الآية ٦٣ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٦٣ من سورة هود

قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةًۭ فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍۢ ٦٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٣ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٣ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان [ من الله ] ، ( وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته ) وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده ، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني ( غير تخسير ) أي : خسارة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال صالح لقومه من ثمود: (يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) ، يقول : إن كنت على برهان وبيان من الله قد علمته وأيقنته (1) ، (وآتاني منه رحمة)، يقول: وآتاني منه النبوة والحكمة والإسلام ، (فمن ينصرني من الله إن عصيته) ، يقول: فمن الذي يدفع عنِّي عقابه إذا عاقبني إن أنا عصيته، فيخلصني منه ، (فما تزيدونني ) ، بعذركم الذي تعتذرون به ، من أنكم تعبدون ما كان يعبدُ آباؤكم، (غير تخسير ) ، لكم يخسركم حظوظكم من رحمة الله، (2) كما:- 18285- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فما تزيدونني غير تخسير) ، يقول: ما تزدادون أنتم إلا خسارًا.

--------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " البينة " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين) .

(2) انظر تفسير " الخسران " فيما سلف من فهارس اللغة ( خسر ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة تقدم معناه في قول نوح .

فمن ينصرني من الله إن عصيته استفهام معناه النفي ; أي لا ينصرني منه إن عصيته أحد .فما تزيدونني غير تخسير أي تضليل وإبعاد من الخير ; قاله الفراء .

والتخسير لهم لا له - صلى الله عليه وسلم - ; كأنه قال : غير تخسير لكم لا لي .

وقيل : المعنى ( ما تزيدونني باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم ) ; عن ابن عباس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي } أي: برهان ويقين مني { وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً } أي: منَّ علي برسالته ووحيه، أي: أفأتابعكم على ما أنتم عليه، وما تدعونني إليه؟.

{ فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ } أي: غير خسار وتباب، وضرر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة ) نبوة وحكمة ، ( فمن ينصرني من الله ) أي : من يمنعني من عذاب الله ، ( إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير ) قال ابن عباس : معناه : غير بصارة في خسارتكم .

قال الحسين بن الفضل : لم يكن صالح عليه السلام في خسارة حتى قال : " فما تزيدونني غير تخسير " ، وإنما المعنى : ما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة .

والتفسيق والتفجير في اللغة هو : النسبة إلى الفسق والفجور ، وكذلك التخسير هو : النسبة إلى الخسران .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيِّنة» بيان «من ربي وآتاني منه رحمة» نبوة «فمن ينصرني» يمنعني «من الله» أي عذابه «إن عصيته فما تزيدونني» بأمركم لي بذلك «غير تخسير» تضليل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال صالح لقومه: يا قوم أخبروني إن كنت على برهان من الله وآتاني منه النبوة والحكمة، فمن الذي يدفع عني عقاب الله تعالى إن عصيته فلم أبلِّغ الرسالة وأنصحْ لكم؟

فما تزيدونني غير تضليل وإبعاد عن الخير.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فانظر كيف قابل هؤلاء السفهاء الدعوة إلى الحق بالتصميم على الباطل ، ولكن صالحا - عليه السلام - لم ييأس بل يرد عليهم بأسلوب حكيم فيقول :( قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ) .أى قال صالح - عليه السلام - لقومه : يا قوم أخبرونى إن كنت على حجة واضحة من ربى ومالك أمرى .( وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً ) أى : وأعطانى من عنده لا من عند غيره رحمة عظيمة حيث اختارنى لحمل رسالته .

وتبليغ دعوته .وجملة ( فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِنْ عَصَيْتُهُ ) جواب الشرط وهو قوله ( إِن كُنتُ على بَيِّنَةً ) .أى : إذا كان الله - تعالى - قد منحنى كل هذه النعم ، وأمرنى بأن أبلغكم دعوته فمن ذا الذى يجيرنى ويعصمنى من غضبه ، إذا أنا خالفت أمره أو قصرت فى تبليغ دعوته ، احتفاظا برجائكم فى ، ومسايرة لكم فى باطلكم؟لا ، إننى سأستمر فى تبليغ ما أرسلت به إليكم ، ولن يمنعنى عن ذلك ترغيبكم أو ترهيبكم .وقوله ( فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ) تصريح منه بأن ما عليه هو الحق الذى لا يقبل الشك أو الريب ، وأن مخالفته توصل إلى الهلاك والخسران .والتخسير : مصدر خسر ، يقال خسر فلان فلانا إذا نسبه إلى الخسران : أى : فما تزويدوننى بطاعتكم ومعصية ربى غير الوقوع فى الخسران ، وغير التعرض لعذاب الله وسخطه وحاشاى أن أخالف أمر ربى إرضاء لكم .فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه صالح - عليه السلام - من إيمان عميق بالله - تعالى - ومن ثبات على دعوته ومن حرص عليه طاعته - سبحانه - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ ورد بحرف الشك وكان على يقين تام في أمره إلا أن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول، فكأنه قال: قدروا أني على بينة من ربي وأني نبي على الحقيقة، وانظروا أني إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره فمن يمنعني من عذاب الله فما تزيدونني على هذا التقدير غير تخسير، وفي تفسير هذه الكلمة وجهان: الأول: أن على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها.

الثاني: أن يكون التقدير فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملوني عليه غير أن أخسركم أي أنسبكم إلى الخسران، وأقول لكم إنكم خاسرون، والقول الأول أقرب لأن قوله: ﴿ فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله إِنْ عَصَيْتُهُ ﴾ كالدلالة على أنه أراد إن أتبعكم فيما أنتم عليه من الكفر الذي دعوتموني إليه لم أزدد إلا خسراناً في الدين فأصير من الهالكين الخاسرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض ﴾ لم ينشئكم منها إلا هو، ولم يستعمركم فيها غيره.

وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب ﴿ واستعمركم فِيهَا ﴾ وأمركم بالعمارة، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار، وعمروا الأعمار الطوال، مع ما كان فيهم من عسف الرعايا، فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم، فأوحى إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي.

وعن معاوية بن أبي سفيان أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر أمره، فقيل له، فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل: لَيْسَ الفَتَى بِفتَي لاَيسْتَضَاءُ بِه ** وَلاَ تَكُونُ لَهُ في الأَرْضِ آثَارُ وقيل: استعمركم من العمر، نحو استبقاكم من البقاء، وقد جعل من العمرى.

وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون استعمر في معنى أعمر، كقولك استهلكه في معنى أهلكه.

ومعناه: أعمركم فيها دياركم، ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم.

والثاني أن يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها، لأنّ الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنما أعمره إياها، لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره ﴿ قَرِيبٌ ﴾ داني الرحمة سهل المطلب ﴿ مُّجِيبٌ ﴾ لمن دعاه وسأله ﴿ فِينَا ﴾ فيما بيننا ﴿ مَرْجُوّا ﴾ كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد فكنا نرجوك لننتفع بك، وتكون مشاوراً في الأمور ومسترشداً في التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك.

وعن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدّمك على جميعنا.

وقيل: كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه ﴿ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ مُرِيبٍ ﴾ من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين.

أو من (أراب الرجل) إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازي.

قيل: ﴿ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ بحرف الشك وكان على يقين أنه على بينة، لأنّ خطابه للجاحدين، فكأنه قال: قدّروا أني على بينة من ربي، وأني نبيّ على الحقيقة، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره، فمن يمنعني من عذاب الله؟

﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِى ﴾ إذن حينئذ ﴿ غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ يعني تخسرون أعمالي وتبطلونها.

أو فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملونني عليه غير أن أخسركم، أي أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم إنكم خاسرون ﴿ ءَايَةً ﴾ نصب على الحال قد عمل فيها ما دلّ عليه اسم الإشارة من معنى الفعل.

فإن قلت: فبم يتعلق ﴿ لَكُمْ ﴾ قلت بآية حالاً منها متقدّمة؛ لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها، فلما تقدمت انتصبت على الحال ﴿ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ عاجل لا يستأخر عن مسكم لها بسوء إلا يسيراً، وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم ﴿ تَمَتَّعُواْ ﴾ استمتعوا بالعيش ﴿ فِى دَارِكُمْ ﴾ في بلدكم.

وتسمى البلاد الديار؛ لأنه يدار فيه أي يتصرف.

يقال: ديار بكر، لبلادهم.

وتقول العرب الذين حوالي مكة: نحن من عرب الدار، يريدون من عرب البلد.

وقيل: في دار الدنيا.

وقيل: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ غير مكذوب فيه، فاتسع في الظرف بحذف الحرف واجرائه مجرى المفعول به، كقولك: يوم مشهود، من قوله: وَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ.........

أو على المجاز، كأنه قيل للوعد: نفي بك، فإذا وفى به فقد صدق ولم يكذب.

أو وعد غير كذب، على أنّ المكذوب مصدر كالمجلود والمعقول، وكالمصدوقة بمعنى الصدق ﴿ وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قرئ مفتوح الميم لأنه مضاف إلى إذ، وهو غير متمكن، كقوله: عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا فإن قلت: علام عطف؟

قلت: على نجينا، لأنّ تقديره ونجيناهم من خزي يومئذ، كما قال ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [هود: 58] على: وكانت التنجية من خزي يومئذ، أي من ذله ومهانته وفضيحته، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه يغضب الله وانتقامه.

ويجوز أن يريد بيومئذ يوم القيامة، كما فسر العذاب الغليظ بعذاب الآخرة.

وقرئ: ﴿ ألا إن ثمود ﴾ و ﴿ لثمود ﴾ كلاهما بالصرف وامتناعه، فالصرف للذهاب إلى الحيّ أو الأب الأكبر، ومنعه للتعريف والتأنيث، بمعنى القبيلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا ﴾ لِما نَرى فِيكَ مِن مَخايِلِ الرُّشْدِ والسَّدادِ أنْ تَكُونَ لَنا سَيِّدًا ومُسْتَشارًا في الأُمُورِ، أوْ أنْ تُوافِقَنا في الدِّينِ فَلَمّا سَمِعْنا هَذا القَوْلَ مِنكَ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ.

﴿ أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ﴾ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ.

﴿ وَإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّبَرِّي عَنِ الأوْثانِ.

﴿ مُرِيبٍ ﴾ مَوْقِعٌ في الرِّيبَةِ مِن أرابَهُ، أوْ ذِي رِيبَةٍ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ مِن أرابَ في الأمْرِ.

﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ بَيانٍ وبَصِيرَةٍ وحَرَفَ الشَّكَّ بِاعْتِبارِ المُخاطَبِينَ.

﴿ وَآتانِي مِنهُ رَحْمَةً ﴾ نُبُوَّةً.

﴿ فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ ﴾ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ إنْ عَصَيْتُهُ في تَبْلِيغِ رِسالَتِهِ والمَنعِ عَنِ الإشْراكِ بِهِ.

﴿ فَما تَزِيدُونَنِي ﴾ إذَنْ بِاسْتِتْباعِكم إيّايَ.

﴿ غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ غَيْرَ أنْ تُخَسِّرُونِي بِإبْطالِ ما مَنَحَنِي اللَّهُ بِهِ والتَّعَرُّضِ لِعَذابِهِ، أوْ فَما تَزِيدُونَنِي بِما تَقُولُونَ لِي غَيْرَ أنْ أنْسِبَكم إلى الخُسْرانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)

{قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني مِنْهُ رَحْمَةً} نبوة أتى بحرف الشك مع أنه على يقين أنه على بينة لأن خطابه للجاحدين فكأنه قال قدروا أني على بينة من ربي وأنني نبي على الحقيقة وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره {فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله} فمن يمنعني من عذاب الله {إِنْ عَصَيْتُهُ} في تبليغ رسالته ومنعكم عن عبادة الأوثان {فَمَا تَزِيدُونَنِى} بقولكم أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} بنسبتكم إياي إلى الخسار أو بنسبتي إياكم إلى الخسران

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ ﴾ أخْبِرُونِي ﴿ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ وبَصِيرَةٍ ﴿ مِن رَبِّي ﴾ مالِكِي ومُتَوَلِّي أُمُورِي ﴿ وآتانِي مِنهُ ﴾ مِن قَبْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ رَحْمَةً ﴾ نُبُوَّةً، وهَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، والِاسْتِدْراجُ إذْ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَكٌّ فِيما في حَيِّزِ إنَّ، وأصْلُ وضْعِها أنَّها لِشَكِّ المُتَكَلِّمِ ﴿ فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ، فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ والنُّصْرَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ مَعْناها أوْ أنَّ الفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنى المَنعِ، ولِذا تَعَدّى -بِمَن -والعُدُولُ إلى الإظْهارِ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ النَّصْرِ عَلى ما سَبَقَ مِن كَوْنِهِ عَلى بَيِّنَةٍ وإيتاءِ الرَّحْمَةِ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنْ عَصَيْتُهُ ﴾ أيْ في المُساهَلَةِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والمَنعِ عَنِ الشِّرْكِ بِهِ تَعالى والمُجاراةِ مَعَكم فِيما تَشْتَهُونَ، فَإنَّ العِصْيانَ مِمَّنْ ذَلِكَ شَأْنُهُ أبْعَدُ والمُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ ألْزَمُ وإنْكارَ نُصْرَتِهِ أدْخَلُ.

﴿ فَما تَزِيدُونَنِي ﴾ إذَنْ بِاسْتِتْباعِكم إيّايَ أيْ لا تُفِيدُونَنِي إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أصْلُ الخُسْرانِ حَتّى يَزِيدُوهُ ﴿ غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ أيْ غَيْرَ أنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ أعْمالِي وتَعْرِيضِي لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى، أوْ ﴿ فَما تَزِيدُونَنِي ﴾ بِما تَقُولُونَ غَيْرَ أنْ أنْسِبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ لَكُمْ: إنَّكم لَخاسِرُونَ لا أنْ أتْبَعَكم.

ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ بْنِ الفَضْلِ، فالفاعِلُ عَلى الأوَّلِ هم والمَفْعُولُ صالِحٌ، وعَلى الثّانِي بِالعَكْسِ والتَّفْعِيلُ كَثِيرًا ما يَكُونُ لِلنِّسْبَةِ كَفَسَقَتِهِ وفَجَرَتِهِ، والزِّيادَةُ عَلى مَعْناها والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الزِّيادَةِ عَلى انْتِفاءِ النّاصِرِ المَفْهُومِ مِن إنْكارِهِ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وإيتائِهِ النُّبُوَّةَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى ﴿ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ ﴾ مُضارَّةٍ في خُسْرانِكُمْ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ قَدْ سَألَهُمُ الإيمانَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى فَما تُعْطُونِي فِيما أقْتَضِيهِ مِنكم مِنَ الإيمانِ ﴿ غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ لِأنْفُسِكُمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوكَلٌ بِأيْمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُ بِكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُ بِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ تَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسَنٌ أنْ تُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، وقِيلَ: المَعْنى فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرِي إيّاكم حَيْثُ إنَّكم كُلَّما ازْدَدْتُمْ تَكْذِيبًا إيّايَ ازْدادَتْ خَسارَتُكُمْ، وهي أقْوالٌ كَما تَرى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً يعني: وأرسلنا إلى ثمود.

وإنما لم ينصرف، لأنه اسم القبيلة، وفي الموضع الذي ينصرف جعله اسماً للقوم.

قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي: وحدوا الله، وأطيعوه، مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يعني: ليس لكم رب غيره هُوَ أَنْشَأَكُمْ يعني: هُوَ الذى خَلَقَكُمْ، مِنَ الْأَرْضِ يعني: خلق آدم من أديم الأرض، وأنتم ولده، وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها يعني: أسكنكم وأنزلكم فيها، وأصله: أعمركم.

يقال: أعمرته الدار إذا جعلتها له أبداً، وهي العُمْرَى.

وقال مجاهد: وَاسْتَعْمَرَكُمْ يعني: أطال عمركم فيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يعني: توبوا من شرككم، إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ يعني: قريباً ممن دعاه، مجيباً بالإجابة لمن دعاه من أهل طاعته.

قوله تعالى: قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا يعني: كنا نرجو أن ترجع إلى ديننا قبل أن تدعونا إلى دين غير دين آبائنا، أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ يعني: يريبنا أمرك ودعاؤك إيانا إلى هذا الدين.

ومعناه: إنا مريبون في أمرك.

قالَ لهم صالح: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، يقول: أخبروني إن كنت على بيان وحجة ودين أتاني من ربي، وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً يقول: أكرمني الله تعالى بالإسلام والنبوة، أيجوز لي أن أترك أمره، ولا أدعوكم إلى الله، وإلى دينه؟

فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ يقول: فمن يمنعني من عذاب الله إن رجعت إلى دينكم، وتركت دين الله تعالى؟

فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ يقول ما تزيدونني في مقالتكم إلا بصيرة في خسارتكم.

ويقال: معناه، فما تزيدونني غير تكذيب، لأن التكذيب سبب لخسارتهم.

ويقال: معناه، فما تزيدونني إن تركت ما أوجب الله عليَّ من الدعوة غير تخسير لأن العذاب إذا نزل بي لا تقدرون على منعه عني.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها ومِدْراراً بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة «عاد» .

وقوله سبحانه: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أن خصّ القوة بالذكر، إذ كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم: عَنْ قَوْلِكَ، أي: لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال ص: عَنْ قَوْلِكَ: حالٌ من الضمير في «تاركي» ، أي: صادِرِينَ عن قولك، وقيل: «عن» : للتعليل، كقولهِ: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ [التوبة:

١١٤] وقولهم: إِنْ نَقُولُ ...

الآية: معناه: ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال: / عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي إِذا أَلمَّ بالشيء.

وقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، وتُنْظِرُونِ: معناه: تؤخِّروني، أيْ: عاجلوني بما قَدَرْتم عليه.

وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يريد: إِن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإحكام، وقوله الصّدق ووعده الحقّ، وعَنِيدٍ: من «عند» إذا عتا.

وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)

وقوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ...

الآية: حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ: لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ،

كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث «١» .

ت: وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، وَيَوْمَ: ظَرفٌ، ومعناه: إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيّن.

وقوله عز وجل: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ...

الآية: التقديرُ: وأرسلنا إلى ثمود وأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: أي: اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام.

وقال ص: مِنَ الْأَرْضِ: لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان.

انتهى.

وقد نقل ع «٢» : في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣» : قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها:

أي: خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال: هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة.

ت: والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم.

انتهى.

وقولهم:

يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا، قال جمهور المفسِّرين: معناه: مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، معنى: مُرِيبٍ: ملبس متهم، وقوله: أَرَأَيْتُمْ: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبيّة، وآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً، يريد: النبوَّة وما انضاف إِليها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ﴾ أيْ: أُلْحِقُوا لَعْنَةً تَنْصَرِفُ مَعَهم.

﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ: وفي يَوْمِ القِيامَةِ لُعِنُوا أيْضًا.

﴿ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ أيْ: بِرَبِّهِمْ فَحَذَفَ الباءَ، وأنْشَدُوا: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ [فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ] قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ ألا ﴾ ابْتِداءٌ وتَنْبِيهٌ، و ﴿ بُعْدًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: أبْعَدَهُمُ اللَّهُ فَبَعِدُوا بُعْدًا، والمَعْنى: أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: خَلَقَكم مِن آدَمَ، وآدَمُ خُلِقَ مِنَ الأرْضِ.

والثّانِي: أنْشَأكم في الأرْضِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ واسْتَعْمَرَكم فِيها ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْمَرَكم فِيها أيْ: جَعَلَكم ساكِنِيها مُدَّةَ أعْمارِكم، ومِنهُ العُمْرى، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ألْفِ سَنَةٍ إلى ثَلاثِمِائَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: جَعْلَكم عَمّارَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَهُ لِلْمَمْلَكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ، قالَهُ كَعْبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ، انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهم، زَعَمُوا أنَّ رَجاءَهم لِخَيْرِهِ قَدِ انْقَطَعَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّنا لَفي شَكٍّ ﴾ إنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ قالَ هاهُنا: " وإنَّنا " وقالَ في (إبْراهِيمَ): " وإنّا " ؟

فالجَوابُ: أنَّهُما لُغَتانِ مِن لُغاتِ قُرَيْشٍ السَّبْعِ الَّتِي نَزَّلَ القُرْآنُ عَلَيْها.

قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ: " إنَّنا " أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ " نا " فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ، نُونا " إنَّ " والنُّونُ المَضْمُومَةُ إلى الألِفِ؛ ومَن قالَ: " إنّا " اسْتَثْقَلَ الجَمْعَ بَيْنَ ثَلاثِ نُوناتِ، وأسْقَطَ الثّالِثَةَ،وَأبْقى الأُولَيَيْنِ؛ وكَذَلِكَ يُقالُ: إنِّي وإنَّنِي، ولَعَلِّي ولَعَلَّنِي - ولَيْتِي ولَيْتَنِي، قالَ اللَّهُ في اللُّغَةِ العُلْيا: ﴿ لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ  ﴾ ، وقالَ الشّاعِرُ في اللُّغَةِ الأُخْرى: أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لَعَلَّنِي ∗∗∗ أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا وَقالَ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ  ﴾ ، وقالَ الشّاعِرُ: كَمُنْيَةِ جابِرٍ إذْ قالَ لَيْتِي ∗∗∗ أُصادِفُهُ وأُتْلِفُ بَعْضَ مالِي فَأمّا المُرِيبُ، فَهو المُوقِعُ لِلرِّيبَةِ والتُّهْمَةِ.

والرَّحْمَةُ يُرادُ بِها هاهُنا: النُّبُوَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ التَّخْسِيرُ: النُّقْصانُ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ بِصارَةٍ في خَسارَتِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكم، أيْ: كُلَّما اعْتَذَرْتُمْ عِنْدِي بِعُذْرٍ فَهو يَزِيدُكم تَخْسِيرًا.

وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكم، لا لِي.

وقالَ بَعْضُهم: المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِما قُلْتُمْ إلّا نِسْبَتِي لَكم إلى الخَسارَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ الخُسْرانِ إنْ رَجَعْتُ إلى دِينِكم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ كانَ خاسِرًا، فَزادُوهُ خَسارًا، فَقَدْ أسْلَفْنا الجَوابَ في قَوْلِهِ: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً ﴾ قَدْ شَرَحْناها في سُورَةِ [الأعْرافِ:٧٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ ﴾ أيِ: اسْتَمْتِعُوا بِحَياتِكم، وعَبَّرَ عَنِ الحَياةِ بِالتَّمَتُّعِ، لِأنَّ الحَيَّ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالحَواسِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عُقِرَتِ النّاقَةُ صَعِدَ فَصِيلُها إلى الجَبَلِ، ورَغا ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ صالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجْلُ يَوْمٍ، ألا إنَّ اليَوْمَ الأوَّلَ تُصْبِحُ وُجُوهُكم مُصْفَرَّةً، واليَوْمَ الثّانِي مُحَمَّرَةً، واليَوْمَ الثّالِثَ مُسْوَدَّةً؛ فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الأوَّلِ، إذا وُجُوههمْ مُصْفَرَّةٌ، فَصاحُوا وضَجُّوا وبَكَوْا، وعَرَفُوا أنَّهُ العَذابُ، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الثّانِي، إذا وُجُوهُهم مُحَمَّرَةٌ، فَضَجُّوا، وبَكَوْا، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الثّالِثِ، إذا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ كَأنَّما طُلِيَتْ بِالقارِ، فَصاحُوا جَمِيعًا: ألّا قَدْ حَضَرَكُمُ العَذابُ؛ فَتُكَفَّنُوا وألْقَوْا أنْفُسَهم بِالأرْضِ، لا يَدْرُونَ مِن أيْنَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الرّابِعِ، أتَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها صَوْتُ كُلِّ صاعِقَةٍ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم في صُدُورِهِمْ.

وقالَ مُقاتِلٌ: حَفَرُوا لِأنْفُسِهِمْ قُبُورًا، فَلَمّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ مِنَ اليَوْمِ الرّابِعِ، ولَمْ يَأْتِهِمُ العَذابُ، ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ قَدْ رَحِمَهم، فَخَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يَدْعُو بَعْضُهم بَعْضًا، إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقامَ فَوْقَ المَدِينَةِ فَسَدَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَلَمّا عايَنُوهُ دَخَلُوا قُبُورَهم، فَصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً: مُوتُوا عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ فَخَرَجَتْ أرْواحُهم، وتَزَلْزَلَتْ بُيُوتُهم فَوَقَعَتْ عَلى قُبُورِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ وعْدٌ ﴾ أيِ: العَذابُ ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ أيْ: غَيْرُ كَذِبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، " يَوْمِئِذٍ " بِكَسْرِ المِيمِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها مَعَ الإضافَةِ.

قالَ مَكِّيٌّ: مَن كَسَرَ المِيمَ، أعْرَبَ، وخَفَضَ، لِإضافَةِ الخِزْيِ إلى اليَوْمِ، ولَمْ يَبْنِهِ؛ ومَن فَتَحَ، بَنى اليَوْمَ عَلى الفَتْحِ، لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وهو " إذْ " .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ومِن خِزْيٍ " بِالتَّنْوِينِ، " يَوْمَئِذٍ " بِفَتْحِ المِيمِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذِهِ الواوُ في قَوْلِهِ: " ومِن خِزْيٍ " مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: نَجَّيْناهم مِنَ العَذابِ ومِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَخَلَتْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَأْوِيلُهُ: نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا، ونَجَّيْناهم مِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ.

قالَ: وإنَّما قالَ: " وأخَذَ " لِأنَّ الصَّيْحَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الصِّياحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ اخْتَلَفُوا في صَرْفِ " ثَمُودَ " وتَرْكِ إجْرائِهِ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: في (هُودٍ:٦٩) ﴿ ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ ، وفي (الفُرْقانِ:٣٨) ﴿ وَعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ ﴾ ، وفي (العَنْكَبُوتِ:٣٨) ﴿ وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ ﴾ ، وفي (النَّجْمِ:٥١) ﴿ وَثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالتَّنْوِينِ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ مِنها، وتَرَكُوا ﴿ ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ فَلَمْ يَصْرِفُوهُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِتَرْكِ صَرْفِ هَذِهِ الخَمْسَةِ الأحْرُفِ، وصَرَفَهُنَّ الكِسائِيُّ.

واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ، فَرَوى حُسَيْنُ الجَعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ أنَّهُ أجْرى الأرْبَعَةَ الأحْرُفِ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو؛ ورَوى يَحْيى بْنُ آدَمَ أنَّهُ أجْرى ثَلاثَةً، في (هُودٍ:٦٩) " ألا إنَّ ثَمُودًا "، وفي (الفُرْقانِ:٣٨)، و(العَنْكَبُوتِ:٣٨) .

ورَوى حَفْصٌ عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يُجْرِ شَيْئًا مِنها مِثْلَ حَمْزَةَ.

واعْلَمْ أنَّ ثَمُودًا يُرادُ بِهِ القَبِيلَةُ تارَةً، ويُرادُ بِهِ الحَيُّ تارَةً، فَإذا أُرِيدَ بِهِ القَبِيلَةُ، لَمْ يُصْرَفْ، وإذا أُرِيدَ بِهِ الحَيُّ، صُرِفَ.

وما أخْلَلْنا بِهِ، فَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الأعْرافِ:٧٣، والتَّوْبَةِ:٧٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ ﴾ .

والرُّسُلُ هاهُنا: المَلائِكَةُ وفي عَدَدِهِمْ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً، جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: ثَمانِيَةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والرّابِعُ: تِسْعَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أحَدَ عَشَرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: أرْبَعَةً، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي هَذِهِ البُشْرى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها البُشْرى بِالوَلَدِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: بِأنَّ مُحَمَّدًا يَخْرُجُ مِن صُلْبِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: انْتَصَبَ بِالقَوْلِ، لِأنَّهُ حَرْفٌ مَقُولٌ، والسَّلامُ الثّانِي مَرْفُوعٌ بِإضْمارِ " عَلَيْكم " .

وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أضْمَرَ " عَلَيْكم " كَما قالَ الشّاعِرُ: فَقُلْنا السَّلامُ فاتَّقَتْ مِن أمِيرِها ∗∗∗ فَما كانَ إلّا ومْؤُها بِالحَواجِبِ والعَرَبُ تَقُولُ: التَقَيْنا فَقُلْنا: سَلامٌ سَلامٌ.

والثّانِي: أنَّ القَوْمَ سَلَّمُوا، فَقالَ حِينَ أنْكَرَهم هو: سَلامٌ، فَمَن أنْتُمْ ؟

لِإنْكارِهِ إيّاهم.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " قالَ سِلْمٌ " وهو بِمَعْنى سَلامٍ، كَما قالُوا: حِلٌّ وحَلالٌ، وحِرْمٌ وحَرامٌ؛ فَعَلى هَذا، يَكُونُ مَعْنى " سِلْمٍ ": سَلامٌ عَلَيْكم.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَيَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " سِلْمٌ " فالمَعْنى: أمْرُنا سِلْمٌ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَبِثَ ﴾ أيْ: ما أقامَ حَتّى جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، لِأنَّهُ ظَنَّهم أضْيافًا، وكانَتِ المَلائِكَةُ قَدْ جاءَتْهُ في صُورَةِ الغِلْمانِ الوِضاءِ.

وَفِي الحَنِيذِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّضِيجُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَقْطُرُ ماؤُهُ ودَسَمُهُ وقَدْ شُوِيَ، قالَهُ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما حَفَرْتَ الأرْضَ ثُمَّ غَمَمْتَهُ، وهو مِن فِعْلِ أهْلِ البادِيَةِ، مَعْرُوفٌ، وأصْلُهُ: مَحْنُوذٌ، فَقِيلَ: حَنِيذٌ، كَما قِيلَ: طَبِيخٌ لِلْمَطْبُوخِ، وقَتِيلٌ لِلْمَقْتُولِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المَشْوِيُّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والخامِسُ: المَشْوِيُّ بِالحِجارَةِ المُحْماةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والسّادِسُ: السَّمِيطُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: يُقالُ إنَّهُ المَشْوِيُّ فَقَطْ، ويُقالُ: المَشْوِيُّ الَّذِي يَقْطُرُ، ويُقالُ: المَشْوِيُّ بِالحِجارَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِن اللهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ ﴿ وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ ﴾ ﴿ فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ قَوْلُهُ: "أرَأيْتُمْ" هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، أيْ: أتَدَبَّرْتُمْ؟

والشَرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ لـ"أرَأيْتُمْ": و"البَيِّنَةُ": البُرْهانُ واليَقِينُ، والهاءُ في "بَيِّنَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هاءَ تَأْنِيثٍ، و"الرَحْمَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: النُبُوَّةُ وما انْضافَ إلَيْها، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم أو أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ونَحْوُ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ مَعْناهُ: فَما تُعْطُونَنِي فِيما أقْتَضِيهِ مِنكم مِنَ الإيمانِ وأطْلُبُكم بِهِ مِنَ الإنابَةِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكُمْ، وهو مِنَ الخَسارَةِ، ولَيْسَ التَخْسِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوكَلٌ بِإيمانِهِمْ، كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: "أنا أُرِيدُ بِكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُ بِي شَرًّا".

فَكَأنَّ الوَجْهَ البَيِّنَ: "وَأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا" ولَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ ومُقْتَضٍ ذَلِكَ حَسُنَ أنْ تُضِيفَ الزِيادَةَ إلى نَفْسِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ ﴾ الآيَةُ، اقْتُضِبَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ أوَّلِ أمْرِ الناقَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ طَلَبُوا مِنهُ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، فَأخْرَجَ اللهُ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، لَهُمُ الناقَةَ مِنَ الجَبَلِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا تَعْيِينَ خُرُوجِ الناقَةِ مِن تِلْكَ الصَخْرَةِ، فَرُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَمَخَّضَ كالحامِلِ، وانْصَدَعَ الحَجَرُ، وخَرَجَتْ مِنهُ ناقَةٌ بِفَصِيلِها، ورُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ عُشَراءَ، ووَضَعَتْ بَعْدَ خُرُوجِها، فَوَقَّفَهم صالِحٌ وقالَ لَهُمْ: ﴿ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً ﴾ ، ونَصْبُ "آيَةً" عَلى الحالِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأْكُلْ" بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأْكُلُ" عَلى طَرِيقِ القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، أو عَلى أنَّهُ الحالُ مِنَ الضَمِيرِ في "ذَرُوها".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ﴾ عامٌّ في العَقْرِ وغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ ﴾ هَذا بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ إلَيْهِ أنَّ قَوْمَكَ إذا عَقَرُوا الناقَةَ جاءَهم عَذابٌ قَرِيبُ المُدَّةِ مِن وقْتِ المَعْصِيَةِ، وهي الأيّامُ الثَلاثَةُ الَّتِي فَهِمَها صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ مِن رُغاءِ الفَصِيلِ عَلى جَبَلِ القارَّةِ.

وأضافَ العَقْرَ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّ العاقِرَ كانَ مِنهم وكانَ عن رِضًى مِنهم وتَمالُؤٍ، وعاقِرُها قُدارٌ، ورُوِيَ في خَبَرِ ذَلِكَ أنَّ صالِحًا أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُونَ الناقَةَ ويَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ فَقالُوا: عِياذًا بِاللهِ أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا أنْتُمْ ذَلِكَ أوشَكَ أنْ يُولَدَ فِيكم مَن يَفْعَلُهُ، وقالَ لَهُمْ: صِفَةُ عاقِرِها أحْمَرَ أزْرَقَ أشْقَرَ، فَجَعَلُوا الشَرْطَ مَعَ القَوابِلِ وأمَرُوهم بِتَفَقُّدِ الأطْفالِ، فَمَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ قُتِلَ، وكانَ في المَدِينَةِ شَيْخانِ شَرِيفانِ عَزِيزانِ، وكانَ لِهَذا ابْنٌ ولِهَذا بِنْتٌ، فَتَصاهَرا فَوُلِدَ بَيْنَ الزَوْجَيْنِ قُدارٌ، عَلى الصِفَةِ المَذْكُورَةِ، فَهَمَّ الشُرَطُ بِقَتْلِهِ، فَمَنَعَ مِنهُ جَدّاهُ حَتّى كَبِرَ، فَكانَ الَّذِي عَقَرَها بِالسَيْفِ في عَراقِيبِها، وقِيلَ: بِالسَهْمِ في ضَرْعِها وهَرَبَ فَصِيلُها عن ذَلِكَ، فَصَعِدَ عَلى جَبَلٍ يُقالُ لَهُ القارَّةُ، فَرَغا ثَلاثًا، فَقالَ صالِحٌ: هَذا مِيعادُ ثَلاثَةِ أيّامٍ لِلْعَذابِ، وأمَرَهم قَبْلَ رُغاءِ الفَصِيلِ أنْ يَطْلُبُوهُ عَسى أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ فَيَنْدَفِعَ عنهُمُ العَذابَ بِهِ، فَرامُوا الصُعُودَ إلَيْهِ في الجَبَلِ، فارْتَفَعَ الجَبَلُ في السَماءِ حَتّى ما تَنالُهُ الطَيْرُ، وحِينَئِذٍ رَغا الفَصِيلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي دارِكُمْ ﴾ هي جَمْعُ "دارَةٍ" كَما تَقُولُ: ساحَةٌ وساحٌ وسُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: لَهُ داعٍ بِمَكَّةَ مُشْمَعِلُّ ∗∗∗ وآخَرُ عِنْدَ دارَتِهِ يُنادِي وَيُمْكِنُ أنْ يُسَمّى جَمِيعَ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، والثَلاثَةُ أيّامٍ تَعْجِيزٌ قاسَ الناسُ عَلَيْهِ الإعْذارَ إلى المَحْكُومِ عَلَيْهِ ونَحْوِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ عِنْدِي مُفْتَرِقٌ لِأنَّها في المَحْكُومِ عَلَيْهِ والغارِمِ في الشُفْعَةِ ونَحْوِهِ تَوْسِعَةٌ، وهي هُنا تَوْقِيفٌ عَلى الخِزْيِ والتَعْذِيبِ، ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لَوْ صَعَدْتُمْ عَلى القارَّةِ لَرَأيْتُمْ عِظامَ الفَصِيلِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جواب عن كلامهم فلذلك لم تعطف جملة ﴿ قال ﴾ وهو الشّأن في حكاية المحاورات كما تقدّم غير مرة.

وابتداء الجواب بالنّداء لقصد التّنبيه إلى ما سيقوله اهتماماً بشأنه.

وخاطبهم بوصف القوميّة له للغرض الذي تقدّم في قصة نوح.

والكلام في قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربّي وآتاني منه رحمة ﴾ كالكلام على نظيرها في قصة نوح.

وإنّما يتّجه هنا أن يسأل عن موجب تقديم ﴿ منه ﴾ على ﴿ رحمة ﴾ هنا، وتأخير ﴿ من عنده ﴾ [هود: 28] عن ﴿ رحمة ﴾ [هود: 28] في قصة نوح السابقة.

فالجواب لأنّ ذلك مع ما فيه من التّفنن بعدم التزام طريقة واحدة في إعادة الكلام المتماثل، هو أيضاً أسعد بالبيان في وضوح الدّلالة ودفع اللبس.

فلمّا كان مجرور (من) الابتدائية ظرفاً وهو (عند) كان صريحاً في وصف الرّحمة بصفة تدلّ على الاعتناء الربّانيّ بها وبمَن أوتيَهَا.

ولمّا كان المجرور هنا ضمير الجلالة كان الأحسن أن يقع عقب فعل ﴿ آتاني ﴾ ليكون تقييدُ الإيتاء بأنّه من الله مشير إلى إيتاء خاص ذي عناية بالمؤتى إذ لولا ذلك لكان كونه من الله تحصيلاً لما أفيد من إسناد الإيتاء إليه، فتعيّن أن يكون المراد إيتاءً خاصاً، ولو أوقع ﴿ منه ﴾ عقب ﴿ رحمة ﴾ لتوهّم السامع أنّ ذلك عوض عن الإضافة، أي عن أن يقال: وآتاني رحمته، كقوله: ﴿ ولنجعله آيةً للنّاس ورحمةً منا ﴾ [مريم: 21] أي ورحمتنا لهم، أي لنعظَهم ونرحَمَهم.

وجملة ﴿ فمن ينصرني من الله ﴾ جواب الشرط وهو ﴿ إن كنت على بيّنة ﴾ .

والمعنى إلزام وجدل، أي إن كنتم تنكرون نبوءتي وتوبّخونني على دعوتكم فأنا مؤمن بأنّي على بيّنة من ربّي، أفترون أنّي أعدل عن يقيني إلى شكّكم، وكيف تتوقّعون منّي ذلك وأنتم تعلمون أنّ يقيني بذلك يجعلني خائفاً من عذاب الله إن عصيته ولا أحد ينصرني.

والكلام على قوله: ﴿ مَنْ ينصرني من الله إن عصيته ﴾ كالكلام على قوله: ﴿ من ينصرني من الله إن طردتهم ﴾ [هود: 30] في قصة نوح.

وفُرع على الاستفهام الإنكاري جملة: ﴿ فما تزيدونني غيرَ تخسير ﴾ أي إذ كان ذلك فما دعاؤكم إيّاي إلا سعي في خسراني.

والمراد بالزيادة حدوث حال لم يكن موجوداً لأنّ ذلك زيادة في أحوال الإنسان، أي فما يحدث لي إن اتّبعتُكم وعصيتُ الله إلاّ الخسرانُ، كقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السّلام: ﴿ فلم يزدهم دعائي إلاّ فِرارا ﴾ [نوح: 6]، أي كنت أدعوهم وهم يسمعون فلمّا كرّرت دعوتهم زادوا على ما كانوا عليه ففرُّوا، وليس المعنى أنّهم كانوا يفرّون فزادوا في الفرار لأنّه لو كان كذلك لقيل هنالك: فلم يزدهم دعائي إلاّ من فرار، ولقيل هنا: فما تزيدونني إلاّ من تخسير.

والتّخسير، مصدر خسر، إذا جعله خاسراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُؤَمَّلًا بِرَجاءِ خَيْرِكَ.

الثّانِي: أيْ حَقِيرًا مِنَ الإرْجاءِ وهو التَّأْخِيرُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عُتْبًا، وعَلى الثّانِي زَجْرًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى حَقٍّ بَيِّنٍ.

الثّانِي: عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ.

وَقالَ الكَلْبِيُّ عَلى دِينٍ مِن رَبِّي.

﴿ وَآتانِي مِنهُ رَحْمَةً ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ يَعْنِي النُّبُوَّةَ والحِكْمَةَ.

﴿ فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ ﴾ أيْ فَمَن يَدْفَعُ عَنِّي عَذابَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ بِطاعَتِكم.

﴿ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ما تَزِيدُونَنِي في احْتِجاجِكم بِاتِّباعِ آبائِكم إلّا خَسارًا تَخْسَرُونَهُ أنْتُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَما تَزِيدُونَنِي مَعَ الرَّدِّ والتَّكْذِيبِ إنْ أجَبْتُمْ إلى ما سَألْتُمْ إلّا خَسارًا لِاسْتِبْدالِ الثَّوابِ بِالعِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ هو أنشأكم من الأرض ﴾ قال: خلقكم من الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ واستعمركم فيها ﴾ قال: أعمركم فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ واستعمركم فيها ﴾ قال: استخلفكم فيها.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ يقول: ما تزدادون أنتم إلا خساراً.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء الخراساني ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ قال: ما تزيدونني بما تصنعون إلا شراً لكم وخسراناً تخسرونه.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال: كان بقي من أجل قوم صالح عند عقر الناقة ثلاثة أيام فلم يعذبوا حتى أكملوها.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ نجينا صالحاً والذين آمنوا...

﴾ الآية.

قال: نجاه الله برحمة منه، ونجاه من خزي يومئذ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴾ قال: ميتين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعيشوا فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعمروا فيها.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يكونوا فيها يعني في الدنيا حين عذبوا ولم يعمروا فيها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: وغنيت شيئاً قبل نحري وأحسن ** لو كان للنفس اللجوج خلود وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم ينعموا فيها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾ مفعول (أرأيتم) هاهنا لا يظهر في التفصيل؛ لأنه دخل على جملة قائمة بنفسها لو لم يذكر ﴿ أَرَأَيْتُمْ ﴾ ، إلا أنه يتعلق بمعناها كقولك: رأيتُ لَزَيْدٌ خيرٌ منك، ومعنى ﴿ أَرَأَيْتُمْ ﴾ : أعلمتم، وجواب ﴿ إنْ ﴾ الأولى في قوله ﴿ فَمَنْ يَنْصُرُنِي ﴾ ، وقد قام مقام ﴿ إنْ ﴾ الثانية في المعنى؛ لأن التقدير: فمن ينصرني إن عصيته، فاستغنى بجواب الأولى عن الثانية، ومعنى الآية: أعلمتم من ينصرني من الله إن عصيتُه بعد بينة من ربي ونعمة، وأكثر تفسير هذه الآية قد مضى في هذه السورة في نظير هذه الآية في قصة نوح (١) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ ، قال الفراء (٢) وقال ابن الأعرابي (٣) قال ابن عباس (٤) (٥) (٦) (٧) وقال ابن الأعرابي] (٨) (٩) ﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ ، وإنما المعنى: ما تزيدونني بما تقولون حين قولهم: ﴿ أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة، والتخسير مثل التفسيق والتفجير، وأجاز قوم (١٠) ﴿ فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ﴾ ، ومعنى قول الحسن: إن أجبتكم إلى ما تدعونني إليه وعصيت ربي كنت بمنزلة من يزداد الخسران.

(١) آية: 28.

(٢) "معاني القرآن" 2/ 20.

(٣) "تهذيب اللغة" (خسر) 1/ 1029، "زاد المسير" 4/ 124.

(٤) الئعبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 186،"زاد المسير" 4/ 124، القرطبي 9/ 60.

(٥) في حاشية (ي) زيادة نصها: (والمعنى على هذا ما تزيدونني باحتجاجكم بعبادة آبائكم الأصنام إلا بصيرة في خسارتكم).

(٦) الطبري 12/ 64.

(٧) الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 186.

(٨) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ب).

وانظر: "تهذيب اللغة" (خسر) 1/ 1029، "زاد المسير" 4/ 124.

(٩) الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 186.

(١٠) ذكر هذا القول "زاد المسير" 4/ 125، الرازي 18/ 18 "البحر المحيط" 5/ 239.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض ﴾ لأن آدم خلق من تراب ﴿ واستعمركم فِيهَا ﴾ أي جعلكم تعمرونها.

فهو من العمران للأرض، وقيل: هو من العمر نحو استبقاكم من البقاء ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ أي: كنا نرجو أن ننتفع بك حتى قلت ما قلت، وقيل: المعنى كنا نرجو أن تدخل في ديننا ﴿ فِي دَارِكُمْ ﴾ أي بلدكم ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ قيل: إنها الخميس والجمعة والسبت، لأنهم عقروا الناقة يوم الأربعاء، وأخذهم العذاب يوم الأحد ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ معطوف على نجينا أي نجيناهم من خزي يومئذ ﴿ جاثمين ﴾ ذكر في الأعراف و ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ﴾ أي: كأن لم يقيموا فيها والضمير للدار، وكذلك في قصة شعيب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فطرني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع والبزي غير الخزاعي ﴿ إني أشهد ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

﴿ فإن تولوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.

﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم: الخزاز عن هبيرة.

الباقون بالرفع ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم وكذلك في "المعارج": أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعلي الشموني والبرجمي وعباس.

الآخرون بالجر.

﴿ ألا ان ثمود ﴾ غير منصرف والوقف بغير الألف: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الباقون بالتنوين والوقف بالألف.

﴿ لثمود ﴾ بالتنوين في الوصل: علي.

الوقوف: ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ مفترون ﴾ ه ﴿ أجراً ﴾ ط ﴿ فطرني ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ بسوء ﴾ ط ﴿ تشركون ﴾ ه لا ﴿ لا تنظرون ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ بناصيتها ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ به إليكم ﴾ ط للاستئناف إلا لمن قرأ ﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم ﴿ غيركم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ منا ﴾ ج لحق المحذوف أي وقد نجيناهم ﴿ غليظ ﴾ ه ط ﴿ عنيد ﴾ ه ﴿ ويوم القيامة ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ هود ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ م لما مر في "الأعراف".

﴿ غيره ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ مجيب ﴾ ه ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ تخسير ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ أيام ﴾ ط ﴿ مكذوب ﴾ ط ﴿ يومئذٍ ﴾ ط ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا لكاف التشبيه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ لثمود ﴾ ه.

التفسير: قد مر في "الأعراف" تفسير قوله: ﴿ وإلى عاد ﴾ الآية.

ومعنى قوله: ﴿ إن أنتم إلا مفترون ﴾ أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام يحسن عبادتها مع أنها لا حس لها ولا شعور.

ثم قال مثل قول نوح ﴿ يا قوم لا أسألكم عليه أجراً ﴾ لأن النصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن نصح من لا يطلب الأجر إلا من الله لا يكون من التهمة في شيء.

قيل: إنما قال في قصة نوح ﴿ مالاً ﴾ دون ﴿ أجراً ﴾ لذكر الخزائن بعده، فلفظ المال بها أليق.

وحذف الواو من ﴿ يا قوم ﴾ لأنه أراد الاستئناف أو البدل دون العطف.

﴿ ويا قو م استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ قد مر مثله في أول السورة.

وقال الأصم: المراد سلوه أن يغفر لكم ما تقدم لكم من إسرافكم ثم اعزموا على أن لا تعودوا إلى مثله.

ثم قصد استمالتهم وترغيبهم في الإِيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأن القوم كانوا حراصاً على جميع الأموال من وجوه العمارة والزراعة مفتخرين بما أوتوا من البطش والقوة، فقدم إليهم في باب الدعوة إلى الدين والترغيب فيه ما كانت همتهم معقودة به ليحصل في ضمنه الغرض الكلي والمقصود الأصلي وهو الفوز بالسعادات الأخروية، وكأنه إنما خصص هذين النوعين من السعادات الدنيوية لأن الأول أصل جميع النعم، والثاني أصل في الانتفاع بتلك النعم.

وقيل: المراد بالقوة الزيادة في المال.

وقيل في النكاح.

وروي أنه حبس عنهم القطر بشؤم التكذيب ثلاث سنين وأعقم نساؤهم فوعدوا أنهم إن آمنوا أحيا الله بلادهم ورزقهم المال والولد.

والمدرار الكثير الدر كما مر في أول "الأنعام".

عن الحسن بن علي رضي الله عه أنه وفد على معاوية فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال لا يولد لي فقال: عليك بالاستغفار.

فكان يكثر الاستغفار حتى إنه ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟

فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود ﴿ ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾ وقول نوح ﴿ ويمددكم بأموال وبنين  ﴾ ثم قول هود ﴿ لا تتولوا ﴾ أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه ﴿ مجرمين ﴾ مصرين على الإِجرام والآثام.

فجحدوا هوداً وقالوا ما جئتنا ببينة كما قالت قريش لرسول الله  ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ولم يشتهر منه معجزة ولكن العلماء قالوا: إظهار الدعوة مع أولئك الأقوام من غير مبالاة وتوانٍ آية من الآيات.

وقوله: ﴿ عن قولك ﴾ حال من الضمير كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ﴿ وما نحن لك بمؤمنين ﴾ لا يصدق مثلنا مثلك أبداً.

ثم زعموا أن بعض آلهتهم اعتراه بسوء أي غشيه وأورثه الخبل والجنون لأنه كان يسب آلهتهم وذلك قولهم: ﴿ إن نقول إلا اعتراك ﴾ وإلا لغو أي ما نقول شيئاً إلا هذا القول فمن ثم يتكلم بكلام المجانين.

والمراد أن الأصنام كافأته على سوء فعله بسوء الجزاء فأظهر نبي الله الجلادة والثقة بالله فيما هو بصدده وتبرأ منهم ومن شركهم فأشهد الله وذلك إشهاد صحيح.

وأشهدهم أيضاً وهذا كالتهاون وقلة المبالاة بهم كقول الرجل لمن نوى قطعه بالكلية: أشهد عليَّ أني لا أحبك تهكماً به.

وقد مر قوله: ﴿ فكيدوني ﴾ الآية في آخر سورة الأعراف.

وقوله: ﴿ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴾ تمثيل لغاية التسخير ونهاية التدليل، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته فكان علامة لقهره.

قالت المعتزلة: هذا دليل التوحيد لدلالته على أنه لا مالك إلا هو.

وقوله: ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ دليل العدل.

والأشاعرة قالوا: معناه معنى.

﴿ إن ربك لبالمرصاد  ﴾ أي لا يخفى عليه شيء ولا يفوته هارب ﴿ فإن تولوا فقد أبلغتكم ﴾ كقول القائل إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك فيما مضى.

والمراد فإن تتولوا فأنا غير معاتب ولا مقصر لأني قد قضيت حق الرسالة.

وفي قوله: ﴿ ويستخلف ﴾ إشارة إلى عذاب الاستئصال وأنه يخلق بعدهم من هو أطوع منهم وأنه لا ينقص من ملكه شيئاً ﴿ إن ربي على كل شيء حفيظ ﴾ يحفظ أعمال العباد حتى يجازيهم عليها، أو يحفظني من شرككم وكيدكم، أو يحفظني من الهلاك ﴿ والذين آمنوا معه ﴾ قيل: كانوا أربعة آلاف ﴿ برحمة منا ﴾ أي بفضل وامتنان أو بسبب ما هم فيه من الإيمان والعمل الصالح ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ أطلق التنجية أوّلاً ثم قيدها على معنى وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ سموم تدخل في أفواههم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضواً عضواً.

ويحتمل أن يراد بالثانية النجاة من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه.

ولما ذكر قصتهم خاطب محمداً وأشار إلى قبورهم وآثارهم بقوله: ﴿ وتلك عاد ﴾ فانظروا واعتبروا.

ثم استأنف وصف أحوالهم مجملة فقال: ﴿ جحدوا بآيات ربهم ﴾ فلم يتسلقوا من المعجزات إلى صدق الأنبياء، ولم يرتقوا من الممكنات إلى وجود الواجب بالذات ﴿ وعصوا رسله ﴾ قيل: لم يرسل إليه إلا هود، وصح الجمع لأن عصيان رسول واحد يتضمن عصيان كلهم ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله  ﴾ ﴿ واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ أطاعوا رؤساءهم وكبراءهم المتمردة والمعاندة ولهذا جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين.

وفي تكرير "ألا" والنداء على كفرهم، والدعاء عليهم بالبعد بعد إهلاكهم دلالة على تفظيع شأنهم وأنهم كانوا مستأهلين للدعاء عليهم بالهلاك، ويحتمل أن يراد البعد من رحمة الله في الآخرة.

وقوله: ﴿ قوم هود ﴾ عطف بيان لعاد إما للتأكيد ومزيد التقرير، وإما لأن عاداً عادان القديمة التي هي قوم هود، والأخرى وهي إِرم.

قوله في قصة ثمود ﴿ هو أنشأكم ﴾ تقديم الضمير للحصر أي لم ينشئكم إلا هو، ومعنى الإنشاء من الأرض أن الكل مخلوق من صلب آدم وهو مخلوق من الأرض.

ويمكن أن يقال: إن الإنسان مخلوق من المني وهو يحصل من الغذاء والغذاء ينتهي إلى النبات ثم إلى الأرض.

وقيل: إن "من" بمعنى "في".

﴿ واستعمركم ﴾ من العمارة أي جعلكم عماراً للأرض، وأمركم بالعمارة.

فمنها واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار فعمروا الأعمار الطوال مع ما كان منهم من الظلم.

فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي وقيل: من العمر نحو استبقاكم من البقاء.

وقيل: من العمرى.

ومعناه أعمركم الله فيها دياركم ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم.

أو جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنه أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لوارثه.

ومعنى كونه  قريباً قد مر في قوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  ﴾ وذلك في "البقرة" ﴿ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً ﴾ عن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا.

وقيل: كنا نظن بك الرشد والصلاح وكمال العقل وإصابة الرأي.

وقيل: كنت تعطف على فقيرنا وتعيد ضعيفنا وتعود مرضانا فظننا أنك من الأنصار والأحباب وأهل الموافقة في الدين، فكيف أظهرت العداوة والبغضاء؟

ثم أضافوا إلى هذا الكلام التمسك بالتقليد ومتابعة الآباء، ثم صرحوا بالتوقف والريب في أمره.

ومريب من أرابه إذا أوقعه في الريبة، أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة وهو من الإِسناد المجازي واعلم أن قوله ﴿ وإنا لفي شك ﴾ بنون الوقاية ههنا على الأصل، وأما في سورة إبراهيم فإنما قال: ﴿ وإنا ﴾ بغير نون الوقاية لقوله بعده: ﴿ تدعوننا  ﴾ على الجمع فكان اجتماع النونات مستكرهاً.

فأجابهم هو بقوله: ﴿ إن كنت على بينة ﴾ الآية.

وبنى أمره على الفرض والتقدير لأن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول كأنه قال: قدروا أني على بينة ﴿ من ربي ﴾ وأني نبي على الحقيقة فمن يمنعني من عذاب الله ﴿ إن عصيته ﴾ في أوامره ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ أي على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تحملونني عليه إلا أني أنسبكم إلى الخسران وأقول إنكم خاسرون.

والمعنى الأول أقرب لأنه كالدلالة على أن متابعتهم لا تزيده إلا خسران الدارين.

﴿ ويا قوم هذه ناقة الله ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف".

ومعنى ﴿ عذاب قريب ﴾ عاجل لا يستأخر إلا ثلاثة أيام و ﴿ غير مكذوب ﴾ من باب الاتساع أي غير مكذوب فيه فحذف الحرف.

وأجرى الضمير مجرى المفعول به أو من باب المجاز كأن الوعد إذا أوفى به فقد صدق ولم يكذب أو المكذوب مصدر كالمجلود وصف به.

قوله: ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بالفاء.

وفي قصة هود بالواو ولمكان التعقيب ههنا بدليل قوله: ﴿ عذاب قريب ﴾ ومثله في قصة لوط لقوله: ﴿ أليس الصبح بقريب  ﴾ وأما في قصة هود فإنه قال: ﴿ ويستخلف ﴾ بلفظ المستقبل ومثله في قصة شعيب ﴿ سوف تعلمون من يأتيه ﴾ بحرف التسويف فلم يكن الفاء مناسباً.

واعتبر هذا المعنى في سائر المواضع كما في سورة يوسف قال: ﴿ ولما جهزهم  ﴾ بالواو أوّلاً لأن التعقيب لم يكن مراداً ثم قال: ﴿ فلما جهزهم  ﴾ لمكان التعقيب والله أعلم.

قوله: ﴿ ومن خزي يومئذٍ ﴾ معطوف على محذوف والتقدير نجينا صالحاً ومن معه من العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم، أو يتعلق بمعطوف محذوف أي ونجيناهم من خزي يومئذ كما قال: ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ والمعنيان كما قلنا هناك.

والقراءتان في ﴿ يومئذٍ ﴾ لأن الظرف المضاف إلى "إذ" يجوز بناؤه على الفتح، والتنوين في "إذ" عوض من المضاف إليه أعني الجملة، والتقدير يوم إذ كان كذا وكسر الذال للساكنين ﴿ إن ربك هو القوي العزيز ﴾ القادر الغالب فمن قدرته ميز المؤمن من الكافر، ومن عزته وقهره أهلك الكفار بالصيحة التي سمعوها من جانب السماء إما بواسطة جبرائيل وإما لإحداثها في سحاب مع برق شديد محرق.

وإنما تصير الصيحة سبباً للهلاك لأن التموج الشديد في الهواء يوجب تأذي صماخ الإنسان، وقد يتمزق غشاء الدماغ بذلك، والأعراض النفسانية أيضاً إذا قويت أوجبت الموت وتمام القصة مذكور في سورة الأعراف، وقوله: ﴿ ألا إن ثمود ﴾ إلى آخره.

شبيه بما مر في قصة هود، والتأويل كما مر في سورة الأعراف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ﴾ : هو ما ذكرنا، أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً.

وقوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ : قد ذكرنا أيضاً أن الأخوة تتجه إلى وجوه ثلاثة: أخوة في الدين، وأخوة في الجنس، وأخوة في النسب [فهو لا يحتمل أن يكون أخاهم في الدين، لكنه يحتمل أن يكون أخاهم من الوجهين الآخرين في الجنس والنسب].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ : إن الرسل صلوات الله عليهم جميعاً أول ما دعوا قومهم إنما دعوا إلى توحيد الله وجعل العبادة له؛ لأن غيره من العبادات إنما يقوم بالتوحيد، فكان أول ما دعاهم قومهم إليه لم يزل عادة الرسل وعملهم الدعاء إلى توحيد الله والعبادة له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ : وقال بعض أهل التأويل: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: هو خلقكم من آدم وخلق آدم من الأرض، لكنه أضاف خلق الخلائق إليها؛ كما أضاف في قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...

﴾ الآية [الأعراف: 189]، أخبر أنه خلقنا من نفسه، أي: آدم، وإن لم تكن أنفسنا منه؛ فعلى ذلك إضافته إيانا بالخلق من الأرض، وإن لم يخلق أنفسنا منها، أي: خلق أصلنا وأنشأه من الأرض، فأضاف إنشاءنا إلى ما أنشأ أصلنا.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ أي: جعل نشأة الخلائق كلهم ونماءهم وحياتهم ومعاشهم بالخارج من الأرض؛ إذ به نشوءهم ونماؤهم وحياتهم وقوامهم منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ : قال بعضهم: [أسكنكم فيها، وقال بعضهم: استخلفكم فيها.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: جعلكم عمار الأرض تعمرونها لمعادكم ومعاشكم، جعل عمارة هذه الأرض إلى الخلق هم الذين يقومون بعمارتها وبنائها وأنواع الانتفاع بها، ويرجع كله إلى واحد.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ ﴾ ] أي: جعل عمركم طويلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : هذا قد ذكرنا فيما تقدم في قصة نوح، أي: كونوا بحال يغفر لكم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ كأنه قال: فإن انتهوا عن الكفر يغفر لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ﴾ : لحفظ الخلائق أو قريب لمن أنعم عليهم وأمثاله، أو قريب إلى كل من يفزغ إليه، مجيب لدعاء كل داع استجاب له؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي...

﴾ الآية [البقرة: 186]؛ وكقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ...

﴾ الآية [البقرة: 40].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ : قال بعضهم: قولهم: ﴿ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ كنت ترحم الضعفاء وتعود المرضي ونحو ذلك من الكلام، فالساعة صرت على خلاف ذلك.

وقال بعضهم: ﴿ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ كنا نرجو أن ترجع إلى ديننا قبل هذا الذي تدعونا إليه، فالساعة صرت تشتم آلهتنا وتذكرها بعيب، أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا، أي: ما كنا نعرف أن آباءنا عندك سفهاء من قبل هذا، فالساعة تسفه أحلامهم في عبادتهم الأصنام.

﴿ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ \[قالوا هذا؛ احتجاجاً لهم عليه فيما دعاهم إلى توحيد الله وعبادتهم إياه، فقالوا: إنا على يقين أن آباءنا قد عبدوا هذه الآلهة من غير شك فما تدعونا إليه مريب\] أي: يريبنا أمرك ودعاؤك لنا إلى هذا الدين.

قد قيل هذا، ولكنا لا نعلم ما كانوا يرجون فيه، وأما المعنى الذي قالوا له قد كنت فينا مرجوا سوى أنا نعلم أنه كان مرجوا فيهم بالعقل والدين والعلم والبصيرة ونحوه، فكان مرجوا فيهم بالأشياء التي ذكرنا.

هذا نعلمه ولا نعلم ما عنى أولئك بقولهم: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي ﴾ أي: إن كنت على حجة وبرهان وبيان من ربي فيما أدعوكم إلى توحيد الله وصرف العبادة إليه.

والثاني: قوله: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي ﴾ أي: قد كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة يحتمل قوله: رحمة أي: آتاني هدى ونبوة من عنده.

﴿ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: من يمنعني من عذاب الله إن عصيته ورجعت إلى دينكم، أي: لا أحد ينصرني إن أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه، أي: لا أحد ينصرني دون الله لو أجبتكم وأطعتكم فيما دعوتموني إليه.

ثم الذي دعوه إليه يحتمل ترك تبليغ الرسالة إليهم، أو دعوه إلى عبادة الأصنام التي عبدوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: فما تزيدونني بمجادلتكم إياي فيما تجادلونني إلا خسراناً.

وقال بعضهم: فما تزدادون بمعصيتكم إياي إلا خسراناً لأنفسكم.

وقال القتبي: غير تخسير، أي: غير نقصان.

وقال أبو عوسجة: غير تخسير هو من الخسران، يقال: خسرته أي: ألزمته الخسران.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ : قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية على صدق صالح فيما ادعى من الرسالة، أو هذه ناقة الله لكم [فذروها تأكل في أرض الله، قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية]، أي: لكم آية التي سألتموها من الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ ﴾ : أضاف إليه لخصوصية كانت فيها نحن لا نعرف ذلك، ليست تلك الخصوصية في غيرها من النوق؛ لما جعلها آية لرسالته ونبوته خارجة عما عاينوا من النوق وشاهدوها، وهكذا كانت آيات الرسل كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلم أنها سماوية.

ثم لا نعرف أية خصوصية كانت لها عظم جسمها وغلظ بدنها، حيث قسم الشرب بينهم وبينها حتى جعل يوما لها ويوماً لهم بقوله: ﴿ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ  ﴾ ، ولم يقسم مراعيها بينها وبينهم بقوله: ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ ، وأما ما قاله بعض الناس: إنها خرجت من صخرة كذا، وأنها كانت تحلب كل يوم كذا وأشياء أخر ذكروها، فإنا لا نعرف ذلك ولا نقطع القول فيه أنه كان كذلك، سوى أنا نعرف أن لها كانت خصوصية ليست تلك الخصوصية لغيرها من النوق، ولو كانت لنا إلى تلك الخصوصية حاجة لبينتها لنا، وأصله ما ذكرنا أنه إذا أضيف جزئية الأشياء إلى الله  فهو على تعظيم تلك الجزئيات المضافة إليه، وإذا أضيف إليه كلية الأشياء فهو على إرادة التعظيم لله والتبجيل له؛ نحو قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ نهاهم أن يمسوها بسوء، ولم يبين ما ذلك السوء، فيحتمل أن يكون ذلك شيء عرفوا هم ونهاهم عن ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ أي: لا تعقروها فيأخذكم عذاب قريب، لما كان ذلك على أثر عقرهم الناقة بثلاثة أيام حيث قال: ﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ ، وما ذكر أيضاً أن وجوههم اصفرت في اليوم الأول، ثم احمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثالث، ثم نزل بهم العذاب في اليوم الرابع، فذلك أيضاً مما لا نعرفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ قيل: سريعاً لا تمهلون حتى تعذبوا.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ وَعْدٌ ﴾ من الله ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ : ليس فيه كذب، وكان عذابهم إنما نزل على أثر سؤال الآية، سألوا ذلك فلما أن جاءهم بها كذبوها، فنزل بهم العذاب، وهكذا السنة في الأمم السالفة أنهم إذا سألوا الآية فجاءتهم فلم يؤمنوا بها نزل بهم العذاب، وهو قوله: ﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا...

﴾ الآية [الإسراء: 59]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أي: جاء ما أمر به كما يقال: جاء وعد ربنا، أي: جاء موعود ربنا؛ لأن وعده وأمره لا يجيء، ولكن جاء ما أمر به ووعد به وهو العذاب، أو نقول: جاء أي أتى وقت وقوع ما أمر به ووعد، وهو العذاب الذي وعد وأمر به، والله أعلم.

﴿ نَجَّيْنَا صَالِحاً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ : بنعمة منا أو بفضل منا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قيل: الخزي هو العذاب الذي يفضحهم، وقيل: كل عذاب فهو خزي، أي: نجاهم من خزي ذلك اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ ﴾ قيل: القوي: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز هو الذي يذل من دونه، وقيل: القوي هو المنتقم المنتصر لأوليائه من أعدائه، والعزيز: هو المنيع في ملكه وسلطانه الذي لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ ﴾ : قيل: عذابهم كان صيحة صاح بهم جبريل، وقيل: الصيحة الصاعقة وكل عذاب فهو صيحة، لكن لا ندري كيف كان، أو أن يكون عذابهم قدر صيحة لسرعة وقوعه بهم، أو يسمى ذلك العذاب صيحة لما رأوه ما يصيحون فيما بينهم أو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ : قال هاهنا: ديارهم، وقال في سورة الأعراف: دارهم، والقصة واحدة.

قال بعضهم: دارهم قراهم، وديارهم منازلهم، ولكن هو واحد أصبحوا جاثمين في دارهم ومنازلهم سواءٌ.

وقوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ قيل: خامدين موتى وأصل قوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ أي: منكبين على وجوههم، يقال: جثم الطائر إذا انكب على وجهه مخافة الصيد، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ﴾ قيل: كأن لم يعيشوا فيها، وقيل: كأن لم يسكنوا فيها، وقيل: كأن لم يعمروا فيها، وأصله أنهم صاروا كأن لم يكونوا فيها لما لا يذكرون بعد هلاكهم، فصاروا من حيث لا يذكرون كأن لم يكونوا، وأما الأخيار والأبرار فإنهم وإن ماتت أبدانهم وصارت كأن لم تكن ففي الذكر كأنهم أحياء حيث يذكرون بعد موتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ ﴾ قيل: كفروا نعمة ربهم، أو كفروا بآيات ربهم، فذلك كله كفر بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ ﴾ \[أي: ألا بعداً لثمود\] من رحمة الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال صالح ردًّا على قومه: يا قوم، أخبروني إن كنت على حجة واضحة من ربي، وأعطاني منه رحمة وهي النبوة، فمن يمنعني من عقابه إن أنا عصيته بترك تبليغ ما أمرني بتبليغه إليكم؟

فما تزيدونني غير تضليل وبعد عن مرضاته.

<div class="verse-tafsir" id="91.aZABw"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله