الإسلام > القرآن > سور > سورة 102 التكاثر > الآية ٢ من سورة التكاثر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢ من سورة التكاثر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقال قتادة : ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان ونحن أعد من بني فلان ، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم ، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم .
والصحيح أن المراد بقوله : ( زرتم المقابر ) أي : صرتم إليها ودفنتم فيها ، كما جاء في الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده ، فقال : " لا بأس ، طهور إن شاء الله " .
فقال : قلت : طهور ؟!
بل هي حمى تفور ، على شيخ كبير ، تزيره القبور !
قال : " فنعم إذا " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ، أخبرنا حكام بن سلم الرازي ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن الحجاج ، عن المنهال ، عن زر بن حبيش عن علي قال : ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت : ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) ورواه الترمذي ، عن أبي كريب ، عن حكام بن سلم [ به ] وقال : غريب .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سلمة بن داود العرضي ، حدثنا أبو المليح الرقي ، عن ميمون بن مهران قال : كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز ، فقرأ : ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) فلبث هنيهة فقال : يا ميمون ، ما أرى المقابر إلا زيارة ، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله .
قال أبو محمد : يعني أن يرجع إلى منزله - إلى جنة أو نار .
وهكذا ذكر أن بعض الأعراب سمع رجلا يتلو هذه الآية : ( حتى زرتم المقابر ) فقال : بعث اليوم ورب الكعبة .
أي : إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره .
وقوله: ( حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) يعني: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها؛ وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر، لأن الله تعالى ذكره، أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور وعيدا منه لهم وتهدّدا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، عن قيس، عن حجاج، عن المنهال، عن زِرّ، عن عليّ، قال: كنا نشكّ في عذاب القبر، حتى نـزلت هذه الآية: ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) ...
إلى: ( كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) في عذاب القبر.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن زِرّ، عن عليّ، قال: نـزلت ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) في عذاب القبر.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن الحجاج، عن المنهال بن عمرو، عن زِرّ، عن عليّ، قال: ما زلنا نشكّ في عذاب القبر، حتى نـزلت: ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) .
قوله تعالى : حتى زرتم المقابرأي حتى أتاكم الموت ، فصرتم في المقابر زوارا ، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار .
يقال لمن مات : قد زار قبره .
وقيل : أي ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات ، على ما تقدم .
وقيل : هذا وعيد .
أي اشتغلتم بمفاخرة الدنيا ، حتى تزوروا القبور ، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله - عز وجل - .قوله تعالى : المقابر جمع مقبرة ومقبرة ( بفتح الباء وضمها ) .
والقبور : جمع القبر قال :[ ص: 152 ]أرى أهل القصور إذا أميتوا بنوا فوق المقابر بالصخورأبوا إلا مباهاة وفخرا على الفقراء حتى في القبوروقد جاء في الشعر ( المقبر ) قال :لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيدوهو المقبري والمقبري : لأبي سعيد المقبري ; وكان يسكن المقابر .
وقبرت الميت أقبره وأقبره قبرا ، أي دفنته .
وأقبرته أي أمرت بأن يقبر .
وقد مضى في سورة ( عبس ) القول فيه .
والحمد لله .لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة .
وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي ; لأنها تذكر الموت والآخرة .
وذلك يحمل على قصر الأمل ، والزهد في الدنيا ، وترك الرغبة فيها .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروا القبور ، فإنها تزهد في الدنيا ، وتذكر الآخرة رواه ابن مسعود ; أخرجه ابن ماجه .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : فإنها تذكر الموت .
وفي الترمذي عن بريدة : فإنها تذكر الآخرة .
قال : هذا حديث حسن صحيح .وفيه عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن زوارات القبور .
قال : وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت .
قال أبو عيسى : وهذا حديث حسن صحيح .
وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في زيارة القبور ; فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء .
وقال بعضهم : إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن ، وكثرة جزعهن .قلت : زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء ، مختلف فيه للنساء .
أما الشواب فحرام عليهن الخروج ، وأما القواعد فمباح لهن ذلك .
وجائز لجميعهن .
ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال ; ولا يختلف في هذا إن شاء الله .
وعلى هذا المعنى يكون قوله : " زوروا القبور " عاما .
وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال والنساء ، فلا [ ص: 153 ] يحل ولا يجوز .
فبينا الرجل يخرج ليعتبر ، فيقع بصره على امرأة فيفتتن ، وبالعكس فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور .
والله أعلم .قال العلماء : ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه ، أن يكثر من ذكر هاذم اللذات ، ومفرق الجماعات ، وموتم البنين والبنات ، ويواظب على مشاهدة المحتضرين ، وزيارة قبور أموات المسلمين .
فهذه ثلاثة أمور ، ينبغي لمن قسا قلبه ، ولزمه ذنبه ، أن يستعين بها على دواء دائه ، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه ; فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت ، وانجلت به قساوة قلبه فذاك ، وإن عظم عليه ران قلبه ، واستحكمت فيه دواعي الذنب ; فإن مشاهدة المحتضرين ، وزيارة قبور أموات المسلمين ، تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول ; لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير ، وقائم له مقام التخويف والتحذير .
وفي مشاهدة من احتضر ، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة ; فلذلك كان أبلغ من الأول ; قال - صلى الله عليه وسلم - : ليس الخبر كالمعاينة رواه ابن عباس .فأما الاعتبار بحال المحتضرين ، فغير ممكن في كل الأوقات ، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات .
وأما زيارة القبور فوجودها أسرع ، والانتفاع بها أليق وأجدر .
فينبغي لمن عزم على الزيارة ، أن يتأدب بآدابها ، ويحضر قلبه في إتيانها ، ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط ; فإن هذه حالة تشاركه فيها بهيمة .
ونعوذ بالله من ذلك .
بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى ، وإصلاح فساد قلبه ، أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء ، ويتجنب المشي على المقابر ، والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر ، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا ، وأتاه من تلقاء وجهه ; لأنه في زيارته كمخاطبته حيا ، ولو خاطبه حيا لكان الأدب استقباله بوجهه ; فكذلك هاهنا .
ثم يعتبر بمن صار تحت التراب ، وانقطع عن الأهل والأحباب ، بعد أن قاد الجيوش والعساكر ، ونافس الأصحاب والعشائر ، وجمع الأموال والذخائر ; فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه ، وهول لم يرتقبه .
فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه ، ودرج من أقرانه الذين بلغوا الآمال ، وجمعوا الأموال ; كيف انقطعت آمالهم ، ولم تغن عنهم أموالهم ، ومحا التراب محاسن وجوههم ، وافترقت في القبور أجزاؤهم ، وترمل من بعدهم نساؤهم ، وشمل ذل اليتم أولادهم ، واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم .
وليتذكر ترددهم في المآرب ، وحرصهم على [ ص: 154 ] نيل المطالب ، وانخداعهم لمواتاة الأسباب ، وركونهم إلى الصحة والشباب .
وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم ، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع ، والهلاك السريع ، كغفلتهم ، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم ، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه ، وكيف تهدمت رجلاه .
وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه ، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه ، ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه ، وليتحقق أن حاله كحاله ، ومآله كمآله .
وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية ، ويقبل على الأعمال الأخروية ، فيزهد في دنياه ، ويقبل على طاعة مولاه ، ويلين قلبه ، وتخشع جوارحه .
فاستمرت غفلتكم ولهوتكم [وتشاغلكم] { حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } فانكشف لكم حينئذ الغطاء، ولكن بعد ما تعذر عليكم استئنافه.ودل قوله: { حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } أن البرزخ دار مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية ، أن الله سماهم زائرين، ولم يسمهم مقيمين.
( حتى زرتم المقابر ) حتى [ متم ] ودفنتم في المقابر .
قال قتادة : نزلت في اليهود ، قالوا : نحن أكثر من بني فلان ، وبنو فلان أكثر من بني فلان ، شغلهم ذلك حتى ماتوا ضلالا .
وقال مقاتل والكلبي : نزلت في حيين من قريش ; بني عبد مناف بن قصي ، وبني سهم بن عمرو ، كان بينهم تفاخر ، [ فتعاد ] السادة والأشراف أيهم أكثر عددا ؟
فقال بنو عبد مناف : نحن أكثر سيدا وأعز عزيزا وأعظم نفرا وأكثر عددا ، وقال بنو سهم مثل ذلك ، فكثرهم بنو عبد مناف ، ثم قالوا : نعد موتانا ، حتى زاروا القبور فعدوهم ، فقالوا : هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات لأنهم كانوا في الجاهلية أكثر عددا ، فأنزل الله هذه الآية .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري ، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي ، حدثنا عبد الرحيم بن منيب ، حدثنا النضر بن شميل ، عن قتادة عن مطرف بن عبد الله الشخير ، عن أبيه قال : انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ هذه الآية : " ألهاكم التكاثر " ، قال : " يقول ابن آدم : مالي مالي ، وهل لك من مالك ، إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه سمع أنس بن مالك يقول : قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يتبع ، الميت ثلاثة ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد ، يتبعه أهله وماله وعمله ، فيرجع أهله وماله ، ويبقى عمله " .
«حتى زرتم المقابر» بأن متم فدفنتم فيها، أو عددتم الموتى تكاثرا.
واستمر اشتغالكم بذلك إلى أن صرتم إلى المقابر، ودُفنتم فيها.
( حتى زُرْتُمُ المقابر ) أى : بقيتم على هذه الحال ، حتى أتاكم الموت ، ودفنتم فى قبوركم ، وانصرف عنكم أحب الناس إليكم ، وبقيتم وحدكم .والخطاب عام لكل عاقل ، ويدخل فيه المشركون والفاسقون ، الذين آثروا الدنيا على الآخرة دخولا أوليا .فالمراد بزيارة المقابر : انتهاء الآجال ، والدفن فى القبور بعد الموت .
وعبر - سبحانه - عن ذلك بالزيارة .
لأن الميت يأتى إلى القبر كالزائر له ، ثم بعد ذلك يخرج منه يوم البعث والنشور ، للحساب والجزاء ، فوجوده فى القبر إنما هو وجود مؤقت بوقت يعلمه الله - تعالى - .وقد روى أن أعرابيا عندما سمع هذه الآية قال : بعثوا ورب الكعبة ، فقيل له كيف ذلك؟
فقال : لأن الزائر لابد أن يرتحل .وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن التهالك على حطام الدنيا ، فى أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن الشَّخَّير قال : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : " ألهاكم التكاثر قال : يقول ابن آدم مالى مالى ، وهل لك من مالك يابن آدم ، آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت " .
فيه مسائل: المسألة الأولى: الإلهاء الصرف إلى اللهو.
واللهو الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى، ومعلوم أن الانصراف إلى الشيء يقتضي الإعراض عن غيره، فلهذا قال أهل اللغة: ألهاني فلان عن كذا أي أنساني وشغلني، ومنه الحديث: أن الزبير كان سمع صوت الرعد لهى عن حديثه أن تركه وأعرض عنه، وكل شيء تركته فقد لهيت عنه، والتكاثر التباهي بكثرة المال والجاه والمناقب يقال: تكاثر القوم تكاثراً إذا تعادلوا مالهم من كثرة المناقب، وقال أبو مسلم: التكاثر تفاعل عن الكثرة والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون بين الإثنين فيكون مفاعله، ويحتمل تكلف الفعل تقول: تكارهت على كذا إذا فعلته وأنت كاره، وتقول: تباعدت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه وتقول: تغافلت، ويحتمل أيضاً الفعل بنفسه كما تقول: تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه، ولفظ التكاثر في هذه الآية ويحتمل الوجهين الأولين، فيحتمل التكاثر بمعنى المفاعلة لأنه كم من إثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه: ﴿ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ ويحتمل تكلف الكثرة فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله، واعلم أن التفاخر والتكاثر شيء واحد ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ﴾ .
المسألة الثانية: اعلم أن التفاخر إنما يكون بإثبات الإنسان نوعاً من أنواع السعادة لنفسه، وأجناس السعادة ثلاثة: فأحدها: في النفس والثانية: في البدن والثالثة: فيما يطيف بالبدن من خارج، أما التي في النفس فهي العلوم والأخلاق الفاضلة وهما المرادان بقوله حكاية عن إبراهيم: ﴿ رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ وبهما ينال البقاء الأبدي والسعادة السرمدية.
وأما التي في البدن فهي الصحة والجمال وهي المرتبة الثانية، وأما التي تطيف بالبدن من خارج فقسمان: أحدهما: ضروري وهو المال والجاه والآخر غير ضروري وهو الأقرباء والأصدقاء وهذا الذي عددناه في المرتبة الثالثة إنما يراد كله للبدن بدليل أنه إذا تألم عضو من أعضائه فإنه يجعل المال والجاه فداء له.
وأما السعادة البدنية فالفضلاء من الناس إنما يريدونها للسعادة النفسانية فإنه ما لم يكن صحيح البدن لم يتفرغ لاكتساب السعادات النفسانية الباقية، إذا عرفت هذا فنقول: العاقل ينبغي أن يكون سعيه في تقديم الأهم على المهم، فالتفاخر بالمال والجاه والأعوان والأقرباء تفاخر بأخس المراتب من أسباب السعادات، والاشتغال به يمنع الإنسان من تحصيل السعادة النفسانية بالعلم والعمل، فيكون ذلك ترجيحاً لأخس المراتب في السعادات على أشرف المراتب فيها، وذلك يكون عكس الواجب ونقيض الحق، فلهذا السبب ذمهم الله تعالى فقال: ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ ويدخل فيه التكاثر بالعدد وبالمال والجاه والأقرباء والأنصار والجيش، وبالجملة فيدخل فيه التكاثر بكل ما يكون من الدنيا ولذاتها وشهواتها.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ ألهاكم ﴾ يحتمل أن يكون إخباراً عنهم، ويحتمل أن يكون استفهاماً بمعنى التوبيخ والتقريع أي أألهاكم، كما قرئ ﴿ أنذرتهم ﴾ و ﴿ أأنذرتهم ﴾ ، و ﴿ إذا كنا عظاماً ﴾ و ﴿ أئذا كنا عظاماً ﴾ .
المسألة الرابعة: الآية دلت على أن التكاثر والتفاخر مذموم والعقل دل على أن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقية غير مذموم، ومن ذلك ما روي من تفاخر العباس بأن السقاية بيده، وتفاخر شيبة بأن المفتاح بيده إلى أن قال علي عليه السلام: وأنا قطعت خرطوم الكفر بسيفي فصار الكفر مثلة فأسلمتم فشق ذلك عليهم فنزل قوله تعالى: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية وذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ ﴾ أنه يجوز للإنسان أن يفتخر بطاعاته ومحاسن أخلاقه إذا كان يظن أن غيره يقتدي به، فثبت أن مطلق التكاثر ليس بمذموم، بل التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة، هو المحمود، وهو أصل الخيرات، فالألف واللام في التكاثر ليسا للاستغراق، بل للمعهود السابق، وهو التكاثر في الدنيا ولذاتها وعلائقها، فإنه هو الذي يمنع عن طاعة الله تعالى وعبوديته، ولما كان ذلك مقرراً في العقول ومتفقاً عليه في الأديان، لا جرم حسن إدخال حرف التعريف عليه.
المسألة الخامسة: في تفسير الآية وجوه: أحدها: ألهاكم التكاثر بالعدد.
روي أنها نزلت في بني سهم وبني عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر فكان بنو عبد مناف أكثر فقال: بنو سهم عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم، ففعلوا فزاد بنو سهم، فنزلت الآية وهذه الرواية مطابقة لظاهر القرآن، لأن قوله: ﴿ حتى زُرْتُمُ المقابر ﴾ يدل على أنه أمر مضى.
فكأنه تعالى يعجبهم من أنفسهم، ويقول هب أنكم أكثر منهم عدداً فماذا ينفع، والزيارة إتيان الموضع، وذلك يكون لأغراض كثيرة، وأهمها وأولاها بالرعاية ترقيق القلب وإزالة حب الدنيا فإن مشاهدة القبور تورث ذلك على ما قال عليه السلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة» ثم إنكم زرتم القبور، بسبب قساوة القلب والاستغراق في حب الدنيا فلما انعكست هذه القضية، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك في معرض التعجيب.
والقول الثاني: أن المراد هو التكاثر بالمال واستدلوا عليه بما روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، أنه عليه السلام كان يقرأ: ﴿ ألهاكم ﴾ وقال ابن آدم: يقول مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنبت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، والمراد من قوله: ﴿ حتى زُرْتُمُ المقابر ﴾ أي حتى متم وزيارة القبر عبارة عن الموت، يقال لمن مات: زار قبره وزار رمسه، قال جرير للأخطل: زار القبور أبو مالك *** فأصبح ألأم زوارها أي مات فيكون معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت، وأنتم على ذلك، يقال حمله على هذا الوجه مشكل من وجهين: الأول: أن الزائر هو الذي يزور ساعة ثم ينصرف، والميت يبقى في قبره، فكيف يقال: إنه زار القبر؟
والثاني: أن قوله: ﴿ حتى زُرْتُمُ المقابر ﴾ إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟
والجواب: عن السؤال الأول أنه قد يمكث الزائر، لكن لابد له من الرحيل، وكذا أهل القبور يرحلون عنها إلى مكان الحساب والجواب: عن السؤال الثاني من وجوه: أحدها: يحتمل أن يكون المراد من كان مشرفاً على الموت بسبب الكبر، ولذلك يقال فيه: إنه على شفير القبر.
وثانيها: أن الخبر عمن تقدمهم وعظاً لهم، فهو كالخبر عنهم، لأنهم كانوا على طريقتهم، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَبيينَ ﴾ .
وثالثها: قال أبو مسلم: إن الله تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور.
القول الثالث: ألهاكم الحرص على المال وطلب تكثيره حتى منعتم الحقوق المالية إلى حين الموت، ثم تقول في تلك الحالة: أوصيت لأجل الزكاة بكذا، ولأجل الحج بكذا.
القول الرابع: ألهاكم التكاثر فلا تلتفتون إلى الدين، بل قلوبكم كأنها أحجار لا تنكسر ألبتة إلا إذا زرتم المقابر، هكذا ينبغي أن تكون حالكم، وهو أن يكون حظكم من دينكم ذلك القدر القليل من الانكسار، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ أي لا أقنع منكم بهذا القدر القليل من الشكر.
المسألة السادسة: أنه تعالى لم يقل: ألهاكم التكاثر عن كذا وإنما لم يذكره، لأن المطلق أبلغ في الذم لأنه يذهب الوهم فيه كل مذهب، فيدخل فيه جميع ما يحتمله الموضع، أي: ألهاكم التكاثر عن ذكر الله وعن الواجبات والمندوبات في المعرفة والطاعة والتفكر والتدبر، أو نقول: إن نظرنا إلى ما قبل هذه الآية فالمعنى: ألهاكم التكاثر عن التدبر في أمر القارعة والاستعداد لها قبل الموت، وإن نظرنا إلى الأسفل فالمعنى ألهاكم التكاثر، فنسيتم القبر حتى زرتموه.
<div class="verse-tafsir"
ألهاه عن كذا وأقهاه: إذا شغله.
و ﴿ التكاثر ﴾ التباري في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر، وهؤلاء: نحن أكثر.
روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عدداً، فكثرهم بنو عبد مناف فقالت بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادّونا بالأحياء والأموات، فكثرتهم بنو سهم.
والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات: عبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة المقابر تهكماً بهم.
وقيل: كانوا يزورون المقابر فيقولون: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان عند تفاخرهم.
والمعنى: ألهاكم ذلك- وهو مما لا يعينكم ولا يجدي عليكم في دنياكم وآخرتكم- عما يعينكم من أمر الدين الذي هو أهم وأعني من كل مهم.
أو أراد ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم.
منفقين أعماركم في طلب الدنيا والاستباق إليها والتهالك عليها، إلى أن أتاكم الموت لا همّ لكم غيرها، عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم والعمل لآخرتكم.
وزيارة القبور: عبارة عن الموت.
قال: لَنْ يُخْلِصَ الْعَامَ خَلِيلٌ عِشْراً ** ذَاقَ الضِّمَادَ أَوْ يَزُورَ الْقَبْرا وقال: زَارَ الْقُبُورَ أَبُو مَالِكٍ ** فَأَصْبَحَ أَلأمَّ زُوَّارِهَا وقرأ ابن عباس: ﴿ أألهاكم ﴾ ؟
على الاستفهام الذي معناه التقرير ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا يهتم بدينه ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ إنذار ليخافوا فيتنبهوا من غفلتهم.
والتكرير: تأكيد للردع والأنذار عليهم.
و(ثم) دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأوّل وأشد، كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: لا تفعل، والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدّامكم من هول لقاء الله، وإنّ هذا التنبيه نصيحة لكم ورحمة عليكم.
ثم كرّر التنبيه أيضاً وقال: ﴿ لَّوْ تَعْلَمُونَ ﴾ محذوف الجواب، يعني: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، أي: كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور التي وكلتم بعملها هممكم: لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه؛ ولكنكم ضلال جهلة؛ ثم قال: ﴿ لَتَرَوُنَّ الجحيم (6) ﴾ فبين لهم ما أنذرهم منه وأوعدهم به؛ وقد مرّ ما في إيضاح الشيء بعد إبهامه من تفخيمه وتعظيمه، وهو جواب قسم محذوف، والقسم لتوكيد الوعيد، وأن ما أوعدوا به ما لا مدخل فيه للريب؛ وكرره معطوفاً بثم تغليظاً في التهديد وزيادة في التهويل.
وقرئ: ﴿ لترؤن ﴾ بالهمز وهي مستكرهة.
فإن قلت: لم استكرهت والواو المضمومة قَلَبَهَا همزة قياس مطرد؟
قلت: ذاك في الواو التي ضمتها لازمة، وهذه عارضة لالتقاء الساكنين.
وقرئ: ﴿ لترون ﴾ ولترونها: على البناء للمفعول ﴿ عَيْنَ اليقين ﴾ أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصته.
ويجوز أن يراد بالرؤية: العلم والإبصار ﴿ عَنِ النعيم ﴾ عن اللهو والتنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه.
فإن قلت: ما النعيم الذي يسئل عنه الإنسان ويعاتب عليه؟
فما من أحد إلاّ وله نعيم؟
قلت: هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلاّ ليأكل الطيب ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمّل نفسه مشاقهما؛ فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلاّ لعباده، وتقوّى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضاً بالشكر: فهو من ذاك بمعزل؛ وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي: أنه أكل هو وأصحابه تمر وشربوا عليه ماء فقال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ألهاكم التكاثر لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية» .
سُورَةُ التَّكاثُرِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها ثَمانِي آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ألْهاكُمُ ﴾ شَغَلَكم وأصْلُهُ الصَّرْفُ إلى اللَّهْوِ مَنقُولٌ مِن لَها إذا غَفَلَ.
﴿ التَّكاثُرُ ﴾ التَّباهِي بِالكَثْرَةِ.
﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ إذا اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَ الأحْياءِ صِرْتُمْ إلى المَقابِرِ فَتَكاثَرْتُمْ بِالأمْواتِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِقالِهِمْ إلى ذِكْرِ المَوْتى بِزِيارَةِ المَقابِرِ.
رُوِيَ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ تَفاخَرُوا بِالكَثْرَةِ فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ بَنُو سَهْمٍ: إنَّ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعادُونا بِالأحْياءِ والأمْواتِ فَكَثَرَهم بَنُو سَهْمٍ، وإنَّما حُذِفَ المُلْهى عَنْهُ وهو ما يَعْنِيهِمْ مِن أمْرِ الدِّينِ لِلتَّعْظِيمِ والمُبالَغَةِ.
وَقِيلَ: مَعْناهُ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ إلى أنْ مِتُّمْ وقُبِرْتُمْ مُضَيِّعِينَ أعْمارَكم في طَلَبِ الدُّنْيا عَمّا هو أهَمُّ لَكُمْ، وهو السَّعْيُ لِأُخْراكم فَتَكُونُ زِيارَةُ القُبُورِ عِبارَةً عَنِ المَوْتِ.
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ لا يَكُونَ جَمِيعُ هَمِّهِ ومُعْظَمُ سَعْيِهِ لِلدُّنْيا فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ وبالٌ وحَسْرَةٌ.
﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ خَطَأ رَأْيِكم إذا عايَنْتُمْ ما وراءَكم وهو إنْذارٌ لِيَخافُوا ويَنْتَبِهُوا مِن غَفْلَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{حتى زُرْتُمُ المقابر} حتى أدرككم الموت على تلك الحال أو حتى زرتم المقابر وعددتم من المقابر من موتاكم
﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ حَتّى إذا اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَ الأحْياءِ صِرْتُمْ إلى المَقابِرِ وانْتَقَلْتُمْ إلى ذِكْرِ مَن فِيها فَتَكاثَرْتُمْ بِالأمْواتِ، فالغايَةُ داخِلَةٌ في المُغَيّا، وقَدْ تَقَدَّمَ مِن سَبَبِ النُّزُولِ ما يُوَضِّحُ ذَلِكَ.
وعَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ تَفاخَرُوا أيُّهم أكْثَرُ عَدَدًا فَكَثَرَتْهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ فَقالَتْ بَنُو سَهْمٍ: إنِ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعادُّونا بِالأحْياءِ والأمْواتِ فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، وزِيارَةُ المَقابِرِ عَلى ما تَقَدَّمَ عَلى ظاهِرِها، وأمّا عَلى هَذا فَقَدْ عَبَّرَ بِها عَنْ بُلُوغِهِمْ ذِكْرَ المَوْتى كِنايَةً أوْ مَجازًا، واسْتُحْسِنَ جَعْلُهُ تَمْثِيلًا، وفي الكَشّافِ: عَبَّرَ بِذَلِكَ عَمّا ذُكِرَ تَهَكُّمًا بِهِمْ، ووَجَّهَ بَعْضٌ بِأنَّهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ في فِعْلِكم هَذا كَمَنَ يَزُورُ القُبُورَ مِن غَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وبَعْضٌ آخَرُ بِأنَّ زِيارَةَ القُبُورِ لِلِاتِّعاظِ وتَذَكُّرِ المَوْتِ وهم عَكَسُوا؛ فَجَعَلُوها سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ وهَذا أوْلى.
والمَعْنى: ألْهاكم ذَلِكَ وهو لا يَعْنِيكم ولا يُجْدِي عَلَيْكم في دُنْياكم وآخِرَتِكم عَمّا يَعْنِيكم مِن أمْرِ الدِّينِ الَّذِي هو أهَمُّ وأعْنى مِن كُلِّ مُهِمٍّ، وحَذَفَ المُلْهِي عَنْهُ لِلتَّعْظِيمِ المَأْخُوذِ مِنَ الإبْهامِ بِالحَذْفِ والمُبالَغَةِ في الذَّمِّ حَيْثُ أشارَ إلى أنَّ ما يُلْهِي مَذْمُومٌ فَضْلًا عَنِ المُلْهِي عَنْ أمْرِ الدِّينِ.
وقِيلَ: المُرادُ: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ إلى أنْ مُتُّمْ وقُبِرْتُمْ مُنْفِقِينَ أعْمارَكم في طَلَبِ الدُّنْيا والِاشْتِياقِ إلَيْها والتَّهالُكِ عَلَيْها إلى أنْ أتاكُمُ المَوْتُ لا هَمَّ لَكم غَيْرُها عَمّا هو أوْلى بِكم مِنَ السَّعْيِ لِعاقِبَتِكم والعَمَلِ لِآخِرَتِكُمْ، وصَدْرُهُ قَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ، وزِيارَةُ المَقابِرِ عَلَيْهِ عِبارَةٌ عَنِ المَوْتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إنِّي رَأيْتُ الضَّمْدَ شَيْئًا نُكْرًا لَنْ يُخْلِصَ العامَ خَلِيلٌ عَشْرا ذاقَ الضِّمادَ أوْ يَزُورَ القَبْرا وقالَ جَرِيرٌ: زارَ القُبُورَ أبُو مالِكٍ ∗∗∗ فَأصْبَحَ ألْأمَ زُوّارِها وفِي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَحَقُّقِ البَعْثِ.
يُحْكى أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ ذَلِكَ فَقالَ: بُعِثَ القَوْمُ لِلْقِيامَةِ ورَبِّ الكَعْبَةِ؛ فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ قالَ: لا بُدَّ لِمَن زارَ أنْ يَرْجِعَ إلى جَنَّةٍ أوْ نارٍ وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى قَصْرِ زَمَنِ اللُّبْثِ في القُبُورِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ أوْ لِتَغْلِيبِ مَن ماتَ أوَّلًا أوْ لِجَعْلِ مَوْتِ آبائِهِمْ بِمَنزِلَةِ مَوْتِهِمْ.
ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ القِيامَةِ تَعْيِيرًا لِلْكُفّارِ وهم في ذَلِكَ الوَقْتِ قَدْ تَقَدَّمَتْ مِنهم زِيارَةُ القُبُورِ.
وقِيلَ: هَذا تَأْنِيبٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةِ القُبُورِ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ ومُباهاةً وتَفاخُرًا بِهِ لا اتِّعاظًا وتَذَكُّرًا لِلْآخِرَةِ كَما هو المَشْرُوعُ، ويُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ أبِي داوُدَ: ««نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها فَإنَّها تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ»».
ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، نَعَمْ لا كَلامَ في ذَمِّ زِيارَةِ القُبُورِ لِلتَّفاخُرِ بِالمَزُورِ أوْ لِلتَّباهِي بِالزِّيارَةِ كَما يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ المُنْتَسِبِينَ إلى المُتَصَوِّفَةِ في زِياراتِهِمْ لِقُبُورِ المَشايِخِ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ هَذا مَعَ ما لَهم فِيها مِن مُنْكَراتٍ اعْتَقَدُوها طاعاتٍ وشَنائِعُ اتَّخَذُوها شَرائِعَ إلى أُمُورٍ تَضِيقُ عَنْها صُدُورُ السُّطُورِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةَ ومُعاوِيَةَ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وأبُو صالِحٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وأبُو الجَوْزاءِ وجَماعَةٌ: «آلَهاكُمْ» بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والشَّعْبِيِّ وأبِي العالِيَةِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ والكِسائِيِّ في رِوايَةً: «أألْهاكُمْ» بِهَمْزَتَيْنِ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ.
<div class="verse-tafsir"
مختلف فيها وهي ثمان آيات مكية قوله تعالى أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال الكلبي نزلت في حَيَّيْن من العرب أحدهما بنو عبد مناف والآخر بنو سهم تفاخرا في الكثرة فكثرتهم بنو عبد مناف فقال بنو سهم إنا البغي والقتال قد أهلكنا فقد أحيانا وأحياكم وأمواتنا وأمواتكم ففعلوا فكثرتهم بنو سهم فنزل (أَلْهَاكُمُ التكاثر) يعني: شغلكم وأذهلكم التفاخر حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ يعني: أتيتم وذكرتم وعددتم أهل المقابر يعني: حتى يدرككم الموت على تلك الحال وروي عن النبي أنه قرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ثم قال يقول بني آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فَأَفْنَيْتَ أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ويقال معناه أغفلكم التفاخر والتكاثر عن الهاوية والنار الحامية حتى زرتم المقابر يعني: عددتم مَنْ في المقابر ثم قال كَلَّا وهو رد على صنيعكم ويقال (كلا) معناه أي لاَ تَدَعون الفخر بالأحساب حتى زرتم المقابر وقال الزجاج كلا ردع لهم وتنبيه يعني: ليس الأمر الذي أن يكون عليه التكاثر والذي ينبغي أن يكونوا عليه طاعة الله تعالى والإيمان بنبيه محمد سَوْفَ تَعْلَمُونَ إذا نزل بكم الموت ويقال (كلا سوف تعلمون) إن سئلتم في القبر ثم قال ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ بعد الموت حين نزل بكم العذاب لأن الأحساب لا تنفعكم قوله تعالى كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ قال بعضهم معناه لا لا تؤمنون بالوعيد وقد تم الكلام ثم استأنف فقال عِلْمَ الْيَقِينِ يعني: لو تعلمون ما القيامة باليقين لألهاكم عن ذلك ويقال هذا موصول به كلا لو تعلمون يقول حقاً لو علمتم علم اليقين بأن المال والحسب والفخر لا ينفعكم يوم القيامة ما افتخرتم بالمال والعدد والحسب ثم قال عز وجل لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ قرأ ابن عامر والكسائي لَتَرَوُنَّ بضم التاء والباقون بالنصب فمن قرأ بالضم فهو على فعل ما لم يسم فاعله ونصب الجحيم على أنه مفعول به ثان، ومن قرأ بالنصب فعلى فعل المخاطبة ونصب الجحيم لأنه مفعول يعني: لترون الجحيم يوم القيامة عياناً ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ يعني: يدخلونها عياناً لا شك فيه ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ يعني: ولتسألن يوم القيامة عن النعيم قال علي بن أبي طالب من أكل خبزاً يابساً وشرب الماء من الفرات فقد أصاب النعيم وقال ابن مسعود هو الأمن والصحة وروى حماد بن سلمة عن أبيه عمار بن أبي عمار عن جابر أنه قال جاءنا رسول الله وأبو بكر وعمر ما فأطعمناهم رطباً وأسقيناهم الماء فقال رسول الله «هذا من النعيم الذي تَسْأَلُونَ عَنْهُ» وروى صالح بن محمد عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال إن أبا بكر سأل رسول الله عن أكلة أكلها مع رسول الله في بيت أبي الهيثم بن التيهان من لحم وخبز وشعير وبسر مذنب وماء عذب فقال لرسول الله : أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه فقال النبي : «إنَّمَا ذلك لِلكُفَّارِ ثُمَّ قَالَ ثَلاَثَةٌ لا يَسْأَلُ الله تَعالَى عَنْهَا العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا يُوارِي عَوْرَتَهُ وَمَا يُقِيمُ بِهِ صُلْبُهُ وَمَا يَكُفُّهُ عَنِ الحَرِّ والقُرِّ وَهُوَ مَسْؤُولٌ بَعْدَ ذلك عَنْ كُلِّ نِعْمَةٍ» وروى الحسن عن رسول الله أنه قال «مَا أَنْعَمَ الله تَعَالَى عَلَى العَبْدِ مِنْ نِعْمَةٍ صَغِيرَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ فَيَقُولُ عَلَيْهَا الحَمْدُ لله إِلاَّ أَعْطَاهُ الله تَعَالى خَيْراً مِمَّا أَخَذَ» والله أعلم وعن رسول الله أنه قال: «من قرأ سُورَةِ التَّكَاثُر لَمْ يُحَاسِبْهُ الله تَعَالَى بِالنَّعِيمِ الَّذِي أَنْعَمَ بِهِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا وَأُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ كأنّما قرأ القرآن» .
بهمزَتَيْنِ، ومعنى الاستفهامِ التوبيخُ والتقريرُ، انتهى، قال الفخر: اعْلَمْ أنَّ أهم الأمور وأولاها بالرعايةِ تَرْقِيقُ القلبِ، وإزالَةُ حُبِّ الدنيا منه، ومُشَاهَدَةُ القبورِ تُورِثُ ذلكَ كما ورد/ به الخَبَرُ، انتهى.
وقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ زَجْرٌ ووعيدٌ، ثم كُرِّرَ تَأكِيداً، ويأخذ كل إنسانٍ من هذا الزجرِ والوعيدِ المُكَرَّرِ على قدر حظِّهِ من التوغُّلِ فيما يُكْرَه هذا تأويل الجمهور، وقال عليٌّ: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القبرِ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في البَعْثِ «١» ، قال الفخر «٢» : وفي الآيةِ تَهْدِيدٌ عظيمٌ للعلماءِ فَإنها دالة على أنه لَوْ حَصَلَ اليقينُ لَتَرَكُوا التكاثُرَ والتَّفَاخُرَ فهذا يَقْتَضِي أنَّ مَنْ لا يتركُ التكاثرَ والتفاخرَ أنْ لاَ يكونَ اليقينُ حَاصِلاً له فالويلُ للعالمِ الذي لا يكون عاقلا ثم الويل له، انتهى.
وقوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ جوابُ «لو» محذوفٌ تقديرهُ لاَزْدُجِرْتُمْ، [وبَادَرْتُم] إنقاذَ أنفُسِكم من الهَلَكَةِ، واليقينُ أعلى مراتبِ العلم، ثم أخْبَرَ تعالى الناسَ أنَّهُم يَرَوْنَ الجحيمَ، وقال ابن عباس: هذا خطابٌ للمشركينَ والمَعْنَى على هذا التأويلِ: أنها رؤيةُ دخولٍ وصَلْيٍ وَهُوَ عينُ اليقينِ لَهُم «٣» ، وقال آخرونَ: الخطابُ للناسِ كلِّهم، فهي كقوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] فالمعنى أنّ الجميعَ يَرَاها ويجوزُ النَّاجِي وَيَتَكَرْدَسُ فيها الكافرُ، - ص-: لَتَرَوُنَّ ابن عامر والكسائي- بضم التاء-، والباقون بفتحها «٤» ، انتهى.
وقوله تعالى: ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ تأكيدٌ في الخبرِ، وعينُ اليقينِ: حقيقتُه وغايتُه، ثم أخْبَر تعالى أنّ الناسَ مَسْؤولونَ يَوْمَئِذٍ عَنْ نعيمِهم في الدنيا كيفَ نالُوه ولِمَ آثَرُوهُ، وتَتَوَجَّهُ في هذا أسئلةٌ كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ، وهِيَ مُنْقَادَةٌ لِمَنْ أُعْطِيَ فَهْماً في كتاب الله- عز وجل، - وقد قال صلّى الله عليه وسلّم/ لأصحابه: «والّذي نفسي بيده، لتسألنّ عن
نَعِيمِ هذا الْيَوْمِ» «١» ، الحديثُ في الصحيح إذْ ذَبَحَ لَهُمْ أبُو الهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ شَاةً وَأَطْعَمَهُمْ خُبْزاً وَرُطَباً، واستعذب لَهُمْ مَاءً، وَعَنْ أبي هريرةَ في حديثهِ في مسيرِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكرٍ وعمرَ إلى بَيْتِ أبي الهَيْثَمِ، وأكلهم الرطب واللّحم وشربهم الماء، وقوله صلّى الله عليه وسلّم هذا هُوَ النَّعِيمُ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإنَّ ذَلِكَ كَبُرَ على أصحابهِ، وإنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَال: «إذا أَصَبْتُمْ مِثْلَ هذا وَضَرَبْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ، فَقُولُوا: باسم اللَّهِ، وعلى بَرَكَةِ اللَّهِ، وَإذَا شَبِعْتُمْ، فَقُولُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَشْبَعَنَا وَأَرْوَانَا، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا وَأَفْضَلَ، فَإنَّ هذا كَفَافٌ [بِذَاكَ] » هذا مختصرٌ «٢» رواه الحاكم في المستدركِ، انتهى من «سلاح المؤمن» قال الداوديُّ: وعن الحسنِ وقَتَادَة: ثَلاَثٌ لا يَسْأَلُ اللَّهُ عنهنّ ابنَ آدمَ ومَا عَدَاهُنَّ فيه الحسابُ والسؤال إلا مَا شَاءَ اللَّهُ: كسوةٌ يوارِي بها سوءَتَه، وكِسْرَةٌ يَشُدَّ بِهَا صلبَه، وبيتٌ يُكِنُّه مِنَ الحرّ والبرد، انتهى.
سُورَةُ التَّكاثُرِ وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، فَألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا ضُلّالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ كانَ بَيْنَهُما لِحاءٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا، وأعَزُّ نَفَرًا.
وقالَ أُولَئِكَ مِثْلَ هَذا، فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثَّرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ قالُوا: نَعُدُّ مَوْتانا، فَزارُوا القُبُورَ، فَعَدُّوا مَوْتاهُمْ، فَكَثَّرَهم بَنُو سَهْمٍ، لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألْهاكُمُ ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أألْهاكم " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وعائِشَةُ " آلْهاكم " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ اسْتِفْهامًا أيْضًا.
ومَعْنى ألْهاكُمْ: شَغَلَكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ.
وفي المُرادِ بِالتَّكاثُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ، حَضَرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها إلى مَنازِلِكم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ.
والثّانِي: حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ فَعَدَدْتُمْ مَن فِيها مِن مَوْتاكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ.
والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ التَّكاثُرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ تَكاثُرِكم وتَفاخُرِكم إذا نَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ.
وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ: يَقَعُ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ﴾ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكم ما تَعْلَمُونَ عَنِ التَّكاثُرِ، والتَّفاخُرِ.
وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: وهو ما ذَكَرْنا.
ثُمَّ أوْعَدَهم وعِيدًا آخَرَ فَقالَ تَعالى: ﴿ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ " لَتَرَوُنَّ " " ثُمَّ لَتَرَوُنَّها " بِفَتْحِ التّاءِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " لَتُرَوُنَّ " " لَتُرَوُنَّها " بِضَمِّ التّاءِ فِيهِما مِن غَيْرِ هَمْزٍ ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ ﴾ أيْ: مُشاهَدَةً، فَكانَ المُرادُ بِـ ﴿ عَيْنَ اليَقِينِ ﴾ نَفْسَهُ، لِأنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ: ذاتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا السُّؤالُ عامٌّ، أمْ لا؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالنَّعِيمِ عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأمْنُ والصِّحَّةُ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ، وتارَةً يَأْتِي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الماءُ البارِدُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ .
والثّالِثُ: أنَّهُ خُبْزُ البُرِّ والماءُ العَذْبُ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ صِحَّةُ الأبْدانِ، والأسْماعِ، والأبْصارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ قَتادَةُ: هو العافِيَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّابِعُ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّامِنُ: كُلُّ شَيْءٍ مِن لَذَّةِ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والعاشِرُ: أنَّهُ صُنُوفُ النِّعَمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ نَعِيمٍ، وعامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، فالكافِرُ يُسْألُ تَوْبِيخًا إذا لَمْ يَشْكُرِ المُنْعِمَ، ولَمْ يُوَحِّدْهُ.
والمُؤْمِنُ يُسْألُ عَنْ شُكْرِها.
وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: " ثَلاثٌ لا أسْألُ عَبْدِي عَنْ شُكْرِهِنَّ وأسْألُهُ عَمّا سِوى ذَلِكَ، بَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الطَّعامِ، وما يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنَ اللِّباسِ» " .
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكاثُرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا أعْلَمُ فِيها خِلافًا.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألْهاكُمُ التَكاثُرُ ﴾ ﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ ﴿ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ﴾ ﴿ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ﴾ ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ ﴾ ﴿ ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَعِيمِ ﴾ "ألْهاكُمْ" مَعْناهُ: شَغَلَكم بِلَذّاتِهِ، ومِنهُ "لَهْوُ الحَدِيثِ والأصْواتِ" واللهْوُ بِالنِساءِ، وهَذا خَبَرٌ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وتَحَسُّرٌ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو صالِحٍ: "آلْهاكُمْ" عَلى الِاسْتِفْهامِ.
و"التَكاثُرُ" هو المُفاخَرَةُ بِالأمْوالِ والأولادِ والعَدَدِ جُمْلَةً، وهَذا هِجِّيرى أهْلِ الدُنْيا وأبْنائِها العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، لا يَتَخَلَّصُ مِنهُ إلّا العُلَماءُ المُتَّقُونَ، وقَدْ قالَ الأعْشى: ولِسْتُ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ وقالَ النَبِيُّ : « "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ"؟».
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: حَتّى ذَكَرْتُمُ المَوْتى في تَفاخُرِكم بِالآباءِ والسَلَفِ، وتَكَثَّرْتُمْ بِالعِظامِ الرَمِيمِ، وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: حَتّى مُتُّمْ وزُرْتُمْ بِأجْسادِكم مَقابِرَكُمْ، أيْ قَطَعْتُمْ بِالتَكاثُرِ أعْمارَهُمْ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: بُعِثَ القَوْمُ لِلْقِيامَةِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزائِرَ مُنْصَرِفٌ لا يُقِيمُ، وحَكى النَقّاشُ هَذِهِ النَزْعَة عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا تَأْنِيبٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةِ القُبُورِ، أيْ: جَعَلْتُمْ أشْغالَكُمُ القاطِعَةَ لَكم عَنِ العِلْمِ والتَعَلُّمِ زِيارَةُ القُبُورِ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ وإشادَةً بِذِكْرِهِ، وقالَ: ثُمَّ قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "كُنْتُ نَهَيْتُكم عن زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها ولا تَقُولُوا هَجْرًا".» فَكانَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في مَعْنى الآيَةِ، ثُمَّ أباحَ بَعْدُ لِمَعْنى الِاتِّعاظِ لا لِمَعْنى المُباهاةِ والِافْتِخارِ كَما يَفْعَلُ الناسُ في مُلازَمَتِها وتَسْنِيمِها بِالرُخامِ والحِجارَةِ، تَلْوِينُها سَرَفًا، وبُنْيانَ النَواوِيسِ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ زَجْرٌ ووَعِيدٌ، ثُمَّ كَرَّرَ تَعالى: "كَلّا" تَأْكِيدًا، ويَأْخُذُ الناسَ مِن هَذا الزَجْرِ والوَعِيدِ المُكَرَّرَيْنِ كُلُّ أحَدٍ عَلى قَدْرِ حَظِّهِ مِنَ التَوَغُّلِ فِيما يَكْرَهُ، هَذا تَأْوِيلُ جُمْهُورِ الناسِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "كَلّا سَتَعْلَمُونَ في القُبُورِ، كَلّا سَتَعْلَمُونَ في البَعْثِ، وقالَ الضَحّاكُ: الزَجْرُ الأوَّلُ وعِيدُهُ هو لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "كَلّا سَيَعْلَمُونَ" فِيهِما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ ﴾ جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ في القَوْلِ، أيْ: لازْدَجَرْتُمْ وبادَرْتُمْ إنْقاذَ أنْفُسِكم مِنَ الهَلَكَةِ، و"اليَقِينُ" أعْلى مَراتِبِ العِلْمِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى الناسَ أنَّهم يَرَوْنَ الجَحِيمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكِسائِيُّ: "لَتُرَوْنَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهي الأرْجَحُ، وكَذَلِكَ في الثانِيَةِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِ التاءِ الأُولى وضَمِّها في الثانِيَةِ، ورُوِيَ ضَمُّها عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعاصِمٍ.
و"تَرَوْنَ" أصْلُهُ تَرْأيُونَّ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الراءِ، وقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِحَرَكَتِها بَعْدَ مَفْتُوحٍ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ لِسُكُونِها وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها ثُمَّ جُلِبَتِ النُونُ المُشَدَّدَةُ فَحُرِّكَتِ الواوُ بِالضَمِّ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُونِ الأُولى مِنَ المُشَدَّدَةِ؛ إذْ قَدْ حُذِفَتْ نُونُ الإعْرابِ لِلْبِناءِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فالمَعْنى -عَلى هَذا- أنَّها رُؤْيَةُ دُخُولِ وصْلِي، وهو عَيْنُ اليَقِينِ، وقالَ آخَرُونَ: الخِطابُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ ، فالمَعْنى أنَّ الجَمِيعَ يَراها، ويَجُوزُ الناجِي ويَتَكَرْدَسُ فِيها الكافِرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ ﴾ تَأْكِيدٌ في الخَبَرِ، و"عَيْنَ اليَقِينِ" حَقِيقَتُهُ وغايَتُهُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَمْرٍو أنَّهُما هَمْزا "لَتَرَؤُنَّ" و"لَتَرَؤُنَّها" بِخِلافٍ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "ثُمَّ لَتَرَوُنَّها" بِضَمِّ التاءِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الناسَ مَسْؤُولُونَ يَوْمَئِذٍ عن نَعِيمِهِمْ في الدُنْيا، كَيْفَ نالُوهُ؟
ولِمَ آثَرُوهُ؟
ويَتَوَجَّهُ في هَذا أسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ، مِن مُنْقادَةٍ لِمَن أُعْطِيَ فَهُما في كِتابِ اللهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وسُفْيانُ، ومُجاهِدٌ: النَعِيمُ هو الأمْنُ والصِحَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو البَدَنُ والحَواسُّ، يُسْألُ المَرْءُ فِيما اسْتَعْمَلَها؟
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ، «وَأكَلَ رَسُولُ اللهِ هو وبَعْضُ أصْحابِهِ رُطَبًا، وشَرِبُوا عَلَيْها ماءً فَقالَ لَهُمْ: هَذا مِنَ النَعِيمِ الَّذِي تَسْألُونَ عنهُ،»«وَمَضى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمًا هو وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما -وَقَدْ جاعُوا- إلى مَنزِلِ أبِي الهَيْثَمِ بْنِ التِيهانِ، فَذَبَحَ لَهُما شاةً، وأطْعَمَهم خُبْزًا ورُطَبًا، واسْتَعْذَبَ لَهم ماءً، وكانُوا في ظِلٍّ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْألُنَّ عن نَعِيمِ هَذا اليَوْمِ".» ورُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "النَعِيمُ المَسْئُوولُ عنهُ كَسْرَةٌ تَقُوتُهُ، وماءٌ يَرْوِيهِ، وثَوْبٌ يُوارِيهِ".» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ «أنَّ النَعِيمَ المَسْؤُولَ عنهُ الماءُ البارِدُ في الصَيْفِ،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مِن أكَلَ خُبْزَ البُرِّ، وشَرِبَ الماءَ البارِدَ في ظِلٍّ، فَذَلِكَ النَعِيمُ الَّذِي يُسْألُ عنهُ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بَيْتٌ يُكَنِّكَ، وخِرْقَةٌ تُوارِيكَ، وكَسْرَةٌ تَشُدُّ قَلْبَكَ، وما سِوى ذَلِكَ فَهو نَعِيمٌ"».
وقالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "كُلُّ نَعِيمٍ فَهو مَسْؤُولٌ عنهُ، إلّا نَعِيمًا في سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ"».
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكاثُرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿ ألهاكم ﴾ أي شغلكم عما يجب عليكم الاشتغالُ به لأن اللهو شغل يصرف عن تحصيل أمرٍ مهم.
و ﴿ التكاثر ﴾ : تفاعل في الكثْر أي التباري في الإِكثار من شيء مرغوب في كثرته.
فمنه تكاثر في الأموال، ومنه تكاثر في العَدد من الأولاد والأحلاف للاعتزاز بهم.
وقد فسرت الآية بهما قال تعالى: ﴿ وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين ﴾ [سبأ: 35].
وقال الأعشى: ولستَ بالأكْثر منهم حَصًى *** وإنما العِزة للكَاثر روى مسلم عن عبد الله بن الشِّخِّير قال: «انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ قال: يقول ابنُ آدم مالي مالي، وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنَيْت أو لَبست فَأَبْلَيْت أو تصدقت فأمضَيْت» فهذا جارٍ مجرى التفسير لمعنى من معاني التكاثر اقتضاه حال الموعظة ساعتئذ وتحتمله الآية.
والخطاب للمشركين بقرينة غلظة الوعيد بقوله: ﴿ كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ﴾ وقوله: ﴿ لترون الجحيم ﴾ [التكاثر: 6] إلى آخر السورة، ولأن هذا ليس من خُلق المسلمين يومئذ.
والمراد بالخطاب: سادتُهم وأهلُ الثراء منهم لقوله: ﴿ ثم لتسئلن يومئذٍ عن النعيم ﴾ [التكاثر: 8]، ولأن سادة المشركين هم الذين آثاروا ما هم فيه من النعمة على التهمّم بتلقي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فتصدَّوا لتكذيبه وإغراء الدهماء بعدم الإِصغاء له.
فلم يُذكَر المُلْهَى عنه لظهور أنه القرآن والتدبر فيه، والإِنصاف بتصديقه.
وهذا الإِلهاء حصل منهم وتحقق كما دل عليه حكايته بالفعل الماضي.
وإذا كان الخطاب للمشركين فلأن المسلمين يعلمون أن التلبس بشيء من هذا الخلق مذموم عند الله، وأنه من خصال أهل الشرك فيعلمون أنهم محذرون من التلبس بشيء من ذلك فيحذرون من أن يُلهيهم حب المال عن شيء من فعل الخير، ويتوقعون أن يفاجئهم الموت وهم لاهون عن الخير، قال تعالى يخاطب المؤمنين: ﴿ اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ﴾ [الحديد: 20] الآية.
وقوله: ﴿ حتى زرتم المقابر ﴾ غاية، فيحتمل أن يكون غاية لفعل ﴿ ألهاكم ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿ قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ [طه: 91]، أي دَام إلهاء التكاثر إلى أن زرتم المقابر، أي استمرّ بكم طولَ حياتكم، فالغاية مستعملة في الإِحاطة بأزمان المغيَّا لا في تنهيته وحصول ضده لأنهم إذا صاروا إلى المقابر انقطعت أعمالهم كلها.
ولكون زيارة المقابر على هذا الوجه عبارة عن الحلول فيها، أي قبورَ المقابر.
وحقيقة الزيارة الحلول في المكان حلولاً غير مستمر، فأطلق فعل الزيارة هنا تعريضاً بهم بأن حلولهم في القبور يعقبه خروج منها.
والتعبير بالفعل الماضي في ﴿ زرتم ﴾ لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لأنه محقق وقوعه مثل: ﴿ أتى أمرُ اللَّه ﴾ [النحل: 1].
ويحتمل أن تكون الغاية للمتكاثر بهِ الدالِّ عليه التكاثُر، أي بكل شيء حتى بالقبور تعدونها.
وهذا يجري على ما رَوَى مقاتل والكلبي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بكثرة السادة منهم، كما تقدم في سبب نزولها آنفاً، فتكون الزيارة مستعملة في معناها الحقيقي، أي زرتم المقابر لتَعُدُّوا القبور، والعرب يكنّون بالقبر عن صاحبه قال النابغة: لَئِنْ كان للقَبْرين قَبْرٍ بجِلَّقٍ *** وقَبر بصيداءَ الذي عند حَارِب وقال عصام بن عُبيد الزّمَّاني، أو همّام الرَّقَاشي: لو عُدَّ قَبْرٌ وقبرٌ كُنتُ أقربَهم *** قبراً وأبْعَدَهم من مَنزِل الذَّام أي كنتُ أقربهم منكَ قبراً، أي صاحبَ قبر.
و ﴿ المقابر ﴾ : جمع مقبَرة بفتح الموحدة وبضمها.
والمقبرة الأرض التي فيها قبور كثيرة.
والتوبيخ الذي استُعمل فيه الخبر أُتبع بالوعيد على ذلك بعد الموت، وبحرف الزجر والإِبطال بقوله: ﴿ كلا سوف تعلمون ﴾ فأفاد ﴿ كلا ﴾ زجراً وإبطالاً لإِنهاء التكاثر.
و ﴿ سوف ﴾ لتحقيق حصول العلم.
وحدف مفعول ﴿ تعلمون ﴾ لظهور أن المراد: تعلمون سوء مَغَبَّة لهوكم بالتكاثر عن قبول دعوة الإِسلام.
وأكد الزجر والوعيد بقوله: ﴿ ثم كلا سوف تعلمون ﴾ فعطف عطفاً لفظيّاً بحرف التراخي أيضاً للإِشارة إلى تراخي رتبة هذا الزجر والوعيد عن رتبة الزجر والوعيد الذي قبله، فهذا زجر ووعيد مماثل للأول لكن عطفه بحرف ﴿ ثم ﴾ اقتضى كونه أقوى من الأول لأنه أفاد تحقيق الأول وتهويله.
فجملة: ﴿ ثم كلا سوف تعلمون ﴾ توكيد لفظي لجملة: ﴿ كلا سوف تعلمون ﴾ وعن ابن عباس: ﴿ كلا سوف تعلمون ﴾ ما ينزل بكم من عذاب في القبر: ﴿ ثم كلا سوف تعلمون ﴾ عند البعث أن ما وعدتم به صِدق، أي تُجعل كلَّ جملة مراداً بها تهديد بشيء خاص.
وهذا من مُسْتَتْبَعات التراكيب والتعويل على معونة القرائن بتقدير مفعول خاص لكلِّ من فِعلي ﴿ تعلمون ﴾ ، وليس تكرير الجملة بمقتض ذلك في أصل الكلام.
ومفاد التكرير حاصل على كل حال.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ التَّكاثُرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ ﴾ في ﴿ ألْهاكُمُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: شَغَلَكم.
الثّانِي: أنْساكم، ومَعْناهُ ألْهاكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم وشَغَلَكم عَنْ عِبادَةِ خالِقِكم.
وَفي ﴿ التَّكاثُرُ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالمالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: التَّفاخُرُ بِالعَشائِرِ والقَبائِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ فَصِرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ، بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ، كانَ بَيْنَهُما مُلاحاةً فَتَعادَّوْا بِالسّادَةِ والأشْرافِ أيُّهم أكْثَرُ، فَقالَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وعِزًّا وعَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا، وقالَ بَنُو سَهْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ بَنُو سَهْمٍ إنَّ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعُدُّوا الأحْياءَ والأمْواتَ، فَعَدُّوهم فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ ﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ أيْ حَتّى ذَكَرْتُمُ الأمْواتَ في المَقابِرِ.
﴿ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والتَّغْلِيظِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ المُعايَنَةِ أنَّ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ حَقٌّ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وعَدَتْكم صِدْقٌ.
الثّانِي: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ النُّشُورِ أنَّكم مَبْعُوثُونَ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القِيامَةِ أنَّكم مُعَذَّبُونَ.
﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ﴾ مَعْناهُ لَوْ تَعْلَمُونَ في الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ما تَعْلَمُونَهُ بَعْدَ المَوْتِ مِنهُ.
﴿ عِلْمَ اليَقِينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ المَوْتِ الَّذِي هو يَقِينِيٌّ لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما تَعْلَمُونَهُ يَقِينًا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَفي ﴿ كَلا ﴾ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى (إلّا)، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ.
الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، فالكافِرُ هي لَهُ دارٌ والمُؤْمِنُ يَمُرُّ عَلى صِراطِها.
رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (يُرْفَعُ الصِّراطُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ)» .
﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَيْنَ اليَقِينِ المُشاهَدَةُ والعَيانُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الحَقِّ اليَقِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ تَكْرارُ رُؤْيَتِها وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ وُرُودِها.
والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِها.
﴿ ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأمْنُ والصِّحَّةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ; وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، لِلْحَدِيثِ.
الثّانِي: الإدْراكُ بِحَواسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: هو ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِمُحَمَّدٍ ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّادِسُ: عَنْ تَخْفِيفِ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا والمُفَضَّلُ.
السّابِعُ: ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ عَنْ شِبَعِ البُطُونِ وبارِدِ الماءِ وظِلالِ المَساكِنِ واعْتِدالِ الخَلْقِ ولَذَّةِ النَّوْمِ)»، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، إلّا أنَّ سُؤالَ المُؤْمِنِ تَبْشِيرٌ بِأنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وسُؤالَ الكافِرِ تَقْرِيعٌ لِأنَّهُ قابَلَ نَعِيمَ الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِما أُوتُوهُ، لِيَكُونَ جَزاءً عَلى ما قَدَّمُوهُ.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت بمكة سورة ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ .
وأخرج الحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم؟
قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية؟
قال: أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم التكاثر؟» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمون ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ المغيرة.
وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ وفي لفظ وقد أنزلت عليه ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ وهو يقول: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت» .
وأخرج الطبراني عن مطرف عن أبيه قال: لما أنزلت ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، أو أعطيت فأمضيت» .
وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول العبد مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاثة ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى.
وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس» .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول ابن آدم مالي، وما له من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: «قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قارئ عليكم سورة ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ فمن بكى فقد دخل الجنة، فقرأها فمنا من بكى ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: قد جهدنا يا رسول الله أن نبكي فلم نقدر عليه.
فقال: إني قارئها عليكم الثانية فمن بكى فله الجنة، ومن لم يقدر أن يبكي فليتباك» .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي وهو يقرأ ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ حتى ختمها.
وأخرج البخاري وابن جرير عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: كنا نرى هذا من القرآن لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب، حتى نزلت سورة ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ إلى آخرها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ قال: قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان فألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ قال: نزلت في اليهود.
وأخرج الترمذي وحنيش بن أصرم في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: نزلت ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ في عذاب القبر.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأ ﴿ الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ﴾ ثم قال: ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ قال: في الأموال والأولاد.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ ولكن أخشى عليكم التعمد» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ قال: يعني عن الطاعة ﴿ حتى زرتم المقابر ﴾ قال: يقول: حتى يأتيكم الموت ﴿ كلا سوف تعلمون ﴾ يعني لو قد دخلتم قبوركم ﴿ ثم كلا سوف تعلمون ﴾ يقول: لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم ﴿ كلا لو تعلمون علم اليقين ﴾ قال: لو قد وقفتم على أعمالكم بين يدي ربكم ﴿ لترون الجحيم ﴾ وذلك أن الصراط يوضع وسط جهنم، فناج مسلم ومخدوش مسلم، ومكدوش في نار جهنم ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ يعني شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم» .
وأخرج ابن مردويه عن عياض بن غنم «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله: ﴿ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ﴾ يقول: لو دخلتم القبور ﴿ ثم كلا سوف تعلمون ﴾ ، وقد خرجتم من قبوركم، ﴿ كلا لو تعلمون علم اليقين ﴾ في يوم محشركم إلى ربكم ﴿ لترون الجحيم ﴾ أي في الآخرة حق اليقين كرأي العين ﴿ ثم لترونها عين اليقين ﴾ يوم القيامة ﴿ ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم ﴾ بين يدي ربكم عن بارد الشراب وظلال المساكن وشبع البطون واعتدال الخلق ولذاذة النوم حتى خطبة أحدكم المرأة مع خطاب سواه فزوجها ومنعها غيره» .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ كلا سوف تعلمون ﴾ الكفار ﴿ ثم كلا سوف تعلمون ﴾ المؤمنين.
وكذلك كانوا يقرؤونها.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ كلا لو تعلمون علم اليقين ﴾ قال: كنا نحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لو تعلمون علم اليقين ﴾ قال: كنا نحدث أنه الموت وفي قوله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: إن الله سائل كل ذي نعمة فيما أنعم عليه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العباد فيم استعملوها وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله: ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ﴾ [ الاسراء: 36] .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: كل شيء من لذة الدنيا.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: الأمن والصحة» .
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود في الآية قال النعيم: الأمن والصحة.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عليّ بن أبي طالب ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: النعيم العافية.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب أنه سئل عن قوله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: عن أكل خبز البر وشرب ماء الفرات مبرداً، وكان له منزل يسكنه، فذاك من النعيم الذي يسأل عنه.
وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: ناس من أمتي يعقدون السمن والعسل بالنقى فيأكلونه» .
وأخرج عبد بن حميد عن حمران بن أبان عن رجل من أهل الكتاب قال: ما الله معط عبداً فوق ثلاث إلا سائله عنهم يوم القيامة: قدر ما يقيم به صلبه من الخبز، وما يكنه من الظل وما يواري به عورته من الناس.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال الصحابة: وفي أي نعيم نحن يا رسول الله؟
وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير فأوحى الله إلى نبيه أن قل لهم: أليس تحتذون النعال وتشربون الماء البارد؟
فهذا من النعيم.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وأحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن محمود بن لبيد قال: «لما أنزلت ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ فقرأ حتى بلغ ثم ﴿ لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قالوا يا رسول الله: عن أي نعيم نسأل؟
وإنما هما الأسودان الماء والتمر وسيوفنا على رقابنا والعدوّ حاضر فعن أي نعيم نسأل؟
قال: أما إن ذلك سيكون» .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال الناس: يا رسول الله عن أي النعيم نسأل وإنما هما الأسودان والعدوّ حاضر وسيوفنا على عواتقنا؟
قال: أما إن ذلك سيكون» .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن الزبير بن العوام قال: «لما نزلت ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قالوا يا رسول الله: وأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء؟
قال: إن ذلك سيكون» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن الزبير قال: «لما نزلت ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال الزبير بن العوّام: يا رسول الله أي نعيم نسأل عنه؟
وإنما هما الأسودان الماء والتمر.
قال: أما إن ذلك سيكون» .
وأخرج عبد بن حميد عن صفوان بن سليم قال: «لما نزلت ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ إلى آخرها ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: عن أي نعيم نسأل؟
إنما هما الأسودان الماء والتمر وسيوفنا على عواتقنا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه سيكون» .
وأخرج أبو يعلى عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قالوا يا رسول الله: أي نعيم نسأل عنه وسيوفنا على عواتقنا؟
وذكر الحديث.
وأخرج أحمد في زوائد الزهد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد» .
وأخرج هناد وعبد بن حميد والبخاري وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» .
وأخرج ابن جرير عن ثابت البناني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النعيم المسؤول عنه يوم القيامة كسرة تقوته وماء يرويه وثوب يواريه» .
وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن جابر بن عبد الله قال: «جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فأطعمناهم رطباً وسقيناهم ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا النعيم الذي تسألون عنه» .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: «كان ليهودي على أبي تمر فقتل أبي يوم أحد وترك حديقتين، وتمر اليهودي يستوعب ما في الحديقتين.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك أن تأخذ العام بعضه وتؤخر بعضها إلى قابل فأبى اليهودي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حضر الجذاذ فآذاني فآذنته، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فجعلنا نجذ ويكال له من أسفل النخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بالبركة حتى وفيناه جميع حقه من أصغر الحديقتين ثم أتيتهم برطب وماء فأكلوا وشربوا ثم قال: هذا من النعيم الذي تسألون عنه» .
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟
قالا: الجوع يا رسول الله.
قال: والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، فقوموا، فقاما معه فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين فلان؟
قالت: انطلق يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، فانطلق فجاء بعذق فيه بسر وتمر فقال: كلوا من هذا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياك والحلوب فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا.
فلما شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة» .
وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد جالساً فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟
قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله.
ثم إن عمر جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن الخطاب ما أخرجك هذه الساعة؟
قال: أخرجني الذي أخرجكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل بكما من قوة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان من طعام وشراب؟
فقلنا: نعم يا رسول الله، فانطلقنا حتى أتينا منزل مالك بن التيهان أبي الهيثم الأنصاري» .
وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن ابن عباس قال: «خرج أبو بكر في الهاجرة إلى المسجد فسمع عمر، فخرج فقال لأبي بكر: ما أخرجك هذه الساعة؟
قال: أخرجني ما أجد في نفسي من حاق الجوع.
قال عمر: والذي نفسي بيده ما أخرجني إلى الجوع، فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أخرجكما هذه الساعة فقالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجد في بطوننا من حاق الجوع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره، فقاموا فانطلقوا إلى منزل أبي أيوب الأنصاري فلما انتهوا إلى داره قالت امرأته: مرحباً بنبي الله وبمن معه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: أين أبو أيوب؟
فقالت امرأته: يأتيك يا نبي الله الساعة.
فجاء أبو أيوب فقطع عذقاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أردت أن تقطع لنا هذا ألا اجتنيت الثمرة؟
قال: أحببت يا رسول الله أن تأكلوا من بسره وتمره ورطبه.
ثم ذبح جدياً فشوى نصفه وطبخ نصفه، فلما وضع بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من الجدي فجعله في رغيف وقال: يا أبا أيوب أبلغ بهذا فاطمة فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام، فذهب به أبو أيوب إلى فاطمة.
فلما أكلوا وشبعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم: خبز ولحم وتمر وبسر ورطب ودمعت عيناه والذي نفسي بيده إن هذا لهو النعيم الذي تسألون عنه.
قال الله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ فهذا النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، فكبر ذلك على أصحابه.
فقال: بلى إذا أصبتم هذا فضربتم بأيديكم فقولوا: بسم الله فإذا شبعتم فقولوا: الحمد لله الذي هو أشبعنا وأنعم علينا وأفضل، فإن هذا كفاف لها» .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن عدي والبغوي في معجمه وابن منده في المعرفة وابن عساكر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي عسيب مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً فمر بي فدعاني، فخرجت إليه ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطاً لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط: أطعمنا، فجاء بعذق فوضعه، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، وقال: لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر ثم قال يا رسول الله: إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟
قال: نعم إلا من ثلاث كسرة يسد بها الرجل جوعته، أو ثوب يستر به عورته، أو حجر يدخل فيه من الحر والبرد» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم على جدول فأتي برطب وماء بارد فأكل من الرطب وشرب من الماء، ثم قال: هذا من النعيم الذي تسألون عنه» .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أبي بكر الصديق قال: «انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا عمر إلى رجل يقال له الواقفي، فذبح لنا شاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إياك وذات الدر، فأكلنا ثريداً ولحماً وشربنا ماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا من النعيم الذي تسألون عنه» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في ساعة لم يكن يخرج فيها، ثم خرج أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أخرجك يا أبا بكر؟
قال: أخرجني الجوع.
قال: وأخرجني الذي أخرجك.
ثم خرج عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أخرجك يا عمر؟
قال: أخرجني والذي بعثك بالحق الجوع.
ثم جاء أناس من أصحابه فقال: انطلقوا بنا إلى منزل أبي الهيثم فقالت لهم امرأته: إنه ذهب يستعذب لنا فدوروا إلى الحائط، ففتحت لهم باب البستان فدخلوا فجلسوا، فجاء أبو الهيثم، فقالت له امرأته: أتدري من عندك؟
قال: لا قالت له: عندك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فدخل عليهم فعلق قربته على نخلة ثم أخذ مخرفاً فأتى عذقاً له، فاخترف لهم رطباً فأتاهم به، فصبه بين أيديهم، فأكلوا منه، وبرد لهم ذلك الماء فشربوا منه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا من النعيم الذي تسألون عنه» .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي الهيثم بن التيهان «أن أبا بكر الصديق خرج فإذا هو بعمر جالساً في المسجد، فعمد نحوه فوقف فسلم، فرد عمر فقال له أبو بكر: ما أخرجك هذه الساعة؟
فقال له عمر: بل أنت ما أخرجك هذه الساعة؟
قال أبو بكر: إني سألتك قبل أن تسألني.
فقال عمر: أخرجني الجوع.
فقال أبو بكر: وأنا أخرجني الذي أخرجك.
فلبثا يتحدثان وطلع النبي صلى الله عليه وسلم فعمد نحوهما حتى وقف عليهما فسلم فردا السلام فقال: ما أخرجكما هذه الساعة؟
فنظر كل واحد منهما إلى صاحبه ليس منهما واحد إلا وهو يريد أن يخبره صاحبه فقال أبو بكر: يا رسول الله خرج قبلي وخرجت بعده، فسألته ما أخرجك هذه الساعة فقال: بل أنت ما أخرجك هذه الساعة؟
فقلت: إني سألتك قبل أن تسألني فقال: بل أخرجني الجوع.
فقلت له: أخرجني الذي أخرجك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا فأخرجني الذي أخرجكما فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: تعلمان من أحد نضيفه؟
قالا: نعم أبو الهيثم بن التيهان له أعذق وجدي إن جئناه نجد عنده فضل تمر.
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه حتى دخلوا الحائط، فسلم النبي صلى الله عليه وسلم فسمعت أم الهيثم تسليمه، ففدت بالأب والأم، وأخرجت حلساً لها من شعر فجلسوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين أبو الهيثم فقالت: ذاك ذهب ليستعذب لنا من الماء.
وطلع أبو الهيثم بالقربة على رقبته، فلما أن رأى وضح النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني النخل أسندها إلى جذع وأقبل يفدي بالأب والأم، فلما رآهم عرف الذي بهم فقال لأم الهيثم: هل أطعمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه شيئاً؟
فقالت: إنما جلس النبي صلى الله عليه وسلم الساعة.
قال: فما عندك؟
قالت: عندي حبات من شعير.
قال: كركريها واعجني واخبزي إذ لم يكونوا يعرفون الخمير.
قال: وأخذ الشفرة فرآه النبي صلى الله عليه وسلم مولياً فقال: إياك وذات الدر.
فقال: يا رسول الله إنما أريد عنيقاً في الغنم، فذبح ونصب، فلم يلبث إذ جاء بذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه فشبعوا لا عهد لهم بمثلها.
فما مكث النبي صلى الله عليه وسلم إلا يسيراً حتى أتي بأسير من اليمن فجاءته فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه العمل وتريه يديها وتسأله إياه.
قال: لا، ولكن أعطيه أبا الهيثم فقد رأيته وما لقي هو وامرأته يوم ضفناهم، فأرسل إليه وأعطاه إياه فقال: خذ هذا الغلام يعينك على حائطك واستوص به خيراً: فمكث عند أبي الهيثم ما شاء الله أن يمكث فقال: لقد كنت مستقلاً أنا وصاحبتي بحائطنا اذهب فلا رب لك إلا الله، فخرج ذلك الغلام إلى الشام ورزق فيها» .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود «أن أبا بكر خرج لم يخرجه إلا الجوع، وخرج عمر لم يخرجه إلا الجوع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهما، وأنهما أخبراه أنه لم يخرجهما إلا الجوع، فقال: انطلقوا بنا إلى منزل رجل من الأنصار يقال له أبو الهيثم بن التيهان، فإذا هو ليس في المنزل ذهب يستقي، فرحبت المرأة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصاحبيه، وبسطت لهم شيئاً فجلسوا عليه، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم أين انطلق أبو الهيثم؟
قالت: ذهب يستعذب لنا، فلم يلبث أن جاء بقربة فيها ماء فعلقها وأراد أن يذبح لهم شاة فكان النبي صلى الله عليه وسلم كره ذلك، فذبح لهم عناقاً، ثم انطلق، فجاء بكبائس من النخل فأكلوا من ذلك اللحم والبسر والرطب، أو شربوا من الماء فقال أحدهما: إما أبو بكر وإما عمر: هذا من النعيم الذي نسأل عنه يوم القيامة؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن لا يثرب عليه شيء أصابه في الدنيا إنما يثرب على الكافر» .
وأخرج ابن مردويه عن الكلبي أنه سئل عن تفسير هذه الآية ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: إنما هي للكفار ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ﴾ [ الأحقاف: 20] إنما هي للكفار قال: «وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر كلهم يقولون أخرجني الجوع فانطلق بهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل من الأنصار يقال له أبو الهيثم، فلم يره في منزله، ورحبت المرأة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصاحبيه، وأخرجت بساطاً فجلسوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين أنطلق أبو الهيثم؟
فقالت: انطلق يستعذب لنا فلم يلبثوا أن جاء بقربة ماء فعلقها، وكأنه أراد أن يذبح لهم شاة، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فذبح عناقاً، ثم انطلق فجاء بكبائس من نخل، فأكلوا من اللحم ومن البسر والرطب وشربوا من الماء، فقال أحدهما: إما أبو بكر واما عمر: هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما يسأل الكفار، وإن المؤمن لا يثرب عليه شيء أصابه في الدنيا، وإنما يثرب على الكافر» قيل له من حدثك؟
قال: الشعبي عن الحارث عن ابن مسعود.
وأخرج أحمد في الزهد عن عامر قال: «أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر لحماً وخبزاً وشعيراً ورطباً وماء بارداً فقال: هذا وربكما من النعيم» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قالوا يا رسول الله: أي نعيم نسأل عنه سيوفنا على عواتقنا والأرض كلها لنا حرب، يصبح أحدنا بغير غداء ويمسي بغير عشاء؟
قال: عني بذلك قوم يكونون من بعدكم أنتم خير منهم يغدي عليهم بجفنة ويراح عليهم بجفنة ويغدو في حلة ويروح في حلة، ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة ويفشى فيهم السمن» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: «لما نزلت ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قام رجل محتاج فقال يا رسول الله: هل عليّ من النعمة شيء؟
قال: نعم الظل والنعلان والماء البارد» .
وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: « ﴿ لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخصاف والماء والبارد وفلق الكسر» قال العباس: الخصاف خصف النعلين.
وأخرج البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فوق الإِزار وظل الحائط وخبز يحاسب به العبد يوم القيامة ويسأل عنه» .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يحاسب بهن العبد: ظل خص يستظل به وكسرة يشد بها صلبه وثوب يواري به عورته» .
وأخرج أيضاً عن سلمان قال: بلغني أن في التوراة مكتوب: ابن آدم كسيرة تكفيك وخرقة تواريك وحجر يؤويك.
وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً سأله إنسان من فقراء المهاجرين فقال: ألك امرأة تأوي إليك وتأوي إليها؟
قال: نعم.
قال: ألك مسكن تسكنه؟
قال: نعم.
قال: فلست من فقراء المهاجرين.
وأخرج أحمد في الزهد عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل شيء سوى ظل بيت وجلف الخبز وثوب يواري عورته والماء فما فضل عن هذا لابن آدم فيهن حق» .
وأخرج أحمد وابن ماجة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن معاذ بن عبد الله الجهني عن أبيه عن عمه قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أثر غسل، وهو طيب النفس، فظننا أنه ألم بأهله، فقلنا يا رسول الله: نراك طيب النفس، فقال: أجل والحمد لله، ثم ذكر الغنى فقال: لا بأس بالغنى لمن اتقى الله، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم» .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: مر عمر بن الخطاب برجل مبتلي أجذم أعمى أصم أبكم فقال لمن معه: هل ترون في هذا من نعم الله شيئاً؟
قالوا: لا، قال: «بلى ألا ترونه يبول فلا يعتصر ولا يلتوي يخرج بوله سهلاً فهذه نعمة من الله» .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: يا لها من نعمة تأكل لذة وتخرج سرحاً، لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتي الحش فيكتان ثم يجرجر قائماً فيقول: يا ليتني مثلك ما يشرب حتى يقطع عنقه العطش فإذا شرب كان له في تلك الشربة موتات، يا لها من نعمة تأكل لذة وتخرج سرحاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: يعرض الناس يوم القيامة على ثلاثة دواوين: ديوان فيه الحسنات وديوان فيه النعيم وديوان فيه السيئات، فيقابل بديوان الحسنات ديوان النعيم فيستفرغ النعيم الحسنات، وتبقى السيئات مشيئتها إلى الله عز وجل، إن شاء عذب وإن شاء غفر.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن بكير بن عتيق قال: سقيت سعيد بن جبير شربة من عسل في قدح فشربها ثم قال: والله لأسألن عن هذا: فقلت له؟
قال: شربته وأنا أستلذه.
﴿ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾ أي حتى أدرككم الموت على تلك الحال (١) (٢) (٣) ثم يدخل في هذا كل من اشتغل بالتكاثر والتفاخر عن طاعة الله حتى يأتيه الموت وهو على ذلك.
يدل على هذا ما روي أن النبي - - قرأ هذه الآية: "ألهاكم التكاثر" ثم قال: "يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأبليت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" (٤) قال صاحب النظم في هذا القول: (أي) (٥) (٦) ويقال لمن مات: زار رَمسه (٧) زَارَ القُبُورَ أبو (٨) (٩) فجعل زيارة القبور بالموت (١٠) القول الثاني: إن هذه الآية نزلت في حيين من قريش، وهما (بنو) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) مناف بني سهم بالمكارم والمساعي (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقال ابن بُرَيْدَةَ: نزلت في فخذ من الأنصار، قناخروا بآبائهم، فقالوا: هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان (٢٢) ومعنى "حتى زرتم المقابر" على هذا القول: حتى أتيتموها، وذكرتم أهلها في مفاخرتكم، ثم رد الله عليهم فقال: (١) وقال بهذا المعنى أيضًا ابن عباس والحسن.
"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 168.
(٢) في (أ)، (ع): (بنوا).
(٣) ورد بنحو قوله في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 393، ولم يذكر أنها نزلت في اليهود، وكذا "جامع البيان" بنحوه مما ذكر عبد الرزاق: 30/ 283، و"الكشف والبيان" 13/ 142 أبمثله، و"معالم التنزيل" 4/ 520 "زاد المسير" 8/ 300، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 168، و"البحر المحيط" 8/ 507، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 582، و"الدر المنثور" 8/ 610 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، و"فتح القدير" 5/ 488، و"أسباب النزول" تح: أيمن صالح ص 400.
(٤) أخرجه مسلم 4/ 2273 ح: 3 كتاب الزهد: باب 53 ولفظه كما هو عنده: == حدثنا قتادة عن مطرف عن أبيه قال أتيت النبي - - وهو يقرأ في "ألهاكم التكاثر" قال في "يقول ابن آدم: مالي مالي (قال): وهل لك يا ابن آم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت"، وأحمد 4/ 24، 26.
والترمذي 4/ 572: ح 2342: كتاب الزهد: باب 3، وقال حديث حسن صحيح، وفي 5/ 4470: ح 2354: كتاب تفسير القرآن: باب 89، والنسائي 6/ 548 ح 3615: كتاب الوصايا: باب 1، وابن المبارك في "الزهد" 170 ح 498.
(٥) ساقط من (أ).
(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٧) الرَّمْس: التراب، ورمس: القبر ما حثي عليه، وقد رمسناه بالتراب، والرَّمس: تراب تحمله الريح فترمس به الآثار أي تعفوها، والرياح الروامس، وكل شيء نُثر عليه التراب فهو مرموس، والقبر يسمى: رَمْسًا.
"تهذيب اللغة" 12/ 423 (رمس).
(٨) في (أ): (أبا).
(٩) ورد البيت في "ديوانه" 235 ط.
دار بيروت، برواية في "فكان كألأم"، و"تهذيب اللغة" 10/ 177 (كثر)، و"لسان العرب" 5/ 133 (كثر)، و"التفسير الكبير" 32/ 77، و"روح المعاني" 30/ 224.
(١٠) "تهذيب اللغة" 10/ 177 (كثر).
(١١) ساقط من (أ).
(١٢) بنو عبد مناف: بطن من قريش من العدنانية، وهم بنو عبد مناف بن قصي، وكان قصي قد جعل لابنه عبد الدار في مقابلة شرف عبد مناف: الحجابة، واللواء، والندوة، والرفادة، والسقاية، فبقوا على ذلك إلى أن انتزع بنو عبد مناف منهم السقاية والرفادة في حلف أحليين، واستقرت لبني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة.
"نهاية الأرب" القلقثشدي 312.
(١٣) بنو سهم: بطن من هصص من قريش من العدنانية، وهم بنو عمرو بن هصص.
"نهاية الأرب" ص 274.
(١٤) في (أ): (ففخرت).
(١٥) المساعي: العرب تَسمى مآثر أهل الشرف والفضل مساعى، واحدتها مسعاة؛ لسعيهم فيها كأنها مكاسبهم، وأعمالهم التي أعنوا فيه أنفسهم.
"لسان العرب" 14/ 386: (سعا).
(١٦) في (أ): (الأسواف).
(١٧) في (أ): (بنوا).
(١٨) "أسباب النزول" 400، "لباب النقول" ص 234 بمعناه، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن بريدة، كما ورد بمعناه في "بحر العلوم" 3/ 506، و"الكشف والبيان" 13/ 142 أ، و"النكت والعيون" 6/ 331، و"معالم التنزيل" 4/ 520، و"زاد المسير" 8/ 300، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 168، و"البحر المحيط" 8/ 507، وورد من غير عزو في "معاني القرآن" الفراء 3/ 287، "جامع النقول" ابن خليفة 336.
(١٩) "تفسير مقاتل" 249 ب، وانظر: المراجع السابقة عدا "بحر العلوم".
(٢٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢١) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢٢) "الكشف والبيان" 13/ 142 أمختصرًا، وبمثله قال ابن زيد كما في "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 168.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلْهَاكُمُ التكاثر ﴾ هذا خبر يرا د به الوعظ والتوبيخ، ومعنى ألهاكم شغلكم والتكاثر المباهاة بكثرة المال والأولاد، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر ويقول هؤلاء: نحن أكثر، ولما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول ابن آدم مالي مالي وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت» ﴿ حتى زُرْتُمُ المقابر ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أن معناه حتى متم فأراد بزيارة المقابر الدفن فيها.
الثاني أن معناه حتى ذكرتم الموتى الذين في المقابر، فعبّر بزيارتها عن التفاخر بمن فيها؛ لأن بعض العرب تفاخر بآبائها الموتى.
فالمعنى ﴿ أَلْهَاكُمُ التكاثر ﴾ حتى بلغتم فيه إلى ذكر الموتى.
الثالث: أن معناها زيارة المقابر حقيقة لتعظيم أهلها والتفاخر بهم فيقال: هذا قبلا فلان ليشهر ذكره ويعظم قدره ﴿ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ زجر وتهديد، ثم كرره للتأكيد وعطفه بثم إشارة إلى أن الثاني أعظم من الأول، وقيل: الأول تهديد للكفار والثاني: تهديد للمؤمنين وحذف معمول تعلمون وتقديره ما يحل بكم، أو تعلمون أن القرآن حق، أو تعلمون أنكم كنتم على خطأ في اشتغالكم بالدنيا، وإنما حذفه لقصد التهويل فيقدر السامع أعظم ما يخطر بباله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لترون ﴾ بضم التاء من الإراءة مجهولاً: ابن عامر وعلي.
الوقوف ﴿ التكاثر ﴾ ه لا ﴿ المقابر ﴾ ه ك لأن ﴿ كلاً ﴾ بمعنى حقاً وقد يحمل على الردع عن التكاثر ﴿ سوف تعلمون ﴾ ه لا ﴿ سوف تعلمون ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ط لأن جواب " لو " محذوف وقوله ﴿ لترون ﴾ جواب قسم ﴿ الجحيم ﴾ ه لا ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر القارعة وأهوالها قال ﴿ ألهاكم ﴾ أي شغلكم التكاثر وهو المغالبة بالكثرة أو تكلف الافتخار بها مالاً وجاهاً عن التدبر في أمر المعاد فنسيتم القبر حتى زرتموه.
ويروى أن بني عبد منافٍ وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عدداً فكثرهم أي غلبهم بالكثرة بنو عبد منافق فقالت بنوسهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات أي عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم ففعلوا فزاد بنوسهم فنزلت الآية.
وهذه الرواية شديدة الطباق لظاهر الآية لقوله ﴿ زرتم ﴾ بصيغة الماضي وفيه تعجب من حالهم أنهم زاروا القبور في معرض المفاخرة والإستغراق في حب ما لا طائل تحته من التباهي بالكثرة والتباري فيها، مع أن زيارة القبور مظنة ترقيق القلب وإزالة القساوة كما قال " "كنت نهيتكم عن زياة القبور ثم بدا لي فزوروها فإن في زيارتها تذكرة" من هنا قال بعضهم: أراد الحرص على المال قد شغلكم عن الدين فلا تلتفتون إليه إلا إذا زرتم المقابر فحينئذ ترق قلوبكم يعني أن حظكم من دينكم ليس إلا هذا القدر ونظيرهقوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أي لا أقنع منكم بهذا القدر من الشكر.
وقيل: معنى الآية ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت وأنتم على ذلك، ويندرج فيه من يمنع الحقوق المالية إلى حين الموت ثم يقول: أوصيت لفلان بكذا ولفلان بكذا، واستدلوا عليهم بما روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أن النبي قال " "يا ابن آدم تقول مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت" ثم قرأ ﴿ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ﴾ أي حتى متم.
وأورد عليه أن الزائر هو الذي يجيء ساعة ثم ينصرف.
والميت يبقى في قبره مدة مديدة.
وأيضاً إن قوله ﴿ زرتم ﴾ صيغة الماضي فكيف يحمل على المستقبل؟
ويمكن أن يجاب عن الأول بأن مدة اللبث في القبر بالنسبة إلى الأبد أقل من لحظة كما قال ﴿ كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وعن الثاني بأن المشرف على الموت كأنه على شفير القبر أو هو خبر عمن تقدمهم والخبر عنهم كالخبر عن متأخريهم لأنهم كانوا على طريقتهم.
وقال أبو مسلم: إنه يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور.
والمقابر جمع المقبرة فتحاً أو ضماً، والتاء فيه غير قياسي.
قالت العلماء: التكاثر مطلقاً ليس بمذموم لأن التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة ليس بمذموم إذا كان المراد أن يقتدى به غيره كما مر ي قوله ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث ﴾ وإنما المذموم ما يكون الباعث عليه الاستكبار وحب الجاه والغلبة والفخر بما لا سعادة حقيقة فيه، وليست السعادة الحقيقية إلا فيما يرجع إلى العلم والعمل أو إلى ما يعين عليهما من الأمور الخارجية.
عن الحسن : لا تغرنك كثرة من ترى حولك فإنك تموت وحدك وتبعث وحدك وتحاسب وحدك، وتكرير الوعيد وهو سوف تعلمون للتأكيد.
وقيل: الأول عند الموت حين يقال له لا بشرى.
والثاني في سؤال القبر إذ يقال من ربك، وفيه دليل على عذاب القبر على ما روي عن علي : أو حين ينادي المنادي فلان شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبداً، أو حين يقال ﴿ وامتازوا اليوم ﴾ وعن الضحاك: أراد سوف تعلمون أيها الكفار ثم كلا سوف تعلمون أيها المؤمنون، فالأول وعيد، والثاني وعد.
وقيل: إن كل واحد يعلم قبح الكذب والظلم وحسن الصدق والعدل لكن لا يعرف مقدار آثارها ونتائجها فالله يقول سوف تعلمون علماً تفصيلياً استدراجياً شيئاً فشيئاً عند الموت، ثم عند البعث، ثم في النار أو في الجنة، قوله ﴿ لو تعلمون علم اليقين ﴾ اتفقوا على أن جواب " لو " محذوف لأن قوله ﴿ ثم لتسألن ﴾ أمر واقع قطعاً فلو كان قوله ﴿ لترون ﴾ جواباً للشرط كانت الرؤية أمراً مشكوكاً فيه فيلزم المخالفة بين المعطوفات أو الشك فيما هو واقع قطعاً وكلاهما غير سديد، ثم في تقدير الجواب وجوه قال الأخفش: لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم التكاثر.
وقال أبو مسلم: لو علمتم ما يجب عليكم وما خلقتم لأجله لاشتغلتم به.
وقال أهل البيان: الأولى تقدير ما هو عام في كل شيء وهو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه كنهه ولكنكم ضلال جهلة.
ومعنى ﴿ علم اليقين ﴾ علم يقين فأضيف الموصوف إلى الصفة نحو ولدار الآخرة.
ويحتمل أن يكون اليقين هو الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ إن الشك حينئذ يزول والأحوال إلى اليقين تؤول، والإنسان إذا علم ما يلقاه حين الموت وبعده لم يلهه التكاثر، وإضافة العلم إلى بعض أنواعه جائزة كعلم الطب وعلم الحساب، وفي الآية بعث للعلماء على أن يعملوا بعلمهم وإلا لم يكن بعد فوات إبان العمل سوى الحسرة والندامة.
يروى أن ذا القرنين لما دخل الظلمات أمر لمن معه بأن يأخذوا من الخرز الذي كانت عنده فأخذ بعضهم وترك بعضهم، فلما خرجوا من الظلمات وجدوا الخرز جواهر وكان للآخذين فرحاً وسروراً وللتاركين غماً وحسرة.
أما تكرار رؤية الجحيم فقيل: إن الأول رؤيتها من بعيد كما قال ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد ﴾ والثاني رؤيتها من قريب إذا وصلوا إلى شفيرها.
وقيل: الأولى عند الورود، والثاني بعد الدخول، وأورد قوله ﴿ ثم لتسئلن ﴾ فيها فإن السؤال قبل الدخول.
وقيل: التثنية للتكرير والمراد تتابع الرؤية وإتصالها فكأنه قيل لهم: إن كنتم اليوم شاكين فيها فسترونها رؤية دائمة متصلة، فيجوز أن يكون قوله ﴿ علم اليقين ﴾ متعلقاً بالرؤيتين جميعاً، ويجوز أن يكون متعلقاً بالثانية لأن علمهم بها وبأحوالها وآلامها يزداد شيئاً فشيئاً حتى يصير الخبر عيناً.
ومعنى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين قد مر في آخر " الواقعة " وفي السؤال عن النعيم وجهان: الأول أنه للكفار لما "روي أن أبا بكر لما نزلت الآية قال: يا رسول الله أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر وماء عذب، أتكون من النعيم الذي يسأل عنه؟
فقال : إنما ذلك للكفار ثم قرأ ﴿ وهل نجازي إلا الكفور ﴾ " ولأن الخطاب في أول السورة للذين ألهاهم التكاثر عن المعاد فناسب أن يكون الخطاب في آخر السورة أيضاً لهم.
ويكون الغرض من السؤال التقريع حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه سبباً للسعادة هو أعظم أسباب الشقاء لهم.
الثاني العموم لوجوه منها خير أبي هريرة عن النبي " أول ما يسأل عن العبد يوم القيامة النعيم فيقال له ألم نصحح لك جسمك ألم نروك من الماء البارد " .
ومنها قول محمود بن لبيد: لمَّا نزلت السورة قالوا: يا رسول الله إنما هو إنما هو الماء والتمر وسيوفنا على عواتقنا والعدو حاضر فعن أي نعيم يسأل؟
فقال: أما إنه سيكون وعن أنس لما نزلت الآية قام محتاج فقال: هل علي من النعمة شيء؟
قال: الظل والنعلان والماء البارد.
وعن النبي " "لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به" وعن الباقر أن النعيم العافية.
وعنه أن الله أكرم من أن يطعم عبداً ويسقيه ثم يسأله عنه، وإنَّما النعيم الذي عنه هو رسول الله أما سمعت قوله ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً ﴾ وقيل: هو الزائد على الكفاية.
وقيل: خمس نعم: شبع البطون وبارد الشراب ولذة النوم وإظلال المساكن واعتدال الخلق، وعن ابن مسعود: الأمن والصحة والفراغ، وعن ابن عباس: ملاذ المأكول والمشروب.
وقيل: الانتفاع بالحواس السليمة.
وعن الحسين بن الفضل: تخفيف الشرائع وتيسير القرآن.
وقال ابن عمر: الماء البارد.
والظاهر العموم لأجل لام الجنس إلا أن سؤال الكافر للتوبيخ لأنه عصة وكفر، وسؤال المؤمن للتشريف فإنه أطاع وشكر.
والظاهر أن هذا السؤال في الموقف وهو متقدم على مشاهدة جهنم.
ومعنى " ثم " الترتيب في الإخبار أي ثم أخبركم أنكم تسألون يوم القيامة عن النعيم.
وقيل: هو في النار توبيخاً لهم كقوله ﴿ كلما ألقي فيها فوج سألتهم خزنتها ألم يأتكم نذير ﴾ وقوله ﴿ ما سلككم ﴾ ونحوه.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ ﴾ ، أي: شغلكم التفاخر بالتكاثر، وثم لم يقل: عماذا شغلتم؟
فيجوز أن يكون ﴿ أَلْهَاكُمُ ﴾ ، أي: شغلكم التكاثر عن توحيد الله - - أو عن التفكر في حجج رسول الله ، أو عن ذكر البعث.
ثم قوله - -: ﴿ أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ ﴾ يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون الغرض من الخطاب بهذه الآية: آباءهم وسلفهم الذين تقدموا بالإخبار عن قبح صنيعهم واشتغالهم بالسفه؛ فيكون هذا صلة آيات أخر، من نحو قوله - -: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ ، وغير ذلك؛ فكأن الله - - يخبرهم بآبائهم، ونهاهم عن الاقتداء بآبائهم؛ لأنهم تعاطوا أفعالا تخرج عن الحكمة حتى ماتوا، وذلك يقع من جهين: أحدهما: أن من أنعم عليه نعمة، فجحدها، ولم يؤد شكرها، استوجب المقت والعقوبة؛ يقول: كيف تقتدون بآبائكم، وإنهم كفروا بنعمة الله، وجحدوا بها، بل الواجب عليكم أن تتبعوا النبي الذيج اء بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم.
والثاني: أن يكون فيه علامة ودلالة للبعث: أن آباءهم لما فعلوا ما يستوجب به المقت والعقوبة، وماتوا من غير أن يصيبهم ذلك في دنياهم: أن لهم دار أخرى يعاقبون فيها بما فعلوا.
وإن كان الخطاب إنما انصرف إليهم، ففيه إخبارهم عن سفههم: أنه شغلهم التفاخر بالتكاثر حتى جحدوا آيات رسوله، .
أو أن يكون في إخبار عن سفههم من وجه آخر، وهو أن الافتخار كيف وقع بالأموات، والتفاخر بالأموات غير مستقيم.
أو يكون فيه وجه ثالث: إنما تفاخروا بما لا صنع لهم فيه؛ لأنهم: إنما افتخروا بالأموال والأولاد، وذلك من لطف الله - - وجميل صنعه؛ فيكون في هذا كله ذكرهم بما فيهم من السفه والخرق.
ثم التعيير بذكر هذه الأسباب إنما واقع - والله أعلم - دون ما هم فيه من الكفر؛ لأن هذه الأسباب مما يتلى به المؤمن في بعض الأحوال؛ فعيرهم الله - - بذلك؛ ليكون فيه تذكير وموعظة للمؤمنين، ولو خرج ذكر الكفار في هذا، لكان لا يجتنب المؤمن شيئا من هذا الأفعال.
وقد روي "أن النبي قرأ: ﴿ أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ ﴾ ، فقال: يقول ابن آدم: مالي، [مالي]، ومالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت..." الخبر؛ فهذا يدل على أن الوعيد على الإطلاق من غير تصريح بأهل الكفر؛ لموعظة المسلمين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ ﴾ يحتمل: حقيثقة زيارة الموتى، وذلك مما يذكرهم أن التكاثر مما لا ينفعهم إذا كان عاقبتهم هذا.
ويحتمل: أي: صرتم إلى المقابر بعد الموت؛ فحيئنذ تذكرون حق الله - - ثم لا ينفعكم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ، قال بعضهم: كلا، يمعنى: النفي، والتعطيل.
وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، أي: خقا.
فإن كان على الوجه الأول، فكأنه قال: ليس كما حسبتمن وتوهمتم، وقدرتم عند أنفسكم وتعلمون ذلك إذا نزل بكم العذاب، وهو على الابتداء.
وإن كان على معنى: حقا، فكأنه قال: حقا ستعلمون أنه ليس كما قدرتم عند أنفسكم، وكل ذلك يرجع إلى الوجوه التي وصفنا أنكم ستعلمون غدا حقا يقينا: أن الذي ألهاكم، وشغلكم عن توحيد الله والتفكر في حجج رسول الله والإيمان بالبعث كان عبثا باطلاً، وأنه كان من الواجب عليكم: أن تؤمنوا بالله ورسوله، وتنظروا في حجج رسول الله ، وتؤمنوا بالبعث.
وفائدة التكرار: ما جرى من العادة في تكرار الكلام عند الوعيد أو عند الإياس أو الرجاء؛ نحو قولهم: الويل الويل، وقولهم: بخ بخ، وغير ذلك؛ فكذلك هذا.
ومنهم من حمل كل لفظة من ذلك على التأويل على حدة: أن قوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عند الموت عندما ترون العذاب: أن الأمر ليس كما حسبتم، وتعلمون في يوم البعث أنه حق يقينز وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ ﴾ ، يعني بهذا - والله أعلم -: إبطال ما كانوا عليه من الظنون والحسبان في هذه الدنيا؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ ، فإذا نزل بهم العذاب تحقق عندهم، وعلموا علما يقينا.
وقال بعضهم: ﴿ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ حين نزل بكم الموت، ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ في القبر، وكذلك روي عن علي - - أنه قال: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة.
وفيه وجه ثان: وهو أنهم كانوا عند أنفسهم علماء، وأنهم على حق، ولكن الله - - بين لهم أن علمهم كان حسبانا؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ } [الكهف: 104]؛ فيظهر لهم عند ذلك: أن اليقين ما نزل بهم، وأن الذي علموا لم يكن علم يقين؛ بل كان شكا وحسبانا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: يرونها عند الموت.
والثاني: أي: يرونها بالتفكر والنظر في آيات الله وحججه في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ ﴾ ، له معنيان: أحدهما: عيانا ومشاهدة.
والثاني: أن تكون رؤيتهم بعين اليقين، ليس على ما كان عندهم: أنهم لو فتح لهم باب من السماء وعرجوا إليها، لقالوا: ﴿ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ ، يقول [الله] : يرتفع عنهم السحر عن أبصارهم، فيرونها عين اليقين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ ظاهر هذا يقتضي أن يكون سؤالهم بعدما دخلوا النار؛ لأنه قال: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ ﴾ بعدما وصف أنهم يدخلون النار؛ فبان أنه في ذلك الوقت، فإن كان على ذلك، فهو في موضع التقرير عندهم: أنهم استوجبوا المقت والعقوبة؛ لأنه كان عندهم أن من أنعم عليه بنعمة، فمل يشكرها، استوجب المقت والعقوبة؛ فالله - - يسألهم في ذلك الوقت عن شكر ما أنعم عليهم؛ ليقرر عندهم استيجاب العقوبة، ويجوز أن يكون هذا عند الحساب؛ لأنه قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ، ولم يقل: قبل ذلك، أو بعده؛ بل قال على الإطلاق؛ فيعمل به.
وإذا احتمل ذلك الوجه [أن ينصرف] إلى المؤمنين والكافرين كان الوجه في سؤال المؤمنين تذكيرهم أن أعمالهم لم تبلغ ما يستوفى بها شكر النعمة التي أنعمها عليهم، وليعلموا أن الله - - تفضل عليهم، وتجاوز عنهم، لا أن بلغت إليه حسناتهم، فاستوجبوا رحمته بها؛ بل بكرمه وفضله.
وإن كان في الكفارين، فهو تقرير ما استوجبوا من نقمته حث تركوا شكر نعمه.
ثم قوله - -: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ إن كان السؤال من الكفرة فإنهم يسألون عما تركوا من الإيمان بالله - - وبما أتى إليهم الرسول وبغير ذلك من النعيم.
وإن كان في المؤمنين فهو في سائر النعم من المأكول والمشروب والملبوس ونحوها، والله أعلم.
حتَّى متُّم ودخلتم قبوركم.
<div class="verse-tafsir" id="91.ljB3g"
(ألهاكم التكاثر).
ألهاه يلهيه: أي شغله حتى صرف ذهنه عن سوى ما التهى به.
وإذا ألهيت بشيء، فأنت به غافل عما سواه.
والتكاثر: هو التباهي بالكثرة.
يقول كل للآخر: أنا أكثر منك ولدًا.
أنا أكثر منك مالًا، أنا أكثر منك رجال حرب وضرب، وما يشبه ذلك من ضروب التفاخر.
يقول قد شغلكم التفاخر والتباهي بكثرة الأنصار أو الأشياع، وصرفكم ذلك عن الجد في العمل.
فكنتم في لهو بالقول عن الفعل، وفي غفلة بالغرور والإعجاب بالآباء والأعوان عن صرف القوى في القيام بما فرض عليكم من الأعمال لأنفسكم وأهلكم ودينكم، واستمر بكم ذلك (حتى زرتم المقابر).
أي حتى هلكتم وصرتم من أهل القبور.
انتهيتم إلى هذه الغاية وأنتم تظنون أنكم فائزون.
(كلا) ارتدعوا مثل هذا الظن الباطل، فإنه لا فوز بالتكاثر، وإنما الفوز بحقيقة التناصر والتضافر على الحق، و (سوف تعلمون) مصيركم إذا استمر بكم هذا التفاخر بالباطل بدون عمل صحيح ينفعكم فيما يطالبكم به المجد الصادق والأوامر الإلهية.
ولما كانت عواقب اللهو إنما تأتي بعد إهمال من الله وطول مدة في الأغلب، عبر بـ (سوف).
ولما كانت الغفلة شديدة، وتمكن اللهو في النفوس قد وضع على القلوب حجابًا كثيفًا يحول دون البصائر والمصائر، أعاد الخبر للتأكد بقوله: ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
وأتى بحرف العطف، "ثم" -مع أن الجمل المؤكدة لا توصل بحروف العطف- ليفيدك أنه خبر جديد بمعناه جيء به بعد الخبر الأول لا مجرد إعادة لفظ.
وقد يكون معنى التكاثر التغالب في الكثرة، أي طلب كل واحد أن يكون أكثر من الآخر مالًا أو رجالًا، والسعي إلى ذلك لمجرد المغالبة لا ينبغي الساعي في سعيه إلا أن يكون ماله أكثر من مال الآخر، وأن يكون عضده أقوى من عضده لينال بذلك لذة التعلي والظهور بالقوة كما هو شأن الجمهور الأغلب من طلاب الثروة والقوة.
ولا ينظر الدائب منهم في عمله إلى تلك الغاية الرفيعة: غاية البذل مما يكسب في سبل الخير أو النهوض بالقوة إلى نصرة الحق وحمل المبطلين على معرفته والتوجه إليه، ثم المحافظة بعد ذلك عليه.
وهو معنى مقبول ذهب إليه بعض المفسرين وهو يتفق كل الاتفاق مع ما يفهم من لفظ (ألهاكم) فإن الذي يلهي الناس عن الحق في كل حال ويصرف وجوههم عنه إلى الباطل، هو طمع كل واحد منهم في أن يكون أكثر من الآخر مالًا أو عدد رجال ليعلو عليه ويستخدمه لسلطانه بقدر ما يدخل في إمكانه.
أما التفاخر بالأقوال فإنما يلهيهم في بعض الأحوال.
جرت سنة الغافلين إذا نبهوا والذاهلين إذا ذكروا بعواقب ما هم فيه أن يحدثوا أنفسهم بأنهم يعلمون ذلك، وأنهم يفعلون ما يفعلون عن يقظة وإرشاد بصيرة، وأنهم محيطون بما ينشأ عن فعالهم، ويسألون أنفسهم بذلك ليستمروا في لهوهم.
فحارب الله هذه الهواجس وقاتل هذه الخواطر بقوله: ﴿ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾ أي ارتدعوا عن تغريركم بأنفسكم بدعوى أنكم تعلمون عاقبة ما أنتم فيه من اللهو بالتكاثر.
فإن هذا الذي تسمونه علمًا ليس على الحقيقة بعلم.
وإنما هو وهم وظن لا يلبث أن يتغير مهما استحكم عقده من قلوبكم لأنه لا يطابق واقعًا.
والجدير بأن يسمى علمًا هو علم اليقين، أي العلم الذي هو من أفراد اليقين.
واليقين هو الاعتقاد الذي يطابق الواقع عن عيان أو دليل صحيح مقدماته بديهية أو منتهية إلى البديهات بحيث يستحيل تغيره.
والنفس إذا ملكت هذا النوع من العلم ملك هو إرادتها وعاد المصرف لها في شؤونها.
فلو تعلمون هذا العلم لرفعكم عن هذا التكاثر، ودفعكم إلى السعي فيما تصلح به ظواهركم، وتخلص به لله سرائركم، وتتحد به في تأييد الحق هممكم لأن التحقق من سوء العاقبة ينأى بالنفس عما يفضي إليها، ويدفعها إلى طلب ما هو أحسن منها، فجواب (لو) محذوف، حذف ليطلبه العقل من الشرط وما سبقه ليستحكم فيه من فضل استحكام.
ثم استأنف القول لذكر بعض ما ينتهي إليه هذا اللهو -وهو عذاب الآخرة بعد خزي الدنيا- ولو كان اليقين به حاصلًا ما أقدمت النفس الموقنة به على عمل أوعد الله بذلك العذاب عليه، فقال ﴿ لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ ﴾ .
أي أن دار العذاب التي لا يمنعكم الآن تصورها عن اللهو بالباطل -مع أنها جزاء من يلهو به عن الحق- هي ثابتة لا ريب فيها ولترونها بأعينكم فاجعلوا صورة عذابها حاضرة في أذهانكم فتكون منبهة لكم إلى ما هو خير لكم مما تلهون.
ولما كان الكثير من الناس يظن أنه يعتقد بالآخرة وما فيها من عذاب ونكال، ومع ذلك يرتكب السيئات ويقترف المنكرات، وهو في ذلك يمني نفسه بأنه ممن يعفو الله عنهم فيزحزحه عن النار بمجرد نسبته إلى دين وتجلببه بلقب من ألقابه.
كأن يسمى نفسه مسلمًا وهو يخالف أحكام القرآن، أو من أمة محمد وهو يعمل أعمال أعداء محمد ..
لما كانت هذه الظنون مما يسرع إلى النفوس، أبطلها الله بتأكيد الخبر وتكريره فقال ﴿ ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴾ أي لترونها رؤية هي اليقين نفسه.
وعلم العيان والمشاهدة من أفراد اليقين، يسمى عين اليقين لأنه هو الذي تنتهي إليه جميع العلوم اليقينية لأن العلم البرهاني إن لم ينته إلى علم عياني لا يعد يقينًا.
فالعياني هو ذات اليقين، وبقية العلوم تضاف إليه متى استوفت شرائطها، وكنى رؤية الجحيم عن ذوق العذاب فيها، وهي كناية شائعة في الكتاب العزيز.
فإذا كان اللاهون بالتفاخر لا بد أن يصلوا نار الجحيم -إلى أي دين أو إلى أي شخص كانت نسبتهم- فلم يبق عليهم إلا أن يتقوا الله في أنفسهم وينتهوا عما يقذف بهم في ذلك العذاب الأليم، وينظروا إلى ما هم فيه من نعمة فيراعوا حق الله فيها، ويستعملوها فيما امر الله أن تستعمل فيه، ولا يكتفوا منها بالتمتع باللذات ثم التفاخر بها.
ولقد زاد الأمر عليهم تشديدا بقوله ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ ﴾ أي أن هذا النعيم الذي تتفاخرون به وتعدونه مما يباهي به بعضكم بعضًا، هو مما لا بد أن تسألوا عنه: ما صنعتم به؟
هل أديتم حق الله فيه، وراعيتم حدود أحكامه في التمتع به، فإن لم تكن الحقوق أديت ولم تكن الأحكام روعيت كان هذا النعيم غاية الشقاء في دار البقاء.
نسأل الله أن يوفقنا لرعاية أحكامه فيما أنعم به علينا.
بقي أن يقال: إن هذا الخطاب موجه إلى الأحياء ليعتبروا، فكيف جيء فيه بصيغة الماضي في قوله: ﴿ زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ ﴾ .
مع أن الحي لم يزرها بعد.
وهو ما حمل أبا مسلم على أن يقول: "إن هذا خطاب من الله للناس في الآخرة للتقريع"..
مع أن قوله ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ ﴾ يدافع هذا المعنى، وحمل غير أبي مسلم على الرجوع إلى أسباب ذَكرها المفسرون وقالوا: "إنها نزلت في قبيلتين من الأنصار تفاخروا وتكاثروا بأحيائهم.
فلما كثرت إحدى القبيلتين الأخرى لجأت الأخرى إلى الأموات وقالت: هلموا بنا إلى المقابر لنعد من كان من رجالنا ونشير إلى قبورهم".
ولا يخفي أن التكاثر ليس خاصًا بالرجال، بل يشمل المال.
واللفظ والخطاب عامان، ولا بد أن يكون المعنى على العموم، وتلك الحيرة التي حاروها لا داعي إليها.
فقد جرت سنة الكتاب العزيز أن يخاطب الحاضر بما كان من الغائب متى كان الحاضر يحتذي حذو الغائب وكان للجميع جامعة تضمهم.
والله يخاطب جمهور المترفين أو المنعمين من الناس، ويذكر عمل من سلف منهم كما قال لبني إسرائيل يخاطبهم في زمن النبي ، ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾ إلي آخر الآيات وفيها ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ ﴾ إلخ، مع أن الذي وقع له ومنه ما ذكر في الآيات أسلافهم.
وذلك كما تقول لأعقاب الظالمين: "لا زلتم تظلمون الناس حتى أكلكم الظلم وأهلككم ففنيتم وأراح الله الناس منكم"، مع أن الذي هلك واستراحت الناس منه أسلافهم.
وهو ضرب من التعبير يريد الله به أن يحمل تبعة الناس بعضهم على بعض حتى لا يدع أحدهم أخاه يأتي منكرًا يفشو فيفسد به جماعتهم.
والله أعلم.