له) أي: للتعريف.

(١٠٦) في (ب): (المعجم) والمراد بحروف الفم التي مخارجها في الفم.

(١٠٧) في (ج): (عرضوه) وعند أبي الفتح (اعتزموه) 1/ 347.

(١٠٨) في (ب): (عرقوه).

(١٠٩) انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 347، وفي كلام أبي الفتح زيادة عما هنا.

(١١٠) في (ب): (يكثروا).

(١١١) في (ب): (ثلاث).

والرابع عشر اللام نفسها.

ومثلها الليل (١١٢) عند أبي الفتح: (الذرق)، وفي حاشيته: (ب): (الذوق).

الذرق: نبات كالفسفسة، تُسميه الحاضرة: الحندقوقى.

انظر: "تهذيب اللغة" (ذرق) 2/ 1280.

(١١٣) في (ج): (الضباب) وفي (ب): (الضناب) وعند أبي الفتح: (والصَّناب والضَّرْو) 1/ 347، وهو الصواب؛ لأنه تمثيل للصاد ثم للضاد.

الصِّير: هو الشق، كما في الحديث: "من اطلع من صير باب"، والصير: الماء يحضره الناس، والصِّير: السمكات == المملوحة التي تعمل منها الصحناة.

انظر: "تهذيب اللغة" (صير) 2/ 2075، "اللسان" (صير) 4/ 2535، الصَّنَاب: صباغ يتخذ من الخردل والزبيب.

انظر: "تهذيب الغة" (صنب) 2/ 2062، "اللسان" (صنب) 4/ 2504.

الضِّرو والضَّرو: (شجر طيب الريح يستاك به، ويجعل ورقه في العطر.

"اللسان" ضرا 14/ 483.

(١١٤) عند أبي الفتح (الظبي)، وفي الحاشية: (ل): (الظئر) 1/ 347.

(١١٥) اختصر الواحدي كلام أبي الفتح ونص كلامه: (..

ويدلك على إيثارهم الإدغام للام التعريف لما قصدوا من الإبانة عن غرضهم، أنك لا تجد لام التعريف مع واحد من هذِه الأحرف الثلاثة عشر إلا مدغمًا في جميع اللغات، ولا يجوز إظهارها ولا إخفاؤها معهن ما دامت للتعريف البتة، وأنك قد تجد اللام إذا كانت ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة ..

الخ)، 1/ 347.

(١١٦) في (ب): (أنا).

(١١٧) في (ب): (السقب) وعند أبي الفتح (التفت).

(١١٨) في (ب): (أخذ).

(١١٩) في (ج): (ولزم به): (وعند أبي الفتح (أُلْزِمَ به) وفي الحاشية ل (إِلْزَمْ به)، 1/ 348.

(١٢٠) إلى هنا ما أخذ الواحدي من كتاب أبي الفتح "سر صناعة الإعراب" حرف اللام 1/ 333 - 348.

(١٢١) انتقل الواحدي إلى موضع آخر من نفس كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 112 قال == أبو الفتح: (واعلم أن هذِه الهمزة إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن ....)، وسأذكر الفروق الهامة بين كلام أبي الفتح وكلام الواحدي في مواضعها.

(١٢٢) في (ب): (يكن) وعند أبي الفتح (لما لم يمكن) 1/ 112.

(١٢٣) عند أبي الفتح (..

الحركة بعد الألف في آخر الحرف ..) 1/ 112.

(١٢٤) أي: الهمزة التي جيء بها للتوصل إلى النطق بالساكن.

(١٢٥) انظر: "سر صناعهَ الإعراب" 1/ 113، اختصر الواحدي بعض الكلام، وتصرف في بعض العبارات.

(١٢٦) في (ب): (إنها) بكسر الهمزة.

(١٢٧) (عليك): ليست في كلام أبي الفتح.

(١٢٨) في (أ)، (ج): (يقع به الابتداء به) وعند أبي الفتح (يقع الابتداء به)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 113.

(١٢٩) هذا جواب تساؤل افترضه أبو الفتح، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 113.

(١٣٠) في (أ)، (ب)، (ج): (به) وصححتها على حسب ما عند أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 1/ 113.

(١٣١) أصلها: (أُؤخُذُ) و (أؤْمُر) فلما اجتمعت همزتان وكثر استعمال الكلمة حذفت الهمزة الأصلية فزال الساكن، فاستغني عن الهمزة الزائدة.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 112.

(١٣٢) الأصل فيها: (وَيْلٌ لِأُمِّه) فحذف التنوين فالتقت لام ويل ولام الخفض فأسكنت الأولى وأدغمت الثانية ثم حذفت الهمزة، ثم خفف بحذف أحد اللامين، فمنهم من جعل المحذوفة (لام) الخفض وأبقى (لام) ويل وأبقى لام الخفض مكسورة، ومنهم في جعل المحذوفة (لام) ويل على أصلها مضمومة، ففيها الوجهان.

انظر: "المسائل الحلبيات" للفارسي ص 43، "الكتاب" 3/ 5، "سر صناعة الإعراب" 1/ 113، 235، "الخزانة" 3/ 275، 276.

(١٣٣) ورد البيت غير منسوب في "سر صناعة الإعراب" 1/ 114، "الخصائص" 2/ 334، "اللسان" (ألف) 1/ 107، و (مأى) 7/ 4124.

(١٣٤) وقيل: أراد: (الآلاف) فحذف للضرورة، قاله في "اللسان" 9/ 9.

(١٣٥) في (ب): (اذن).

(١٣٦) "سر صناعة الإعراب" بتصرف 1/ 113، 114.

(١٣٧) في حاشية "سر صناعة الإعراب": (ب) و (ش): (الغناء).

(١٣٨) في (ج) كلام مقدم في غير موضعه ونص العبارة (بالساكن الآخر وإنما فتحت مع لام التعريف لأن اللام حرف فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة لتخالف، وقد ذكرنا ...).

وشطب الناسخ كلمة (والآخر) و (لتخالف) وهما أول ونهاية الكلام المكرر فلعله تنبه له بعد كتابته.

(١٣٩) أخذه بمعناه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 112، 113.

(١٤٠) حيث تكون مكسورة أو مضمومة مع الأسماء والأفعال.

(١٤١) بنصه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 117.

(١٤٢) في (ب): (تقطع).

(١٤٣) مواضع لام التعريف، أخذه كذلك عن أبي الفتح بن جني من "سر صناعة الإعراب" (حرف اللام) 1/ 350، مع إعادة ترتيب الكلام والتصرف اليسير في العبارة.

(١٤٤) في الكلام عدم وضوح، حيث إن قوله: (وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس ...

الخ) يعود على مثال لم يذكره الواحدي، ونص عبارة أبي الفتح: (الثالث: نحو قولك الملك أفضل من الإنسان، والعسل حلو، والخل حامض، وأهلك الناس الدينار والدرهم، فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ...

الخ).

ثم يقول: (...

وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة أفضل من كل واحد من هذا الجنس الآخر، وأن كل جزء من العسل الشائع في الدنيا حلو، وكل جزء من الخل الذي لا تمكن مشاهدة جميعه حامض).

"سر صناعة الإعراب" 1/ 350.

(١٤٥) قوله: (وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه ...) من كلام الواحدي، أما أبو الفتح فتكلم عنها في نفس الموضع، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 350 وما بعدها، ليت الواحدي لم يثقل الكتاب بهذِه النقول التي مكانها كتب النحو المطولة.

(١٤٦) في (ج): (يحتمل).

(١٤٧) وعليه أكثر المفسرين، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 60، "تفسير ابن عطية" 1/ 99، "الكشاف" 1/ 49، "تفسير القرطبي" 1/ 116، "تفسير ابن كثير" 1/ 25، "البحر" 1/ 18.

(١٤٨) ذكره الرازي في "تفسيره" 1/ 220، وأبو حيان في "البحر" 1/ 18.

(١٤٩) سبق كلام ابن الأنباري ص 271، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 61.

(١٥٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 119، "البيان في غريب القرآن" 1/ 34، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 8، "الكشاف" 1/ 47، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 5.

(١٥١) الكلام عن (اللام) نقله عن كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 325، قال أبو الفتح: (فأما العاملة فلام الجر، وذلك قولك: المال لزيد، والغلام لعمرو.

وموضعها في الكلام الإضافة، ولها في الإضافة معنيان: أحدهما الملك ..).

(١٥٢) ذكر الرازي لها ثلاثة معان في "تفسيره" 1/ 22، وانظر: "البحر" 1/ 18.

(١٥٣) عند أبي الفتح (الاستحقاق والملابسة) 1/ 325.

(١٥٤) (الجُلُّ): واحد جِلاَل الدواب، الذي تلبسه لتصان به.

انظر: "الصحاح" (جلل) 4/ 1658، "اللسان" (جلل) 2/ 664.

(١٥٥) ذكره الواحدي عند الحديث عن (الباء) في تفسير (بسم الله) ناقلا عن أبي الفتح من هذا الموضع.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 325.

(١٥٦) في (ب): (بينهما).

(١٥٧) عند أبي الفتح (أي هو هذا) 1/ 326.

(١٥٨) في (ج): (للا لا لتبس).

(١٥٩) في (ج): (بمعنى).

(١٦٠) هذا مضمون سؤال أثاره أبو الفتح حيث قال: (وهنا زيادة ما علمتها لأحد من أصحابنا، وهي أن يقال: إذا كان الفرق بين (اللام) الجارة و (لام) الابتداء واجبا لما ذكرته من المعنيين، فلم كسرت الجارة وتركت لام الابتداء بحالها مفتوحة؟.

فالجواب عن هذا أن يقال: إن أول أحوال الاسم هو الابتداء ....) الخ 1/ 328.

(١٦١) في (ب): (الأحوال).

(١٦٢) في (ب): (الابتداء).

نص كلام أبي الفتح: (وإنما يدخل الرافع أو الناصب سوى الابتداء والجار على المبتدأ وفي حاشيته: في ب (الناصب والرافع)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 328 تأمل الفرق بينهما.

(١٦٣) عند أبي الفتح (حاليها) 1/ 328.

(١٦٤) انتهى من "سر صناعة الإعراب" 1/ 328.

(١٦٥) ذكر ابن الأنباري أن الرب ثلاثة أقسام: السيد المطاع، والمالك، والمصلح.

"الزاهر" 1/ 575.

ونحوه عند ابن جرير ثم قال: "وقد يتصرف معنى (الرب) في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذِه الوجوه الثلاثة ...) "تفسير الطبري" 1/ 62، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "المخصص" 17/ 154، "معجم مقاييس اللغة" (رب) 2/ 381، "الزينة" 2/ 27، "اللسان" (ربب) 1/ 404.

(١٦٦) (ربا) ساقط من (ب).

(١٦٧) في "تهذيب اللغة" (وهو نحى مربوب).

(١٦٨) انظر قولي الأصمعي في "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336.

(١٦٩) في (ب): (تريدن نصيحتي).

(١٧٠) في (ب)، (ج): (كالشمس).

(١٧١) البيت لعمرو بن شأس، كان له ابن يقال له (عرار) من أمة سوداء، وكانت امرأته تؤذيه وتستخف به، فقال قصيدة يخاطبها، ومنها هذا البيت، يقول: إن كنت تريدين مودتي، فأحسني إليه كما تستصلحين وعاء السمن حتى لا يفسد عليك، و (الأَدَم) جمع أَدِيم: الجلد المدبوغ، و (الرُّبُّ): خلاصة التمر بعد طبخه وعصره.

ورد البيت في "شعر عمرو" ص 71، "الشعر والشعراء" ص 274، "طبقات الشعراء" للجمحي ص 80، "أمالي القالي" 2/ 189، "اشتقاق أسماء الله" ص 33، "الصحاح" (ربب) 1/ 131، "اللسان" (ربب) 3/ 1550.

(١٧٢) يقال: (رجل طب) أي: عالم.

انظر: "الصحاح" (طبب) 1/ 171.

(١٧٣) ذكر الثعلبي نحوه قال: (تقول العرب: رَبَّ يَرُبُّ رَبَابَةً ورُبُوبًا فهو رَبٌّ مثل بَرٌّ وَطبٌّ) "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، وانظر: "الزاهر" 1/ 576، "الصحاح" (ربب) 1/ 130، "الوسيط" للواحدي 1/ 17.

(١٧٤) ورد البيت بدون عزو في "الزاهر" 1/ 576، "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "الوسيط" للواحدي 1/ 17، "اللسان" (ربب) 3/ 1547، ورواية البيت في غير الثعلبي (من العرف) بدل (من الخير)، (سئل) بدل (فعل).

(١٧٥) في (ب): (والمعنى).

(١٧٦) في (ب): (ويعددهم).

(١٧٧) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 119.

(١٧٨) في (ب): (بيت).

(١٧٩) انظر: "الزينة" 2/ 27، "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، "اللسان" (ربب) 3/ 1546.

(١٨٠) صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي، أسلم بعد الفتح، وروى أحاديث وشهد اليرموك، توفي سنة إحدى وأربعين.

انظر ترجمته في "الإصابة" 2/ 187، "تجريد أسماء الصحابة" 1/ 266، "سير أعلام النبلاء" 2/ 562، "طبقات ابن سعد" 5/ 449.

(١٨١) ذكره الأزهري في "التهذيب"، وفيه: أن صفوان كان يرد بذلك على أبي سفيان.

== "التهذيب" (رب) 2/ 1336، وذكره ابن هشام في "السيرة"، وذكر عن ابن إسحاق أنه كان يرد به على (جبلة بن الحنبل) وقال ابن هشام (كلدة بن الحنبل) "السيرة" لابن هشام 4/ 72 - 73.

(١٨٢) في (ب): (رب).

(١٨٣) انظر: "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، " الزينة" 2/ 27، "اشتقاق أسماء الله" ص 32.

(١٨٤) (لرجل) ساقط من (أ).

(١٨٥) أخرجه أحمد في (مسنده) عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي  فصعد في النظر وصوَّب وقال: "أَرَبُّ إبل ....

" الحديث 4/ 136، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 25/ ب، والرازي في "الزينة" 2/ 29.

(١٨٦) رواية البيت في "الديوان": فَإِنْ تَكُنِ الفَوَارِسُ يَوْمَ حِسْي ...

أَصَابُوا مِنْ لِقَائِكَ مَا أَصَابُوا "الديوان" ص 84، ونحو رواية الديوان في "مجاز القرآن" 1/ 311، "الزاهر" 1/ 575، "الزينة" 2/ 27، وبمثل رواية الواحدي ورد في "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، ولعله أخذه عنه، و (حُزْوى) بضم الحاء موضع بنجد، انظر: "معجم البلدان" 2/ 255.

(١٨٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "مجاز القرآن" 1/ 311، "الزينة" 2/ 27.

(١٨٨) تبع الواحدي شيخه الثعلبي فنسب البيت للأعشى، والبيت للبيد كما نسبه الطبري وغيره في "ديوانه" كما سيأتي.

(١٨٩) شطره الثاني: وَرَبَّ مَعَدًّ بَيْنَ خَبْتٍ وَعَرْعَرِ.

(رب كندة): ملكهم حجر أبو امرئ القيس، و (رب معد): ملكهم حذيفة بن بدر، (خبت): الأصل فيه المطمئن من الأرض ويطلق على عدة أماكن، و (عرعر) اسم == مكان.

انظر البيت في "شرح ديوان لبيد" ص 55، "تفسير الطبري" 1/ 62، "الزينة" 2/ 27، "الزاهر" 1/ 576، "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب.

(١٩٠) انظر: "معجم مقاييس اللغة" (رب) 2/ 381، 382.

(١٩١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ أ.

(١٩٢) ذكره الثعلبي عن الحسين بن الفضل في "تفسيره" 1/ 25/ ب.

(١٩٣) في (ب): (في رب).

(١٩٤) بل ورد عند بعض أهل اللغة (رب) بمعنى: أقام، قال ابن دريد في "الجمهرة" (...

رب بالمكان وأرب به إذا أقام به) 1/ 28، وانظر: "الاشتقاق" له ص 536، وفي "اللسان": رب بالمكان وأرب: لزمه.

"اللسان" (ربب) 3/ 1548، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 25/ ب.

(١٩٥) انظر: "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1339، "الصحاح" (ربب) 1/ 132، "اللسان" (ربب) 3/ 1548.

(١٩٦) في (ب): (بنى).

(١٩٧) انظر: "تهذيب اللغة" (علم) 3/ 2554.

(١٩٨) الخاتم: ما يوضع على الطينة التي على الكتاب، وتكون علامة على أنه لم يفتح، والطابع بمعناه، انظر.

"تهذيب اللغة" (ختم) 1/ 983، و (طبع) 3/ 2161.

(١٩٩) (الدانق) بفتح النون وكسرها: سدس الدرهم، انظر: "اللسان" (دنق) 3/ 1433.

(٢٠٠) (القالب) بفتح اللام وكسرها، الشيء الذي يفرغ فيه الجواهر، ليكون مثالا لما يصاغ منها، "اللسان" (قلب) 6/ 3715.

(٢٠١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب، وانظر: "معجم مقاييس اللغة" (علم) 4/ 110.

(٢٠٢) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى الأنصار، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي سنة عشر ومائة من الهجرة، كان غزير العلم بكتاب الله تعالى.

ورعًا زاهدًا فصيحا.

انظر ترجمته في "حلية الأولياء" 2/ 131، "طبقات القراء" لابن الجزري 1/ 235، "تذكرة الحفاظ" 1/ 71، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 150.

(٢٠٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب وذكره الطبري عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة.

"تفسير الطبري" 1/ 63، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 27.

(٢٠٤) في (ب): (فيفسر).

(٢٠٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب.

(٢٠٦) أخرجه الطبري بسنده.

قال شاكر: إسناه حسن.

"تفسير الطبري" 1/ 144 (ط.

شاكر)، وابن أبي حاتم.

وقال المحقق: (إسناده ضعيف)، "تفسير ابن أبي حاتم" رسالة دكتوراه 1/ 154، والحاكم في "المستدرك"، وقال بعده: ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند.

ووافقه الذهبي، "المستدرك"، كتاب التفسير تفسير سورة الفاتحة 2/ 258، وانظر: "الدر المنثور" 1/ 36.

(٢٠٧) انظر: الثعلبي 1/ 26/ أ.

(٢٠٨) انظر: "تهذيب اللغة" (علم) 3/ 2554.

(٢٠٩) "التهذيب" (علم) 3/ 2554.

(٢١٠) أبو معاذ النحوي المقرئ اللغوي، له عناية باللغة والقراءات.

انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 44، "إنباه الرواة" 179.

(٢١١) قال الثعلبي في "تفسيره" (قال أبو معاذ النحوي: هم بنو آدم ..

وقال الحسين بن الفضل: (العالمون): الناس واحتج بقوله تعالى: ﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ أ.

(٢١٢) أبو زكرياء يحي بن زياد الديلمي الفراء، كان أبرع أهل الكوفة في النحو، له كتب من أشهرها معاني القرآن، توفي سنة سبع ومائتين.

انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي ص 131، "تاريخ بغداد" 14/ 149، "اللباب" 2/ 414، "إنباه الرواة" 4/ 1.

(٢١٣) بنصه في "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ ب.

(٢١٤) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 264، "التصاريف" المنسوب ليحيى بن سلام ص 266، "إصلاح الوجوه والنظائر" للدامغاني ص 331.

(٢١٥) يشير بهذا إلى ما سبق في قوله تعالى: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ  ﴾ حيث استدل بالآيتين من قال: إن العالمين: جميع المخلوقات.

(٢١٦) هو ما ورد في الآيات قبلها حين توجه موسى إلى فرعون بقوله تعالى: ﴿ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ .

(٢١٧) الزجاج.

(٢١٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8.

(٢١٩) في (ج): (كل).

(٢٢٠) في (ج): (جمع).

(٢٢١) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 62، "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ أ.

(٢٢٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8، ذكر كلامه بتصرف.

(٢٢٣) أي: (العالمين) جمع (عالم)، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8.

(٢٢٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 162، "شرح ابن عقيل" 1/ 63.

(٢٢٥) نقل الواحدي في هذا الموضوع عن أبي الفتح ابن جني من "سر صناعة الإعراب" بعضه بنصه، وبعضه بمعناه.

2/ 695، ومثل هذا المبحث مكانه كتب النحو لا كتب التفسير.

(٢٢٦) انظر: "الكتاب" 1/ 17، 18.

(٢٢٧) أي ما ذهب إليه سيبويه، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 696.

(٢٢٨) في (أ)، (ج): (فهو) وما في (ب) موافق لما في "سر صناعة الإعراب" 2/ 696.

(٢٢٩) لم يرد في كلام أبي الفتح ذكر للجمع، وإنما الحديث عن المثنى، وأضاف الواحدي كلمة (الجمع) لكلامه في جميع المواضع؛ لأن حكمهما واحد.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 696.

(٢٣٠) عند أبي الفتح: (الزيدان والعمران، والرجلان والغلامان) 2/ 697، فهي أمثلة على المثنى وليس للجمع ذكر.

(٢٣١) وهو (قائم)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 697.

(٢٣٢) في (ب): (الذي كان).

(٢٣٣) في (ب): (يكون).

(٢٣٤) في كلمة (قائمة)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 697.

(٢٣٥) (الجمع) زيادة من الواحدي على كلام أبي الفتح، 2/ 697.

(٢٣٦) تكلم أبو الفتح بعد هذا عن المقارنة بين المثنى وجمع التكسير، ولماذا لا تكون (الدال) من (الزيدان) حرف إعراب كما في المفرد؟

مثل (فرس) فالسين حرف إعراب و (أفراس) السين حرف إعراب وهو جمع تكسير.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 697 - 698.

(٢٣٧) في (ب): (محمل).

(٢٣٨) في (ب): (تعرفه).

(٢٣٩) قال أبو الفتح: تقول: (قام الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 699.

(٢٤٠) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 699 وما بعدها من الصفحات فقد أطال أبو الفتح بن جني الشرح حول هذِه المسألة.

(٢٤١) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 695، قال أبو الفتح: (..

وهو قول أبي إسحاق، وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي ..).

(٢٤٢) قال أبو الفتح: (واعلم أن سيبويه يرى أن (الألف) في التثنية كما أنه ليس في لفظها إعراب، فكذلك لا تقدير إعراب فيها كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب، ألا ترى أنك ..

الخ) "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.

(٢٤٣) في (ب): (لا ترى).

والمراد (سيبويه) كما هو في النص السابق الذي نقلناه عن أبي الفتح 2/ 706.

(٢٤٤) في "سر صناعة الإعراب" (أن في الياء ..) وفي حاشيته: في (ش): (ففي) ويظهر أن الواحدي أخذ عن هذِه النسخة، والصحيح ما أثبت في أصل "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.

(٢٤٥) عند أبي الفتح: (قال أبو علي: ويدل على صحة ما قال سيبويه من أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية تقدير حركة في المعنى -كما أن ذلك ليس موجودا في اللفظ- صحة (الياء) في الجر والنصب ...) فلم يرد في كلامه لفظ الجمع، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.

(٢٤٦) في (ب): (منها).

(٢٤٧) لم أجده فيما اطلعت عليه من كتب أبي علي الفارسي، ولعل أبا الفتح أخذه من أبي علي مشافهة حيث قال: (وهذا أيضًا من لطيف ما حصلته عنه فافهمه).

"سر صناعة الإعراب" 2/ 707.

(٢٤٨) بنصه من "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.

(٢٤٩) في (ب): (تكون).

(٢٥٠) في (ج): (يعرض).

(٢٥١) أخذه بمعناه من "سر صناعة الإعراب" 2/ 448 - 449.

(٢٥٢) في (ب): (ثقيلا).

(٢٥٣) عند أبي الفتح: (وقبل نون الجمع (واو) أو (ياء)) 2/ 488.

(٢٥٤) انتهى ما نقله عن أبي الفتح ابن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" ملخصا قال أبو الفتح (فهذِه حال نون التثنية والجمع الذي على حد التثنية ولم يتقص أحد من أصحابنا القول عليها هذا التقصي، ولا علمته أشبعه هذا الإشباع) 2/ 487 - 489.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع المثاني.

وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدّم في اللغات من تفسير ألفاظها، واختُلف هل هي مكية أو مدنية؟

ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، إلاّ أن الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها، ويعدّ أنعمت عليهم آية.

الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة.

وحجتهما؛ قوله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ما تيسر من القرآن» .

الفائدة الثانية: اختلف هل أوّل الفاتحة على إضمار القول تعليماً للعباد: أي قولوا: الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولابدّ من إضمار القول في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وما بعده.

الفائدة الثالثة: الحمد أَعَمُّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلاّ جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء، كما أنّ الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح.

فإذا فهمتَ عموم الحمد: علمتَ أن قولك: الحمد لله يقتضي الثناء عليه؛ لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميعَ خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عدّهَ عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أوّل كتابه، وآخر دعوى أهل الجنة.

الفائدة الرابعة: الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التحدث بالنعم شكر» والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة.

والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضلا باستحقاق العبد.

واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، والتقوى.

ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير.

والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم، والشكر على ثلاثة درجات: فدرجات العوام الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا مُنعوا شكروا.

وإذا أعطوا آثروا ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الخلق فإنّ من أسماء الله: الشاكر والشكور، وقد فسرتهما في اللغة.

الفائدة الخامسة: قولنا: ﴿ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ أفضل عند المحققين من لا إله إلا الله لوجهين: أحدهما ما خرّجه النسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله كتب له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة» والثاني: أن التوحيد الذي يقتضيه لا إله إلا الله حاصل في قولك ﴿ رَبِّ العالمين ﴾ وزادت بقولك الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا، وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله» ، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ذلك وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، أما لمن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إله إلا الله.

الفائدة السادسة: الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: الإله، والسيد، والمالك، والمصلح.

وكلها في رب العالمين، إلا أن الأرجح معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أن الأرجح في العالمين: أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى، فيعم جميع المخلوقات.

الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: وله الملك يوم ينفخ في الصور.

والثالث: أنها لا تقتضي خلاف الأصل.

وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي على طريقة الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف.

وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة إلاّ أنها شاذة.

الفائدة الثامنة: الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جرّ مالك ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اس الفاعل غير محضة؟

فالجواب: أنها تكون غير محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائماً فإضافته محضة.

الفائدة التاسعة: هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الحساب والجزاء والقهر، ومنه ﴿ أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ [الصافات: 53].

الفائدة العاشرة: إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدّم ليفيد الحصر فإنّ تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ اعترافاً بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلاّ بالله وحده.

الفائدة الحادية عشرة: إياك نستعين: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنّ الحق بين ذلك.

الفائدة الثانية عشرة: اهدنا: دعاء بالهدى.

فإن قيل: كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم؟

فالجواب: إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو الزيادة منه فإنّ الارتقاء في المقامات لا نهاية له.

الفائدة الثالثة عشرة: قدم الحمد والثناء على الدعاء لأنّ تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة.

وكذلك قدّم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدّم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة.

الفائدة الرابعة عشرة: ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريقة الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار من أهل الحضور فناداه.

الفائدة الخامسة عشرة: الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، والمعنيان متقاربان، لأنّ القرآن يضمّن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، وقد قيل إنه قرئ بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صاداً لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر.

الفائدة السادسة عشرة: الذين أنعمت عليهم: قال ابن عباس: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون.

وقيل: المؤمنون وقيل الصحابة، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: ﴿ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين ﴾ [النساء: 69].

الفائدة السابعة عشرة: إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال.

الفائدة الثامنة عشرة: إسناد أنعمت عليهم إلى الله.

والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب: كقوله: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشعراء: 80] وعليهم أوّل في موضع نصب، والثاني في موضع رفع.

الفائدة التاسعة عشرة: المغضوب عليهم اليهود، والضالين: النصارى، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وجلاله قائله وذكر ولا في قوله: ولا الضالين دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله: ﴿ فَبَآءُو بِغَضَبٍ ﴾ [البقرة: 90]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السبيل ﴾ [المائدة: 77].

الفائدة العشرون: هذه السور جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدّمة الأول تعلم ذلك في الألوهية حاصلاً في قوله: كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ والشريعة كلها في قوله: الصراط المستقيم، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين أنعمت عليهم، وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك: آمين اسم فعل معناه: اللهم استجب، وقيل: هو من أسماء الله، ويجوز فيه مدّ الهمزة وقصرها، ولا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة المأموم والفذ والإمام إذا أسرّ، واختلفوا إذا جهر.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "مالك": بالألف سهل ويعقوب وعاصم وعلي وخلف، والباقون ملك: ﴿ الرحيم ملك ﴾ مدغماً: أبو عمرو، كذلك يدغم كل حرفين التقيا من كلمتين إذا كانا من جنس واحد مثل ﴿ قال لهم  ﴾ أو مخرج واحد مثل ﴿ ولتأت طائفة  ﴾ أو قريبي المخرج مثل ﴿ خلقكم  ﴾ و ﴿ لقد جاءكم  ﴾ سواء كان الحرف المدغم ساكناً مثل ﴿ أنبتت سبع سنابل  ﴾ ويسمى بالإدغام الصغير، أو متحركاً فأسكن للإدغام مثل ﴿ قيل لهم  ﴾ و ﴿ لذهب بسمعهم  ﴾ ويسمى بالإدغام الكبير إلا أن يكون مضاعفاً نحو ﴿ أحل لكم  ﴾ و ﴿ مس سقر  ﴾ أو منقوصاً مثل ﴿ وما كنت ترجو  ﴾ و ﴿ كنت تراباً  ﴾ ونعني بالمنقوص الأجوف المحذوف العين أو مفتوحاً قبله ساكن مثل { ﴿ البحر لتأكلوا  ﴾ و ﴿ والحمير لتركبوها  ﴾ إلا في مواضع أربعة { ﴿ كاد يزيغ  ﴾ و ﴿ قال رب ﴾ \[المؤمنون: 26\] في كل القرآن و ﴿ الصلاة طرفي النهار  ﴾ و ﴿ بعد توكيدها  ﴾ أو يكون الإظهار أخف من الإدغام نحو ﴿ أفأنت تهدي  ﴾ ﴿ أفأنت تسمع  ﴾ وعن يعقوب إدغام الجنسين في جميع القرآن إذا التقيا من كلمتين.

"الصراط" بإشمام الراء ههنا وفي جميع القرآن: حمزة.

وعن يعقوب بالسين في كل القرآن، وعن الكسائي بإشمام السين كل القرآن، والباقون بالصاد.

"عليهم": وإليهم ولديهم بضم الهاآت كل القرآن: حمزة وسهل ويعقوب.

ضم كل ميم جمع يزيد وابن كثير غير ورش، بضم الميم عند ألف القطع فقط نحو ﴿ أأنذرتهم أم  ﴾ .

الوقوف: العالمين (لا) لاتصال الصفة بالموصوف.

الرحيم (لا) لذلك.

الدين (ط) للعدول عن الغائب إلى المخاطب.

نستعين (ط) لابتداء الدعاء.

المستقيم (لا) لاتصال البدل بالمبدل.

أنعمت عليهم (لا) لاتصال البدل أو الصفة.

الضالين(ه).

التفسير: روي عن جندب عن رسول الله  : "من قال في كتاب الله عز وجل برأيه فأصاب فقد أخطأ" وعن ابن عباس قال: قال رسول الله  : "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" فذكر العلماء أن النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلو إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط، أو المراد به أمر آخر، وباطل أن يكون المراد به أن لا يتكلم أحد في تفسير القرآن إلا بما سمعه فإن الصحابة  م قد فسروا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه.

وليس كل ما قالوه سمعوه، كيف وقد " دعا النبي  لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" فإن كان التأويل مسموعاً كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك؟!

وإنما النهي يحمل على وجهين: أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأوّل القرآن على وفق هواه ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.

وهذا قد يكون مع العلم بأن المراد من الآية ليس ذلك، ولكن يلبس على خصمه.

وقد يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويترجح ذلك الجانب برأيه وهواه، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه.

وقد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلاً من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: المراد بفرعون في قوله  ﴿ اذهب إلى فرعون إنه طغى  ﴾ هو النفس.

الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير.

فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أوّلاً ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع للتفهم والاستنباط.

والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة كقوله  { ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها  ﴾ معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها.

فالناظر إلى ظاهر العربية يظن المراد أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء، وما يدري بما ظلموا وإنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم.

وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي إليه ما دام على قوانين العلوم العربية والقواعد الأصلية والفرعية.

واعلم أن مقتضى الديانة أن لا يؤوّل المسلم شيئاً من القرآن والحديث بالمعاني بحيث تبطل الأعيان التي فسرها النبي  ، والسلف الصالح مثل: الجنة والنار والصراط والميزان والحور والقصور والأنهار والأشجار والثمار وغيرها، ولكنه يجب أن يثبت تلك الأعيان كما جاءت.

ثم إن فهم منها حقائق أخرى ورموزاً ولطائف بحسب ما كوشف فلا بأس، فإن الله  ما خلق شيئاً في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم المعنى، وما خلق شيئاً في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، وما خلق في العالمين شيئاً إلا وله أنموذج في عالم الإنسان والله  أعلم.

والتفسير أصله الكشف والإظهار وكذلك سائر تقاليبه.

من ذلك: سفرت المرأة كشفت عن وجهها، والسفر لأنه يكشف به عن وجوه الحوائج، ومنه السرف لأنه يكشف به عن ماله حينئذ.

والرفس لأنه يكشف عن عضوه وانكشاف حال المقيد في رسفانه واضح.

فمن التفسير ما يتعلق باللغة ومنه ما يتعلق بالصرف أو النحو أو المعاني أو البيان إلى غير ذلك من العلوم كما أشرنا إلى ذلك في آخر المقدمة العاشرة، ومنه أسباب النزول وذكر القصص والأخبار وغير ذلك.

ونحن على أن نورد بعد القرآن مع الترجمة القراءة ثم الوقوف ثم أسباب النزول ثم التفسير الشامل لجميع ذلك، ثم التأويل إن كان، ولم نذكره في التفسير ونذكر منه ما هو أقرب إلى الإمكان والله المستعان.

فلنشتغل بتفسير الفاتحة فنقول: في البسملة مسائل: الأولى: الجار والمجرور لا بد له من متعلق وليس بمذكور فيكون مقدراً وأنه يكون فعلاً أو اسماً فيه رائحة الفعل.

وعلى التقديرين فإما أن يقدر مقدماً أو مؤخراً نحو: ابدأ بسم الله، أو ابتدائي بسم الله، أو بسم الله أبتدئ، أو بسم الله ابتدائي أو الابتداء، وتقدير الفعل أولى من تقدير الاسم لأن كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يكون مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له، فيكون المراد أن إنشاء ذلك الفعل إنما هو على اسم الله فيقدر ههنا بسم الله أقرأ أو أتلو أو أبدأ، لأن الذي يتلو التسمية مقروء ومبدوء به كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال: بسم الله متبركاً، كان المعنى بسم الله أحل أو ارتحل وكذلك الذابح.

ونظيره في حذف متعلق الجار قولهم في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، أي بالرفاء أعرست، وتقدير المحذوف متأخر أولي على نحو قوله  ﴿ بسم الله مجريها ومرساها  ﴾ لأن تقديم ذكر الله أدخل في التعظيم، ولأن ما هو السابق في الوجود يستحق السبق في الذكر، ولهذا قال المحققون: ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله  قبله.

ولأنهم كانوا يبدأون بأسماء آلهتهم فيقول: باسم اللات باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما في ﴿ إياك نعبد ﴾ صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص.

قال في الكشاف: وإنما قدم الفعل في ﴿ اقرأ باسم ربك  ﴾ لأن تقديم الفعل هناك أوقع لأنهما أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم.

وقال صاحب المفتاح: الصواب أن يقال: معنى إقرأ أوجد القراءة، ثم يكون باسم ربك متعلقاً باقرأ الثاني.

وذكر في معنى تعلق اسم الله بالقراءة وجهان: إما تعلق القلم بالكتبة في قولك "كتبت بالقلم" كان فعله لا يجيء معتداً به شرعاً إلا بعد تصديره بذكر الله قال  : "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر" وإما تعلق الدهن بالإنبات في قوله  ﴿ تنبت بالدهن ﴾ \[المؤمنون: 20\] أي متبركاً باسم الله أقرأ كما في قوله "بالرفاء والبنين" أي أعرست متلبساً بالرفاء وهذا أعرب وأحسن.

أما كونه أدخل في العربية فلأنه لا يعرفه إلا من له دربة بفنون الاستعمالات بخلاف الأول فإنه مبتذل.

وأما كونه أحسن فلأن جعل اسم الله كالآلة خروج عن الأدب، لأن الآلة من حيث إنها آلة غير مقصود بالذات، واسم الله  عند الموحد أهم شيء وأنه مقول على ألسنة العباد تعليماً لهم كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه، وكذلك الحمد لله رب العالمين إلى آخره.

الثانية: أنهم استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من لفظ "الله" بعد الفتحة والضمة دون الكسرة أما الأول فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر، فيكون أدخل في الثواب وهذا كما جاء في التوراة: أحبب ربك بكل قلبك.

وأما الثاني فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار.

وإنما لم يعدّوا اللام الغليظة حرفاً والرقيقة حرفاً آخر كما عدوا الدال حرفاً والطاء حرفاً آخر مع أن نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء، فإن الدال بطرف اللسان والطاء بكل اللسان، لإطراد استعمال الغليظة مكان كل رقيقة ما لم يعق عائق الكسرة وعدم إطراد الطاء مكان كل دال.

الثالثة: طولوا الباء من بسم الله إما للدلالة على همزة الوصل المحذوفة، وإما لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم.

وكان يقول عمر بن عبد العزيز لكتابه: طولوا الباء وأظهروا السين ودوّروا الميم تعظيماً لكتاب الله.

وقال أهل الإشارة: الباء حرف منخفض في الصورة، فلما اتصل بكتابة لفظ "الله" ارتفعت واستعملت.

فلا يبعد أن القلب إذا اتصل بحضرة الله يرتفع حاله ويعلو شأنه.

الرابعة: إبقاء لام التعريف في الخط على أصله في لفظ الله كما في سائر الأسماء المعرفة، وأما حذف الألف قبل الهاء فلكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة في الصورة عند الكتابة ولأنه يشبه اللات في الكتابة.

قال أهل الإشارة: الأصل في قولنا "الله" الإله وهو ستة أحرف ويبقى بعد التصرف أربعة في اللفظ: ألف ولامان وهاء، فالهمزة من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، والهاء من أقصى الحلق، وهذه حال العبد يبتدئ من النكرة والجهالة ويترقى قليلاً قليلاً في مقامات العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار، أخذ يرجع قليلاً قليلاً حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد كما قيل: النهاية رجوع إلى البداية.

وأما حذف الألف قبل النون من لفظ "الرحمن" فهو جائز في الخط ولو كتب كان أحسن.

الخامسة: الاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، وهو عند البصريين في الأصل سمو بدليل تكسيره على أسماء وتصغيره على سميّ وتصريفه على سميت ونحوه، فاشتقاقه من السمو وهو العلو مناسب لأن التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره.

وقيل: لأن اللفظ معرف للمعنى، والمعرف متقدم على المعرف في المعلومية فهو عالٍ عليه حذفوا عجزه كما في "يد" و "دم" فبقي حرفان أولهما متحرك والثاني ساكن، فلما حرك الساكن للإعراب أسكن المتحرك للاعتدال فاحتيج إلى همزة الوصل إذ كان دأبهم أن يبتدؤا بالمتحرك ويقفوا على الساكن حذراً من اللكنة والبشاعة.

ومنهم من لم يزد الهمزة وأبقى السين بحاله فيقول: سم كما قال: باسم الذي في كل سورة سمه.

وقد يضم السين فيقال: "سم" كأن الأصل عنده "سمو".

وعند الكوفيين اشتقاق الاسم من الوسم والسمة، لأن الاسم كالعلامة المعرّفة.

وزيف بأنه لو كان كذلك لكان تصغيره وسيماً وحجمه أوساماً.

السادسة: قال بعض المتكلمين ومنهم الأشعري: إن الاسم غير المسمى وغير التسمية وهو حق، لأن الاسم قد يكون موجوداً والمسمى معدوماً كلفظ المعدوم والمنفي ونحو ذلك، وقد يكون بالعكس كالحقائق التي لم توضع لها أسماء، ولأنّ الأسماء قد تكون كثيرة مع كون المسمى واحداً كالأسماء المترادفة وكأسماء الله التسعة والتسعين، أو بالعكس كالأسماء المشتركة، ولأن كون الاسم اسماً للمسمى وكونه المسمى مسمى له من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية، والمضافان متغايران لا محالة.

ولا يشكل ذلك بكون الشخص عالماً بنفسه لأنهما متغايران اعتباراً، ولأن الاسم أصوات وحروف هي أعراض غير باقية والمسمى قد يكون باقياً بل واجب الوجود لذاته، ولأنه لا يلزم من التلفظ بالعسل وجود الحلاوة في اللسان، ومن التلفظ بالنار وجود الحرارة.

وقال المعتزلة: الاسم نفس المسمى لقوله  ﴿ تبارك اسم ربك  ﴾ مكان "تبارك ربك": والجواب أنه كما يجب علينا تنزيه ذات الله  من النقائص يجب تنزيه اسمه مما لا ينبغي.

وأيضاً قد يزاد لفظ الاسم مجازاً كقوله: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما.

قالوا: إذا قال الرجل: زينب طالق.

وكان له زوجة مسماة بزينب طلقت شرعاً.

قلنا: المراد الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق فلهذا وقع الطلاق عليها، والتسمية أيضاً مغايرة للمسمى وللاسم لأنها عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته، والاسم عبارة عن ذلك اللفظ المعين فافترقا.

السابعة: وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع الحروف، لأن الحروف رابطة بينهما.

والظاهر أن وضع الأسماء سابق على وضع الأفعال لأن الاسم لفظ دال على الماهية والفعل لفظ دال على حصول الماهية لشيء من الأشياء في زمان معين، فكأن الاسم مفرد والفعل مركب والمفرد سابق على المركب طبعاً فيكون سابقاً عليه وضعاً.

وأيضاً الفعل مفتقر إلى الفاعل، والفاعل لا يفتقر إلى الفعل.

وأيضاً الاسم مستغن في الإفادة عن الفعل دون العكس، والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقات، لأن الأولى مفردة والثانية مركبة، ويشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة بأنفسها لأنا لا نعرف الذوات إلا بتوسط الصفات القائمة بها والمعرف معلوم قبل المعرّف فيناسب السبق في الذكر.

الثامنة: أقسام الأسماء الواقعة على المسميات تسعة: أولها: لاسم الواقع على الذات.

ثانيها: الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزائه كالحيوان على الإنسان ثالثها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والحارّ.

رابعها: الواقع عليه بحسب صفة إضافية كقولنا للشيء إنه معلوم ومفهوم ومالك ومملوك.

خامسها: الواقع عليه بحسب صفة سلبية كالأعمى والفقير.

سادسها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كالعالم والقادر عند القائل بأن العلم صفة حقيقية، ولها إضافة إلى المعلومات وكذا القدرة.

سابعها: صفة حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا يجهل شيئاً.

ثامنها: صفة إضافية مع صفة سلبية كالأول، فإن معناه سابق غير مسبوق.

تاسعها صفة حقيقية مع صفة إضافية وصفة سلبية، فهذه أقسام الأسماء لا تكاد تجد اسماً خارجاً عنها، سواء كان لله  أو لمخلوقاته.

التاسعة: هل لله  بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا؟

ذكر بعضهم أن حقيقته تعالى لما كانت غير مدركة للبشر فكيف يوضع له اسم مخصوص بذاته؟

وما الفائدة في ذلك؟

أقول: لا ريب أن الإدراك التام عبارة عن الإحاطة التامة، والمحاط لا يمكن أن يحيط بمحيطه أبداً، وأنه  بكل شيء محيط فلا يدركه شيء مما دونه كما ينبغي، إلا أن وضع الاسم للذات لا ينافي عدم إدراكه كما ينبغي، وإنما ينافي عدم إدراكه مطلقاً.

فيجوز أن يقال الشيء الذي تدرك منه هذه الآثار واللوازم مسمى بهذا اللفظ، وأيضاً إذا كان الواضع هو الله  وأنه يدرك ذاته لا محالة على ما هو عليه، فله أن يضع لذاته اسماً مخصوصاً لا يشاركه فيه غيره حقيقة، وإذا كان وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكناً فينبغي أن يكون ذلك الاسم أعظم الأسماء وذلك الذكر أشرف الأذكار، لأن شرف العلم والذكر بشرف المعلوم والمذكور.

فلو اتفق لعبد من عبيده المقربين الوقوف على ذلك الاسم حال ما يكون قد تجلى له معناه، لم يبعد أن تنقاد له عوالم الجسمانيات والروحانيات.

ثم القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه.

منهم من قال: هو ذو الجلال والإكرام ولهذا قال  : "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" ورد بأن الجلال من الصفات السلبية والإكرام من الإضافية، ومن البين أن حقيقته المخصوصة مغايرة للسلوب والإضافات.

ومنهم من يقول: إنه الحي القيوم " "لقوله  لأبيّ بن كعب حين قال له: ما أعظم آية في كتاب الله؟

فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم.

فقال  :ليهنك العلم يا أبا المنذر" وزيف بأن الحي هو الدرّاك الفعال وهذا ليس فيه عظمة ولأنه صفة، وأما القيوم فمعناه كونه قائماً بنفسه مقوّماً لغيره، والأول مفهوم سلبي وهو استغناؤه عن غيره، والثاني إضافي.

ومنهم من قال: إن أسماء الله  كلها عظيمة لا ينبغي أن يفاوت بينها، ورد بما مرّ من أن اسم الذات أشرف من اسم الصفة، ومنهم من قال: إن الإسم الأعظم هو الله وهذا أقرب، لأنا سنقيم الدلالة على أن هذا الاسم يجري مجرى اسم العلم في حقه  ، وإذا كان كذلك كان دالاً على ذاته المخصوصة، ويؤيد ذلك ما روت أسماء بنت زيد أن رسول الله  قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم  ﴾ وفاتحه سورة آل عمران ﴿ ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ " [آل عمران: 1 - 2] وعن بريدة " "أن رسول الله  سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى" ولا شك أن اسم الله في الآية والحديث أصل والصفات مرتبة عليه هذا، وأما الاسم الدال على المسمى بحسب جزء من أجزائه فمحال في حق الله  ، لأن ذاته  مبرأ عن شائبة التركيب بوجه من الوجوه.

وأما الاسم الدال بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته المخصوصة، فتلك الصفة إما أن تكون هي الوجود، وإما أن تكون كيفية من كيفيات الوجود، وإما أن تكون صفة أخرى مغايرة للوجود ولكيفيات الوجود، فهذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأسماء الدالة على الوجود منها الشيء ويجوز إطلاقه على الله  عند الأكثرين لقوله  ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم  ﴾ ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ أي ذاته.

وفي الخبر "كان الله ولم يكن شيء غيره" ولأن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه وذاته  كذلك.

حجة المخالف قوله  ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ فلو كان الله  شيئاً لزم أن يكون خالق نفسه.

ومثله { ﴿ وهو على كل شيء قدير  ﴾ قلنا: خص بالدليل العقلي.

قالوا: ليس من صفات المدح.

قلنا: نعم هو خير من لا شيء، وإن كان سائر الأشياء مشتركة معه في ذلك كالموجود والكريم والحليم، فإن كلاً منها مدح بالنسبة إلى من لا وجود له ولا كرم ولا حلم، بل الشيء بالحقيقة هو وباقي الأشياء شيئيتها مستعارة كوجودها ومنها الموجود.

وأطبق المسلمون على جواز إطلاقه عليه  وكيف لا؟

ومعنى قول الموحد لا إله إلا الله أي لا إله في الوجود إلا الله.

ومنها الذات ولا شك في جواز إطلاقه عليه إذ يصدق على كل حقيقة أنها ذات الصفات أي صاحبة الصفات القائمة بها، ويؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إن إبراهيم لم يكذّب إلا في ثلاث: ثنتين في ذات الله" - أي في طلب مرضاته ـ ومنها النفس قال  : ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك  ﴾ وقال  : "أنت كما أثنيت على نفسك" أي على ذاتك وحقيقتك.

ومنها الشخص قال: "لا شخص أغير من الله  ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا شخص أحب إليه العذْر من الله ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ولا شخص أحب إليه المدحة من الله" والمراد بالشخص الحقيقة المتعينة الممتازة عما عداها.

ومنها النور قال عز من قائل: ﴿ الله نور السماوات والأرض  ﴾ وليس المراد به ما يشبه الكيفية المبصرة وإنما المراد أنه الظاهر في نفسه المظهر لغيره.

وإذ لا ظهور ولا إظهار فوق ظهوره وإظهاره فإنه واجب الوجود لذاته أزلاً وأبداً، ومخرج جميع الممكنات من العدم إلى الوجود.

فإذن هو نور الأنوار  وتقدس، وسوف يأتيك تمام التحقيق إذا وصلنا إلى سورة النور وهو أعلم بحقائق الأمور.

ومنها الصورة وقد ورد في الخبر "أن الله خلق آدم على صورته" فقيل: معناه خلق آدم على صورته التي كان عليها يعني ما تولد من نطفة ودم وما كان جنيناً، ورضيعاً بل خلقه الله  رجلاً كاملاً دفعة واحدة.

وقيل في حديث آخر "لا تقبحوا الوجه فإن الله  خلق آدم على صورة الرحمن" المراد من الصورة الصفة كما يقال: صورة هذه المسألة كذا أي خلقه على صفته في كونه خليفة في أرضه متصرفاً في جميع الأجسام الأرضية كما أنه  نافذ القدرة في جميع العالم.

ويمكن أن يقال: الصورة إشارة إلى وجه المناسبة التي ينبغي أن تكون بين كل علة ومعلولها، فإن الظلمة لا تصدر عن النور وبالعكس، وكنا قد كتبنا في هذا رسالة.

ومنها الجوهر وأنه لا يطلق عليه بمعنى موجود لا في موضوع، أي إذا وجد كان وجودهن بحيث لا يحتاج إلى محل يقوم به ويستغني المحل عنه، لأن ذلك ينبئ عن كون وجوده زائداً على ماهيته.

وإنما يمكن أن يطلق عليه بمعنى آخر وهو كونه قائماً بذاته غير مفتقر إلى شيء في شيء أصلاً لكن الإذن الشرعي حيث لم يرد بذلك وجب الامتناع عنه.

ومنها الجسم ولا يطلقه عليه إلا المجسمة، فإن أرادوا الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة فمحال للزوم التركيب والتجزي، وإن أرادوا معنى يليق بذاته من كونه موجوداً قائماً بالنفس غنياً عن المحل فالإذن الشرعي لم يرد به فلزم الامتناع.

ومنها الماهية والآنية أي الحقيقة التي يسأل عنها بما هي وثبوته الدال عليه لفظ "ان"، ولا بأس بإطلاقهما عليه إذا أريد بهما الحقيقة والذات المخصوصة إلا من حيث الشرع.

ومنها الحق فإنه  أحق الأشياء بهذا الاسم، إما بحسب ذاته فلأنه الموجود الذي يمتنع عدمه وزواله، والحق يقال بإزاء الباطل والباطل يقال للمعدوم قال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.

وإما بحسب ما يقال إن هذا الخبر حق وصدق فهذا الخبر أحق وأصدق، وإما بحسب ما يقال إن هذا الاعتقاد حق فلأن اعتقاد وجوده ووجوبه أصوب الاعتقادات المطابقة.

القسم الثاني في الأسماء الدالة على كيفية الوجود منها القديم وهو في اللغة يفيد طول المدة، وفي الشرع يرادفه الأزلي، ويراد بهما ما لا أول له في الطرف الماضي كالأبدي في الطرف المستقبل.

وكذا السرمدي واشتقاقه من السرد التوالي والتعاقب، زيدت الميم للمبالغة.

ونعني بالنسبة في هذه الألفاظ أنه  منسوب إلى عدم البداية والنهاية في كلا طرفي الامتداد الوهمي المسمى بالزمان.

ومنها الممتد والمستمر ونعني بهما تلاحق الأجزاء وتعاقب الأبعاض، ولا يخفى أن أمثال هذه الألفاظ إنما يصح إطلاقها بالحقيقة على الزمان والزمانيات، وأما في حق الله جل ذكره فلا يصح إلا بالمجاز بعد التوقيف.

ومنها الباقي قال تعالى: ﴿ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام  ﴾ وأنه تعالى أحق الأشياء بهذا الاسم.

ومنها الدائم وهو كالباقي.

ومنها واجب الوجود لذاته أي ذاته اقتضى وجوده، وما بالذات لا ينفك عنه أبداً فهو ممتنع الفناء والعدم أزلاً وأبداً ولهذا قيل: خداي معناه خوداي أي أنه جاء بنفسه.

ومنها الكائن قال  : ﴿ وكان الله عليماً حكيماً  ﴾ وفي بعض الأدعية المأثورة عن النبي  "يا كائناً قبل كل كون، ويا حاضراً مع كل كون، ويا باقياً بعد انقضاء كل كون" واعلم: أن لفظة "كان" تفيد الحصول والثبوت والوجود، إلا أن هذا قسمان: منه ما يفيد حصول الشيء في نفسه، ومنه ما يفيد حصول موصوفية شيء بشيء.

والأول يتم باستناده إلى ذلك الشيء وهي التامة، والثاني لا يتم إلا بذكر شيئين وهي الناقصة نحو: كان زيد عالماً أي حصل موصوفية زيد بالعلم وكلا القسمين يجوز إطلاقه عليه  .

القسم الثالث في الصفات الحقيقية المغايرة للوجود ولكيفيات الوجود.

الفلاسفة والمعتزلة أنكروا قيام مثل هذه الصفات بذات الله  أشد إنكار لأن واجب الوجود لذاته يجب أن يكون واحداً من جميع جهاته، ولأن تلك الصفة لو كانت واجبة الوجود لزم شريك للباري مع أن الجمع بين الوجود الذاتي وبين كونه صفة للغير، والصفة مفتقرة إلى الموصوف محال، وإن كانت ممكنة الوجود فلها علة موجدة، ومحال أن يكون هو الله  لأنه قابل لها فلا يكون فاعلاً لها، ولأن ذاته لو كانت كافية في تحصيل تلك الصفة فتكون ذاته بدون تلك الصفة كاملة في العلية وهو المطلوب، وإن لم تكن كافية لزم النقص المنافي لوجوب الوجود.

حجة المثبتين أن إله العالم يجب أن يكون عالماً قادراً حياً، ثم إنا ندرك التفرقة بين قولنا: "ذات الله  ذات" وبين قولنا: "ذاته عالم قادر" وذلك يدل على المغايرة بين الذات وهذه الصفات.

وإذا قلنا بإثبات الصفة الحقيقية فنقول: العلم صفة يلزمها كونها متعلقة بالمعلوم، والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور.

والصفة الحقيقية العارية عن النسب والإضافات في حقه  ليست إلا صفة الحياة إن لم نقل إنها عبارة عن الدرّاكية والفعالية، بل يقال: إنها صفة باعتبارها يصح أن يكون عالماً وقادراً، والتحقيق أن الحياة عبارة عن كون الشيء بحيث يصدر عنه ما من شأنه أن يصدر عنه كما ينبغي أن يصدر عنه، ولا ريب أن واجب الوجود  أحق الأشياء بهذا الاسم، لأن وجوب الوجود يقتضي اتصافه بجميع الصفات الكمالية وصدور الأشياء الممكنة عنه على النحو الأفضل، ولهذا مدح الله  به نفسه قائلاً ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم  ﴾ ﴿ وعنت الوجوه للحي القيوم  ﴾ وأما الأسماء الدالة على الصفات الإضافية، فمنها التكوين وهو عند المعتزلة والأشعري نفس المكوّن.

وقال غيرهم: إنه غيره.

حجة الأولين أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة وهي القدرة لا غير، أو على سبيل الوجوب.

ويلزم كونه موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار.

وأيضاً إن كانت قديمة لزم قدم الآثار، وإن كانت حادثة افتقرت إلى تكوين آخر وتسلسل الآخرون.

قالوا: كونه خالقاً رازقاً ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية، لأن المعقول من كونه موجداً مغاير للمعقول من كونه قادراً، فإن القادر على الفعل قد يوجد وقد لا يوجد.

ومنها كونه  معلوماً ومذكوراً مسبحاً ممجداً فيقال: يا أيها المسبح بكل لسان، ويا أيها الممدوح عند كل إنسان، ويا أيها المرجوع إليه في كل حين وأوان.

ولما كان هذا النوع من الإضافات غير متناه كانت الأسماء الممكنة لله بحسب هذا النوع من الصفات غير متناهية.

ومنها ألفاظ متقاربة تدل على مجرد كونه موجداً مثل الموجد ومعناه المؤثر في الموجود، والمحدث وهو أخص لأنه الذي جعله موجوداً بعد العدم، والمكوّن وهو كالموجد والمنشئ ومعناه ينشئ على التدريج والمبدع والمخترع ويفهم منهما الإيجاد الدفعي، وكذا الفاطر مثل الصانع ويفهم منه تكلف، وأما الخلق فهو التقدير وأنه في حق الله تعالى يرجع إلى العلم، وأما الباري فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق للمصلحة.

يقال: برى القلم إذا أصلحه وجعله موافقاً لغرض معين.

ومنها ألفاظ تدل على إيجاد شيء بعينه وأنها تكاد تكون غير متناهية.

ومنها ألفاظ تدل على إيجاد النوع الفلاني لأجل الحكمة الفلانية، فإذا خلق المنافع سمي نافعاً، وإذا خلق الألم سمي ضاراً، وإذا خلق الحياة سمي محيياً، وإذا خلق الموت سمي مميتاً، وإذا خصهم بالإكرام سمي براً لطيفاً، وإذا خصهم بالقهر سمي قهاراً جباراً، وإذا أقلّ العطاء سمي قابضاً، وإذا أكثر سمي باسطاً، وإذا جازى الذنوب بالعقاب سمي منتقماً، وإذا ترك ذلك الجزاء سمي عفوّاً غفوراً رحماناً رحيماً، وإذا حصل المنع والإعطاء في المال سمي قابضاً باسطاً، وإذا حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضاً رافعاً.

وأما الصفات السلبية فمنها ما يعود إلى الذات كقولنا إنه ليس جوهراً ولا جسماً ولا مكانياً ولا زمانياً ولا حالاً ولا محلاً ولا مفتقراً إلى شيء غيره،  في ذاته وفي صفاته، وإنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

ومنها ما يعود إلى الصفات، ولا يخفى أن كل صفة من صفات النقص يجب تنزيه الله عنها، وذلك إما راجع إلى أضداد العلم كنفي النوم { ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ وكنفي النسيان ﴿ وما كان ربك نسياً  ﴾ وكنفي الجهل ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض  ﴾ وكأن لا يمنعه العلم ببعض المعلومات عن العلم بغيره لا يشغله شأن عن شأن.

وإما راجع إلى أضداد القدرة ككونه منزهاً في أفعاله عن التعب والنصب ﴿ وما مسنا من لغوب  ﴾ وإنه لا يحتاج في فعله إلى الآلات وتقديم المادة والمدّة ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  ﴾ وأنه لا يتفاوت في قدرته القليل والكثير ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب  ﴾ وأنه لا تنتهي قدرته ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز  ﴾ وإما راجع إلى صفة الوحدة كنفي الأنداد والأضداد ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ ﴿ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ﴾ \[المؤمنون: 91\] أو إلى صفة الاستغناء ﴿ وهو يطعم ولا يُطْعَم  ﴾ ﴿ وهو يجير ولا يجار عليه ﴾ } [المؤمنون: 88] ومنها ما يعود إلا الأفعال لا يخلق الباطل ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً  ﴾ لا يخلق اللعب ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين  ﴾ لا يخلق العبث ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] لا يرضى بالكفر، لا يريد الظلم، لا يحب الفساد لا يؤذي من غير سابقة جرم ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم  ﴾ لا ينتفع بطاعات المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين { ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها  ﴾ ليس لأحد أن يعترض عليه في أفعاله وأحكامه ﴿ لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون  ﴾ ﴿ لا يخلف الميعاد  ﴾ ومن أسماء السلوب القدوس والسلام لأنه منزه وسالم من نقائص الإمكان.

ومنها العزيز وهو الذي لا يوجد له نظير أو لا يغلبه شيء، والحليم الذي لا يعاجل بالعقوبة ولا يمنع من إيصال الرحمة، والصبور الذي لا يعاقب المسيء مع القدرة عليه، وربما يفرق بينهما بأن المكلف يأمن العقوبة في صفة الحليم دون صفة الصبور.

وأما الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية فمنها: القادر والقدير والمقتدر والمالك والملك ومالك الملك والمليك والقوي وذو القوة ومعانيها ترجع إلى القدرة ومنها ما يرجع إلى العلم ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه  ﴾ ﴿ عالم الغيب والشهادة  ﴾ ﴿ وهو بكل شيء عليم  ﴾ ﴿ علام الغيوب  ﴾ ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون  ﴾ ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون  ﴾ ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ ولم يرد علامة وإن كان يفيد المبالغة لأن ذلك بتأويل أمة أو جماعة.

والخبير يقرب من العليم وكذا الشهيد إذا فسر بكونه مشاهداً لها، وإذ أخذ من الشهادة كان من وصف الكلام.

والحكمة تشارك العلم من حيث إنه إدراك حقائق الأشياء كما هي وتباينه بأنها أيضاً صدور الأشياء عنه كما ينبغي.

واللطيف قد يراد به إيصال المنافع إلى الغير بطرق خفية عجيبة، والتحقيق أنه الذي ينفذ تصرفه في جميع الأشياء.

ومنها ما يرجع إلى الكلام ﴿ وكلم الله موسى تكليماً  ﴾ ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً  ﴾ ﴿ وإذ قال ربك  ﴾ ﴿ ما يبدل القول لديَّ  ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً  ﴾ ﴿ إنما أمره  ﴾ ﴿ إن الله يأمركم  ﴾ ﴿ وعد الله حقاً  ﴾ ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ وكان الله شاكراً عليماً  ﴾ ﴿ كان سعيكم مشكوراً  ﴾ وذلك أنه أثنى على عبده بمثل قوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون  ﴾ وهذا صورة الشكر.

ومنها ما يرجع إلى الإرادات ﴿ يريد الله بكم اليسر  ﴾  م أي صار مريداً لأفعالهم ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله يحب المطهرين  ﴾ يريد إيصال الخير إليهم ﴿ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً  ﴾ .

الأشعرية: الكراهية عبارة عن إرادة عدم الفعل.

المعتزلة: له صفة أخرى غير الإرادة.

ومنها ما يرجع إلى السمع والبصر ﴿ إنني معكما أسمع وأرى  ﴾ ﴿ إنه هو السميع البصير  ﴾ ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار  ﴾ وأما الصفات الإضافية مع السلبية فكالأول لأنه مركب من معنيين: أحدهما أنه سابق على غيره، والثاني لا يسبق عليه غيرهن وكالآخر فإنه الذي يبقى بعد غيره ولا يبقى بعد غيرهن، وكالقيوم فإنه الذي يفتقر إليه غيره ولا يفتقر إلى غيره، والظاهر إضافة محضة وكذا الباطن، أي أنه ظاهر بحسب الدلائل باطن بحسب الماهية.

وأما الاسم الدال على مجموع الذات والصفات الحقيقية والإضافية والسلبية فالإله، ولا يجوز إطلاق هذا اللفظ في الإسلام على غير الله وأما الله، فسيأتي أنه اسم علم.

وقد بقي ههنا أسماء يطلقها عليه  أهل التشبيه ككونه متحيزاً أو حالاً في المتحيز استبعاداً منهم أنه كيف يكون موجود خالياً عن كلا الوصفين وهو عند أهل التقديس محال للزوم الافتقار، اللهم إلا أن يقال استصحاب المكان لا يستلزم الافتقار إلى المكان ومنها العظيم والكبير وهما متقاربان لقوله  في موضع ﴿ وهو العلي العظيم  ﴾ وفي آخر ﴿ وهو العلي الكبير  ﴾ وقد يفرق بينهما بأنه ورد "الكبرياء ردائي و العظمة إزاري" والرداء أرفع من الإزار.

وأيضاً اختص تحريم الصلاة بالله أكبر دون الله أعظم.

ولا ريب أن إطلاق العظمة والكبر على الله  بحسب الحجمية والمقدار كما للأجسام محال للزوم التبعيض والتجزئة.

ومنها العلي والمتعالي، فإن العلو بالمعنى المستلزم للتمكن محال على الله فإما أن يراد بمثل هذه الألفاظ مزيد الرتبة والشرف على الممكنات، وإما أن يقال: إنا نطلق هذه الأسماء للإذن الشرعي فنكل معانيها إلى مراد الله  ، وإما أن نستمد في إدراكها بضرب من الكشف والعيان.

(العاشر في الأسماء المضمرة) قال عز من قائل: ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا  ﴾ ولا يصح لغيره هذا الذكر إلا حكاية.

وما جاء من قول بعض أهل الكمال: أنا من أهوى ومن أهوى أنا.

إشارة إلى كمال المحبة وغاية إرادة الاتصاف بصفة المحبوب وفناء إرادته في إرادته، وقال: ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ ولا يصح هذا إلا من العبد بشرط الحضور والمشاهدة.

وقال ﴿ لا إله إلا هو  ﴾ وإنما يصح هذا من الغائبين.

واعلم أن درجات الحضور مختلفة بالقرب والبعد وكمال التجلي ونقصانه، فكل حاضر غائب بالنسبة إلى ما فوق تلك الدرجة، ورب غائب حاضر كما قيل: أيا غائباً حاضراً في الفؤاد *** سلام على الغائب الحاضر وفي لفظة "هو" أسرار عجيبة منها: أن العبد إذا قال: يا هو فكأنه يقول: ما للتراب ورب الأرباب؟

وما المناسبة بين المتولد من النطفة والدم وبين الموصوف بالأزلية والقدم؟

فلهذا ينادي نداء الغائبين ويقول: يا هو.

ومنها أنه إذا قال: يا هو فقد حكم على كل ما سوى الله  بأنه نفي محض، لأنه لو حصل في الوجود شيئان لكان قوله "هو" صالحاً لهما جميعاً فلا يتعين النداء.

ومنها إذا قال: يا رحمن فكأنه يتذكر رحمته أو يطلب رحمته، وكذا إذا قال: يا كريم وغيره من الصفات.

فأما إذا قال: "يا هو" فكأنه استغرق في بحر العرفان وفني عما سوى الذات.

ومنها إذا قال: "يا هو" فكأنه يقول: أجلّ حضرتك أن أمدحك، وأثني عليك بسلب نقائص المخلوقات عنك وهي صفات الجلال نحو: لا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا في المحل، أو بإسناد كمالات الممكنات إليك وهي صفات الإكرام ككونه مرتباً للموجودات على النحو الأكمل، بل لا أمدحك ولا أثني عليك إلا بهويتك من حيث هي.

ومنها أن هذا الذكر يفيد أن المنادي بسيط محض لا طريق إلى تصوره إلا بالإشارة العقلية.

ومنها أن العبد كأنه دهش حتى ذهل عن كل ما يوصف به مالكه إلا عن هذه الإشارة.

ولاختصاص هذا الذكر بهذه الأسرار ذكر الغزالي لا إله إلا الله توحيد العوام، ولا إله إلا هو توحيد الخواص.

وذلك أن قوله "لا هو" معناه كل شيء هالك، وقوله "إلا هو" معناه إلا وجهه.

ومن جملة الأذكار الشريفة: يا هو يا من لا هو إلا هو، يا أزل يا أبد يا دهر يا ديهور يا من هو الحي الذي لا يموت.

ولقد لقنني بعض المشايخ من الذكر: يا هو يا من هو هو يا من لا هو إلا هو يا من لا هو بلا هو إلا هو.

فالأول فناء عما سوى الله، والثاني فناء في الله، والثالث فناء عما سوى الذات، والرابع فناء عن الفناء عما سوى الذات.

الحادي عشر في بقية مباحث الأسماء اختلفوا في أسماء الله  توقيفية أم لا.

فمال بعضهم إلى التوقيف لأنا نصف الله تعالى بكونه عالماً ولا نصفه بكونه طبيباً وفقيهاً ومستيقناً، فلولا أن أسماءه توقيفية لوصف بمثلها وإن كان على سبيل التجوز.

القائلون بعدم التوقيف احتجوا بأن أسماء الله  وصفاته مذكورة بالفارسية والتركية وأن شيئاً منها لم يرد في القرآن ولا في الأخبار، مع أن المسلمين أجمعوا على جواز إطلاقها.

والجواب أن عدم التوقيف في غير اللغة العربية لا يوجب عدمه في العربية، وبأن الله  قال: ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها  ﴾ وكل اسم دل على صفات الكمال ونعوت الجلال كان حسناً ويجوز إطلاقه.

والجواب أنه يجوز ولكن بعد التوقيف لم قلتم إنه ليس كذلك؟

والغزالي فرق بين اسم الذات وبين أسماء الصفات فمنع الأول وجوّز الثاني.

واعلم أنه قد ورد في القرآن ألفاظ دالة على معانٍ لا يمكن إثباتها بالحقيقة في حق الله  منها: الاستهزاء ﴿ الله يستهزئ بهم  ﴾ والاستهزاء مذموم لكونه جهلاً ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ .

ومنها المكر ﴿ ومكروا ومكر الله  ﴾ ومنها الغضب ﴿ وغضب الله عليهم  ﴾ ومنها التعجب ﴿ بل عجبت ويسخرون  ﴾ فيمن قرأ بضم التاء.

والتعجب حالة للقلب تعرض عند الجهل بسبب الشيء ومنها التكبر ﴿ الجبار المتكبر  ﴾ ومنها الحياء ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً  ﴾ والحياء تغير يعرض للقلب والوجه عند فعل شيء قبيح.

والقانون في تصحيح هذه الألفاظ أن يقال لكل واحدة من هذه الأحوال أمور توجد معها في البداية وآثار تصدر منها في النهاية مثاله: الغضب حالة تحصل في القلب عند غليان دمه وسخونة مزاجه، والأثر الحاصل منها في النهاية إيصال الضرر إلى المغضوب عليه.

فالغضب في حقه  محمول على الأثر الحاصل في النهاية لا الأمر الكائن في البداية، وقس على هذا.

قيل: إن لله  أربعة آلاف اسم، ألف منها في القرآن والأخبار، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور.

وقد يقال: ألف آخر في اللوح المحفوظ ولم يصل ذلك إلى البشر وهذا غير مستبعد، فإن أقسام صفات الله  بحسب السلوب والإضافات لا تكاد تنحصر، وكل من كان اطلاعه على آثار حكمة الله  في تدبير العالم العلوي والعالم السفلي أكثر كان اطلاعه على أسماء الله أكثر.

وإن قلنا: إن له بكل مخلوق اسماً وكذا بكل خاصية ومنفعة فيه كمنافع الأعضاء والحيوان والنبات والأحجار، خرجت الأسماء عن حيز العد والإحصاء كما قال عز من قائل: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ فإن قلت: إنا نرى في كتب العزائم أذكاراً غير معلومة ورقى غير مفهومة وقد تكون كتابتها أيضاً غير معلومة، فما بال تلك الأذكار والرقى؟

قلت: لا نشك أن تلك الكلمات إن لم تدل على شيء أصلاً لم تفد، وإن دلت فأحسن أحوال تلك الكلمات أن تكون شيئاً من هذه الأدعية.

ولا ريب أن الأذكار المعلومة أدخل في التأثير من قراءة تلك المجهولات، إلا أن أكثر الناس إذا قرأوا هذه الأذكار المعلومة ولم يكن لهم نفوس مشرقة تجذب بهم إلى عالم القدس ويلوح عليهم أثر الإلهيات، لم يكد يظهر عليهم شروق أنوارها ولهذا قد ورد "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه" نعوذ بالله من هذه الحالة.

أما إذا قرأوا تلك الألفاظ المجهولة ولم يفهموا منها شيئاً وحصلت عندهم أوهام أنها كلمات عالية، استولى الفزع والرعب على قلوبهم فيحصل لهم بهذا السبب نوع تجرد عن الجسمانيات وتوجه إلى الروحانيات فتتأثر نفوسهم وتؤثر، وهذا وجه مناسب في قراءة الرقى المجهولة.

واعلم أن بين الخلق وبين أسماء الله  مناسبات عجيبة، والنفوس مختلفة والجنسية علة الضم، فكل اسم يغلب معناه على بعض النفوس فإذا واظب صاحبه على ذلك الاسم كان انتفاعه به أسرع والله الموفق.

حكي أن الشيخ أبا النجيب البغدادي كان يأمر المريد بالأربعين مرة أو مرتين بقدر ما يرى مصلحته فيه، ثم يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين.

وكان ينظر إلى وجهه فإن رآه عديم التأثر عند قراءتها عليه قال له: اخرج إلى السوق واشتغل بمهمات الدنيا فإنك ما خلقت لهذا الطريق، وإن رآه تأثر مزيد تأثر عند سماع اسم خاص أمره بالمواظبة على ذلك الذكر وقال: إن أبواب المكاشفات تنفتح عليك من هذا الطريق.

وذلك أن الرياضة والمجاهدة لا تغلب النفوس عن أحوالها الفطرية، ولكنها تضعف بحيث لا تستولي على الإنسان ولهذا قال  "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" "الأرواح جنود مجندة" "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" فهذا تمام البحث عن مطلق الأسماء.

(الثاني عشر في الأبحاث المختصة باسم الله) المختار عند الخليل ومتابعيه وعند أكثر الأصوليين والفقهاء أن هذا اللفظ ليس بمشتق ألبتة، وأنه اسم علم له  وتعالى .

لأنه لو كان مشتقاً لكان معناه معنى كلياً لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه، وحينئذ لا يكون قولنا "إلا الله" موجباً للتوحيد المحض.

فلا يدخل الكافر بقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" في الإسلام كما لو قال: "أشهد أن لا إله إلا الرحمن" أو "إلا الملك" لا يدخل بذلك في الإسلام بالاتفاق.

وأيضاً الترتيب العقلي ذكر الذات ثم تعقيبه بالصفات نحو: زيد الفقيه الأصولي النحوي.

ثم إنا نقول: الله الرحمن الرحيم العالم القادر ولا نقول بالعكس، فدل ذلك على أن "الله" اسم علم.

وقراءة من قرأ ﴿ إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ بخفض اسم الله ليست لأجل أن جعله وصفاً وإنما هو للبيان، فوازنه وزان قولك: "مررت بالعالم الفاضل الكامل زيد".

وأيضاً قال  : { ﴿ هل تعلم له سمياً  ﴾ وليس المراد به الصفة والإلزام خلاف الواقع، فوجب أن يكون المراد اسم العلم وليس ذلك إلا الله.

حجة القائلين باشتقاقه قوله عز من قائل { ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض  ﴾ فإنه لا يجوز أن يقال هو زيد في البلد وإنما يقال هو العالم في البلد.

قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك جارياً مجرى قولك "هو زيد الذي لا نظير له في البلد"؟

قالوا: لما كانت الإشارة ممتنعة في حقه  ، كان اسم العلم له ممتنعاً.

وأيضاً العلم للتمييز ولا مشاركة فلا حاجة إلى التمييز.

قلنا: وضع العلم لتعيين الذات المعينة ولا حاجة فيه إلى الإشارة الحسية، ولا يتوقف على حصول الشركة، وكأن النزاع بين الفريقين لفظي، لأن القائلين بالاشتقاق متفقون على أن الإله مشتق من أله بالفتح إلاهة أي عبد عبادة، وأنه اسم جنس كالرجل والفرس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط والبيت على الكعبة والكتاب على كتاب سيبويه.

وأما "الله" بحذف الهمزة فمختص بالمعبود الحق لم يطلق على غيره.

وينبغي أن يكون المراد من كون الله  معبوداً كونه مستحقاً ومستأهلاً لأن يعبده كل من سواه كما يليق بحال العابد، فإن اللائق بحال المعبود لا يقدر عليه أحد من المخلوقات.

ولا يخفى أن الاستحقاق والاستئهال حاصل له أزلاً وأبداً، فيكون إلهاً أزلاً وأبداً وإن كل من سواه عابد له بقدر استعداده وعلى حسب حاله، حتى النبات والجماد والكافر والفاسق ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم  ﴾ ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا  ﴾ والعبد الصالح من يعبد الله  لذاته لا لغرض رغبة في الثواب ورهبة من العقاب، حتى لو فرض حصول المرغوب أو فقد المرهوب لم يكن عابداً، ومع ذلك فينبغي أن يقطع النظر عن عبادته أيضاً.

وقيل: اشتقاقه من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه.

فالنفوس لا تسكن إلا إليه  ، والعقول لا تقف إلا لديه، لأن الكمال محبوب لذاته ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا  ﴾ وقيل: من الوله وهو ذهاب العقل سواء فيه الواصلون إلى ساحل بحر العرفان والواقفون في ظلمات الجهالة وتيه الخذلان.

وقيل: من لاه ارتفع لأنه  ارتفع عن مشابهة الممكانات ومناسبة المحدثات.

وقيل: من أله في الشيء إذا تحير فيه، لأن العقل وقف بين إقدام على إثبات ذاته نظراً إلى وجود مصنوعاته، وبين تكذيب لنفسه لتعاليه عن ضبط وهمه وحسه، فلم يبق إلا أن يقر بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه الجلال والجمال، وههنا العجز عن درك الإدراك إدراك.

وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب، لأنه بكنه صمديته محتجب عن العقول.

فإنا إنما نستدلّ على كون الشعاع مستفاداً من الشمس بدورانه معها وجوداً وعدماً وشروقاً وأفولاً، ولو كانت الشمس ثابتة في كبد السماء لما حصل اطمئنان يكون الشعاع مستفاداً منها، ولما كان ذاته  باقياً على حاله وكذا الممكنات التابعة له، فربما يخطر ببال الضعفاء أن هذه الأشياء موجودة بذواتها فلا سبب لاحتجاب نوره إلا كمال ظهوره، فالحق محتجب والخلق محجوب.

وقيل: من أله الفصيل إذا ولع بأمه، لأن العباد مولعون بالتضرع إليه في البليات { ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه  ﴾ هذا شأن الناقصين، وأما الكاملون فهو جليسهم وأنيسهم أبداً.

شكا بعض المريدين كثرة الوسواس فقال الشيخ: كنت حدّاداً عشر سنين وقصاراً عشراً وبواباً عشراً.

فقيل: وكيف وما رأينا منك؟

قال: القلب كالحديد ألينه بنار الخوف عشراً، ثم شرعت في غسله عن الأوضار والأوزار عشراً، ثم وقفت على باب القلب عشراً أسل سيف "لا إله إلا الله" فلم أترك حتى يخرج منه حب غير الله ويدخل فيه حب الله، فلما خلت عرصة القلب من غيره وقويت فيه محبته سقطت من بحر عالم الجلال قطرة من النور فغرق القلب فبقي في تلك القطرة وفني عن الكل ولم يبق فيه إلا محض سر "لا إله إلا الله".

وقيل: من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به فألهه أي أجاره.

والمجير للخلائق من كره المضارّ هو الله ﴿ وهو يجير ولا يجار عليه ﴾ \[المؤمنون: 88\] ومن لطائف اسم الله أنك إذا لم تتلفظ بالهمزة بقي "الله" ﴿ ولله جنود السموات والأرض  ﴾ فإن تركت من هذه البقية اللام الأولى بقيت البقية على صورة "له" ﴿ له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وإن تركت اللام الباقية أيضاً بقي الهاء المضمومة من "هو" ﴿ قل هو الله أحد  ﴾ والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع هما هم.

هذا بحسب اللفظ، وأما بحسب المعنى فإذا دعوت الله به فكأنك دعوته بجميع الصفات بخلاف سائر الأسماء ولهذا صحت كلمة الشهادة به فقط والله  أعلم.

(الثالث عشر فيما يتعلق بالرحمن الرحيم) الرحمن فعلان من رحم، والرحيم فعيل منه واشتقاقه من الرحمة وهي ترك عقوبة من يستحقها أو إرادة الخير لأهله.

وأصله الرقة والتعطف ومنه الرحم لرقتها وانعطافها على ما فيها.

واختلف في منع صرف رحمن إذ ليس له مؤنث على فعلى كعطشى، ولا على فعلانة كندمانة، فمن شرط في منع صرف فعلان صفة وجود فعلي صرفه، ومن شرط فيه انتفاء فعلانة لم يصرفه، وإذا تساقط الدليلان للتعارض فللصرف وجه، وهو أن الأصل في الأسماء الصرف ولمنع الصرف وجه وهو القياس على أخوته من بابه نحو: عطشان وغرثان.

وزعم قوم أنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، وجمع بينهما للتأكيد والاتساع كقولهم جاد مجدّ قال طرفة.

متى أدن منه ينأ عني ويبعد *** وقال قوم: الرحمن أشد مبالغة استدلالاً بالزيادة في اللفظ على الزيادة في المعنى.

قالوا: ولهذا جاء رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، وربما يقال رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، وفي الآخرة اختصت بالمؤمنين.

فالرحمن خاص اللفظ عام المعنى والرحيم بالعكس.

أما خصوص الرحمن فمن حيث لا يسمى به إلا الله  لأنه من الصفات الغالبة كالدبران والعيوق، وأما عمومه فمن حيث إنه يشمل جميع الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع.

وأما عموم الرحيم فاشتراك تسمية الخلق به، وأما خصوصه فرجوعه إلى اللطف بالمؤمنين والتوفيق.

الضحاك: الرحمن بأهل السماء حيث أسكنهم السموات وطوقهم الطاعات وأنطق ألسنتهم بأنواع التسبيحات وجنبهم الآفات وقطع عنهم المطامع واللذات، والرحيم بأهل الأرض حيث أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب.

فقال عكرمة: الرحمن برحمة واحدة والرحيم بمائة رحمة كما قال  : " إن لله  مائة رحمة وإنه أنزل منها رحمة واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وأخر تسعاً وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة" قال ابن المبارك: الرحمن الذي إذا سئل أعطى، والرحيم الذي إذا لم يسأل غضب.

قال  : "من لم يسأل الله يغضب عليه" الرحمن بالنعماء وهي ما أعطى وحبا، والرحيم باللأواء وهي ما صرف وزوى.

الرحمن بالإنقاذ من النار ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها  ﴾ والرحيم بإدخالهم الجنان ﴿ ادخلوها بسلام آمنين ﴾ } [الحجر: 46] الرحمن الراحم القادر على كشف الضر، والرحيم الراحم وإن لم يقدر على كشف الضر.

وتسمية مسيلمة الكذاب بالرحمن تعنت منهم واقتطاع من أسماء الله تعالى.

قال عطاء: ولذلك قرنه الله  بالرحيم لأن هذا المجموع لم يسم غيره.

وإنما قدم الرحمن وهو الأعلى على الرحيم، والعادة التدرج من الأدنى إلى الأعلى، لأن الرحمن يتناول عظائم النعم وأصولها، فإردافه بالرحيم كالتتمة ليتناول ما دق منها ولطف.

واعلم أن الأشياء التي أنعم الله  بها على الخلق أربعة أقسام: الأول: ما يكون نافعاً وضرورياً معاً وذلك في الدنيا التنفس، فإنه لو انقطع لحظة واحدة مات، وفي الآخرة معرفة الله فإنها إذا زالت عن القلب لحظة واحدة مات القلب واستوجب عذاب الأبد.

الثاني: أن يكون نافعاً لا ضرورياً كالمال في الدنيا وكسائر العلوم والمعارف في الآخرة.

الثالث: أن يكون ضرورياً لا نافعاً كالآفات والعلل ولا نظير لهذا القسم في الآخرة الرابع: أن لا يكون نافعاً ولا ضرورياً كالفقر في الدنيا والعذاب في الآخرة.

وبالجملة فكل نعمة أو نقمة دنيوية أو أخروية فإنما تصل إلى العبد أو تندفع عنه برحمة الله  وفضله من غير شائبة غرض ولا ضميمة علة، لأنه الجواد المطلق والغني الذي لا يفتقر، فينبغي أن لا يرجى إلا رحمته ولا يخشى إلا عقابه.

(الرابع عشر في نكت شريفة).

الأولى: كل العلوم تندرج في الكتب الأربعة، وعلومها في القرآن، وعلوم القرآن في الفاتحة، وعلوم الفاتحة في "بسم الله الرحمن الرحيم"، وعلومها في الباء، من بسم الله، وذلك أن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب، وهذه الباء للإلصاق، فهو يوصل العبد إلى الرب وهو نهاية المطلب وأقصى الأمد.

وقيل: إنما وقع ابتداء كتاب الله  بالباء دون الألف، لأن الألف تطاول وترفع والباء انكسار وتساقط ومن تواضع لله رفعه الله.

الثانية: مرض موسى  واشتد وجع بطنه، فشكا إلى الله فدله على عشب في المفازة فأكله فعوفي بإذن الله، ثم عاوده ذلك المرض في وقت آخر فأكل ذلك العشب فازداد مرضه، فقال: يا رب أكلته أوّلاً فاشتفيت به وأكلته ثانياً فضرني.

فقال: لأنك في المرة الأولى ذهبت مني إلى الكلأ فحصل فيه الشفاء.

وفي الثانية: ذهبت منك إلى الكلأ فازداد المرض.

أما علمت أن الدنيا كلها سم وترياقها اسمي.

الثالثة: باتت رابعة ليلة في التهجد والصلاة، فلما انفجر الصبح نامت فدخل السارق دارها وأخذ ثيابها، وقصد الباب فلم يهتد إلى الباب فوضعها فوجد الباب، وفعل ذلك ثلاث مرات فنودي من زاوية البيت: ضع القماش واخرج فإن نام الحبيب فالسلطان يقظان.

الرابعة: كان بعض العارفين يرعى غنماً فحضر في غنمه الذئب ولا يضر أغنامه، فمر عليه رجل وناداه متى اصطلح الغنم والذئب؟

قال الراعي: من حين اصطلح الراعي مع الله.

الخامسة: روي أن فرعون قبل أن ادعى الألوهية قصد أو أمر أن يكتب باسم الله على بابه الخارج، فلما ادعى الألوهية وأرسل الله إليه موسى ودعا فلم ير به أثر الرشد قال: إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيراً، فقال  : يا موسى لعلك تريد إهلاكه، أنت تنظر إلى كفره وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه.

والنكتة أن من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج صار آمناً من الهلاك وإن كان كافراً، فالذي كتبه على سويداء قلبه من أول عمره إلى آخره كيف يكون حاله!؟

السادسة: سمى نفسه رحماناً ورحيماً فكيف لا يرحم؟

روي أن سائلاً وقف على باب رفيع فسأل شيئاً فأعطي قليلاً فجاء بفأس وأخذ يخرب الباب، فقيل له: لم تفعل؟

قال: إما أن تجعل الباب لائقاً بالعطية أو العطية لائقة بالباب.

إلهي كما أثبت في أول كتابك صفة رحمتك فلا تجعلنا محرومين من فضلك.

السابعة: إذا اشترى العبيد شيئاً من الدواب أو المتاع وضعوا عليه سمة الملك لئلا يطمع فيه العدوّ، فالله  يقول: عبدي عدوّك الشيطان فإذا شرعت في عمل وطاعة فاجعل عليها سمتي وقل: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

الثامنة: اجعل ذكر الله قرينك حتى لا تبعد عنه في أحوالك.

روي أن النبي  دفع خاتماً إلى أبي بكر وقال: اكتب فيه "لا إله إلا الله" فدفعه إلى النقاش وقال: اكتب فيه "لا إله إلا الله محمد رسول الله  " فكتب النقاش ذلك، فأتى أبو بكر بذلك الخاتم إلى النبي  فرأى النبي فيه "لا إله إلا الله محمد رسول الله  أبو بكر الصديق" فقال: يا أبا بكر ما هذه الزوائد؟

فقال: يا رسول الله ما رضيت أن أفرق اسمك من اسم الله فما رضي الله أن يفرق اسمي عن اسمك.

التاسعة: أن نوحاً  لما ركب السفينة قال: ﴿ بسم الله مجريها ومرساها  ﴾ فنجا بنصف هذه الكلمة، فما ظنك بمن واظب على الكلمة طول عمره كيف يبقى محروماً عن النجاة؟

العاشرة: الناس ثلاثة: سابق بالخيرات ومقتصد وظالم لنفسه.

فقال: الله للسابقين، الرحمن للمقتصدين، الرحيم للظالمين.

الله معطي العطاء، الرحمن المتجاوز عن زلات الأولياء، الرحيم الساتر لعيوب الأغنياء.

يعلم منك ما لو علمه أبواك لفارقاك، ولو علمت المرأة لجفتك، ولو علمت الأمة لأقدمت على الفرار، ولو علم الجار لسعى في تخريب الدار.

الله يوجب ولايته ﴿ الله ولي الذين آمنوا  ﴾ الرحمن يستدعي محبته ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا  ﴾ الرحيم يفيض رحمته ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً  ﴾ هو رحيم بهم في ستة مواضع: في القبر وحسراته، والقيامة وظلماته، وقراءة الكتب وفزعاته، والصراط ومخافاته، والنار ودركاته والجنة ودرجاته.

الحادية عشرة: مر عيسى  بقبر فرأى ملائكة العذاب يعذبون ميتاً، فلما انصرف من حاجته مر بالقبر فرأى ملائكة الرحمة معهم أطباق من نور.

فتعجب من ذلك فصلى ودعا الله فأوحى الله  إليه: يا عيسى، كان هذا العبد عاصياً وكان قد ترك امرأة حبلى فولدت وربت ولده حتى كبر فسلمته إلى الكتاب فلقنه المعلم "بسم الله الرحمن الرحيم" فاستحييت من عبدي أن أعذبه بناري في بطن الأرض وولده يذكر اسمي على ظهر الأرض.

الثانية عشرة: كتب عارف "بسم الله الرحمن الرحيم" وأوصى أن تجعل في كفنه.

فقيل له في ذلك؟

فقال: أقول يوم القيامة: إلهي بعثت كتاباً وجعلت عنوانه "بسم الله الرحمن الرحيم" فعاملني بعنوان كتابك.

الثالثة عشرة: "بسم الله الرحمن الرحيم" تسعة عشر حرفاً والزبانية تسعة عشر، فالله تعالى يدفع بليتهم بهذه الحروف التسعة عشر.

الرابعة عشرة: اليوم بليلته أربع وعشرون ساعة، ثم فرض خمس صلوات في خمس ساعات فبقي التسعة عشرة ساعة لا تستغرق بذكر الله  ، وهذه التسعة عشر حرفاً تقع كفارات للذنوب الواقعة في تلك التسع عشرة.

الخامسة عشرة: لما كانت سورة التوبة مشتملة على القتال والبراءة لم يكتب في أولها "بسم الله الرحمن الرحيم" وأيضاً السنة أن يقال عند الذبح: "بسم الله والله أكبر" ولا يقال: "بسم الله الرحمن الرحيم" فلما وفقك الله لذكر هذه الكلمات كل يوم سبع عشرة مرة في الصلوات المفروضة دل ذلك على أنه ما خلقك للقتل والعذاب وإنما خلقك للرحمة والثواب.

السادسة عشرة: قال  : "من رفع قرطاساً من الأرض فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالاً لله  كتب عند الله من الصدّيقين وخفف عن والديه وإن كانا من المشركين" وعن علي  قال: لما نزلت "بسم الله الرحمن الرحيم" قال رسول الله  : أول ما نزلت هذه الآية على آدم قال: أمن ذريتي من العذاب ما داموا على قراءتها، ثم رفعت فأنزلت على إبراهيم  فتلاها وهو في كفة المنجنيق فجعل الله عليه النار برداً وسلاماً، ثم رفعت بعده فما أنزلت إلا على سليمان وعندها قالت الملائكة: الآن تم والله ملكك، ثم رفعت فأنزلها الله  عليّ، ثم يأتي أمتي يوم القيامة وهم يقولون: "بسم الله الرحمن الرحيم" فإذا وضعت أعمالهم في الميزان ترجحت حسناتهم.

وعن أبي هريرة أنه  قال "يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: بسم الله الرحمن الرحيم فإن حفظتك لا يستريحون أن يكتبوا لك الحسنات حتى تفرغ، وإذا غشيت أهلك فقل: بسم الله الرحمن الرحيم فإن حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى تغتسل من الجنابة، فإن حصل من تلك المواقعة ولد كتبت لك من الحسنات بعدد نفس ذلك الولد وبعدد أنفاس أعقابه إن كان له عقب حتى لا يبقى منهم أحد.

يا أبا هريرة إذا ركبت دابة فقل: باسم الله والحمد لله يكتب لك الحسنات بعدد كل خطوة، وإذا ركبت سفينة فقل: باسم الله والحمد لله يكتب لك الحسنات حتى تخرج منها" وعن أنس أن رسول الله  قال: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا نزعوا ثيابهم أن يقولوا بسم الله الرحمن الرحيم" والإشارة فيه إذا صارهذا الاسم حجاباً بينك وبين أعدائك من الجن في الدنيا أفلا يصير حجاباً بينك وبين الزبانية في العقبى؟

كانت لنفسي أهواء مفرّقة *** فاستجمعت إذ رأتك النفس أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده *** وصرت مولى الورى مذ صرت مولاي تركت للناس دنياهم ودينهم *** شغلاً بذكرك يا ديني ودنيائي هذا تمام الكلام في تفسير البسملة.

وأما تفسير الفاتحة ففيه أيضاً مسائل: الأولى: في أسماء هذه السورة وهي كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى.

فالأول: فاتحة الكتاب سميت بذلك لأنه يفتتح بها في المصاحف وفي التعليم وفي القراءة في الصلاة، ولأن الحمد فاتحة كل كتاب كما هي فاتحة القرآن.

وقيل: لأنها أول سورة نزلت من السماء.

الثاني: سورة الحمد لأن أولها الحمد.

الثالث: أم الكتاب وأم القرآن لأنها أصل القرآن وأصل كل كتاب منزل لاشتمالها على الإلهيات والمعاد وإثبات القضاء والقدر والنبوات، أو لأن فيها حاصل جميع الكتب السماوية وذلك هو الثناء على الله والاشتغال بالخدمة والطاعة وطلب المكاشفات والمشاهدات، أو لأن المقصود من جميع العلوم معرفة عزة الربوبية وذلة العبودية، أو لأنها أفضل سور القرآن كما أن مكة وهي أم القرى أشرف البلدان، أو أصل لجميع البلدان حيث دحيت من تحتها، وكما أن الحمى سميت أم ملدم لأنهم جعلوها معظم الأوجاع واللدم الضرب.

الرابع: السبع المثاني لأنها سبع آيات ولأنها تثنى في كل صلاة، أو لأن نصفها ثناء العبد للرب والنصف الآخر إعطاء الرب العبد، أو لأنها مستثناة لهذه الأمة قال  : "والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة والإنجيل ولا في الزبور مثل هذه السورة وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم" أو لأنها نزلت مرتين، أو لأنها أثنية ومدائح لله  .

الخامس: الوافية لأنها تجب قراءة كلها ولا يجزئ بعضها في الصلاة.

السادس: الكافية قال  : "أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضاً عنها" السابع: الشفاء والشافية لقوله  "فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم" الثامن: الأساس لأنها أول سور القرآن فهي كالأساس، أو لأنها تشتمل على أساس العبادات والمطالب.

قال الشعبي: سمعت عبد الله بن عباس يقول: أساس الكتب القرآن، وأساس القرآن فاتحة الكتاب، وأساس الفاتحة "بسم الله الرحمن الرحيم" فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالأساس تشف بإذن الله  .

التاسع: الصلاة قال النبي  حكاية عن الله  : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" .

يعني الفاتحة وهو من باب تسمية الشيء بمعظم أركانه.

ومنه يعلم وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة.

العاشر: سورة تعليم المسألة لأن الله  علم عباده فيها آداب السؤال فبدأ بالثناء ثم بالإخلاص ثم بالدعاء.

الحادي عشر: سورة الكنز لما روي عن علي بن أبي طالب  أنه قال: نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش ولهذا قال أكثر العلماء: إنها مكية وخطؤا مجاهداً في قوله: إنها مدنية، وكيف لا؟

وقد صح عن النبي  في حديث أبي بن كعب أنها من أول ما نزل من القرآن وأنها السبع المثاني، وسورة الحجر مكية بلا خلاف وفيها قوله تعالى: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ ولا يسعنا القول بأن رسول الله  لبث بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب.

وقد جمع طائفة من العلماء بين القولين فقالوا إنها نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى، وعلى هذا فإنها لم تثبت في المصحف مرتين لأنه لم يقع التواتر على نزولها مرتين.

ومن فضائل هذه السورة أنه لم يوجد فيها الثاء وهو الثبور ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً  ﴾ والجيم وهو جهنم ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجمعين  ﴾ والخاء وهو الخزي ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ والزاء وهو الزفير والزقوم.

والشين وهو الشهيق ﴿ لهم فيها زفير وشهيق  ﴾ والظاء وهو لظى ﴿ كلا إنها لظى  ﴾ والفاء وهو الفراق ﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون  ﴾ فلما أسقط الله  من الفاتحة هذه الحروف الدالة على العذاب وهي بعدد أبواب جهنم لقوله  : ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم  ﴾ غلب على الظن أن من قرأ الفاتحة نجا من جهنم ودخول أبوابها وتخلص من دركات النار وعذابها.

الثانية: في المباحث اللفظية.

الحمد مبتدأ والله خبره أي الحمد ثابت لله.

وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله كقولهم شكراً وعجباً وسبحانك ومعاذ الله، فعدل إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى واستقراره نحو قوله  ﴿ قالوا سلاماً قال سلام  ﴾ ولهذا كان تحية إبراهيم  أحسن من تحيتهم كما جاء ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها  ﴾ ومما يدل على أن أصله النصب أن قوله ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ بيان لحمدهم فكأنه قيل: كيف يحمدون؟

فقيل: إياك نعبد.

والأصل توافق الجملتين.

واللام في "الحمد" لتعريف الجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو والاستغراق وهم لأنه لو سلم كونه اللام للاستغراق فحمد أبويه مثلاً لا يدخل فيه.

وأيضاً نحو نحمد الله لا يفهم منه إلا حقيقة الحمد من حيث هي فكذا ما ناب منابه وهو الحمد لله.

وقرأ بعضهم بكسر الدال إتباعاً، وبعضهم بضم اللام.

الرب المالك، ربه يربه فهو رب، أو مصدر وصف به للمبالغة كالعدل.

وهو مطلقاً مختص بالله  ، ومضافاً يجوز إطلاقه على غيره نحو: رب الدار ﴿ ارجع إلى ربك  ﴾ وقرئ بالنصب على المدح أو بتقدير نحمد.

والعالم اسم موضوع للجمع كالأنام والرهط، وهو ما يعقل من الملائكة والثقلين قاله ابن عباس والأكثرون.

وقيل: كل ما علم به الخالق من الجواهر والأعراض كقوله  ﴿ قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما  ﴾ فعلى الأول مشتق من العلم وخصوا بالذكر للتغليب، وعلى الثاني من العلامة وجمع ليشمل كل جنس مما سمي به، وجمع بالواو والنون تغليباً لما فيه من صفات العقلاء.

﴿ مالك يوم الدين ﴾ صفة أخرى.

واليوم هو المدة من طلوع نصف جرم الشمس إلى غروب نصف جرمها، أو من ابتداء طلوعها إلى غروب كلها، أو من طلوع الفجر الثاني إلى غروبها، وهذا في عرف الشرع.

ويراد به في الآية الوقت لعدم الشمس ثمة.

والدين الجزاء بالخير والشر "كما تدين تدان" وإضافة اسم الفاعل إلى الظرف اتساع وإجراء للظرف مجرى المفعول به مثل: يا سارق الليلة أهل الدار.

وإنما أفادت التعريف حتى جاز وقوعه صفة للمعرفة لأنه إما بمعنى الماضي نحو ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم  ﴾ أو بمعنى الاستمرار نحو: زيد مالك العبيد.

فيكون بمعنى من يملك المفيد للاستمرار نحو: فلان يعطي ويمنع.

وحينئذ لا تعمل، فتكون الإضافة حقيقية، وقرئ بنصب الكاف ورفعها مدحاً، وبسكون اللام مخفف ملك مكسور اللام وبجعله فعلاً ماضياً ونصب يوم و مليك رفعاً ونصباً وجراً.

"إيا" ضمير منصوب منفصل ولا محل لكاف الخطاب نحو "أرأيتك" وهو مذهب الأخفش والمحققين وحكاية الخليل "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب" شاذ.

والأصل نعبدك ونستعينك، فلما قدم الضمير المتصل للاختصاص صار منفصلاً.

وقرئ إياك بتخفيف الياء، وأياك بفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء، قال طفيل: فهياك والأمر الذي إن تراحبت *** موارده ضاقت عليك مصادره فإن قيل: لم عدل عن الغيبة إلى الخطاب؟

قلنا: هذا يسمى الالتفات في علم البيان وذلك على عادة افتنانهم في الكلام والتنقل من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع.

وقد يختص مواقعه بفوائد وسننظم لك في سلك التقرير فائدته في هذا الموضع.

والعبادة أقصى غاية الخضوع.

طريق معبد أي مذلل، وثوب ذو عبدة في غاية الصفاقة وقوة النسج هدى يتعدى باللام أو بإلى ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  ﴾ ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم  ﴾ فعومل معاملة اختار في قوله  ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ والأصل فيه الإمالة ومنه ﴿ إنا هدنا إليك  ﴾ أي ملنا والهدية لأنها تمال من ملك إلى ملك والهدي للذي يساق إلى الحرم أي أمل قلوبنا إلى الحق.

والصراط الجادة، وأصله السين من سرط الشيء ابتلعه لأنه يسرط السابلة إذا سلكوه كما سمي لقماً لأنه يلتقمهم، ومثله مسيطر ومصيطر.

والصراط يذكر ويؤنث كالطريق والسبيل و ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ بدل الكل من ﴿ الصراط المستقيم ﴾ وفائدته التوكيد كقولك: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان؟

ويكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك بينت ذكره مجملاً أوّلاً ومفصلاً ثانياً.

وقراءة ابن مسعود ﴿ صراط من أنعمت عليهم وغير المغضوب ﴾ بدل من "الذين" أو صفة.

وإنما جاز وقوعه صفة للمعرفة لأنه تعريف الذين كلاً تعريف كقوله: "ولقد أمر على اللئيم يسبني".

أو لأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم فهو كقولك: عليك بالحركة غير السكون ويجوز أن يكون بدلاً وإن كان نكرة من معرفة ولا نعت للإفادة.

والفرق بين عليهم الأولى والثانية، أن الأولى محلها النصب على المفعولية، والثانية محلها الرفع على أنها مفعول أقيم مقام الفاعل.

وأصل النعمة المبالغة والزيادة يقال: دققت الدواء فأنعمت دقه أي بالغت في دقه.

وكل ما في القرآن من ذكر النعمة بكسر النون فهي المنة والعطية.

والنعمة بفتح النون التنعم وسعة العيش ﴿ ونعمة كانوا فيها فاكهين  ﴾ والغضب في اللغة الشدة وقد عرفت معناه بحسب إطلاقه على الخلق وعلى الخالق.

وأصل الضلال الغيبوبة ضل الماء في اللبن إذا غاب فيه، وضل الكافر غاب عن الحق.

قال  : ﴿ أئذا ضللنا في الأرض  ﴾ و "غير" ههنا بمعنى "لا" و "لا" بمعنى "غير" ولذلك جاز عطف أحدهما على الآخر.

تقول: أنا زيداً غير ضارب كما تقول: أنا زيداً لا ضارب.

ويعضده ما قرئ وغير الضالين وقرأ أيوب السختياني ولا الضألين بالهمزة كما قرأ عمرو بن عبيد ﴿ ولا جأنّ ﴾ وآمين مداً وقصراً معناه استجب، كما أن رويد معناه أمهل.

وعن ابن عباس عن رسول الله  معناه إفعل.

(الثالث في المباحث الفقهية).

البحث الأول: أجمع الأكثرون ومنهم الشافعي على أن قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة وإن ترك منها حرفا واحداً وهو يحسنها لم تصح صلاته.

وعند أبي حنيفة قراءتها غير واجبة لنا أنه  واظب طول عمره على قراءتها في الصلاة فتجب علينا لقوله  ﴿ فاتبعوه  ﴾ وأيضاً أقيموا الصلاة معناه الصلاة التي أتى بها الرسول  ، لكنه كان يقرأ الفاتحة فيها فتجب.

وأيضاً روي في ذلك أخبار كثيرة مثل "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" " كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" وروى رفاعة بن مالك "أن رجلاً دخل المسجد وصلى، فلما فرغ من صلاته وذكر الخبر إلى أن قال الرجل: علمني الصلاة يا رسول الله.

فقال  : إذا توجهت إلى القبلة فكبر واقرأ بفاتحة الكتاب" ، وظاهر الأمر للوجوب ولا سيما في معرض التعليم.

وأيضاً الخلفاء الراشدون واظبوا على قراءتها طول العمر وقال  : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" وأيضاً المواظبة على قراءة الفاتحة توجب هجران سائر السور وذلك غير جائز إن لم تكن واجبة فثبت أنها واجبة.

حجة أبي حنيفة ﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن  ﴾ قلنا: الفاتحة هي المتيسرة المحفوظة على جميع الألسنة.

ثم قال: إذا قرأ آية واحدة كفت مثل ﴿ الم ﴾ أو ﴿ حم  ﴾ ﴿ والطور  ﴾ و ﴿ مدهامتان  ﴾ .

أبو يوسف ومحمد: لا بد من قراءة ثلاث آيات أو آية واحدة طويلة مثل آية الدين.

البحث الثاني: قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك وهو مذهب أبي حنيفة ومن تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة.

وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من كل سورة وعليه الشافعي وأصحابه لما روي عن أم سلمة  ا أنها قالت: قرأ رسول الله  فاتحة الكتاب فعد ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ آية، ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ آية، ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ آية، ﴿ مالك يوم الدين ﴾ آية، ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ آية، ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ آية ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ آية.

وعن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم" وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله  ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟

فقلت: بلى فقال: بأي شيء تفتتح القرآن إذ افتتحت الصلاة؟

قلت: ببسم الله الرحمن الرحيم.

قال: هي هي.

وبإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي  قال له: كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟

قال: أقول "الحمد لله" قال: قل "بسم الله الرحمن الرحيم" وبإسناده عن علي بن أبي طالب أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص في صلاته وبإسناده عن ابن عباس في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ قال: فاتحة الكتاب.

فقيل لابن عباس: فأين السابع؟

فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم".

وعن أبي هريرة أن النبي  قال: يقول الله  "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين.

فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله: مجدني عبدي وإذا قال: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله: أثنى عليّ عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين قال الله: فوّض إلي عبدي وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال الله: هذا بيني وبين عبدي وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" إلى غير ذلك من الأخبار.

وأيضاً التسمية مكتوبة بخط القرآن في مصاحف السلف مع توصيتهم بتجريد القرآن عما ليس منه ولذلك لم يثبتوا "آمين".

وأيضاً قال  لأبي بن كعب: ما أعظم آية في كتاب الله؟

قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فصدّقه النبي  .

ومعلوم أنها ليست آية تامة في قوله ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم  ﴾ فتكون آية في غير هذا الموضع.

وأيضاً إن أكثر الأنبياء أوجبوا على أنفسهم الابتداء بذكر الله قال نوح عند ركوب السفينة: ﴿ باسم الله مجريها ومرساها  ﴾ وكتب سليمان إلى بلقيس "بسم الله الرحمن الرحيم" وقوله ﴿ إنه من سليمان ﴾ من قول بلقيس قبل فتح الكتاب، فلما فتحت الكتاب قرأت التسمية فقالت: وإنه ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ولما ثبت الابتداء بالتسمية في حقهم ثبت في حق نبينا أيضاً { ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده  ﴾ وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل "بسم الله الرحمن الرحيم".

وعن ابن عمر قال: نزلت "بسم الله الرحمن الرحيم" في كل سورة.

وأيضاً البسملة من القرآن في النمل ثم إنا نراه مكرراً بخط القرآن فوجب أن نعتقد كونه من القرآن مثل ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ } [الرحمن: 13] ﴿ ويل يومئذ للمكذبين  ﴾ حجة المخالف خبر أبي هريرة أيضاً في رواية أخرى قال: "يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي" إلى آخره.

قال: لم يذكر التسمية، ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها.

قلنا: إذا تعارضت الروايتان فالترجيح للمثبت لا للنافي.

قالوا: التنصيف إنما يحصل إذا لم تعد التسمية آية حتى يحصل للرب ثلاث آيات ونصف وللعبد ثلاث ونصف من "إياك نستعين" إلى آخر السورة.

أما إذا قلنا التسمية آية صار القسم الأول أربع آيات ونصفاً فينخرم التنصيف.

قلنا: نحن نعد التسمية آية ولا نعد "أنعمت عليهم" وهذا أولى رعاية لتشابه المقاطع، ولأن غير صفة أو بدل ويختل الكلام بجعله منقطعاً عما قبله لأن طلب الاهتداء بصراط المنعم عليهم لا يجوز إلا بشرط كون المنعم عليه غير مغضوب عليه ولا ضالاً بدليل قوله  : ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ } [إبراهيم: 28] فهذا المجموع كلام واحد، وهذا بخلاف ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ فإنا لو قطعنا النظر عن الصفة كان الكلام مع الموصوف غير مختل النظام.

قالوا: روت عائشة أن النبي  كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين.

قلنا: قال الشافعي: لعل عائشة جعلت ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ اسماً لهذه السورة كما يقال قرأ فلان "الحمد لله الذي خلق السموات والأرض".

قالوا: لو كانت من الفاتحة لزم التكرار في ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ قلنا: التكرار للتأكيد غير عزيز في القرآن.

فإن قيل: إذا عد التسمية آية من كل سورة على ما يروى عن ابن عباس، فمن تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله.

فما وجه ما روي عن أبي هريرة أن النبي  قال في سورة الملك: إنها ثلاثون آية وفي الكوثر إنها ثلاث آيات مع أن العدد حاصل بدون التسمية؟

قلنا: إما أن تعد التسمية مع ما بعدها آية وذلك غير بعيد، ألا ترى أن قوله "الحمد لله رب العالمين" آية تامة، وفي قوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ بعض آية؟

وإما أن يراد ما هو خاصة الكوثر ثلاث آيات، فإن التسمية كالشيء المشترك فيه بين السور.

البحث الثالث: عن أحمد بن حنبل أن التسمية آية من الفاتحة، ويسرّ بها في كل ركعة.

أبو حنيفة: ليست بآية ويسر بها.

مالك: لا ينبغي أن يقرأها في المكتوبة لا سراً ولا جهراً.

الشافعي: آية ويجهر بها لأنها بعد ما ثبت كونها من الفاتحة والقرآن لا يعقل فرق بينها وبين باقي الفاتحة حتى يسر بهذه ويجهر بذلك.

وأيضاً إنه ثناء على الله وذكر له فوجب أن يكون الإعلان به مشروعاً لقوله عز من قائل ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً  ﴾ وأيضاً الإخفاء والسر إنما يليق بما فيه نقيصة ومثلبة لا بما فيه مفخرة وفضيلة.

قال  : "طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر الله" وكان علي بن أبي طالب يقول: يا من ذكره شرف للذاكرين.

وكان مذهبه الجهر بها في جميع الصلوات، وقد ثبت هذا منه تواتراً ومن اقتدى به لن يضل.

قال  : "اللهم أدر الحق معه حيث دار" وروى البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة قال: كان رسول الله  يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم.

وروي عن عمر وابنه وابن عباس وابن الزبير مثل ذلك، وروى الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية سرقت من الصلاة أين "بسم الله الرحمن الرحيم" أين التكبير عند الركوع والسجود؟

ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير.

قال: وكان معاوية شديد الشكيمة ذا شوكة، فلولا أن الجهر بالتسمية كان مقرراً عند كل الصحابة لم يجسروا على ذلك حجة المخالف ما روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: صليت خلف رسول الله  وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.

وفي رواية ولم أسمع أحداً منهم قال: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ وفي رواية ولم يجهر أحد منهم ببسم الله الرحمن الرحيم.

وعن عبد الله بن المغفل أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فقال: أي بني، إياك والحدث في الإسلام!

وقد صليت خلف أبي بكر فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وصليت خلف عمر فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وصليت خلف عثمان فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فإذا صليت فقل" ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

والجواب أن حديث أنس معارض بما يروى عنه أيضاً أن معاوية لما ترك التسمية في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار.

وروى أيضاً أبو قلابة عن أنس أن رسول الله  وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم.

ويروى أيضاً أنه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والإسرار به فقال: لا أدري هذه المسألة، وإذا اضطربت الروايات عنه وجب الرجوع إلى سائر الدلائل.

وأيضاً ففيها تهمة أخرى وهي أن علياً  كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما كان زمن بني أمية بالغوا في المنع من الجهر سعياً في إبطال آثار علي بن أبي طالب، فلعل أنساً خاف منهم فلهذا اضطربت أقواله.

وأيضاً من المعلوم أن النبي  كان يقدم أولى الأحلام والنهي والأكابر والعلماء على غيرهم، ولا شك أن علياً وابن عباس وابن عمر كانوا أعلى حالاً من أنس وابن المغفل وأقرب موقفاً، وأنه  ما كان يبالغ في الجهر لقوله  ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً  ﴾ فلهذا لم يسمعا.

ورواية المثبت أولى من رواية النافي، والدلائل العقلية معنا ويؤيدها عمل علي بن أبي طالب كما مر.

البحث الرابع: تقديم التسمية على الوضوء سنة عند عامة العلماء وليست بواجبة خلافاً لبعض أهل الظاهر حيث قالوا: لو تركها عمداً أو سهواً لم تصح صلاته لنا قوله  "توضأ كما أمرك الله" والتسمية غير مذكورة في آية الوضوء.

والصحيح عندنا أن الجنب والحائض لا يقولها بقصد القراءة، والتسمية عند الذبح وعند الرمي إلى الصيد وعند إرسال الكلب مستحبة، فلو تركها عامداً أو ناسياً، لم تحرم الذبيحة عند الشافعي ولكن تركها عمداً مكروه، وعند أبي حنيفة إن ترك التسمية عمداً لم يحل، وإن نسي حل.

والعلماء أجمعوا على أنه يستحب أن لا يشرع في عمل من الأعمال إلا أن يقول: باسم الله، فإذا نام قال باسم الله، وإذا انتبه قال: باسم الله، وإذا قام من المقام قال: باسم الله، وإذا أكل أو شرب قال: باسم الله، وإذا أعطى أو أخذ قال: باسم الله، ويستحب للقابلة إذا أخذت الولد من الأم أن تقول باسم الله وهذا أول أحواله من الدنيا وإذا مات وأدخل القبر قيل باسم الله وهذا آخر أحواله من الدنيا، وإذا قام من القبر قال: باسم الله، وإذا حضر الموقف قال: باسم الله، فلا جرم يدخل الجنة ببركة اسم الله.

البحث الخامس: قال الشافعي: ترجمة القرآن لا تكفي في صحة الصلاة لا في حق من يحسن القراءة ولا في حق من لا يحسنها.

وقال أبو حنيفة: إنها كافية في حق القادر والعاجز.

وقال أبو يوسف ومحمد: كافية في حق العاجز لا القادر لنا أنه  والخلفاء من بعده وجميع الصحابة ما قرأوا في الصلاة إلا هذا القرآن العربي فوجب علينا اتباعهم، وكيف يجوّز عاقل قيام الترجمة بأي لغة كانت وهي كلام البشر مقام كلام خالق القوى والقدر؟

وقالوا: وروي عن عبدالله بن مسعود أنه كان يعلم رجلاً أن شجرة الزقوم طعام الأثيم والرجل لا يحسنه.

فقال: قل طعام الفاجر، ثم قال عبدالله: ليس الخطأ في القرآن أن تقرأ مكان العليم الحكيم إنما الخطأ بأن تضع آية الرحمة مكان آية العذاب.

قلنا: الظن بابن مسعود غير ذلك.

قالوا ﴿ وإنه لفي زبر الأولين  ﴾ ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى  ﴾ ولا ريب أن القرآن بهذا اللفظ ما كان في زبر الأولين لكن بالعبرية والسريانية.

قلنا إن القصص والمواعظ موجودة لا باللفظ بل بالمعنى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الموجود فيها قرآناً، فإن النظم المعجز جزء من ماهية القرآن والكل بدون الجزء مستحيل.

البحث السادس: الشافعي في القول الجديد قال: تجب قراءة الفاتحة على المقتدي سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها.

وفي القديم: تجب إذا أسر الإمام ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك وأحمد أبو حنيفة: تكره القراءة خلف الإمام بكل حال لنا قوله  { ﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن  ﴾ وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" يشمل المنفرد والمقتدي، وأيضاً روى الترمذي في جامعه بإسناده عن عبادة بن الصامت "أن النبي  صلى الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف  قال: إني أراكم تقرأون خلف إمامكم قلنا: أي والله، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها" قال: وهذا حديث حسن.

وأيضاً قراءتها لا تبطل الصلاة عندهم ولكن يجوّزون تركها ويبطلها عدم القراءة عندنا، فالأحوط قراءتها.

احتج المخالف بقوله  ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا  ﴾ وبأخبار بين ضعفها البيهقي في كتابه، ونحن نقول: أما القرآن فمخصوص بغير الفاتحة لما مر، وأما الأخبار فهب أنها صحيحة إلا أن الترجيح معنا لأن الاشتغال بقراءة القرآن من أعظم الطاعات ولأنه أحوط.

البحث السابع: مذهب الشافعي أن الفاتحة واجبة في كل ركعة فإن تركها في ركعة بطلت صلاته، وبه قال أبو بكر وعمر وعلي عليهم السلام وابن مسعود ومعظم الصحابة، لأنه  كان يقرأوها في كل ركعة، ولأنه قال للأعرابي الذي علمه الصلاة وكذلك فأفعل في كل ركعة.

"وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: أمرنا النبي  أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة فريضة كانت أو نافلة" وأيضاً القراءة في كل ركعة أحوط فيجب المصير إليها.

وقيل: غير واجبة أصلاً، وقيل: تجب في كل صلاة في ركعة واحدة فقط وبه يحصل امتثال قوله "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وعند أبي حنيفة القراءة تجب في الركعتين الأوليين لقول عائشة: فرضت الصلاة في الأصل ركعتين فأقرّت في السفر وزيدت في الحضر.

فهما أصل والزائد تبع.

قلنا: ما ذكرنا أحوط، وقيل: تجب الفاتحة في الأوليين وتكره في الآخرتين.

وعند مالك تجب في أكثر الركعات، ففي الثنائية فيهما وفي الثلاثية في اثنتين وفي الرباعية في ثلاث.

البحث الثامن: إذا ثبت أن القراءة شرط في الصلاة فلو تركها أو حرفاً من حروفها عمداً بطلت صلاته وكذا سهواً على الجديد.

وما روي أن عمر بن الخطاب صلى المغرب فترك القراءة فقيل له: تركت القراءة.

قال: كيف كان الركوع والسجود؟

قالوا: حسناً.

قال: فلا بأس، معارض بما روى الشعبي عنه أنه أعاد الصلاة.

وأيضاً لعله ترك الجهر بالقراءة لا نفس القراءة.

البحث التاسع: يجب رعاية الترتيب في أجزاء الفاتحة وما وقع غير مرتب فغير محسوب.

البحث العاشر: إن لم يحفظ شيئاً من الفاتحة قرأ بقدرها من غيرها من القرآن، ثم من ذكر من الأذكار، ثم عليه مثل وقفة بقدرها فإن تعلم قرأ ما لم يفرغ منه.

البحث الحادي عشر: نقل عن ابن مسعود أنه كان ينكر أن تكون الفاتحة والمعوذتان من جملة القرآن والظن به أن هذا النقل عنه كذب وإلا فجحد المتواتر كيف يليق بحاله؟

الرابع فيما يختص بتفسير الحمد لله من الفوائد.

الفائدة الأولى في الفرق بين الحمد والمدح والشكر.

المدح للحي ولغير الحي كاللؤلؤة والياقوتة الثمينة، والحمد للحي فقط.

والمدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده، والحمد إنما يكون بعد الإحسان.

والمدح قد يكون منهياً عنه قال  : "احثوا التراب في وجوه المداحين" والحمد مأمور به مطلقاً قال  : "من لم يحمد الناس لم يحمد الله" والمدح عبارة عن القول الدال على أنه مختص بنوع من أنواع الفضائل باختياره وبغير اختياره، والحمد قول دال على أنه مختص بفضيلة اختيارية معينة وهي فضيلة الإنعام إليك وإلى غيرك، ولا بد أن يكون على جهة التفضيل لا على سبيل التهكم والاستهزاء، والشكر على النعمة الواصلة إليك خاصة وهو باللسان، وقد يكون بالقلب والجوارح قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجبا والحمد باللسان وحده فهو إحدى شعب الشكر ومنه قوله  "الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده" وإنما جعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها وأدل على مكانها من الاعتقاد وأداء الجوارح لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي.

والحمد نقيضه الذم ولهذا قيل: الشعير يؤكل ويذم.

والمدح نقيضه الهجاء، والشكر نقيضه الكفران، إذا عرفت ذلك فنقول: إذا قال المدح لله لم يدل ذلك على كونه  فاعلاً مختاراً لما مر أن المدح قد يكون لغير المختار.

ولو قال: الشكر لله كان ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل.

وإذا قال: الحمد لله فكأنه يقول سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين وأنت مستحق للحمد العظيم، ولا ريب أن هذا أولى.

وقيل: الحمد لله على ما دفع من البلاء، فكأنه يقول: أنا شاكر لأدنى النعمتين فكيف بأعلاهما؟

ويمكن أن يقال: إن المنع غير متناه والإعطاء متناه، والابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له أولى، وأيضاً دفع الضرر أهم من جلب النفع فتقديمه أحرى.

الثانية: لو قال: أحمد الله أفاد كون ذلك القائل على حمده، وإذا قال: الحمد لله أفاد أنه كان محموداً قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين.

وأيضاً الحمد لله معناه أن مطلق الحمد والثناء حق لله وملكه كما ينبئ عنه اللام الجنسية واللام الجارة وذلك بسبب كثرة إيلائه أنواع آلائه على عبيده وإمائه.

ولا يخفى أن هذا أولى من أن يحمده شخص واحد فقط، ولهذا لو سئلت هل حصل لفلان عليك نعمة؟

فإن قلت نعم فقد حمدته ولكن حمداً ضعيفاً، ولو قلت في الجواب بل نعمه على كل الخلائق كان أكمل.

فإن قيل: أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه؟

فالأستاذ يستحق الحمد من التلميذ، والسلطان العادل يستحق الحمد من الرعية، وقال  : "من لم يحمد الناس لم يحمد الله" قلنا: المنعم في الحقيقة هو الله لأنه خلق تلك الداعية في ذلك المنعم بعد أن خلق تلك النعمة وسلط المنعم عليها ومكن المنعم عليه من الانتفاع وأمنه من فوات الانقطاع، ولهذا قال عز من قائل ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله  ﴾ وأيضاً كل مخلوق ينعم على غيره فإنه يطلب بذلك الإنعام عوضاً إما ثواباً أو ثناء، أو تحصيل خلق أو تخلصاً من رذيلة البخل.

وطالب العوض لا يكون منعماً ولا مستحقاً للحمد في الحقيقة، أما الله  فإنه كامل لذاته والكامل لذاته لا يطلب الكمال، لأن تحصيل الحاصل محال فكان عطاؤه جوداً محضاً، فثبت أن لا مستحق للحمد إلا الله  .

الثالثة: إنما لم يقل "احمدوا الله" لأن الإنسان عاجز عن الإتيان بحمد الله وشكره فلم يحسن أن يكلف فوق ما يستطيعه، وذلك أن نعم الله على العباد غير محصورة ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وإذا امتنع الوقوف عليها امتنع اقتداره على الشكر والثناء اللائق بها.

وأيضاً إنما يمكنه القيام بحمد الله وشكره إذا أقدره الله على ذلك الحمد والشكر وخلق في قلبه داعية ذلك وأزال عنه العوائق والصوارف، وكل ذلك إنعام من الله فيتسلسل.

وأيضاً الاشتغال بالحمد والشكر معناه أن المنعم عليه يقابل إنعام المنعم بشكر نفسه، ومن اعتقد أن حمده وشكره يساوي نعمة الله فقد أشرك، وهذا معنى قول الواسطي "الشكر شرك" أما إذا قال: "الحمد لله" فالمعنى أن كمال الحمد حقه وملكه سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا.

ونقل أن داود  قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك لا يتم إلا بإنعامك علي وهو أن توفقني لذلك الشكر؟

فقال: يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك.

الرابعة: عن النبي  "إذا أنعم الله على عبد فقال: الحمد لله يقول الله  : انظروا إلى عبدي أعطيته ما لا قدر له فأعطاني ما لا قيمة له " ومعناه أن ما أنعم الله على العبد شيء واحد، وإذا قال: الحمد لك فمعناه المحامد التي أتى بها الأولون والآخرون من الملائكة والثقلين لله  ، وكذا المحامد التي سيذكرونها إلى وقت قوله  ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيّتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ وإلى أبد الآبدين ودهر الداهرين فالمنعم به متناه والحمد غير متناه، وإذا أسقط المتناهي من غير المتناهي بقي غير المتناهي.

فالذي بقي للعبد طاعات غير متناهية فلا بد من مقابلتها بنعم غير متناهية، فلهذا يستحق العبد الثواب الأبدي والخير السرمدي.

الخامسة: لا شك أن الوجود خير من العدم، وأن وجود كل ما سوى الله فإنه حصل بإيجاد الله وجوده، فإنعام الله  واصل إلى كل من سواه، فإذا قال العبد: "الحمد لله" فكأنه قال: الحمد لله على كل مخلوق خلقه، وعلى كل محدث أحدثه من نور وظلمة وسكون وحركة وعرش وكرسي وجني وإنسي وذات وصفة وجسم وعرض من أزل الآزال إلى أبد الآباد، وأنا أشهد أنها بأسرها لك لا شركة لأحد فيها معك.

السادسة: التسبيح مقدم على التحميد لأنه يقال: سبحان الله والحمد لله.

فما السبب في وقع البداءة بالتحميد؟

والجواب أن التسبيح داخل في التحميد دون العكس، فإن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص، والتحميد يدل على كونه محسناً إلى العباد، ولا يكون محسناً إليهم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات ليعلم مواقع الحاجات وإلا إذا كان قادراً على المقدورات ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه، وإلا إذا كان غنياً في نفسه وإلا شغله حاجة نفسه عن حاجة غيره، فثبت أن كونه محسناً لا يتم إلا بعد كونه منزهاً عن النقائص والآفات.

السابعة: الحمد له تعلق بالماضي وهو وقوعه شكراً على النعم السابقة، وتعلق بالمستقبل وهو اقتضاء تجدد النعم لقوله  ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم  ﴾ فبالأول يغلق عنك أبواب النيران، وبالثاني يفتح لك أبواب الجنان، فإن الحمد لله ثمانية أحرف بعدد أبواب الجنة.

الثامنة: الحمد لله كلمة جليلة لكنه يجب أن تذكر في موضعها ليحصل المقصود.

قال السري: منذ ثلاثين سنة أستغفر الله لقولي مرة واحدة الحمد لله.

وذلك أنه وقع الحريق في بغداد وأحرقت دكاكين الناس فأخبرني واحد أن دكاني لم يحترق فقلت: الحمد لله.

وكان من حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك، فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة.

فالحمد على نعم الدين أفضل من الحمد على نعم الدنيا، والحمد على أعمال القلوب أولى من الحمد على أعمال الجوارح، والحمد على النعم من حيث إنها عطية المنعم أولى من الحمد عليها من حيث هي نعم، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يقع الحمد في موضعه اللائق به.

التاسعة: أول ما بلغ الروح إلى سرة آدم عطس فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وآخر دعوى أهل الجنة ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

ففاتحة العالم مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد، فاجتهد أن يكون أول أعمالك وآخرك مقروناً بكلمة الحمد.

العاشرة: لا يحسن عندنا أن يقدّر قولوا: "الحمد لله" لأن الإضمار خلاف القياس، ولأن الوالد إذا قال لولده: أعمل كذا وكذا فلم يمتثل كان عاقاً، فالأولى أن يقول الأمر الفلاني ينبغي أن يفعل.

ثم إن كان الولد باراً فإنه يجيبه ويطيعه وإن كان عاقاً كان إثمه أقل، فكذلك إذا قال: الحمد لله فمن كان مطيعاً حمده ومن كان عاصياً كان إثمه أقل، بخلاف ما لو قدر "قولوا الحمد لله".

الحادية عشرة: شنعت الجبرية على المعتزلة ومن يجري مجراهم بأنكم تثبتون للعبد فعلاً واختياراً، واستحقاق الحمد إنما يكون على أشرف النعم وهو الإيمان، فلو كان الإيمان بفعل العبد لكان المستحق للحمد هو العبد.

والجواب أن الإيمان باختيار العبد لكن الاختيار أيضاً مستند إلى الله  فاستحق الحمد لذلك.

وشنعت المعتزلة على الجبرية بأن قوله "الحمد لله" لا يتم إلا على مذهبنا لأن المستحق للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبح في فعله ولا جور في قضيته، وعندكم لا قبح إلا وهو فعله، ولا جور إلا وهو حكمه.

والجواب أن القبح والجور إنما يثبتان لو أمكن تصور الفعل المخصوص في القابل المخصوص أحسن وأتم مما صدر لكنه محال، فإنه  حكيم وكل ما يصدر عن الحكيم كان على أفضل ما يمكن بالنسبة إلى المحل المخصوص.

الثانية عشرة: اختلفوا في أن شكر المنعم واجب عقلاً أو شرعاً.

فمنهم من قال عقلاً ومن جملة أدلتهم قوله "الحمد لله" فإنه يدل على ثبوت الاستحقاق على الإطلاق.

وأيضاً عقبه بقوله "رب العالمين" وترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فدل ذلك على أن استحقاقه للحمد ثابت بكونه رباً للعالمين قبل مجيء الشرع وبعده.

والجواب أن استحقاقه لمثل هذا الحمد عرفناه من قبل الشرع.

واعلم أن الحمد سبيله سبيل سائر الأذكار والعبادات في أنها إنما يؤتى بها لا لأن الله  مستكمل بها ولا لأنه  مجازي بها، ولكنها لتحقيق نسبة العبودية وإضافة الإمكان الله حسبي الخامس في فوائد قوله رب العالمين.

الأولى: الموجود إما واجب لذاته وهو الله  وتعالى فقط، وإما ممكن لذاته وهو كل ما سواه ويسمى العالم كما مر، وذلك إما متحيز أو صفة للمتحيز أو لا هذا ولا ذاك.

القسم الأوّل: إن كان قابلاً للقسمة فهو الجسم وإلا فالجوهر الفرد.

فالجسم إما علوي أو سفلي، والعلوي كالسماويات ويندرج فيها العرش والكرسي وسدرة المنتهى واللوح والقلم والجنة والكواكب، والسفلي إما بسيط وهو العناصر الأربعة: الأرض بما عليها وفيها والماء وهو البحر المحيط وما يتشعب منه في القدر المكشوف من الأرض، والهواء ومنه كرة البخار وكرة النسيم ومنه الهواء الصافي والنار.

وإما مركب وهو المعادن والنبات والحيوان على تباين أنواعها وأصنافها.

القسم الثاني: الأعراض بأجناسها وأنواعها.

القسم الثالث: الأرواح وهي إما سفلية خيرة كالجن، أو شريرة كالشياطين.

وإما علوية متعلقة بالأجسام كملائكة السموات قال  : "ما في السموات موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو قاعد" أو غير متعلقة وهي الملائكة المقربون ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو  ﴾ ولأن كل موجود سوى الواجب يحتاج إلى الواجب في الوجود.

وفي البقاء أيضاً فهو إله العالمين من حيث إنه أخرجها من العدم إلى الوجود، ورب العالمين من حيث إنه يبقيها حال استقرارها.

فكل من كان أكثر إحاطة بأحوال الموجودات وتفاصيلها كان أكثر وقوفاً على تفسير قوله ﴿ رب العالمين ﴾ .

الثانية: المربي قسمان: أحدهما أن يربي ليربح عليهم، والثاني أن يربي ليربحوا عليه.

والأول شأن المخلوقين الذين غرضهم من التربية إما ثواب أو ثناء أو تعصب أو غير ذلك، والثاني دأب الحق  وتعالى كما قال: "خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم" وكيف لا يربحون عليه وأنه متعال عن الاستكمال منزه عن أن يحدث في خزائنه بسبب التربية والإفادة والإفاضة اختلال يحب الملحين في الدعاء ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء  ﴾ يكفي علمه من المقال ويغني كرمه عن السؤال ﴿ وسع كل شيء علماً  ﴾ ويربي كل حي كرماً وحلماً ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 12 - 13، 14\] ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً متاعاً لكم ولأنعامكم  ﴾ ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سباتاً وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً وبنينا فوقكم سبعاً شداداً وجعلنا سراجاً وهاجاً وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً لنخرج به حباً ونباتاً وجناتٍ ألفافاً  ﴾ .

الثالثة: لما كان الله أحسن الأسماء عقبه بأكمل الصفات وهو ﴿ رب العالمين ﴾ إذ معناه أن وجود ما سواه فائض عن تربيته، وإحسانه وجوده وامتنانه، فالأول يدل على التمام والثاني على أنه فوق التمام.

الرابعة: رب العالمين ثم إنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وهو الله الواحد الأحد الصمد، وأنت تخدمه كأنّ لك أرباباً غيره فما إنصافك أيها الإنسان؟

﴿ قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن  ﴾ خلقت لعبادة الرب فلا تهدم حقيقتك بمعصية الرب، الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب.

السادس: في فوائد قوله ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ .

الأولى: الرحمن بما لا يتصور صدوره من العباد، والرحيم بما يقدر عليه العباد.

أنا الرحمن لأنك تسلم إليّ نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة، أنا الرحيم لأنك تسلم إليّ طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة.

الثانية: ذهب بعضهم إلى ملك فقال: جئتك لمهم يسير.

فقال: أطلب المهم اليسير من الرجل اليسير.

فكأن الله  يقول: لو اقتصرت على الرحمن لاحتشمت مني ولتعذر عليك سؤالي الأمور اليسيرة، فأنا الرحمن لتطلب مني الأمور العظيمة، وأنا الرحيم لتطلب مني شراك نعلك وملح قدرك.

الثالثة: الوالد إذا أهمل حال ولده ولم يؤدبه ظن أن ذلك رحمة وهو في الحقيقة عذاب.

من لم يؤدبه الأبوان أدبه الملوان، وعكسه حال من تقطع يده لأكلة فيها، أو يضرب لتعليم حرفة، أو لتأدب بخصلة شريفة.

فكل ما في العالم من محنة وبلية فهو في الحقيقة رحمة ونعمة ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم  ﴾ وقصة موسى مع الخضر كما تجيء في موضعها تؤيد ما ذكرناه، والحكيم المحقق هو الذي يبني الأمور على الحقائق لا على الظواهر، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير.

الرابعة: أعطى مريم عليها السلام رحمة ﴿ ولنجعله آية للناس ورحمة منّا  ﴾ فصارت سبباً لنجاتها من توبيخ الكفار والفجار، وأعطانا رحمة ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ فكيف لا ننجو بسببه من عذاب النار.

الخامسة: وصف النبي  بالرحمة فكان من حاله أنه لما كسرت أسنانه قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون، وأنه يوم القيامة يقول: أمتي أمتي.

فلما وصف نفسه بكونه رحماناً رحيماً أيضاً فكأنه يقول: الرحمة الواحدة لا تكفي لصلاح المخلوقات فذرني وعبيدي فإني أنا الرحمن الرحيم، رحمتي غير متناهية ومعصيتهم متناهية والمتناهي لا يدرك غير المتناهي فستغرق معصيتهم في بحار رحمتي ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ .

السادسة: حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: كنت ضيفاً لبعض القوم، فقدم المائدة فنزل غراب وسلب رغيفاً فاتبعته تعجباً، فنزل في بعض التلال فإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين، فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه.

وعن ذي النون أنه قال: كنت في البيت إذ وقعت في قلبي داعية أن أخرج من البيت، فانتهيت إلى شط النيل فرأيت عقرباً قوياً يعدو، فلما وصل إلى النيل فإذا هو بضفدع على طرف النهر، فقفز العقرب عليه وأخذ الضفدع يسبح، فركبت السفينة فاتبعته حتى إذا وصل الضفدع إلى الطرف الآخر نزل العقرب عن ظهره وأخذ يعدو، فتبعته فرأيت شاباً نائماً تحت شجرة وعنده أفعى يقصده، فلما قرب الأفعى من ذلك الشاب وصلت العقرب إلى الأفعى ولدغتها والأفعى أيضاً لدغتها وماتتا معاً.

وفي أدعية العرب: يا رازق النعاب في عشه.

وحكايته أن ولد الغراب لما يخرج من البيض يكون كأنه قطعة لحم فتهجره أمه تنفراً منه، حتى إذا خرج ريشه عادت إليه، فيبعث الله  إليه في تلك المدة ذباباً يغتذي به.

وروي "أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله، فأتوا النبي  وأخبروه، فقام فدخل عليه وكان يعرض عليه الشهادة ولا يعمل لسانه فقال  : أما كان يصلي أما كان يزكي أما كان يصوم؟

فقالوا: بلى.

فقال: فهل عق والدته؟

قالوا: نعم.

فقال: هاتوا أمه.

فأتي بعجوز عوراء.

فقال النبي  : هلا عفوت عنه؟

فقالت: لا أعفو عنه لأنه لطمني ففقأ عيني.

فقال  : هاتوا بالحطب والنار فقالت: وما تصنع بالنار؟

فقال  : أحرقه بالنار بين يديك جزاء بما عمل.

فقالت: عفوت عفوت أللنار حملته تسعة أشهر أللنار أرضعته سنتين فأين رحمة الأم؟

فعند ذلك انطلق لسانه وذكر أشهد أن لا إله إلا الله" والنكتة أنها كانت رحيمة فقط ولم تجوّز الإحراق، فالرحمن الرحيم كيف يجوز إحراق عبد واظب على ذكر الرحمن الرحيم سبعين سنة؟

قال  : "إن لله  مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والطير والبهائم والهوام فيها يتعاطفون ويتراحمون، وأخر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة" ولعل هذا على سبيل التفهيم والتمثيل وإلا فكرمه بلا غاية ورحمته بلا نهاية.

السابع: في فوائد قوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ .

الأولى: من قضية العدالة الفرق بين المحسن والمسيء، والمطبع والعاصي، والموافق والمخالف، ولا يظهر ذلك إلا في يوم الجزاء ﴿ إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى  ﴾ ﴿ يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ روي أنه يجاء برجل يوم القيامة وينظر في أحوال نفسه فلا يرى لنفسه حسنة ألبتة، فيأتيه النداء يا فلان ادخل الجنة بعملك.

فيقول: إلهي ماذا عملت؟

فيقول الله: ألست لما كنت نائماً تقلب من جنب إلى جنب ليلة كذا فقلت في خلال ذلك "الله"، ثم غلبك النوم في الحال فنسيت؟

أما أنا فلا تأخذني سنة ولا نوم، فما نسيت ذلك.

ويجاء برجل وتوزن حسناته بسيئاته فتخف حسناته فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة "أن لا إله إلا الله" فلا يثقل مع ذكر الله غيره.

واعلم أن حقوق الله  على المسامحة لأنه غني عن العالمين، وأما حقوق العباد فهي أولى بالاحتراز عنها.

روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله  : "أتدرون ما المفلس؟

قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار" الثانية: من قرأ "مالك" احتج بوجوه: الأول أن فيه حرفاً زائداً فيكون ثوابه أكثر.

الثاني: في القيامة ملوك ولا مالك إلا الله.

الثالث: المالكية سبب لإطلاق التصرف والملكية ليست كذلك.

الرابع: العبد أدون حالاً من الرعية فيكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية.

الخامس: الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك بالاختيار بخلاف المملوك.

السادس: الملك يجب عليه رعاية حال الرعية "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ولا يجب على الرعية خدمة الملك، أما المملوك فيجب عليه خدمة مالكه وأن لا يستقل في الأمر إلا بإذنه حتى إنه لا يصح منه القضاء والإمامة والشهادة، ويصير مسافراً إذا نوى مولاه السفر، ومقيماً إذا نوى الإقامة.

حجة من قرأ "ملك" أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكاً، والملك لا يكون إلا أعلاهم شأناً.

وأيضاً ﴿ قل أعوذ برب الناس ملك الناس  ﴾ لم يقرأ فيه غير "ملك" فتعين.

وأيضاً الملك أقصر ومالك يلزم منه تطويل الأمل فإنه يمكن أن يدركه الموت قبل تمام التلفظ به.

وأجيب بأن العزم يقوم مقام الفعل لو مات قبل الإتمام، كما لو نوى بعد غروب الشمس صوم يوم يجب صومه بخلاف ما لو نوى في النهار عن الغد.

ثم يتفرع على كل من القراءتين أحكام، أما المتفرعة على الأول فقراءة "مالك" أرجى من قراءة "ملك" لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأساً برأس، والمالك يطلب العبد منه الكسوة والطعام والتربية والإنعام "يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم.

يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم" والملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه، والملك لا يختار من العسكر إلا كل قوي سويّ ويترك من كان مريضاً عاجزاً، والمالك إن مرض عبده عالجه، وإن ضعف أعانه.

الملك له هيبة وسياسة، والمالك له رأفة ورحمة واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة.

وأما المتفرعة على الثانية فإنه في الدنيا ملك الملوك ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء  ﴾ وفي الآخرة لا ملك إلا هو ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ وملكه لا يشبه ملك المخلوقين لأنهم إذ بذلوا قلَّت خزائنهم ونفدت ذخائرهم، وأنه  كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكاً.

فإن أعطاك عشرة أولاد زاد في ملكه عشرة أعبد.

ومن لوازم ملكه كمال الرحمة فلهذا قرن بقوله "ملك يوم الدين" قوله "رب العالمين الرحمن الرحيم" ومثله ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن  ﴾ ﴿ قل أعوذ برب الناس ملك الناس  ﴾ فمن اتصف بهذه الصفة من ملوك الدنيا صدق عليه أنه ظل الله في الأرض.

الكفر سبب لخراب العالم ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا.

أن دعوا للرحمن ولداً  ﴾ والطاعة تتضمن صلاح المعاش والمعاد ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ فعلى الناس أن يطيعوا ملوكهم، وعلى الملوك أن يطيعوا مالك الملك حتى تنتظم أمور معاشهم ومعادهم لما وصف نفسه بأنه "ملك يوم الدين" أظهر للعالمين كمال عدله بنفي الظلم تارة ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ وبثبوت العدل أخرى ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة  ﴾ فلا خلة للملك أعم نفعاً وأتم وقعاً من أن يكون عادلاً.

ومن هنا تظهر البركة في العالم أو ترتفع إن كان السلطان عادلاً أو جائراً.

يحكى أن أنوشروان خرج يوماً إلى الصيد وانقطع عن عسكره واستولى عليه العطش، فرأى بستاناً فيه رمان.

فلما دخله قال لصبي فيه: أعطني رمانة، فأعطاه فعصرها وأخرج منها ماء كثيراً، فشربه وأعجبه ذلك، فعزم على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه.

ثم قال لذلك الصبي: أعطني رمانة أخرى، فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده عفصاً.

فقال: أيها الصبي، لم صار الرمان هكذا؟

فقال الصبي: فلعل ملك البلد عزم على الظلم فلشؤم ظلمه صار هكذا، فتاب أنوشروان في قلبه وأناب، وقال للصبي: أعطني رمانة أخرى فعصرها فوجدها أطيب من الأولى فقال للصبي: لم بدلت هذه الحالة؟

فقال: لعل الملك تاب عن ظلمه.

فلما وجد أنوشروان مقالة الصبي مطابقة لأحواله في قلبه تاب بالكلية، فكان من ميامن عدله أن ورد في حقه قول نبينا  "ولدت في زمن الملك العادل".

الثالثة: كونه مالكاً وملكاً معناه أنه قادر على ترجيح جانب وجود الممكنات على عدمها، وأنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة كما يشاء من غير مانع ولا منازع.

وعلى قضية الحكمة والعدالة فهو الملك الحق وأنه ملك يوم الدين أيضاً، لأن القدرة على إحياء الخلق بعد إماتتهم والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبدان الناس لا يختص به أحد غيره، فإذا كان الحشر والنشور لا يتأتى إلا بعلم يتعلق بجميع المعلومات وقدرة تنفذ في كل الممكنات، فلا مالك ليوم الدين إلا الله.

فإن قيل: لا يكون مالكاً إلا إذا كان المملوك موجوداً لكن القيامة غير موجودة فينبغي أن يقال "مالك يوم الدين" بالتنوين بدليل أنه لو قال: أنا قاتل زيد كان إقراراً، ولو قال: أنا قاتل زيداً كان تهديداً.

قلنا: لما كان قيام القيامة أمراً حقاً لا يجوز الإخلال به في الحكمة، جعل وجوده كالشيء القائم في الحال.

ولو قيل: من مات فقد قامت قيامته زال السؤال.

الرابعة: قالت القدرية: إن كان الكل من الله فثواب الرجل على ما لم يعمله عبث وعقابه على ما لم يفعله ظلم، فيبطل كونه مالكاً ليوم الدين.

قلنا: خلق الجنة وخلق اهلاً لها، وخلق النار وخلق أهلاً لها، وذلك أن له صفة لطف وصفة قهر كما ينبغي لكل ملك.

فخلق لكل صفة مظهراً ولا يسأل عما يفعل، لأن كل سؤال ينقلب فهو باطل.

الخامسة: في هذه السورة من أسماء الله  خمسة: الله، الرب، الرحمن، الرحيم، المالك.

كأنه يقول: خلقتك أولاً فأنا الله، ثم ربيتك بأصناف النعم فأنا الرب، ثم عصيت فسترت عليك فأنا الرحمن، ثم تبت فغفرت لك فأنا الرحيم، ثم أجازيك بما عملت فأنا مالك يوم الدين وذكر الرحمن الرحيم مرة في التسمية ومرة أخرى في السورة دليل على أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأوصاف، ومع ذلك عقبها بقوله "مالك يوم الدين" كيلا يغتروا بها.

ونظيره ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب  ﴾ .

السادسة: الحمد والمدح والتعظيم فيما بين الناس إنما يكون لكونه كاملاً في ذاته وإن لم يكن له إحسان إليك، وإما لكونه محسناً إليك، وإما رجاء وطمعاً في المستقبل، وإما خوفاً ورهبة، فكأنه  يقول: إن كنتم تعظمون للكمال الذاتي فاحمدوني فإني أنا الله، وإن كنتم تعظمون للإحسان السالف فأنا رب العالمين، وإن كنتم تعظمون للإحسان المترقب فأنا الرحمن الرحيم، وإن كنتم تعظمون رهبة عن العقاب فأنا مالك يوم الدين.

الثامن: في فوائد قوله "إياك نعبد".

الأولى: لا شك أن تقديم المفعول مفيد للاختصاص أي لا نعبد أحداً سواك والحاكم فيه الذوق السليم.

واستحقاق هذا الاختصاص لله  ظاهر، لأن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم فلا تليق إلا لمن صدر منه غاية الإنعام وهو الله  .

وذلك أن للعبد أحوالاً ثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.

أما الماضي فقد كان معدوماً فأوجده ﴿ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً  ﴾ ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ وكان جاهلاً فعلمه ﴿ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً  ﴾ ثم أسمعه وأبصره وأعقله ﴿ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة  ﴾ فهو إله بهذه المعاني.

وأما الحاضر فحاجاته كثيرة، ووجوه افتقاره غير محصورة من أول عمره إلى آخره مع انفتاح أبواب المعصية وانخلاع ربقة الطاعة، فهو رب رحمن رحيم من هذه الوجوه.

وأما المستقبل فأموره المتعلقة بما بعد الموت وأنه مالك يوم الدين بهذه الحيثية، فلا مفزع للعبد في شيء من أحواله إلا إليه، فلا يستحق عبادة العبد إلا هو.

وأيضاً ثبت بالدلائل القاطعة وجوب كونه  عالماً قادراً جواداً غنياً حكيماً إلى غير ذلك من الصفات الكمالية، وأما كون غيره من الفلكيات والطبائع والنفوس كذلك فمشكوك فيه وإن كنا نجزم بأنه لا تأثير لها فوجب طرح المشكوك والأخذ باليقين، فلا معبود بالحق إلا الله  ، وأيضاً العبودية ذلة ومهانة، فكلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية أهنأ وأمرأ.

ولما كان الله  أشرف الموجودات وأعلاها وأولاها بالصفات العلى، فعبوديته أولى، وأيضاً كل ما سوى الواجب الغني ممكن فقير، والفقير مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه إفادة غيره.

فدافع الحاجات هو الله فلا يستحق العبادة إلا هو ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  ﴾ .

الثانية: تقديم ذكر الله  يورث الخشية والمهابة حتى لا يلتفت في العبادة يميناً وشمالاً بخلاف العكس.

(يحكى) أن واحداً من المصارعين الأستاذين صارع بعض من هو دونه ولا يعرفه، فصرع الأستاذ مراراً فقيل له: فلان الأستاذ فانصرع في الحال وما ذاك إلا لاحتشامه بعد عرفانه.

وأيضاً ذكره  أوّلاً مما يورث العبد قوة يسهل بها عليه ثقل العبودية فوجب تقديمه، كما أن من أراد حمل ثقيل يقدم عليه دواء أو غذاء بعينه على ذلك، كما أن العاشق يسهل عليه جميع الآلام عند حضور معشوقه.

وأيضاً ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ فالنفس إذا مسها طائف الشيطان من الكسل والغفلة والبطالة طلع لها جلال الله من مشرق "إياك نعبد" فتصير مبصرة مستعدة لأداء حق العبودية.

وأيضاً إن بدأ بالعبادة فض إبليس قلبه أن المعبود من هو فيلقي في نفسه وساوس، أما إذا غير هذا الترتيب وقال: "إياك نعبد" كان بعيداً عن احتمال الشرك.

وأيضاً الواجب لذاته متقدم في الوجود فيناسب أن يكون مقدماً في الذكر.

وأيضاً المحققون نظرهم على المعبود لا على العبادة، وعلى المنعم لا على النعمة، ولهذا قيل لبني إسرائيل ﴿ اذكروا نعمتي  ﴾ ولأمة محمد ﴿ اذكروني  ﴾ فذكر المعبود عندهم أولى من ذكر العبادة.

الثالثة: النون في قوله "نعبد" فيه وجوه من الحكمة منها: أنه تشريف من الله  للعبد حيث لقنه لفظاً ينبئ عن التعظيم والتكريم كقوله حكاية عن نفسه ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص  ﴾ كأنه قال: لما أظهرت عبوديتي ولم تستنكف أن تكون عبداً ليّ جعلناك أمة ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ ومنها أنه لو قال: إياك أعبد كان إخباراً عن كونه عبداً فقط، ولما قال: "إياك نعبد" صار معناه إني واحد من عبيدك، ولا ريب أن الثاني أدخل في الأدب والتواضع.

ومنها أن يكون تنبيهاً على أن الصلاة بالجماعة أولى قال  : "التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا وما فيها" وههنا نكتة وهي أن الإنسان إذا أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر الجماعة كيلا يتأذى منه جاره، وإذا كان ثواب الجماعة لا يفي بهذا القدر من الإيذاء فكيف يفي بما هو أكثر من ذلك إيذاء للمسلمين من الغيبة والتهمة والنميمة والسعاية وسائر أنواع الظلم؟

ومنها أن يكون المراد أعبدك والملائكة معي والحاضرون بل جميع عبادك الصالحين.

ومنها أن المؤمنين إخوة فكأن الله تعالى قال: لما أثنيت عليّ بقولك ﴿ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ﴾ ارتفعت منزلتك عندنا، فلا تقتصر على إصلاح حالك بل عليك بالسعي في إصلاح حال جميع إخوانك فقل: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ .

ومنها أن العبد يقول: إلهي عبادتي مخلوطة بالتقصير وإني أخلطها بعبادة جميع العابدين، فلا يليق بكرمك أن تميز بين العبادات، ولا أن ترد الكل وفيها عبادة الأنبياء والأولياء بل الملائكة المقربين.

وهذا كما أن الرجل إذا باع من غيره عشرة أعبد، فالمشتري إما أن يقبل الكل أو يرد الكل وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة.

الرابعة: من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها وثقل عليه الاشتغال بغيرها لأن الكمال محبوب لذاته وأكمل أحوال الإنسان اشتغاله بخدمة مولاه، فإنه يستنير قلبه بنوره ويشرق عليه من جماله ولهذا قد ورد "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وأيضاً التكاليف أمانة ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان  ﴾ وأداء الأمانة واجب عقلاً وشرعاً ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها  ﴾ وأداء الأمانات من أحد الجانبين سبب لأدائها من الجانب الآخر.

قال بعض الصحابة: أتى أعرابي باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء فتعجبنا، فلما خرج لم يجد الناقة فقال: إلهي أديت أمانتك فأين أمانتي؟

قال الرواي: فزدنا تعجباً، فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه.

"وقال  لابن عباس: يا غلام احفظ الله في الخلوات يحفظك في الفلوات" وأيضاً الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى دار السرور، وركون من الخلق إلى حضرة الحق، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة.

(يحكى) عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف وتفرق الناس وهو في الصلاة فلم يشعر بها.

ووقعت الأكلة في بعض أعضاء عبد الله بن الزبير واحتاجوا إلى قطع ذلك العضو فقطع وهو في الصلاة ولم يشعر به.

وعن رسول الله  أنه كان حين يشرع في الصلاة كانوا يسمعون من صدره أزيزاً كأزيز المرجل.

ومن استبعد فليقرأ قوله  ﴿ فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن  ﴾ فإذا كان لجمال البشر مثل هذا التأثير فكيف جلال الله وعظمته إذا تجلى على قلب الموحد العابد؟!

وقد تحدث الحيرة والدهش عن رؤية بعض السلاطين فكيف إذا كان الوقوف بين يدي رب العالمين؟!

واعلم أن العبادة لها ثلاث درجات، لأنه إما أن يعبد الله رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه، ويختص باسم الزاهد حيث يعرض عن متاع الدنيا وطيباتها طمعاً فيما هو أشرف منها وأدوم، وهذه مرتبة نازلة عند المحققين.

وإما أن يعبد الله تشرفاً بعبادته أو بقبول تكاليفه أو بالانتساب إليه، وهذه مرتبة متوسطة وتسمى بالعبودية.

وإما أن يعبد الله لكونه إلهاً ولكونه عبداً له، والإلهية توجب العزة والهيبة، والعبودية تقتضي الخضوع والذلة، وهذه أعلى الدرجات وتسمى بالعبودية وإليها الإشارة بقول المصلي: أصلي لله فإنه لو قال: أصلي لثواب الله أو هرباً من عقابه فسدت صلاته.

(يحكى) أن عابداً في بني إسرائيل اعتزل وعبد الله  سبعين سنة، فأرسل الله  إليه ملكاً فقال: إن عبادتك غير مقبولة فلا تشق على نفسك ولا تجاهد، فأجاب العابد بأن الذي عليّ هو العبودية وإني لا أزال أفعل ما عليّ، فأما القبول وعدم القبول فموكول إلى المعبود.

فرجع الملك فقال الله: بم أجاب العابد؟

فقال: أنت أعلم يا رب، إنه قال كذا وكذا.

فقال الله تعالى: ارجع إليه وقل له: قبلنا طاعتك بسبب ثبات نيتك.

والتحقيق أن إثبات نسبة الإمكان هو قصارى مجهود العابدين ونهاية مطامح أبصار العارفين.

وفي العبادة انشراح صدور المؤمنين وإنها عاقبة حال المتقين.

قال عز من قائل ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون.

فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين.

واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ ولأن العبودية أشرف المقامات.

مدح الله  نبيه في قوله ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ وافتخر عيسى بذلك أول ما نطق فقال: ﴿ إني عبد الله  ﴾ وكان عليّ يقول: كفاني فخراً أن أكون لك عبداً وكفاني شرفاً أن تكون لي رباً.

اللهم إني وجدتك إلهاً كما أردت، فاجعلني عبداً كما أردت.

ومنهم من قال: العبودية أشرف من الرسالة، فبالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق، وبالعبودية ينعزل عن التصرفات، وبالرسالة يقبل على التصرفات، ولهذا نال شرف التقدم في قول الموحد "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون  ﴾ .

التاسع: في فوائد قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ .

الأولى: لا شك أن للعبد قدرة بها يتمكن من الفعل والترك، وإنما يحصل الرجحان بمرجح.

ولو كان ذلك المرجح من عند العبد عاد التقسيم، فلا بد أن ينتهي إلى الله  .

وأيضاً كل الخلائق يطلبون طريق الحق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب، ولا يفوز به إلا بعضهم، فليس ذلك إلا بإعانة الحق.

وأيضاً قد يطلب الإنسان حاجة من غيره ويدافعه مدة مديدة ثم يقضي حاجته، فإلقاء تلك الداعية في القلب ليس إلا من الله، فثبت أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله.

وتظهر فائدة الاستعانة في أنه ربما جعل الله  ذلك واسطة إلى نيل المطلوب كالشبع الحاصل عقيب أكل الطعام ونحوه، فيسقط اعتراض الجبري والقدري فافهم.

الثانية: لقائل أن يقول: الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع فيه لا بعده،فهلا قدّمت الاستعانة على ذكر العبادة؟

والجواب كأنه يقول: شرعت في العبادة فأستعين بك على إتمامها حتى لا يمنعني مانع ولا يعارضني صارف، فإن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن.

وأيضاً إن قيل: الاستعانة مطلقة تتناول كل مستعان فيه فذكر العبادة كالوسيلة إلى طلب الإعانة على الحوائج وتقديم الوسيلة مناسب.

الثالثة: لا أريد بالإعانة غيرك إقتداء بالخليل  حيث قيد نمروذ يديه ورجليه ورماه إلى النار فجاءه جبرائيل وقال: هل لك حاجة؟

فقال له: أما إليك فلا.

قال: فاسأل الله.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

وهنا نكتة وهي أن المؤمن في الصلاة مقيدة رجلاه عن المشي، ويداه عن البطش، ولسانه إلا عن القراءة والذكر، فكما أن الله قال ﴿ يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم  ﴾ فكذلك تقول له نار جهنم: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.

الرابعة: لا أستعين غيرك لأن الغير لا يمكنه إعانتي إلا إذا أعنته، فأنا أقطع الواسطة ولا أنظر إلا إلى إعانتك.

الخامسة: "إياك نعبد" تورث العجب بالعبادة فأردفه بقوله "وإياك نستعين" لإزالة ذلك.

السادسة: ههنا مقامان: معرفة الربوبية ومعرفة العبودية، وعند اجتماعهما يحصل الربط المذكور في قوله ﴿ أوفوا بعهدي أوف بعهدكم  ﴾ أما معرفة الربوبية فكمالها مذكور في قوله ﴿ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ﴾ فانتقال العبد من العدم السابق إلى الوجود يدل على كونه إلهاً، وحصول الفوائد للعبد حال وجوده يدل على كونه رباً رحماناً رحيماً، وأحوال معادة تدل على أنه مالك يوم الدين، وأما معرفة العبودية فمبدؤها "إياك نعبد" وكمالها "إياك نستعين" في جميع المطالب، وإذا تم الوفاء بالعهدين ترتبت عليه الثمرة وهو قوله: "اهدنا" إلى آخره.

وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه.

السابعة: في الالتفات الوارد في السورة وجوه: منها أن المصلي كان أجنبياً عند الشروع في الصلاة، فلا جرم أثنى على الله بالألفاظ الغائبة إلى قوله: ﴿ مالك يوم الدين ﴾ .

ثم الله  كأنه يقول: حمدتني وأقررت بأني إله، رب العالمين، رحمن رحيم، مالك يوم الدين، فنعم العبد أنت يا عبد.

رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل "إياك نعبد".

ومنها أنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام من كونه رباً لا يخرج شيء من ملكوته منعماً على الخلق بأنواع النعم - جلائلها ودقائقها - مالكاً للأمر كله في العاقبة، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بغاية الخضوع والاستعانة في المهام، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل "إياك" يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به.

ومنها أن الدعاء بالحضور أولى كما أن الثناء في الغيبة أوقع وأحرى، وهكذا فعل الأنبياء عليهم السلام ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ ﴿ رب هب لي حكماً  ﴾ ﴿ رب زدني علماً  ﴾ ﴿ ربي أرني  ﴾ ﴿ رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين  ﴾ ومنها أنه إذا شرع في الصلاة نوى القربة فأثنى على الله بما هو أهله، فاستجاب الله دعاءه في تحصيل تلك القربة ونقله إلى مقام الحضور من مقام الغيبة.

الثامنة: اعلم أن المشركين طوائف، منهم من اتخذ إلهه من الأجسام المعدنية كالحجر والذهب والفضة والنحاس، ومنهم من اتخذه من النبات كالشجر المعين، ومنهم من اتخذه من الإنسان كعبدة المسيح وعزير، ومنهم من اتخذه من الأجسام البسيطة، إما السفلية كعبدة النار وهم المجوس، أو العلوية كعبدة الشمس والقمر وسائر الكواكب.

ومنهم من قال: مدبر العالم نور وظلمة وهم الثنوية، ومنهم من قال: الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح من الأرواح الفلكية يدبره وكذا لكل نوع من أنواع هذا العالم، فيتخذون لتلك الأرواح صوراً وتماثيل ويعبدونها وهم عبدة الملائكة.

ومنهم من قال: للعالم إلهان، أحدهما خير وهو الله، والآخر شرير وهو إبليس.

إذا عرفت ذلك فنقول: قد مر أن "الحمد لله" يتضمن التسبيح له وسائر الصفات منبئة عن سبب إثبات جميع أنواع "الحمد لله" "وإياك نعبد" يدل على التوحيد المحض والبراءة من كل ما يعبد من دون الله، وأن الله أكبر من جميع المعبودين، فيقوم مقام قوله "لا إله إلا الله والله أكبر" "وإياك نستعين" يدل على قوله "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" فثبت أن سورة الفاتحة مشتملة إلى هنا على الذكر المشهور "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

العاشر في فوائد قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ .

الأولى: سئل أن طلب الهداية من المؤمن وهو مهدي تحصيل للحاصل.

وأجيب بأن المراد منه صراط الأولين في تحمل ما يشق، وكان تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضاة الله تعالى.

يحكى أن نوحاً  كان يضرب في كل يوم مرات بحيث يغشى عليه وكان يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.

وأيضاً إن في كل خلق من الأخلاق طرفي إفراط وتفريط هما مذمومان، والحق هو الوسط والصواب.

فالمؤمن بعد أن عرف الله بالدليل صار مهتدياً، لكنه لا بد مع ذلك من حصول الملكات والأخلاق الفاضلة التي هي وسط بين الطرفين ومستقيم بين المنحرفين.

ففي القوة الشهوية طرف الإفراط فجور وطرف التفريط خمود وهما مذمومان، والوسط وهو استعمالها في مواضعها على قضية العدالة والشريعة محمود وهو العفة، وكذا في القوة الغضبية طرفا التهور والجبن مذمومان والوسط وهو الشجاعة محمود، وفي القوة النفسانية الجربزة والبله مذمومان والوسط وهو الحكمة محمود.

وبالجملة فإنه يحصل من توسيط استعمال القوة الشهوية الحياء والرفق والصبر والقناعة والورع والحرية والسخاء، ومن توابع السخاء الكرم والإيثاء والعفو والمروءة والمسامحة، ويلزم من توسط استعمال القوة الغضبية كبر النفس وعلو الهمة والثبات والحلم والسكون والتحمل والتواضع والحمية والرقة، ومن توسط استعمال القوة النطقية الذكاء وسرعة الفهم وصفاء الذهن وسهولة التعلم وحسن التعقل والتحفظ والتذكر، ويحصل من كمال التوسط في القوى الثلاث كمال العدالة ويتبعها الصداقة والألفة والوفاء والشفقة وصلة الرحم والمكافأة وحسن الشركة والتسليم والتوكل وتعظيم المعبود الحق وملائكته وأنبيائه وأولي الأمر والانقياد لأوامرهم ونواهيهم.

والتقوى تكمل هذه المعاني وتتممها، ولأن القوة النطقية ذاتية للإنسان، والشهوية والغضبية حصلتا له بواسطة التعلقِ البدني، فكمال التوسط في النطقية أن يستعملها بحيث لا يمكن أزيد منها.

وكمال التوسط في الأخريين أن يستعملهما بحيث لا يمكن أقل من ذلك ليفضي إلى تحصيل سعادة الدارين.

وأيضاً العلم النظري يقبل الزيادة بمعنى تواصل أوقاته وقلة الفترات، وبمعنى زيادة الأدلة فليس من علم بدليل كمن علم بأدلة، فلا موجود من أقسام الممكنات إلا وفيه دلالة على وجود الله وعلمه وقدرته، وجوده ورحمته وحكمته.

وربما صح دين الإنسان بالدليل الواحد وبقي غافلاً عن سائر الدلائل فكأنه يقول: عرفنا إلهنا ما في كل شيء من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وعلمك وقدرتك.

وأيضاً قد يراد بالصراط المستقيم الاقتداء بالأنبياء، وهو أن يكون الإنسان معرضاً عما سوى الله مقبلاً بكلية قلبه وفكره وذكره على الله، حتى لو أمر بذبح ولده لأطاع كالخليل، ولو أمر أن يذبح لانقاد كإسماعيل، ولو أمر بإلقاء نفسه في البحر امتثل كيونس، ولو أمر بتلمذة من هو أعلم منه بعد بلوغه أعلى منصب ائتمر كموسى مع الخضر.

وعن خباب قال: شكونا إلى رسول الله  وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟

فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه ويجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه.

وأيضاً كأن العبد يقول: الأحباب يدعونني إلى طريق، والأعداء إلى طريق ثانٍ، والشيطان إلى ثالث.

وكذا القول في الشهوة والغضب والاعتقادات والآراء، والعقل ضعيف، والعمر قصير، والقضاء عسير، فاهدني هذا الطريق السوي الذي لا أزيغ به.

حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله، فإذا أعرابي على ناقة له.

فقال: يا شيخ إلى أين؟

فقال: إلى بيت الله.

قال: كأنك مجنون، لا أرى لك مركباً ولا زاداً والسفر طويل!

فقال إبراهيم: إن لي مراكب كثيرة ولكنك لا تراها.

قال: وما هي؟

قال: إذا نزلت عليّ بلية ركبت مركب الصبر، وإذا أسديت إليّ نعمة ركبت مركب الشكر، وإذا ألم بي القضاء ركبت مركب الرضا، وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى.

فقال الأعرابي: سر بإذن الله فأنت الراكب وأنا الراجل.

وقيل: الصراط القرآن أو الإسلام وليس بشيء، إذ يصير المعنى اهدنا صراط المتقدمين، مع أنه لم يكن لهم قرآن ولا إسلام، اللهم إلا أن يراد أصول هذه الشريعة وقوانينها كما قال { ﴿ فبهداهم اقتده  ﴾ .

وعن علي كرم الله وجهه: ثبتنا على الهداية كقوله ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا  ﴾ فكم من عالم يزل ومهتد يضل.

وفي اختيار لفظ الصراط دون الطريق أو السبيل، تذكير للصراط الذي هو الجسر الممدود بين طرفي جهنم، سهل الله  علينا عبوره ووروده.

الثانية: إنما قبل "اهدنا" بلفظ الجمع لأن الدعاء متى كان أعم كان إلى الإجابة أقرب، ولهذا قال بعض العلماء لتلميذه: إذا قلت قبل القراءة "رضي الله عنك، وعن جماعة المسلمين" فإياك وأن تنساني في قولك "وعن جماعة المسلمين" فإن ذلك أوقع عندي من قولك "رضي الله عنك"، لأن هذا تخصيص بالدعاء ويجوز أن لا يقبل، وأما قولك "وعن المسلمين" فإنه أرجى لأنه لا بد أن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة، وإذا أجاب الله دعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي.

ومن هنا ورد في السنة أن يصلي على النبي صلى الله علبه وسلم قبل كل دعاء وبعده، لأن الدعاء في الطرفين مستجاب ألبتة لأنه في حق النبي  فيستجاب الوسط بتبعية ذلك لا محالة.

وأيضاً قال  : "ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها.قالوا: يا رسول الله، ومن لنا بتلك الألسنة؟

قال: يدعو بعضكم لبعض لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك " وأيضاً "الحمد لله" شامل لحمد جميع الحامدين، و "إياك نعبد" لعبادة الجميع، "وإياك نستعين" لاستعانة الكل، فلا جرم لما طلب الهداية طلبها للكل كما طلب الاقتداء بالصالحين جميعاً في قوله: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ والفرار من الطالحين جميعاً في قوله: ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ .

وإذاكان كذلك في الدنيا يرجى أن يكون كذلك في الآخرة ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً  ﴾ .

الثالثة: الخط المستقيم أقرب خط يصل بين النقطتين، والعبد عاجز فلا يليق بضعفه إلا الطريق المستقيم.

وأيضاً المستقيم واحد وما سواه معوجة يشبه بعضها بعضاً في الاعوجاج، فكان أبعد من الخوف وأقرب إلى الخلاص.

وأيضاً ميل الطباع إلى الاستقامة أكثري فلهذه الأسباب سئل الصراط المستقيم.

الحادي عشر في فوائد قوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ .

الأولى: حد النعمة بأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، لأنه لو قصد الفاعل منفعة نفسه أولاً على جهة الإحسان لم يكن نعمة فلا يستحق الشكر.

ثم نقول: كل ما يصل إلى الخلق من نفع أو دفع ضر فهو من الله  لقوله ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله  ﴾ ولأن الواصل من جهة غير الله ينتهي إليه أيضاً لأنه الخالق لتلك النعمة، وكذلك للمنعم ولداعية ذلك الإنعام فيه.

والنعم الواصلة إلينا بطاعاتنا هي أيضاً من الله تعالى لأنها بتوفيقه وإعانته بأن أتاح الأسباب وأزاح الأعذار.

وأول نعمة من الله  على عبيده نعمة الحياة التي بها يمكن الانتفاع بالمنافع والاحتراز عن المضارّ قال  : ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ ثم عقب ذلك بقوله ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ .

الثانية: هل لله  على الكافر نعمة أم لا؟

أنكر ذلك بعض أصحابنا لوجوه منها: قوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ فإنه لو كان له على الكفار نعمة لزم طلب صراط الكفار لأن المبدل منه وهو الصراط المستقيم في حكم المنحى.

والجواب أن قوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ يدفع ذلك، ومنها قوله ﴿ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ والجواب أنه لا يلزم من أن لا يكون الإملاء خيراً ونعمة لهم أن لا يكون أصل الحياة وسائر أسباب الانتفاع نعمة، فإن الإملاء تأخير النقمة بعد ثبوت استحقاقها، فما قبل هذه الحالة لا يكون كذلك.

على أن نفس الإملاء أيضاً تمتيع حالي ﴿ قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار  ﴾ وليس هذا كمن جعل السم في الحلواء على ما ظن، وإنما هو كمن ناول شخصاً حلواء لذيذة غير مسمومة ولكن ذلك الشخص لفساد مزاجه أو لاستعماله الحلواء لا كما ينبغي أفسد مزاج الحلواء أيضاً وصيره كالسم القاتل بالنسبة إليه، ولهذا قال  : "نعم المال الصالح للرجل الصالح" وكيف لا تعم نعم الله  وقد قال على العموم: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون.

الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء  ﴾ وقال: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ كل ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم.

وقال: ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين  ﴾ والشكر لا يكون إلا بعد النعمة.

الثالثة: ما المراد بالنعمة المذكورة في قوله "أنعمت عليهم"؟

قلنا: يتناول كل من كان لله عليه نعمة دينية ودنيوية.

ثم إنه يخرج بقوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ كل من عليه نعمة دنيوية فقط ويبقى الذين أنعم الله عليهم في الدنيا والآخرة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وكما أن أصل النعم الدنيوية هي الحياة المستتبعة لكل المنافع، فكذلك أصل النعم الدينية هو الإيمان المستلزم لجميع الخيرات والسعادات.

وكما أن كمال البدن بالحياة فكمال النفس بالإيمان وموتها بفقده ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ ﴿ وما أنت بمسمع من في القبور  ﴾ وكما أن حياة البدن من الله فكذا الإيمان منه وبتوفيقه.

وإضافة الإيمان إلى العبد إضافة الأثر إلى القابل وبذلك القبول يستأهل الثواب.

والمؤمن لا يبقى مخلداً في النار، فإن من شرفه الله  بأعظم الأنعام لن يعاقبه بأشد الآلام، فما الإنعام إلا بالإتمام.

قيل: لو كان رعاية الأصلح على الله واجباً لم يكن ذلك إنعاماً لأن أداء الواجب لا يسمى إنعاماً.

قلت: النزاع لفظي لأن الأصلح لا بد أن يصدر عنه، ولا يليق بحكمته وكماله خلاف ذلك ثم ما شئت فسمه.

الثاني عشر في فوائد قوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ الأولى: من المغضوب عليهم ومن الضالون؟

قلت: المغضوب عليهم هم المائلون في كل خلق أو اعتقاد إلى طرف التفريط ومنهم اليهود، والضالون هم المائلون إلى طرف الإفراط ومنهم النصارى.

وإنما خص الأولون بالغضب عليهم لأن الغضب يلزمه البعد والطرد، والمفرّط في شيء هو المعرض عنه غير مجد بطائل فهو بعيد عن ذلك.

وأما المفرط فقد أقبل عليه وجاوز حد الاعتدال، فغاب عن المقصود ومني بالحرمان ﴿ كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران  ﴾ فاليهود فرطوا في شأن نبي الله ولم يطيعوه وآذوه حتى قالوا بعد أن نجاهم الله من عدوّهم ﴿ يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة  ﴾ ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ ولهذا قال عز من قائل ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا  ﴾ والنصارى أفرطوا وقالوا ﴿ المسيح ابن الله  ﴾ ﴿ إن الله ثالث ثلاثة  ﴾ روي عن عدي بن حاتم أن رسول الله  قال: "غير المغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى" وتصديق ذلك من كتاب الله حيث قال في اليهود ﴿ وباءوا بغضب من الله  ﴾ وفي النصارى ﴿ وضلوا عن سواء السبيل  ﴾ هذا شأن الفريقين.

وأما المؤمنون فطلبوا الوسط بين المنحرفين وذلك من لطف الله  بهم وفضله عليهم ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس  ﴾ وخير الأمور أوسطها.

الثانية: الآية تدل على أن أحداً من الملائكة والأنبياء ما أقدم على عمل أو اعتقاد يخالف الحق وإلا لكان ضالاً لقوله  ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال  ﴾ يصلح للاقتداء به والاهتداء بطريقه.

الثالثة: ما الفائدة في أن عدل من أن يقول اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلى ما عدل؟

قلت: الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال  : "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا" فقوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ يدل على الرجاء، وباقي الآية يدل على الخوف، فيكمل الإيمان بطرفيه وركنيه.

الثالث عشر: في تفسير السورة مجموعة وفيه مناهج: المنهج الأول نسبة عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ونسبة الأصل إلى الفرع، والنور إلى الظلمة، فكل شاهد.

فله في الغائب أصل وإلا كان كسراب زائل وخيال باطل، وكل غائب فله في الشاهد مثال وإلا كان كشجرة بلا ثمرة ومدلول بلا دليل، وكل شريف فهو بالنسبة إلى ما دونه مطاع كما قال عز من قائل ﴿ ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين  ﴾ والمطاع في عالم الروحانيات مطاع في عالم الجسمانيات، والمطاع في عالم الأرواح هو المصدر، والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر.

ولا بد من أن يكون بينهما ملاقاة ومجانسة وبهما تتم سعادة الدارين لأنهما يدعوان إلى الله بالرسالة.

وحاصل الدعوة أمور سبعة تشتمل عليها خواتيم سورة البقرة، أربعة منها تتعلق بالمبدأ وهي معرفة الربوبية أعني معرفة الله  وملائكته وكتبه ورسله ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله  ﴾ واثنان منها تتعلق بالوسط أحدهما مبدأ العبودية ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا  ﴾ والثاني كمال العبودية وهو الالتجاء إلى الله وطلب المغفرة منه ﴿ غفرانك ربنا  ﴾ وواحد يتعلق بالمعاد وهو الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب ﴿ وإليك المصير  ﴾ ويتفرع على هذه المراتب سبع مراتب في الدعاء والتضرع أولها { ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا  ﴾ فضد النسيان هو الذكر ﴿ واذكر ربك إذا نسيت  ﴾ وهذا الذكر إنما يحصل بقوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وثانيها { ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا  ﴾ ودفع الإصر والثقل يوجب ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

وثالثها: ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به  ﴾ .

ذلك إشارة إلى كمال رحمته "الرحمن الرحيم" ورابعها ﴿ واعف عنا  ﴾ لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين ﴿ مالك يوم الدين ﴾ .

وخامسها ﴿ واغفر لنا  ﴾ لأنا التجأنا بكليتنا إليك وتوكلنا في جميع الأمور عليك ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ .

وسادسها ﴿ وارحمنا  ﴾ لأنا طلبنا الهداية منك ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ وسابعها ﴿ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين  ﴾ ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ .

فهذه المراتب ذكرها محمد  في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج، فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت في عهد الرسول  من المصدر إلى المظهر، فلهذا السبب قال  : "الصلاة معراج المؤمن" المنهج الثاني: المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة: الشهوة والغضب والهوى.

الشهوة بهيمية، والغضب سبعية، والهوى شيطانية أرضية، ولهذا قال: فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم منها، والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه.

قال  ﴿ وينهىٰ عن الفحشاء  ﴾ أي الشهوة، والمنكر الغضب، والبغي الهوى، فبالشهوة يصير الإنسان ظالماً لنفسه، وبالغضب ظالماً لغيره، وبالهوى لربه، ولهذا قال  "الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله، والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضاً، والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه" ونتيجة الشهوة الحرص والبخل، ونتيجة الغضب العجب والكبر، ونتيجة الهوى الكفر والبدعة.

ويحصل من اجتماع هذه الست في بني آدم خصلة سابعة هي الحسد وهو نهاية الأخلاق الذميمة، كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة، ولهذا السبب ختم الله  مجامع الشرور الإنسانية بالحسد في قوله  : ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد  ﴾ كما ختم جوامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة في قوله ﴿ يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس  ﴾ روي أن إبليس أتى باب فرعون وقرع الباب فقال فرعون: من هذا؟

قال: إبليس ولو كنت إلهاً ما جهلت.

فلما دخل قال فرعون: أتعرف في الأرض شراً مني ومنك؟

قال: نعم، الحاسد، وبالحسد وقعت فيما وقعت.

ثم نقول: الأسماء الثلاثة في التسمية دافعة للأخلاق الثلاثة الأصلية، والآيات السبع التي هي الفاتحة دافعة للأخلاق السبعة، بيان ذلك من عرف الله تباعد عنه شيطان الهوى ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ يا موسى خالف هواك فإني ما خلقت خلقاً نازعني في ملكي إلا هواك.

ومن عرف أنه رحمن لم يغضب لأن منشأ الغضب طلب الولاية والولاية للرحمن ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن  ﴾ ومن عرف أنه رحيم صحح نسبته إليه فلا يظلم نفسه ولا يلطخها بالأفعال البهيمية.

وأما الفاتحة فإذا قال "الحمد لله" فقد شكر الله واكتفى بالحاصل فزالت شهوته، ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد وبخله فيما وجد، ومن عرف أنه ﴿ مالك يوم الدين ﴾ بعد أن عرف إنه ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ زال غضبه، ومن قال: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ زال كبره بالأول وعجبه بالثاني، وإذا قال ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ اندفع عنه شيطان الهوى، وإذا قال ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ زال عنه كفره، وإذا قال ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ اندفعت بدعته، وإذا زالت عنه الأخلاق الستة اندفع عنه الحسد، ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة وكذا جميع الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة، فلا جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق الذميمة.

وهنا نكتة دقيقة تتعلق بالرب والإله وبسببها ختم القرآن عليها، كأنه قال: إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل أعوذ برب الناس، وإن أتاك من قبل الغضب فقل ملك الناس، وإن أتاك من قبل الهوى فقل إله الناس.

المنهج الثالث: في أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يفتقر إليه الإنسان في معرفة المبدأ والوسط والمعاد "الحمد لله" إشارة إلى إثبات الصانع المختار العليم الحكيم المستحق للحمد والثناء والتعظيم.

"رب العالمين" يدل على أن ذلك الإله واحد وأن كل العالمين ملكه وملكه وليس في العالم إله سواه، ولهذا جاء في القرآن الاستدلال بخلق الخلائق كثيراً ﴿ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت  ﴾ ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين  ﴾ ﴿ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم  ﴾ ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق.

خلق الإنسان من علق  ﴾ وهذه الحالة كما أنها في نفسها دليل على وجود الرب فكذلك هي في نفسها إنعام عظيم، وذلك أن تولد الأعضاء المختلفة الطبائع والصور من النطفة المتشابهة الأجزاء لا يمكن إلا إذا قصد الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور والطبائع، وكل منها مطابق للمطلوب وموافق للغرض كما يشهد به علم تشريح الأبدان.

فلا أحق بالحمد والثناء من هذا المنعم المنان الكريم الرحمن الرحيم الذي شمل إحسانه قبل الموت وعند الموت وبعد الموت.

﴿ مالك يوم الدين ﴾ يدل على أن من لوازم حكمته ورحمته أن يقدر بعد هذا اليوم يوماً آخر يظهر فيه تمييز المحسن من المسيء والمظلوم من الظالم، وههنا تمت معرفة الربوبية.

ثم إن قوله "إياك نعبد" إشارة إلى الأمور التي لا بد من معرفتها في تقرير العبودية وهي نوعان: الأعمال والآثار المتفرعة على الأعمال أما الأعمال فلها ركنان: أحدهما الإتيان بالعبادة وهو قوله "إياك نعبد" والثاني علمه بأنه لا يمكنه ذلك إلا بإعانة الله وهو قوله "وإياك نستعين".

وأما الآثار المتفرعة على الأعمال فهي حصول الهداية والتحلي بالأخلاق الفاضلة المتوسطة بين الطرفين المستقيمة بين المنحرفين ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ إلى آخره وفي قوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ دليل على أن الاستضاءة بأنوار أرباب الكمال خلة محمودة وسنة مرضية "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ وفي قوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ إشارة إلى أن التجنب عن مرافقة أصحاب البدع والأهواء واجب.

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي والجمر يوضع في الرماد فيخمد *** المنهج الرابع: قال  حكاية عن الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ يقول الله: ذكرني عبدي.

وإذا قال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ يقول الله: حمدني عبدي وإذا قال: "الرحمن الرحيم" يقول الله: عظمني عبدي.

وإذا قال: ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يقول الله: مجدني عبدي - وفي رواية فوض إلي عبدي - وإذا قال: "إياك نعبد" يقول الله: عبدني عبدي وإذا قال: "وإياك نستعين" يقول الله: توكّل عليّ عبدي - وفي رواية وإذا قال: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل فقوله "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي" إشارة إلى أن أهم مهمات العبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية ثم بمعرفة العبودية، لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم  ﴾ فلا جرم أنزل الله  هذه السورة جامعة لكل ما يحتاج إليه العبد في الوفاء بذلك العهد وقوله "إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله ذكرني عبدي" مناسب لقوله  ﴿ فاذكروني أذكركم ﴾ "أنا جليس من ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" والذكر مقام عالٍ شريف ذكره الله  في القرآن كثيراً ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً  ﴾ ﴿ واذكر ربك في نفسك  ﴾ ﴿ تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم  ﴾ ولهذا وقع الإبتداء به.

وقوله "ذكرني عبدي" دل على أن ذاته المخصوصة صارت مذكورة بقوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ وهذا يدل على أن الله اسم علم.

وقوله "إذا قال: الله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي" يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر لأنه أول كلام في أول خلق العالم حيث قالت الملائكة: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك  ﴾ وآخر كلام في الجنة ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ ولأن الفكر في ذات الله  غير ممكن "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله" وكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه أكثر فيحمد الله  أكثر، فقوله "حمدني عبدي" شهادة من الله  على وقوف العبد بعقله وفكره على وجوه فضله وإنعامه في ترتيب العالم وتربية العالمين، وأنه أقر بقلبه ولسانه بكرمه وإحسانه.

قوله "وإذا قال: الرحمن الرحيم" "يقول الله: عظمني عبدي" يدل ذلك على أن الإله الكامل المكمل المنزه عن الشريك والنظير والمثل والند والضد، هو في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده.

ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام وهو التعظيم لله.

وقوله "وإذا قال: مالك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي" أي نزهني وقدسني عن الظلم وعن شبهة الظلم حيث قضيت معاداً يحشر إليه العباد ويقضي فيه بين الظالم والمظلوم والقوي والضعيف.

أيحسب الظالم في ظلمه *** أهمله القادر أم أمهلا ما أهملوه بل لهم موعد *** لن يجدوا من دونه موئلا وقوله "وإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي" معناه أن "إياك نعبد" يدل على إقدام العبد على الطاعة والعبادة ولا يتم ذلك إلا بإعانة الله بخلق داعية فيه خالصة عن المعارض، فإن العبد غير مستقل بالإتيان بذلك العمل فهو المراد من قوله "وإياك نستعين" وقوله "وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" تقريره أن أهل العلم مختلفون بالنفي والإثبات في جميع المسائل الإلهية أو أكثرها، وفي المعاد والنبوات وغيرها مع استواء الكل في العقل والنظر.

فالاهتداء إلى ما هو الحق في الأمر نفسه ليس إلا بهداية الله  وإرشاده كما قالت الملائكة ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا  ﴾ وقال إبراهيم  ﴿ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  ﴾ وقال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري  ﴾ .

المنهج الخامس: آيات الفاتحة سبع والأعمال المحسوسة في الصلاة أيضاً سبعة: القيام والركوع والانتصاب منه والسجود الأول والانتصاب منه والسجود الثاني والقعدة.

فهذه الأعمال كالشخص والفاتحة لها كالروح، وإنما يحصل الكمال عند اتصال الروح بالجسد، فقوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ بإزاء القيام، ألا ترى أن الباء في بسم الله لما اتصل باسم الله حصل قائماً مرتفعاً.

وأيضاً التسمية لبداية الأمور "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله أبتر" والقيام أيضاً أول الأعمال.

وقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ بإزاء الركوع لأن الحمد في مقام التوحيد نظراً إلى الحق وإلى الخلق والمنعم والنعمة، لأنه الثناء على الله بسبب الإنعام الصادر منه إلى العبد، فهو حالة متوسطة بين الإعراض والاستغراق، كما أن الركوع متوسط بين القيام والسجود، وأيضاً ذكر النعم الكثيرة مما يثقل الظهر فينحني وقوله "الرحمن الرحيم" مناسب للانتصاب، لأن العبد لما تضرع إلى الله بالركوع فاللائق برحمته أن يرده إلى الانتصاب ولهذا قال  : "إذا قال العبد: سمع الله لمن حمده نظر الله إليه بالرحمة" وقوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ مناسب للسجدة الأولى لدلالته على كمال القهر والجلال والكبرياء وذلك يوجب الخوف الشديد المستتبع لغاية الخضوع.

وقوله ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ مناسب للقعدة بين السجدتين لأن إياك نعبد إخبار عن السجدة التي تقدمت و "إياك نستعين" استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية، وقوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة الثانية ليدل على نهاية الخشوع.

وقوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ إلخ.

مناسب للقعود لأن العبد لما أتى بغاية التواضع قابله الله بالإكرام والقعود بين يديه وحينئذ يقرأ "التحيات لله" كما أن محمداً  قرأها في معراجه فالصلاة معراج المؤمن.

المنهج السادس: آيات الفاتحة سبع وأعمال الصلاة المحسومة سبعة كما تقدم، ومراتب خلق الإنسان سبع ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 12 - 14\] فنور آيات الفاتحة يسري إلى الأعمال السبعة، ونور الأعمال السبعة يسري إلى هذه المراتب فيحصل في القلب نور على نور، ثم ينعكس إلى وجه المؤمن "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار".

المنهج السابع: إنه كان لرسول الله  معراجان: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم من المسجد الأقصى إلى عالم الملكوت.

هذا في عالم الحس، وأما في عالم الأرواح، فمن الشهادة إلى الغيب، ثم من الغيب إلى غيب الغيب، فهذا بمنزلة قوسين متلاصقين، فتخطاهما محمد  فكان قاب قوسين.

وقوله "أو أدنى" إشارة إلى فنائه في نفسه.

والمراد بعالم الشهادة كل ما يتعلق بعالم الجسم والجسمانيات، وبعالم الأرواح ما فوق ذلك من الأرواح السفلية، ثم المتعلقة بسماء سماء إلى الملائكة الحافين من حول العرش، ثم إلى حملة العرش ومن عند الله الذين طعامهم ذكر الله وشرابهم محبته وأنسهم بالثناء عليه ولذتهم في خدمته ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ وهكذا يتصاعد إلى أن ينتهي إلى نور الأنوار وروح الأرواح ولا يعلم تفاصيلها إلا الله أو من ارتضاه، والمقصود أن نبينا  لما عرج وأراد أن يرجع قال رب العزة: المسافر إذا عاد إلى وطنه أتحف أصحابه وإن تحفة أمتك الصلاة الجامعة بين المعراجين الجسماني بالأفعال والروحاني بالأذكار.

فليكن المصلي ثوبه طاهراً وبدنه طاهراً لأنه بالوادي المقدس طوى.

وأيضاً عنده ملك وشيطان، ودين ودنيا، وعقل وهوى، وخير وشر، وصدق وكذب، وحق وباطل، وحلم وطيش، وقناعة وحرص، وسائر الأخلاق المتضادة والصفات المتنافية، فلينظر أيها يختار فإنه إذا استحكمت المرافقة تعذرت المفارقة، اختار الصديق صحبة محمد  فلم يفارقه في الدنيا وفي القبر ويكون معه في القيامة وفي الجنة، وصحب كلب أصحاب الكهف فلزمهم في الدنيا والآخرة قال  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين  ﴾ ثم إذا تطهر فليرفع يديه إشارة إلى توديع الدنيا والآخرة وليوجه قلبه وروحه وسره إلى الله ثم ليقل "الله أكبر" أي من كل الموجودات بل هو أكبر من أن يقاس إليه غيره بأنه أكبر منه، ثم ليقل "سبحانك اللهم وبحمدك" وفي هذا المقام ينكشف له نور سبحات الجلال، ثم ليقل "تبارك اسمك" إشارة إلى الدوام المنزه عن الإفناء والإعدام ليطالع حقيقة الأزل في القدم وحقيقة الأبد في البقاء، فيتجلى له نور الأزل والأبد، ثم ليقل "وتعالى جدك" إشارة إلى أنه أعلى وأعظم من أن تكون صفات جلاله ونعوت كماله محصورة في القدر المذكور، ثم ليقل "ولا إله غيرك" إشارة إلى أن صفات الجلال وسمات الكمال له  لا لغيره فهو الكامل الذي لا كامل إلا هو وفي الحقيقة لا هو إلا هو، وههنا بكل اللسان وتدهش الألباب، ثم عد أيها المصلي إلى نفسك وحالك وقل "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" فقولك "سبحانك اللهم وبحمدك" معراج الملائكة المقربين حيث قالوا ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك  ﴾ وهو أيضاً معراج محمد  لأن معراجه مفتتح بقوله "سبحانك اللهم وبحمدك" وقوله "وجهت وجهي" معراج الخليل  ، وقولك "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي" معراج الحبيب محمد  .

فقد جمع المصلي بين معراج الملائكة المقربين ومعراج عظماء الأنبياء والمرسلين ثم إذا فرغت من هذه الحالة فقل "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" لتدفع العجب عن نفسك، وفي هذه المقام يفتح لك أحد أبواب الجنة وهو باب المعرفة، وبقولك ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ يفتح باب الذكر، وبقولك ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ يفتح باب الشكر، وبقولك "الرحمن الرحيم" يفتح باب الرجاء، وبقولك ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يفتح باب الخوف، وبقولك ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ يفتح باب الإخلاص المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية وبقولك ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ يفتح باب الدعاء والتضرع ﴿ ادعوني استجب لكم  ﴾ وبقولك: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ الخ.

يفتح باب الاقتداء بالأرواح الطيبة والاهتداء بأنوارهم، فجنات المعارف الربانية انفتحت لك أبوابها الثمانية بهذه المقاليد الروحانية، فهذا بيان المعراج الروحاني في الصلاة، وأما الجسماني فأولى المراتب أن تقوم بين يدي الله كقيام أصحاب الكهف ﴿ إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض  ﴾ بل قيام أهل القيامة ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين  ﴾ ثم اقرأ "سبحانك اللهم وبحمدك" ثم "وجهت وجهي" ثم "الفاتحة" وبعدها "ما تيسر لك من القرآن" واجتهد في أن تنظر من الله إلى عبادتك حتى تستحقرها، وإياك أن تنظر من عبادتك إلى الله فإنك إن فعلت ذلك صرت من الهالكين وهذا سر قوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ واعلم أن نفسك إلى الآن جارية مجرى خشية عرضتها على نار خوف الجلال فلانت، فاجعلها منحنية بالركوع ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى، فإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض طاعة الله إلى نفسك "فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى" فإذا عادت إلى استقامتها فانحدر إلى الأرض بغاية التواضع واذكر ربك بغاية العلو وقل: "سبحان ربي الأعلى" فإذا سجدت ثانية حصل لك ثلاثة أنواع من الطاعة...

ركوع واحد وسجدتان، فبالركوع تنجو من عقبة الشهوات، وبالسجود الأول من عقبة الغضب الذي هو رئيس المؤذيات، وبالسجود الثاني تنجو من عقبة الهوى الداعي إلى كل المضلات.

فإذا تجاوزت هذه الصفات وتخلصت عن هذه الدركات، وصلت إلى الدرجات العاليات وملكت الباقيات الصالحات، وانتهيت إلى عقبة جلال مدبر الأرض والسموات، فقل عند ذلك "التحيات المباركات" باللسان، و "الصلوات" بالأركان و "الطيبات" بالجنان وقوة الإيمان بالله، فيصعد نور روحك وينزل نور روح محمد  فيتلاقى الروحان ويحصل هناك الروح والريحان فقل "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فعند ذلك يقول محمد  "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فكأنه قيل لك: بم نلت هذه الكرامات؟

فقل: بقولي: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمداً رسول الله" فقيل: إن محمداً الذي هداك أي شيء هديتك له  ؟

فقل "اللهم صل على محمد وآل محمد"، فقيل لك: إن إبراهيم  وهو الذي قال ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم  ﴾ فما جزاؤك له  ؟

فقل "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين" فيقال لك: هذه الخيرات من محمد وإبراهيم أو من الله؟

فقل: بل من الحميد المجيد "إنك حميد مجيد".

ثم إن العبد إذا ذكر الله  بهذه الأثنية والمدائح ذكره الله  في محافل الملائكة "إذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه" فإذا سمع الملائكة ذلك اشتاقوا إلى العبد فقال الله  : إن الملائكة اشتاقوا إلى زيارتك وقد جاؤوك زائرين فابدأ بالسلام عليهم لتكون من السابقين، فقل عن اليمين وعن الشمال "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" فلا جرم إذا دخل المصلون الجنة فالملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتهم فنعم عقبى الدار.

المنهج الثامن: أعظم المخلوقين جلالة ومهابة المكان والزمان، فالمكان فضاء لا نهاية له، وخلاء لا غاية له، والزمان امتداد وهمي شبيه بنهر خرج من قعر جبل الأزل فامتد ودخل في قعر الأبد، فلا يعرف لانفجاره مبدأ ولا لاستقراره منزل.

فالأول والآخر صفة الزمان، والظاهر والباطن صفة المكان، وكمال هذه الأربعة "الرحمن الرحيم" فالحق  وسع المكان ظاهراً وباطناً، ووسع الزمان أولاً وآخراً، وهو منزه عن الافتقار إلى المكان والزمان، فإنه كان ولا مكان ولا زمان، فعقد المكان بالكرسي ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض  ﴾ وعقد الزمان بالعرش ﴿ وكان عرشه على الماء  ﴾ لأن جري الزمان يشبه جري الماء، فالعلو صفة الكرسي ﴿ وسع كرسيه  ﴾ والعظمة صفة العرش ﴿ رب العرش العظيم  ﴾ وكمال العلو والعظمة لله ﴿ ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم  ﴾ والعلو والعظمة درجتان من درجات الكمال إلا أن العظمة أقوى وفوق الكل درجة الكبرياء "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" ولا يخفى أن الرداء أعظم من الإزار وفوق جميع الصفات صفة الجلال وهي تقدسه في هويته المخصوصة عن مناسبة الممكنات وبه استحق الإلهية، ولهذا قال  : "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" وفي التنزيل ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام  ﴾ فالمصلي يبتغي وجه الله، والداخل على السلطان يجب أن يتطهر من الأدناس والأرجاس، وأولى المراتب التطهر من دنس الذنوب ﴿ توبوا إلى الله توبة نصوحاً  ﴾ ثم من الدنيا حلالها وحرامها وهو الزهد، ثم من الكونين الدنيا والآخرة وهو مقام المعرفة، ثم من الالتفات إلى أعماله وهو مقام الإخلاص، ثم من الالتفات إلى عدم الالتفات وهو مقام المحسنين، ثم من الالتفات إلى كل ما سوى الله وهو مقام الصديقين، ثم قم قائماً ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً  ﴾ واستحضر في نفسك جميع أقسام العالم من الروحانيات والجسمانيات فقل "الله أكبر" أي من الكل كما مر، أو من لا يراني ولا يسمع كلامي كما قال النبي  "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" أو أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأفهامهم كما قال علي بن أبي طالب  : التوحيد أن لا تتوهمه أو أكبر من أن يقدر الخلق على قضاء حق عبوديته فإذا قلت "الله أكبر" فأجل طرف عقلك في ميادين جلال الله وقل "سبحانك اللهم وبحمدك" ثم قل "وجهت وجهي" ثم انتقل إلى عالم الأمر والتكليف واجعل سورة الفاتحة مرآة لكي تبصر فيها عجائب الدنيا والآخرة، وتطلع منها على أنوار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا والأديان السالفة والكتب الإلهية والشرائع النبوية فتصل إلى الشريعة ومنها إلى الطريقة ومنها إلىالحقيقة وتشاهد درجات الكاملين ودركات الناقصين، فإذا قلت ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أبصرت به الدنيا فباسمه قامت السموات والأرضون، وإذا قلت ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ أبصرت به الآخرة فبالحمد قامت الآخرة ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ وإذا قلت ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ أبصرت به عالم الجمال المشتمل على أصول النعم وفروع النوال، وإذا قلت ﴿ مالك يوم الدين ﴾ أبصرت به عالم الجلال وما يحصل هناك من الأحوال والأهوال، وإذا قلت "إياك نعبد" أبصرت به عالم الشريعة، وإذا قلت "وإياك نستعين" أبصرت به عالم الطريقة، وإذا قلت ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ أبصرت به عالم الحقيقة وإذا قلت ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ أبصرت به درجات أرباب السعادات وأصحاب الكرامات، وإذا قلت ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ لاحظت دركات أهل التفريط والإفراط فإذا انكشفت لك هذه المقامات فلا تظن أنك قد بلغت الغايات بل عد إلى الإقرار للحق بالكبرياء ولنفسك بالهوان وقل "الله أكبر" ثم انزل من صفة الكبرياء إلى العظمة وقل "سبحان ربي العظيم" ثم انتصب ثانياً وادع لمن وقف موفقك وحمد حمدك وقل "سمع الله لمن حمده" فإنك إذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم.

ولا تكبير في هذا المقام لأن التكبير من الكبرياء والهيبة والخوف وهذا مقام الشفاعة، ثم عد إلى التكبير وانحدر به إلى غاية العلو وقل "سبحان ربي الأعلى" لأن السجود أكثر تواضعاً.

روي أن لله ملكاً تحت العرش اسمه حزقيل.

فأوحى إليه أيها الملك طر فطار ثلاثين ألف سنة، ثم ثلاثين ألف سنة، فلم يبلغ من أحد طرفي العرش إلى الثاني فأوحى الله إليه: لو طرت إلى نفخ الصور لم تبلغ إلى الطرف الثاني من العرش.

فقال الملك عند ذلك: سبحان ربي الأعلى.

أما فوائد السجدتين فالأولى الأزل والثانية الأبد، والقعدة بينهما هي الدنيا، فتعرف بأزليته أنه لا أول له فتسجد له، وبأبديته أنه لا آخر له فتسجد له ثانياً.

وأيضاً الأولى فناء الدنيا في الآخرة، والثانية فناء الآخرة في جلال الله تعالى، وأيضاً الأولى فناء الكل في أنفسها، والثانية بقاؤها ببقائه، وأيضاً الأولى انقياد عالم الشهادة لقدرته، والثانية انقياد عالم الأرواح لعزته ﴿ ألا له الخلق والأمر  ﴾ وأيضاً الأولى سجدة الشكر بمقدار ما أعطانا من معرفة ذاته وصفاته، والثانية سجدة الخوف مما فاتنا من أداء حقوق كبريائه.

وأيضاً صلاة القاعدة على النصف من صلاة القائم فتواضع السجدتين بإزاء تواضع ركوع واحد، وأيضاً ليكونا شاهدين للعبد على أداء العبادة، وأيضاً ليناسب الوجود الأخذ من الوحدة إلى الكثرة ومن الفردية إلى الزوجية، وأيضاً الانتصاب صفة الإنسان والانحناء صفة الأنعام والجثوم صفة النبات.

ففي الركوع هضم للنفس بمرتبة واحدة، وفي السجود بمرتبتين، ولعل ما فاتنا من الفوائد أكثر مما أدركنا.

المنهج التاسع في اللطائف: عن النبي  أن إبراهيم  سأل ربه فقال: ما جزاء من حمدك؟

فقال  : الحمد لله فاتحة الشكر وخاتمته.

فقال أهل التحقيق: من ههنا جعلها الله فاتحة كتابه وخاتمة كلام أحبائه في جنته ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعن علي  أن أول ما خلق الله العقل من نوره المكنون، ثم قال له: تكلم فقال: الحمد لله فقال الرب: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعز عليّ منك.

ونقل عن آدم  لما عطس قال: الحمد لله فأول كلام لفاتحة المحدثات الحمد، وأول كلام لخاتمة المحدثات الحمد، فلا جرم جعلها الله  فاتحة كتابه.

وأيضاً أول كلام الله "الحمد لله" وآخر أنبيائه محمد رسول الله  وبين الأول والآخر مناسبة، فجعل "الحمد لله" أول آية من كتاب محمد رسول الله، ولما كان كذلك وضع لمحمد رسول الله من كلمة الحمد اسمان: محمد وأحمد.

وعند هذا قال  "أنا في السماء أحمد وفي الأرض محمد" فأهل السماء في تحميد الله ورسوله أحمدهم، والله  في تحميد أهل الأرض كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ورسول الله محمدهم.

أخرى: الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالرحمة والنعمة، فلما كان الحمد أول الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال فلهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" أخرى: أن رسول الله  اسمه أحمد أي أكثر الحامدين حمداً فوجب أن تكون رحمة الله في حقه أكثر فلهذا جاء رحمة للعالمين.

أخرى: إن من أسماء رسول الله  سوى اسمه محمد وأحمد الحامد والمحمود على ما جاء في الروايات، وكلها تدل على الرحمة، لأن الحمد يتضمن النعمة فقال  : ﴿ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم  ﴾ فقوله "نبئ" إشارة إلى محمد وهو مذكور قبل العباد، والياء في قوله "عبادي" ضمير الله  .

وكذا في "أني" و "أنا" و "الغفور" و "الرحيم" صفتان لله، فالعبد يمشي يوم القيامة وقدامه الرسول  مع خمسة أسماء تدل على الرحمة، وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء الله  تدل على الرحمة، ورحمة الرسول كثيرة ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ ورحمة الله  غير متناهية ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء  ﴾ فكيف يضيع المذنب فيما بين هذه الأصناف من الرحمة؟!.

أخرى: في الفاتحة عشرة أشياء، خمسة من صفات الربوبية: الله الرب الرحمن الرحيم المالك، وخمسة من صفات العبودية: العبادة الاستعانة طلب الهداية طلب الاستقامة طلب النعمة في قوله "أنعمت عليهم" وكأنه قيل "إياك نعبد" لأنك أنت الله "وإياك نستعين" يا رب اهدنا يا رحمن، وارزقنا الاستقامة يا رحيم، وأفض علينا سجال فضلك يا مالك.

أخرى: الإنسان مركب من خمسة أشياء: بدن ونفس شيطانية ونفس سبعية ونفس بهيمية وجوهر ملكي عقلي.

فتجلى اسم الله للجوهر الملكي فاطمأن إليه ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ وتجلى للنفس الشيطانية باسم الرب فلان وانقاد لطاعة الديان ﴿ رب أعوذ بك من همزات الشياطين ﴾ \[المؤمنون: 97\] وتجلى للنفس السبعية باسم الرحمن وهو مركب من القهر واللطف ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن  ﴾ فترك الخصومة والعدوان.

وتجلى للنفس البهيمية باسم الرحيم ﴿ أحل لكم الطيبات  ﴾ فترك العصيان، وتجلى للأبدان بصفة القهر والمالكية لأن البدن غليظ كثيف فيحتاج إلى قهر شديد ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ فدان.

فلمكان هذه التجليات انغلقت له أبواب النيران وفتحت عليه أبواب الجنان ورجع القهقرى كما جاء، فلطاعة الأبدان قال: "إياك نعبد" ولطاعة النفس البهيمية قال: "وإياك نستعين" على ترك اللذات وارتكاب المنكرات، ولطاعة النفس السبعية قال: "اهدنا وأرشدنا وعلى دينك ثبتنا" ولطاعة النفس الشيطانية طلب الاستقامة فقال: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ ولجوهره العقلي الملكي طلب مرافقة الأرواح المقدسة لا المدنسة فقال: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ .

أخرى: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فشهادة أن لا إله إلا الله من تجلي نور اسم الله، وإقام الصلاة من تجلي نور اسم الرب لأن الرب من التربية، والعبد يربي أمانة عدد الصلاة، وإيتاء الزكاة من تجلي اسم الرحمن لأن الزكاة سببها الرحمة على الفقراء، وصوم رمضان من تجلي اسم الرحيم لأن الصائم إذا جاع يذكر جوع الفقراء فيعطيهم (يحكى) أن يوسف حين تمكن من مصر كان لا يشبع فقيل له في ذلك؟

فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.

وأيضاً الصائم يرحم نفسه لأنه إذا جاع حصل له فطام عن الالتذاذ بالمحسوسات، فعند الموت يسهل عليه مفارقتها.

ووجوب الحج من تجلي اسم "مالك يوم الدين" لأن الحج يوجب هجرة الوطن ومفارقة الأهل والولد وذلك يشبه سفر القيامة.

وأيضاً الحاج يكون عارياً حافياً حاسراً وهو يشبه أحوال القيامة.

أخرى: الحواس خمس ولكل أدب فأدب البصر ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ وأدب السمع ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ وأدب الذوق ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ﴾ \[المؤمنون: 51\] وأدب الشم ﴿ إني لأجد ريح يوسف  ﴾ وأدب المس ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] فاستعن بأنوار الأسماء الخمسة: الله الرب الرحمن الرحيم المالك، على تأديب هذه الحواس الخمس.

أخرى: الشطر الأول من الفاتحة مشتمل على الأسماء الخمسة لله فيفيض أنوارها على الأسرار، والشطر الثاني مشتمل على الصفات الخمس للعبد فتصعد منها أسراره إلى تلك الأنوار ويحصل للعبد معراج في قراءته، وتقرير الأسرار أن حاجة العبد إما لدفع ضر أو جلب خير، وكل منهما إما في الدنيا وإما في الآخرة، فهذه أربعة، وههنا قسم خامس هو الأشرف وذلك الإقبال على طاعة الله وعبوديته لا لأجل رغبة أو رهبة، فإن شاهدت نور اسم الله لم تطلب منه شيئاً سوى الله، وإن طالعت نور الرب طلبت منه خيرات الجنة، وإن طالعت نور الرحمن طلبت منه خيرات الدنيا، وإن طالعت نور الرحيم طلبت منه العصمة عن مضار الآخرة، وإن طالعت نور "مالك يوم الدين" طلبت منه الصون عن آفات الدنيا الموقعة في عذاب الآخرة أعاذنا الله منها.

أخرى: للتجلي ثلاث مراتب: تجلي الذات ﴿ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون  ﴾ وهذا لعظماء الأنبياء والملائكة المقربين وهذه نهاية الأحوال ويدل عليه اسم الله، وتجلي الصفات وهو في أواسط الأحوال ويكون للأولياء وأولي الألباب ﴿ الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً  ﴾ ويدل عليه اسم الرحمن.

وتجلي الأفعال والآيات وهو في بداية الأحوال ويكون لعامة العباد ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي  ﴾ ويدل علي لفظ الرحيم ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً  ﴾ .

أخرى: في الفاتحة كلمتان مضافتان إلى اسم الله "بسم الله" و "الحمد لله" بسم الله لبداية الأمور والحمد لله لخواتيم الأمور، "بسم الله" ذكر "والحمد لله" شكر بسم الله أستحق الرحمة رحمن الدنيا، وبالحمد لله أستحق رحمة أخرى رحيم الآخرة.

كلمتان أضيف إليهما اسمان لله "رب العالمين" "مالك يوم الدين" فالربوبية لبداية حالهم ﴿ ألست بربكم قالوا بلى  ﴾ والملك لنهاية حالهم ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ وبينهما اسمان مطلقان لوسط حالهم "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

المنهج العاشر: للخلق خمس أحوال: أولها: الإيجاد والتكوين والإبداع ويدل عليه اسم الله.

وثانيها: التربية في مصالح الدنيا ويدل عليه اسم الرب.

وثالثها: التربية في معرفة المبدأ ويدل عليها اسم الرحمن.

ورابعها: في معرفة المعاد ويدل عليها اسم الرحيم كي يقدم على ما ينبغي ويحجم عما لا ينبغي.

وخامسها: نقل الأرواح من عالم الأجساد إلى المعاد ويدل عليه اسم "مالك يوم الدين" ثم إن العبد إذا انتفع بهذه الأسماء صار من أهل المشاهدة فقال: "إياك نعبد" لأنك أنت الله الخالق "وإياك نستعين" لأنك أنت الرب الرازق "إياك نعبد" لأنك الرحمن "وإياك نستعين" لأنك الرحيم "إياك نعبد" لأنك الملك "وإياك نستعين" لأنك المالك، "إياك نعبد" لأنا ننتقل من دار الشرور إلى دار السرور ولا بد من زاد وخير الزاد العبادة، "وإياك نستعين" لأن الذي نكتسب بقوتنا وقدرتنا لا يكفينا فإن السفر طويل والزاد قليل.

ثم إذا حصل الزاد بإعانتك فالشقة شاسعة والطرق كثيرة، فلا طريق إلا أن يطلب الطريق ممن هو بإرشاد السالكين حقيق ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ .

ثم إنه لا بد لسالك الطريق الطويل من رفيق ودليل ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ فالأنبياء أدلاء والصديقون والشهداء والصالحون رفقاء، غير المغضوب عليهم ولا الضالين لأن الحجب قسمان: نارية وهي الدنيا بما فيها، ونورية وهي ما سواها.

اللهم ادفع عنا كل ما يحجب بينك وبيننا إنك رب العالمين ومالك يوم الدين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قولهُ عز وجلَّ: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ﴾ .

احتمل أن يكون جلَّ ثناؤُه حمدَ نفسه؛ ليُعلِم الخلقَ استحقاقَه الحمد بذاته؛ فيَحمَدوهُ.

فإن قيل: كيف يجوز أن يحمدَ نفسه، ومثلهُ في الخلق غير محمود؟!

قيل له: لوجهين: أحدهما: أَنَّه استحقَّ الحمدَ بذاته، لا بأَحدٍ؛ ليكون في ذلك تعريفُ الخلقِ لما يُزلفُهم لديه بما أَثْنَى على نفسه؛ ليُثْنُوا عليه.

وغيرُه إنما يكون ذلك له به - جل وعز - فعليه: توجيه الحمد إليه لا إلى نفسه؛ إذ نفسُه لا تستوجبه بها، بل بالله  .

والثاني: أَن الله  حقيق بذلك؛ إذ لا عيب يمسُّهُ، ولا آفة تحل به فيدخل نقصان في ذلك.

ولا هو خاصّ بشيء.

والعبْدُ لا يخلو عن عيوب تمسُّه، وآفات تحل به، ويُمدح بالائتمار، ويذم بتركه.

وفي ذلك تمكن النقصان، وحق لمثله الفزع إلى الله، والتضرع إليه، ليتغمدهُ برحمته، ويتجاوز عن صنيعه.

وعلى ذلك معنى التكبير، نحمد به ربنا ولا نحمد غيره؛ إذ ليس للعبد معنى يستقيم معه تكبُّره، إذ هُم جميعاً أَكفاء من طريق المحبَّة، والخلق، وما أَدرك أَحدٌ منهم من فضيلة أو رفعة فبالله أدركه، لا بنفسه؛ فعليه تنزيه الرب، والفزعُ إليه بالشكر، لا بالتكبر على أمثاله.

والله عن هذا الوصفِ مُتَعَالٍ.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ﴾ على إضمار الأَمر، أي: قولوا: الحمد لله؛ لأن الحمد يضاف إلى الله، فلا بد من أن يكون له علينا؛ فأَمرَ بالحمد لذلك.

ثم يخرج ذلك على وجهين: أحدهما: ما روي عن ابن عباس -  - أنه قال: "الحمد لله: أي الشكر لله بما صنع إلى خلقه".

فيخرج تأويل الآية على هذا؛ لأنه - على هذا الترتيب - على الأَمر بتوجيه الشكر إليه، وذلك بتضمن الأَمر أيضاً بكل الممكن من الطاعة على ما روي عن النبي -  - "أَنَّه صَلَّى حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فقِيلَ لَهُ: أليسَ قَدْ غَفَرَ اللهُ لكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ؟

قَالَ: أَفلا أكونُ عَبْداً شَكُوراً" !.

فصيَّر أَنواع الطاعات شكراً له، فمن أَطاع الله -  - فقد شكر له، فيخرج تأْويل الآية على هذا.

والوجه الثاني: أنه يخرج مخرج الثناء على الله - عز وجل - والمدح له، والوصفِ بما يستحقه، والتنزيه عما لا يليق به، من توجيه النعم إليه، وقطع الشركة عنه في الإنعام والإفضال على عباده.

وعلى ذلك ما روي عن رسول الله  : "أَن الله - عز وجل - يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمين، قال الله  : حَمِدَني عَبْدي" ؛ فجعل الحمدَ هذا الحرف، وصيَّر منه ثناءً؛ لوجهين: أحدهما: أنه نسب الربوبية إليه في جميع العالم، وقطعها عن غيره.

والثاني: أَنه سَمَّى ذلك صلاةً، والصلاةُ اسْم للثناءِ والدعاءِ، وذلك خلاف الذم ونقيضه.

وفي الوصف بالبراءَة من الذم مدحٌ، وثناءٌ بغاية المدح والثناءِ؛ ولذلك يفرق القول بين الحمد والشكر؛ إذ أُمِرْنا بالشكر للناس بما جاءَ عن رسول الله -  -: "إنَّ من لم يَشكُرِ النَّاس لم يشكرِ الله" صيره بمعنى المجازاة، والحمدُ بمعنى الوصف بما هو أَهله؛ فلم يُسْتَحَب الحمد إلا لله.

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

رُوي عن ابن عباس -  - أنه قال: "سيد العالَمين".

والعالم: كل من دَبَّ على وجه الأرض.

وقد يتوجه: الربُّ" إلى الرُّبُوبية لا إلى السؤدد؛ إذ يستقيم القول برب كل شيء من بني آدم و غيره، نحو رب السماوات والأرضين، ورب العرش ونحوه، وغير مستقيم القول بسيد السماوات ونحوه.

وقد يتوجه اسم الرب إلى المالك؛ إذ كل من يُنْسب إليه الملك يُسمَّى أنه مالكه.

ولا يُسمَّى أنه سيد إلا في بني آدم خاصةً.

واسم الرب يجمع ذلك كلَّه؛ لذلك كان التوجيه إلى المالك أقرب، وإن احتمل المروى عن ابن عباس -  - إذا هو في الحقيقة سيِّدُ من ذُكِر ورَبُّهم.

والله الموفق.

ثم اختلَف أَهلُ التفسير في العَالَمِين: فمنهم من رد إلى كل ذي روح دب على وجه الأرض.

ومنهم من رد إلى كل ذي روح في الأَرض وغيرها.

ومنهم من قال: لله كذا، كذا عالم.

والتأْويل عندنا ما أجمع عليه أَهل الكلام: أن العالَمين: اسم لجميع الأَنام والخلق جميعاً.

وقول أَهلِ التفسير يرجع إلى مثله، إلا أَنهم ذكروا أَسماءَ الأَعلام، وأَهل الكلام ما يجمع ذلك وغيرَهم.

ثم العالَم اسم للجميع، وكذلك الخلق، ثم تعريف ذلك بالعالَمين والخلائق يتوجه إلى جمع الجمع، من غير أن يكون في التحقيق تفاوتٌ، وقد يتوجه إلى عالم كل زمان وكذا خلقِ كل زمان على حكم تجدد العالم.

وبالله التوفيق.

وفي ذلك أن الله - عز وجل - ادعى لنفسه: رب العالمين كلهم، من تقدم وتأَخر، ومن كان ويكون، لم يَقْدر أَحد أَن ينطق بالتكذيب، يدَّعى شيئاً من ذلك لنفسه؛ فدل ذلك على أن لا رب غيره، ولا خالق لشيء من ذلك سواه؛ إذ لا يجوز أَن يكون حكيم أَو إليه ينشىء ويبدع ولا يدعيه، ولا يفصل ما كان منه ما كان لغيره، وبنفسه قام ذلك لا بغيره؛ وعلى ذلك معنى قوله  : ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ \[المؤمنون: 91\] فهذا - مع ما في اتِّساق التدبير، واجتماع التضاد، وتعلق حوائج بعضٍ ببعض، وقيام منافع بعضٍ ببعض، على تباعد بعضٍ من بعض وتضادها - دليلٌ واضح على أن مدبر ذلك كله واحد، وأَنه لا يجوز كون مثل ذلك من غير مُدبِّر عليم.

والله المستعان.

وقوله: ﴿ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .

اسمان مأْخوذان من الرحمة، لكنه رُوِي فيهما: رقيقان أَحُدهما أَرقُّ من الآخر، وكأن الذي رُوِي عنه هذا أَراد به لطيفان أَحُدُهما أَلطف من الآخر، دليل ذلك وجهان: أَحدهما: مجيء الأَثر في ذلك - اللطيف - في أسماء الله  مع ما نطق به الكتاب، ولم يذكر في شيء من ذلك رقيق.

ومعنى اللطيف: استخراج الأُمور الخفية وظهورها له؛ كقوله: ﴿ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ لَطِيفٌ خَبِيرٌ  ﴾ ، وبالله التوفيق.

والثاني: أن اللطيفَ حرف يدل على البرِّ والعطفِ.

والرقة على رقة الشيء التي هي نقيض الغلظ والكثافة كما يقال: فلان رقيق القلب.

وإذا قيل: فلان لطيف، فإنما يراد به بارٌّ: عاطف؛ فلذلك يجوز: لطيف، ولا يجوز: رقيق، وكذلك فسر من فسر "الرحمن" بالعاطف على خلْقه بالرزق.

وذهب بعضهم - وهو الأول - إلى اللطافة وذلك بعيد، وإنما هو من اللُّطف.

وقوله: أَحدُهما أَرق من الآخر، بمعنى اللطف - يحتمل وجهين: أحدهما: التحقيق بأَن اللطف بأَحد الحرفين أَخص وأَليق، وأَوفر وأَكمل، فذلك رحمته بالمؤمنين أنه يقال: رحيم بالمؤمنين على تخصيصهم بالهداية لدينه؛ ولذا ذكر أُمته وإن أشركهُم في الرزِق فيما يراهم غيرهم؛ ألا ترى أنه لا يقال: رحمن بالمؤمنين، وجائز القول: رحيم بهم، وكذلك لا يقال: رحيم بالكافرين، مطلقاً؟!

وبالله التوفيق.

ووجه آخر: أَن أحدهما أَلطف من الآخر؛ كأنه وصف الغاية في اللطف حتى يتعذر وجه إدراك ما في كل واحد منهما من اللطف، أو يوصف بقطع الغاية عما يتضمنه كل حرف.

وبالله التوفيق.

ثم في هذا أن اسم "الرحمن" هو المخصوص به الله لا يسمى به غيره، و"الرحيم" يجوز تسمية غيره به؛ فلذلك يوصف أن "الرحمن" اسم ذاتي، و"الرحيم" فِعْلى، وإن احتمل أن يكونا مشتقين من الرحمة؛ ودليل ذلك: إنكار العرب "الرحمن"، ولا أحد منهم أنكر "الرحيم"، حيث قالوا: ﴿ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا  ﴾ وذلك قوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ  ﴾ يَدُل على أنَّه ذاتيٌّ لا فعلىٌّ، وإن كان الفعل صفة الذات؛ إذ محالٌ صفته بغيره؛ لما يوجب ذلك الحاجة إلى غيره ليحدث له الثناءَ والمدح.

وفي ذلك خَلَق الخلق لنفع الامتداح، وهو عن ذلك متعالٍ، بل بنفسه مستحقٌّ لكل حمدٍ ومدح، ولا قوة إلا بالله.

وروي في خبر القسمة: "أَن العبد إذا قال: الرحمن الرَّحيم، قال الله  : أَثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي".

وذكر أنه قال في الأول: بالتمجيد، وفي الثاني: بالثناء، وذلك واحد؛ لأن معنى الثناء الوصف بالمجد والكرم والجود، والتمجيد هو الوصف بذلك، وبالله التوفيق.

ثم أُجمع على أن قوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ أنه يوم الحسابِ والجزاءِ.

وعلى ذلك القول: ﴿ أَءِنَّا لَمَدِينُونَ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ  ﴾ وهو الجزاء.

ومن ذلك قول الناس: "كما تدين تدان".

وجائز أن يكون ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ على جعل ذلك اليوم لما يدان اليوم؛ إذ به يظهر حقيقتُه، وعِظمُ مرتبته، وجليلُ موقعه عند ربه.

وفي الآية دلالة وصف الرب بملكِ ما ليس بموجود لوقت الوصفِ بملكه، وهو يوم القيامة.

ثبت أن الله بجميع ما يستحق الوصف به يستحقه بنفسه لا بغيره.

ولذلك قلنا نحن: هو خالق لم يزل، ورحيم لم يزل، وجواد لم يزل، وسميع لم يزل - وإن كان ما عليه وقع ذلك لم يكن - وكذلك نقول: هو رب كل شيء، وإله كل شيء في الأزل - وإن كانت الأَشياء حادثة - كما قال: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ وإن كان اليومُ بعدُ غير حادثٍ.

وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

جميع أنواع المحامد من صفات الجلال والكمال هي له وحده دون من سواه؛ إذ هو رب كل شيء وخالقه ومدبره.

و "العالمون" جمعُ "عالَم" وهم كل ما سوى الله تعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.oj6xE"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

سميت الفاتحة فاتحة لأنها أول القرآن في هذا الترتيب، وتسمى أم الكتاب، وقالوا: إن حديث النهي عن تسميتها هذا الاسم موضوع.

..

ويتكلمون عند الكلام عن السور على المكي والمدني، وهو يفيد في معرفة الناسخ والمنسوخ، وليس في الفاتحة ناسخ ولا منسوخ، وهي مكية خلافًا لمجاهد، فالإجماع على أن الصلاة كانت بالفاتحة لأول فريضتها، ولا ريب أن ذلك كان في مكة.

وقالوا: هي المراد بالسبع المثاني في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ  ﴾ ، وهو مكي بالنص.

وقال بعضهم: إنها نزلت مرتين، مرة بمكة عند فريضة الصلاة، وأخرى بالمدينة حين حولت القبلة، وكأن صاحب هذا القول أراد الجمع بين القولين، وليس بشيء.

وقال كثيرون: إنها أول سورة أنزلت بتمامها.

والراجح عندي أنها أول ما نزل من القرآن على الإطلاق..

ولا أستثني من ذلك قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  ﴾ .

ومن آية ذلك أن السنة الإلهية في هذا الكون، سواء كان كون إيجاد أو كون تشريع أن يظهر سبحانه الشيء مجملًا، ثم يتبعه التفصيل بعد ذلك تدريجًا، وما مثل الهدايات الإلهية إلا مثل البذرة والشجرة العظيمة، فهي في بدايتها مادة حياة تحتوي على جميع أصولها ثم تنمو بالتدريج حتى تسبق فروعها، بعد أن تعظم دوحتها، ثم تجود عليك بثمرها.

والفاتحة مشتملة على مجمل ما ورد في القرآن، وكل ما فيه تفصيل للأصول التي وضعت فيها، ولست أعني بهذا ما يعبرون عنه بالإشارة ودلالة الحروف، كقولهم: إن أسرار القرآن في الفاتحة، وأسرار الفاتحة في البسملة، وأسرار البسملة في الباء، وأسرار الباء في نقطتها.

فإن هذا لم يثبت عن النبي  وأصحابه عليهم الرضوان، ولا هو معقول في نفسه، وإنما هو من مخترعات الغلاة الذين ذهب بهم الغلو إلى إعدام القرآن خاصته، وهي البيان.

وبيان ما أريد هو: أن ما نزل القرآن لأجله أمور: أحدها:التوحيد، لأن الناس كانوا كلهم وثنيين، وإن كان بعضهم يدعي التوحيد.

ثانيها:وعد من أخذ به وتبشيره بحسن المثوبة، ووعيد من لم يأخذ به وإنذاره بسوء العقوبة، والوعد يشمل ما للأمة وما للأفراد، فيعم نعم الدنيا والآخرة وسعادتهما، والوعيد كذلك يشمل نقمهما وشقاءهما فقد وعد الله المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والعزة والسلطان والسيادة، وأوعد المخالفين بالخزي والشقاء في الدنيا، كما وعد في الآخرة بالجنة والنعيم وأوعد بنار الجحيم.

ثالثها:العبادة التي تحيي التوحيد في القلوب وتثبته في النفوس.

رابعها:بيان سبيل السعادة، وكيفية السير فيه، الموصل إلى نعم الدنيا والآخرة.

خامسها:قصص من وقف عند حدود الله تعالى، وأخذ بأحكام دينه، وأخبار الذين تعدوا حدوده، ونبذوا أحكام دينه ظهريًا، لأجل الاعتبار واختبار طريق المحسنين، ومعرفة سنن الله في البشر.

هذه هي الأمور التي احتوى عليها القرآن، وفيها حياة الناس وسعادتهم الدنيوية والأخروية، والفاتحة مشتملة عليها إجمالًا بغير ما شك ولا ريب.

فأما التوحيد: ففي قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، لأنه ناطق بأن كل حمد وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى، ولا يصح ذلك إلا إذا كان سبحانه مصدر كل نعمة في الكون تستوجب الحمد، ومنها نعمة الخلق والإيجاد والتربية والتنمية، ولم يكتف باستلزام العبارة لهذا المعنى، فصرح به بقوله: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، ولفظ ﴿ رَبِّ  ﴾ ليس معناه المالك والسيد فقط، بل فيه معنى التربية والإنماء، وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق منه  فليس في الكون متصرف بالإيجاد والإشقاء والإسعاد سواه.

التوحيد أهم ما جاء لأجله الدين، ولذلك لم يكتف في الفاتحة بمجرد الإشارة إليه، بل استكمله بقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ، فاجتث بذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم، وهي اتخاذ أولياء من دون الله، يستعان بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويتقرب بهم إلى الله زلفى، وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو تفصيل لهذا الإجمال.

وأما الوعد والوعيد: فالأول منهما مطوي في ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم  ﴾ ، فذكر الرحمة في أول الكتاب، وهي التي وسعت كل شيء - بالإحسان، لا سيما وقد كررها مرة ثانية تنبيهًا لنا على أمره إيانا بتوحيده وعبادته، رحمة منه سبحانه بنا، لأنه لمصلحتنا ومنفعتنا.

وقوله تعالى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ يتضمن الوعد والوعيد معًا، لأن معنى الدين الخضوع، أي أن له تعالى، في ذلك اليوم، السلطان المطلق والسيادة التي لا نزاع فيها، لا حقيقة ولا ادعاء، وأن العالم كله يكون فيه خاضعًا لعظمته ظاهرًا وباطنًا، يرجو رحمته ويخشى عذابه، وهذا يتضمن الوعد والوعيد.

أو معنى ﴿ الدِّينِ  ﴾ الجزاء وهو إما ثواب، للمحسن، وإما عقاب، للمسيء، وذلك وعد ووعيد.

وزد على ذلك أنه ذكر بعد ذلك ﴿ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ .

وهو الذي من سلكه فاز ومن تنكبه هلك، وذلك يستلزم الوعد والوعيد.

وأما العبادة: فبعد أن ذكرت في مقام التوحيد بقوله.

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ، أوضح معناها بعض الإيضاح في بيان الأمر الرابع الذي يشملها ويشمل أحكام المعاملات وسياسة الأمة بقوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، أي أنه قد وضع لنا صراطًا سيبينه ويحدده وتكون السعادة في الاستقامة عليه هي روح العبادة.

ويشبه هذا قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ  إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ  إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  ﴾ ، فالتواصي بالحق والصبر هو كمال العبادة بعد التوحيد.

والفاتحة بجملتها تنفخ روح العبادة في المتدبر لها، وروح العبادة هي إشراب القلوب خشية الله وهيبته والرجاء لفضله، لا الأعمال المعروفة من فعل وكف وحركات اللسان والأعضاء، فقد ذكرت العبادة في الفاتحة قبل ذكر الصلاة وأحكامها والصيام وأيامه، وكانت هذه الروح في المسلمين قبل أن يكلفوا بهذه الأعمال البدنية، وقبل نزول أحكامها التي فصلت في القرآن تفصيلًا ما، وإنما الحركات والأعمال مما يتوسل به إلى حقيقة العبادة، ومخ العبادة والفكر والعبرة.

وأما الأخبار والقصص: ففي قوله تعالى: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ..

تصريح بأن هنالك قومًا تقدموا وقد شرع الله شرائع لهدايتهم، وصائح يصيح ألا فانظروا في الشؤون العامة التي كانوا عليها واعتبروا بها.

كما قال الله تعالى لنبيه يدعوه إلى الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، حيث بين أن القصص إنما هو للعظة والاعتبار.

وفي قوله تعالى: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ تصريح بأن من دون المنعم عليهم فريقين: فريق ضل عن صراط الله وفريق جاحده وعاند من يدعو إليه فكان محفوفًا بالغضب الإلهي والخزي في الحياة الدنيا.

وباقي القرآن يفصل لنا في أخبار الأمم هذا الإجمال على الوجه الذي يفيد العبرة فيشرح حال الظالمين الذين قاوموا الحق عنادًا، والذين ضلوا فيه ضلالًا، وحال الذين حافظوا عليه وصبروا على ما أصابهم في سبيله.

فتبين من مجموع ما تقدم أن الفاتحة قد اشتملت إجمالًا على الأصول التي يفصلها القرآن تفصيلًا، فكان إنزالها أولًا موافقًا لسنة الله تعالى في الإبداع.

وعلى هذا تكون الفاتحة جديرة بأن تسمى (أم الكتاب)، كما نقول: إن النواة أم النخلة، فإن النواة مشتملة على شجرة النخلة كلها حقيقة لا كما قال بعضهم إن المعنى في ذلك أن الأم تكون أولًا ويأتي بعدها الأولاد.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ...

إنهاعلى كل حال من القرآن، فنتكلم عليها كسائر الآيات.

القرآن إمامنا وقدوتنا، فافتتاحه بهذه الكلمة إرشاد لنا بأن نفتتح أعمالنا بها، فما معنى هذا؟

ليس معناه أن نفتتح أعمالنا باسم من أسماء الله تعالى، بأن نذكره على سبيل التبرك أو الاستعانة به، بل أن نقول هذه العبارة: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم  ﴾ ، فإنها مطلوبة لذاتها.

عندما تقول: إنني أذكر اسم الله تعالى كالعزيز والحكيم، لا تعني أنك تذكر لفظ"اسم"، فلو كان قولهم إن المراد من الابتداء بالكلمة"بسم الله"التبرك باسم الله هو الصواب لكان ينبغي أن يكون قولك"بالله الرحمن الرحيم"مثل (بسم الله الرحمن الرحيم)، وقوله تعالى ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا  ﴾ ، وقد قال بعضهم: إن الإضافة ها هنا للبيان، أي أفتتح كلامي باسم هو الله ولكن هذا يقتضي أن يكون لفظ"الرحمن الرحيم"واردًا على اللفظ، وهو غير صحيح وإرادة أن الأسماء الثلاثة هي المبينة للفظ الاسم تَمَحُّلٌ ظاهر، فما المقصود إذًا من هذا التعبير؟

مثل هذا التعبير مألوف عند جميع الأمم، ومنهم العرب، وهو أن الواحد منهم إذا أراد أن يفعل أمْرًا ما لأجل أمير أو عظيم، بحيث يكون متجردًا من نسبته إليه ومنسلخًا عنه، يقول: عمله باسم فلان ويذكر اسم ذلك الأمير أو السلطان، لأن اسم الشيء دليل وعنوان عليه، فإذا كنت أعمل عملًا لا يكون له وجود ولا عنه أثر، لولا السلطان الذي به أمر، أقول..

إن عملي هو باسم السلطان، أي أنه معنون باسمه، ولولاه لما عملته، فمعنى ابتدئ عملي (باسم الله الرحمن الرحيم) أنني أعمل بأمره وله لا لي ولا أعمله باسمي مستقلًا به على أنني فلان، فكأني أقول: إن هذا العمل لله لا لحظ نفسي.

وفيه وجه آخر: وهو أن القدرة التي أنشأت بها العمل هي من الله تعالى، فلولا ما منحني منها لم أعمل شيئًا، فلم يصدر عني هذا العمل إلا باسم الله، ولم يكن باسمي، إذ لولا ما آتاني من القوة عليه لم أستطع أن آتيه، وقد تم هذا المعنى بلفظ (الرحمن الرحيم) كما هو ظاهر.

وحاصل المعنى أنني أعمل متبرئًا من أن يكون باسمي، بل هو باسمه تعالى، لأنني أستمد القوة والعناية منه، وأرجو إحسانه عليه، فلولاه لم اقدر عليه ولم أعمله، بل وما كنت عاملًا له على تقدير القدرة عليه لولا أمره ورجاء فضله، فلفظ الاسم معناه مراد، ومعنى لفظ الجلالة مراد أيضًا وكذلك كل من لفظ الرحمن والرحيم.

وهذا الاستعمال معروف مألوف في كل اللغات، وأقربه إليكم اليوم ما ترون في المحاكم النظامية حيث يبتدئون الأحكام قولًا وكناية باسم السلطان فلان أو الخديوي فلان.

ومعنى البسملة في الفاتحة أن جميع ما يقرر في القرآن من الأحكام والآيات وغيرها هو لله ومنه ليس لأحد غير الله فيه شيء.

والرحمن الرحيم: مشتقان من الرحمة، وهي معنى يلم بالقلب، فيبعث صاحبه ويحمله على الإحسان إلى غيره، وهو محال على الله تعالى بالمعنى المعروف عند البشر، لأنه في البشر ألم في النفس شفاؤه الإحسان، والله تعالى منزه عن الآلام والانفعالات، فالمعنى المقصود بالنسبة إليه من الرحمة أثرها وهو الإحسان.

وقد مشى"الجلال"في تفسيره، وتبعه"الصبان"على أن الرحمن والرحيم بمعنى واحد، وأن الثاني تأكيد للأول ومن العجيب أن يصدر مثل هذا القول عن عالم مسلم وما هي إلا غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها.

وأنا لا أجيز لمسلم أن يقول في نفسه أو بلسانه: إن في القرآن كلمة تغاير أخرى، ثم تأتي لمجرد تأكيد غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنى تستقل به.

نعم..

قد يكون في معنى الكلمة ما يزيد معنى الأخرى تقريرًا أو إيضاحًا، ولكن الذي لا أجيزه هو أن يكون معنى الكلمة هو عين معنى الأخرى بدون زيادة ثم يؤتى بها لمجرد التأكيد لا غير بحيث تكون مما يسمى بالمترادف في عرف أهل اللغة، فإن ذلك لا يقع إلا في كلام من يرمي في لفظه إلى مجرد التنميق والتزويق، وفي العربية طرق للتأكيد ليس هذا منها.

وأما ما يسمونه بالحرف الزائد الذي يأتي للتأكيد فهو حرف وضع لذلك، ومعناه هو التأكيد، وليس معناه معنى الكلمة التي يؤكدها، فالباء في قوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا  ﴾ تؤكد معنى اتصال الكفاية بجانب الله جل شأنه بذاتها ومعناها الذي وضعت له، ومعنى وصفها بالزيادة أنها كذلك في الإعراب، وكذلك معنى"من"في قوله ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك.

أما التكرار للتأكيد أو التقريع أو التهويل فأمر سائغ في أبلغ الكلام عندما يظهر ذلك القصد منه كتكرار جملة ﴿ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ﴾ ونحوها عقيب ذكر كل نعمة، وهي عند التأمل ليست مكررة، فإن معناها: أفبهذه النعمة تكذبان، وهكذا كل ما جاء في القرآن على هذا النحو.

والجمهور على أن معنى الرحمن: المنعم بجلائل النعم، ومعنى الرحيم: المنعم بدقائقها.

وبعضهم يقول: إن الرحمن: هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم، والرحيم: المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين.

وكل هذا تحكم في اللغة مبني على أن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى.

ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصل مطلقًا، فصفة الرحمن تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه، سواء كان جليلًا أو دقيقًا، وأما كون أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفًا أعظم من أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفًا، فهو غير مَعْنيِّ ولا مراد.

وقد قارب من قال: إن معنى الرحمن: المحسن بالإحسان العام، ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول الرحيم بالمؤمنين.

ولهل الذي حمل من قال: إن الثاني مؤكد للأول على قوله هذا هو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة مع عدم التفطن لما هو أحسن منه.

والذي أقول: إن صيغة فَعْلَان تدل على وصف فعلي فيه معنى المبالغة كَفَعَّال، وهو في استعمال اللغة للصفت العارضة كعطشان وغرثان وغضبان، وأما صيغة فَعِيل فإنها تدل في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس كعليم وحكيم وجميل.

والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات الله  ، التي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين، فلفظ الرحمن يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل، وهي إفاضة النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة، وبهذا المعنى لا يستغني بأحد الوصفين عن الآخر، ولا يكون الثاني مؤكدًا للأول، فإذا سمع العربي وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه المفيض بالنعم فعلًا، لا يعتقد منه أن الرحمن من الصفات الواجبة له دائمًا لأن الفعل قد ينقطع إذا كان لم يكن عن صفة لازمة ثابتة، وإن كان كثيرًا، فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه ويعلم أن لله صفة ثابتة هي صفة الرحمن التي عنها يكون أثرها، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين، ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليقوم برهانًا عليه.

رسالة إلى أحد العلماء حضرة الأستاذ الفاضل..

أثابك الله على صدق مودتك، ونفعني بإخلاص الصادقين أمثالك، ووفقني الله وإياك للعمل فيما يفيد هذه الأمة، التي نهكتها البدع، وقتلها الزيغ عن الطريق المتبع، وإني أحمد الله على هذه البقية في المسلمين - بقية صالحة في نفوس مستعدة تنشد الحق وتتلمسه فإذا عثرت عليه حَنّت إليه- أمدها الله بالسعي الدائب، والغذاء الصالح، حتى تنمو وتكون شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، لا أزيدك وصية بمزاولة البحث فيما يُنقِّي العقائد من شُبَه الإشراك، وغرور اليأس والأمل، وجراثيم التواكل والكسل، ثم نشر ذلك بكل وسيلة تمكن منه، ثم بالصبر على ما يقول المقلدون، ويهذي به المتكبرون، ممن يلقبون"بالعلماء"وهم لا يعلمون، ففي مثلهم يقول الله: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا  ﴾ ولا يكون كِبْرٌ في الأرض بغير الحق مثل هذا الكِبْر الذي ترتديه هذه النصب، وتظهر في سرابيله هذه التماثيل التي ينحلها الناس ما ليس لها، ويسمونها بأسماء لم ينزل الله بها من سلطان، وما هؤلاء القوم إلا أولئك السادات الذين سيقول المغترون بهم: ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا  ﴾ .

أسأل الله أن يعينك على من يليك، ويوفقك لتأييد كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

أما مسألة التأكيد فالأمر فيها سهل، وتعلم أنني ممن يكتب، ويقال إن لي حظًا من معرفة دقائق البلاغة، وإن كنت لا أحسب لنفسي في ذلك حسابًا، ولا أزال أستعمل التوكيد في كلامي، وأذوق لذته، وأعرف موقعه من كلام غيري، وأنكر العبارة تخلو منه وهي محتاجة إليه، وهو معنى من المعاني المقصودة التي وضعت لها في اللغة ألفاظ خاصة كلفظ"إنّ"و"اللام"ونحوهما.

ثم من الألفاظ ما يكون فيه شيء من معنى الآخر، فيؤتي باللفظين ليؤكد أحدهما الآخر بما فيه من المعنى المشترك، ثم يزيد بما انفرد به، كالسيف والصارم، كل هذا لا أنكر شيئًا منه ولكني أنكر الذي يلجأون إليه بدون بيان صحيح، فيقال كلمة كذا توكيد بدون بيان وجه التوكيد، أو لفظ كذا زائد كما يقول"الجلال" في قوله تعالى ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا  ﴾ إن لفظ"مثل"زائد، تعالى الكتاب عن ذلك،"فالجلال"و"الصبان" قالا إن ﴿ الرحيم  ﴾ توكيد، لظنهما أن لا معنى في ﴿ الرحيم  ﴾ سوى ما في ﴿ الرحمن  ﴾ ، وإني أنزه القرآن عما ظنا، حتى لو قصد التوكيد فإنه يكون بمنزلة الرحمن الرحيم، وإنما غاير اللفظ للتحلية وهذا ما أبرئ القرآن منه.

والذي صرحت به في هذا المعنى سبقني إليه"ابن جرير الطبري".

فقد صرح بأنه لا يوجد في القرآن كلمة زائدة لغير معنى مقصود، وهو الذي عنيته.

أما احتمال التوكيد، والوجه الذي ذكرته، فإني لا أراه لأنه لا علاقة بين التوحيد ومعنى الرحمة، ولو ذكر جميع الألفاظ المترادفة في هذا المعنى لم يفد شيئًا في نفي التعدد، ولم يسبق في التاريخ أن أحدًا ذهب إلى أن الرحمن معبود والرحيم معبود آخر حتى يرد عليه بأنهما شيء واحد، ولكن الذي عُرف هو قول النصارى: في ابتداء شؤونهم: باسم الآب والابن والروح القدس، وهو في زعمهم ثلاثة مختلفة الآحاد مع أنها واحد، فأراد الله أن يجعل للمسلمين فاتحة أعمال تحتوي على ثلاثة معان: الأول ذات والآخران صفتان، فلفظ الجلالة هو الذات وهو يقابل الآب عندهم والرحمن: وصف الفعل المتجدد الصادر من فيض الكرم، وهو يقابل الابن، لزعمهم أنه منبثق من الذات، والرحيم: يدل على الصفة الثابتة للذات الأقدس، وهي التي يرجع إليها الفعل المتجدد، وباعتبارها يصدر ويتجدد، وهو يقابل روح القدس، فإنه عندهم الصلة بين الآب والابن، وإن حاولوا ستر ذلك بضروب من العبارات، فأراد الكتاب أن يعلمنا كيف نضع التوحيد مكان التثليث، ونستبدل بألفاظ التشبيه خيرًا منها من ألفاظ التنزيه، ولا يفوتنا المعنى الذي يحتج بقصده من الآب والابن والروح القدس وهو معنى الرحمة وإفاضة النعمة، وهذا هو وجه تكرير هذه الفاتحة الكريمة في كل سورة، والندب إلى الافتتاح بها في كل عمل ذي بال، ولكن غفل كثير من المسلمين عن مرامي إشارات الكتاب فأتوا من عند أنفسهم بما ليس من معناه في شيء.

لا أجد وقتًا لإطالة البحث فيما ذكرت عن"السعد" وغيره وأظن أن فيما كتبته كفاية لذكر مثلك، وأرجو أن لا تنقطع عن مراسلتي، والسلام.

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ..

قالوا: إن معنى الحمد: الثناء باللسان، وقيدوه بالجميل، لأن كلمة"ثناء"تستعمل في المدح والذم جميعًا، يقال أثنى عليه شرًا كما يقال: أثنى عليه خيرًا...

ويقولون: إن"أل"التي في"الحمد"هي للجنس في أي فرد من أفراده لا للاستغراق ولا للعهد المخصوص، لأنه لا يصار إلى كل منهما في فهم الكلام إلا بدليل، وهو غير موجود في الآية، ومعنى كون الحمد لله تعالى بأي نوع من أنواعه هو أن أي شيء يصح الحمد عليه فهو مصدره وإليه مرجعه، فالحمد لله على كل حال.

وهذه الجملة خبرية، ولكنها استعملت لإنشاء الحمد، فأما معنى الخبرية فهو إثبات أن الثناء الجميل في أي أنواعه تحقق فهو ثابت له تعالى وراجع إليه، لأنه متصف بكل ما يحمد عليه الحامدون، فصفاته أجمل الصفات، وإحسانه عم جميع الكائنات، ولأن جميع ما يصح أن يتوجه غليه الحمد مما سواه فهو منه جل ثناؤه، إذ هو مصدر الكون كله، فيكون له ذلك الحمد أولًا وبالذات.

والخلاصة: أن أي حمد يتوجه إلى محمود ما فهو لله تعالى، سواء لاحظه الحامد أو لم يلاحظه، وأما معنى الإنشائية فهو أن الحامد جعلها عبارة عما وجهه من الثناء إلى الله تعالى في الحال.

﴿ رَبِّ الْعَالَمِين  ﴾ : يشعر هذا الوصف ببيان وجه الثناء المطلق، ومعنى الرب: السيد المربي الذي يسوس مسوده ويربيه ويدبره، و ﴿ الْعَالَمِينَ  ﴾ جمع عالم، جمعه جمع المذكر العاقل تغليبًا، وأراد به جميع الكائنات الممكنة، أي أنه رب كل ما يدخل في مفهوم لفظ العالم.

وما جمعت العرب لفظ العالم هذا الجمع إلا لنكتة تلاحظها فيه، وهي أن هذا اللفظ لا يطلق عندهم على كل كائن وموجود كالحجر والتراب وإنما يطلقونه على كل جملة متمايزة لأفرادها صفات تقربها من العاقل الذي جمعت جمعه إن لم تكن منه، فيقال، عالم الإنسان وعالم الحيوان وعالم النبات.

ونحن نرى أن هذه الأشياء هي التي يظهر فيها معنى التربية الذي يعطيه لفظ"رب"لأن فيها مبدأها، وهو الحياة والتغذي والتوالد، وهذا ظاهر في الحيوان.

ولقد كان"السيد" رحمه الله تعالى يقول: الحيوان شجرة قطعت رجلها من الأرض، فهي تمشي، والشجرة حيوان ساخت رجلاه في الأرض، فهو قائم في مكانه يأكل ويشرب وإن كان لا ينام ولا يغفل.

﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  ﴾ ..

تقدم معناهما، وبقي الكلام في إعادتهما والنكتة فيها ظاهرة، وهي أن تربيته للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرة وإنما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه.

وثم نكتة أخرى، وهي أن البعض يفهم من معنى"الرب"الجبروت والقهر فأراد الله تعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه ليجمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال فذكر الرحمن وهو المفيض للنعم بسعة وتجدد لا منتهى لهما، والرحيم الثابت له وصف الرحمة لا يزايله أبدًا، فكأن الله تعالى أراد أن يتحبب إلى عباده فعرفهم أن ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان ليعلموا أن هذه الصفة هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات، وليتعلقوا به ويقبلوا على اكتساب مرضاته منشرحة صدورهم مطمئنة قلوبهم.

ولا ينافي عموم الرحمة وسبقها ما شرعه الله من العقوبات في الدنيا وما أعده من العذاب في الآخرة للذين يتعدون الحدود وينتهكون الحرمات، فإنه وإن سمي قهرًا بالنسبة لصورته ومظهره فهو في حقيقته وغايته من الرحمة لأن فيه تربية للناس وزجرًا لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية وفي الانحراف عنها شقاؤهم وبلاؤهم، وفي الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم، والوالد الرؤوف يربي ولده بالترغيب فيما ينفعه والإحسان عليه إذا قام به وربما لجأ إلى الترهيب والعقوبة إذا اقتضت ذلك الحال.

ولله المثل الأعلى لا إله إلا هو وإليه يرجعون.

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ ..

قرأ عاصم والكسائي ويعقوب:"مالك"والباقون"مَلِك"، وعليها أهل الحجاز، والفرق بينهما أن المالك ذو المِلْك (بكسر الميم) والمَلِك ذو المُلْك (بضمها)، والقرآن يشهد للأولى بمثل قوله ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ وللثانية بقوله ﴿ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ  ﴾ .

قال بعضهم: إن قراءة مَلِك أبلغ، لأن هذا اللفظ يفهم منه معنى السلطان والقوة والتدبير، وقال آخرون: إن القراءة الأخرى أبلغ لأن المالك هو الذي يدبر أعمال رعيته العامة ولا تصرف له بشيء من شؤونهم الخاصة، وإنما تظهر هذه التفرقة في عبد مملوك في مملكة لها سلطان، ولا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شؤونه دون سلطانه.

و ﴿ الدِّينِ  ﴾ يطلق في اللغة على المكافأة، وورد"كما تدين تدان"وقال الشاعر: ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا وعلى الجزاء وهو قريب من معنى المكافأة، وعلى الطاعة وعلى الإخضاع وعلى السياسة، يقال دَيَّنَ فلان فلانًا أي تولى سياسته، وهو قريب من معنى الإخضاع، وعلى الشريعة، وما يؤخذ العباد به من التكاليف.

والمناسب هنا من هذه المعاني الجزاء والخضوع، وإنما قال ﴿ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ ولم يقل"الدين"لتعريفنا بأن للدين يومًا ممتازًا عن سائر الأيام وهو اليوم الذي يلقى فيه كل عامل عمله ويوفى جزاءه.

ولسائل أن يسأل: أليست كل الأيام جزاء، وكل ما يلاقيه الناس في هذه الحياة من البؤس هو جزاء على تفريطهم في أداء الحقوق، والقيام بالواجبات عليهم؟

والجواب: بلى، إن أيامنا التي نحن فيها قد يقع فيها الجزاء على أعمالنا، ولكن ربما لا يظهر لأربابه إلا على بعضها دون جميعها.

والجزاء على التفريط في العمل الواجب إنما يظهر في الدنيا ظهورًا تامًا بالنسبة لمجموع الأمة لا لكل فرد من الأفراد، فما من أمة انحرفت عن صراط الله المستقيم، ولم تراع سننه في خليقته إلا وأحل بها العدل الإلهي ما تستحق من الجزاء، كالفقر والذل وفقد العزة والسلطة.

وأما الأفراد فإنا نرى كثيرًا من المسرفين الظالمين يقضون أعمارهم منغمسين في الشهوات واللذات نعم، إن ضمائرهم توبخهم أحيانًا، وإنهم لا يسلمون من المنغصات، وقد يصيبهم النقص في أموالهم وعافية أبدانهم وقوة عقولهم، ولكن هذا كله لم يقابل بعض أعمالهم القبيحة، لا سيما الملوك والأمراء الذين تشقى بأعمالهم السيئة أمم وشعوب.

كذلك نرى من المحسنين في أنفسهم وللناس من يبتلى بهضم الحقوق ولا ينال من الجزاء على عمله شيئًا مما يستحقه، وإن كان قد ينال من الجزاء رضى نفسه، وسلامة أخلاقه، وصحة ملكاته، ولكن ذلك ليس كل ما يستحق، وفي ذلك اليوم يوفى كل فرد من أفراد العاملين جزاءه كاملًا لا يظلم شيئًا منه، كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه  ﴾ .

علمنا الله أنه رحمن رحيم، ليجذب قلوبنا إليه، ولكن..

هل يشعر كل عباده بهذه المنة فينجذبوا إليه الانجذاب المطلوب؟

..

كلا ..!!

..

أليس فينا من يسلك كل سبيل؟

لا يبالي بمستقيم ومعوج؟

..

بلى!

ولهذا أعقب سبحانه ذكر الرحمة بذكر الدين، فعرفنا أنه يدين العباد ويجازيهم على أعمالهم، فكان من رحمته بعباده أن رباهم بنوعي التربية كليهما -الترغيب والترهيب- كما تشهد بذلك آيات القرآن الكثيرة.

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ  ﴾ .

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ما هي العبادة؟

يقولون: هي الطاعة مع غاية الخضوع.

وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل، وتجليه للأفهام واضحًا لا يقبل التأويل، فكثيرًا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه، ويعرفون الحقيقة برسومها، بل يكتفون أحيانًا بالتعريف اللفظي ويبينون الكلمة بما يقرب من معناها، ومن ذلك هذه العبارة التي شرحوا بها معنى العبادة، فإن فيها إجمالًا وتساهلًا.

وإننا إذا تتبعنا آي القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب"لعبد"وما يماثلها ويقاربها في المعنى كخضع وخنع وأطاع وذل، نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي"عبد"ويحل محلها ويقع موقعها، ولذلك قالوا: إن لفظ"العباد"مأخوذ من"العبادة"، فتكثر إضافته إلى الله تعالى ولفظ (العبيد) تكثر إضافته إلى غير الله تعالى، لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق، وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى.

ومن هنا قال بعض العلماء: إن العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعالى.

ولكن استعمال القرآن يخالفه.

يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوًا كبيرًا حتى يفنى في هواه وتذوب إرادته في إرادته، ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء، فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين، فضلًا عن سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئًا من هذا الخضوع عبادة.

فما هي العبادة إذن؟

تدل الأساليب الصحيحة، والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشيء عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة لا يدرك كنهها، وماهيتها، وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به ولكنها فوق إدراكه، فمن ينتهي إلى أقصى الذل لملك من الملوك لا يقال إنه عبده، وإن قبل مواطئ أقدامه، ما دام سبب الذل والخضوع معروفًا وهو الخوف من ظلمه المعهود، أو الرجاء بكرمه المحدود، اللهم إلا بالنسبة للذين يعتقدون أن المُلْك قوة غيبية سماوية أفيضت على الملوك من الملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا، لأنهم أطيب الناس عنصرًا وأكرمهم جوهرًا، وهؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإلحاد، فاتخذوا الملوك آلهة وأربابًا وعبدوهم عبادة حقيقية.

للعبادة صور كثيرة في كل دين من الأديان، شرعت لتذكير الإنسان بذلك الشعور بالسلطان الإلهي الأعلى الذي هو روح العبادة وسرها، ولكل عبادة من العبادات الصحيحة أثر في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، والأثر إنما يكون على ذلك الروح والشعور الذي قلنا إنه منشأ التعظيم والخضوع، فإذا وجدت صورة العبادة خالية من هذا المعنى لم تكن عبادة، كما أن صورة الإنسان وتمثاله ليس إنسانًا.

خذ إليك عبادة الصلاة مثلًا، وانظر كيف أمر الله بإقامتها دون مجرد الإتيان بها، وإقامة الشيء هي الإتيان به مقومًا كاملًا يصدر عن علته وتصدر عنه آثاره.

وآثار الصلاة ونتائجها هي ما أنبأنا الله تعالى بها بقوله: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  ﴾ وقوله  : ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلاَّ الْمُصَلِّينَ  ﴾ ، وقد توعد الذين يأتون بصورة الصلاة من الحركات والألفاظ مع السهو عن معنى العبادة وسرها فيها، المؤدي إلى غايتها بقوله: ﴿ فويل للمصلين  الذين هم عن صلاتهم ساهون  الذين هم يرآءون  ويمنعون الماعون  ﴾ ، فسماهم مصلين لأنهم أتوا بصورة الصلاة ووصفهم بالسهو عن الصلاة الحقيقية التي هي توجه القلب إلى الله تعالى المذكر بخشيته، والمشعر للقلوب بعظيم سلطانه، ثم وصفهم بأثر هذا السهو وهو الرياء ومنع الماعون.

والرياء ضربان: رياء النفاق، وهو العمل لأجل رؤية الناس، ورياء العادة، وهو العمل بحكمها من غير ملاحظة معنى العمل وسره وفائدته وملاحظة من يعمل له ويتقرب إليه به.

وهو ما عليه أكثر الناس فإن صلاة أحدهم في طور الرشد والعقل هي عين ما كان يحاكي به أباه في طور الطفولية عندما يراه يصلي يستمر على ذلك بحكم العادة من غير فهم ولا عقل وليس لله شيء في هذه الصلاة: وقد ورد في أحاديث كثيرة أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا، وأنها تلف كما يلف الثوب البالي ويضرب بها وجهه.

وأما الماعون فهو المعونة والخير الذي تقدم في الآية الأخرى أن من شأن الإنسان أن يكون منوعًا له، إلا المصلين.

والاستعانة هي طلب المعونة، والمعونة هي سد العجز والمساعدة على إتمام العمل الذي يعجز عنه المستعين بنفسه.

أمرنا الله تعالى بأن لا نعبد غيره، لأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب ليست إلا له، دون غيره، فلا يشاركه فيها أحد فيعظم تعظيم العبادة، وأمرنا بأن لا نستعين بغيره أيضًا.

وهذا يحتاج إلى البيان لأنه أمرنا أيضًا في آيات أخرى بالتعاون فقال: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى  ﴾ ، فما معنى حصر الاستعانة به مع ذلك؟

الجواب: أن كل عمل يعمله الإنسان تتوقف ثمرته ونجاحه على حصول الأسباب التي اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون مؤدية إليه، وانتفاء الموانع التي من شأنها، بمقتضى الحكمة، أن تحول دونه، وقد مكن الله تعالى الإنسان بما أعطاه من العلم والقوة من دفع بعض الموانع وكسب بعض الأسباب وحجب عنه البعض الآخر، فيجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك ونبذل في إتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوة، وأن نتعاون، ويساعد بعضنا بعضًا على ذلك، ونفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شيء ونلجأ إليه وحده ونطلب المعونة المتممة للعمل والموصلة لثمرته منه سبحانه دون سواه، إذ لا يقدر على ما وراء الأسباب الممنوحة لكل البشر على السواء إلا سبب الأسباب ورب الأرباب، فقوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ متمم لمعنى قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ  ﴾ لأن الاستعانة بهذا المعنى فزع من القلب إلى الله وتعلق من النفس به، وذلك من مخ العبادة، فإذا توجه العبد بها إلى غير الله تعالى كانت ضربًا من ضروب العبادة الوثنية التي كانت ذائعة في زمن التنزيل وقبله وخصت بالذكر لئلا يتوهم الجهلاء أن الاستعانة بمن اتخذوه أولياء من دون الله واستعانوا بهم فيما وراء الأسباب المكتسبة لعامة الناس هي كالاستعانة بسائر الناس في الأسباب العامة فأراد الحق جل شأنه أن يرفع هذا اللبس عن عباده ببيان أن الاستعانة فيما هو في استطاعة الناس بالناس إنما هي ضرب من استعمال الأسباب المسنونة، وما منزلتها إلا كمنزلة الآلات فيما هي آلات له، بخلاف الاستعانة في شؤون تفوت الْقُدَرَ والقوى المعروفة في متناول الفهم، كالاستعانة على شفاء المرض بما وراء الدواء، وعلى غلبة العدو بما وراء العِدَّة والعُدَّة، فإن ذلك مما لا يجوز الفزع به لغير الله تعالى صاحب السلطان الأعظم على ما لا يصل إليه سلطان أحد من العالم.

فالزارع يبذل جهده في الحرث والعذق وتسميد الأرض وريها ويستعين بالله تعالى على إتمام ذلك بمنع الآفات والجوائح السماوية أو الأرضية، والتاجر يحذق في اختيار الأصناف، ويمهر في صناعة الترويج، ثم يتكل على الله فيما بعد ذلك.

ومن هنا تعلمون أن الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح، عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله معرضون.

أرشدتنا هذه الكلمة الوجيزة ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ إلى أمرين عظيمين هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة: أحدهما: أن نعمل الأعمال النافعة ونجتهد في إتقانها ما استطعنا، لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل بذل فيه المرء طاقته فلم يوفه حقه أو يخشى أن لا ينجح فيه، فطلب المعونة على إتمامه وكماله.

ومن وقع من يده القلم على المكتب لا يطلب المعونة من أحد على إمساكه، ومن وقع تحت عبء ثقيل يعجز عن النهوض به وحده يطلب المعونة من غيره على رفعه، بعد استفراغ القوة في الاستقلال به، وهذا الأمر هو مرقاة السعادة الدنيوية وركن من أركان السعادة الأخروية.

وثانيهما: ما أفاده الحصر من وجوب تخصيص الاستعانة بالله تعالى وحده فيما وراء ذلك، وهو روح الدين وكمال التوحيد الخالص الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الأغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين، والشيوخ الدجالين، ويطلق عزائمهم من قيد المهيمنين الكاذبين، من الأحياء والميتين، فيكون المؤمن مع الناس حرًا خالصًا وسيدًا كريمًا، ومع الله عبدًا خاضعًا ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  ﴾ .

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ الهداية في اللغة: الدلالة بلطف على ما يوصل إلى المطلوب.

منح الله تعالى الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى سعادته: أولاها: هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري، وتكون للأطفال منذ ولادتهم فإن الطفل بعدما يولد يشعر بألم الحاجة إلى الغذاء فيصرخ طالبًا له بفطرته وعندما يصل الثدي إلى فيه يلهم التقامه وامتصاصه.

الثانية: هداية الحواس والمشاعر، وهي متمة للهداية الأولى في الحياة الحيوانية ويشارك الإنسان فيهما الحيوان الأعجم بل هو فيهما أكمل من الإنسان، فإن حواس الحيوان وإلهامه يكملان له بعد ولادته بقليل بخلاف الإنسان فإن ذلك يكمل فيه بالتدريج في زمن غير قصير، ألا تراه عقب الولادة لا تظهر عليه علامات إدراك الأصوات والمرئيات، ثم بعد مدة يبصر ولكنه لقصر نظره يجهل تحديد المسافات فيحسب البعيد قريبًا فيمد يديه إليه ليتناوله وإن كان قمر السماء ولا يزال يغلط حسه حتى في طور الكمال؟

الثالثة: هداية العقل.

خلق الإنسان ليعيش مجتمعًا ولم يعط من الإلهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية كما أُعطي النحل والنمل، فإن الله قد منحها من الإلهام ما يكفيها لأن تعيش مجتمعة يؤدي كل واحد منها وظيفة العمل لجميعها، ويؤدي الجميع وظيفة العمل للواحد، وبذلك قامت حياة أنواعها كما هو مشاهد.

أما الإنسان فلم يكن من خاصة نوعه أن يتوفر له مثل ذلك الإلهام فحباه الله هداية هي أعلى من هداية الحس والإلهام وهي العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه، وذلك أن البصر يرى الكبير على البعد صغيرًا ويرى العود المستقيم في الماء معوجًا والصفراوي يذوق الحلو مرًا والعقل هو الذي يحكم بفساد هذا الإدراك.

الرابعة: هداية الدين.

يغلط العقل في إدراكه كما تغلط الحواس وقد يهمل الإنسان استخدام حواسه وعقله فيما فيه سعادته الشخصية والنوعية، ويسلك بهذه الهدايات مسالك الضلال، فيجعلها مسخرة لشهواته ولذاته حتى تورده مورد الهلكة.

فإذا وقعت المشاعر في مزالق الذلل، واسترقت الحظوظ والأهواء العقل، فصار يستنبط لها ضروب الحيل، فكيف يتسنى للإنسان مع ذلك أن يعيش سعيدًا؟.

وهذه الحظوظ والأهواء ليس لها حد يقف الإنسان عنده، وما هو بعائش وحده، وكثيرًا ما تتطاول به إلى ما في يد غيره فهي لهذا تقضي أن يعدو بعض أفراده على بعض فيتنازعون ويتدافعون ويتجادلون ويتجالدون، ويتواثبون ويتناهبون، حتى يفني بعضهم بعضًا ولا تغني عنهم تلك الهدايات شيئًا، فاحتاجوا إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم، إذا هي غلبت على عقولهم، وتبين لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها، ويكفوا أيديهم عما وراءها.

ثم إن مما أودع في غرائز الإنسان الشعور بسلطة غيبية متسلطة على الأكوان، ينسب إليها كل ما لا يعرف له سببًا، لأنها هي الواهبة كل موجود ما به قوام وجوده، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة.

فهل يستطيع أن يصل بتلك الهدايات الثلاث إلى تحديد ما يجب عليه لصاحب تلك السلطة الذي خلقه وسواه ووهبه هذه الهدايات وغيرها وما فيه سعادته في تلك الحياة الثانية؟

كلا!

إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة -الدين- وقد منحه الله تعالى إياها.

أشار القرآن إلى أنواع الهداية التي وهبها الله تعالى للإنسان في آيات كثيرة منها قوله تعالى ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ أي طريق السعادة والشقاوة والخير والشر ..

وهذه تشمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة وهداية العقل وهداية الدين.

ومنها قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى  ﴾ أي دللناهم على طريق الخير والشر فسلكوا سبيل الشر المعبر عنه بالعمى.

ولكن ..

بقي معنا هداية أخرى، وهي المعبر عنها بقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، فليس المراد من هذه الهداية ما سبق ذكره، فالهداية في الآيات السابقة بمعنى الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإنسان على رأس الطريقين -المهلك والمنجي- مع بيان ما يؤدي إليه كل منهما وهي ما تفضل الله به على جميع أفراد البشر.

أما هذه الهداية فهي أخص من تلك، والمراد بها إعانتهم وتوفيقهم للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة، وهي لم تكن ممنوحة لكل أحد كالحواس والعقل وشرع الدين.

ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في فهم الدين وفي استعمال الحواس والعقل -على ما قدمنا- كان محتاجًا إلى المعونة الخاصة فأمرنا الله بطلبها منه في قوله: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، فمعنى ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ : دلنا دلالة تصحبها معونة غيبية من لدنك تحفظنا بها من الضلال والخطأ.

وما كان هذا أول داء علمنا الله تعالى إياه، إلا لأن حاجتنا إليه أشد من حاجتنا إلى كل شيء سواه.

والصراط: هو الطريق..

والمستقيم: هو ضد المعوج.

وليس المراد بمقابل المستقيم المعوج ذا التمعج والتعاريج، بل المراد كل ما فيه انحراف عن الغاية التي يجب أن ينتهي إليها، والمستقيم في عرف الهندسة أقرب موصل بين الطرفين، وهذا المعنى لازم للمعنى اللغوي، كما هو ظاهر بالبداهة، وإنما قلنا: إن المراد بمقابل المستقيم كل ما فيه انحراف لأن كل من يميل وينحرف عن الجادة يكون أضل عن الغاية ممن يسير عليها في خط ذي تعاريج، لأن هذا الأخير قد يصل إلى الغاية بعد زمن طويل، ولكن الأول لا يصل إليها قط، بل يزداد بعدًا كلما أوغل في السير وانهمك فيه، وقد قالوا: إن المراد بالصراط المستقيم: الدين أو الحق أو العدل والحدود.

ونحن نقول: إنه جملة ما يوصلنا إلى سعادتي الدنيا والآخرة من عقائد وآداب وأحكام وتعاليم.

لِمَ سمي الموصل إلى السعادة من ذلك صراطًا وطريقًا؟..

خذ الحق مثلًا، وهو الاعتقاد الصحيح بالله وبالنبوة وبأحوال الكون والناس تر معنى الصراط فيه واضحًا لأن السبيل أو الصراط هو ما أسلكه وأسير فيه لبلوغ الغاية التي أقصدها.

كذلك الحق الذي يبين لي الواقع في العقيدة الصحيحة هو كالجادة بين السبل المتفرقة المضلة، فالطريق الواضح للحس يشبهه الحق للعقل وللنفس، سير حسي، وسير معنوي، كذلك إذا اعتبرت المعنى في الحدود والأحكام تجده واضحًا..

قسمت أحكام الأعمال إلى واجب ومندوب ومباح ومحرم ومكروه، فكان هذا مريحًا لنا من تمييز الخير من الشر بأنفسنا واجتهادنا، فبيان الأحكام بالهداية الكبرى وهي الدين كالطريق الواضح يسلك بالعمل.

ومع هذا نجد الشهوات تتلاعب بالأحكام وترجعها إلى أهوائها كما يصرف السفهاء عقولهم وحواسهم فيما يرديهم، وهذا التلاعب بالدين إنما يصدر من علمائه .

واستحلال المحرمات بمثل هذا التأويل ليس بقليل، ولذلك كان الإنسان محتاجًا أشد الاحتياج إلى العناية الإلهية الخاصة لأجل الاستقامة والسير في تلك الهدايات الأربع سيرًا مستقيمًا يوصل إلى السعادة، لهذا نبهنا الله جل شأنه أن نلجأ إليه ونسأله الهداية ليكون عونًا لنا ينصرنا على أهوائنا وشهواتنا وأن تكون استعانتنا في ذلك به لا بسواه، بعد أن نبذل ما نستطيع من الفكر والجهاد في معرفة ما أنزل إلينا من الشرعية والأحكام وأخذ أنفسنا بما نعلم من ذلك.

وهذا أفضل ما نطلب فيه المعونة منه جل شأنه لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة، فهو بهذه الآية يعلمنا كيف نستعين بعد أن علمنا اختصاصه بالاستعانة فيقوله ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ .

﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ الصراط المستقيم: هو الموصل إلى الحق، ولكنه ما بينه بذلك كما بينه في نحو سورة العصر، وإنما بينه بإضافته إلى من سلك هذا الصراط كما قال في سورة الأنعام ﴿ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، وقد قلنا: إن الفاتحة مشتملة على إجمال ما فصل في القرآن حتى من الأخبار التي هي مثل الذكرى والاعتبار، وينبوع العظة والاستبصار، وأخبار القرآن كلها تنطوي في إجمال هذه الآية.

فسر بعضهم المنعم عليهم بالمسلمين والمغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى.

ونحن نقول: إن الفاتحة أول سورة نزلت، كما قال الإمام على  وهو أعلم بهذا من غيره لأنه تربى في حجر النبي  ، وأول من آمن به، وإن لم تكن أول سورة على الإطلاق، فلا خلاف في أنها من أوائل السور.

ولم يكن المسلمون في أول نزول الوحي بحيث يطلب الاهتداء بهداهم وما هداهم إلا من الوحي، ثم هم المأمورون بأن يسألوا الله أن يهديهم هذه السبيل، سبيل من أنعم الله عليهم فأولئك غيرهم، وإنما المراد بهذا ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من الأمم السالفة.

فقد أحال على معلوم أجمله في الفاتحة وفصله في سائر القرآن بقدر الحاجة.

فثلاثة أرباع القرآن تقريبًا قصص وتوجيه للأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، ولا شيء يهدي الإنسان كالمثلات والوقائع، فإذا امتثلنا الأمر والإرشاد ونظرنا في أحوال الأمم السالفة وأسباب علمهم وجهلهم وقوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم وغير ذلك مما يعرض للأمم كان لهذا النظر أثر في نفوسنا يحملنا على حسن الأسوة والاقتداء بأخبار تلك الأمم فيما كان سبب السعادة والتمكن في الأرض واجتناب ما كان سبب الشقاوة أو الهلاك والدمار.

ومن هنا ينجلي للعاقل شأن علم التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات، وتأخذه الدهشة والحيرة إذا سمع أن كثيرًا من رجال الدين من أمة هذا كتابها يعادون التاريخ باسم الدين ويرغبون عنه ويقولون إنه لا حاجة إليه ولا فائدة له.

وكيف لا يدهش ويحار والقرآن ينادي بأن معرفة أحوال الأمم من أهم ما يدعو إليه هذا الدين؟

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلاتُ  ﴾ .

ههنا سؤال، وهو كيف يأمرنا الله تعالى باتباع صراط من تقدمنا وعندنا أحكام وإرشادات لم تكن عندهم، وبذلك كانت شريعتنا أكمل من شرائعهم وأصلح لزماننا وما بعده؟

والقرآن يبين لنا الجواب وهو أنه يصرح بأن دين الله في جميع الأمم واحد وإنما تختلف الأحكام بالفروع التي تختلف باختلاف الزمان وأما الأصول فلا خلاف فيها.

قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ  ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ الآية، فالاعتقادات بالله وبالنبوة وبترك الشر وبعمل البر والتخلق بالأخلاق الفاضلة مستوفى الجميع، وقد أمرنا الله بالنظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه، فنقتدي بهم في القيام على أصول الخير وهو أمر يتضمن الدليل على أن في ذلك الخير والسعادة على حسب طريقة القرآن في قرن الدليل بالمدلول والعلة بالمعلول والجمع بين السبب والمسبب.

وتفصيل الأحكام التي هذه كلياتها بالإجمال تعرفه من شرعنا ونبينا  .

وأما قوله تعالى: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، فالمغضوب عليهم هم الذين خرجوا من الحق بعد علمهم به والذين بلغهم شرع الله تعالى ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه انصرافًا عن الدليل، ورضى بما ورثوه من القيل، ووقوفًا عند التقليد وعكوفًا على هوى غير رشيد، وغضب الله عقوبته وانتقامه.

وقوله: ﴿ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ قرن المعطوف فيه"بلا"، لما في"غير"من معنى النفي، أو: غير الضالين، ففيه تأكيد للنفي.

وهو يدل على أن الطوائف ثلاث: المنعم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.

ولا شك أن المغضوب عليهم ضالون أيضًا، لأنهم بنبذهم الحق وراء ظهورهم قد استدبروا الغاية واستقبلوا غير وجهتها، فلا يصلون إلى مطلوب، ولا يهتدون إلى مرغوب.

ولكن فرقًا بين من عرف الحق فأعرض عنه على علم وبين من لم يظهر له الحق فهو تائه بين الطرق لا يهتدي إلى الجادة فيها وهم من لم تبلغهم الرسالة أو بلغتهم على وجه لم يتبين لهم فيه الحق، فهؤلاء هم أحق باسم الضالين، فإن الضال حقيقة هو التائه الواقع في عماية لا يهتدي معها إلى المطلوب، والعماية في الدين هي الشبهات التي تلبس الحق بالباطل وتشبه الصواب الخطأ.

الضالون على أقسام: القسم الأول: من لم تبلغهم الدعوة إلى الرسالة أو بلغتهم على وجه لا يسوق إلى النظر، فهؤلاء لم يتوفر لهم من أنواع الهداية سوى ما يحصل بالحس والعقل وحرموا رشد الدين فإن لم يضلوا في شؤونهم الدنيوية ضلوا لا محالة فيما تطَلْب به نجاة الأرواح وسعادتها في الحياة الأخرى، على أن من شأن الدين الصحيح أن يفيض على أهله من روح الحياة ما به يسعدون في الدنيا والآخرة معًا، فمن حرم الدين حرم السعادتين، وظهر أثر التخبط والاضطراب في أعماله المعاشية، وحل به من الرزايا ما يتبع الضلال والخبط عادة، سنة الله في هذا العالم ولن تجد لسنته تبديلًا.

أما أمرهم في الآخرة فعلى أنهم لن يساووا المهتدين في منازلهم، وقد يعفو الله عنهم، وهو الفعال لما يريد.

وأزيد في إيضاح هذا أن الذين حرموا هداية الدين لا يعقل أن يؤاخذوا في الآخرة على ترك شيء مما يعرف بهذه الهداية، وهذا معنى كونهم غير مكلفين، وعليه جمهور المتكلمين، لقوله تعالى في سورة الإسراء ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا  ﴾ ومن قال إنهم مكلفون بالعقل لا يظهر وجه لقوله إلا إذا أراد أن حالهم في الآخرة تكون على حسب ارتقاء أرواحهم بهداية العقل وسلامة الفطرة، إذ لا شك أن من لم يبعث فيهم رسول يتفاوتون في إدراكهم بتفاوت استعدادهم الفطري وما يصادفون من حسن التربية وقبحها.

وبهذا يجمع بين القولين في تكليفهم وعدمه أو يفصل بينهما، وما يعطيهم الله تعالى إياه في الآخرة على حسب حالهم في الخير والشر والفضيلة والرذيلة يكون جزاءً عادلًا على أعمالهم الاختيارية ويزيدهم من فضله إن شاء.

القسم الثاني:من بلغته الدعوة على وجه يبعث على النظر فساق همته إليه، واستفرغ جهده فيه، ولكن لم يوفق إلى الاعتقاد بما دعي إليه، وانقضى عمره وهو في الطلب، وهذا القسم لا يكون إلا أفرادًا متفرقة في الأمم ولا يعم حاله شعبًا من الشعوب فلا يظهر له أثر في أحوالها العامة وما يكون لها من سعادة وشقاء في حياتهم الدنيا.

أما صاحب هذه الحالة فقد ذهب بعض الأشاعرة إلى إنه ممن ترجى له رحمة الله تعالى، وينقل صاحب هذا الرأي قوله عن أبي الحسن الشعري، وعلى رأي الجمهور فلا ريب أن مؤاخذته أخف من مؤاخذة الجاحد الذي استعصى على الدليل وكفر بنعمة العقل أو رضي بحظه من الجهل.

القسم الثالث: من بلغتهم الرسالة وصدقوا بها بدون نظر في أدلتها ولا وقوف على أصولها، فاتبعوا أهواءهم في فهم ما جاءت به من أصول العقائد، وهؤلاء هم المبتدعة في كل دين، ومنهم المبتدعون في دين الإسلام، وهم المنحرفون في اعتقادهم عما تدل عليه جملة القرآن وما كان عليه السلف الصالح وأهل الصدر الأول، ففرقوا الأمة إلى مشارب، يغص بمائها الوارد، ولا يرتوي منها الشارب.

وإني أشير إلى طرف من آثارهم في الناس: يأتي الرجل دوائر القضاء فيستحلف بالله العلي العظيم أو بالمصحف الكريم، وهو كلام الله القديم، إنه ما فعل كذا، فيحلف، وعلامة الكذب بادية على وجهه، فيأتيه المستحلف من طريق آخر، ويحمله على الحلف بشيخ من المشايخ الذين يعتقد بهم الولاية، فيتغير لونه، وتضطرب أركانه، ثم يرجع في أليَّتِه ويقول الحق ويقر بأنه فعل ما حلف عليه أولًا أنه لم يفعله، تكريمًا لاسم ذلك الشيخ وخوفًا منه أن يسلب عنه نعمة أو يحل به نقمة إذا حلف باسمه كاذبًا، فهذا ضلال في أصول العقيدة يرجع إلى الضلال في الاعتقاد بالله وما يجب له من الوحدانية في الأفعال.

ولو أردنا أن نسرد ما وقع فيه المسلمون من الضلال في العقائد الأصلية بسبب البدع التي عرضت على دين الإسلام لطال المقال، واحتيج إلى وضع مجلدات في وجوه الضلال، ومن أشنعها أثرًا وأشدها ضررًا خوض رؤساء الفرق منهم في مسائل القضاء والقدر، والاختيار والجبر، وتحقيق الوعد والوعيد، وتهوين مخالفة الله على نفوس العبيد.

إذا وزنا في أدمغتنا من الاعتقادات بكتاب الله تعالى من غير أن ندخلها فيه أولًا يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين، وأما إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن، وحشرناها فيه أولًا، فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال، لاختلاط الموزون بالميزان، فلا يدري ما هو الموزون من الموزون به..

أريد أنه يجب أن يكون القرآن أصلًا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين، لا أن تكون المذاهب أصلًا والقرآن هو الذي يحمل عليها ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها، كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالون.

القسم الرابع:ضلال في الأعمال وتحريف للأحكام عما وضعت له، كالخطأ في فهم معنى الصلاة والصيام وجميع العبادات، والخطأ في فهم الأحكام التي جاءت في المعاملات.

ولنضرب لذلك مثلًا: الاحتيال في الزكاة بتحويل المال إلى ملك الغير قبل حلول الحول ثم استرداده بعد مضي قليل من الحول الثاني، حتى لا تجب الزكاة فيه، ظن المحتال أنه بحيلته قد خلص من أداء الفريضة، ونجا من غضب من لا تخفى عليه خافية، ولا يعلم أنه بذلك قد هدم ركنًا من أهم أركان دينه، وجاء بعمل من يعتقد أن الله قد فرض فرضًا، وشرع بجانب ذلك الفرض ما يذهب به، ويمحو أثره، وهو محال عليه، جل شأنه.

ثلاثة أقسام من هذا الضلال: أولها، وثالثها، ورابعها يظهر أثرها في الأمم فتختل قوى الإدراك فيها، وتفسد الأخلاق وتضطرب الأعمال، ويحل بها الشقاء، عقوبة من الله لا بد من نزولها بهم.

سنة الله في خلقه ولن تجد لسنته تحويلًا.

ويعد حلول الضعف ونزول البلاء بأمة من الأمم من العلامات والدلائل على غضب الله تعالى عليها لما أحدثته في عقائدها وأعمالها مما يخالف سننه ولا يتبع فيه سنته.

لهذا علمنا الله تعالى كيف ندعوه بأن يهدينا طريق الذين ظهرت نعمته عليهم بالوقوف عند حدوده، وتقويم العقول والأعمال بفهم ما هدانا إليه، وأن يجنبنا طرق الذين ظهرت فيهم آثار نعمته بالانحراف عن شرائعه، سواء كان ذلك عمدًا وعنادًا أو غواية وجهلًا.

إذا ضلت الأمة سبيل الحق، ولعب الباطل بأهوائها، ففسدت أخلاقها واعتلت أعمالها، وقعت في الشقاء لا محالة، وسلط الله عليها من يستذلها ويستأثر بشؤونها، ولا يؤخر لها العذاب إلى يوم الحساب -وإن كانت ستلاقي نصيبها منه أيضًا- فإذا تمادى بها الغي، وصل بها إلى الهلاك، ومحي أثرها من الوجود، لهذا علمنا الله تعالى كيف ننظر في أحوال من سبقنا، ومن بقيت آثارهم بين أيدينا من الأمم، لنعتبر ونميز بين ما به تسعد الأقوام وما به تشقى.

أما في الأفراد فلم تجر سنة الله بلزوم العقوبة لكل ضال في هذه الحياة الدنيا، فقد يستدرج الضال من حيث لا يعلم، ويدركه الموت قبل أن تزول النعمة عنه، وإنما يلقى جزاءه ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ﴾ .

-٢-

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله