الآية ٣٠ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٣٠ من سورة يوسف

۞ وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 128 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع في المدينة ، وهي مصر ، حتى تحدث الناس به ، ( وقال نسوة في المدينة ) مثل نساء الأمراء [ و ] الكبراء ، ينكرن على امرأة العزيز ، وهو الوزير ، ويعبن ذلك عليها : ( امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ) أي : تحاول غلامها عن نفسه ، وتدعوه إلى نفسها ، ( قد شغفها حبا ) أي قد : وصل حبه إلى شغاف قلبها .

وهو غلافه .

قال الضحاك عن ابن عباس : الشغف : الحب القاتل ، والشغف دون ذلك ، والشغاف : حجاب القلب .

( إنا لنراها في ضلال مبين ) أي : في صنيعها هذا من حبها فتاها ، ومراودتها إياه عن نفسه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (30) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وتحدث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز في مدينة مصر , وشاع من أمرهما فيها ما كان , فلم ينكتم , وقلن: ( امرأة العزيز تراود فتاها )، (59) عبدها (60) ، ( عن نفسه )، كما:- 19137 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: وشاع الحديث في القرية , وتحدث النساء بأمره وأمرها , وقلن: (امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه) ، أي: عبدها.

* * * وأما " العزيز " فإنه: " الملك " في كلام العرب، (61) ومنه قول أبي دؤاد: دُرَّةٌ غَـــاصَ عَلَيْهَـــا تَــاجِرٌ جُــلِيَتْ عِنْــدَ عَزِيـزٍ يَـوْمَ طَـلِّ (62) يعني بالعزيز، الملك , وهو من " العزّة ".

(63) * * * وقوله: (قد شغفها حبًّا) ، يقول قد وصل حبُّ يوسف إلى شَغَاف قلبها فدخل تحته، حتى غلب على قلبها.

* * * و " شَغَاف القلب ": حجابه وغلافه الذي هو فيه , وإياه عنى النابغة الذبياني بقوله: وَقَــدْ حَـالَ هَـمٌّ دُونَ ذَلِـكَ دَاخِـلٌ دُخُــولَ شَـغَافٍ تَبْتَغِيـهِ الأصَـابِعُ (64) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 19138 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا حجاج بن محمد , عن ابن جريج , قال: أخبرني عمرو بن دينار , أنه سمع عكرمة يقول في قوله: (شغفها حبًّا) قال: دخل حبه تحت الشَّغاف.

19139 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قوله: (قد شغفها حبًّا) ، قال: دخل حبه في شَغافها.

19140 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (قد شغفها حبًّا) ، قال: دخل حبه في شَغافها.

19141 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (قد شغفها حبًّا) ، قال: كان حبه في شَغافها.

19142 - ....

قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثل حديث الحسن بن محمد , عن شبابة .

19143 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله: (قد شغفها حبًّا) ، يقول: عَلَّقها حبًّا.

19144 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله: (قد شغفها حبًّا) ، قال: غَلَبها.

19145 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، عن أبيه عن أيوب بن عائذ الطائي عن الشعبي: (قد شغفها حبًّا) ، قال: " المشغوف ": المحب , و " المشعوف "، (65) المجنون.

(66) 19146 - ....

وبه قال، حدثنا أبي , عن أبي الأشهب , عن أبي رجاء والحسن: (قد شغفها حبًّا) ، قال أحدهما: قد بَطَنَها حبًّا.

وقال الآخر: قد صَدَقها حبًّا.

19147 - حدثني يعقوب , قال: حدثنا ابن علية , عن أبي رجاء , عن الحسن , في قوله: (قد شغفها حبا) ، قال: قد بطنَها حبًّا ، قال يعقوب: قال أبو بشر: أهل المدينة يقولون: " قد بَطَنها حبًّا ".

19148 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن علية , عن أبي رجاء , عن &; 16-65 &; الحسن , قال: سمعته يقول في قوله: (قد شغفها حبا) ، قال: بَطنَها حبًّا .

وأهل المدينة يقولون ذلك.

19149 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عبد الوهاب , عن قرة , عن الحسن: (قد شغفها حبًّا) ، قال: قد بَطَن بها حبًّا.

(67) 19150 - حدثنا الحسن , قال: حدثنا أبو قطن , قال: حدثنا أبو الأشهب , عن الحسن: (قد شغفها حبًّا) ، قال: بَطَنها حبه.

19151 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة .

عن الحسن: (قد شغفها حبًّا) ، قال: بطَن بها.

19152 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (قد شغفها حبًّا) ، قال: استبطنها حبها إياه.

19153 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (قد شغفها حبًّا) ، أي: قد عَلَّقها.

19154 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا إسرائيل , عن أبي يحيى , عن مجاهد: (قد شغفها حبًّا) ، قال: قد عَلَّقَها حبًّا.

19155 - حدثنا بن وكيع , قال: حدثنا المحاربي , عن جويبر , عن الضحاك , قال: هو الحب اللازق بالقلب.

19156 - حدثت عن الحسين , قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد , قال: سمعت الضحاك , في قوله: (قد شغفها حبًّا) ، يقول: هلكت عليه حبًّا، و " الشَّغَاف ": شَغَاف القلب.

19157 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا &; 16-66 &; أسباط , عن السدي: (قد شغفها حبًّا) ، قال: و " الشَّغاف ": جلدة على القلب يقال لها ": لسان القلب "، (68) يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب.

* * * وقد اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار بالغين: (قَدْ شَغَفَهَا) ، على معنى ما وصفت من التأويل.

* * * وقرأ ذلك أبو رجاء: " قَدْ شَعَفَهَا " بالعين.

(69) 19158 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا أبو قطن , قال: حدثنا أبو الأشهب , عن أبي رجاء: " قَدْ شَعَفَهَا ".

19159 - ....

قال: حدثنا خلف , قال: حدثنا هشيم , عن أبي الأشهب , أو عوف عن أبي رجاء: " قَدْ شَعَفَهَا حُبًّا "، بالعين.

19160 - ....

قال: حدثنا خلف , قال: حدثنا محبوب , قال: قرأه عوف: " قَدْ شَعَفَهَا ".

19161 - ....

قال: حدثنا عبد الوهاب , عن هارون , عن أسيد , عن الأعرج: " قَدْ شَعَفَهَا حُبًّا " ، وقال: شَعَفَهَا إذا كان هو يحبها.

* * * ووجَّه هؤلاء معنى الكلام إلى أنَّ الحبَّ قد عمَّها.

* * * وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: هو من قول القائل: &; 16-67 &; " قد شُعفَ بها " , كأنه ذهب بها كل مَذهب، من " شَعَف الجبال " , وهي رؤوسها.

* * * وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: " الشغف "، شغف الحب ، و " الشعف "، شعف الدابة حين تذعر .

19162 - حدثني بذلك الحارث , عن القاسم , أنه قال: يروى ذلك عن أبي عوانة , عن مغيرة عنه .

، قال الحارث: قال القاسم , يذهب إبراهيم إلى أن أصل " الشَّعَف "، هو الذعر .

قال: وكذلك هو كما قال إبراهيم في الأصل , إلا أن العرب ربما استعارت الكلمة فوضعتها في غير موضعها ; قال امرؤ القيس: أَتَقْتُلُنِــي وَقَــدْ شَــعَفْتُ فُؤَادَهَـا كَمَـا شَـعَفَ المَهْنُـوءَة الرَّجُلُ الطَّالِي (70) قال: و " شعف المرأة " من الحبّ , و " شعف المهنوءة " من الذعر , فشبه لوعة الحب وجَوَاه بذلك.

* * * وقال ابن زيد في ذلك ما: - 19163 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: (قد شغفها حبًّا) قال: إن " الشغف " و " الشعف "، مختلفان , و " الشعف "، في البغض ، و " الشغف " في الحب.

* * * وهذا الذي قاله ابن زيد لا معنى له , لأن " الشعف " في كلام العرب بمعنى عموم الحب، أشهر من أن يجهله ذو علم بكلامهم.

* * * قال أبو جعفر: والصواب في ذلك عندنا من القراءة: (قَدْ شَغَفَهَا) ، بالغين، لإجماع الحجة من القرأة عليه.

* * * وقوله: (إنا لنراها في ضلال مبين) ، قلن: إنا لنرى امرأة العزيز في مراودتها فتاها عن نفسه، وغلبة حبه عليها، لفي خطأ من الفعل، وجَوْر عن قصد السبيل ، " مبين "، لمن تأمله وعلمه أنه ضلال، وخطأ غير صواب ولا سداد.

(71) وإنما كان قيلهنّ ما قلن من ذلك، وتحدُّثهن بما تحدَّثن به من شأنها وشأن يوسف، مكرًا منهن، فيما ذكر، لتريَهُنَّ يوسف.

---------------------- الهوامش: (59) انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص : 53 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(60) انظر تفسير" الفتى" فيما سلف 8 : 188 .

(61) هذا التفسير من عزيز اللغة ، وليس في المعاجم ، فليقيد في مكانه .

(62) لم أجد البيت في مكان آخر .

(63) انظر تفسير" العزة" فيما سلف من فهارس اللغة ( عزز ) .

(64) ديوانه : 38 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 308 ، وغيرهما ، مع اختلاف في روايته ، وقبله : عَـلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا وَقُلْـتُ : أَلَمَّـا تَصْحُ والشَّيْبُ وَازِعُ ? و"الأصابع" يعني أصابع الأطباء .

وجعله الطبري من" الشغاف" بالفتح ، واللغويون يجعلونه من" الشغاف" ( بضم الشين" ، وهو داء يأخذ تحت الشراسيف من الشق الأيمن .

وإذا اتصل بالطحال قتل صاحبه .

وهذا أجود الكلاميين .

(65) " المشعوف" ، بالعين المهملة ، وكان في المطبوعة بالغين المعجمة ، وهو خطأ .

وأراد الشعبي أن يفرق بينهما .

(66) الأثر : 19145 -" أيوب بن عائذ المدلجي الطائي" ، ثقة ، مضى برقم : 10338 ، 10339 (67) في المخطوطة :" بطن لها" ، وانظر رقم : 19151 .

(68) هكذا في المطبوعة والمخطوطة ، وأنا أرجح أن الصواب" لباس القلب" ، لأنهم قالوا في شرح اللفظ :" الشغاف : غلاف القلب ، وهو جلدة دونه كالحجاب ، وسويداؤه" ، وقالوا" هو غشاء القلب" وقال أبو الهيثم :" يقال لحجاب القلب ، وهي شحمة تكون لباسًا للقلب الشغاف" .

(69) هكذا في المخطوطة :" شعفها" ، وظني أن الصواب :" شغف بها ، إذا كان هو يحبها" ، وذلك بالبناء للمجهول ، أما هذا الذي قاله ، فمما لا يعرف .

(70) ديوانه : 142 ، واللسان" شعف" ، وغيرها ، من قصيدة البارعة ، يقول وقد ذكر صاحبته وبعلها : فَـأَصْبحْتُ مَعْشُـوقًا وَأَصْبَــحَ بَعْلُهـا عَلَيْـه القَتـامُ سَـيِّءَ الظَّـنِّ وَالبـالِ يَغِـط غَطِيـطَ البَكْــرِ شُــدَّ خِناقُـهُ لِيَقْتُلَنِــي , والمــرْءُ لَيْسَ بقَتَّــالِ أَيَقْتُلَنــي والمَشْــرَفِيُّ مُضَــاجِعِي وَمَسْــنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيــابِ أَغْـوَالِ ولَيْسَ بــذي رُمْــحٍ فَيَطْعُنُنـي بـهِ وَلَيْسَ بِــذي سَـيْفٍ , ولَيْسَ بِنَبَّـالِ أيقتُلَنــي أنِّــي شــعفتُ فُؤَادهـا .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وَقَـدْ عَلِمَـتْ سَـلْمَى , وإنْ كانَ بَعلَها بِــأَنَّ الفَتَــى يَهْـذِي ولَيْسَ بفَعَّـال (71) انظر تفسير" الضلال" و" مبين" فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) ، ( بين ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال نسوة في المدينة ويقال : نسوة بضم النون ، وهي قراءة الأعمش والمفضل والسلمي ، والجمع الكثير نساء .

ويجوز : وقالت نسوة ، وقال نسوة ، مثل قالت الأعراب وقال الأعراب ; وذلك أن القصة انتشرت في أهل مصر فتحدث النساء .قيل : امرأة ساقي العزيز ، وامرأة خبازه ، وامرأة صاحب دوابه ، وامرأة صاحب سجنه .

وقيل : امرأة الحاجب ; عن ابن عباس وغيره .تراود فتاها عن نفسه الفتى في كلام العرب الشاب ، والمرأة فتاة .

قد شغفها حبا قيل : شغفها غلبها .

وقيل : دخل حبه في شغافها ; عن مجاهد .

وغيره .

وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال : دخل تحت شغافها .

وقال الحسن : الشغف باطن القلب .

السدي وأبو عبيد : شغاف القلب غلافه ، وهو جلدة عليه .

[ ص: 155 ] وقيل : هو وسط القلب ; والمعنى في هذه الأقوال متقارب ، والمعنى : وصل حبه إلى شغافها فغلب عليه ; قال النابغة :وقد حال هم دون ذلك داخل دخول الشغاف تبتغيه الأصابعوقد قيل : إن الشغاف داء ; وأنشد الأصمعي للراجز :يتبعها وهي له شغافوقرأ أبو جعفر بن محمد وابن محيصن والحسن " شعفها " بالعين غير معجمة ; قال ابن الأعرابي : معناه أحرق حبه قلبها ; قال : وعلى الأول العمل .

قال الجوهري : وشعفه الحب أحرق قلبه .

وقال أبو زيد : أمرضه .

وقد شعف بكذا فهو مشعوف .

وقرأ الحسن " قد شعفها " قال : بطنها حبا .

قال النحاس : معناه عند أكثر أهل اللغة قد ذهب بها كل مذهب ; لأن شعاف الجبال .

أعاليها ; وقد شغف بذلك شغفا بإسكان الغين إذا أولع به ; إلا أن أبا عبيدة أنشد بيت امرئ القيس :لتقتلني وقد شعفت فؤادها كما شعف المهنوءة الرجل الطاليقال : فشبهت لوعة الحب وجواه بذلك .

وروي عن الشعبي أنه قال : الشغف بالغين المعجمة حب ، والشعف بالعين غير المعجمة جنون .

قال النحاس : وحكي " قد شغفها " بكسر الغين ، ولا يعرف في كلام العرب إلا " شغفها " بفتح الغين ، وكذا " شعفها " أي تركها مشعوفة .

وقال سعيد بن أبي عروبة عن الحسن : الشغاف حجاب القلب ، والشعاف سويداء القلب ، فلو وصل الحب إلى الشعاف لماتت ; وقال الحسن : ويقال إن الشغاف الجلدة اللاصقة بالقلب التي لا ترى ، وهي الجلدة البيضاء ، فلصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة بالقلب .قوله تعالى : إنا لنراها في ضلال مبين أي في هذا الفعل .وقال قتادة : فتاها وهو فتى زوجها ، لأن يوسف كان عندهم في حكم المماليك ، وكان ينفذ أمرها فيه .

وقال مقاتل عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال : إن امرأة العزيز استوهبت زوجها يوسف فوهبه لها ، وقال : ما تصنعين به ؟

قالت : أتخذه ولدا ; قال : هو لك ; فربته حتى أيفع وفي نفسها منه ما في نفسها ، فكانت تنكشف له وتتزين وتدعوه من وجه اللطف فعصمه الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدث به النسوة فجعلن يلمنها، ويقلن: { امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } أي: هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة القدر، وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه،.ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغا عظيما.{ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه وسويداؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب، { إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } حيث وجدت منها هذه الحالة التي لا تنبغي منها، وهي حالة تحط قدرها وتضعه عند الناس،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وقال نسوة في المدينة ) الآية .

يقول : شاع أمر يوسف والمرأة في المدينة مدينة مصر .

وقيل : مدينة عين الشمس وتحدث النساء بذلك وقلن - وهن خمس نسوة : امرأة حاجب الملك ، وامرأة صاحب الدواب ، وامرأة الخباز ، وامرأة الساقي ، وامرأة صاحب السجن ، قاله مقاتل .

وقيل : هن نسوة من أشراف مصر - : ( امرأة العزيز تراود فتاها ) أي : عبدها الكنعاني ( عن نفسه ) أي : تطلب من عبدها الفاحشة ( قد شغفها حبا ) أي : علقها حبا .

قال الكلبي : حجب حبه قلبها حتى لا تعقل سواه .

وقيل : أحبته حتى دخل حبه شغاف قلبها ، أي : داخل قلبها .

قال السدي : الشغاف جلدة رقيقة على القلب ، يقول : دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب .

وقرأ الشعبي ، والأعرج ( شعفها ) بالعين غير المعجمة ، معناه : ذهب الحب بها كل مذهب .

ومنه شعف الجبال وهو رءوسها .

( إنا لنراها في ضلال مبين ) أي : خطإ ظاهر .

وقيل : معناه إنها تركت ما يكون عليه أمثالها من العفاف والستر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال نسوة في المدينة» مدينة مصر «امرأة العزيز تراود فتاها» عبدها «عن نفسه قد شغفها حبا» تمييز، أي دخل حبه شغاف قلبها، أي غلافه «إنا لنراها في ضلال» أي في خطأ «مبين» بيِّن بحبها إياه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ووصل الخبر إلى نسوة في المدينة فتحدثن به، وقلن منكرات على امرأة العزيز: امرأة العزيز تحاول غلامها عن نفسه، وتدعوه إلى نفسها، وقد بلغ حبها له شَغَاف قلبها (وهو غلافه)، إنا لَنراها في هذا الفعل لفي ضلال واضح.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكت السورة الكريمة بعد ذلك ما قالته بعض النساء ، بعد ان شاع خبر امرأة العزيز مع فتاها ، وما فعلته معهن من أفعال تدل على شدة مكرها ودهائها ، وما قاله يوسف - عليه السلام - بعد أن سمع من تهديدهن وإغرائهن .

.

قال - تعالى - :( وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة امرأة العزيز .

.

.

) .قوله - سبحانه - ( وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة امرأة العزيز تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ .

.

) حكاية لما تناقلته الألسنة عن امرأة العزيز ، فقد جرت العادة بين النساء ، أن يتحدثن عن أمثال هذه الأمور فى مجالسهن ، ولا يكتمنها خصوصا إذا كانت صاحبة الحادثة من نساء الطبقة المرموقة .

.

كامرأة العزيز .والنسوة : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، ومفرده حيث المعنى : امرأة .والمراد بالمدينة : مدينة مصر التى كان يعيش فيها العزيز زوجته والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لنسوة .أى : وقال نسوة من نساء مدينة مصر - على سبيل النقد والتشهير والتعجب - إن امرأة العزيز ، صاحبة المكانة العالية ، والمنزلة الرفيعة ، بلغ بها الحال فى انقيادها لهواها ، وفى خروجها عن طريق العفة .

.

أنها تراود فتاها عن نفسه ، أى : تطلب منه مواقعتها ، وتتخذ لبلوغ غرضها شتى الوسائل والحيل .ولم يبين لنا القرآن الكريم عدد هؤلاء النسوة ولا صفاتهم ، لأنه لا يتعلق بذلك غرض نافع ، ولأن الذى يهدف إليه القرآن الكريم هو بيان ما حدث بين يوسف وامرأة العزيز ، قد شاع أمره بين عدد من النساء فى مدينة كبيرة كمصر وفى وصفها بأنها ( امرأة العزيز ) زيادة فى التشهير بها .

فقد جرت العادة بين الناس ، بأن ما يتعلق بأصحاب المناصب الرفيعة من أحداث ، يكون أكثر انتشارا بينهم ، وأشد فى النقد والتجريح .والتعبير بالمضارع فى قوله - سبحانه - ( تُرَاوِدُ ) يشعر بأنها كانت مستمرة على ذلك ، دون أن يمنعها منه افتضاح أمرها ، وقول زوجها لها ( واستغفري لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين )والمراد بفتاها يوسف - عليه السلام - ووصفْتَه بذلك لأنه كان فى خدمتها ، والمبالغة فى رميها بسوء السلوك ، حيث بلغ بها الحال فى احتقار نفسها ، أن تكون مراودة لشخص هو خادم لها .

.وجملة ( قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ) بيان لحالها معه ، وهى فى محل نصل حال من فاعل تراود أو من مفعوله والمقصود بها تكرير لومها ، وتأكيد انقيادها لشهواتها .وشغف مأخوذ من الشغاف - بكسر الشين - وهو غلاف القلب ، أو سويداؤه أو حجابه ، يقال : شغف الهوىو قلب فلان شغفا ، أى بلغ شغافه .والمراد أن حبها إياه قد شق شغاف قلبها .

وتمكن منه تمكنا لا مزيد عليه و " حبا " تمييز محول عن الفاعل ، والأصل : شغفها حبها إياه .وجملة ( إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) مقررة لمضمون ما قبلها من لوم امرأة العزيز ، وتحقير سلوكها ، والمراد بالضلال : مخالفة طريق الصواب .أى : إنا لنرى هذه المرأة بعين بصيرتنا ، وصادق علمنا .

فى خطأ عظيم واضح بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء ، لأنها - وهى المرأة المرموقة وزوجة الرجل الكبير - تراود خادمها عن نفسه .والتعبير " بإنا لنراها .

.

" للإِشعار بأن حكمهن عليها بالضلال ليس عن جهل ، وإنما هو عن علم ورورية ، مع التلويح بأنهن يتنزهن عن مثل هذا الضلال المبين الصادر عنها .قال صاحب المنار : " وهن ما قلن هذا إنكارا للمنكر ، وكرها للرذيلة ، ولا حبا فى المعروف ، ونصرا للفضيلة ، وإنما قلنه مكرا وحيلة ، ليصل إليها قولهن فيحملها على دعوتهن ، وإراءتهن بأعين أبصارهن ، ما يبطل ما يدعين رؤيته بأعين بصائرهن ، فيعذرنها فيما عذلنها عليه فهو مكر لا رأى " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لم لم يقل: ﴿ وَقَالَت نِسْوَةٌ ﴾ قلنا لوجهين: الأول: أن النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث.

الثاني: قال الواحدي تقديم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع.

المسألة الثانية: قال الكلبي: هن أربع، امرأة ساقي العزيز.

وامرأة خبازه وامرأة صاحب سجنه.

وامرأة صاحب دوابه، وزاد مقاتل وامرأة الحاجب.

والأشبه أن تلك الواقعة شاعت في البلد واشتهرت وتحدث بها النساء.

وامرأة العزيز هي هذه المرأة المعلومة ﴿ تُرَاوِدُ فتاها عَن نَّفْسِهِ ﴾ الفتى الحدث الشاب والفتاة الجارية الشابة ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبّا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الشغاف فيه وجوه: الأول: أن الشغاف جلدة محيطة بالقلب يقال لها غلاف القلب يقال شغفت فلاناً إذا أصبت شغافه كما تقول كبدته أي أصبت كبده فقوله: ﴿ شَغَفَهَا حُبّا ﴾ أي دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب.

والثاني: أن حبه أحاط بقلبها مثل إحاطة الشغاف بالقلب، ومعنى إحاطة ذلك الحب بقلبها هو أن اشتغالها بحبه صار حجاباً بينها وبين كل ما سوى هذه المحبة فلا تعقل سواه ولا يخطر ببالها إلا إياه.

والثالث: قال الزجاج: الشغاف حبة القلب وسويداء القلب.

والمعنى: أنه وصل حبه إلى سويداء قلبها، وبالجملة فهذا كناية عن الحب الشديد والعشق العظيم.

المسألة الثانية: قرأ جماعة من الصحابة والتابعين ﴿ شعفها ﴾ بالعين.

قال ابن السكيت: يقال شعفه الهوى إذا بلغ إلى حد الاحتراق، وشعف الهناء البعير إذا بلغ منه الألم إلى حد الاحتراق، وكشف أبو عبيدة عن هذا المعنى فقال: الشعف بالعين إحراق الحب القلب مع لذة يجدها، كما أن البعير إذا هنئ بالقطران يبلغ منه مثل ذلك ثم يستروح إليه.

وقال ابن الأنباري: الشعف رؤوس الجبال، ومعنى شعف بفلان إذا ارتفع حبه إلى أعلى المواضع من قلبه.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ حبها ﴾ نصب على التمييز.

ثم قال: ﴿ حُبّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ أي في ضلال عن طريق الرشد بسبب حبها إياه كقوله: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المراد من قوله: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ أنها سمعت قولهن وإنما سمي قولهن مكراً لوجوه: الأول: أن النسوة إنما ذكرت ذلك الكلام استدعاء لرؤية يوسف عليه السلام والنظر إلى وجهه لأنهن عرفن أنهن إذا قلن ذلك عرضت يوسف عليهن ليتمهد عذرها عندهن.

الثاني: أن امرأة العزيز أسرت إليهن حبها ليوسف وطلبت منهن كتمان هذا السر، فلما أظهرن السر كان ذلك غدراً ومكراً.

الثالث: أنهن وقعن في غيبتها، والغيبة إنما تذكر على سبيل الخفية فأشبهت المكر.

المسألة الثانية: أنها لما سمعت أنهن يلمنها على تلك المحبة المفرطة أرادت إبداء عذرها فاتخذت مائدة ودعت جماعة من أكابرهن وأعتدت لهن متكأ، وفي تفسيره وجوه: الأول: المتكأ النمرق الذي يتكأ عليه.

الثاني: أن المتكأ هو الطعام.

قال العتبي والأصل فيه أن من دعوته ليطعم عندك فقد أعددت له وسادة تسمى الطعام متكأ على الاستعارة، والثالث: متكأ أترجاً، وهو قول وهب وأنكر أبو عبيد ذلك ولكنه محمول على أنها وضعت عندهن أنواع الفاكهة في ذلك المجلس.

والرابع: متكأ طعاماً يحتاج إلى أن يقطع بالسكين، لأن الطعام متى كان كذلك احتاج الإنسان إلى أن يتكأ عليه عند القطع.

ثم نقول: حاصل ذلك أنها دعت أولئك النسوة وأعدت لكل واحدة منهن مجلساً معيناً وآتت كل واحدة منهن سكيناً أي لأجل أكل الفاكهة أو لأجل قطع اللحم ثم إنها أمرت يوسف عليه السلام بأن يخرج إليهن ويعبر عليهن وأنه عليه السلام ما قدر على مخالتها خوفاً منها ﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: في ﴿ أَكْبَرْنَهُ ﴾ قولان: الأول: أعظمنه.

والثاني: ﴿ أكبرن ﴾ بمعنى حضن.

قال الأزهري والهاء للسكت يقال أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر وفيه وجه آخر، وهو أن المرأة إذا خافت وفزعت فربما أسقطت ولدها فحاضت، فإن صح تفسير الإكبار بالحيض فالسبب فيه ما ذكرناه وقوله: ﴿ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ كناية عن دهشتهن وحيرتهن، والسبب في حسن هذه الكناية أنها لما دهشت فكانت تظن أنها تقطع الفاكهة وكانت تقطع يد نفسها، أو يقال: إنها لما دهشت صارت بحيث لا تميز نصابها من حديدها وكانت تأخذ الجانب الحاد من ذلك السكين بكفها فكان يحصل الجراحة في كفها.

المسألة الثالثة: اتفق الأكثرون على أنهن إنما أكبرنه بحسب الجمال الفائق والحسن الكامل قيل: كان فضل يوسف على الناس في الفضل والحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مررت بيوسف عليه السلام ليلة عرج بي إلى السماء فقلت لجبريل عليه السلام من هذا؟

فقال هذا يوسف فقيل يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر وقيل: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس من السماء عليها، وقيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه»، وهذا القول هو الذي اتفقوا عليه، وعندي أنه يحتمل وجهاً آخر وهو أنهن إنما أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والاحتشام، وشاهدن منها مهابة النبوة، وهيئة الملكية وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح، وعدم الاعتداد بهن، وكان الجمال العظيم مقروناً بتلك الهيبة والهيئة فتعجبن من تلك الحالة فلا جرم أكبرنه وعظمنه، ووقع الرعب والمهابة منه في قلوبهن، وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه أولى.

فإن قيل: فإذا كان الأمر كذلك فكيف ينطبق على هذا التأويل قولها: ﴿ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِى فِيهِ ﴾ وكيف تصير هذه الحالة عذراً لها في قوة العشق وإفراط المحبة؟

قلنا: قد تقرر أن الممنوع متبوع فكأنها قالت لهن مع هذا الخلق العجيب وهذه السيرة الملكية الطاهرة المطهرة فحسنه يوجب الحب الشديد وسيرته الملكية توجب اليأس عن الوصول إليه فلهذا السبب وقعت في المحبة، والحسرة، والأرق والقلق، وهذا الوجه في تأويل الآية أحسن والله أعلم.

المسألة الثالثة: قرأ أبو عمرو ﴿ وَقُلْنَ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ بإثبات الألف بعد الشين وهي رواية الأصمعي عن نافع وهي الأصل لأنها من المحاشاة وهي التنحية والتبعيد، والباقون بحذف الألف للتخفيف وكثرة دورها على الألسن اتباعاً للمصحف وحاشا كلمة يفيد معنى التنزيه، والمعنى هاهنا تنزيه الله تعالى من المعجز حيث قدر على خلق جميل مثله.

أما قوله: ﴿ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء ﴾ فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ فيه وجهان: الوجه الأول: وهو المشهور أن المقصود منه إثبات الحسن العظيم له قالوا: لأنه تعالى ركز في الطباع أن لا حي أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا حي أقبح من الشيطان، ولذلك قال تعالى في صفة جهنم ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوسُ الشياطين  ﴾ وذلك لما ذكرنا أنه تقرر في الطباع أن أقبح الأشياء هو الشيطان فكذا هاهنا تقرر في الطباع أن أحسن الأحياء هو الملك، فلما أرادت النسوة المبالغة في وصف يوسف عليه السلام بالحسن لا جرم شبهنه بالملك.

والوجه الثاني: وهو الأقرب عندي أن المشهور عند الجمهور أن الملائكة مطهرون عن بواعث الشهوة، وجواذب الغضب، ونوازع الوهم والخيال فطعامهم توحيد الله تعالى وشرابهم الثناء على الله تعالى، ثم إن النسوة لما رأين يوسف عليه السلام لم يلتفت إليهن ألبتة ورأين عليه هيبة النبوة وهيبة الرسالة، وسيما الطهارة قلن إنا ما رأينا فيه أثراً من أثر الشهوة، ولا شيئاً من البشرية، ولا صفة من الإنسانية، فهذا قد تطهر عن جميع الصفات المغروزة في البشر، وقد ترقى عن حد الإنسانية ودخل في الملكية.

فإن قالوا: فإن كان المراد ما ذكرتم فكيف يتمهد عذر تلك المرأة عند النسوة؟

فالجواب قد سبق.

والله أعلم.

المسألة الخامسة: القائلون بأن الملك أفضل من البشر احتجوا بهذه الآية فقالوا: لا شك إنهن إنما ذكرت هذا الكلام في معرض تعظيم يوسف عليه السلام.

فوجب أن يكون إخراجه من البشرية وإدخاله في الملكية سبباً لتعظيم شأنه وإعلاء مرتبته، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان الملك أعلى حالاً من البشر، ثم نقول: لا يخلو إما أن يكون المقصود بيان كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الظاهر، أو كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الباطن، والأول باطل لوجهين: الأول: أنهم وصفوه بكونه كريماً، وإنما يكون كريماً بسبب الأخلاق الباطنة لا بسبب الخلقة الظاهرة، والثاني: أنا نعلم بالضرورة أن وجه الإنسان لا يشبه وجوه الملائكة ألبتة.

أما كونه بعيداً عن الشهوة والغضب معرضاً عن اللذات الجسمانية متوجهاً إلى عبودية الله تعالى مستغرق القلب، والروح فيه فهو أمر مشترك فيه بين الإنسان الكامل وبين الملائكة.

وإذا ثبت هذا فنقول: تشبيه الإنسان بالملك في الأمر الذي حصلت المشابهة فيه على سبيل الحقيقة أولى من تشبيهه بالملك فيما لم تحصل المشابهة فيه ألبتة، فثبت أن تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في هذه الآية إنما وقع في الخلق الباطن، لا في الصورة الظاهرة، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب أن يكون الملك أعلى حالاً من الإنسان من هذه الفضائل، فثبت أن الملك أفضل من البشر والله أعلم.

المسألة السادسة: لغة أهل الحجاز إعمال ما عمل ليس وبها ورد قوله: ﴿ مَا هذا بَشَرًا ﴾ ومنها قوله: ﴿ مَّا هُنَّ أمهاتهم  ﴾ ومن قرأ على لغة بني تميم.

قرأ ﴿ مَا هذا بَشَرًا ﴾ وهي قراءة ابن مسعود وقرئ ﴿ مَا هذا بَشَرًا ﴾ أي ما هو بعبد مملوك للبشر ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ ثم نقول: ما هذا بشراً، أي حاصل بشراً بمعنى هذا مشترى، وتقول: هذا لك بشراً أم بكراً، والقراءة المعتبرة هي الأولى لموافقتها المصحف، ولمقابلة البشر للملك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ ﴾ وقال جماعة من النساء وكنّ خمساً: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب.

والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي كتأنيث اللمة، ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث.

وفيه لغتان: كسر النون وضمها ﴿ فِى المدينة ﴾ في مصر ﴿ امرأت العزيز ﴾ يردن قطفير، والعزيز: الملك بلسان العرب ﴿ فتاها ﴾ غلامها.

يقال: فتاي وفتاتي، أي غلامي وجاريتي ﴿ شَغَفَهَا ﴾ خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف حجاب القلب، وقيل جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب.

قال النابغة: وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ وَالِج ** مَكَانَ الشِّغَافِ تَبْتَغِيهِ الأَصَابِعُ وقرئ: ﴿ شعفها ﴾ بالعين، من شعف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران، قال: كَمَا شَعَفَ المَهْنُوءَةَ الرَّجُلُ الطّالي و ﴿ حَبّاً ﴾ نصب على التمييز ﴿ فِى ضلال مُّبِينٍ ﴾ في خطأ وبُعدٍ عن طريق الصواب ﴿ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ باغتيابهنّ وسوء قالتهن، وقولهنّ: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها، وسمي الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحالِ غيبة، كما يخفي الماكر مكره.

وقيل: كانت استكتمتهنّ سرّها فأفشينه عليها ﴿ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ﴾ دعتهنّ.

قيل: دعت أربعين امرأة منهنّ الخمس المذكورات ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ ما يتكئن عليه من نمارق، قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهنّ متكئات والسكاكين في أيديهنّ: أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهنّ فتقع أيديهنّ على أيديهنّ فيقطعنها، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده، ولا يبعد أن تقصد الجمع بين المكر به وبهنّ، فتضع الخناجر في أيديهنّ ليقطعن أيديهنّ، فتبكتهنّ بالحجة، ولتهول يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهنّ الخناجر، وتوهمه أنهنّ يثبن عليه.

وقيل: متكأ: مجلس طعام لأنهم كانوا يتكؤن للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك «نهى أن يأكل الرجل متكئاً» وأتتهنّ السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن.

وقيل: ﴿ مُتَّكَئاً ﴾ طعاماً، من قولك اتكأنا عند فلان: طعمنا، على سبيل الكناية؛ لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له تكأة يتكئ عليها.

قال جميل: فَظَلَلْنَا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنَا ** وَشَرِبْنَا الحَلاَلَ مِنْ قُلَلِهْ وعن مجاهد ﴿ مُتَّكَئاً ﴾ طعاماً يحزّ حزّا، كأن المعنى يعتمد بالسكين؛ لأنّ القاطع يتكئ على المقطوع بالسكين.

وقرئ: ﴿ متكا ﴾ بغير همز.

وعن الحسن: ﴿ متكاء ﴾ بالمدّ، كأنه مفتعال، وذلك لإشباع فتحة الكاف، كقوله (بمُنْتزاحِ) بمعنى بمنتزح.

ونحوه (يَنْبَاعُ) بمعنى ينبع.

وقرئ: ﴿ متكأ ﴾ وهو الأترج، وأنشد: فَأَهْدَتْ مَتْكَةً لِبَنِي أبِيهَا ** تَخُبُّ بِهَا العَثْمَثَةُ الْوِقَاحُ وكانت أهدت أترجة على ناقة، وكأنها الأترجة التي ذكرها أبو داود في سننه أنها شقت بنصفين، وحملا كالعدلين على جمل.

وقيل: الزماورد وعن وهب: أترجا وموزاً وبطيخاً.

وقيل: أعتدت لهنَّ ما يقطع، من متك الشيء بمعنى بتكه إذا قطعه.

وقرأ الأعرج: ﴿ مُتَّكَئاَ ﴾ مفعلاً، من تكئ يتكأ، إذا اتكأ ﴿ أَكْبَرْنَهُ ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع والجمال الفائق.

قيل: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء، فقلت لجبريل: من هذا؟

فقال يوسف، فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر» .

وقيل: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران، كما يرى نور الشمس من الماء عليها.

وقيل: ما كان أحد يستطيع وصف يوسف.

وقيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه.

وقيل: ورث الجمال من جدّته سارة.

وقيل: أكبرن بمعنى حضن، والهاء للسكت، يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته: دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حدّ الصغر إلى حدّ الكبر، وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله: خَفِ اللَّهَ وَاسْتُرْ ذَا الْجَمَالَ بِبُرْقَع ** فَإنْ لُحْتَ حَاضَتْ في الْخُدُورِ الْعَوَاتِقُ ﴿ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ جرحنها، كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد: جرحتها ﴿ حاشا ﴾ كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء.

تقول: أساء القوم حاشا زيد.

قال: حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إنَّ بِه ** ضَنًّا عَنِ المَلْحَاةِ وَالشَّتْمِ وهي حرف من حروف الجر، فوضعت موضع التنزيه والبراءة، فمعنى ﴿ حاشا الله ﴾ براءة الله وتنزيه الله، وهي قراءة ابن مسعود، على إضافة حاشا إلى الله إضافة البراءة.

ومن قرأ: حاشا لله، فنحو قولك: سقيا لك؛ كأنه قال: براءة، ثم قال: لله، لبيان من يبرأ وينزه.

والدليل على تنزيل ﴿ حاشا ﴾ منزلة المصدر: قراءة أبي السمال: ﴿ حاشا لله ﴾ بالتنوين.

وقراءة أبي عمرو ﴿ حَاشَ للَّهِ ﴾ بحذف الألف الآخرة.

وقراءة الأعمش ﴿ حشا لله ﴾ بحذف الألف الأولى.

وقرئ: ﴿ حاش لله ﴾ بسكون الشين، على أن الفتحة تبعت الألف في الإسقاط، وهي ضعيفة لما فيها من التقاء الساكنين على غير حدّه.

وقرئ: ﴿ حاشا الإله ﴾ .

فإن قلت: فلم جاز في حاشا لله أن لا ينوّن بعد إجرائه مجرى: براءة لله؟

قلت: مراعاة لأصله الذي هو الحرفية.

ألا ترى إلى قولهم: جلست من عن يمينه، كيف تركوا (عن) غير معرب على أصله؟

وعلى قوله (غدت من عليه) منقلب الألف إلى الياء مع الضمير؟

والمعنى: تنزيه الله تعالى من صفات العجز، والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله.

وأما قوله: ﴿ حَاشا للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء ﴾ [يوسف: 51] فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله ﴿ مَا هذا بَشَرًا ﴾ نفين عنه البشرية لغرابة جماله ومباعدة حسنه، لما عليه محاسن الصور، وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم، وذلك لأن الله عز وجل ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان، ولذلك يشبه كل متناه في الحسن والقبح بهما، وما ركز ذلك فيها إلا لأن الحقيقة كذلك، كما ركز في الطباع أن لا أدخل في الشر من الشياطين، ولا أجمع للخير من الملائكة، إلا ما عليه الفئة الخاسئة المجبرة من تفضيل الإنسان على الملك، وما هو إلا من تعكيسهم للحقائق، وجحودهم للعلوم الضرورية، ومكابرتهم في كل باب، وإعمال (ما) عمل (ليس) هي اللغة القدمى الحجازية وبها ورد القرآن.

ومنها قوله تعالى: ﴿ مَّا هُنَّ أمهاتهم ﴾ [المجادلة: 2] ومن قرأ على سليقته من بني تميم، قرأ: ﴿ بشر ﴾ بالرفع.

وهي في قراءة ابن مسعود.

وقرئ: ﴿ ما هذا بشرى ﴾ أي ما هو بعبد مملوك لئيم ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ تقول هذا بشرى، أي حاصل بشرى، بمعنى: هذا بشرى.

وتقول: هذا لك بشري أم بكري؟

والقراءة هي الأولى، لموافقتها المصحف؛ ومطابقة بشر لملك ﴿ قَالَتْ فذلكن ﴾ ولم يقل فهذا وهو حاضر، رفعاً لمنزلته في الحسن، واستحقاق أن يحب ويفتتن به، وربئاً بحاله واستبعاداً لمحله، ويجوز أن يكون إشارة إلى المعنى بقولهنّ: عشقت عبدها الكنعاني.

تقول: هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكنّ، ثم لمتننى فيه.

تعني: أنكن لم تصوّرنه بحق صورته، ولو صوّرتنه بما عاينتن لعذرتني في الافتنان به.

الاستعصام: بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها.

ونحوه استمسك واستوسع الفتق واستجمع الرأي واستفحل الخطب.

وهذا بيان لما كان من يوسف عليه السلام لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه، على أنه بريء مما أضاف إليه أهل الحشو مما فسروا به الهمّ والبرهان.

فإن قلت: الضمير في ﴿ ءَامُرُهُ ﴾ راجع إلى الموصول، أم إلى يوسف؟

قلت: بل إلى الموصول.

والمعنى: ما آمر به، فحذف الجار كما في قولك: أمرتك الخير، ويجوز أن تجعل (ما) مصدرية، فيرجع إلى يوسف ومعناه: ولئن لم يفعل أمري إياه، أي موجب أمري ومقتضاه.

قرئ: ﴿ وليكونا ﴾ بالتشديد والتخفيف.

والتخفيف أولى، لأنّ النون كتبت في المصحف ألفاً على حكم الوقف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ نِسْوَةٌ ﴾ هي اسْمٌ لِجَمْعِ امْرَأةٍ وتَأْنِيثُهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِذَلِكَ جُرِّدَ فِعْلُهُ وضَمُّ النُّونِ لُغَةٌ فِيها.

﴿ فِي المَدِينَةِ ﴾ ظَرْفٌ لِقالَ أيْ أشَعْنَ الحِكايَةَ في مِصْرَ، أوْ صِفَةُ نِسْوَةٍ وكُنَّ خَمْسًا زَوْجَةُ الحاجِبِ والسّاقِي والخَبّازُ والسَّجّانُ وصاحِبُ الدَّوابِّ.

﴿ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ تَطْلُبُ مُواقَعَةَ غُلامِها إيّاها.

والعَزِيزُ بِلِسانِ العَرَبِ المَلِكُ وأصْلُ فَتى فَتِيَ لِقَوْلِهِمْ فِتْيانٌ والفُتُوَّةُ شاذَّةٌ.

﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ شَقَّ شَغافَ قَلْبِها وهو حِجابُهُ حَتّى وصَلَ إلى فُؤادِها حُبًّا، ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ لِصَرْفِ الفِعْلِ عَنْهُ.

وقُرِئَ « شَعَفَها» مِن شَعَفَ البَعِيرَ إذا هَنَأهُ بِالقَطْرانِ فَأحْرَقَهُ.

﴿ إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ في ضَلالٍ عَنِ الرُّشْدِ وبُعْدٍ عَنِ الصَّوابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)

{وَقَالَ نِسْوَةٌ} جماعة من النساء وكن خمساً امرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثها غير حقيقي ولذا لم يقل قالت وفيه لغتان كسر النون وضمها {في المدينة} فى مصر {امرأة العزيز} يردن قطفير والعزيز الملك بلسان العرب {تُرَاوِدُ فتاها} غلامها يقال فتاي وفتاتي أي غلامي وجاريتي {عَن نَّفْسِهِ} لتنال شهوتها منه {قَدْ شَغَفَهَا حُبّا} تمييز أي قد شغفها حبه يعنى حرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد والشغاف حجاب القلب أو جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب

{إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضلال مُّبِينٍ} في خطأ وبعد عن طريق الصواب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ نِسْوَةٌ ﴾ المَشْهُورُ -وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ- أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِلْقِلَّةِ كَصِبْيَةٍ وغِلْمَةٍ، ولَيْسَ لَهُ واحِدٌ مِن لَفْظِهِ بَلْ مِن مَعْناهُ وهو امْرَأةٌ.

وزَعَمَ ابْنُ السِّراجِ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وعَلى كُلٍّ فَتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولا التِفاتَ إلى كَوْنِ ذَلِكَ المُفْرَدِ مُؤَنَّثًا حَقِيقِيًّا لِأنَّهُ مَعَ طُرُوِّ ما عارَضَ ذَلِكَ لَيْسَ كَسائِرِ المُفْرَداتِ ولِذا لَمْ يُؤَنَّثْ فِعْلُهُ، وفي نُونِهِ لُغَتانِ: الكَسْرُ وهي المَشْهُورَةُ والضَّمُّ وبِهِ قَرَأ المُفَضَّلُ والأعْمَشُ والسِّلْمِيُّ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ فَلا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ، وهو إذْ ذاكَ اسْمُ جَمْعٍ بِلا خِلافٍ، ويُكْسَرُ لِلْكَثْرَةِ عَلى نِساءٍ ونِسْوانَ، وكُنَّ فِيما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ خَمْسًا: امْرَأةُ الخَبّازِ وامْرَأةُ السّاقِي وامْرَأةُ البَوّابِ وامْرَأةُ السَّجّانِ وامْرَأةُ صاحِبِ الدَّوابِّ.

ورَوى الكَلْبِيُّ أنَّهُنَّ كُنَّ أرْبَعًا بِإسْقاطِ امْرَأةِ البَوّابِ ﴿ فِي المَدِينَةِ ﴾ أُرِيدَ بِها مِصْرُ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ -لِنِسْوَةٍ- عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، ووُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّ إغاظَةَ كَلامِهِنَّ بِهَذا الِاعْتِبارِ لِاتِّصافِهِنَّ بِما يُقَوِّي جانِبَ الصِّدْقِ أكْثَرَ فَإنَّ كَلامَ البَدَوِيّاتِ لِبُعْدِهِنَّ عَنْ مَظانِّ الِاجْتِماعِ والِاطِّلاعِ عَلى حَقِيقَةِ أحْوالِ الحَضَرِيّاتِ القَصْرِيّاتِ لا يُلْتَفَتُ إلى كَلامِهِنَّ فَلا يُغِيظُ تِلْكَ الإغاظَةَ، والكَثِيرُ عَلى اخْتِيارِ تَعَلُّقِهِ -بِقالَ- ومَعْنى كَوْنِ قَوْلِهِنَّ في المَدِينَةِ إشاعَتُهُ وإفْشاؤُهُ فِيها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ امْرَأتُ العَزِيزِ ﴾ هو في الأصْلِ الَّذِي يَقْهَرُ ولا يُقْهَرُ كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن عَزَّ أيْ حَصَلَ في عِزازٍ وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ الَّتِي يَصْعُبُ وطْؤُها ويُطْلَقُ عَلى المَلِكِ، ولَعَلَّهم كانُوا يُطْلِقُونَهُ إذْ ذاكَ فِيما بَيْنَهم عَلى كُلِّ مَن ولّاهُ المَلِكُ عَلى بَعْضٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الوِلاياتِ الَّتِي لَها شَأْنٌ فَكانَ مِن خَواصِّهِ ذَوِي القَدْرِ الرَّفِيعِ والمَحَلِّ المَنِيعِ، وهو بِهَذا المَعْنى مُرادٌ هُنا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ قَطْفِيرُ، وهو في المَشْهُورِ كَما عَلِمْتُ إنَّما كانَ عَلى خَزائِنِ المَلِكِ -وكانَ المَلِكُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ- وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَلِكُ، وكانَ قَطْفِيرُ مَلِكَ مِصْرَ وإسْكَنْدَرِيَّةَ، وإضافَتُهُنَّ لَها إلَيْهِ بِهَذا العُنْوانِ دُونَ أنْ يُصَرِّحْنَ بِاسْمِها أوِ اسْمِهِ لِيَظْهَرَ كَوْنُها مِن ذَواتِ الأخْطارِ فَيَكُونُ عَوْنًا عَلى إشاعَةِ الخَبَرِ بِحُكْمِ أنَّ النُّفُوسَ إلى سَماعِ أخْبارِ ذَوِي الأخْطارِ أمْيَلُ، وقِيلَ -وهُوَ الأوْلى- إنَّ ذاكَ لِقَصْدِ المُبالِغَةِ في لَوْمِها بِقَوْلِهِنَّ ﴿ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أيْ تَطْلُبُ مُواقَعَتَهُ إيّاها وتَتَمَحَّلُ في ذَلِكَ، وإيثارُهُنَّ صِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ المُراوَدَةِ كَأنَّها صارَتْ سَجِيَّةً لَها، والفَتى مِنَ النّاسِ الطَّرِيِّ مِنَ الشُّبّانِ، وأصْلُهُ فَتِيٌّ بِالياءِ لِقَوْلِهِمْ في التَّثْنِيَةِ -وهِيَ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها- فِتْيانٌ، فالفُتُوَّةُ عَلى هَذا شاذٌّ، وجَمْعُهُ فِتْيَةٌ وفِتْيانٌ، وقِيلَ: إنَّهُ يائِيٌّ وواوِيٌّ كَكَنَوْتُ وكَنَيْتُ، ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ، ويُطْلَقُ عَلى المَمْلُوكِ والخادِمِ لِما أنَّ جُلَّ الخَدَمَةِ شُبّانٌ.

وفِي الحَدِيثِ ”لا يَقُلْ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي“.

وأُطْلِقَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا لِأنَّهُ كانَ يَخْدِمُها، وقِيلَ: لِأنَّ زَوْجَها وهَبَهُ لَها فَهو مَمْلُوكُها بِزَعْمِ النِّسْوَةِ، وتَعْبِيرُهُنَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مُضافًا إلَيْها لا إلى العَزِيزِ لِإبانَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ النّاشِئِ عَنِ الخادِمِيَّةِ والمَخْدُومِيَّةِ أوِ المالِكِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ لِتَرْبِيَةِ ما مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ في اللَّوْمِ فَإنَّ مَن لا زَوْجَ لَها مِنَ النِّساءِ أوْ لَها زَوْجٌ دَنِيءٌ قَدْ تُعْذَرُ في مُراوَدَةِ الأخْدانِ لا سِيَّما إذا كانَ فِيهِمْ عُلُوُّ الجَنابِ، وأمّا الَّتِي لَها زَوْجٌ وأيُّ زَوْجٍ فَمُراوَدَتُها لِغَيْرِهِ لا سِيَّما لِمَن لَمْ يَكُنْ بَيْنَها وبَيْنَهُ كَفاءَةٌ لَها وتَمادِيها في ذَلِكَ غايَةُ الغَيِّ ونِهايَةُ الضَّلالِ ﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ أيْ شَقَّ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها وهو حِجابُهُ.

وقِيلَ: هو جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقالُ لَها: لِسانُ القَلْبِ حَتّى وصَلَ إلى فُؤادِها، وبِهَذا يَحْصُلُ المُبالَغَةُ في وصْفِها بِالحُبِّ لَهُ، وقِيلَ: الشَّغافُ سُوَيْداءُ القَلْبِ، فالمُبالَغَةُ حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ، وإلى هَذا يَرْجِعُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن أنَّ الشَّغافَ باطِنُ القَلْبِ، وما حُكِيَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ مِن أنَّهُ وسَطُهُ والفِعْلُ مَفْتُوحُ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ.

وقَرَأ ثابِتٌ البَنانِيُّ بِكَسْرِها وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ وابْنُهُ جَعْفَرٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والشَّعْبِيُّ وعَوْفٌ الأعْرابِيُّ -شَعَفَها- بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ هُرْمُزَ ومُجاهِدٍ، وحُمَيْدٍ والزُّهْرِيِّ، ورُوِيَ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيُّ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّهُ كَسَرَ العَيْنَ، وهو مِن شَعَفَ البَعِيرَ إذْ هَنَّأهُ فَأحْرَقَهُ بِالقَطِرانِ، فالمَعْنى وصَلَ حُبُّهُ إلى قَلْبِها فَكادَ يَحْتَرِقُ، ومِن هَذا قَوْلُ الأعْشى: يَعْصِي الوُشاةُ وكانَ الحُبُّ آوِنَةً مِمّا يُزَيِّنُ لِلْمَشْعُوفِ ما صَنَعا وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ مِن شَعَفَةِ القَلْبِ وهي رَأْسُهُ عِنْدَ مُعَلَّقِ النِّياطِ، ويُقالُ: لِأعْلى الجَبَلِ شَعْفَةٌ أيْضًا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشَّغَفَ الحُبُّ القاتِلُ، والشَّعْفُ حُبٌّ دُونَ ذَلِكَ، وأخْرَجا عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ الشَّغَفَ الحُبُّ، والشَّعَفُ الجُنُونُ، وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الشَّغَفَ في الحُبِّ، والشَّعَفَ في البُغْضِ، وهَذا المَعْنى مُمْتَنِعُ الإرادَةِ هُنا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي كِتابِ أسْرارِ البَلاغَةِ في فَصْلِ تَرْتِيبِ الحُبِّ أنَّ أوَّلَ مَراتِبِ الحُبِّ الهَوى، ثُمَّ العَلاقَةُ وهي الحُبُّ اللّازِمُ لِلْقَلْبِ ثُمَّ الكَلَفُ وهو شِدَّةُ الحُبِّ، ثُمَّ العِشْقُ وهو اسْمٌ لِما فَضُلَ عَنِ المِقْدارِ المُسَمّى بِالحُبِّ، ثُمَّ الشَّعَفُ بِالمُهْمَلَةِ وهو احْتِراقُ القَلْبِ مَعَ لَذَّةٍ يَجِدُها، وكَذَلِكَ اللَّوْعَةُ واللّاعِجُ، ثُمَّ الشَّغَفُ بِالمُعْجَمَةِ وهو أنْ يَبْلُغَ الحُبُّ شَغافَ القَلْبِ، ثُمَّ الجَوى وهو الهَوى الباطِنُ، ثُمَّ التَّيْمُ وهو أنْ يَسْتَعْبِدَهُ الحُبُّ، ثُمَّ التَّبْلُ وهو أنْ يُسْقِمَهُ الحُبُّ، ثُمَّ التَّدَلُّهُ وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الحُبِّ، ثُمَّ الهَيُومُ وهو أنْ يَذْهَبَ الرَّجُلُ عَلى وجْهِهِ لِغَلَبَةِ الهَوى عَلَيْهِ، اهـ.

ورَتَّبَ بَعْضُهم ذَلِكَ عَلى طَرْزٍ آخَرَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (تُراوِدُ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ، والمَقْصُودُ مِنها تَكْرِيرُ اللَّوْمِ وتَأْكِيدُ العَذَلِ بِبَيانِ اخْتِلافِ أحْوالِها القَلْبِيَّةِ كَأحْوالِها القالَبِيَّةِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها اسْتِئْنافِيَّةً فَهي حِينَئِذٍ عَلى ما قِيلَ: في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِدَوامِ المُراوَدَةِ، ولَيْسَ بِذاكَ لِأنَّهُ إنِ اعْتُبِرَ مِن حَيْثُ الإنْيَةُ كانَ مَصِيرُهُ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالأخْفى عَلى الأجْلى، وإنِ اعْتُبِرَ مِن حَدِيثِ اللَّمِّيَّةِ كانَ فِيهِ مَيْلٌ إلى تَمْهِيدِ العُذْرِ مِن قَبْلِها ولَيْسَ المَقامُ لَهُ، وانْتِصابُ (حُبًّا) عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ إذِ الأصْلُ قَدْ شَغَفَها حُبُّهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وأدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ دالَ (قَدْ) في شِينِ شَغَفَها.

﴿ إنّا لَنَراها ﴾ أيْ نَعْلَمُها فالرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ واسْتِعْمالُها بِمَعْنى العِلْمِ حَقِيقَةٌ كاسْتِعْمالِها بِمَعْنى الإحْساسِ بِالبَصَرِ، وإذا أُرِيدَ مِنها البَصَرِيَّةُ ثُمَّ تَجَوَّزَ بِها عَنِ العِلْمِيَّةِ كانَ أبْلَغَ في إفادَةِ كَوْنِها فِيما صَنَعَتْ مِنَ المُراوَدَةِ والمَحَبَّةِ المُفْرِطَةِ مُسْتَقِرَّةً ﴿ فِي ضَلالٍ ﴾ عَظِيمٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ أوْ سُنَنِ العَقْلِ ﴿ مُبِينٍ ﴾ واضِحٌ لا يَخْفى كَوْنُهُ ضَلالًا عَلى أحَدٍ، أوْ مُظْهِرٌ لِأمْرِها بَيْنَ النّاسِ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والجُمْلَةُ مُقَرَّرَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ المَسُوقَتَيْنِ لِلَّوْمِ والتَّشْنِيعِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْها بِأنَّها في أمْرِها عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلْنَ: إنَّها لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ إشْعارًا كَما قِيلَ: بِأنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ غَيْرُ صادِرٍ مِنهُنَّ مُجازَفَةً، بَلْ عَنْ عِلْمٍ ورَأْيٍ مَعَ التَّلْوِيحِ بِأنَّهُنَّ مُتَنَزِّهاتٌ عَنْ أمْثالِ ما هي عَلَيْهِ، وصَحَّ اللَّوْمُ عَلى الشَّغَفِ قِيلَ: لِأنَّهُ اخْتِيارِيٌّ بِاعْتِبارِ مَبادِيهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: مازَحَتْهُ فَعَشِقَتْهُ ∗∗∗ والعِشْقُ أوَّلُهُ مِزاحٌ وإلّا فَما لَيْسَ بِاخْتِيارِي لا يَنْبَغِي اللَّوْمُ عَلَيْهِ كَما أشارَ إلَيْهِ البُوصَيْرِيُّ بِقَوْلِهِ: يا لائِمِي في الهَوى العُذْرِيِّ مَعْذِرَةً ∗∗∗ مِنِّي إلَيْكَ ولَوْ أنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ وقِيلَ: اللَّوْمُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ الِاسْتِرْسالِ مَعَهُ وتَرْكِ عِلاجِهِ فَإنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ الأدْواءِ، وذَكَرُوا لَهُ مِنَ المُعالَجَةِ ما ذَكَرُوا، ومِن أحْسَنِ ما ذُكِرَ لَهُ مِن ذَلِكَ تَذَكُّرُ مَساوِي المَحْبُوبِ والتَّفَكُّرِ في عَواقِبِهِ فَقَدْ قِيلَ: لَوْ فَكَّرَ العاشِقُ في مُنْتَهى ∗∗∗ حُسْنِ الَّذِي يَسْبِيهِ لَمْ يَسْبِهِ وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يَطْلُبُ في مَحَلِّهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ قال الكلبي: هنَّ أربع نسوة: امرأة ساقيه يعني: ساقي الملك، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب السجن، وامرأة صاحب دوابّه.

ويقال: هن خمس، خامستهن امرأة صاحب الملك.

ويقال: أربعون امرأة.

ويقال: جماعة كثيرة من النساء اجتمعن في موضع وقلن فيما بينهنّ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ يعني: تطلب عبدها وتدعوه إلى نفسها.

قَدْ شَغَفَها حُبًّا قال الحسن: يعني، قد شق شغاف قلبها حبه.

وقال عامر الشعبي: الشغوف المحب، والمشغوف المحبوب.

وقال القتبي: قَدْ شَغَفَها حُبًّا أي بلغ الحب شغافها، وهو غلاف القلب.

ومن قرأ قَدْ شَغَفَها أي فتنها، من قولك: فلان شغوف بفلانة.

ويقال: شغف الشيء الشيء إذا علاه قَدْ شَغَفَها أي فتنها، من قولك: فلان شغوف بفلانة.

ويقال: شغف الشيء الشيء إذا علاه قَدْ شَغَفَها أي علاها.

ويقال: أهلكها، فلا تعقل غيره إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: في خطأ بيّن.

ويقال: في عشق بيّن، فلا تعقل غيره.

قوله تعالى: فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ يعني: سمعت زليخا بمقالتهن.

وإنما سمَّي قولهنّ مكراً والله أعلم، لأن قولهن لم يكن على وجع النصيحة والنهي عن المنكر، ولكن كان على وجه الشماتة والتعيير.

أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ فدعتهن وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً يعني: اتخذت لهن وسائد يتكئن عليها لجلوسهنّ، وذلك أنها اتخذت ضيافة، ودعت النسوة، ووضعت الوسائد لجلوسهن.

وقال الفراء: من قرأ مُتَّكَأً غير مهموز فإنه الأترج، وكذلك قال ابن عباس.

روى منصور عن مجاهد أنه قال: من قرأ مثقلة قال: يعني: الطعام، ومن قرأ: مخففة قال الأترج.

ويقال: الزُّمَّاوَرْد وهو نوع من التمر.

وقال عكرمة كل شيء يقطع بالسكين وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً يعني: أعطت زليخا كل واحدة من النسوة سكيناً، وأمرت يوسف بأن يلبس أحسن ثيابه، وزيّنته أحسن الزينة وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ يعني: اخرج على النساء، فخرج عليهن.

روى أبو الأحوص عن ابن مسعود قال: «أوتي يوسف وأمه ثلث حسن الناس: في الوجه، والبياض، وغير ذلك.

وكانت المرأة إذا رأت يوسف، غطّى وجهه مخافة أن تفتن به.

فلما خرج يوسف إلى النسوة غطى وجهه فنظرن إليه» فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ يقول: أعظمنه، أي: أعظمن شأنه، وتحيرن، وبقين مدهوشات طائرة عقولهن، وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ يقول: حززن، وخدشن أيديهن بالسكين، ولم يشعرن بذلك وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ يعني: معاذ الله مَا هذا بَشَراً قرأ بعضهم: بالرفع.

ما هذا بشر وقرأ بعضهم مَا هذا ببشر يعني: مثل هذا لا يكون بشراً.

وقراءة العامة ما هذا بَشَراً بنصب الراء والتنوين، لأنه خبر «ما» .

ولأنه صار نصباً لنزع الخافض.

ومعناه: مَا هذا بَشَراً يعني: مثل هذا لا يكون آدمياً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ يعني: على ربه.

فإن قيل: إنهن لم يرين الملك، فكيف شبّهنه بشيء لم يرينه؟

قيل له: لأن المعروف عند الناس، أنهم إذا وصفوا أحداً بالحسن، يقولون: هذا يشبه الملك، كما أنهم إذا وصفوا أحداً بالقبح، يقولون: هو كالشيطان، وإن لم يروا الشيطان.

قرأ أبو عمرو حاشا لِلَّهِ بالألف.

وقرأ الباقون: بغير ألف.

وكذلك الذي بعده قالَتْ زليخا للنسوة فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ يقول: عذلتني فيه وعبتني فيه فهل عذرتنني؟

فقلن لها: أنت معذورة.

قالت: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ يعني: طلبت إليه أن يمكنني من نفسه فَاسْتَعْصَمَ أي: فامتنع بنفسه مني وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ يعني: احبسه في السجن وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ يعني: من المهانين بالسجن.

ويقال: من المذلين.

وقرأ بعضهم لَيَكُونُنَّ بتشديد النون، وهذا خلاف مصحف الإمام.

وقراءة العامة: وَلَيَكُوناً لأن النون الخفيفة تبدل منها في الوقف بالألف.

قالَ يوسف رَبِّ يقول: يا سيدي السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي النسوة إِلَيْهِ من العمل القبيح.

قرأ بعضهم قالَ رَبِّ السِّجْنُ بنصب السين على معنى المصدر.

يقال: سجنته سَجْناً وهي قراءة شاذة.

وقراءة العامة بالكسر يعني: نزول بيت السجن أحب إلى مما يدعونني إليه، يعني به: امرأة العزيز خاصة.

ويقال: أراد به النسوة اللاتي حضرن هناك، لأنهن قلن له: أطع مولاتك ولا تخالفها، فإن لها عليك حقاً.

وقد اشترتك بمالها وهي تحسن إليك، وتحبك، وتطلب هواك.

فقال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ وقال بعض الحكماء: لو أنه قال: رب العافية أحَبُّ إليّ، لعافاه الله تعالى.

ولكن لما نجا بدينه، لم يبال بما أصابه في الله.

ثم قال: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ يعني: إذا لم تصرف عني عملهن وشرهن أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي: أمل إليهن وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ يعني: من المذنبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الشاهدُ، قال ذلك، ونَزَعَ بهذه الآية مَنْ يرى الحُكْم بالإِمارة من العلماء فإِنها معتمدهم، و «يوسُفُ» في قوله: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا: منادًى، قال ابن عباس: ناداه الشاهدُ، وهو الرجل الذي كان مع العزيز «١» ، وأَعْرِضْ عَنْ هذا: معناه: عن الكلامِ بِهِ، أي:

اكتمه، ولا تتحدَّث به، ثم رَجَعَ إِليها، فقال: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أي: استغفري زَوْجَكَ وسيِّدَكَ، وقال: مِنَ الْخاطِئِينَ، ولم يقل «من الخاطئات» لأن الخاطئين أعمّ.

وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)

وقوله سبحانه: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ:

نِسْوَةٌ: جمع قلَّة، وجمعُ التكثير نساءٌ، ويروَى أنَّ هؤلاء النسوة كُنَّ أربعاً: امرأة خبَّازَة، وامرأة ساقية، وامرأة بَوَّابة، وامرأة سَجَّانة، والعزيزُ: المَلِك، والفَتَى: الغلام، وعُرْفُه في المملوك، ولكنَّه قد قيل في غير المملوك ومنه: إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ [الكهف: ٦٠] ، وأصل الفتى، في اللغة: الشَّابُّ، ولكن لما كان جُلُّ الخَدَمَةِ شبابا، استعير لهم اسم الفتى، وشَغَفَها: معناه بَلَغَ حتَّى صار مِنْ قلبها موضِعَ الشِّغافِ، وهو على أكثر القولِ: غِلاَفٌ من أغشية القَلْبِ.

وقيل: الشِّغاف: سويداءُ القَلْبِ.

وقيل: الشِّغَافُ: داءٌ يصلُ إِلى القلب.

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ليحضُرْن.

وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً: أي: أعَدَّتْ ويَسَّرت ما يُتَّكَأُ عليه من فُرُشٍ ووسَائِد وغَيْرِ ذلك، وقرأ ابن عباس «٢» وغيره: «مُتْكاً» - بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف-،

واختلف في معناها، فقيل: هو الأُتْرُنْجَ «١» ، وقيل: هو اسمٌ يعمُّ جميع ما يُقْطَعُ بالسِّكِّين، وقولها: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ: أمر ليوسف، وأطاعها بحسب المُلْك.

وقوله: أَكْبَرْنَهُ: معناه: أعظمنْهُ واستهولن جَمَاله، هذا قولُ الجمهور.

وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ: أي: كَثَّرْنَ الحَزَّ فيها بالسَّكَاكين، وقرأ أبو عمرو «٢» وحده:

«حاشَى للَّهِ» ، وقرأ سائر السبعة: حاشَ لِلَّهِ، فمعنى «حَاشَ للَّهِ» : أي: حاشَى يوسُفَ لطاعته للَّه، أو لمكانه من اللَّهِ أنْ يرمَى بِمَا رَمَيْتِهِ به، أوْ يدعَى إِلى مثله، لأَنَّ تلْكَ أفعال البشر، وهو لَيْسَ منهم، إِنما هو مَلَكٌ، هكذا رتَّب بعضهم معنَى هذا الكلامِ على القراءَتَيْنِ، وقرأ الحسنُ «٣» وغيره: «مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلِكٌ كَرِيمٌ» - بكسر اللام من «مَلِك» وعلى هذه القراءة، فالكلامُ فصيحٌ: لَمَّا استعظمن حُسْنَ صورته، قُلْنَ ما هذا مما يَصْلُح أنْ يكون عبداً بشَراً، إِنْ هذا إِلا مما يَصْلُح أنْ يكون مَلِكاً كريماً.

ت: وفي «صحيح مسلم» من حديث الإِسراء: «ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِيُوسُفَ صلّى الله عليه وسلّم، وإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ» «٤» انتهى.

وقولها: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ: المعنى: فهذا الذي لُمْتُنَّنِي فيه، وقطعتُنَّ أيديَكُنَّ بسببه: هو الذي جَعَلَنِي ضالَّةً في هواه، ثم أقرَّت امرأة العزيزِ للنّسوة بالمراودة،

واستأمنت إِليهن في ذلك إِذْ عَلِمَتْ أَنهنَّ قد عذرنها.

وفَاسْتَعْصَمَ معناه طلب العِصْمة، وتمسَّك بها، وعَصَاني، ثم جعلَتْ تتوعَّده، وهو يسمع بقولها.

وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ...

إِلى آخر الآية.

ت: واعترض ص: بأنَّ تفسيرُ «استعصم» ب «اعتصم» أولى من جعله للطَّلبِ، إِذ لا يلزم من طلب الشيء حصُولُه.

انتهى، واللام في «لَيُسْجَنَنَّ» : لام قَسَمٍ، واللام الأولَى هي المؤذنَةُ بالمجيء بالقَسَمِ، و «الصاغرون» : الأذلاَّء، وقَوْلُ يوسُفَ عليه السلام: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلى قوله: مِنَ الْجاهِلِينَ، كلامٌ يتضمَّن التشكِّيَ إِلى اللَّه تعالى من حاله معهن، / وأَصْبُ: مأخوذ من الصَّبْوَة، وهي أفعالُ الصِّبا، ومن ذلك قولُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: [الطويل]

صَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلاَ الشَّيْبُ رَأْسَه ...

فَلَمَّا عَلاَهُ قَالَ لِلْبَاطِلِ ابعد «١»

قال ص: «أصْبُ» معناه: أَمِلْ، وهو جوابُ الشرطِ، والصَّبابة: إِفراط الشوْقِ.

انتهى.

فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ أي: أجابه إِلى إِرادته، وصَرَفَ عنه كَيْدُهِنَّ في أنْ حال بينه وبين المعصية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ المَعْنى: يا يُوسُفُ أعْرِضْ.

وَفِي القائِلِ لَهُ هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ابْنُ عَمِّها وهو الشّاهِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الزَّوْجُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْرِضْ عَنْ هَذا الأمْرِ فَلا تَذْكُرْهُ لِأحَدٍ، واكْتُمْهُ عَلَيْها.

ورَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: ﴿ يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى الخَبَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اسْتَعْفِي زَوْجَكِ لِئَلّا يُعاقِبَكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تُوبِي مِن ذَنْبِكِ فَإنَّكِ قَدْ أثِمْتِ.

وَفِي القائِلِ لِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما ابْنُ عَمِّها.

والثّانِي: الزَّوْجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ ﴾ يَعْنِي: مِنَ المُذْنِبِينَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ الحَدِيثُ في مِصْرَ حَتّى تَحَدَّثَ بِذَلِكَ النِّساءُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ ﴾ وفي عَدَدِهِنَّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ كُنَّ أرْبَعًا: امْرَأةُ ساقِي المَلِكِ، وامْرَأةُ صاحِبِ دِيوانِهِ، وامْرَأةُ خَبّازِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ سِجْنِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ خَمْسٌ: امْرَأةُ الخَبّازِ، وامْرَأةُ السّاقِي، وامْرَأةُ السَّجّانِ، وامْرَأةُ صاحِبِ الدَّواةِ، وامْرَأةُ الآذِنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا العَزِيزُ، فَهو بِلُّغَتِهُمُ المَلِكُ، والفَتى بِمَعْنى العَبْدِ.

قالَ الزَّجّاجُ: كانُوا يُسَمُّوْنَ المَمْلُوكَ فَتًى.

وإنَّما تَكَلَّمَ النِّسْوَةُ في حَقِّها، طَعْنًا فِيها وتَحْقِيقًا لِبَراءَةِ يُوسُفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ أيْ: بَلَغَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها.

وَفِي الشَّغافِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ جِلْدَةٌ بَيْنَ القَلْبِ والفُؤادِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي أنَّهُ غِلافُ القَلْبِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولَمْ يُرِدِ الغِلافَ، إنَّما أرادَ القَلْبَ، يُقالُ: شَغَفْتُ فُلانًا: إذا أصَبْتَ شَغافَهُ، كَما يُقالُ: كَبَدْتُهُ: إذا أصَبْتَ كَبِدَهُ، وبَطَنْتُهُ إذا أصَبْتَ بَطْنَهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ حَبَّةُ القَلْبِ وسُوَيْداؤُهُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ داءٌ يَكُونُ في الجَوْفِ في الشَّراسِيفِ، وأنْشَدُوا: وقَدْ حالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ داخِلٌ دُخُولَ الشَّغافِ تَبْتَغِيهِ الأصابِعُ ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.

وقالَ الأصْمَعِيُّ: الشَّغافُ عِنْدَ العَرَبِ: داءٌ يَكُونُ تَحْتَ الشَّراسِيفِ في الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ البَطْنِ، والشَّراسِيفُ: مَقاطُّ رُؤُوسِ الأضْلاعِ، واحِدُها: شُرْسُوفٌ.

وَقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " قَدْ شَعَفَها " بِالعَيْنِ.

قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، والشَّعَفُ: رُؤُوسُ الجِبالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ، لِحُبِّها إيّاهُ.

والمُبِينُ: الظّاهِرُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عن نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ ذَكَرَ الفِعْلَ المُسْنَدَ إلى النِسْوَةِ لِتَذْكِيرِ اسْمِ الجَمْعِ.

و(النِسْوَةُ) جَمْعُ قِلَّةٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وجَمَعُ التَكْثِيرِ نِساءٌ، و”نِسْوَةٌ" فِعْلَةٌ، وهو أحَدُ الأبْنِيَةِ الأرْبَعَةِ الَّتِي هي لِأدْنى العَدَدِ، وقَدْ نَظَمَها القائِلُ بِبَيْتِ شِعْرٍ: بِأفْعَلَ وأفْعالٍ وأفْعِلَةٍ ∗∗∗ وفِعْلَةٌ يُعْرَفُ الأدْنى مِنَ العَدَدِ ويُرْوى أنَّ هَؤُلاءِ النِسْوَةَ كُنَّ أرْبَعًا: امْرَأةَ خَبّازِ المَلِكِ، وامْرَأةَ ساقِيهِ، وامْرَأةَ حاجِبِهِ، وامْرَأةَ بَوّابِهِ.

و"العَزِيزِ": المَلِكُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: دُرَّةٌ غاصَ عَلَيْها تاجِرٌ ∗∗∗ ∗∗∗ جُلِبَتْ عِنْدَ عَزِيزٍ يَوْمَ طُلَّ و(الفَتى): الغُلامُ: وعُرْفُهُ في المَمْلُوكِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: عَبْدِي، وأمَتِي، ولِيَقُلْ: فَتايَ وفَتاتِي"» ولَكِنَّهُ قَدْ يُقالُ في غَيْرِ المَمْلُوكِ، ومِنهُ: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ  ﴾ ، وأصْلُ الفَتى في اللُغَةِ: الشابُّ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ جُلُّ الخِدْمَةِ شَبابًا اسْتُعِيرَ لَهُمُ اسْمُ الفَتى.

و"شَغَفَها" مَعْناهُ: بَلَغَ حَتّى صارَ مِن قَلْبِها مَوْضِعَ الشَغافِ، وهو عَلى أكْثَرِ القَوْلِ غِلافٌ مِن أغْشِيَةِ القَلْبِ، وقِيلَ: الشَغافُ: سُوَيْداءُ القَلْبِ، وقِيلَ: الشَغافُ: داءٌ يَصِلُ إلى القَلْبِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والأعْرَجُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ- ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ- وثابِتٌ، وعَوْفٌ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "قَدْ شَعَفَها" بِالعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ عَلا بِها كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِنَ الحُبِّ، وذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، فَهو مَأْخُوذٌ -عَلى هَذا- مِن شَعَفِ الجِبالِ وهي رُؤُوسُها وأعالِيها، وَمِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرَ مالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِها شَعَفَ الجِبالِ ومَواقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ"» والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يَكُونَ الشَعَفُ لَذَّةً بِحُرْقَةٍ يُوجَدُ مِنَ الجِراحاتِ والجَرَبِ ونَحْوِهِما، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: أيَقْتُلُنِي وقَدْ شَعَفْتُ فُؤادَها ∗∗∗ ∗∗∗ كَما شَعَفَ المَهْنُوءَةَ الرَجُلُ الطالِي والمَشْعُوفُ في اللُغَةِ: الَّذِي أحْرَقَ الحُبُّ قَلْبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: تَعْصِي الوُشاةَ وكانَ الحُبُّ آوِنَةً ∗∗∗ ∗∗∗ مِمّا يُزَيِّنُ لِلْمَشْعُوفِ ما صَنَعا ورُوِيَ عن ثابِتٍ البَنانِيِّ، وأبِي رَجاءٍ أنَّهُما قَرَآ: "قَدْ شَعِفَها" بِكَسْرِ العَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْرُوفُ فَتَحُ العَيْنِ، وهَذا قَدْ قُرِئَ بِهِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "قَدْ شَّغَفَها" أدْغَمَ الدالَ في الشِينِ.

ورُوِيَ أنَّ مَقالَةَ هَؤُلاءِ النِسْوَةِ إنَّما قَصَدْنَ بِها المَكْرَ بِامْرَأةِ العَزِيز لِيُغْضِبْنَها حَتّى تَعْرِضَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفَ لِيَبِينَ عُذْرُها أو يَحِقَّ لَوْمُها، وقَدْ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَغَفُ في الحُبِّ والشَغَفُ في البُغْضِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: الشَغَفُ والمَشْغُوفُ بِالغَيْنِ مَنقُوطَةً في الحُبِّ، والشَعَفُ: الجُنُونُ، والمَشْعُوفُ: المَجْنُونُ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ الآيَةُ.

إنَّما سُمِّيَ قَوْلُهُنَّ مَكْرًا مِن حَيْثُ أظْهَرْنَ إنْكارَ مُنْكَرٍ وقَصَدْنَ إثارَةَ غَيْظِها عَلَيْهِنَّ، وقِيلَ: مَكْرُهُنَّ أنَّهُنَّ أفْشَيْنَ ذَلِكَ عنها وقَدْ كانَتْ أطْلَعَتْهُنَّ عَلى ذَلِكَ واسْتَكْتَمَتْهُنَّ، وهَذا لا يَكُونُ مَكْرًا إلّا بِأنْ يُظْهِرْنَ لَها خِلافَ ذَلِكَ ويَقْصِدْنَ بِالإفْشاءِ أذاها.

ومَعْنى ﴿ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ ﴾ أيْ لِيَحْضُرْنَ، "وَأعْتَدَتْ" مَعْناهُ: أعَدَّتْ ويَسَّرَتْ، "وَمُتَّكَأً": ما يُتَّكَأُ عَلَيْهِ مِن فُرُشٍ ووَسائِدَ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ عن مَجْلِسٍ أُعِدَّ لِكَرامَةٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا النَوْعَ مِنَ الكَراماتِ لا يَخْلُو مِنَ الطَعامِ والشَرابِ، فَلِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ المُتَّكَأ بِالطَعامِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "مُتَّكَأً" مَعْناهُ: مَجْلِسًا، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقالَ القُتَبِيُّ: يُقالُ: اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ، أيْ أكَلْنا.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ في جُمْلَةِ الطَعامِ ما يُقَطَّعُ بِالسَكاكِينِ، فَقِيلَ: كانَ لَحْمًا، وكانُوا لا يَنْتَهِسُونَ اللَحْمَ وإنَّما كانُوا يَأْكُلُونَهُ حَزًّا بِالسَكاكِينِ، وقِيلَ: كانَ أُتْرُجًّا، وقِيلَ: كانَ زُماوَرْدَ -وَهُوَ مِن نَحْوِ الأُتْرُجِّ مَوْجُودٌ في تِلْكَ البِلادِ- وقِيلَ: هو مَصْنُوعٌ مِن سُكَّرٍ ولَوْزٍ وأخْلاطٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والكَلْبِيُّ، وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "مُتْكًا" بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ التاءِ وتَنْوِينِ الكافِ، واخْتُلِفَ في مَعْناهُ؛ فَقِيلَ: هو الأُتْرُجُّ، وقِيلَ: هو اسْمٌ يَعُمُّ ما يُقَطَّعُ بِالسِكِّينِ مِنَ الفَواكِهِ كالأُتْرُجِّ والتُفّاحِ وغَيْرِهِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُواعِ جِهارًا ∗∗∗ ∗∗∗ وتَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارًا وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُتَّكَئًا" بِشَدِّ التاءِ المَفْتُوحَةِ والهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "مُتَّكًا" مُشَدَّدُ التاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ، وشَيْبَةَ بْنِ نَصّاحٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "مُتَّكاءً" بِالمَدِّ عَلى إشْباعِ الحَرَكَةِ.

والسِكِّينُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، ولَمْ يَعْرِفِ الأصْمَعِيُّ إلّا التَذْكِيرَ.

وقَوْلُهُ: "اخْرُجْ" أمْرٌ لِيُوسُفَ، وأطاعَها بِحَسْبَ المُلْكِ، وقالَ مَكِّيٌّ، والمَهْدِيُّ: قِيلَ: إنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا في القَصَصِ؛ وذَلِكَ أنَّ قِصَّةَ النِسْوَةِ كانَتْ قَبْلَ فَضِيحَتِها في القَمِيصِ لِلسَّيِّدِ، وبِاشْتِهارِ الأمْرِ لِلسَّيِّدِ انْقَطَعَ ما بَيَّنَها وبَيْنَ يُوسُفَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ.

بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ كانَتْ قِصَّةُ النِساءِ بَعْدَ قِصَّةِ القَمِيصِ، وذَلِكَ أنَّ العَزِيزَ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ، بَلْ قَوْمُهُ أجْمَعُونَ، ألا تَرى أنَّ الإنْكارَ في وقْتِ القَمِيصِ إنَّما كانَ بِأنْ قِيلَ: ﴿ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدِكُنَّ عَظِيمٌ  ﴾ ؟

وهَذا يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ الغَيْرَةِ، ثُمَّ سَكَنَ الأمْرُ بِأنْ قالَ: ﴿ يُوسُفُ أعْرِضْ عن هَذا  ﴾ وأنْتِ "اسْتَغْفِرِي" وهي لَمْ تَبْقَ حِينَئِذٍ إلّا عَلى إنْكارِها وإظْهارِ الصِحَّةِ، فَلِذَلِكَ تُغُوفِلَ عنها بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ دَلِيلَ القَمِيصِ لَمْ يَكُنْ قاطِعًا، وإنَّما كانَ أمارَةً ما، هَذا إنْ لَمْ يَكُنِ المُتَكَلِّمُ طِفْلًا.

وقَوْلُهُ: "أكْبَرْنَهُ" مَعْناهُ: أعْظَمْنَهُ واسْتَهْوَلْنَ جَمالَهُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ عَبْدُ الصَمَدِ بْنُ عَلِيٍّ الهاشِمِيِّ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ: مَعْناهُ: حِضْنَ، وأنْشَدَ بَعْضُ الناسِ حُجَّةً لِهَذا التَأْوِيلِ: يَأْتِي النِساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ يَأْتِي النِساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، ومَعْناهُ مَنكُورٌ، والبَيْتُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ، كَذَلِكَ قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ولَيْسَ عَبْدُ الصَمَدِ مِن رُواةِ العِلْمِ، رَحِمَهُ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ أيْ: أكْثَرْنَ فِيها حَزَّ السَكاكِينِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الأيْدِي هُنا: الأكْمامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الجَوارِحُ وقَطَّعْنَها حَتّى ألْقَيْنَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ بانَتِ الأيْدِي، وذَلِكَ ضَعِيفٌ مِن مَعْناهُ، وذَلِكَ أنَّ قَطْعَ العَظْمَ لا يَكُونُ إلّا بِشِدَّةٍ، ومُحالٌ أنْ يَسْهُوَ أحَدٌ عنها، والقَطْعُ عَلى المِفْصِلِ لا يَتَهَيَّأُ إلّا بِتَلَطُّفٍ لا بُدَّ أنْ يُقْصَدَ، والَّذِي يُشْبِهُ أنَّهُنَّ حَمَلْنَ عَلى أيْدِيهِنَّ الحَمْلَ الَّذِي كُنَّ يَحْمِلْنَهُ قَبْلَ المَتْكِ فَكانَ ذَلِكَ حَزًّا، وهَذا قَوْلُ الجَماعَةِ، وضُوعِفَتِ الطاءُ في "قَطَّعْنَ" لِكَثْرَتِهِنَّ وكَثْرَةِ الحَزِّ، فَرُبَّما كانَ مِرارًا.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "حاشا لِلَّهِ"، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: "حاشَ اللهِ"، وقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ: "حاشَ لِلَّهِ"، وفِرْقَةٌ: "حَشى لِلَّهِ"، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ: "حاشْ لِلَّهِ" بِسُكُونِ الشِينِ، وهي ضَعِيفَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "حاشَ الإلَهِ" مَحْذُوفًا مِن "حاشى".

فَأمّا "حاشَ" فَهي حَيْثُ جَرَّتْ حَرْفٌ مَعْناهُ الِاسْتِثْناءُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهَ، وقَدْ يُنْصَبُ بِهِ، تَقُولُ: "حاشَ زِيدٍ وحاشَ زَيْدًا"، قالَ المُبَرِّدُ: النَصْبُ أولى إذْ قَدْ صَحَّ أنَّها فِعْلٌ بِقَوْلِهِمْ: "حاشَ لِزَيْدٍ"، والحَرْفُ لا يُحْذَفُ مِنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَظْهَرُ مِن مَجْمُوعِ كَلامِ سِيبَوَيْهَ والمُبَرِّدِ أنَّ الحَرْفَ يُخْفَضُ بِهِ لا غَيْرَ، وأنَّ الفِعْلَ هو الَّذِي يُنْصَبُ بِهِ، فَهَذِهِ اللَفْظَةُ تُسْتَعْمَلُ فِعْلًا وحَرْفًا، وهي في بَعْضِ المَواضِعِ فِعْلٌ وزْنُهُ فاعِلٌ، وذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "حاشى لِلَّهِ"، مَعْناهُ مَأْخُوذٌ مِن مَعْنى الحَرْفِ وهو إزالَةُ الشَيْءِ عن مَعْنًى مَقْرُونٍ بِهِ، وهَذا الفِعْلُ مَأْخُوذٌ مِنَ "الحَشى"، أيْ: هَذا في حَشى وهَذا في حَشى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: يَقُولُ الَّذِي يَمْشِي إلى الحِرْزِ أهْلُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِأيِّ الحَشى صارَ الخَلِيطُ المُبايِنُ؟

ومِنهُ الحاشِيَةُ، كَأنَّها مُبايَنَةٌ لِسائِرِ ما هي لَهُ، ومِنَ المَواضِعِ الَّتِي "حاشى" فِيها فِعْلٌ هَذِهِ الآيَةُ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دُخُولُها عَلى حَرْفِ الجَرِّ، والحُرُوفُ لا يَدْخُلُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَذْفُ الياءِ مِنها في قِراءَةِ الباقِينَ: "حاشَ" عَلى نَحْوِ حَذْفِهِمْ مِن: "لا أُبالِ" و"لا أدْرِ" و"لَوْ تَرَ"، ولا يَجُوزُ الحَذْفُ مِنَ الحُرُوفِ إلّا إذا كانَ فِيها تَضْعِيفٌ مِثْلُ: "لَعَلَّ"، فَيَحْذِفُ وتَرْجِعُ "عَلَّ"، ويُعْتَرَضُ في هَذا الشَرْطِ بِـ"مُنْذُ" و"مُذْ" فَإنَّهُ حَذَفَ دُونَ تَضْعِيفٍ، فَتَأمَّلْهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن ذَلِكَ في حَدِيثِ خالِدٍ يَوْمَ مُؤْتَةَ: "فَحاشى بِالناسِ".

فَمَعْنى "حاشَ لِلَّهِ" هاهُنا: حاشَ يُوسُفُ لِطاعَتِهِ لِلَّهِ، أو لِمَكانِهِ مِنَ اللهِ، أو لِتَرْفِيعِ اللهِ لَهُ أنْ يُرْمى بِما رَمَيْتِهِ بِهِ أو يُدْعى إلى مِثْلِهِ؛ لِأنَّ تِلْكَ أفْعالُ البَشَرِ وهو لَيْسَ مِنهُمْ، إنَّما هو مَلَكٌ، هَكَذا رَتَّبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ مَعْنى هَذا الكَلامِ عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اللَتَيْنِ في السَبْعِ، وأمّا قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ فَعَلى أنَّ "حاشَ" حَرْفُ اسْتِثْناءٍ، كَما قالَ الشاعِرُ: حاشى أبِي ثَوْبانَ إنَّ بِهِ ∗∗∗ ضِنًّا عَنِ المِلْحاةِ والشَتْمِ وتَسْكِينُ الشِينِ في إحْدى قِراءَتَيِ الحَسَنِ ضَعِيفٌ؛ جَمَعَ بَيْنَ ساكِنِينِ، وقِراءَتُهُ الثانِيَةُ مَحْذُوفَةُ الألِفِ مِن "حاشى".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَشْبِيهُ بِالمَلَكِ هو مِن قَبِيلِ التَشْبِيهِ بِالمُسْتَعْظَماتِ، وإنْ كانَتْ لا تُرى.

وقَرَأ أبُو الحُوَيْرِثِ الحَنَفِيُّ، والحَسَنُ: "ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلِكٌ كَرِيمٌ" بِكَسْرِ اللامِ في "مَلَكٍ"، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالكَلامُ فَصِيحٌ، لَمّا اسْتَعْظَمْنَ حُسْنَ صُورَتِهِ قُلْنَ: ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ هَذا عَبْدًا بَشَرًا، إنَّما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَلِكًا كَرِيمًا.

ونَصْبُ "بَشَرًا" عَلى لُغَةِ الحِجازِ، شُبِّهَتْ "ما" بِـ(لَيْسَ)، وأمّا تَمِيمٌ فَتَرْفَعُ، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ.

ورُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ أُعْطِيَ ثُلُثَ الحُسْنِ، «وَعَنِ النَبِيِّ  أُعْطِي نِصْفَ الحُسْنِ،» فَفي بَعْضِ الأسانِيدِ هو وأُمُّهُ، وفي بَعْضِها هو وسارَّةٌ جَدَّةِ أبِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ، أيْ: لَوْ كانَ الحَسَنُ مِمّا يُقَسَّمُ لَكانَ حُسْنُ يُوسُفَ يَقَعُ في نِصْفِهِ، فالقَصْدُ أنْ يَقَعَ في نَفْسِ السامِعِ عِظَمُ حُسْنِهِ، عَلى نَحْوِ التَشْبِيهِ بِرُؤُوسِ الشَياطِينِ وأنْيابِ الأغْوالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

النسوة: اسم جمع امرأة لا مفرد له، وهو اسم جمع قِلة مثله نساء.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ونساءَنا ونساءَكم ﴾ في سورة آل عمران (61).

وقوله: ﴿ في المدينة ﴾ صفة لنسوة.

والمقصود من ذكر هذه الصفة أنهن كنّ متفرقات في ديار من المدينة.

وهذه المدينة هي قاعدة مصر السفلى وهي مدينة (مَنْفِيسْ) حيث كان قصر العزيز، فنقل الخبر في بيوت المتصلين ببيت العزيز.

وقيل: إن امرأة العزيز باحت بالسر لبعض خلائلها فأفشينه كأنّها أرادت التشاور معهن، أو أرادت الارتياح بالحديث إليهن (ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره).

وهذا الذي يقتضيه قوله: ﴿ وأعْتَدت لهن متكئاً ﴾ [سورة يوسف: 31] وقوله: ﴿ ولئن لم يفعل ﴾ [سورة يوسف: 32].

والفتى: الذي في سنّ الشباب، ويكنى به عن المملوك وعن الخادم كما يكنى بالغلام والجارية وهو المراد هنا.

وإضافته إلى ضمير امرأة العزيز} لأنه غلام زوجها فهو غلام لها بالتبع ما دامت زوجة لمالكه.

وشَغَف: فعل مشتق من اسم جامد، وهو الشِغاف بكسر الشين المعجمة وهو غلاف القلب.

وهذا الفعل مثل كَبَدهُ ورآهُ وجَبَهه، إذا أصاب كَبده ورئته وجَبهته.

والضمير المستتر في ﴿ شغفها ﴾ ل ﴿ فتاها ﴾ .

ولما فيه من الإجمال جيء بالتمييز للنسبة بقوله: ﴿ حبّا ﴾ .

وأصله شغفها حبه، أي أصاب حبه شغافها، أي اخترق الشغاف فبلغ القلب، كناية عن التمكن.

وتذكير الفعل في ﴿ وقال نسوة ﴾ لأن الفعل المسند إلى ألفاظ الجموع غير الجمع المذكر السالِم يجوز تجريده من التاء باعتبار الجمع، وقرنه بالتاء باعتبار الجماعة مثل ﴿ وجاءت سيارة ﴾ [سورة يوسف: 19].

وأما الهاء التي في آخر نسوة} فليست علامة تأنيث بل هي هاء فِعلة جمع تكسير، مثل صبية وغلمة.

وقد تقدم وجه تسمية الذي اشترى يوسف عليه السّلام باسم العزيز عند قوله تعالى: ﴿ وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته ﴾ [سورة يوسف: 21].

وتقدم ذكر اسمه واسمها في العربية وفي العبرانية.

ومجيء تراود } بصيغة المضارع مع كون المراودة مضت لقصد استحضار الحالة العجيبة لقصد الإنكار عليها في أنفسهن ولومها على صنيعها.

ونظيره في استحضار الحالة قوله تعالى: ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ [سورة هود: 74].

وجملة قد شغفها حباً } في موضع التعليل لجملة ﴿ تراود فتاها ﴾ .

وجملة ﴿ إنا لنراها في ضلال مبين ﴾ استئناف ابتدائي لإظهار اللوم والإنكار عليها.

والتأكيد ب (إنّ) واللام لتحقيق اعتقادهِن ذلك، وإبعاداً لتهمتهن بأنهن يحسدنها على ذلك الفتى.

والضلال هنا: مخالفة طريق الصواب، أي هي مفتونة العقل بحب هذا الفتى، وليس المراد الضلال الديني.

وهذا كقوله تعالى آنفاً: ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين ﴾ [سورة يوسف: 8].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ ﴾ قالَ جُوَيْبِرٌ: كُنَّ أرْبَعًا: امْرَأةُ الحاجِبِ وامْرَأةُ السّاقِي وامْرَأةُ الخَبّازِ وامْرَأةُ القَهْرَمانِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وامْرَأةُ صاحِبِ السِّجْنِ.

وَفي هَذِهِ المَدِينَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِصْرُ.

الثّانِي: عَيْنُ شَمْسَ.

﴿ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ قُلْنَ ذَلِكَ ذَمًّا لَها وطَعْنًا فِيها وتَحْقِيقًا لِبَراءَةِ يُوسُفَ وإنْكارًا لِذَنْبِهِ.

والعَزِيزُ اسْمُ المَلِكِ مَأْخُوذٌ مِن عِزَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادٍ: دُرَّةٌ غاصَ عَلَيْها تاجِرٌ جُلِبَتْ عِنْدَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَلٍّ ﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ أيْ قَدْ دَخَلَ حُبُّهُ مِن شَغافِ قَلْبِها.

وَفي شَغافِ القَلْبِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حِجابُ القَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ غِلافُ القَلْبِ وهو جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ بَيْضاءُ تَكُونُ عَلى القَلْبِ ورُبَّما سُمِّيَتْ لِباسُ القَلْبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وسُفْيانُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ باطِنُ القَلْبِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ هو حَبَّةُ القَلْبِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ما يَكُونُ في الجَوْفِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ.

الخامِسُ: هو الذُّعْرُ والفَزَعُ الحادِثُ عَنْ شِدَّةِ الحُبِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

وَقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: قَدْ شَعَفَها حُبًّا (بِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ) .

واخْتُلِفَ في الفَرْقِ بَيْنَهُما عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّغَفَ بِالغَيْنِ مُعْجَمَةً هو الجُنُونُ وبِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ هو الحُبُّ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّ الشَّغَفَ بِالإعْجامِ الحُبُّ القاتِلُ، والشَّعَفُ بِغَيْرِ إعْجامٍ دُونَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: فَلا وجْدَ إلّا دُونَ وجْدٍ وجَدْتُهُ ∗∗∗ أصابَ شَغافَ القَلْبِ والقَلْبُ يُشْغَفُ ﴿ إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في ضَلالٍ عَنِ الرُّشْدِ وعُدُولٍ عَنِ الحَقِّ.

الثّانِي: مَعْناهُ في مَحَبَّةٍ شَدِيدَةٍ.

وَلَمّا اقْتَرَنَ شِدَّةُ حُبِّها بِالشَّهْوَةِ طَلَبَتْ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِها بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، ولَوْ خَلَصَ مِنَ الشَّهْوَةِ طَلَبَتْ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُ بِالصِّدْقِ عَلى نَفْسِها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَمُّهُنَّ لَها وإنْكارُهُنَّ عَلَيْها.

الثّانِي: أنَّها أسَرَّتْ إلَيْهِنَّ بِحُبِّها لَهُ فَأشَعْنَ ذَلِكَ عَنْها.

﴿ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ وفي "أعْتَدَتْ" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الإعْدادِ.

الثّانِي: أنَّهُ مِنَ العُدْوانِ.

وَفي (المُتْكَأِ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المَجْلِسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّمارِقُ والوَسائِدُ يُتَّكَأُ عَلَيْها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّعامُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ أيْ طَعِمْنا عِنْدَهُ، وأصْلُهُ أنَّ مَن دُعِيَ إلى طَعامٍ أُعِدَّ لَهُ مُتَّكَأً فَسُمِّيَ الطَّعامُ بِذَلِكَ مُتَّكَأً عَلى الِاسْتِعارَةِ.

فَعَلى هَذا أيُّ الطَّعامِ هُوَ؟

فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الزُّماوَرْدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الأُتْرُجُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وهو وتَأْوِيلُ مَن قَرَأها مُخَفَّفَةً غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ، والمَتْكُ في كَلامِهِمُ الأُتْرُجُّ، قالَ الشّاعِرُ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ وتَرى المَتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا والإثْمُ: الخَمْرُ، والمَتْكُ: الأُتْرُجُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ ما يُجَزُّ بِالسِّكِّينِ وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ لِأنَّهُ في الغالِبِ يُؤْكَلُ عَلى مُتَّكَأٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ الطَّعامِ والشَّرابِ عَلى عُمُومِهِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ.

﴿ وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ وإنَّما دَفَعَتْ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ في الظّاهِرِ مَعُونَةً عَلى الأكْلِ، وفي الباطِنِ لِيَظْهَرَ مِن دَهْشَتِهِنَّ ما يَكُونُ شاهِدًا عَلَيْهِنَّ.

قالَ الزَّجّاجُ: كانَ كالعَبْدِ لَها فَلَمْ تُمَكِّنْهُ أنْ يَخْرُجَ إلّا بِأمْرِها.

﴿ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أعْظَمْنَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ وجَدْنَ شَأْنَهُ في الحُسْنِ والجَمالِ كَبِيرًا، قالَ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ: حِضْنَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وهو قَوْلٌ رَواهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ الهاشِمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ.

وَقِيلَ: إنَّ المَرْأةَ إذا جَزِعَتْ أوْ خافَتْ حاضَتْ، وقَدْ يُسَمّى الحَيْضُ إكْبارًا، قالَ الشّاعِرُ: نَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ نَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا ﴿ وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ دَهَشًا لِيَكُونَ شاهِدًا عَلَيْهِنَّ عَلى ما أضْمَرَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ فِيهِنَّ.

وَفي قَطْعِ أيْدِيهِنَّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتّى بانَتْ.

الثّانِي: أنَّهُنَّ جَرَحْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتّى دَمِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ قَطَعَ فُلانٌ يَدَهُ إذا جَرَحَها.

﴿ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ بِالألِفِ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ونافِعٍ في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ وقَرَأ الباقُونَ حاشَ لِلَّهِ بِإسْقاطِ الألِفِ، ومَعْناهُما واحِدٌ.

وَفي تَأْوِيلِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعاذَ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَعْناهُ سُبْحانَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفي أصْلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ كُنْتُ في حَشا فُلانٍ أيْ في ناحِيَتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاشَ فُلانًا أيِ اعْزِلْهُ في حَشًا يَعْنِي في ناحِيَةٍ.

﴿ ما هَذا بَشَرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما هَذا أهْلًا لِلْمُباشَرَةِ.

الثّانِي: ما هَذا مِن جُمْلَةِ البَشَرِ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِما عَلِمْنَ مِن عِفَّتِهِ وأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ البَشَرِ لَأطاعَها.

الثّانِي: لِما شاهَدْنَ مِن حُسْنِهِ البارِعِ وجَمالِهِ البَدِيعِ ﴿ إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ وقُرِئَ: ما هَذا بِشِرًا (بِكَسْرِ الباءِ والشِّينِ) أيْ ما هَذا عَبْدًا مُشْتَرًى إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ، مُبالَغَةً في تَفْضِيلِهِ في جِنْسِ المَلائِكَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها دَعَتْهُ إلى نَفْسِها ثانِيَةً بَعْدَ ظُهُورِ حالِهِما، فَقالَ: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ يَعْنِي: الحَبْسُ في السِّجْنِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ امْرَأةَ العَزِيزِ فِيما دَعَتْهُ إلَيْهِ مِنَ الفاحِشَةِ وكَنّى عَنْها بِخِطابِ الجَمْعِ إمّا تَعْظِيمًا لِشَأْنِها في الخِطابِ وإمّا لِيَعْدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْرِيضِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ جَماعَةَ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حِينَ شاهَدْنَهُ لِاسْتِحْسانِهِنَّ لَهُ واسْتِمالَتِهِنَّ لِقَلْبِهِ.

﴿ وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما دُعِيَ إلَيْهِ مِنَ الفاحِشَةِ إذا أُضِيفَ ذَلِكَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ.

الثّانِي: اسْتِمالَةُ قَلْبِهِ إذا أُضِيفَ ذَلِكَ إلى النِّسْوَةِ.

﴿ أصْبُ إلَيْهِنَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أُتابِعْهُنَّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أمِلُ إلَيْهِنَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي ∗∗∗ وهِنْدٌ مِثْلُها يُصْبِي <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد شغفها حباً ﴾ قال غلبها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد شغفها ﴾ قال: قتلها حب يوسف.

الشغف، الحب القاتل، والشغف، حب دون ذلك.

والشغاف، حجاب القلب.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ قد شغفها حباً ﴾ قال: الشغاف في القلب في النياط، قد امتلأ قلبها من حب يوسف.

قال وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يقول: وفي الصدر حب دون ذلك داخل ** وحول الشغاف غيبته الأضالع وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد شغفها حباً ﴾ قال: قد علقها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه أنه كان يقرؤها ﴿ قد شغفها حباً ﴾ قال: بطنها حباً.

قال: وأهل المدينة يقولون بطنها حباً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد شغفها حباً ﴾ قال: الشغوف، المحب.

والمشغوف، المحبوب.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه أنه كان يقرؤها ﴿ قد شغفها حباً ﴾ ويقول: الشغف، شغف الحب.

والشغف، شغف الداب حين تذعر.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ قد شعفها حباً ﴾ بالعين المهملة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد شغفها حباً ﴾ قال: هو الحب اللازق بالقلب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه قال: الشغاف، جلدة رقيقة تكون على القلب بيضاء، حبه خرق ذلك الجلد حتى وصل إلى القلب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد قال: إن الشعف والشغف يختلفان، فالشغف في البغض.

والشغف في الحب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد العباداني قال: قال رجل ليوسف عليه السلام: إني أحبك.

فقال له يوسف: لا أريد أن يحبني أحد غير الله، من حب أبي ألقيت في الجب، ومن حب امرأة العزيز ألقيت في السجن.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ قد شغفها حباً ﴾ قال: دخل حبه في شغافها.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد شغفها حباً ﴾ قال: دخل حبه تحت الشغاف.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ قد شغفها حباً ﴾ يقول: هلكت عليه حباً.

وأخرج ابن جرير، عن الأعرج رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ قد شعفها حباً ﴾ بالعين المهملة، وقال: ﴿ شغفها حباً ﴾ يعني بالغين معجمة، إذا كان هو يحبها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾ الآية، أراد بالنسوة الجمع لذلك ذَكَّر فعلهن حملًا على المعنى، وإذا أنث حُمل على اللفظ، قال أبو علي: وتأنيث النساء والنسوة تأنيث جمع، كما أن التأنيث في ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ  ﴾ كذلك، ولو لم يؤنث، كما لم يؤنث (قال نسوة) لكان حسنًا، وسمعت بعض الكبار من النحويين (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾ قال ابن عباس (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ ﴾ يعنين زليخا، والعزيز (٩) (١٠) دُرّةٌ غَاصَ عليها تَاجِرٌ ...

جُلِبَت يَوْمَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَل وقوله تعالى: ﴿ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ﴾ \[الفتى: الحدث الشاب، والفتاة الجارية الشابة، قال ابن عباس: يريد تراود غلامها عن نفسه\] (١١) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾ قال أبو عبيد (١٢) وقال يونس (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقال ابن الأنباري (١٨) (١٩) يَعْلَمُ اللهُ أنَّ حُبَّكِ مِنِّي ...

في سَوَادِ الفُؤادِ وِسْطَ الشِّغَاف قال: والمعنى: شغفها حبه، أي: أصاب شغافها، ثم نقل الفعل عن الفاعل [فخرج الفاعل] (٢٠) ﴿ واشتعل الرأس شيبًا ﴾ ، وهذا من كلامهم للاتساع (٢١) وقال غير أبي بكر: المعنى شغفها الفتى بالحب، فحذف الجار ونصب الحب، كما يقال: قتله ضربًا، فعلى هذا، الفاعل هو الفتى.

وأما المفسرون، فقال ابن عباس (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال السدي (٢٥) وقال الكلبي (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال ابن السكيت (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) لتقتلني (٣٤) قال يقول: أحرقت فؤادها بحبي كما أحرق الطالي هذا المهنوة.

وقال الفراء (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) شَعَفَ الكلابُ الضَّارِيات فؤادَه المشعوف، الذاهب القلب، وبه شعاف أي جنون، الأزهري (٤١) وقال أبو بكر: الشعف رؤوس الجبال، ومعنى: شعف بفلان، إذا ارتفع حبه إلى أعلى المواضع من قلبه.

وهذا الذي حكينا عنه أئمة اللغة في معنى قوله (شعفها) بالعين غير المعجمة ثلاثة أصول: أحدها: أنه من الإحراق، والثاني: أنه من الإذهاب، والثالث: أنه من الارتفاع.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ أي ضلال عن طريق الرشد، بحبها إياه (٤٢) ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  ﴾ .

(١) انظر: "المقتضب" 3/ 349، و"الدر المصون" 6/ 474.

(٢) في (أ)، (ج): (للجميع).

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤) البغوي 4/ 236 بدون نسبة لابن عباس، القرطبي 9/ 176.

(٥) "زاد المسير" 4/ 214، والقرطبي 9/ 176، ونسبوه إلى ابن عباس.

وانظر: "تنوير المقباس" ص 148.

(٦) "تفسير مقاتل" 153 أ، الثعلبي 7/ 77 ب.

(٧) لم أجده في مظانه.

(٨) في (أ)، (ج): (أن يؤخذ) بدون لا.

(٩) الطبري 12/ 198 لم أجده في "تفسير الطبري" بنصه.

(١٠) هو: أبو دؤاد وقيل أبو داود جارية بن الحجاج، وقيل: جويرية، وقيل: حنظلة، شاعر جاهلي.

انظر: "خزانة الأدب" 9/ 590، و"الشعر والشعراء" ص 140.

والبيت من الرمل ونسبه الواحدي هنا إلى أبي دؤاد، ونسب إليه أيضاً في الطبري 12/ 198، والثعلبي 7/ 78 أوفيها: (جلبت عند عزيز ...) وفي "النكت والعيون" 3/ 30، و"مجمع البيان" 5/ 350.

(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٢) "تهذيب اللغة" (شغف) 2/ 1894.

(١٣) "تهذيب اللغة" (شغف) 2/ 1894.

(١٤) "تهذيب اللغة" (شغف) 2/ 1894.

(١٥) "معاني القرآن" 2/ 42.

(١٦) "مشكل القرآن وغريبه" ص 218.

(١٧) في (أ)، (ج): (لبدته).

باللام.

(١٨) " الزاهر" 1/ 509.

(١٩) هو لعبد الله بن قيس الرقيات.

انظر: "ديوانه" ص 37، و"الزاهر" 1/ 509.

(٢٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(٢١) في (ج): (الاتساع).

(٢٢) الثعلبي 7/ 78 أ.

وانظر: "الدر" 4/ 27 بمعناه.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 105، و"زاد المسير" 4/ 214.

(٢٤) الطبري 12/ 198، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 28، والقرطبي 9/ 176.

(٢٥) الثعلبي 7/ 78 أ، الطبري 12/ 199، البغوي 4/ 236، القرطبي 9/ 176.

(٢٦) الثعلبي 7/ 78 أ، البغوي 4/ 236.

(٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

(٢٨) ومن هؤلاء عبد الله بن عمرو، وعلي بن الحسين، والحسن البصري، ومجاهد، وابن محيصن وابن أبي عبلة، وأبو رجاء، انظر: الطبري 12/ 200، و"إتحاف" 264، و"زاد المسير" 4/ 215.

(٢٩) "تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1889.

(٣٠) "تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1889 - 1890.

(٣١) في (ج): (يجد) من غير هاء.

(٣٢) "تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890.

وهو: أبو سعيد الضرير أحمد بن خالد، اعتمده الأزهري في "التهذيب".

انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 44، و"معجم الأدباء" 1/ 346، و"إنباه الرواة" 1/ 41.

(٣٣) البيت في "ديوانه" ص142، و"اللسان" (شعف) 4/ 228، والطبري 12/ 200، والثعلبي 7/ 78 أ، و"تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890، و"الزاهر" 1/ 620، و"شرح أبيات سيبويه" 2/ 222، والقرطبي 9/ 177.

(المهنوءة) المطلية بالقطران، وإذا هنئ البعير بالقطران يجد له لذة مع حرقة كحرقة الهوى مع لذته.

(٣٤) في الطبري 12/ 200، والثعلبي 7/ 78 أ: (أتقتلني) وهو أقرب.

(٣٥) "معاني القرآن" 2/ 42.

(٣٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 105.

(٣٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣٨) "تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890.

(٣٩) "تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890.

(٤٠) "تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890.

والبيت لأبي ذؤيب، وعجزه: فإذا يرى الصبح المصدق يفزع "ديوان الهذليين" 1/ 10، و"المفضليات" ص 425، و"اللسان" (شعف) 4/ 2280، و"تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890.

(٤١) كذا في النسخ ولعله (قال الأزهري) وهو في "تهذيب اللغة" 2/ 1890 (شعف).

(٤٢) "زاد المسير" 4/ 215، والرازي 18/ 126.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة ﴾ أي في مصر، روى أنهن خمس نسوة: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب ﴿ فتاها ﴾ أي خادمها، والفتى يقال بمعنى: الشاب، وبمعنى الخادم ﴿ شَغَفَهَا ﴾ بلغ شغاف قلبها وهو غلافه، وقيل: السويداء منه، وقيل: الشغاف داء يصل إلى القلب ﴿ سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ أي بقولهم وسماه مكراً لأنه كان في خفية، وقيل: كانت قد استكتمتهن سرها فأفشينه عليها ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ أي أعتدت لهن ما يتكأ عليه من الفرش ونحوها، وقيل: المتكأ طعام، وقرئ في الشاذ متكأ بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأترج، وإعطائها السكاكين لهن يدل على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج، وقيل: كان لحماً ﴿ وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ ﴾ أمر ليوسف، وإنما أطاعها لأنه كان مملوك زوجها ﴿ أَكْبَرْنَهُ ﴾ أي عظمن شأنه وجماله.

﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ أي اشتغلن بالنظر إليه وبهتن من جماله حتى قطعن أيديهن وهنّ لا يشعرن كما يقطع الطعام ﴿ حاش للَّهِ ﴾ معناه براءة وتنزيه: أي تنزيه الله وتعجب من قدرته على خلقة مثله، وحاش في باب الاستثناء تخفض على أنها حرف، وأجاز المبرد النصب بها على أن تكون فعلاً وأما هنا فقال أبو علي الفارسي: إنها فعل، والدليل على ذلك من وجهين: أحدهما أنها دخلت على لام الخبر وهو اللام في قوله لله، ولا يدخل الحرف على حرف، والآخر أنها حذفت منها الألف على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل وإنما تحذف من الأفعال كقولك: لم يك ولا أدري، والفاعل بحاش ضمير يعود على يوسف تقديره: بَعُدَ يوسف عن الفاحشة لخوف الله وقال الزمخشري: إن حاش وضع موضع المصدر، كأنه قال: تنزيهاً، ثم قال: لله ليبين من ينزه قال: وإنما حذف منه التنوين مراعاة لأصله من الحرفية ﴿ مَا هذا بَشَراً ﴾ أخرجنه من البشر وجعلنه من الملائكة؛ مبالغة في وصف الحسن ﴿ إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ توبيخ لهن على اللوم ﴿ فاستعصم ﴾ أي طلب العصمة وامتنع مما أرادت منه ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ أي أميل وكلامه هذا تضرع إلى الله ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ ﴾ أي ظهر والفاعل محذوف تقديره: رأى والضمير في لهم لزوجها وأهلها، أو من تشاور معه في ذلك ﴿ رَأَوُاْ الآيات ﴾ أي الأدلة على براءته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هيت لك ﴾ بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير ﴿ هيت ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام.

والباقون ﴿ هيت لك ﴾ بفتحتين.

وسكون الياء ﴿ المخلصين ﴾ بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ربي أحسن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالاختلاس: عباس ﴿ قد شغفها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ﴿ وقالت اخرج ﴾ بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم.

الآخرون بالضم للإتباع.

﴿ حاشا لله ﴾ وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ﴿ ربي السجن ﴾ بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب.

الباقون.

بالكسر.

الوقوف: ﴿ ولداً ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ ﴿ مكنا ﴾ أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن ﴿ الأحاديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ هيت لك ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ همت به ﴾ ز قد قيل بناء على أن قوله ﴿ وهم ﴾ جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا.

قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ﴿ وهم بها ﴾ ج ﴿ برهان ربه ﴾ ط ﴿ والفحشاء ﴾ ط ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ لدى الباب ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ عن نفسي ﴾ لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف ﴿ وشهد ﴾ على ﴿ راودتني ﴾ أو على جملة ﴿ هي راودتني ﴾ .

﴿ من أهلها ﴾ ج على تقدير وقال إن كان ﴿ من الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ من كيدكن ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب ﴿ لذنبك ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل ﴿ حباً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ج ﴿ بشراً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ فاستعصم ﴾ ط لاحتمال القسم ﴿ الصاغرين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للشرط مع الواو ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ كيدهن ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف.

روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات  ﴾ وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.

والمعنى ولقد جاء آباءكم.

وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.

وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.

ومعنى ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً.

وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي.

وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا.

ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟

واللام في ﴿ لامرأته ﴾ تتعلق بــ ﴿ قال ﴾ .

ثم بين الغرض من الإكرام فقال: ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بكفاية بعض مهماتنا ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً.

وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.

وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه ﴿ مكنا له ﴾ في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي ﴿ ولنعلمه ﴾ قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث.

والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: ﴿ مكنا ﴾ والعلم وأشار إليه بقوله ﴿ ولنعلمه ﴾ ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم ﴾ وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر.

﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أن الأمر كله بيد الله.

ثم إنه  بين وقت استكمال أمره فقال: ﴿ ولما بلغ أشدّة ﴾ قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين.

وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس.

والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق.

فقوله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها.

قال في الكشاف: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.

واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة.

والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً.

عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.

ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: ﴿ وراودته ﴾ والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح.

والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ ﴿ هئت لك ﴾ بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك.

يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ.

قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث.

وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا.

وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل.

وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد ﴿ قالت هيت لك ﴾ بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن.

وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.

وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.

ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف  بثلاثة أجوبة: الأول ﴿ قال معاذ الله ﴾ وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله  يمنع عن هذا العمل، الثاني ﴿ إنه ﴾ والضمير للشأن ﴿ ربي ﴾ أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني ﴿ أحسن مثواي ﴾ حين قال ﴿ أكرمي مثواه ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل.

وقيل: أراد بقوله: ﴿ ربي ﴾ الله  لأنه مسبب الأسباب.

الثالث قوله: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم.

وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة.

قوله  ﴿ ولقد همت به وهمّ بها ﴾ لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر  بإسناده عن علي بن أبي طالب  : إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة.

وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع.

وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع.

وروي أن يوسف حين قال: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟

فقال يوسف عند ذلك ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين.

أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟

فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية.

فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً.

وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟

وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين.

وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له.

وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً  ﴾ فلم ينته ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله  ﴾ فلم ينجع فيه فقال الله  لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.

فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟

وقيل: رأى تمثال العزيز.

وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات.

وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية.

قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة.

قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها.

وفي قوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: ﴿ هي راودتني ﴾ وبقوله: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ وقالت ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وزوج المرأة صدّقه فقال: ﴿ إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾ وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله  فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك.

ثم أكد الشهادة بقوله: ﴿ إنه من عبادنا ﴾ والإضافة للتشريف كقوله: ﴿ وعباد الرحمن  ﴾ ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله  بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها.

ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم  .

فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف  وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور.

وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل { ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا.

وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها.

روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً ﴿ وألفيا سيدها ﴾ صادفا بعلها وهو قطفير.

وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة.

روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة.

ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟

فقيل: قالت: ﴿ ما جزاء ﴾ هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم.

وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً.

ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن.

وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه.

وفي قولها: ﴿ إلا أن يسجن ﴾ إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين  ﴾ ففيه إشعار بالتأبيد ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها.

قال  ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: ﴿ إنه من كيدكن ﴾ وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي  أنه " "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" .

وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً.

وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم.

واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة.

وأيضاً لفظ ﴿ شاهد ﴾ لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة.

والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها.

قال في الكشاف: التنكير في "قبل".

و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر.

أما الضمير في قوله: ﴿ فلما رأى ﴾ وفي قوله: ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه  يقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً  ﴾ وقال للنساء: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله  إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال  : "النساء حبائل الشيطان" ثم قال الشاهد: ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف فحذف حرف النداء ﴿ أعرض عن هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفري ﴾ يا امرأة ﴿ لذنبك ﴾ والاستغفار إما من الزوج أو من الله  لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن ﴿ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار  ﴾ ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ من المتعمدين للذنب.

يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب.

وقيل: الضمير في ﴿ رأى ﴾ وفي ﴿ قال ﴾ لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم.

﴿ وقال نسوة ﴾ هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها.

قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية ﴿ قد شغفها ﴾ أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و ﴿ حباً ﴾ نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء.

وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران.

وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها.

والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب.

﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء.

وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً ﴿ أرسلت إليهن ﴾ تدعوهن.

وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف  فلهذا سمي مكراً.

وقيل: كن أربعين.

﴿ وأعتدت ﴾ وهيأت ﴿ لهن متكئاً ﴾ موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف  من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه.

وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً.

وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها.

وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ.

وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج ﴿ فلما رأينه أكبرته ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا  كان أملح.

قيل: كان يشبه آدم  يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة.

وعن النبي  : "مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟

فقال: يوسف.

فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر" وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت.

يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن.

وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق.

الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن ﴿ حاش لله ﴾ أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ في السيرة والعفة والطهارة.

وأما قول زليخا: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق.

وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن ﴿ حاش لله ما علمنا عليه ﴾ تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.

قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في ﴿ لله ﴾ لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة.

وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية.

﴿ ما هذا بشراً ﴾ أعمال ما عمل ليس لغة حجازية ﴿ إن هذا ﴾ أي ما هذا الشخص ﴿ إلا ملك كريم ﴾ استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان.

واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك.

وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟

وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل.

وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به.

ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن ﴿ استعصم ﴾ بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً.

﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ﴾ قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿ وليكونا من الصاغرين ﴾ هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف.

والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف  إلى الله  قائلاً: ﴿ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ﴾ لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة ﴿ أصب إليهن ﴾ والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها.

﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.

ولما كان في قوله: ﴿ وإلا تصرف ﴾ معنى الدعاء وطلب الصرف قال  ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله  : ﴿ ثم بدا ﴾ أي ظهر ﴿ لهم ﴾ للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف ﴿ من بعد ما رأو الآيات ﴾ الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة لهبالسيرة الملكية والعفة.

وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ﴿ ليسجننه ﴾ والقسم محذوف ﴿ حتى حين ﴾ إلى زمان ممتد.

عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة.

وعن الحسن: خمس سنين.

وعن غيره سبع سنين.

وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة.

التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة.

﴿ فقال لامرأته ﴾ وهي الدنيا ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اخدميه بقدر الحاجة الضرورية ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية ﴿ وكذلك مكنا ﴾ يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض ﴿ والله غالب على ﴾ أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.

﴿ وراودته ﴾ فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي ﴿ وغلقت ﴾ أبواب أركان الشريعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أقبل إلى وأعرض عن الحق ﴿ قال ﴾ أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه ﴿ معاذ الله ﴾ عما سواه.

﴿ أحسن مثواي ﴾ في عالم الحقيقة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى ﴿ وهمّ بها ﴾ فوق الحاجة الضرورية ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ الحرص على الدنيا ﴿ والفحشاء ﴾ بصرف حب الدنيا فيه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي.

﴿ واستبقا ﴾ باب الموت الاختياري ﴿ وقدت ﴾ قميص بشريته ﴿ من دبر ﴾ بيد شهواتها قبل خروجه من الباب ﴿ وألفيا سيدها ﴾ وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم.

﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ وقال نسوة ﴾ هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد ﴿ تراود فتاها ﴾ لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" ﴿ واعتدت لهن متكئاً ﴾ أطعمة مناسبة لكل منها ﴿ وآتت كل واحد منهن سكيناً ﴾ هو سكين الذكر ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ بالذكر عما سوى الله.

﴿ ثم بدا لهم ﴾ أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب ﴿ من بعد ما رأوا ﴾ آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه ﴿ ليسجننه ﴾ في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ .

يشبه أن تكون استكتمت سرها عند نسوة في المدينة، فأفشين سرها عند أهل المدينة، ليبلغ ذلك الخبر الملك.

أو أن لم تكن أعلمت تلك النسوة، فلا بدّ من أن يعلم ذلك بعض خدمها؛ فالخادم أعلمت سرها وأفشته عند نسوة في المدينة، فقلن عند ذلك: ﴿ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ أي: تدعو عبدها إلى نفسها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ .

قال بعضهم: الشغاف: هو حجاب القلب وغلافه، ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ أي: بلغ حبها إياه الشغاف، ومنه يقال: مشغوف.

والمشغوف: قيل: المجنون حبّاً، وهو من العشق.

قال الحسن: الشغف: أن يكون قد بطن لها حبه، والشغف: أن يكون مشغوفاً به.

قال أبو عوسجة: ﴿ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ أي: دخل الحبّ في شغاف القلب، وهو غطاؤه.

وقال: من قرِأها ﴿ شَغَفَهَا ﴾ أي: ذهب بعقلها؛ أي: عشقها.

لكن هذا قول أولئك النسوة، فلا ندري ما أردن بذلك، إنما ذلك خبر أخبر عن قول قلنه هن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

حيث خانت زوجها.

أو ﴿ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، أي: في حيرة من حبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ .

أي: بقولهن المكر: هو الأخذ في حال الأمن، وهو الخيانة فيما اؤتمن واستكتم؛ فهذه كأنها استكتمت سرّها وحبّها ليوسف عن الناس، وأفشت ذلك لنسوة في المدينة، على أن يستكتمن عن الناس، فأفشين عليها ذلك؛ فذلك المكر الذي سمعت، والله أعلم.

إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل.

وأمكن أن تكون المرأة لم تفش سرها إليهن، لكن بعض خدمها التي اطلعت على ذلك هي التي أفشت إليهن، فأفشين هن ذلك، فلما سمعت ذلك منهن أرسلت إليهن: إمّا تنويشاً ودعاء للضيافة، وإما استزارة يزرنها، وأما قول أهل التأويل: إن النسوة كانت امرأة الخباز والسّاقي؛ ولا أدري من ماذا، فذلك لا نعلمه، وليس لنا إلى [معرفة] ذلك حاجة.

وقال - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ قال الحسن: متكأً: طعاماً وشراباً وتكأة.

وقال بعضهم: الأترنج والترنج.

وقال بعضهم: متكأً: وسائد وما يتكأ عليه.

وقال أبو عوسجة: متكأً: ممدوداً؛ يعني: هيئات المجلس وما يتكأ عليه.

ومن قرأ: (متكا) مقصوراً، وهو الأترنج وطعام؛ على ما قال الحسن.

وكذلك قال القتبي؛ قال: ويقال: البزماورد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً ﴾ .

أي: أعطت كل واحدة منهن سكيناً؛ ظاهر.

﴿ وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ .

هاهنا كلام أن كيف أطاع يوسف بالخروج على النساء بقولها إياه: ﴿ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ فذلك مما لا يحل، لكنه يخرج على وجوه: أحدها: أنه إنما يكره الدخول عليهن، والخلوة بهن، وأما الخروج عليهن فهو ليس بمكروه؛ إذ فيه الخروج منهن؛ لأنه إذا خرج عليهن كان يقدر أن يخرج منهن؛ فكأنه لما أذنت له بالخروج عليهن خرج رغبة أن يخرج من عندهن؛ إذ لم [يكن ليقدر] أن يخرج من البيت عليهن بغير إذن منها؛ فالأمر بالخروج عليهن أفاد له إذناً بالخروج من البيت؛ إذ لا سبيل له إلى الخروج منه بلا إذن له منها، فخرج عليهن ثمت من عندهن إلى غيره من المكان، وذلك مما لا يكره إذا كان مما لا سبيل إلى ما سواه.

ويشبه أن يكون منها الأمر بالخروج حسب إذا خرج ولم تقل عليهن، ولم يعلم يوسف أنها إنما تأمره بالخروج على النساء فخرج، لكن الله - عز وجل - أخبر عن مقصودها، وكان مقصودها من الأمر بالخروج [خروجاً عليهن]، فأخبر عن مقصودها بقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ [ومثل هذا قد يكون في الكلام.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ ] أي: عنهن، وذلك جائز في اللغة: (على) مكان (عن) كقوله: ﴿ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ  ﴾ ، أي: عن الناس، وأمثاله كثير.

وفي هذه الآية دلالة أن مشتري يوسف كان يمنع يوسف عن أن يخرج إلى البلد والسوق، ومن أن تخالطه الناس: إما إشفاقاً على نفسه، أو لئلا يفتن به النساء، أو لئلا يطلع على نفس يوسف؛ لما وقع عنده أنه مسروق، فكيفما كان ففيه: أن [على المرء أن] يحفظ ولده أو عبده إشفاقاً عليه.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ .

أي: أكبرنه وأعظمنه من حسنه أن يكون مثل هذا بشراً؛ ألا ترى أنهن قلن: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ ؛ قيل: حزّاً بالسِّكِّين.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

﴿ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ : قال أهل التأويل: أي: معاذ الله.

وقال بعضهم: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ : كلمة تنزيه من القبيح، ودلّ هذا القول منهن أنهن كنّ يؤمِنَّ بالله؛ حيث قلن: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

قوله: ﴿ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

كان الملك وإن لم يرونه حَسناً عندهم، ينسبون كل حسن إلى الملائكة، والشيطان - لعنه الله - عندهم قبيح؛ فنسبوا كل قبيح إليه.

وقوله: ﴿ بَشَراً ﴾ .

قرأه بعضهم: (بشرًى) بالتنوين، أي: ما هذا بمشترى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ .

بقولهن: ﴿ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ ، أي: إنكن لمتنني فيه أني أراوده عن نفسه، وأنتن قطعتن أيديكن إذ رأيتنه، وأنكرتن أن يكون هذا بشراً؛ فذلك أعظم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ .

أي: دعوته إلى نفسي فاستعصم؛ قيل: امتنع؛ كقوله: ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: لا مانع، ويشبه قوله: استعصم بالله أو بدينه أو نبوته أو بعقله، هذا يدّل على أنه لم يكن منه ما قال أهل التأويل من حَلّ السراويل ونحوه؛ حيث قالت: ﴿ فَٱسَتَعْصَمَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ ﴾ .

قالت ذلك امرأة العزيز.

﴿ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ ﴾ .

يشبه أن يكون قولها: ليسجنن وليكونن في السجن من الصاغرين، أو ليسجنن وليكونن من المذَلّين الصَّاغرين: هو: الذليل لأنه قال لامرأته: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ ، فكان مكرماً عندها معظماً؛ فلما أبي ما راودته فقالت: ﴿ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ ﴾ أي: من الذليلين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ .

فيه دلالة أنه قد كان منهن من المراودة والدعاء ما كان من امرأة العزيز من المراودة والدعاء إلى نفسها؛ حيث قال: ﴿ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ ؛ ألا ترى أنه قال في موضع آخر: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ  ﴾ ، [وكذلك قالت امرأة العزيز: ﴿ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أي: كنتن لمتنني فيه أني راودته عن نفسه]؛ وأنتن قد راودتنّه عن نفسه.

وقول يوسف: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ .

أي: ذلك الذل والصغار أحبّ إليّ، أي: آثَر عندي وأخير في الدِّين مما يدعونني إليه؛ وإن كان ما يدعونه إليه تهواه نفسه وتميل إليه وتحبه؛ فأخبر أن السجن أحبّ إليه، أي: آثر وأخير في الدين؛ إذ النفس تكره السجن وتنفر عنه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ؟!

فهذا يدل على أن ما قال: ﴿ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ إنما أراد به: محبة الاختيار والإيثار في الدِّين، لا محبّة النفس واختيارها؛ بل كانت النفس تحب وتهوى ما يدعونه إليه؛ دليله قوله: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ .

وليس الدعاء في قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ كما يقول بعض الناس: إنه إنما وقع في السجن؛ لأنه سأل ربه السجن فاستجيب له في ذلك؛ ولكن الدعاء في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ، وهو كقول آدم وحواء: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23] ليس الدعاء في قوله: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ الآية [الأعراف: 23] لأنه: إخبار عما كان منهم، إنما الدعاء في قوله: ﴿ وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ  ﴾ وكذلك قول نوح: ﴿ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ دلالة على أن عند الله لطفاً لم يكن أعطى يوسف ذلك؛ إذ لو كان أعطاه لكان كيدهن وشرهن مصروفاً عنه؛ حيث قال: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ولو كان أعطي ذلك لم يكن لسؤاله ذلك معنى، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم، حيث قالوا: إن الله قد أعطى كلا قدرة كل طاعة وقوة كل خير والدفع عن كل شر، وقوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ أي: لا أحد يملك صرف كيدهن عنّي لو لم تصرفه أنت، وكذلك قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ  ﴾ وهو أبلغ في الدعاء من قوله: اللهم اغفر لي وارحمني.

وقوله: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ .

قال بعضهم: أمل إليهن.

وقال بعضهم: قال: لو لم تصرف عني كيدهن لأتابعهن.

ويقال: الصبو: هو الخروج عن الأمر؛ يقال: كل مَنْ خرج عن دينه فقد صبا.

وبهذا كان المشركون يُسَمّون النبي  : صابئاً، أي: خرج مما نحن عليه.

وقال أبو بكر الأصم: الأصب: هو الأمر المعجب.

وقوله: ﴿ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ .

أي: يكون فِعْلي فعْل الجهّال لا فِعل العلماء والحكماء، إن لم تصرف عني كيدهن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ .

أي: أجاب له ربه؛ فصرف عنه كيدهن.

هذا يدل على أن الدعاء كان في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ ، ليس في قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ ، إنما هو خبر أخبره؛ حيث أخبر أنه أجاب له ربه فصرف عنه كيدهن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

السميع لكل قول وكلام؛ خَفِيّاً كان على الخلق أو ظاهراً، العليم به؛ لا يخفى عليه شيء.

وفي قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ، ﴿ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ .

دلالة على أنهن كن يدعونه إلى ذلك من وجه كان يخفى عليه ولم يشعر به؛ فالتجأ إلى الله في صرف ذلك عنه.

وقوله: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .

ذكر في بعض القصة أنها قالت لزوجها: ما زال يوسف يراودني عن نفسي فأبيت عليه فصدقها؛ فحبسه في السجن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ ﴾ .

قال أهل التأويل: هو قَدّ القميص من دُبره وخمش الوجه وغيره، ولكنه يشبه أن يكون الآيات التي رأوها هي آيات نبوته ورسالته.

وقال بعضهم: حبسوه، لينفوا عن المرأة ما رميت به، ولينقطع ذلك عن الناس، ويموت ذلك الخبر ويذهب، فيه أنهم حبسوه بعد ما رأوا آيات عصمته وبراءته عما اتهموه، وأنهم ظلمة في حبسه.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وانتشر خبرها في المدينة، وقالت طائفة من النساء على سبيل الإنكار: زوجة العزيز تدعو عبدها إلى نفسها، قد وصل حبه شغاف قلبها (أي: غلافه)، إنا لنراها بسبب مراودتها له وحبها إياه -عبدها- في ضلال واضح.

من فوائد الآيات قبح خيانة المحسن في أهله وماله, الأمر الَّذي ذكره يوسف من جملة أسباب رفض الفاحشة.

بيان عصمة الأنبياء وحفظ الله لهم من الوقوع في السوء والفحشاء.

وجوب دفع الفاحشة والهرب والتخلص منها.

مشروعية العمل بالقرائن في الأحكام.

<div class="verse-tafsir" id="91.bnewE"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد