الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٨٣ من سورة هود
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 107 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٣ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( مسومة ) أي معلمة مختومة ، عليها أسماء أصحابها ، كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه .
وقال قتادة وعكرمة : ( مسومة ) [ أي ] مطوقة ، بها نضح من حمرة .
وذكروا أنها نزلت على أهل البلد ، وعلى المتفرقين في القرى مما حولها ، فبينا أحدهم يكون عند الناس يتحدث ، إذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين الناس ، فدمره ، فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد ، حتى أهلكتهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد .
وقال مجاهد : أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم ، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم ، ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم أكفأهم [ وقال ] وكان حملهم على خوافي جناحه الأيمن .
قال : ولما قلبها كان أول ما سقط منها شذانها .
وقال قتادة : بلغنا أن جبريل أخذ بعروة القرية الوسطى ، ثم ألوى بها إلى جو السماء ، حتى سمع أهل السماء ضواغي كلابهم ، ثم دمر بعضها على بعض ، ثم أتبع شذاذ القوم سخرا - قال : وذكر لنا أنهم كانوا أربع قرى ، في كل قرية مائة ألف - وفي رواية : [ كانوا ] ثلاث قرى ، الكبرى منها سدوم .
قال : وبلغنا أن إبراهيم - عليه السلام - كان يشرف على سدوم ، ويقول : سدوم ، يوم ، ما لك ؟
.
وفي رواية عن قتادة وغيره : بلغنا أن جبريل عليه السلام ، لما أصبح نشر جناحه ، فانتسف به أرضهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها ، وجميع ما فيها ، فضمها في جناحه ، فحواها وطواها في جوف جناحه ، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا ، حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب ، وكانوا أربعة آلاف ألف ، ثم قلبها ، فأرسلها إلى الأرض منكوسة ، ودمدم بعضها على بعض ، فجعل عاليها سافلها ، ثم أتبعها حجارة من سجيل .
وقال محمد بن كعب القرظي : كانت قرى قوم لوط خمس قريات : " سدوم " ، وهي العظمى ، و " صعبة " و " صعوة " و " عثرة " و " دوما " ، احتملها جبريل بجناحه ، ثم صعد بها ، حتى إن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها ، وأصوات دجاجها ، ثم كفأها على وجهها ، ثم أتبعها الله بالحجارة ، يقول الله تعالى : ( جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ) فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات .
وقال السدي : لما أصبح قوم لوط ، نزل جبريل فاقتلع الأرض من سبع أرضين ، فحملها حتى بلغ بها السماء ، حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم ، وأصوات ديوكهم ، ثم قلبها فقتلهم ، فذلك قوله ( والمؤتفكة أهوى ) [ النجم : 53 ] ، ومن لم يمت حين سقط للأرض ، أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة ، ومن كان منهم شاذا في الأرض يتبعهم في القرى ، فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله ، فذلك قوله عز وجل : ( وأمطرنا عليهم ) أي : في القرى حجارة من سجيل .
هكذا قال السدي .
وقوله : ( وما هي من الظالمين ببعيد ) أي : وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ، ببعيد عنه .
وقد ورد في الحديث المروي في السنن عن ابن عباس مرفوعا " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ، فاقتلوا الفاعل والمفعول به " .
وذهب الإمام الشافعي في قول عنه وجماعة من العلماء إلى أن اللائط يقتل ، سواء كان محصنا أو غير محصن ، عملا بهذا الحديث .
وذهب الإمام أبو حنيفة [ رحمه الله إلى ] أنه يلقى من شاهق ، ويتبع بالحجارة ، كما فعل الله بقوم لوط ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله المفسرون، وهو أنها حجارة من طين، وبذلك وصفها الله في كتابه في موضع، وذلك قوله: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ [سورة الذاريات: 33، 34] * * * وقد روي عن سعيد بن جبير أنه كان يقول: هي فارسية ونبطية.
18435- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: فارسية ونبطية " سج " ، " إيل ".
* * * فذهب سعيد بن جبير في ذلك إلى أن اسم الطين بالفارسية " جل " لا " إيل "، وأن ذلك لو كان بالفارسية لكان " سِجْل " لا " سجيل "، لأن الحجر بالفارسية يدعى " سج " والطين " جل "، فلا وجه لكون الياء فيها وهي فارسية.
* * * قال أبو جعفر : وقد بينا الصواب من القول عندنا في أوّل الكتاب ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(7) * * * وقد ذكر عن الحسن البصري أنه قال: كان أصل الحجارة طينًا فشُدِّدت.
* * * وأما قوله: مَنْضُودٍ ، فإن قتادة وعكرمة يقولان فيه ما:- 18436- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: مَنْضُودٍ يقول: مصفوفة.
18437- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة مَنْضُودٍ يقول: مصفوفة.
* * * وقال الربيع بن أنس فيه ما:- 18438- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله مَنْضُودٍ ، قال: نضد بعضه على بعض.
18439- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر الهذلي بن عبد الله: أما قوله: مَنْضُودٍ ، فإنها في السماء منضودة: معدَّة، وهي من عُدَّة الله التي أعَدَّ للظلمة.
* * * وقال بعضهم: مَنْضُودٍ ، يتبع بعضه بعضًا عليهم.
قال: فذلك نَضَدُه.
* * * قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك ما قاله الربيع بن أنس، وذلك أن قوله: مَنْضُودٍ من نعت سِجِّيلٍ ، لا من نعت " الحجارة "، وإنما أمطر القوم حجارة من طين، صفة ذلك الطين أنه نُضِد بعضه إلى بعض، فصُيِّر حجارة، ولم يُمْطَرُوا الطين ، فيكونَ موصوفًا بأنه تتابع على القوم بمجيئه.
قال أبو جعفر: وإنما كان جائزًا أن يكون على ما تأوّله هذا المتأوّل لو كان التنـزيل بالنصب " منضودةً"، فيكون من نعت " الحجارة " حينئذ.
* * * وأما قوله: (مسوَّمة عند ربك) ، فإنه يقول: معلمة عند الله، أعلمها الله، (8) و " المسوّمة " من نعت " الحجارة "، ولذلك نصبت على النعت.
(9) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك : 18440- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (مسوّمة) ، قال: معلمة.
18441- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
18442-.
.
.
.
قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، مثله.
18443- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله ، قال ابن جريج: (مسوّمة ) ، لا تشاكل حجارة الأرض.
18444- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: (مسومة) قالا مطوَّقة بها نَضْحٌ من حمرة.
(10) 18445- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (مسومة) عليها سيما معلومة .
حدّث بعضُ من رآها ، أنها حجارة مطوَّقة عليها ، أو بها نضحٌ من حمرة ، ليست كحجارتكم.
18446- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: (مسوّمة) ، قال: عليها سيما خطوط.
18447- حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط، عن السدي: (مسومة) قال: " المسومة "، المختَّمة.
* * * وأما قوله: (وما هي من الظالمين ببعيد) ، فإنه يقول تعالى ذكره متهددًا مشركي قريش: وما هذه الحجارة التي أمطرتها على قوم لوط ، من مشركي قومك ، يا محمد ، ببعيد أن يمطروها ، إن لم يتوبوا من شركهم.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك : 18448- حدثنا محمد بن المثني قال ، حدثنا أبو عتاب الدلال سهل بن حماد قال ، حدثنا شعبة قال ، حدثنا أبان بن تغلب، عن مجاهد، في قوله: (وما هي من الظالمين ببعيد) ، قال: أن يصيبهم ما أصاب القوم.
(11) 18449- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وما هي من الظالمين ببعيد) ، قال: يُرْهِب بها من يشاء.
18450- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
18451-.
.
.
.
قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
18452- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
18453- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وما هي من الظالمين ببعيد)، يقول: ما أجار الله منها ظالمًا بعد قوم لوط.
18454- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: (وما هي من الظالمين ببعيد)، يقول: لم يترك منها ظالمًا بعدهم.
(12) 18455- حدثنا علي بن سهل قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب ، عن قتادة في قوله: (وما هي من الظالمين ببعيد) ، قال: يعني ظالمي هذه الأمة .
قال: والله ما أجارَ منها ظالمًا بعدُ!
18456- حدثنا موسى بن هارون قال ، حدثنا حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدي: (وما هي من الظالمين ببعيد) ، يقول: من ظَلَمة العرب ، إن لم يتوبوا فيعذّبوا بها.
18457- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر الهذلي بن عبد الله قال : يقول: (وما هي من الظالمين ببعيد) ، من ظلمة أمتك ببعيد، فلا يأمنها منهم ظالم .
* * * وكان قلب الملائكة عَالي أرض سدوم سافلها، كما:- 18458- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح قال ، حدثنا الأعمش، عن مجاهد قال: أخذ جبريل عليه السلام قوم لوط من سَرْحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم أكفأهم.
(13) 18459- حدثنا به أبو كريب مرة أخرى عن مجاهد قال: أدخل جبريل جناحه تحت الأرض السفلى من قوم لوط، ثم أخذهم بالجناح الأيمن، فأخذهم من سرحهم ومواشيهم ، ثم رفعها (14) 18460- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، كان يقول: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ، قال: لما أصبحوا غدا جبريل على قريتهم، ففتقها من أركانها، ثم أدخل جناحه، ثم حملها على خَوافي جناحه.
(15) 18461-.
.
.
.
قال، حدثنا شبل قال ، فحدثني هذا ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر ، قال: ولم يسمعه ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال، فحملها على خوافي جناحه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ، ثم قلبها.
فكان أوّل ما سقط منها شِرَافها.
(16) فذلك قول الله: جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ، قال مجاهد: فلم يصب قومًا ما أصابهم ، إن الله طمس على أعينهم، ثم قلب قريتهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل.
(17) 18462- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال، بلغنا أن جبريل عليه السلام أخذَ بعُرْوة القرية الوُسْطى، ثم ألوَى بها إلى السماء، (18) حتى سمع أهل السماء ضَواغِي كلابهم، (19) ثم دمَّر بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها ، ثم أتبعهم الحجارة ، قال قتادة: وبلغنا أنهم كانوا أربعة آلاف ألف.
(20) 18463- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن جبريل عليه السلام أخذ بعروتها الوسطى، ثم ألوى بها إلى جَوّ السماء حتى سمعت الملائكة ضَواغي كلابهم، ثم دمر بعضها على بعض ثم اتبع شُذَّان القوم صخرًا .
(21) قال: وهي ثلاث قرًى يقال لها " سدوم "، وهي بين المدينة والشأم.
قال: وذكر لنا أنه كان فيها أربعة آلاف ألف.
وذكر لنا أن إبراهيم عليه السلام كان يشرف [ثم] يقول (22) سدوم ، يومٌ مَا لكِ!
(23) 18464- حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط، عن السدي قال، لما أصبحوا ، يعني قوم لوط ، نـزل جبريل، فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ السماء الدنيا ، [حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ، وأصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم] ، (24) فذلك حين يقول: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [سورة النجم: 53] ، المنقلبة حين أهوى بها جبريل الأرض فاقتلعها بجناحه، فمن لم يمت حين أسقط الأرض أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذًّا في الأرض .
وهو قول الله: جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ، ثم تتبعهم في القرى، فكان الرجل [يتحدث] ، فيأتيه الحجر فيقتله، (25) وذلك قول الله تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ .
(26) 18465- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر ، وأبو سفيان، عن معمر ، ، عن قتادة قال، بلغنا أن جبريل عليه السلام لما أصبح نشرَ جناحه، فانتسف به أرضهم بما فيها من قُصورها ودوابها وحجارتها وشجرها ، وجميع ما فيها، فضمها في جناحه، فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا، حتى سمع سُكان السماء أصواتَ الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ألف، ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منكوسةً، دمْدَمَ بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل 18466- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " بعث الله جبريل عليه السلام إلى المؤتفكة قرية لوط عليه السلام التي كان لوط فيهم، فاحتملها بجناحه، ثم صعد بها حتى إن أهل السماء الدنيا ليسمعون نُباح كلابها وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله: جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ، فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات، وكنّ خمس قريات، " صنعة " و " صعوة " " وعثرة "، و " دوما " و " سدوم " ، وسدوم هي القرية العظمى ، ونجى الله لوطًا ومن معه من أهله، إلا امرأته كانت فيمن هلك.
---------------------- الهوامش : (7) انظر ما سلف 1 : 13 - 20 .
(8) انظر تفسير " المسومة " فيما سلف 6 : 251 - 257 / 7 : 184 - 190 .
(9) في المطبوعة : " نصبت ونعت بها " ، وفي المخطوطة : " نصبت وانعت " ، وكأن الصواب ما أثبت .
(10) في المخطوطة : " يصح من حمرة " ، والصواب ما في المخطوطة .
و"النضح " ، ما بقي له أثر ، يقال : " على ثوبه نضح دم " ، وهو اليسير منه ، الباقي أثره .
(11) الأثر : 18448 - " سهل بن حماد " ، " أبو عتاب الدلال " ، ثقة لا بأس به .
مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 103 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 196 .
(12) في المطبوعة : " لم يبرأ منها ظالم " ، وفي المخطوطة : " يبرا منها ظالما " ، ورأيت قراءتها كما أثبتها .
(13) الأثر : 18458 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 157 .
(14) الأثر : 18459- رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 157 .
(15) الأثر : 18460 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 157 .
(16) في المطبوعة : " شرفها " ، وفي المخطوطة والتاريخ " شرافها " ، كأنه على جمع " شريف " ، نحو " صغير " و " صغار " و " كبير " و " كبار " ، وكأن صوابهما " أشرافها " ، لأن " شراف " ، لم يذكر في جموع " شريف " ، ولكني أخشى أن تكون هي " شذانها " كما سيأتي في رقم : 18463 ، تعليق رقم : 6 .
(17) الأثر : 18461 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 157 ، مختصرًا ، أسقط منه قول مجاهد الآخر .
(18) يقال : " ألوت به العقاب " ، أي أخذته وطارت به .
(19) " ضواغي الكلاب " ، جمع " ضاغية " ، أي التي لها " ضغاء " ، وهو صوت الذليل المقهور إذا استغاث .
(20) الأثر : 18462 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 157 .
(21) " الشذان " جمع " شاذ " ، وهو الذي خرج من الجماعة ، فشذ عنهم .
(22) الزيادة من تاريخ الطبري .
وفي التاريخ : " سدوم يوم هالك " ، وأخشى أن الصواب هو ما في التفسير ، وأن ذاك خطأ .
(23) الأثر : 18463 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 157 .
(24) ما بين القوسين زيادة لا بد منها من سياق الكلام ، نقلتها من نص الخبر في تاريخ الطبري .
(25) في المطبوعة والمخطوطة : " فكان الرجل يأتيه " ، وأثبت النص من التاريخ .
(26) الأثر : 18464 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 157 ، 158 .
" مسومة " أي معلمة ، من السيما وهي العلامة ; أي كان عليها أمثال الخواتيم .
وقيل : مكتوب على كل حجر اسم من رمي به ، وكانت لا تشاكل حجارة الأرض .
وقال الفراء : زعموا أنها كانت مخططة بحمرة وسواد في بياض ، فذلك تسويمها .
وقال كعب : كانت معلمة ببياض وحمرة ، وقال الشاعر :غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيمياء لا تشق على البصرو " مسومة " من نعت حجارة .
و " منضود " من نعت سجيل .وفي قوله : " عند ربك " دليل على أنها ليست من حجارة الأرض ; قاله الحسن .وما هي من الظالمين ببعيد يعني قوم لوط ; أي لم تكن تخطئهم .
وقال مجاهد : يرهب قريشا ; المعنى : ما الحجارة من ظالمي قومك يا محمد ببعيد .
وقال قتادة وعكرمة : يعني ظالمي هذه الأمة ; والله ما أجار الله منها ظالما بعد .
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال ونساؤهم بالنساء فإذا كان ذلك فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجيل ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما هي من الظالمين ببعيد .
وفي رواية عنه - عليه السلام - لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحل هذه الأمة أدبار الرجال كما استحلوا أدبار النساء فتصيب طوائف من هذه الأمة حجارة من ربك .
وقيل : المعنى ما هذه القرى من الظالمين ببعيد ; وهي بين الشام والمدينة .
وجاء " ببعيد " مذكرا على معنى بمكان بعيد .
وفي الحجارة التي أمطرت قولان : أحدهما أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل .
الثاني : أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجا عنها .
{ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ } أي: معلمة، عليها علامة العذاب والغضب، { وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ } الذين يشابهون لفعل قوم لوط { بِبَعِيدٍ } فليحذر العباد، أن يفعلوا كفعلهم، لئلا يصيبهم ما أصابهم.
( مسومة ) من نعت الحجارة ، وهي نصب على الحال ، ومعناها معلمة : قال ابن جريج : عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض .
وقال قتادة وعكرمة : عليها خطوط حمر على هيئة الجزع .
وقال الحسن والسدي : كانت مختومة عليها أمثال الخواتيم .
وقيل : مكتوب على كل حجر اسم من رمي به .
( عند ربك وما هي ) يعني : تلك الحجارة ، ( من الظالمين ) أي : من مشركي مكة ، ( ببعيد ) وقال قتادة وعكرمة : يعني ظالمي هذه الأمة ، والله ما أجار الله منها ظالما بعد .
وفي بعض الآثار : " ما من ظالم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة " .
وروي : أن الحجر اتبع شذاذهم ومسافريهم أين كانوا في البلاد ، ودخل رجل منهم الحرم فكان الحجر معلقا في السماء أربعين يوما حتى خرج فأصابه فأهلكه .
«مُسوَّمة» معلمة عليها اسم من يرمى بها «عند ربك» ظرف لها «وما هي» الحجارة أو بلادهم «من الظالمين» أي أهل مكة «ببعيد».
فلما جاء أمرنا بنزول العذاب بهم جعلنا عالي قريتهم التي كانوا يعيشون فيها سافلها فقلبناها، وأمطرنا عليهم حجارة من طين متصلِّب متين، قد صُفَّ بعضها إلى بعض متتابعة، معلَّمة عند الله بعلامة معروفة لا تشاكِل حجارة الأرض، وما هذه الحجارة التي أمطرها الله على قوم لوط من كفار قريش ببعيد أن يُمْطَروا بمثلها.
وفي هذا تهديد لكل عاص متمرِّد على الله.
( مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ) أى : معلمة بعلامات من عند ربك لا يعلمها إلا هو ، ومعدة إعداداً خاصاً لإِهلاك هؤلاء القوم .( وَمَا هِيَ ) أى تلك القرى المهلكة ( مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ ) وهم مشركو مكة ( بِبَعِيدٍ ) أى : ببعيدة عنهم ، بل هى قريبة منهم ، ويمرون عليها فى أسفارهم إلى الشام .قال - تعالى - ( وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ .
وبالليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) أى : وإنكم يا أهل مكة لتمرون على هؤلاء القوم المهلكين من قوم لوط فى وقت الصباح أى النهار ، وتمرون عليهم بالليل أفلا تعقلون ذلك فتعتبروا وتتعظوا؟؟ويجوز أن يكون الضمير فى قوله ( وَمَا هِيَ ) يعود إلى الحجارة التى أهلك الله بها هؤلاء القوم .أى : وما هى تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر من الظالمين ببعيد ، بل هى حاضرة مهيئة بقدرة الله - تعالى - لإِهلاك الظالمين بها .والمراد بالظالمين ما يشمل قوم لوط ، ويشمل كل من عصى الله وتجاوز حدوده ، ولم يتبع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - .وهكذا كانت نهاية قوم لوط ، فقد انطوت صفحتهم كما انطوت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح - عليهم الصلاة والسلام - .هذا ومن العبر والأحكام التى نأخذها من هذه الآيات الكريمة ، أنه لا بأس على المسلم من أن يستعين بغيره لنصرة الحق الذى يدعو إليه ، ولخذلان الباطل الذى ينهى عنه .فلوط - عليه السلام - عندما رأى من قومه الإِصرار على غوايتهم ومفاسدهم تمنى لو كانت معه قوة تزجرهم وتردعهم وتمنعهم عن فسادهم .وقد علق الإِمام ابن حزم على ما جاء فى الحديث الشريف بشأن لوط - عليه السلام - فقال ما ملخصه :وظن بعض الفرق أن ما جاء فى الحديث الصحيح من قوله - صلى الله عليه وسلم - " رحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد " إنما هو من باب الإِنكار على لوط - عليه السلام - فى قوله ( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) .والحق أنه لا تخالف بين القولين ، بل كلاهما حق ، لأن لوطاً - عليه السلام - إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش .
من قرابة أو عشيرة أو أتباع المؤمنين ، وما جهل قط لوط - عليه السلام - أنه يأوى من ربه - تعالى - إلى أمنع قوة ، وأشد ركن .ولا جناح على لوط - عليه السلام - فى طلب قوة من الناس - فقد قال الله - تعالى - ( وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ) وقد طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار نصرته حتى يبلغ كلام ربه ، فكيف ينكر على لوط أمراً هو فعله؟!!تالله ما أنكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما أخبر أن لوطا كان يأوى إلى ركن شديد ، يعنى من نصر الله له بالملائكة ، ولم يكن لوط علم بأنه ملائكة ..
.
في الآية مسائل: المسألة الأولى: في الأمر وجهان: الأول: أن المراد من هذا الأمر ما هو ضد النهي ويدل عليه وجوه: الأول: أن لفظ الأمر حقيقة في هذا المعنى مجاز في غيره دفعاً للاشتراك.
الثاني: أن الأمر لا يمكن حمله هاهنا على العذاب، وذلك لأنه تعالى قال: ﴿ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا ﴾ وهذا الجعل هو العذاب، فدلت هذه الآية على أن هذا الأمر شرط والعذاب جزاء، والشرط غير الجزاء، فهذا الأمر غير العذاب، وكل من قال بذلك قال إنه هو الأمر الذي هو ضد النهي.
والثالث: أنه تعالى قال: قبل هذه الآية ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ فدل هذا على أنهم كانوا مأمورين من عند الله تعالى بالذهاب إلى قوم لوط وبإيصال هذا العذاب إليهم.
إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى أمر جمعاً من الملائكة بأن يخربوا تلك المدائن في وقت معين، فلما جاء ذلك الوقت أقدموا على ذلك العمل، فكان قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا ﴾ إشارة إلى ذلك التكليف.
فإن قيل: لو كان الأمر كذلك، لوجب أن يقال: فلما جاء أمرنا جعلوا عاليها سافلها، لأن الفعل صدر عن ذلك المأمور.
قلنا: هذا لا يلزم على مذهبنا، لأن فعل العبد فعل الله تعالى عندنا.
وأيضاً أن الذي وقع منهم إنما وقع بأمر الله تعالى وبقدرته، فلم يبعد إضافته إلى الله عز وجل، لأن الفعل كما تحسن إضافته إلى المباشر، فقد تحسن أيضاً إضافته إلى السبب.
القول الثاني: أن يكون المراد من الأمر هاهنا قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وقد تقدم تفسير ذلك الأمر.
القول الثالث: أن يكون المراد من الأمر العذاب وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الإضمار، والمعنى: ولما جاء وقت عذابنا جعلنا عاليها سافلها.
المسألة الثانية: اعلم أن ذلك العذاب قد وصفه الله تعالى في هذه الآية بنوعين من الوصف فالأول: قوله: ﴿ جَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا ﴾ روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك، ولم تنكفئ لهم جرة ولم ينكب لهم إناء، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض.
واعلم أن هذا العمل كان معجزة قاهرة من وجهين: أحدهما: أن قلع الأرض وإصعادها إلى قريب من السماء فعل خارق للعادات.
والثاني: أن ضربها من ذلك البعد البعيد على الأرض بحيث لم تتحرك سائر القرى المحيطة بها ألبتة، ولم تصل الآفة إلى لوط عليه السلام وأهله مع قرب مكانهم من ذلك الموضع معجزة قاهرة أيضاً.
الثاني: قوله: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ ﴾ واختلفوا في السجيل على وجوه: الأول: أنه فارسي معرب وأصله سنككل وأنه شيء مركب من الحجر والطين بشرط أن يكون في غاية الصلابة، قال الأزهري: لماعربته العرب صار عربياً وقد عربت حروفاً كثيرة كالديباج والديوان والاستبرق.
والثاني: سجيل، أي مثل السجل وهو الدلو العظيم.
والثالث: سجيل، أي شديد من الحجارة.
الرابع: مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته وهو فعيل منه.
الخامس: من أسجلته، أي أعطيته تقديره مثل العطية في الإدرار، وقيل: كان كتب عليها أسامي المعذبين.
السادس: وهو من السجل وهو الكتاب تقديره من مكتوب في الأزل أي كتب الله أن يعذبهم بها، والسجيل أخذ من السجل وهو الدلو العظيمة لأنه يتضمن أحكاماً كثيرة، وقيل: مأخوذ من المساجلة وهي المفاخرة.
والسابع: من سجيل أي من جهنم أبدلت النون لاماً، والثامن: من السماء الدنيا، وتسمى سجيلاً عن أبي زيد، والتاسع: السجيل الطين، لقوله تعالى: ﴿ حِجَارَةً مّن طِينٍ ﴾ وهو قول عكرمة وقتادة.
قال الحسن كان أصل الحجر هو من الطين، إلا أنه صلب بمرور الزمان، والعاشر: سجيل موضع الحجارة، وهي جبال مخصوصة، ومنه قوله تعالى: ﴿ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ .
واعلم أنه تعالى وصف تلك الحجارة بصفات: فالصفة الأولى: كونها من سجيل، وقد سبق ذكره.
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ قال الواحدي: هو مفعول من النضد، وهو موضع الشيء بعضه على بعض، وفيه وجوه: الأول: أن تلك الحجارة كان بعضها فوق بعض في النزول فأتى به على سبيل المبالغة.
والثاني: أن كل حجر فإن ما فيه من الأجزاء منضود بعضها ببعض، وملتصق بعضها ببعض.
والثالث: أنه تعالى كان قد خلقها في معادنها ونضد بعضها فوق بعض، وأعدها لإهلاك الظلمة.
واعلم أن قوله: ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ صفة للسجيل.
الصفة الثالثة: مسومة، وهذه الصفة صفة للأحجار ومعناها المعلمة، وقد مضى الكلام فيه في تفسير قوله: ﴿ والخيل المسومة ﴾ واختلفوا في كيفية تلك العلامة على وجوه: الأول: قال الحسن والسدي: كان عليها أمثال الخواتيم.
الثاني: قال ابن صالح: رأيت منها عند أم هانئ حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع.
الثالث: قال ابن جريج: كان عليها سيما لا تشارك حجارة الأرض، وتدل على أنه تعالى إنما خلقها للعذاب.
الرابع: قال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من رمى به.
ثم قال تعالى: ﴿ عِندَ رَبّكَ ﴾ أي في خزائنه التي لا يتصرف فيها أحد إلا هو.
ثم قال: ﴿ وَمَا هِى مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ ﴾ يعني به كفار مكة، والمقصود أنه تعالى يرميهم بها.
عن أنس أنه قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن هذا فقال: يعني عن ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة.
وقيل: الضمير في قوله: ﴿ وَمَا هِىَ ﴾ للقرى.
أي وما تلك القرى التي وقعت فيها هذه الواقعة من كفار مكة ببعيد، وذلك لأن القرى كانت في الشأم، وهي قريب من مكة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ جَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا ﴾ جعل جبريل جناحه في أسفلها، ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السما نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم وأتبعوا الحجارة من فوقهم ﴿ مّن سِجّيلٍ ﴾ قيل هي كلمة معربة من سنككل، بدليل قوله: ﴿ حِجَارَةً ﴾ من طين وقيل: هي من أسجله؛ إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين.
ويدل عليه قوله: ﴿ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً ﴾ [الذاريات: 33] وقيل: مما كتب الله أن يعذب به من السجل، وسجل لفلان ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ نضد في السماء نضداً معدّاً للعذاب.
وقيل يرسل بعضه في أثر بعض متتابعاً ﴿ مُّسَوَّمَةً ﴾ معلمة للعذاب وعن الحسن كانت معلمة ببياض وحمرة وقيل عليها سيماً يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض.
وقيل: مكتوب على كل واحد اسم من يرمي به ﴿ وَمَا هِىَ ﴾ من كل ظالم ببعيد.
وفيه وعيد لأهل مكة.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه سأل جبريل عليه السلام؟
فقال: يعني ظالمي أمّتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة» .
وقيل الضمير للقرى، أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم ﴿ بِبَعِيدٍ ﴾ بشيء بعيد.
ويجوز أن يراد: وما هي بمكان بعيد؛ لأنها وإن كانت في السماء وهي مكان بعيد، إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى، فكأنها بمكان قريب منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا جاءَ أمْرُنا ﴾ عَذابُنا أوْ أمْرُنا بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ الأصْلُ وجُعِلَ التَّعْذِيبُ مُسَبَّبًا عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها ﴾ فَإنَّهُ جَوابٌ لِما وكانَ حَقُّهُ: جَعَلُوا عالِيَها سافِلَها أيِ المَلائِكَةُ المَأْمُورُونَ بِهِ، فَأُسْنِدَ إلى نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ المُسَبَّبُ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ فَإنَّهُ رُوِيَ: « (أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ مَدائِنِهِمْ ورَفَعَها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ)» .
﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْها ﴾ عَلى المُدُنِ أوْ عَلى شُذّاذِها.
﴿ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ حِجارَةً مِن طِينٍ ﴾ وأصْلُهُ سنك كل فَعُرِّبَ.
وَقِيلَ إنَّهُ مِن أسْجَلَهُ إذا أرْسَلَهُ أوْ أدَرَّ عَطِيَّتَهُ، والمَعْنى مِن مِثْلِ الشَّيْءِ المُرْسَلِ أوْ مِن مِثْلِ العَطِيَّةِ في الإدْرارِ، أوْ مِنَ السِّجِلِّ أيْ مِمّا كَتَبَ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِهِ وقِيلَ أصْلُهُ مِن سِجِّينٍ أيْ مِن جَهَنَّمَ فَأُبْدِلَتْ نُونُهُ لامًا.
﴿ مَنضُودٍ ﴾ نَضَدَ مُعَدًّا لِعَذابِهِمْ، أوْ نَضَدَ في الإرْسالِ بِتَتابُعِ بَعْضِهِ بَعْضًا كَقَطارِ الأمْطارِ، أوْ نَضَدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ وأُلْصَقَ بِهِ.
﴿ مُسَوَّمَةً ﴾ مُعَلَّمَةً لِلْعَذابِ.
وقِيلَ مُعَلَّمَةً بِبَياضٍ وحُمْرَةٍ.
أوْ بِسِيما تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ حِجارَةِ الأرْضِ، أوْ بِاسْمِ مَن يُرْمى بِها.
﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ في خَزائِنِهِ.
﴿ وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ فَإنَّهم بِظُلْمِهِمْ حَقِيقٌ بِأنْ تُمْطَرَ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنَّهُ سَألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يَعْنِي ظالِمِي أُمَّتِكَ ما مِن ظالِمٍ مِنهم إلّا وهو بِعَرْضِ حَجَرٍ يَسْقُطُ عَلَيْهِ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ» .
وَقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْقُرى أيْ هي قَرِيبَةٌ مِن ظالِمِي مَكَّةَ يَمُرُّونَ بِها في أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ، وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحَجَرِ أوِ المَكانِ.
<div class="verse-tafsir"
{مسومة} نعت لحجارة أي معلمة للعذاب قيل مكتوب على كل واحد
هود (٨٣ _ ٨٧)
اسم من يرمي به {عِندَ رَبّكَ} في خزائنه أو في حكمه {وَمَا هِى مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ} بشيء بعيد وفيه وعيد لأهل مكة فإن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض جحر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة أو الضمير للقرى أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم
﴿ مُسَوَّمَةً ﴾ أيْ عَلَيْها سِيما يُعْلَمُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: مُعَلَّمَةٌ بِبَياضٍ وحُمْرَةٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ بَعْضُها أسْوَدَ فِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضاءُ وبَعْضُها أبْيَضُ فِيهِ نُقْطَةٌ سَوْداءُ.
وعَنِ الرَّبِيعِ أنَّها كانَتْ مُعَلَّمَةً بِاسْمِ مَن يُرْمى بِها، وكانَ بَعْضُها كَما قِيلَ: مِثْلَ رُءُوسِ الإبِلِ وبَعْضُها مِثْلَ مَبارِكِها وبَعْضُها مِثْلَ قَبْضَةِ الرَّجُلِ ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ أيْ في خَزائِنِهِ الَّتِي لا يَمْلِكُها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ولا يَتَصَرَّفُ بِها سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، والظَّرْفُ قِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُسَوَّمَةٍ أوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةٍ لَهُ والمَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ المَعْنى أنَّها جاءَتْ مِن عِنْدِ رَبِّكَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ أنَّها مُعَدَّةٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ ألْزَمَ هَذا التَّسْوِيمَ لِلْحِجارَةِ عِنْدَهُ تَعالى إيذانًا بِقُدْرَتِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ فَلْيُفْهَمْ.
﴿ وما هِيَ ﴾ أيِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ بِما ذُكِرَ ﴿ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ مِن 4 كُلِّ ظالِمٍ بِبَعِيدٍ.
- فَإنَّهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها وفِيهِ وعِيدٌ لِأهْلِ الظُّلْمِ كافَّةً، ورُوِيَ هَذا عَنِ الرَّبِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ مِنَ الظّالِمِينَ ظالِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ، وجاءَ في خَبَرٍ ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وقالَ فِيهِ العِراقِيُّ: لَمْ أقِفْ لَهُ عَلى إسْنادٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: يَعْنِي ظالِمِي أُمَّتِكَ ما مِن ظالِمٍ مِنهم إلّا وهو بِعُرْضِ حَجَرٍ يَسْقُطُ عَلَيْهِ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى لَمْ تَكُنِ الحِجارَةُ لِتُخْطِئَهم.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى وما عُقُوبَتُهم مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَهم بِبَعِيدٍ، وظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْعُقُوبَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ و َ(الظّالِمِينَ) مَن يُشْبِهُهم مِنَ النّاسِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مُرادَهُ بَيانُ حاصِلِ المَعْنى لا مُرَجَّحُ الضَّمِيرِ.
وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (هِيَ) لِلْقُرى الَّتِي جُعِلَ عالِيها سافِلَها والمُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ ظالِمُو مَكَّةَ، وقَدْ كانَتْ قَرِيبَةً إلَيْهِمْ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ، وتَذْكِيرُ البَعِيدِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ، أوْ إجْرائِهِ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ أيْ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ أوْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ فَإنَّها وإنْ كانَتْ في السَّماءِ وهي في غايَةِ البُعْدِ في الأرْضِ إلّا أنَّها هَوَتْ مِنها فَهي أسْرَعُ شَيْءٍ لُحُوقًا بِهِمْ فَكَأنَّها بِمَكانٍ قَرِيبٍ مِنهُمْ، أوْ لِأنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ يقول: ساءه مجيئهم، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً يعني: صدره اغتماماً، ومخافة عليهم، لا يدري أيأمرهم بالرجوع أم بالنزول؟
وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ يعني: شديد.
ثم قال لامرأته: ويحك، قومي واخبزي ولا تعلمي أحداً.
وكانت امرأته كافرة منافقة، فانطلقت تطلب بعض حاجاتها، وجعلت لا تدخل على أحد إلا أعلمته، وتقول: إن عندنا قوماً من هيئتهم كذا وكذا.
فلما علموا بذلك، جاءوا إلى باب لوط ، فذلك قوله تعالى: وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ يعني: يسرعون إليه، وهو مشيء بين المشيتين، ويقال: يدفعون إليه دفعاً، ويقال يشتدون إليه شداً، وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني: من قبل أن يبعث إليهم لوط، ويقال: من قبل إتيان الرسل، كانوا يعملون الفواحش، وهي اللواطة والكفر، فلما أرادوا الدخول، قالَ لهم لوط: يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أي: أحل لكم من ذلك، وكان لوط يناظرهم، ويقول: هن أطهر لكم، وكان جبريل مع أحد عشر من الملائكة، وكسروا الباب، فضرب أعينهم.
قال الضحاك: هؤُلاءِ بَناتِي عرض عليهم بنات قومه.
وقال قتادة: أمرهم لوط أن يتزوجوا النساء، وقال: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ولم يعرض عليهم بناته.
وروى سفيان عن ليث، عن مجاهد، قال: لم يكنَّ بناته، ولكن كُنَّ من أمته، وكل نبي هو أب أمته.
وروي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: 6] وهو أب لهم، وهي قراءة أبي بن كعب.
وهكذا قال سعيد بن جبير: إنه أراد بنات أمته.
ويقال: إن رؤساءهم كانوا خطبوا بناته وكان يأبى، فقال لهم: إني أزوجكم بناتي، هنّ أطهر لكم من الحرام، وكان النكاح بين الكافر والمسلم جائزا.
ثم قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي يقول: لا تفضحوني في أضيافي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يعني: مرشداً صالحاً يزجركم عن هذا الأمر.
ويقال: رجل عاقل، ويقال: رجل على الحق يستحي مني.
قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ يعني: من حاجة، يقولون: ما لنا في النساء من حاجة وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ إنما نريد الأضياف ف قالَ لوط: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً يعني: منعة بالولد أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، أي: أرجع إلى عشيرة كبيرة، يعني: لو كانت لي عشيرة ومنعة لمنعتكم مما تريدون.
وروي عن رسول الله أنه قال: «رَحِمَ اللَّهُ أخي لُوطاً لَقَدْ أَوَى إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ» (١) قرأ ابن كثير، ونافع: فَأَسْرِ بجزم الألف، وقرأ الباقون: فَأَسْرِ بقطع الألف ومعناهما واحد، يقال: سريت وأسريت، إذا سرت بالليل.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو إِلَّا امْرَأَتَكَ بضم التاء، وقرأ الباقون بالنصب.
فمن قرأ بالنصب، انصرف إلى الإسراء، يعني: أسر بأهلك إلا امرأتَكَ، على معنى الاستثناء وفي قراءة ابن مسعود: فاسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتَكَ.
ومن قرأ بالضم، فهو ظاهر، يعني: أنها تتخلف مع الهالكين.
وقال لوط لجبريل : إن أبواب المدينة قد أُغلقت، فجمع لوط أهله وابنتيه ريثا وزعورا، فحمل جبريل لوطاً وابنتيه وماله على جناحه إلى مدينة زغر، وهي إحدى مدائن لوط، وهي خمس مدائن، وهي على أربعة فراسخ من سدوما، ولم يكونوا على مثل عملهم.
فقال له جبريل إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ يعني: وقت هلاكهم وقت الصبح.
فقال لوط: يا جبريل، الآن عجل هلاكهم.
فقال له جبريل: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فلما كان وقت الصبح، أدخل جبريل جناحه تحت أرض المدائن الأربعة، فاقتلعها من الماء الأسود، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديك.
ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، فأقبلت تهوي من السماء إلى الارض فذلك قوله: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً.
قال وهب بن منبه: لما رفعت إلى السماء، أمطر الله عليهم حجارة الكبريت والنار، ثم قلبت.
وقال مقاتل: أمطر على أهلها من كان خارجاً من المدائن الأربعة، حجارة مِنْ سِجِّيلٍ يعني: من طين مطبوخ، كما يطبخ الآجر، مَنْضُودٍ يعني: متتابعا بعضه على إثر بعض.
وقال مجاهد: سِجِّيلٍ بالفارسية: سنج وجك، كقوله: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ [الذاريات: 33] وروي عن ابن عباس، في بعض الروايات، قال: «سنك وكل» .
وقال أبو عبيدة: السجيل: الشديد، مَنْضُودٍ أي ملتزق بالحجارة.
مُسَوَّمَةً قال الفراء: مخططة بالحمرة والسواد.
وقال أبو عبيدة: مُسَوَّمَةً، أي: معلمة.
ويقال: مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يصيبه.
ويقال: مختمة.
وقال وكيع: رفع إلي حجر من تلك الحجارة المختمة بطرسوس.
ثم قال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ يعني: من قوم لوط ويقال: هذا تهديد لأهل مكة، وغيرهم من المشركين.
فقال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ لكيلا يعملوا مثل عملهم.
ويقال: ما هن من الظالمين ببعيد.
قريات لوط ليست ببعيدة من أهل مكة، فأمرهم بأن يعتبروا بها.
وقال الزجاج: سِجِّيلٍ، يعني: ما كتب لهم أن يعذبوا به.
ويقال: سِجِّيلٍ من سجلته، يعني: أرسلته، ومعناه: حجارة مرسلة عليهم، ويقال: كثيرة شديدة.
(١) حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (3375) و (3387) و (6992) ومسلم (151) (238) وأحمد: 2/ 322 والترمذي (3116) .
<div class="verse-tafsir"
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)
وقوله سبحانه: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً: الرسُل هنا: الملائكة أضيافُ إِبراهيم.
قال المهدويُّ: والرسُلُ هنا: جبريلُ وميكائيلُ وإِسرافيلُ، ذكره جماعة من المفسِّرين.
انتهى، واللَّه أعلم بتعيينهم، فإِن صحَّ في ذلك حديثٌ، صِيَر إِليه، وإِلا فالواجبُ الوقف، وسِيءَ بِهِمْ أي: أصابهُ سُوءٌ، و «الذَّرْع» : مصدرٌ مأخوذٌ من الذِّراع، ولما كان الذراعُ موضعَ قُوَّةِ الإِنسان، قيل في الأمر الذي لا طَاقَةَ له به: ضَاقَ بِهَذَا الأمْرِ ذِرَاعُ فُلاَنٍ، وذَرْعُ فلانٍ، أيْ: حيلته بذراعِهِ، وتوسَّعوا في هذا حتَّى قلبوه، فقالوا: فلانٌ رَحْبُ الذّراع، إذا وصفوه باتساع القدرة، وعَصِيبٌ: بناء اسم فاعل، معناه: يعصب
النَّاسَ بالشرِّ، فهو من العِصَابة، ثم كَثُر وصفهم لليَوْمِ بعصيبٍ ومنه: [الوافر] وَقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ «١» وبالجملة ف «عصيب» : في موضع شديد وصعب الوطأة، ويُهْرَعُونَ معناه:
يُسْرِعون، وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ: كَانت عادتهم إِتيان الفاحشة في الرجال.
وقوله: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ: يعني: بالتزويجِ، وقولهم: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ: إِشارة إِلى الأضيافِ، فلما رأَى لوطٌ استمرارهم في غَيِّهم، قال: على جهة التفجُّع والاستكانة: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً.
قال ع «٢» : «لَوْ أنَّ» : جوابها محذوفٌ، أي: لَفَعَلْتُ كذا وكذا، ويروَى أنَّ الملائكةَ وَجَدَتْ عليه حين قال هذه الكلماتِ، وقالوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطاً لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ «٣» فَالْعَجَبُ مِنْهُ لما استكان» .
قال ع «٤» : وإِنما خشي لوطٌ عليه السلام أنْ يمهل اللَّهُ أولئك العِصَابَةَ حتى يَعْصُوهُ في الأضيافِ، كما أمهلهم فيما قَبْلَ ذلك، ثم إِن جبريل عليه السلام ضَرَبَ القوم بجَنَاحِهِ، فطمس أعينهم، ثم أمروا لوطاً بالسُّرَى، وأعلموه بأنَّ العذاب نازلٌ بالقوم، فقال لهم لوطٌ: فَعَذِّبوهم السَّاعة، فقالوا له: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ، أي: بهذا أمَرَ اللَّه، ثم آنسُوه في قَلَقِهِ بقولهم: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ، و «القِطْع» : القطعة من الليل.
قال ص: إِلَّا امْرَأَتَكَ: ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو بالرفع، والباقون بالنَّصْبِ «٥» ، فقيل: كلاهما استثناءٌ من أَحَدٌ، وقيل: النصب على الاستثناء من بِأَهْلِكَ انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَ أمْرُنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أمْرُ اللَّهِ المَلائِكَةَ بِعَذابِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ الأمْرَ بِمَعْنى العَذابِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى القَضاءِ بِعَذابِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها ﴾ الكِنايَةُ تَعُودُ إلى المُؤْتَفِكاتِ، وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَدْ ذَكَرْناها في (بَراءَةٍ:٧٠)، ونَحْنُ نُشِيرُ إلى قِصَّةِ هَلاكِهِمْ هاهُنا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَ جِبْرِيلُ لُوطًا بِالخُرُوجِ، وقالَ: اخْرُجْ وأخْرِجْ غَنَمَكَ وبَقَرَكَ، فَقالَ: كَيْفَ لِي بِذَلِكَ وقَدْ أُغْلِقَتْ أبْوابُ المَدِينَةِ، فَبَسَطَ جَناحَهُ، وحَمْلَهُ وبِنْتَيْهِ ومالَهم شَيْءٌ، فَأخْرَجَهم مِنَ المَدِينَةِ، وسَألَ جِبْرِيلُ رَبَّهُ: فَقالَ: يا رَبِّ ولِّنِي هَلاكَ هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ تَوَلَّ هَلاكَهم؛ فَلَمّا أنْ بَدا الصُّبْحُ، غَدا عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ فاحْتَمَلَها عَلى جَناحِهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِها حَتّى خَرَجَ الطَّيْرُ في الهَواءِ لا يَدْرِي أيْنَ يَذْهَبُ، ثُمَّ كَفَأها عَلَيْهِمْ، وسَمِعُوا وجْبَةً شَدِيدَةً، فالتَفَتَتِ امْرَأةُ لُوطٍ، فَرَماها جِبْرِيلُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَها، ثُمَّ صَعِدَ حَتّى أشْرَفَ عَلى الأرْضِ، فَجَعَلَ يُتْبِعُهم مُسافِرَهم ورُعاتَهم ومَن تَحَوَّلَ عَنِ القَرْيَةِ، فَرَماهم بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلَهم.
وقالَ السُّدِّيُّ: اقْتَلَعَ جِبْرِيلُ الأرْضَ مِن سَبْعِ أرَضِينَ، فاحْتَمَلَها حَتّى بَلَغَ بِها إلى أهْلِ السَّماءِ الدُّنْيا، حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها.
وقالَ غَيْرُهُ: كانَتْ خَمْسَ قُرًى، أعْظَمُها سَدُومُ، وكانَ القَوْمُ أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ.
وقِيلَ: كانَ في كُلِّ قَرْيَةِ مِائَةُ ألْفِ مُقاتِلٍ، فَلَمّا رَفَعَها إلى السَّماءِ، لَمْ يَنْكَسِرْ لَهم إناءٌ ولَمْ يَسْقُطْ حَتّى قَلَبَها عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: نَجا مِنَ الخَمْسِ واحِدَةٌ لَمْ تَكُنْ تَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِمْ.
وانْفَرَدَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَقالَ: إنَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ تَوَلَّيا قَلْبَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْها ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرى.
والثّانِي إلى الأُمَّةِ.
وَفِي السِّجِلِّ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها بِالفارِسِيَّةِ سَنْكُ وكِلْ، السِّنْكُ: الحَجَرُ، والكِلُّ: الطِّينُ، هَذا قَوْل ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها طِينٌ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي الآجُرَّ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ، اعْتَبَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ حِجارَةً مِن طِينٍ ﴾ يَعْنِي الآجُرَّ.
وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ طِينٌ قَدْ طُبِخَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الأرْحاءِ.
والثّانِي: أنَّهُ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ومِنهُ نَزَلَتِ الحِجارَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ السِّجِّيلَ: اسْمُ السَّماءِ الدُّنْيا، فالمَعْنى: حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ مِنَ الحِجارَةِ الصُّلْبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِابْنِ مُقْبِلٍ: [وَرَجْلَةٌ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عُرُضٍ] ضَرْبًا تَواصَتْ بِهِ الأبْطالُ سِجِّينا وَرَدَّ هَذا القَوْلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: هَذا بِالنُّونِ، وذاكَ بِاللّامِ، وإنَّما هو في هَذا البَيْتِ فِعِّيلٌ مِن سَجَنْتُ، أيْ: حَبَسْتُ، كَأنَّهُ يُثْبِتُ صاحِبَهُ.
والخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: " مِن سِجِّيلٍ " كَقَوْلِكَ: مِن سِجِلٍّ، أيْ: مِمّا كُتِبَ لَهم أنْ يُعَذَّبُوا بِهِ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والسّادِسُ: أنَّهُ مِن أسْجَلْتُهُ، أيْ: أرْسَلْتُهُ، فَكَأنَّها مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ.
والسّابِعُ: أنَّهُ مِن أسْجَلْتُ: إذا أعْطَيْتَ، حَكى القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مَنضُودٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَصْفُوفٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: نُضِدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، لِأنَّهُ طِينٌ جُمِعَ فَجُعِلَ حِجارَةً، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسَوَّمَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ:مُعَلَّمَةٌ، أُخِذَ مِنَ السُّومَةِ، وهي العَلامَةُ.
وَفِي عَلامَتِها سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بَياضٌ في حُمْرَةٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ مَخْتُومَةً، فالحَجَرُ أبْيَضُ وفِيهِ نُقْطَةٌ سَوْداءُ، أوْ أسْوَدُ وفِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضاءُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها المُخَطَّطَةُ بِالسَّوادِ والحُمْرَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: عَلَيْها نَضْحٌ مِن حُمْرَةٍ فِيها خُطُوطٌ حُمْرٌ عَلى هَيْئَةِ الجِزْعِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّها كانَتْ مُعَلَّمَةً بِعَلامَةٍ يُعْرَفُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُ كانَ عَلى كُلِّ حَجَرٍ مِنها اسْمُ صاحِبِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَن رَأى تِلْكَ الحِجارَة أنَّهُ قالَ: كانَتْ مِثْلَ رَأْسِ الإبِلِ، ومِثْلَ مَبارِكِ الإبِلِ، ومِثْلَ قَبْضَةِ الرَّجُلِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: جاءَتْ مِن عِنْدِ رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: عِنْدَ رَبِّكَ مُعَدَّةً، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الهُزَلِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: هَذا التَّسْوِيمُ لَزِمَ هَذِهِ الحِجارَةَ عِنْدَ اللَّهِ إيذانًا بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ : في خَزائِنِهِ الَّتِي لا يُتَصَرَّفُ في شَيْءٍ مِنها إلّا بِإذْنِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ في المُرادِ بِالظّالِمِينَ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ هاهُنا: كَفّارُ قُرَيْشٍ، خَوَّفَهُمُ اللَّهُ بِها، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ظالِمٍ؛ قالَ قَتادَةُ: واللَّهِ ما أجارَ اللَّهُ مِنها ظالِمًا بَعْدَ قَوْمِ لُوطٍ، فاتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مِنهُ عَلى حَذَرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمُ لُوطٍ، فالمَعْنى: وما هي مِنَ الظّالِمِينَ، أيْ: مِن قَوْمِ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، والمَعْنى: لَمْ تَكُنْ لِتُخْطِئَهم، قالَهُ الفَرّاءُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ ﴾ ﴿ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ واقْتَلَعَها ورَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ الدُنْيا صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ أرْسَلَها مَعْكُوسَةً، وأتْبَعَهُمُ الحِجارَةَ مِنَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَذَهم بِخَوافِي جَناحِهِ: ويُرْوى أنَّ مَدِينَةً مِنها نُجِّيَتْ كانَتْ مُخْتَصَّةً بَلُّوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ يُقالُ لَها: زَغْرُ.
وأمْرُنا في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمَرَ ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مُقْتَضى أمْرِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: عالِيَها سافِلَها لِلْمُدُنِ، وأُجْرِيَ أمْطَرْنا عَلَيْها كَذَلِكَ، والمُرادُ عَلى أهْلِها، ورُوِيَ أنَّها الحِجارَةُ اسْتَوْفَتْ مِنهم مَن كانُوا خارِجَ مُدُنِهِمْ حَتّى قَتَلَتْهم أجْمَعِينَ.
ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مِنهم في الحَرَمِ رَجُلٌ فَبَقِيَ حَجَرُهُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَقَتَلَهُ الحَجَرُ، و"أمْطَرَ" أبَدًا إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَكْرُوهِ، ومَطَرَ يُسْتَعْمَلُ في المَحْبُوبِ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يَرُدُّ هَذا القَوْلَ لِأنَّهم إنَّما ظَنُّوهُ مُعْتادَ الرَحْمَةِ، وقَوْلُهُ: مِن سِجِّيلٍ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سِجِّيلٌ: اسْمُ السَماءِ الدُنْيا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، ويَرُدُّهُ وصْفُهُ بِـ مَنضُودٍ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مَن لَفْظِ السِجِلِّ، أيْ هي مِن أمْرٍ كُتِبَ عَلَيْهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَجْلِ إذا أُرْسِلَ الشَيْءُ كَما يُرْسَلُ السَجْلُ وكَما تَقُولُ: قالَها مُسْجَلَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن سِجِّيلٍ مَعْناهُ: مِن جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُقالُ: سِجِّيلٌ وسِجِّينٌ حُفِظَ فِيها بَدَلَ النُونِ لامٌ، كَما قالُوا: أُصَيْلالٌ وأُصَيْلانٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: سِجِّيلٌ مَعْناهُ: شَدِيدٌ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ: ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلا والبَيْتُ في قَصِيدَةٍ نُونِيَّةِ: سِجِّينًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سِجِّيلٌ لَفْظَةٌ أصْلُها غَيْرُ عُرِّبَتْ أصْلُها "سَنْجٌ وجِلٌ.
وقِيلَ: غَيْرُ هَذا في أصْلِ اللَفْظَةِ.
ومَعْنى هَذا اللَفْظِ ماءٌ وطِينٌ.
هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُدِّيِّ وغَيْرِهِمْ، وذَهَبَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ إلى أنَّ الحِجارَةَ الَّتِي رُمُوا بِها كانَتْ كالآجُرِّ المَطْبُوخِ كانَتْ مِن طِينٍ قَدْ تَحَجَّرَ- نَصَّ عَلَيْهِ الحَسَنُ-.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يُشْبِهُ.
وهو الصَوابُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُوُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى سِجِّيلٍ حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ أيْ حَجَرٌ وطِينٌ.
قالالقاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ هَذا إلى الَّذِي قَبْلَهُ، لِأنَّ الآجُرَّ وما جَرى مَجْراهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِ حَجَرٌ وطِينٌ لِأنَّهُ قَدْ أخَذَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحَظِّهِ.
هي طِينٌ مِن حَيْثُ هو أصْلُها.
وحَجَرٌ مِن حَيْثُ صُلِبَتْ.
ومَنضُودٌ مَعْناهُ: بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
أيْ تَتابَعَ وهي صِفَةٌ لِ سِجِّيلٍ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "نَضْدُهُ": أنَّهُ في السَماءِ مَنضُودٌ مُعَدٌّ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
ومُسَوَّمَةً مَعْناهُ: مُعَلَّمَةٌ بِعَلامَةٍ، فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: إنَّهُ كانَ فِيها بَياضٌ وحُمْرَةٌ: ويُحْكى أنَّهُ كانَ في كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ صاحِبِهِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ هي مِن سَوَّمَ إذا أعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ يَوْمَ بَدْرٍ: « "سَوِّمُوا فَقَدْ سَوَّمَتِ المَلائِكَةُ"».
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسَوَّمَةٌ هاهُنا بِمَعْنى: مُرْسَلَةٍ، وسَوْمُها مِنَ الهُبُوطِ.
وقَوْلُهُ: وما هي إشارَةٌ إلى الحِجارَةِ.
والظالِمِينَ قِيلَ: يَعْنِي قُرَيْشًا.
وقِيلَ: يُرِيدُ عُمُومَ كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالظُلْمِ، وهَذا هو الأصَحُّ لِأنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "سَيَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ بِالحِجارَةِ"»، وقَدْ ورَدَ أيْضًا حَدِيثٌ: « "إنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِمَنجاةٍ مِن ذَلِكَ"».
وقِيلَ: يَعْنِي بِـ هِيَ: المُدُنُ، ويَكُونُ المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ هَذِهِ البِلادَ قَرِيبَةٌ مِن مَكَّةَ - والأوَّلُ أبْيَنُ- ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ البِلادَ كانَتْ بَيْنَ المَدِينَةِ والشامِ، وحَكى الطَبَرِيُّ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ المُدُنِ: صَيْعَةَ، وصَعَدَةَ وعَمَزَةَ، ودُوما وسَدُومَ وهي القَرْيَةُ العُظْمى.
<div class="verse-tafsir"
تقدّم الكلام على نظير ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ .
وقوله: ﴿ جعَلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ﴾ تعود الضّمائر الثلاثة المجرورة بالإضافة وبحرف (على) على القرية المفهومة من السياق.
والمعنى أن القرية انقلبت عليهم انقلاب خسففٍ حتى صار عالي البيوت سافلاً، أي وسافلها عالياً، وذلك من انقلاب الأرض بهم.
وإنما اقتصر على ذكر جعل العالي سافلاً لأنه أدخل في الإهانة.
والسجّيل: فُسّر بواد نارٍ في جهنّم يقال: سجّيل باللاّم، وسجّين بالنون.
و ﴿ من ﴾ تبعيضية، وهو تشبيه بليغ، أي بحجارة كأنّها من سجيل جهنم، كقول كعب بن زهير: وجلدها مِن أطوم البيت وقد جاء في التّوراة: أن الله أرسل عليهم كبريتاً وناراً من السماء.
ولعلّ الخسف فجّر من الأرض براكين قذفت عليهم حجارة معادن محرقة كالكبريت، أو لعلّ بركاناً كان قريباً من مدنهم انفجر باضطرابات أرضية ثم زال من ذلك المكان بحوادث تعاقبت في القرون، أو طَمى عليه البحر وبقيَ أثر البحر عليها حتّى الآن، وهو المسمّى بُحيرة لوط أو البحرَ الميت.
وقيل: سجّيل معرب (سنك جيل) عن الفارسية أي حجر مخلوط بطين.
والمنضود: الموضوع بعضه على بعض.
والمعنى هنا أنها متتابعة متتالية في النزول ليس بينها فترة.
والمراد وصف الحجارة بذلك إلا أن الحجارة لمّا جعلت من سجّيل، أجري الوصف على سجّيل وهو يفضي إلى وصف الحجارة لأنّها منه.
والمسوّمَة: التي لها سِيما، وهي العلامة.
والعلامات توضع لأغراض، منها عدم الاشتباه، ومنها سهولة الإحضار، وهو هنا مكنّى به عن المُعدّة المهيّئة لأن الإعداد من لوازم التوسيم بقرينة قوله: ﴿ عند ربك ﴾ لأن تسويمها عند الله هو تقديره إياها لهم.
وضمير ﴿ وما هي ﴾ يصلح لأن يعود إلى ما عادت إليه الضمائر المجرورة قبله وهي المدينة، فيكون المعنى وما تلك القرية ببعيد من المشركين، أي العرب، فمن شاء فليذهب إليها فينظر مصيرها، فالمراد البعد المكانيّ.
ويصلح لأن يعود إلى الحجارة، أي وما تلك الحجارة ببعيد، أي أنّ الله قادر على أن يرمي المشركين بمثلها.
والبعد بمعنى تعذّر الحصول ونفيه بإمكان حصوله.
وهذا من الكلام الموجّه مع صحة المعنيين وهو بعيد.
وجرّد ﴿ بعيد ﴾ عن تاء التأنيث مع كونه خبراً عن الحجارة وهي مؤنث لفظاً، ومع كون ﴿ بعيد ﴾ هنا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول، فالشأن أن يطابق موصوفه في تأنيثه، ولكن العرب قد يجرون فعيلاً الذي بمعنى فاعل مجرى الذي بمعنى مفعول إذا جرى على مؤنث غير حقيقي التأنيث زيادة في التخفيف، كقوله تعالى في سورة الأعراف (56) ﴿ إنّ رحمت الله قريبٌ من المحسنين ﴾ وقوله: ﴿ وما يدريك لعلّ الساعة تكون قريباً ﴾ [الأحزاب: 63] وقوله: ﴿ قال مَن يُحيي العظام وهي رميم ﴾ [يس: 78].
وقيل: إن قوله: ﴿ وما كانت أمك بغيا ﴾ [مريم: 28] من هذا القبيل، أي باغية.
وقيل: أصله فعول بغوي فوقع إبدال وإدغام.
وتأوّل الزمخشري ما هنا على أنه صفة لمحذوف، أي بمكان بعيد، أو بشيء بعيد عن الاحتمالين في معاد ضمير ﴿ هي ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا جاءَ أمْرُنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أمْرُ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ وُقُوعُ العَذابِ بِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ القَضاءُ بِعَذابِهِمْ.
﴿ جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ جِبْرِيلَ إلى مُؤْتَفِكاتِ قَوْمِ لُوطٍ فاحْتَمَلَها بِجَناحِهِ ثُمَّ صَعِدَ بِها حَتّى إنَّ أهْلَ السَّماءِ يَسْمَعُونَ نُباحَ كِلابِهِمْ وأصْواتَ دَجاجِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها فَجَعَلَ عالِيَها سافِلَها وأتْبَعَها بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ حَتّى أهْلَكَها وما حَوْلَها، وكُنَّ خَمْسًا: صِبْغَةَ ومُقِرَّةً وعُمْرَةَ ودَوْمًا وسَدُومَ وهي القَرْيَةُ العُظْمى.
وَقالَ قَتادَةُ: كانُوا في ثَلاثِ قُرًى يُقالُ لَها سَدُومُ بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ وكانَ فِيها أرْبَعَةُ آلافِ ألْفٍ.
﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وهو (سِنْكٌ وكَيْلٌ) فالسِّنْكُ: الحَجَرُ، والكَيْلُ الطِّينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ طِينٌ قَدْ طُبِخَ حَتّى صارَ كالأرْحاءِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّهُ الحِجارَةُ الصُّلْبَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ قَوْلَ ابْنِ مُقْبِلٍ: ورِحْلَةٌ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عَرَضٍ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّينًا إلّا أنَّ النُّونَ قُلِبَتْ لامًا.
الرّابِعُ: مِن سِجِّيلٍ يَعْنِي مِن سَماءٍ اسْمُها سِجِّيلٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: مِن سِجِّيلٍ مِن جَهَنَّمَ واسْمُها سِجِّينٌ فَقُلِبَتِ النُّونُ لامًا.
السّادِسُ: أنَّ السِّجِّيلَ مِنَ السِّجِلِّ وهو الكِتابُ وتَقْدِيرُهُ مِن مَكْتُوبِ الحِجارَةِ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعَذِّبَ بِها أوْ كَتَبَ عَلَيْها، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿ كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ ﴾ ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ ﴾ .
السّابِعُ: أنَّهُ فِعِّيلٌ مِنَ السِّجِلِّ وهو الإرْسالُ، يُقالُ أسْجَلْتُهُ أيْ أرْسَلْتُهُ، ومِنهُ سُمِّيَ الدَّلْوُ سَجْلًا لِإرْسالِهِ فَكانَ السِّجِلُّ هو المُرْسَلُ عَلَيْهِمْ.
الثّامِنُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجِلِّ الَّذِي هو العَطاءُ، يُقالُ سَجَّلْتُ لَهُ سَجْلًا مِنَ العَطاءِ، فَكَأنَّهُ قالَ سُجِّلُوا البَلاءَ أيْ أُعْطُوهُ.
﴿ مَنضُودٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قَدْ نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّانِي: مَصْفُوفٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ والمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السِّيماءِ وهي العَلامَةُ، قالَ الشّاعِرُ: غُلامٌ رَماهُ اللَّهُ بِالحُسْنِ يافِعًا ∗∗∗ لَهُ سِيمِياءٌ لا تَشُقُّ عَلى البَصَرِ وَفِي عَلامَتِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ مُخَتَّمَةً، عَلى كُلِّ حَجَرٍ مِنها اسْمُ صاحِبِهِ.
الثّانِي: مُعَلَّمَةٌ بِبَياضٍ في حُمْرَةٍ، عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: مُطَوَّقَةٌ بِسَوادٍ في حُمْرَةٍ.
﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في عِلْمِ رَبِّكَ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: في خَزائِنِ رَبِّكَ لا يَمْلِكُها غَيْرُهُ ولا يَتَصَرَّفُ فِيها أحَدٌ إلّا بِأمْرِهِ.
﴿ وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ وعِيدًا لِظالِمِي قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: وعِيدٌ لِظالِمِي العَرَبِ، قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: وعِيدٌ لِظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
وَفي الحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أُمْطِرَتْ عَلى المُدُنِ حِينَ رَفَعَها.
الثّانِي: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ في المُدُنِ مِن أهْلِها وكانَ خارِجًا عَنْها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال: يسرعون ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ قال: يأتون الرجال.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال: ويسعون إليه.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ يهرعون إليه ﴾ قال: يقبلون إليه بالغضب.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: أتونا يهرعون وهم أسارى ** سيوفهم على رغم الأنوف وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ قال: ينكحون الرجال.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال يا قوم هؤلاء بناتي ﴾ قال: ما عرض لوط عليه السلام بناته على قومه لا سفاحاً ولا نكاحاً إنما قال: هؤلاء بناتي نساؤكم، لأن النبي إذا كان بين ظهري قوم فهو أبوهم، قال الله في القرآن ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ [ الأحزاب: 6] وهو أبوهم في قراءة أبي رضي الله عنه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ هؤلاء بناتي ﴾ قال: لم تكن بناته ولكن كن من أمته وكل نبي أبو أمته.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: إنما دعاهم إلى نسائهم، وكل نبي أبو أمته.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن السدي في قوله: ﴿ هؤلاء بناتي ﴾ قال: عرض عليهم نساء أمته كل نبي فهو أبو أمته، وفي قراءة عبد الله ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم ﴾ [ الأحزاب: 6] .
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما سمعت الفسقة باضياف لوط جاءت إلى باب لوط، فاغلق لوط عليهم الباب دونهم ثم اطلع عليهم فقال: هؤلاء بناتي.
فعرض عليهم بناته بالنكاح والتزويج ولم يعرضها عليهم للفاحشة، وكانوا كفاراً وبناته مسلمات، فلما رأى البلاء وخاف الفضيحة عرض عليهم التزويج، وكان اسم ابنتيه إحداهما رغوثا والأخرى رميثا، ويقال: ديونا إلى قوله: ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ أي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلما لم يتناهوا ولم يردهم قوله ولم يقبلوا شيئاً مما عرض عليهم من أمر بناته قال: ﴿ لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ يعني عشيرة أو شيعة تنصرني لحلت بينكم وبين هذا، فكسروا الباب ودخلوا عليه، وتحوّل جبريل في صورته التي يكون فيها في السماء، ثم قال: يا لوط لا تخف نحن الملائكة لن يصلوا إليك، وأمرنا بعذابهم.
فقال لوط: يا جبريل الآن تعذبهم- وهو شديد الأسف عليهم- قال جبريل: موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله يعبي العذاب في أوّل الليل إذا أراد أن يعذب قوماً ثم يعذبهم في وجه الصبح.
قال: فهيئت الحجارة لقوم لوط في أول الليل لترسل عليهم غدوة الحجارة، وكذلك عذبت الأمم عاد وثمود بالغداة، فلما كان عند وجه الصبح عمد جبريل إلى قرى لوط بما فيها من رجالها ونسائها وثمارها وطيرها فحواها وطواها ثم قلعها من تخوم الثرى، ثم احتملها من تحت جناحه، ثم رفعها إلى السماء الدنيا فسمع سكان سماء الدنيا أصوات الكلاب والطير والنساء والرجال من تحت جناح جبريل، ثم أرسلها منكوسة، ثم أتبعها بالحجارة وكانت الحجارة للرعاة والتجار ومن كان خارجاً عن مدائنهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: عرض عليهم بناته تزويجاً، وأراد أن يقي أضيافه بتزويج بناته.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ﴾ قال: أمرهم هود بتزويج النساء، وقال: هن أطهر لكم.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ ولا تخزونِ في ضيفي ﴾ يقول: ولا تفضحوني.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ قال: رجل يأمر بمعروف وينهى عن المنكر.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ قال: رجل يأمر بمعروف وينهى عن منكر.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ قال: واحد يقول لا إله إلا الله.
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة.
مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ قالوا لقد علمنا ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ﴾ قال: إنما نريد الرجال ﴿ قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ يقول: إلى جند شديد لقاتلتكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: عشيرة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: العشيرة.
وأخرج أبو الشيخ عن علي رضي الله عنه.
أنه خطب فقال عشيرة الرجل للرجل خير من الرجل لعشيرته.
أنه إن كف يداً واحدة وكفوا عنه أيدياً كثيرة مع مودتهم وحفاظتهم ونصرتهم، حتى لربما غضب الرجل للرجل وما يعرفه إلا بحسبه وسأتلو عليكم بذلك آيات من كتاب الله تعالى، فتلا هذه الآية ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال علي رضي الله عنه: والركن الشديد: العشيرة.
فلم يكن للوط عليه السلام عشيرة، فوالذي لا إله إلا غيره ما بعث الله نبياً بعد لوط إلا في ثروة من قومه.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: بلغني أنه لم يبعث نبيّ بعد لوط إلا في ثروة من قومه حتى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه.
أن هذه الآية لما نزلت ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد فلأي شيء استكان» .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: رحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد، وذكر لنا أن الله لم يبعث نبياً بعد لوط إلا في ثروة من قومه، حتى بعث الله نبيكم صلى الله عليه وسلم في ثروة من قومه» .
وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه قال لوط عليه السلام ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فوجد عليه الرسل، وقالوا: يا لوط إن ركنك لشديد.
وأخرج سعيد بن منصور وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما بعث الله نبياً بعد لوط إلا في عز من قومه.
وأخرج البخاري في الأدب والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد- يعني الله تعالى- فما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه» .
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن مردويه من طريق الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يغفر الله للوط إنه كان ليأوي إلى ركن شديد» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن بشر الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الناس كانوا أنذروا قوم لوط، فجاءتهم الملائكة عشية فمروا بناديهم فقال قوم لوط بعضهم لبعض: لا تنفروهم ولم يروا قوماً قط أحسن من الملائكة، فلما دخلوا على لوط عليه السلام راودوه عن ضيفه، فلم يزل بهم حتى عرض عليهم بناته، فأبوا فقالت الملائكة ﴿ إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ قال: رسل ربي؟
قالوا: نعم.
قال لوط: فالآن كذا» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: لما أرسلت الرسل إلى قوم لوط ليهلوكهم قيل لهم: لا تهلكوا قوم لوط حتى يشهد عليهم لوط ثلاث مرات، وكان طريقهم على إبراهيم خليل الرحمن ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ﴾ وكانت مجادلته إياهم قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟
قالوا: لا.
قال: فأربعون؟
قالوا: لا.
حتى انتهى إلى عشرة أو خمسة قال: فأتوا لوطاً وهو في أرض له يعمل فيها، فحسبهم ضيفاناً، فأقبل حتى أمسى إلى أهله، فمشوا معه فالتفت إليهم فقال: ما ترون ما يصنع هؤلاء؟
قالوا: وما يصنعون؟
قال: ما من الناس أحد شر منهم.
فمشوا معه حتى قال ذلك ثلاث مرات، فانتهى بهم إلى أهله فانطلقت عجوز السوء امرأته، فأتت قومه فقالت: لقد تضيف لوط الليلة قوماً ما رأيت قط أحسن ولا أطيب ريحاً منهم، فأقبلوا إليه يهرعون فدافعوه بالباب حتى كادوا يغلبون عليه.
فقال ملك بجناحه فسفقه دونهم وعلا وعلوا معه، فجعل يقول ﴿ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ﴾ إلى قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فقالوا ﴿ إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ فذلك حين علم أنهم رسل الله، وقال ملك بجناحه فما عشى تلك الليلة أحد بجناحه إلا عمي فباتوا بشر ليلة عمياً ينتظرون العذاب، فاستأذن جبريل عليه السلام في هلاكهم فأذن له، فاحتمل الأرض التي كانوا عليها وأهوى بها حتى سمع أهل سماء الدنيا صغاء كلابهم، وأوقد تحتهم ناراً ثم قلبها بهم، فسمعت امرأة لوط الوجبة وهي معهم، فالتفتت فأصابها العذاب، وتبعت سفارهم الحجارة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما جاءت رسل الله لوطاً عليه السلام ظن أنهم ضيفان لقومه، فادناهم حتى أقعدهم قريباً، وجاء ببناته وهن ثلاثة فأقعدهن بين ضيفانه وبين قومه، فجاءه قومه يهرعون إليه، فلما رآهم قال: ﴿ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزونِ في ضيفي، قالوا ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد، قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فالتفت إليه جبريل عليه السلام فقال: ﴿ إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ فلما دنو طمس أعينهم فانطلقوا عمياً يركب بعضهم بعضاً، حتى إذا خرجوا إلى الذين بالباب قالوا: جئناكم من عند أسحر الناس، ثم رفعت في جوف الليل حتى إنهم يسمعون صوت الطير في جوّ السماء، ثم قلبت عليهم فمن أصابته الائتفاكة أهلكته، ومن خرج منها اتبعته حيث كان حجراً فقتلته، فارتحل ببناته حتى بلغ مكان كذا من الشام ماتت ابنته الكبرى، فخرجت عندها عين، ثم انطلق حيث شاء الله أن يبلغ فماتت الصغرى، فخرجت عندها عين فما بقي منهن إلا الوسطى.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أغلق لوط على ضيفه الباب فجاؤوا فكسروا الباب فدخلوا، فطمس جبريل أعينهم فذهبت أبصارهم قالوا: يا لوط جئتنا بسحرة فتوعدوه، فأوجس في نفسه خيفة إذا قد ذهب هؤلاء يؤذونني.
قال جبريل ﴿ لا تخف إنا رسل ربك...
﴾ إن موعدهم الصبح، قال لوط: الساعة.
قال جبريل ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ قال: الساعة.
فرفعت حتى سمع أهل سماء الدنيا نبيح الكلاب، ثم أقبلت ورموا بالحجارة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ يقول: سر بهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ بقطع من الليل ﴾ قال: جوف الليل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بقطع ﴾ قال سواد من الليل.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ بقطع من الليل ﴾ قال: بطائفة من الليل.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أن نافع بن الأزرق رضي الله عنه قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ ما القطع؟
قال: آخر الليل سحر.
قال مالك بن كنانة: ونائحة تقوم بقطع ليل ** على رجل أهانته شعوب وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يلتفت منكم أحداً ﴾ قال: لا يتخلف.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يلتفت منكم أحداً ﴾ قال: لا ينظر وراءه أحد ﴿ إلا امرأتك ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن هرون رضي الله عنه قال: في حرف ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ فاسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أنها كانت مع لوط لما خرج من الطرية، فسمعت الصوت فالتفتت، فأرسل الله عليها حجراً فأهلكها.
فهي معلوم مكانها شاذة عن القوم، وهي في مصحف عبد الله ﴿ ولقد وفينا إليه أهله كلهم إلا عجوزاً في الغبر ﴾ قال: ولما قيل له إن موعدهم الصبح.
قال: إني أريد أعجل من ذلك.
قال: ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: قال لوط: أهلكوهم الساعة.
قالوا: إنا لن نؤمر إلا بالصبح ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قال له لوط: اهلكوهم الساعة.
قال له جبريل عليه السلام ﴿ إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ﴾ فأنزلت على لوط ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ قال: فأمره أن يسري بأهله بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأته، فسار فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبريل عليه السلام جناحه، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، فجعل عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل، وسمعت امرأة لوط الهدة فقالت: واقوماه...
!
فأدركها حجر فقتلها.
وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي الحلة قال: رأيت امرأة لوط قد مسخت حجراً تحيض عند كل رأس شهر.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ﴾ قال: لما أصبحوا عدا جبريل على قريتهم فنقلها من أركانها، ثم أدخل جناحه، ثم حملها على خوافي جناحيه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها فكان أول ما سقط منها سرادقها، فلم يصب قوماً ما أصابهم إن الله طمس على أعينهم، ثم قلب قريتهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل.
وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه قال: لما اصبحوا نزل جبريل عليه السلام فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ السماء الدنيا، ثم أهوى بها جبريل إلى الأرض.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح.
أن جبريل عليه السلام أتى قرية لوط فأدخل يده تحت القرية، ثم رفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وأصوات الدياك، وأمطر الله عليهم الكبريت والنار.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه.
أن جبريل عليه السلام اجتث مدينة قوم لوط من الأرض، ثم رفعها بجناحه حتى بلغ بها حيث شاء الله، ثم جعل عاليها سافلها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: حدثت أن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام إلى المؤتفكة، مؤتفكة قوم لوط فاحتملها بجناحه، ثم صعد بها حتى أن أهل السماء ليسمعون نباح كلابهم وأصوات دجاجهم، ثم اتبعها الله بالحجارة يقول الله تعالى ﴿ جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ﴾ فأهلكها الله ومن حولها من المؤتفكات، فكن خمساً صنعة وصغرة وعصرة ودوماً وسدوم، وهي القرية العظمى.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أنها ثلاث قرى فيها من العدد ما شاء الله أن يكون من الكثرة، ذكر لنا أنه كان منها أربعة آلاف ألف، وهي سدوم قرية بين المدينة والشام.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: من طين.
وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: السوم بياض في حمرة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: هي بالفارسية سنك وكل حجر وطين.
وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: معلمة.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: بالفارسية أوّلها حجارة وآخرها طين.
وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: معلمة.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: هي كلمة أعجمية عربت سنك وكل.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: حجارة فيها طين.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: من طين ﴿ منضود ﴾ مصفوفة ﴿ مسوّمة ﴾ مطوّقة بها نصح من حمرة ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ لم يبرأ منها ظالم بعدهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله: ﴿ منضود ﴾ قال: قد نضد بعضه على بعض.
وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: عليها سيما خطوط صفر.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه قال: حجارة مسوّمة لا تشاكل حجارة الأرض.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: السماء الدنيا، والسماء الدنيا اسمها سجيل.
وأخرج ابن شيبة عن ابن سابط رضي الله عنه في قوله: ﴿ حجارة من سجل ﴾ قال: هي بالفارسية.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه.
أنه سأل هل بقي من قوم لوط أحد؟
قال: لا، إلا رجل بقي أربعين يوماً، كان تاجراً بمكة فجاءه حجر ليصيبه في الحرم، فقامت إليه ملائكة الحرم فقالوا للحجر رجع من حيث جئت فإن الرجل في حرم الله.
فرجع الحجر فوقف خارجاً من الحرم أربعين يوماً بين السماء والأرض حتى قضى الرجل تجارته، فلما خرج أصابه الحجر خارجاً من الحرم.
يقول الله: ﴿ ما هي من الظالمين ببعيد ﴾ يعني من ظالمي هذه الأمة ببعيد.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ قال: يرهب بها قريشاً أن يصيبهم ما أصاب القوم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ يقول: من ظلمة العرب إن لم يؤمنوا أن يعذبوا بها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع في الآية قال: كل ظالم فيما سمعنا قد جعل بحذائه حجر ينتظر متى يؤمر أن يقع به، فخوف الظلمة فقال: وما هي من الظالمين ببعيد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ قال: من ظالمي هذه الأمة، ثم يقول: والله ما أجار الله منها ظالماً بعد.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن محمد بن المنكدر ويزيد بن حفصة وصفوان بن سليم.
أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قد وجد رجلاً في بعض نواحي العرب ينكح كما كانت تنكح المرأة، وقامت عليه بذلك البينة، فاستشار أبو بكر رضي الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن هذا ذنب لم يعص الله به أمة من الأمم إلا أمة واحدة، فصنع الله بها ما قد علمتم، أرى أن تحرقه بالنار.
فاجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن يحرقوه بالنار، فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد رضي الله عنه أن احرقه بالنار، ثم حرقهم ابن الزبير رضي الله عنه في إمارته، ثم حرقهم هشام بن عبد الملك.
وأخرج ابن المنذر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي قال: عذب الله قوم لوط فرماهم بحجارة من سجيل، فلا ترفع تلك العقوبة عمن عمل عمل قوم لوط.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مُسَوَّمَةً ﴾ هي من نعت قوله: ﴿ حِجَارَةً ﴾ ومعناها المعلمة، ومضى الكلام في مثلها عند قوله: ﴿ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ﴾ (١) (٢) واختلفوا في كيفية تلك العلامة، فقال الحسن (٣) (٤) (٥) (٦) وقال قتادة وعكرمة (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) قال الحسن: كانت معلمة ببياض وحمرة، وقال الفراء: زعموا أنها كانت مخططة بحمرة في بياض، وذلك تسويمها، وأجمل ابن جريج (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) قال أهل المعاني: جعل فيها علامات تدل على أنها معدة للعذاب، وذلك أملأ للنفوس وأهول في الصدور، وقال الربيع (١٦) وقوله تعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ أي: في خزائنه التي لا يُتصرف في شيء منها إلا بإذنه (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ ، يعني: كفار قريش، قال مجاهد (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) قال ابن الأنباري على هذا القول: وإنما ذكر هذا بعد تبيين الله تعالى نزول العذاب بهم توكيدًا للمعنى السابق، كما قال: ﴿ الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ ، والأكثرون على أن المراد به من ظالمي هذه الأمة وهم كفارها، روي عن أنس أنه قال: سأل رسول الله جبريل (٢٢) (٢٣) (١) وذكر هنا أقوالًا في معنى (المسومة): 1 - الواعية.
2 - المعلمة.
3 - الحسان.
(٢) قال في هذا الموضع: أي معلمين، قد سوَّموا فهم مسوّمين، والسُّومة العلامة يفرق بها الشيء من غيره.
(٣) الثعلبي 7/ 53 ب، البغوي 4/ 194.
(٤) الطبري 12/ 96، الثعلبي 7/ 53 ب، البغوي 4/ 194.
(٥) في (ب): (عبيد)، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 297.
(٦) هو ابن قتيبة، انظر: "مشكل القرآن وغريبه" ص 213.
(٧) الطبري 12/ 95، عبد الرزاق 2/ 309، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625، "زاد المسير" 4/ 145.
(٨) "زاد المسير" 4/ 145.
(٩) "زاد المسير" 4/ 145.
(١٠) "معاني القرآن" 2/ 24.
(١١) في (ب): (خطط).
(١٢) الطبري 12/ 95، الثعلبي 7/ 53 ب، "زاد المسير" 4/ 146، البغوي 4/ 194 وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625.
(١٣) ساقط من (ج).
(١٤) ساقط من (ي).
(١٥) "معانى القرآن وإعرابه" 3/ 72.
(١٦) الثعلبي 7/ 53 ب وعزاه السيوطي لابن جرير وابن أبي حاتم 6/ 2069، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625، وفي الطبري 12/ 96 عن الربيع قال: عليها سيما خطوط.
وكذا عند ابن أبي حاتم.
(١٧) "زاد المسير" 4/ 146.
(١٨) الطبري 12/ 96، الثعلبي 7/ 53 ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2069، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625.
(١٩) رُوي عن عكرمة أيضًا كما في الطبري 12/ 96، والربيع أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 2070، وأبو الشيخ عنه كما في "الدر" 3/ 625، وغيرهم.
البغوي 4/ 194.
(٢٠) الطبري 12/ 96، الثعلبي 7/ 53 ب، وابن أبي حاتم 6/ 2070، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 626، والبغوي 4/ 194، و"زاد المسير" 4/ 146.
(٢١) "معاني القرآن" 2/ 25.
(٢٢) ساقط من (ب).
(٢٣) أخرجه الطبري عن قتادة 12/ 96، كما سبق، وأخرجه أيضًا عن أبي بكر الهذلي قال: يقول: "وما هي من الظالمين ببعيد" فلا يأمنها منهم ظالم، 15/ 440 رقم (18447).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ ﴾ الرسل هم الملائكة ومعنى سيء بهم أصابه سوء وشجر لما ظن أنهم من بني آدم وخاف عليهم من قومه ﴿ يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أي شديد ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي يسرعون وكانت امرأة لوط قد أخبرتهم بنزول الأضياف عنده، فأسرعوا ليعملوا بهم عملهم الخبيث ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ أي كانت عادتهم إتيان الفواحش في الرجال ﴿ قَالَ ياقوم هؤلاء بناتي ﴾ المعنى فتزوجوهن، وإنما قال ذلك ليقي أضيافه ببناته، وقيل: اسم بناته الواحدة رئيا، والأخرى غوثا وأن اسم امرأته الهالكة والهة، واسم امرأة نوح والقة ﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ أي: ما لنا فيهم أرب ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ يعنون نكاح الذكور ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ جواب لو محذوف تقديره: لو كانت لي قدرة على دفعكم لفعلت، ويحتمل أن تكون لو للتمني ﴿ أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ معنى آوي ألجأ، والمراد بالركن الشديد: ما يلجأ إليه من عشيرة وأنصار يحمونه من قومه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يرحم الله أخي لوطاً؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد يعني إلى الله والملائكة ﴿ قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ﴾ الضمير في قالوا للملائكة، والضمير في لن يصلوا لقوم لوط، وذلك أن الله طمس على أعينهم حينئذ ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾ أي اخرج بهم بالليل، فإن العذاب ينزل بأهل هذه المدائن، وقرئ فأسر بوصل الألف وقطعها، وهما لغتان يقال سرى وأسرى ﴿ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل ﴾ أي قطعة منه ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ نُهوا عن الالتفات؛ لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم، وقيل: يلتفت معناه يلتوي ﴿ إِلاَّ امرأتك ﴾ قرئ بالنصب والرفع، فالنصب استثناء من قوله بأسر بأهلك، فيقتضي هذا أنه لم يخرجها مع أهله، والرفع بدل من ولا يلتفت منكم أحد، ورُوي على هذا أنه أخرجها معه، وأنها التفتت وقالت: يا قوماه فأصابها حجر فقتلها ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح ﴾ أي وقت عذابهم الصبح ﴿ أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ ﴾ ذكر أنهم لما قالوا: إن موعدهم الصبح قال لهم لوط: هلا عذبوا الآن فقالوا له: أليس الصبح بقريب ﴿ جَعَلْنَا عاليها سافلها ﴾ الضمير للمدائن رُوي أن جبريل أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، واقتلعها فرفعها حتى سمع أهل السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً ﴾ أي على المدائن، والمراد أهلها.
روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته حجارة من السماء، وأما من كان في المدائن فهلك لما قلبت ﴿ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ قيل: معناه من ماء وطين، وإنما كان من الآجر المطبوخ وقيل: من سجله إذا أرسله، وقيل: هو لفظ أعجمي ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ أي مضموم بعضه فوق بعض ﴿ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ﴾ معناه: معلَّمة بعلامة، رُوي أنه كان فيها بياض وحمرة، وقيل كان في كل حجر اسم صاحبه ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ ﴾ الضمير للحجارة والمراد بالظالمين كفار قريش، فهذا تهديد لهم أي ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، فالمعنى ليست ببعيدة منهم أفلا يعتبرون بها كقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء ﴾ [الفرقان: 40] وقيل: إن الظالمين على العموم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سلم ﴾ بكسر السين بلا ألف فيهما.
حمزة وعلي ﴿ ويعقوب ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وحفص، الآخرون بالرفع.
﴿ سيء بهم ﴾ وبابه كضرب مجهولاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.
الآخرون ﴿ سيء ﴾ مثل ﴿ قيل ﴾ ﴿ تخزوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.
وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ ضيفي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ فاسر ﴾ وبابه بهمزة الوصل: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس من طريق الموصلي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ إلا امرأتك ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو.
الباقون بالنصب.
الوقوف: ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ حنيذ ﴾ ه ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ قوم لوط ﴾ ه ط ﴿ بإسحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع ﴿ يعقوب ﴾ ه ﴿ شيخاً ﴾ ط ﴿ عجيب ﴾ ه ﴿ أهل البيت ﴾ ط ﴿ مجيد ﴾ ه ﴿ في قوم لوط ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ أمر ربك ﴾ ج للاتبداء بأن مع اتصال المعنى.
﴿ مردود ﴾ ه ﴿ عصيب ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للعطف ولاختلاف النظم ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ ضيفي ﴾ ط ﴿ رشيد ﴾ ه ﴿ من حق ﴾ ج لما مر ﴿ ما نريد ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ هـ.
﴿ إلا امرأتك ﴾ ط ﴿ أصابهم ﴾ ط ﴿ الصبح ﴾ ط ﴿ بقريب ﴾ ه ﴿ منضود ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة حجارة ﴿ عند ربك ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه.
التفسير: الرسل ههنا الملائكة، وأجمعوا على أن الأصل فيهم جبرائيل، ثم اختلفوا فقيل: كان معه اثناء عشر ملكاً على أحسن ما يكون من صورة الغلمان.
وقال الضحاك: كانوا تسعة.
وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرائفيل وهم الذين ذكر الله في سورة الحجر ﴿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم ﴾ وفي الذاريات ﴿ هل أتاك حديث إبراهيم ﴾ والظاهر أن البشرى هي البشارة بالولد.
وقيل: بهلاك قوم لوط.
ومعنى ﴿ سلاماً ﴾ سلمنا عليك.
ومعنى ﴿ سلام ﴾ أمركم سلام أو سلام عليكم.
ولأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار، والنصب يدل على الحدوث لمكان تقدير الفعل.
قال العلماء: إن سلام إبراهيم كان أحسن اقتداء بقوله : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحس منها ﴾ وإنما صح وقوع ﴿ سلام ﴾ مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصها بالإِضافة إلى المتكلم إذ أصله سلمت سلاماً فعدل إلى الرفع لإفادة الثبات.
ومن قرأ ﴿ سلماً ﴾ فمعناه السلام أيضاً.
قال الفراء.
سلم وسلام كحل وحلال وحرم وحرام.
وقال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يراد بالسلم خلاف الحرب.
قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك فجاءته الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم فما لبث ﴿ أن جاء ﴾ أي فما لبث في أن جاء بل عجل أو فما لبث مجيئه ﴿ بعجل ﴾ هو ولد البقرة ﴿ حنيذ ﴾ مشوي في حرفة من الأرض بالحجارة المحماة وهو من فعل أهل البادية معروف.
ومعناه محنوذ كطبيخ بمعنى مطبوخ.
وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسماً لقوله: ﴿ بعجل سمين ﴾ تقول: حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى يقطر عرقاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ إلى العجل أو الطعام ﴿ نكرهم ﴾ أي أنكرهم واستنكر فعلهم ﴿ وأوجس ﴾ أضمر ﴿ منهم خيفة ﴾ لأنه ما كان يعرف أنهم ملائكة وكان من عادة العرب أنه إذا نزل بهم الضيف ولم يتناول طعامهموتوقعوا منه المكروه والشر.
وقيل: إنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به شراً.
وقيل: إنه كان يعرف أنهم ملائكة الله لقولهم: ﴿ لا تخف ﴾ .
﴿ وإنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ لم يقولوا لا تخف إنا ملائكة بل ذكروا سبب الإرسال وهو إهلاك قوم لوط.
وعلى هذا فإنما خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله أو لتعذيب قومه، والاحتمال الأول وهو أنه كان لا يعرف أنهم ملائكة أقرب بدليل إحضاره الطعام واستدلاله بترك أكلهم على توقع الشر منهم.
وإنما ذكروا سبب الإرسال إيجازاً واختصاراً لدلالة الإرسال على كونهم رسلاً لا أضافياً.
وإنما أتوه على صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها لأنه كان مشغوفاً بالضيافة.
وبم عرف الملائكة خوفه؟
قيل: بالتغير في وجهه أو بتعريف الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته ﴾ وهي سارة بنت هاران بن ناحورا بنت عم إبراهيم ﴿ قائمة ﴾ وراء الستر تسمع تحاورهم، أو كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم وهو قعود ﴿ فضحكت ﴾ .
قال العلماء: لا بد للضحك من سبب فقيل: سببه السرور بزوال الخيفة.
وقيل: بهلاك أهل الخبائث.
وعن السدي أن إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟
قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بالثمن.
فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله على أوله وتحمدوه في آخره.
فقال جبرائيل لميكائيل: حق لمصل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً، فضحكت امرأته فرحاً بهذا الكلام.
وقيل: كانت تقول لإبراهيم اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، ففرحت بموافقة قولهم لقولها فضحكت.
وقيل: طلب إبراهيم منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي إلى مرعاه فضحكت سارة من طفرته.
وقيل: ضحكت تعجباً من قوم أتاهم العذاب وهم غافلون.
وقيل: تعجبت من خوف إبراهيم مع كثرة خدمه وحشمه من ثلاثة أنفس.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي فبشرناها بإسحق، فضحكت سروراً.
وعن مجاهد وعكرمة ضحكت أي حاضت ومنه ضحكت الطلعة إذا انشقت يعني استعدادها لعلوق الولد.
من قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي يعقوب مولود أو موجود بعد إسحاق، ومن قرأ بالنصب فعلى العبارة المتروكة كأنه قيل: ووهبنا لها إسحق ومن بعد إسحق يعقوب.
أقول من المحتمل أن يكون ﴿ يعقوب ﴾ مجروراً بالعبارة الموجودة أي وبشرناها بيعقوب من بعد إسحاق وقيل: الوراء ولد الولد ووجهه أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال هاشم ويراد أولاده ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة تلهف وقد مرت في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت ﴾ و ﴿ شيخاً ﴾ نصب الحال والعامل فيه ما في هذا من معنى أنبه أو أشير ﴿ إن هذا ﴾ يعني إن تولد ولد من هرمين ﴿ لشيء عجيب ﴾ عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم ﴾ يا أهل بيت خليل الرحمن.
والمقصود أن رحمته عليكم متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب.
ويحتمل أن يكون انتصاب ﴿ أهل البيت ﴾ على الاختصاص.
وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم.
ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم: ﴿ إنه حميد ﴾ محمود في أفعاله ﴿ مجيد ﴾ ذو الكرم الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه.
﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه ﴿ وجاءته البشرى ﴾ البشارة بحصول الولد ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ في معناهم وفي شأنهم وهو جواب "لما" على حكاية الحال، أو لأن "لما" ترد المضارع إلى الماضي عكس "إن"، ويحتمل أن يكون جواب "لما" محذوفاً دل عليه ﴿ يجادلنا ﴾ أي اجترأ على خطابنا أو قال كذا، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يجادلنا ﴾ وقيل: معناه أخذ يجادلنا ولا بد من حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر الله فإن ذلك يكون معصية بل سعياً في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم.
ويروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونها؟
قالوا: لا قال: فأربعون؟
قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا لا.
قال: فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟
قالوا: لا.
فعند ذلك ﴿ قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لنُنَجِّيَنهُ وأهله ﴾ قال الأصوليون: إن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بايصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق الأمر يستدعي ذلك، فهذه هي المجادلة.
أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون.
وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص وليس يوجب القدح في واحد منهم فكذلك ههنا ولذلك مدحه بقوله: ﴿ إن إبراهيم لحليم ﴾ غير عجول في الأمور ﴿ أوّاه ﴾ كثير التأوّه من الذنوب ﴿ منيب ﴾ راجع إلى الله في كل ما يسنح له.
وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق الله حتى حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم.
ولما عرفت الملائكة أن العذاب قد حق عليهم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ الجدال ﴿ إنه قد جاء أمر ربك ﴾ بإهلاكهم ﴿ وإنهم آتيهم ﴾ لاحق بهم ﴿ عذاب غير مردود ﴾ فلا راد لقضائه فلا ينفع فيهم جدال ولا دعاء.
﴿ ولما جاءت رسلنا ﴾ المذكورون ﴿ لوطاً سيء بهم ﴾ أصله "سوىء" لأنه من ساءه يسوءه نقيض سره يسره، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء، ومن قرأ ﴿ سيء ﴾ بإبدال العين ياء مكسورة فلكراهة اجتماع الواو والهمزة.
﴿ وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة، وربما قالوا ضقت بالأمر ذرعاً.
﴿ وقال هذا يوم عصيب ﴾ أي شديد من العصب الشد كأنه أريد اشتداد ما فيه من الأمور.
عن ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله فساءه مجيئهم واغتم لذلك لأنه خاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم.
وقيل: سبب المساءة أنه لم يكن قادراً على القيام بحق ضياقتهم لأنه ما كان يجد ما ينفق عليهم.
وقيل: السبب أن قومه منعوه عن إدخال الضيف داره.
وقيل: عرف أنهم ملائكة جاؤوا لإهلاك قومه فرق قلبه على قومه.والصحيح هو الأول.
يروى أنه قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات.
فلما مشى معهم منطلقاً به إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم؟
قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً - يقول ذلك أربع مرات - فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها فذلك قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال أبو عبيدة: يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً.
وقال الجوهري: الإهراع الإسراع.
وأهرع الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مهرع إذا كان يرعد من حمى أو غضب أو فزع.
وقيل: إنما لم يسم فاعله للعلم به.
والمعنى أهرعه خوفه أو حرصه.
ثم بين إسراعهم إنما كان لأجل العمل الخبيث فقال: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ الفواحش فمرنوا عليها فلذلك جاؤوا مجاهرين لا يكفهم حياء.
وقيل: معناه وكان لوط قد عرف عادتهم في ذلك العمل قبل ذلك فأراد أن يقي أضيافه ببناته فقال: ﴿ هؤلاء نباتي ﴾ عن قتادة: بناته من صلبه.
وعن مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساء أمته لأن النبي كالأب لأمته.
واختير هذا القول لأن عرض البنات الحقيقيات على الفجار لا يليق بذوي المروءات.
ولأن اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، ولما روي أنه لم يكن له إلا بنتان وأقل الجمع ثلاثة.
والقائلون بالقول الأول قالوا ما دعا القوم إلى الزنا بهن وإنما دعاهم إلى التزوج بهن بعد الإيمان أو مع الكفر، فلعل تزويج المسلمات من الكفار كان جائزاً كما في أول الإسلام، زوج رسول الله ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى - وهما كافران - فنسخ بقوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ﴾ وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه، وقيل: إن بناته كن أكثر من ثنتين.
ويجوز أ يكون قد عرض البنات عليهم لا بطريق الجد بل طمعاً فيهم أن يستحيوا منه ويرقوا له.
و ﴿ أطهر ﴾ بمعنى الطاهر لأنه لا طهارة في نكاح الرجال ﴿ فاتقوا الله ﴾ بإيثارهن عليهم ﴿ ولا تخزون ﴾ ولا تفضحوني من الخزي أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء.
﴿ في ضيفي ﴾ في حق أضيافي فخزي الضيف والجار يورث للمضيف العار والشنار.
والضيف يستوي فيه الواحد والجمع ويجوز أن يكون مصدراً.
﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ صالح أو مصلح مرشد يمنتع أو يمنع عن مثل هذا العمل القبيح.
﴿ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴾ من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ولذلك قالوا ﴿ وإنك لتعلم ما نريد ﴾ ويجوز أن يراد إنهن لسن لنا بأزواج فلا حق لنا فيهن من حيث الشرع ومن حيث الطبع، أو يراد إنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نؤمن ألبتة فلا يتصور لنا حق فيهن.
قال لوط ﴿ لو أن لي بكم قوّة ﴾ وجوابه محذوف أي لفعلت بكم وصنعت وبالغت في دفعكم.
قال أهل المعاني: حذف الجواب أبلغ لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من الدفع والمنع.
والمراد لو أن لي ما أتقوى به عليكم فسمى موجب القوة بالقوة، ويحتمل أن يريد بالقوة القدرة والطاقة ﴿ أو آوي ﴾ أنضم ﴿ إلى ركن شديد ﴾ حام منيع شبه الركن من الجبل في شدته.
وقوله: ﴿ أو آوي ﴾ عطف على الفعل المقدر بعد "لو".
والحاصل أنه تمنى دفعهم بنفسه أو بمعاونة غيره، قال ذلك من شدة القلق والحيرة في الأمر النازل به ولهذا قالت الملائكة وقد رقت عليه وحزنت له: إن ركنك لشديد.
وقال النبي "رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث نبي بعد ذلك إلا في ثروة من قومه" ويحتمل أن يريد بالركن الشديد حصناً يتحصن به فيأمن من شرهم، ويحتمل أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمني حصول قوة قوية على الدفع.
ثم استدرك وقال بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله.
روي أنه أغلق بابه لما جاؤوا فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ وهذه جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصل الأعداء إليه ولن يقدروا على ضرره، فأمره الملائكة أن يفتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم ﴾ فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون إن في بيت لوط سحرة.
ثم بين نزول العذاب ووجه خلاص لوط وأهله فقال: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ الباء للتعدية إن كانت الهمزة للوصل من السرى، أو زائدة وإن كانت للقطع من الإسراء.
﴿ بقطع من الليل ﴾ عن ابن عباس: أي في آخر الليل بسحر.
وقال قتادة: بعد طائفة من الليل.
وقيل نصف الليل كأنه قطع نصفين ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ أي لا ينظر إلى ما رواءه ﴿ إلا امرأتك ﴾ أكثر القراء على النصب فاعترض بأن الفصيح في مثله هو البدل لأن الكلام غير موجب فكيف اجتمع القراء على غير فصيح؟
فأجاب جار الله بأن الرفع بدل من ﴿ أحد ﴾ على القياس والنصب مستثنى من قوله: ﴿ فأسر ﴾ لا من قوله ﴿ لا يلتفت ﴾ وزيف بأن الاستثناء من ﴿ أسر ﴾ يقتضي كونها غير مسرى بها، والاستثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ يقتضي كونها مسرياً بها لأن الالتفات بعد الإسراء فتكون مسرياً بها غير مسرى بها.
ويمكن أن يجاب بأن ﴿ أسر ﴾ وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن على هذا إن شئت من ﴿ أسر ﴾ وإن شئت من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولا تناقض.
وبعضهم - كابن الحاجب - جعل ﴿ إلا امرأتك ﴾ في كلتا القراءتين مستثنى من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولم يستبعد اجتماع القراء على قراءة غير الأقوى.
ويمكن أن يقال: إنما اجتمعوا على النصب ليكون استثناء من ﴿ أسر ﴾ إذ لو جعل استثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ لزم أن تكون مأمورة بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام اللهم إلا أن يجعل الاستثناء منقطعاً على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا كان هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها موجباً للمعصية.
قاله في الكشاف.
وروي أنه أمر أن يخلفها مع قومها فلم يسر بها.
واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.
أقول: في هذا الكلام خلل لا يمكن اجتماعهما على الصحة، والقراءتان يجب اجتماعهما على الصحة لتواتر القراآت كلها.
روي أنها لما سمعت هدّة العذاب أي صوته التفتت وقالت: يا قوماه: فأدركها حجر فقتلها.
وقيل: المراد بعدم الالتفات قطع تعلق القلب عن الأصدقاء والأموال والأمتعة.
فعلى هذا يصح الاستثناءان من غير شائبة التناقض كأنه أمر لوطاً أن يخرج بقومه ويترك هذه المرأة فإنها هالكة من الهالكين.
ثم أمر أن يقعطوا العلائق وأخبر أن امرأته تبقى متعلقة القلب بها.
يروى أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقيل له ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا: ﴿ أليس الصبح بقريب؟
﴾ ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بإهلاكهم ﴿ جعلنا ﴾ أي جعل رسلنا ﴿ عاليها سافلها ﴾ روي أن جبرائيل أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك لم يتبدد لهم طعام ولم يتكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة وضربها على الأرض، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل - وهو معرب سنك وكل - كأنه مركب من حجر وطين وهو في غاية الصلابة.
وقيل: سجيل أي مثل السجل وهي الدلو العظيمة أو مثلها في تضمن الأحكام الكثيرة، وقيل: أي مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته.
وقيل: أي مما كتب الله أن يعذب به أو كتب عليه أسماء المعذبين من السجل وقد سجل لفلان.
وقيل: من سجين أي من جهنم فأبدلت النون لاماً.
ويل: إنه اسم من أسماء السماء الدنيا.
ومعنى ﴿ منضود ﴾ موضع بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل المتابعة والتلاصق.
أو نضد في السماء نضداً معداً لإهلاك الظلمة وفي السماء معادنها في جبال مخصوصة كقوله: { ﴿ من جبال فيها من برد ﴾ ﴿ مسوّمة ﴾ معلمة للعذاب أو بياض وحمرة، عن الحسن والسدي عليها أمثال الخواتيم.
وقال ابن جريج كان عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.
وقال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به.
وقال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع.
ومعنى ﴿ عند ربك ﴾ أي في خزائنه لا يتصرف في شيء منها إلا هو، أو مقرر في علمه إهلاك من أهلك بكل واحد منها ﴿ وما هي ﴾ أي تلك الحجارة ﴿ من الظالمين ﴾ أي من كل ظالم ﴿ ببعيد ﴾ وهو وعيد لأهل مكة عن رسول الله أنه سأل جبرائيل عن هذا فقال يعني من ظالمي أمتك ما من ظالم إلا وهو بصدد سقوط الحجر عليه ساعة فساعة.
وقيل: أي تلك القرى ليست ببعيدة من ظالمي أهل مكة يمرون بها في مسايرهم إلى الشام.
وقيل: المراد أنها وإن كانت في السماء إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى فكانت كأنها بمكان قريب والله أعلم بمراده.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ : قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ قيل: أي: ساءه مجيئهم ومكانهم وكرههم لصنيع قومه بالغرباء مخافة أن يفضحوهم ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ : أي: لم يدر كيف يصنع بهم، وكيف يحتال ليدفع عن ضيفه سوء قومه.
والذرع: قيل: هو المقدرة والقوة، أي: ضاق مقدرته وقوته ﴿ وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ قيل: فضيع شديد؛ لأنه يوم يهتك فيه الأستار، ويفضح الرجال.
وفيه دليل جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: يوم عصيب فظيع، فعبد لم يظهر له شدته لكنه قاله اجتهاداً، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ [يحتمل: أن يكون قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ لما جاءته الرسل بإهلاك قومه ساءه ذلك، وضاق به ذرعاً كذلك أيضاً.
ويحتمل قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ ] بسوء صنيع قومه بأضيافه، الحرفان جميعاً ينصرفان إلى لوط لمكان قومه، أو لمكان أضيافه، أو يكون أحد الحرفين لمكان ضيفه، والآخر لمكان ما ينزل بقومه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ قال بعضهم: يسرعون إليه.
وقال بعضهم: ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يهرولون إليه، وهو سير بين السعي وبين المشي بين بينين.
وقال بعضهم: [قوله] ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يروعون إليه، من الروع، أي: فزعين إليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل أن يبعث لوط رسولا إليهم كانوا يعملون السيئات.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل نزول الأضياف بلوط كانوا يعملون السيئات، والسيئات تحتمل الشرك وغيره من الفواحش التي كانوا يرتكبونها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أراد بنات قومه؛ لأن الرسل هم كالآباء لأولاد قومهم ينسبون إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود ، (وهو أب لهم كما أزواجه أمهاتهم والنبي أب لهم)؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي ﴾ أراد بنات قومه فنسبهن إلى نفسه؛ لما ذكرنا أنّه كالأب لهم.
ثم يحتمل معنى جعل النبي لأولاد قومه كالأب، وأزواجه كالأم وجهين: أحدهما: نسبوا إليه للشفقة، فهو أشفق بهم من الأب والأم.
أو: لحق التربية وتعليم الدين كالأب لهم؛ فهو أولى بهم من أنفسهم لهذين الوجهين.
وقال بعضهم: أراد بنات نفسه.
ثم اختلف فيه.
قال بعضهم: كان ذلك منه تعريضا لهم للنكاح؛ يقول: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم نكاحاً إن كنتم قابلين للإيمان.
ومنهم من قال: هو تعريض منه لما هو زنا عندهم، لا أنه عرض ذلك عند نفسه، وهذا كما يقولون بأن من أكره على أن يشتم محمداً فلا بأس بأن يشتم ويقصد بشتمه محمداً آخر يحل له شتمه، وإن كان عند المكره أنه يشتم رسول الله بعد أن جعل الشاتم في قلبه [غيره]، وكذلك إذا أكره [على] أن يشتم الإله، فيقصد بالشتم شتم آلهتهم، وإن كان عندهم أنه [إنما] يشتم إلهه الذي يعبده؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ تعريض زنا عندهم، وإن كان عنده أنه ليس لذلك يقصد.
وقال قائلون: قال هذا ليريهم قبح الفعل الذي كانوا يقصدون بأضيافه؛ لأن الزنا كان عندهم محرما فعرض عليهم بناته؛ ليعرفوا قبح ذلك الفعل؛ حيث احتمل فعله في بناته ولم يحتمل في أضيافه؛ ليمتنعوا عن ذلك.
أو يحتمل أن يكون قال ذلك وإن كان كلاهما لا يحلان، لكن أحدهما أيسر وأهون، ويجوز الجمع بين شرين؛ فيقال: هذا أطهر لكم وأحل من هذا، وهذا أيسر من هذا وأهون، وإن كان كلاهما شرين، فالزنا وإن كان حراماً فذلك مما يحل بالنكاح، وأدبار الرجال لا تحل بحال.
وقال بعضهم: إنهم كانوا يخطبون بناته، وكان أبي أن يزوجهن منهم؛ لما لم يكونوا كفؤاً لهن، ثم عرض عليهم في ذلك الوقت؛ ليعلموا قبح ذلك الفعل الذي قصدوا بأضيافه، أو كلام نحو هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلاَ تَفْضَحُونِ ﴾ ليعلم أن الإخزاء هو الفضيحة؛ هذا يدل أن الخزي هو الذي يفضح من نزل به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ قال بعضهم: هم أن يزوج بعض بناته من يصدر لرأيه فيمنعهم عنهم؛ كأنه يقول: أليس منكم من يرشد ويصدر لرأيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ أي: أليس منكم رجل يقبل الموعظة، ويرشدكم، ويعظكم، أو يقول: أليس منكم رجل رشيد على النفي فيمنعهم عما يريدون ويقصدون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ على التأويلين اللذين ذكرناهما يكون: الحق: حق النكاح، أو حق الاستمتاع، وفي بعض التأويلات من حق: من حاجة، وبذلك يقول عامة أهل التأويل: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ أي: من حاجة ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ يعنون: الأضياف ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ أي: قوة في نفسي ﴿ أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ قيل: عشيرته.
والركن الشديد عند العرب: العشيرة؛ يقول: لو أن لي بكم قوة في نفسي أو عشيرة يعينوني لقاتلتكم؛ فيه دلالة أن من رأى آخر على فاحشة فله أن يقاتله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ تأويله - والله أعلم -: أنك تعلم أن ليس لنا في بناتك من حق كما ليس لنا في أضيافك من حق فكيف تمنعنا عنهم وتعرض علينا بناتك، فهن فيما ليس لنا فيهن حق كأولئك، والله أعلم.
﴿ قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ ﴾ قيل: قالوا ذلك للوط: لن يصلوا إليك؛ لما طمسوا أعينهم، وهو كقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ .
وقال قائلون قالوا ذلك للوط [لما أوعدوا للوط] حين طمست أعينهم أن ضيفك سحروا أبصارنا، فستعلم غداً ما تلقى أنت وأهلك، فقالوا عند ذلك: لن يصلوا إليك بسوء غداً بأنهم يهلكون.
ودل قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ على أنهم قد هموا للوط وأوعدوه حتى قال ما قال؛ ألا ترى أن الملائكة قالوا له: إنهم لن يصلوا إليك، فهذا على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ ﴾ قيل: قطع من الليل: آخره وهو وقت السحر.
وقيل: هو ثلث الليل، أو ربعه من آخره، وهو واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ قيل: لا يتخلف أحد منكم إلا امرأتك؛ فإنها تتخلف، ويصيبها ما أصاب أولئك.
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ ﴾ من الالتفات والنظر.
وقيل: لا يترك أحد منكم متابعتك إلا امرأتك؛ فإنها لا تتبعك، فيصيبها ما أصاب أولئك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ يحتمل النهي عن الالتفات، كأنه يقول: لا يلتفت أحد.
ويحتمل الخبر كأنه يقول: لا يلتفت منكم أحد إلا من ذكر، وهو زوجته، فلذلك علامة لخلافها له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ﴾ ، فقالوا: ﴿ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ : كأن لوطاً استبطأ الصبح لعذابهم، فقالوا: أليس الصبح بقريب، هذا من لوط لا يحتمل أن يكون قال ذلك وهو بين أظهرهم، ويعلم أن قراه يقلب أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها، ولكن قال [ذلك] - والله أعلم - بعدما أخرجوه وأهله من بين أظهرهم، فعند ذلك قال ما قال، واستبطأ وقت نزول العذاب بهم؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ يحتمل: جاء الأمر بالمراد بأمرنا.
أو أمره هو جعله عاليها سافلها.
ثم قال أهل التأويل قوله: ﴿ جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ أدخل جبريل جناحه تحت [قريات لوط] فرفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل ما [هو] أعلاها أسفلها، فهوت إلى الأرض؛ فذلك قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ﴾ قيل: [أهوى بها] جبريل من السماء إلى الأرض.
وأمكن أن يكون إذا أهلكهم جعلهم تحت الأرض؛ فذلك جعل أعلاها أسفلها، [لكن أهل التأويل حملوه على ما ذكرنا، وأجمعوا على ذلك.
وقال بعضهم: قلبت القرى، وجعل أعلاها أسفلها] على ما ذكر، وأرسل الحجارة على من كان غائبا عنها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ﴾ .
قال بعضهم: أمطر الحجارة عليها، ثم قلبها جبريل.
وقال بعضهم: أمطر عليها الحجارة بعدما قلبها [جبريل]، فسواها، وكل واحد منهم كان غائبا عن بلده جاءت حجار مكتوب عليها اسمه فقلته حيث كان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ \[قال بعضهم\]: السجيل: هو اسم المكان الذي منه رفع الحجر الذي أمطر.
وقال بعضهم: هو طين مطبوخ كالآجر.
وعن ابن عباس - - قال: سَنْك وجيل ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ نضد الحجر بالطين وألصق بعضه ببعض [مسومة]: معلمة، مخططة، سود الحمرة.
وقال بعضهم: [ ﴿ مُّسَوَّمَةً ﴾ ]، أي: مكتوب عليها اسم صاحبها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ .
قال بعضهم: ما هي من ظلمة قوم لوط ببعيد.
وقال بعضهم: ما هي من ظالمي أهل [مكة] وحواليهم ببعيد، [أي: عذاب الله ليس ببعيد، فهو] يعذبهم إن شاء.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ أي: تلك القرى والأمكنة التي أهلك أهلها ليست ببعيدة من مشركي أهل مكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ ﴾ الآية [الصافات: 137-138]، وفيه تذكير [منته] على هذه الأمة، حيث لم يجعل عذابهم عذاب استئصال بحيث لا يملكون العود عنه والرجوع، ولكن جعل عذابهم الجهاد، حتى لو أرادوا الرجوع عنه ملكوا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هذه الحجارة مُعَلَّمة عند الله بعلامة خاصة، وليست هذه الحجارة من الظالمين من قريش وغيرهم ببعيدة، بل هي قريبة متى قدَّر الله إنزالها عليهم نزلت.
<div class="verse-tafsir" id="91.MzWlA"