الآية ٥ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٥ من سورة يوسف

قَالَ يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا ، التي تعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيما زائدا ، بحيث يخرون له ساجدين إجلالا وإكراما واحتراما فخشي يعقوب ، عليه السلام ، أن يحدث بهذا المنام أحدا من إخوته فيحسدوه على ذلك ، فيبغوا له الغوائل ، حسدا منهم له; ولهذا قال له : ( لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ) أي : يحتالوا لك حيلة يردونك فيها .

ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به ، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر وليتفل عن يساره ثلاثا ، وليستعذ بالله من شرها ، ولا يحدث بها أحدا ، فإنها لن تضره " .

وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد ، وبعض أهل السنن ، من رواية معاوية بن حيدة القشيري أنه قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر ، فإذا عبرت وقعت " ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر ، كما ورد في حديث : " استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها ، فإن كل ذي نعمة محسود "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) قال أبو جعفر : يقول جل ذكره قال: يعقوب لابنه يوسف: " يا بنيّ لا تقصص رؤياك "، هذه،" على إخوتك "، فيحسدوك (1) ، " فيكيدوا لك كيدًا "، يقول: فيبغوك الغوائل، ويناصبوك العداوة ، ويطيعوا فيك الشيطان (2) .(إن الشيطان للإنسان عدو مبين) ، يقول: إن الشيطان لآدم وبنيه عدو ، قد أبان لهم عداوته وأظهرها (3) .

يقول: فاحذر الشيطان أن يغريَ إخوتك بك بالحسد منهم لك، إن أنت قصصت عليهم رؤياك .

* * * وإنما قال يعقوب ذلك ، لأنه قد كان تبين له من أخوته قبلَ ذلك حسدًا، (4) كما:- 18788- حدثنا ابن وكيع ، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، عن أسباط ، عن السدي ، قال: نـزل يعقوب الشأم ، فكان همُّه يوسف وأخاه ، فحسده إخوته لما رأوا حبَّ أبيه له.

ورأى يوسف في المنام كأن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم له ساجدين ، فحدث بها أباه فقال: (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا ) ، الآية.

* * * واختلف أهل العربية في وجه دخول " اللام " في قوله (فيكيدوا لك كيدا) .

فقال بعض نحويي البصرة: معناه: فيتخذوا لك كيدا ، وليست مثل: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [ سورة يوسف : 43 ] تلك أرادوا أن يوصل الفعل إليها باللام، كما يوصل بالباء ، كما تقول: " قدمت له طعامًا " ، تريد قدّمت إليه، وقال: يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ،[ سورة يوسف : 48 ] ومثله قوله: قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ [ سورة يونس : 35 ] قال: وإن شئت كان: ( فيكيدوا لك كيدا) ، في معنى: " فيكيدوك " ، وتجعل اللام مثل: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [ سورة الأعراف : 154] وقد قال لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ إنما هو بمكان: " ربَّهم يرهبون " .

* * * وقال بعضهم: أدخلت اللام في ذلك ، كما تدخل في قولهم: " حمدت لك " و " شكرت لك " ، و " حمدتك " و " شكرتك " .

وقال: هذه لام جلبها الفعل ، (5) فكذلك قوله: (فيكيدوا لك كيدا) تقول: فيكيدوك ، ، أو: يكيدوا لك، فيقصدوك ، ويقصدوا لك ، قال: " وكيدًا ": توكيدٌ .

* * * ---------------------- الهوامش: (1) انظر تفسير" القصص" فيما سلف ص : 551 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(2) انظر تفسير" الكيد" فيما سلف ص : 361 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(3) انظر تفسير" مبين" فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .

(4) في المطبوعة :" حسده" بالإضافة ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو جيد جدًا .

(5) في المطبوعة والمخطوطة :" هذه لام عليها الفعل" ، والصواب ما أثبت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال يابني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى : فيكيدوا لك كيدا أي يحتالوا في هلاكك ; لأن تأويلها ظاهر ; فربما يحملهم الشيطان على قصدك بسوء حينئذ .

واللام في لك تأكيد .

كقوله : إن كنتم للرؤيا تعبرون .الثانية : الرؤيا حالة شريفة ، ومنزلة رفيعة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة الصادقة يراها الرجل الصالح أو ترى له .

وقال : أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا .

وحكم - صلى الله عليه وسلم - بأنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، وروي من سبعين جزءا من النبوة .

وروي من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - جزءا من أربعين جزءا من النبوة .

ومن حديث ابن عمر جزء من تسعة وأربعين جزءا .

ومن حديث العباس جزء من خمسين جزءا من النبوة .

ومن حديث أنس من ستة وعشرين .

وعن عبادة بن الصامت من أربعة وأربعين من النبوة .

والصحيح منها حديث الستة والأربعين ، ويتلوه في الصحة حديث السبعين ; ولم يخرج مسلم في صحيحه غير هذين الحديثين ، أما سائرها فمن أحاديث الشيوخ ; قاله ابن بطال .

قال أبو عبد الله المازري : والأكثر والأصح عند أهل الحديث من ستة وأربعين .

قال الطبري : والصواب أن يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح ، ولكل حديث منها مخرج معقول ; فأما قوله : إنها جزء من سبعين جزءا من النبوة فإن ذلك قول عام في كل رؤيا صالحة صادقة ، ولكل مسلم رآها في منامه على أي أحواله كان ; وأما قوله : إنها من أربعين أو ستة وأربعين فإنه يريد بذلك من كان صاحبها بالحال التي ذكرت [ ص: 109 ] عن الصديق - رضي الله عنه - أنه كان بها ; فمن كان من أهل إسباغ الوضوء في السبرات ، والصبر في الله على المكروهات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فرؤياه الصالحة - إن شاء الله - جزء من أربعين جزءا من النبوة ، ومن كانت حاله في ذاته بين ذلك فرؤياه الصادقة بين جزأين ما بين الأربعين إلى الستين لا تنقص عن سبعين ، وتزيد على الأربعين وإلى هذا المعنى أشار أبو عمر بن عبد البر فقال : اختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك عندي اختلافا متضادا متدافعا - والله أعلم - لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على حسب ما يكون من صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، والدين المتين ، وحسن اليقين ; فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد فمن خلصت نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أصدق وإلى النبوة أقرب كما أن الأنبياء يتفاضلون ، قال الله تعالى : ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض .قلت : فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث ، وهو أولى من تفسير بعضها دون بعض وطرحه ; ذكره أبو سعيد الأسفاقسي عن بعض أهل العلم قال : معنى قوله : جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، فإن الله تعالى أوحى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - في النبوة ثلاثة وعشرين عاما - فيما رواه عكرمة وعمرو بن دينار عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فإذا نسبنا ستة أشهر من ثلاثة وعشرين عاما وجدنا ذلك جزءا من ستة وأربعين جزءا ; وإلى هذا القول أشار المازري في كتابه " المعلم " واختاره القونوي في تفسيره من سورة [ يونس ] عند قوله تعالى : لهم البشرى في الحياة الدنيا .

وهو فاسد من وجهين : أحدهما : ما رواه أبو سلمة عن ابن عباس وعائشة بأن مدة الوحي كانت عشرين سنة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث على رأس أربعين ، فأقام بمكة عشر سنين ; وهو قول عروة والشعبي وابن شهاب والحسن وعطاء الخراساني وسعيد بن المسيب على اختلاف عنه ، وهي رواية ربيعة وأبي غالب عن أنس ، وإذا ثبت هذا الحديث بطل ذلك التأويل - الثاني : أن سائر الأحاديث في الأجزاء المختلفة تبقى بغير معنى .الثالثة : إنما كانت الرؤيا جزءا من النبوة ; لأن فيها ما يعجز ويمتنع كالطيران ، وقلب الأعيان ، والاطلاع على شيء من علم الغيب ; كما قال - عليه السلام - : إنه لم يبق من مبشرات [ ص: 110 ] النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم .

.

.

الحديث .

وعلى الجملة فإن الرؤيا الصادقة من الله ، وإنها من النبوة ; قال - صلى الله عليه وسلم - : الرؤيا من الله والحلم من الشيطان وأن التصديق بها حق ، ولها التأويل الحسن ، وربما أغنى بعضها عن التأويل ، وفيها من بديع الله ولطفه ما يزيد المؤمن في إيمانه ; ولا خلاف في هذا بين أهل الدين والحق من أهل الرأي والأثر ، ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد وشرذمة من المعتزلة .الرابعة : إن قيل : إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءا من النبوة فكيف يكون الكافر والكاذب والمخلط أهلا لها ؟

وقد وقعت من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه منامات صحيحة صادقة ; كمنام رؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات ، ومنام الفتيين في السجن ; ورؤيا بختنصر التي فسرها دانيال في ذهاب ملكه ، ورؤيا كسرى في ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنام عاتكة عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره وهي كافرة ، وقد ترجم البخاري " باب رؤيا أهل السجن " : فالجواب أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحي ولا من النبوة ; إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة ; وقد تقدم في [ الأنعام ] أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق ، لكن ذلك على الندور والقلة ، فكذلك رؤيا هؤلاء ; قال المهلب : إنما ترجم البخاري بهذا لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة ، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة ، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها ، إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءا من النبوة .الخامسة : الرؤيا المضافة إلى الله تعالى هي التي خلصت من الأضغاث والأوهام ، وكان تأويلها موافقا لما في اللوح المحفوظ ، والتي هي من خبر الأضغاث هي الحلم ، وهي المضافة إلى الشيطان ، وإنما سميت ضغثا ; لأن فيها أشياء متضادة ; قال معناه المهلب .

وقد قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا أقساما تغني عن قول كل قائل ; روى عوف بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 111 ] قال : الرؤيا ثلاثة منها أهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم ، ومنها ما يهتم به في يقظته فيراه في منامه ، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة .

قال : قلت : سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

قال : نعم !

سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .السادسة : قوله تعالى : قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك الآية .

الرؤيا مصدر رأى في المنام ، رؤيا على وزن فعلى كالسقيا والبشرى ; وألفه للتأنيث ولذلك لم ينصرف .

وقد اختلف العلماء في حقيقة الرؤيا ; فقيل : هي إدراك في أجزاء لم تحلها آفة ، كالنوم المستغرق وغيره ; ولهذا أكثر ما تكون الرؤيا في آخر الليل لقلة غلبة النوم ; فيخلق الله تعالى للرائي علما ناشئا ، ويخلق له الذي يراه على ما يراه ليصح الإدراك ، قال ابن العربي : ولا يرى في المنام إلا ما يصح إدراكه في اليقظة ، ولذلك لا يرى في المنام شخصا قائما قاعدا بحال ، وإنما يرى الجائزات المعتادات .

وقيل : إن لله ملكا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم ، فيمثل له صورا محسوسة ; فتارة تكون تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الوجود ، وتارة تكون لمعان معقولة غير محسوسة ، وفي الحالتين تكون مبشرة أو منذرة ; قال - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم وغيره : رأيت سوداء ثائرة الرأس تخرج من المدينة إلى مهيعة فأولتها الحمى .

ورأيت سيفي قد انقطع صدره وبقرا تنحر فأولتهما رجل من أهل بيتي يقتل والبقر نفر من أصحابي يقتلون .

ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها [ ص: 112 ] المدينة .

ورأيت في يدي سوارين فأولتهما كذابين يخرجان بعدي .

إلى غير ذلك مما ضربت له الأمثال ; ومنها ما يظهر معناه أولا فأولا ، ومنها ما لا يظهر إلا بعد التفكر ; وقد رأى النائم في زمن يوسف - عليه السلام - بقرا فأولها يوسف السنين ، ورأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر فأولها بإخوته وأبويه .السابعة : إن قيل : إن يوسف - عليه السلام - كان صغيرا وقت رؤياه ، والصغير لا حكم لفعله ، فكيف تكون له رؤيا لها حكم حتى يقول له أبوه : لا تقصص رؤياك على إخوتك ؟

فالجواب : أن الرؤيا إدراك حقيقة على ما قدمناه ، فتكون من الصغير كما يكون منه الإدراك الحقيقي في اليقظة ، وإذا أخبر عما رأى صدق ، فكذلك إذا أخبر عما يرى في المنام ; وقد أخبر الله سبحانه عن رؤياه وأنها وجدت كما رأى فلا اعتراض ; روي أن يوسف - عليه السلام - كان ابن اثنتي عشرة سنة .الثامنة : هذه الآية أصل في ألا تقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح ، ولا على من لا يحسن التأويل فيها ; روى أبو رزين العقيلي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الرؤيا جزء من أربعين جزءا من النبوة .

والرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدث بها صاحبها فإذا حدث بها وقعت فلا تحدثوا بها إلا عاقلا أو محبا أو ناصحا أخرجه الترمذي وقال فيه : حديث حسن صحيح ; وأبو رزين اسمه لقيط بن عامر .

وقيل لمالك : أيعبر الرؤيا كل أحد ؟

فقال : أبالنبوة يلعب ؟

وقال مالك : لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها ، فإن رأى خيرا أخبر به ، وإن رأى مكروها فليقل خيرا أو ليصمت ; قيل : فهل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه لقول من قال إنها على ما تأولت عليه ؟

فقال : لا !

ثم قال ، : الرؤيا جزء من النبوة فلا يتلاعب بالنبوة .التاسعة : وفي هذه الآية دليل على أن مباحا أن يحذر المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه ، ولا يكون داخلا في معنى الغيبة ; لأن يعقوب - عليه السلام - قد حذر يوسف أن يقص [ ص: 113 ] رؤياه على إخوته فيكيدوا له كيدا ، وفيها أيضا ما يدل على جواز ترك إظهار النعمة عند من تخشى غائلته حسدا وكيدا ; وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود .

وفيها أيضا دليل واضح على معرفة يعقوب - عليه السلام - بتأويل الرؤيا ; فإنه علم من تأويلها أنه سيظهر عليهم ، ولم يبال بذلك من نفسه ; فإن الرجل يود أن يكون ولده خيرا منه ، والأخ لا يود ذلك لأخيه .

ويدل أيضا على أن يعقوب - عليه السلام - كان أحس من بنيه حسد يوسف وبغضه ; فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن تغل بذلك صدورهم ، فيعملوا الحيلة في هلاكه ; ومن هذا ومن فعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت ، ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء ، وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي ، وعن عقوق الآباء ، وتعريض مؤمن للهلاك ، والتآمر في قتله ، ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء ، ولا يستحيل في العقل زلة نبي ، إلا أن هذه الزلة قد جمعت أنواعا من الكبائر ، وقد أجمع المسلمون على عصمتهم منها ، وإنما اختلفوا في الصغائر على ما تقدم ويأتي .العاشرة : روى البخاري عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا : وما المبشرات ؟

قال : الرؤيا الصالحة وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك ; فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله - تعالى - لا تسر رائيها ، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقا به ورحمة ، ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه ; فإن أدرك تأولها بنفسه ، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك .

وقد رأى الشافعي - رضي الله عنه - وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتب إليه بذلك ليستعد لذلك ، وقد تقدم في [ يونس ] في تفسير قوله تعالى : لهم البشرى في الحياة الدنيا أنها الرؤيا الصالحة .

وهذا وحديث البخاري مخرجه على الأغلب ، والله أعلم .الحادية عشرة : روى البخاري عن أبي سلمة قال : لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول : وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : [ ص: 114 ] الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب ، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها وليتفل ثلاث مرات ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره .

قال علماؤنا : فجعل الله الاستعاذة منها مما يرفع أذاها ; ألا ترى قول أبي قتادة : إني كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل ، فلما سمعت بهذا الحديث كنت لا أعدها شيئا .

وزاد مسلم من رواية جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه .

وفي حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل .

قال علماؤنا : وهذا كله ليس بمتعارض ; وإنما هذا الأمر بالتحول ، والصلاة زيادة ، فعلى الرائي أن يفعل الجميع ، والقيام إلى الصلاة يشمل الجميع ; لأنه إذا صلى تضمن فعله للصلاة جميع تلك الأمور ; لأنه إذا قام إلى الصلاة تحول عن جنبه ، وإذا تمضمض تفل وبصق ، وإذا قام إلى الصلاة تعوذ ودعا وتضرع لله تعالى في أن يكفيه شرها في حال هي أقرب الأحوال إلى الإجابة ; وذلك السحر من الليل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

واعلم أن الله ذكر أنه يقص على رسوله أحسن القصص في هذا الكتاب، ثم ذكر هذه القصة وبسطها، وذكر ما جرى فيها، فعلم بذلك أنها قصة تامة كاملة حسنة، فمن أراد أن يكملها أو يحسنها بما يذكر في الإسرائيليات التي لا يعرف لها سند ولا ناقل وأغلبها كذب، فهو مستدرك على الله، ومكمل لشيء يزعم أنه ناقص، وحسبك بأمر ينتهي إلى هذا الحد قبحا، فإن تضاعيف هذه السورة قد ملئت في كثير من التفاسير، من الأكاذيب والأمور الشنيعة المناقضة لما قصه الله تعالى بشيء كثير.

فعلى العبد أن يفهم عن الله ما قصه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم ينقل.

فقوله تعالى: { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ ْ} يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام: { يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ْ} فكانت هذه الرؤيا مقدمة لما وصل إليه يوسف عليه السلام من الارتفاع في الدنيا والآخرة.

وهكذا إذا أراد الله أمرا من الأمور العظام قدم بين يديه مقدمة، توطئة له، وتسهيلا لأمره، واستعدادا لما يرد على العبد من المشاق، لطفا بعبده، وإحسانا إليه، فأوَّلها يعقوب بأن الشمس: أمه، والقمر: أبوه، والكواكب: إخوته، وأنه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلى حال يخضعون له، ويسجدون له إكراما وإعظاما، وأن ذلك لا يكون إلا بأسباب تتقدمه من اجتباء الله له، واصطفائه له، وإتمام نعمته عليه بالعلم والعمل، والتمكين في الأرض.

وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب، الذين سجدوا له وصاروا تبعا له فيها،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ) وذلك أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي فعلم يعقوب أن الإخوة إذا سمعوها حسدوه فأمره بالكتمان ( فيكيدوا لك كيدا ) فيحتالوا في إهلاكك لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك .

واللام في قوله " لك " صلة ، كقوله تعالى : ( لربهم يرهبون ) ( الأعراف - 154 ) .

وقيل : هو مثل قولهم نصحتك ونصحت لك ، وشكرتك وشكرت لك .

( إن الشيطان للإنسان عدو مبين ) أي : يزين لهم الشيطان ، ويحملهم على الكيد ، لعداوته القديمة .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنبأنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا علي بن الجعد ، أنبأنا شعبة عن عبد ربه بن سعيد ، قال : سمعت أبا سلمة ، قال : كنت أرى الرؤيا تهمني حتى سمعت أبا قتادة يقول : كنت أرى الرؤيا فتمرضني ، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " الرؤيا الصالحة من الله تعالى ، [ والحلم من الشيطان ] ، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب ، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ، ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا ، ولا يحدث به أحدا فإنها لن تضر " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنبأنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا علي بن الجعد ، أنبأنا شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن وكيع بن عدس ، عن أبي رزين العقيلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الرؤيا جزء من أربعين أو ستة وأربعين جزءا من النبوة ، وهو على رجل طائر ، فإذا حدث بها وقعت " ، وأحسبه قال : " لا تحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا» يحتالون في هلاكك حسدا لعلمهم بتأويلها من أنهم الكواكب والشمس أمك والقمر أبوك «إن الشيطان للإنسان عدو مبين» ظاهر العداوة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال يعقوب لابنه يوسف: يا بني لا تذكر لإخوتك هذه الرؤيا فيحسدوك، ويعادوك، ويحتالوا في إهلاكك، إن الشيطان للإنسان عدو ظاهر العداوة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله يعقوب لابنه يوسف بعد أن قص عليه رؤياه فقالك ( قَالَ يابني لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشيطان لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) .وقوله ( يابني ) تصغير ابن .

والتصغير هنا سببه صغر سنه مع الشفقة عليه ، والتلطيف معه .وقوله ( رُؤْيَاكَ ) من الرؤيا التى هى مصدر رأى العلمية الدالة على ما وقع للإِنسان فى نومه ، أما رأى البصرية فيقال فى مصدرها الرؤية .وقوله " فيكيدوا لك .

.

" من الكيد وهو الاحتيال الخفى بقصد الإِضرار والفعل كاد يتعدى بنفسه ، فيقال : كاده يكيده كيدا ، إذا احتال لإِهلاكه .

ولتضمنه معنى احتال عدى باللام .والمعنى : قال يعقوب لابنه يوسف - عليهما السلام - بشفقة ورحمة ، بعد أن سمع منه ما رآه فى منامه : " يا بنى " لا تخبر إخوتك بما رأيته فى منامك فإنك إن أخبرتهم بذلك احتالوا لإِهلاكك احتيالا خفيا ، لا قدرة لك على مقاومته أو دفعه .

.وإنما قال له ذلك ، لأن هذه الرؤيا تدل على أن الله - تعالى - سيعطى يوسف من فضله عطاء عظيما .

ويهبه منصبا جليلا ، ومن شأن صاحب النعمة أن يكون محسودا من كثير من الناس ، فخاف يعقوب من حسد إخوة يوسف له ، إذا ما قص عليهم رؤياه ، ومن عدوانهم عليه .والتنوين فى قوله " كيدا " للتعظيم والتهويل ، زيادة فى تحذيره من قص الرؤيا عليهم .وجملة " إن الشيطان للإِنسان عدو مبين " واقعة موقع التعليل للنهى عن قص الرؤيا على إخوته ، وفيها إشارة إلى أن الشيطان هو الذى يغريهم بالكيد له إذا ما قص عليهم ما رآه ، وهو بذلك لا يثير فى نفسه الكراهة لإِخوته .أى : لا تخبر إخوتك بما رأيته فى منامك ، فيحتالوا للإِضرار بك حسدا منهم لك ، وهذا الحسد يغرسه الشيطان فى نفوس الناس ، لتتولد بينهم العداوة والبغضاء ، فيفرح هو بذلك ، إذ كل قبيح يقوله أو يفعله الناس يفرح له الشيطان .هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها :أنه يجوز للإنسان فى بعض الأوقات أن يخفى بعض النعم التى أنعم الله بها عليه ، خشية حسد الحاسدين ، أو عدوان المعتدين .وأن الرؤيا الصادقة حالة يكرم الله بها بعض عباده الذني زكت نفوسهم فيكشف لهم عما يريد أن يطلعهم عليه قبل وقوعه .

ومن الأحاديث التى وردت فى فضل الرؤيا الصالحة ما رواه البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت : " أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحى الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح .

.

" .وفى حديث آخر : " الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح ، جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة " .وفى حديث ثالث : " لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، وهى الرؤيا الصالحة للرجل الصالح ، يراها أو ترى له " .كذلك أخذ جمهور العلماء من هذه الآية أن إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء .قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : " والظاهر أن القوم - أى إخوة يوسف - كانوا بحيث يمكن أن يكون للشيطان عليهم سبيل ، ويؤيد هذا أنهم لم يكونوا أنبياء .وهذا ما عليه الأكثرون سلفا وخلفا .

أما السلف فإنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه قال بنبوتهم .وأما الخلف فكثير منهم نفى عنهم أن يكونوا أنبياء ، وعلى رأى من قال بذلك الإِمام ابن تيمية ، فى مؤلف له خاص بهذه المسألة ، وقد قال فيه :الذى يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار ، أن إخوة يوسف ليسوا بأنبياء ، وليس فى القرآن ولا فى السنة ما يشير إلى أنهم كانوا أنبياء .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حفص ﴿ أَوْ بَنِى ﴾ بفتح الياء والباقون بالكسر.

المسألة الثانية: أن يعقوب عليه السلام كان شديد الحب ليوسف وأخيه فحسده إخوته لهذا السبب وظهر ذلك المعنى ليعقوب عليه السلام بالأمارات الكثيرة فلما ذكر يوسف عليه السلام هذه الرؤيا وكان تأويلها أن إخوته وأبويه يخضعون له فقال لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها فيكيدوا لك كيداً.

المسألة الثالثة: قال الواحدي: الرؤيا مصدر كالبشرى والسقيا والشورى إلا أنه لما صار اسماً لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء.

قال صاحب الكشاف: الرؤيا بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقطة فلا جرم فرق بينهما بحرفي التأنيث، كما قيل: القربة والقربى وقرئ روياك بقلب الهمزة واواً وسمع الكسائي يقرأ رياك ورياك بالإدغام وضم الراء وكسرها وهي ضعيفة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا ﴾ وهو منصوب بإضمار أن والمعنى إن قصصتها عليهم كادوك.

فإن قيل: فلم لم يقل فيكيدوك كما قال: ﴿ فَكِيدُونِى  ﴾ .

قلنا: هذه اللام تأكيد للصلة كقوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ ، وكقولك نصحتك ونصحت لك وشكرتك وشكرت لك، وقيل هي من صلة الكيد على معنى فيكيدوا كيداً لك.

قال أهل التحقيق: وهذا يدل على أنه قد كان لهم علم بتعبير الرؤيا وإلا لم يعلموا من هذه الرؤيا ما يوجب حقداً وغضباً.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الشيطان للإنسان عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ والسبب في هذا الكلام أنهم لو أقدموا على الكيد لكان ذلك مضافاً إلى الشيطان ونظيره قول موسى عليه السلام هذا من عمل الشيطان، ثم إن يعقوب عليه السلام قصد بهذه النصيحة تعبير تلك الرؤيا وذكروا أموراً: أولها: قوله: ﴿ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ يعني وكما اجتباك بمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبر شأن كذلك يجتبيك لأمور عظام.

قال الزجاج: الاجتباء مشتق من جبيت الشيء إذا خلصته لنفسك ومنه جبيت الماء في الحوض، واختلفوا في المراد بهذا الاجتباء، فقال الحسن: يجتبيك ربك بالنبوة، وقال آخرون: المراد منه إعلاء الدرجة وتعظيم المرتبة فأما تعيين النبوة فلا دلالة في اللفظ عليه.

وثانيها: قوله: ﴿ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ وفيه وجوه: الأول: المراد منه تعبير الرؤيا سماه تأويلاً لأنه يؤل أمره إلى ما رآه في المنام يعني تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم.

قالوا: إنه عليه السلام كان في علم التعبير غاية، والثاني: تأويل الأحاديث في كتب الله تعالى والأخبار المروية عن الأنبياء المتقدمين، كما أن الواحد من علماء زماننا يشتغل بتفسير القرآن وتأويله، وتأويل الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والثالث: الأحاديث جمع حديث، والحديث هو الحادث، وتأويلها مآلها، ومآل الحوادث إلى قدرة الله تعالى وتكوينه وحكمته، والمراد من تأويل الأحاديث كيفية الاستدلال بأصناف المخلوقات الروحانية والجسمانية على قدرة الله تعالى وحكمته وجلالته.

وثالثها: قوله: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعلى ءالِ يَعْقُوبَ ﴾ .

واعلم أن من فسر الاجتباء بالنبوة لا يمكنه أن يفسر إتمام النعمة هاهنا بالنبوة أيضاً وإلا لزم التكرار، بل يفسر إتمام النعمة هاهنا بسعادات الدنيا وسعادات الآخرة.

أما سعادات الدنيا فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه والحشم وإجلاله في قلوب الخلق وحسن الثناء والحمد.

وأما سعادات الآخرة: فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في معرفة الله تعالى.

وأما من فسر الاجتباء بنيل الدرجات العالية، فهاهنا يفسر إتمام النعمة بالنبوة ويتأكيد هذا بأمور: الأول: أن إتمام النعمة عبارة عما به تصير النعمة تامة كاملة خالية عن جهات النقصان.

وما ذاك في حق البشر إلا بالنبوة، فإن جميع مناصب الخلق دون منصب الرسالة ناقص بالنسبة إلى كمال النبوة، فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق البشر ليس إلا النبوة، والثاني: قوله: ﴿ كَمَا أَتَمَّهَا على أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبراهيم وإسحاق ﴾ ومعلوم أن النعمة التامة التي بها حصل امتياز إبراهيم وإسحاق عن سائر البشر ليس إلا النبوة، فوجب أن يكون المراد بإتمام النعمة هو النبوة.

واعلم أنا لما فسرنا هذه الآية بالنبوة لزم الحكم بأن أولاد يعقوب كلهم كانوا أنبياء، وذلك لأنه قال: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعلى ءالِ يَعْقُوبَ ﴾ وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب، فلما كان المراد من إتمام النعمة هو النبوة لزم حصولها لآل يعقوب ترك العمل به في حق من عدا أبناءه فوجب أن لا يبقى معمولاً به في حق أولاده.

وأيضاً أن يوسف عليه السلام قال: ﴿ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ﴾ وكان تأويله أحد عشر نفساً لهم فضل وكمال ويستضيء بعلمهم ودينهم أهل الأرض، لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يهتدى وذلك يقتضي أن يكون جملة أولاد يعقوب أنبياء ورسلاً.

فإن قيل: كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق يوسف عليه السلام؟

قلنا: ذاك وقع قبل النبوة، وعندنا العصمة إنما تعتبر في وقت النبوة لا قبلها.

القول الثاني: أن المراد من قوله: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ خلاصه من المحن، ويكون وجه التشبيه في ذلك بإبراهيم وإسحاق عليهما السلام هو إنعام الله تعالى على إبراهيم بإنجائه من النار وعلى ابنه إسحاق بتخليصه من الذبح.

والقول الثالث: أن إتمام النعمة هو وصل نعمة الله عليه في الدنيا بنعم الآخرة بأن جعلهم في الدنيا أنبياء وملوكاً ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى في الجنة.

واعلم أن القول الصحيح هو الأول، لأن النعمة التامة في حق البشر ليست إلا النبوة، وكل ما سواها فهي ناقصة بالنسبة إليها، ثم إنه عليه السلام لما وعده بهذه الدرجات الثلاثة ختم الكلام بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ فقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ وقوله: ﴿ حَكِيمٌ ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى مقدس عن السفه والعبث، لا يضع النبوة إلا في نفس قدسية وجوهرة مشرقة علوية.

فإن قيل: هذه البشارات التي ذكرها يعقوب عليه السلام هل كان قاطعاً بصحتها أم لا؟

فإن كان قاطعاً بصحتها، فكيف حزن على يوسف عليه السلام، وكيف جاز أن يشتبه عليه أن الذئب أكله، وكيف خاف عليه من إخوته أن يهلكوه، وكيف قال لإخوته وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون، مع علمه بأن الله سبحانه سيجتبيه ويجعله رسولاً، فأما إذا قلنا إنه عليه السلام ما كان عالماً بصحة هذه الأحوال، فكيف قطع بها؟

وكيف حكم بوقوعها حكماً جازماً من غير تردد؟.

قلنا: لا يبعد أن يكون قوله: ﴿ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ مشروطاً بأن لا يكيدوه، لأن ذكر ذلك قد تقدم، وأيضاً فبتقدير أن يقال: إنه عليه السلام كان قاطعاً بأن يوسف عليه السلام سيصل إلى هذه المناصب إلا أنه لا يمتنع أن يقع في المضايق الشديدة ثم يتخلص منها ويصل إلى تلك المناصب فكان خوفه لهذا السبب ويكون معنى قوله: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب  ﴾ الزجر عن التهاون في حفظه وإن كان يعلم أن الذئب لا يصل إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عرف يعقوب عليه السلام دلالة الرؤيا على أن يوسف يبلغه الله مبلغاً من الحكمة، ويصطفيه للنبوّة، وينعم عليه بشرف الدارين، كما فعل بآبائه، فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم، والرؤيا بمعنى الرؤية؛ إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فرق بينهما بحرفي التأنيث كما قيل: القربة والقربى.

وقرئ: ﴿ روياك ﴾ بقلب الهمزة واواً.

وسمع الكسائي: ﴿ رُيَّاك ﴾ و ﴿ رِيَّاك ﴾ بالإدغام وضم الراء وكسرها، وهي ضعيفة؛ لأنّ الواو في تقدير الهمزة فلا يقوى إدغامها كما لم يقو الإدغام في قولهم (اتزر) من الإزار، و (اتجر) من الأجر ﴿ فَيَكِيدُواْ ﴾ منصوب بإضمار (إن) والمعنى: إن قصصتها عليهم كادوك: فإن قلت: هلا قيل: فيكيدوك، كما قيل: فكيدوني؟

قلت: ضمن معنى فعل يتعدى باللام، ليفيد معنى فعل الكيد، مع إفادة معنى الفعل المضمن، فيكون آكد وأبلغ في التخويف، وذلك نحو: فيحتالوا لك.

ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر ﴿ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ ظاهر العداوة لما فعل بآدم وحواء، ولقوله ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ﴾ [الأعراف: 16] فهو يحمل على الكيد والمكر وكل شرّ، ليورّط من يحمله، ولا يؤمن أن يحملهم على مثله ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الأجتباء ﴿ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ يعني وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبرياء شأن، كذلك يجتبيك ربك لأمور عظام.

وقوله ﴿ وَيُعَلّمُكَ ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه، كأنه قيل: وهو يعلمك ويتمّ نعمته عليك.

والاجتباء، الاصطفاء، افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض: جمعته.

والأحاديث: الرؤيا: لأنّ الرؤيا إما حديث نفس أو ملك أو شيطان.

وتأويلها عبارتها وتفسيرها، وكان يوسف عليه السلام أعبر الناس للرؤيا، وأصحهم عبارة لها.

ويجوز أن يراد بتأويل الأحاديث معاني كتب الله وسنن الأنبياء، وما غمض واشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها، يفسرها لهم ويشرحها ويدلهم على مودعات حكمها.

وسميت أحاديث؛ لأنه يحدث بها عن الله ورسله.

فيقال: قال الله وقال الرسول كذا وكذا.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 185] ، ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ [الزمر: 23] وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة.

ومعنى إتمام النعمة عليهم أنه وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، بأن جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكاً.

ونقلهم عنها إلى الدرجات العلا في الجنة.

وقيل: أتمها على إبراهيم بالخلة، والإنجاء من النار، ومن ذبح الولد.

وعلى إسحاق بإنجائه من الذبح، وفدائه بذبح عظيم، وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه.

وقيل: علم يعقوب أنّ يوسف يكون نبياً وإخوته أنبياء استدلالا بضوء الكواكب، فلذلك قال ﴿ وعلى ءالِ يَعْقُوبَ ﴾ وقيل: لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقالوا: ما رضي أن سجد له إخوته حتى سجد له أبواه.

وقيل: كان يعقوب مؤثراً له بزيادة المحبة والشفقة لصغره ولما يرى فيه من المخايل وكان إخوته يحسدونه فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة فكان يضمه كل ساعة إلى صدره ولا يصبر عنه، فتبالغ فيهم الحسد.

وقيل: لما قص رؤياه على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمع الله لك بعد دهر طويل.

وآل يعقوب.

أهله وهم نسله وغيرهم.

وأصل آل: أهل، بدليل تصغيره على أُهَيل، إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر.

يقال: آل النبي، وآل الملك.

ولا يقال: آل الحائك، ولا آل الحجام، ولكن أهلهما.

وأراد بالأبوين: الجد، وأبا الجد؛ لأنهما في حكم الأب في الأصالة.

ومن ثم يقولون: ابن فلان، وإن كان بينه وبين فلان عدّة.

و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك ﴿ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ ﴾ يعلم من يحق له الاجتباء ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يتم نعمته إلا على من يستحقها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ يا بُنَيَّ ﴾ تَصْغِيرُ ابْنٍ، صَغَّرَهُ لِلشَّفَقَةِ أوْ لِصِغَرِ السِّنِّ، لِأنَّهُ كانَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً.

وقَرَأ حَفْصٌ هُنا وفي « الصّافّاتِ» بِفَتْحِ الياءِ.

﴿ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ فَيَحْتالُوا لِإهْلاكِكَ حِيلَةً، فَهِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن رُؤْياهُ أنَّ اللَّهَ يَصْطَفِيهِ لِرِسالَتِهِ ويُفَوِّقُهُ عَلى إخْوَتِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ حَسَدَهم وبِغْيَهم والرُّؤْيا كالرُّؤْيَةِ غَيْرَ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِما يَكُونُ في النَّوْمِ، فَرَّقَ بَيْنَهُما بِحَرْفَيِ التَّأْنِيثِ كالقُرْبَةِ والقُرْبى وهي انْطِباعُ الصُّورَةِ المُنْحَدِرَةِ مِن أُفُقِ المُتَخَيَّلَةِ إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ، والصّادِقَةُ مِنها إنَّما تَكُونُ بِاتِّصالِ النَّفْسِ بِالمَلَكُوتِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ عِنْدَ فَراغِها مِن تَدْبِيرِ البَدَنِ أدْنى فَراغٍ، فَتَتَصَوَّرُ بِما فِيها مِمّا يَلِيقُ بِها مِنَ المَعانِي الحاصِلَةِ هُناكَ، ثُمَّ إنَّ المُتَخَيَّلَةَ تُحاكِيهِ بِصُورَةٍ تُناسِبُهُ فَتُرْسِلُها إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ فَتَصِيرُ مُشاهَدَةً، ثُمَّ إنْ كانَتْ شَدِيدَةَ المُناسَبَةِ لِذَلِكَ المَعْنى بِحَيْثُ لا يَكُونُ التَّفاوُتُ إلّا بِالكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ اسْتَغْنَتِ الرُّؤْيا عَنِ التَّعْبِيرِ وإلّا احْتاجَتْ إلَيْهِ، وإنَّما عَدّى كادَ بِاللّامِ وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى فَعَلَ يُعَدّى بِهِ تَأْكِيدًا ولِذَلِكَ أكَّدَ بِالمَصْدَرِ وعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الشَّيْطانَ لِلإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ لِما فَعَلَ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَوّاءَ فَلا يَأْلُوا جُهْدًا في تَسْوِيلِهِمْ وإثارَةِ الحَسَدِ فِيهِمْ حَتّى يَحْمِلَهم عَلى الكَيْدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ يَا بَنِي} بالفتح حيث كان حفص {لا تقصص رؤياك} هي بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة وفرق بينهما بحرفى التأنيث كما في القربة والقربى {على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ} جواب النهي أي إن قصصتها عليهم كادوك عرف يعقوب عليه السلام أن الله يصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين فخاف عليه حسد الإخوة وإنما لم يقل فيكيدوك كما قال فيكيدونى لأنه ضمن معنى فعل يتعدى باللام ليفيد معنى فعل الكيد مع الفعل المضمن فيكون آكدوا أبلغ في التخويف وذلك نحو فيحتالوا لك ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر وهو {كَيْدًا إِنَّ الشيطان للإنسان عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهر العداوة فيحملهم على الحسد والكيد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ يا بُنَيَّ ﴾ صَغَّرَهُ لِلشَّفَقَةِ ويُسَمِّي النُّحاةُ مِثْلَ هَذا تَصْغِيرَ التَّحْبِيبِ، وما ألْطَفَ قَوْلَ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: قَدْ صَغَّرَ الجَوْهَرَ في ثَغْرِهِ لَكِنَّهُ تَصْغِيرُ تَحْبِيبٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ ولِصِغَرِ السِّنِّ، وفَتْحِ الياءِ قِراءَةُ حَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ الأبُ بَعْدَ سَماعِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ العَجِيبَةِ مِنِ ابْنِهِ؟

فَقِيلَ: قالَ: ﴿ يا بُنَيَّ) لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ أيْ فَيَحْتالُوا لِإهْلاكِكَ حِيلَةً عَظِيمَةً لا تَقْدِرُ عَلى التَّفَصِّي عَنْها أوْ خُفْيَةً لا تَتَصَدّى لِمُدافَعَتِها، وإنَّما قالَ لَهُ ذَلِكَ لِما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَفَ مِن رُؤْياهُ أنْ سَيُبَلِّغُهُ اللَّهُ تَعالى مَبْلَغًا جَلِيلًا مِنَ الحِكْمَةِ ويَصْطَفِيهِ لِلنُّبُوَّةِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِ الدّارَيْنِ فَخافَ عَلَيْهِ حَسَدَ الأُخُوَةِ وبَغْيِهِمْ، فَقالَ لَهُ ذَلِكَ صِيانَةً لَهم مِنَ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي في حَقِّهِ ولَهُ مِن مُعاناةِ المَشاقِّ ومُقاساةِ الأحْزانِ، وإنْ كانَ واثِقًا بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى تَحْوِيلِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا وأنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُحَقِّقُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وطَمَعًا في حُصُولِهِ بِلا مَشَقَّةٍ ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الغَيْبَةِ المَحْظُورَةِ في شَيْءٍ، والرُّؤْيا -مَصْدَرُ رَأى- الحُلْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَقَعُ في النَّوْمِ سَواءٌ كانَ مَرْئِيًّا أمْ لا عَلى ما هو المَشْهُورُ، والرُّؤْيَةُ -مَصْدَرُ رَأى- البَصَرِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى إدْراكٍ مَخْصُوصٍ، وفُرِّقَ بَيْنَ مَصْدَرِ المَعْنَيَيْنِ بِالتَّأُنِيثَيْنِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ القُرْبَةُ لِلتَّقَرُّبِ المَعْنَوِيِّ بِعِبادَةٍ ونَحْوِها، والقُرْبى لِلتَّقَرُّبِ النِّسْبِيِّ وحَقِيقَتُها عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، كَما قالَ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنِ المازِنِيِّ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ في قَلْبِ النّائِمِ اعْتِقاداتٍ كَما يَخْلُقُها في قَلْبِ اليَقِظانِ وهو سُبْحانُهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ لا يَمْنَعُهُ نَوْمٌ ولا يَقَظَةٌ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ تِلْكَ الِاعْتِقاداتِ عِلْمًا عَلى أُمُورٍ أُخَرَ يَخْلُقُها في ثانِي الحالِ، ثُمَّ إنَّ ما يَكُونُ عِلْمًا عَلى ما يَسُرُّ يَخْلُقُهُ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الشَّيْطانِ، وما يَكُونُ عِلْمًا عَلى ما يَضُرُّ يَخْلُقُهُ بِحَضْرَتِهِ، ويُسَمّى الأوَّلُ رُؤْيا وتُضافُ إلَيْهِ تَعالى إضافَةَ تَشْرِيفٍ، والثّانِي حُلْمًا تُضافُ إلى الشَّيْطانِ كَما هو الشّائِعُ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ المَكْرُوهِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنهُ تَعالى، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ  : «”الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ تَعالى والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ“،» وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: «”إذا رَأى أحَدُكُمُ الرُّؤْيا يُحِبُّها فَإنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى ولْيُحَدِّثْ بِها، وإذا رَأى غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَكْرَهُ فَإنَّما هي مِنَ الشَّيْطانِ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ومِن شَرِّها ولا يَذْكُرْها لِأحَدٍ فَإنَّها لَنْ تَضُرَّهُ“».

وصَحَّ عَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «”إذا رَأى أحَدُكُمُ الرُّؤْيا يَكْرَهُها فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسارِهِ ثَلاثًا ولْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، ولْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ“،» ولا يَبْعُدُ جَعْلُ اللَّهِ تَعالى ما ذُكِرَ سَبَبًا لِلسَّلامَةِ عَنِ المَكْرُوهِ كَما جَعَلَ اللَّهُ الصَّدَقَةَ سَبَبًا لِدَفْعِ البَلاءِ، وإنْ لَمْ نَعْرِفْ وجْهَ مَدْخَلِيَّةِ البَصْقِ عَنِ اليَسارِ والتَّحَوُّلِ عَنِ الجَنْبِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مَثَلًا في السَّبَبِيَّةِ، وقِيلَ: هي أحادِيثُ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِالأرْواحِ إنْ كانَتْ صادِقَةً ووَسْوَسَةُ الشَّيْطانِ والنَّفْسِ إنْ كانَتْ كاذِبَةً، ونُسِبَ هَذا إلى المُحَدِّثِينَ، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ بِأنَّ مَقْصُودَ القائِلِ بِأنَّها اعْتِقاداتٌ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى في قَلْبٍ إلَخْ أنَّها اعْتِقاداتٌ تُخْلَقُ كَذَلِكَ بِواسِطَةِ حَدِيثِ المَلَكِ، أوْ بِواسِطَةِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ مَثَلًا، والمُسَبِّباتُ في المَشْهُورِ عَنِ الأشاعِرَةِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى عِنْدَ الأسْبابِ لا بِها فَتَدَبَّرْ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَفَلْسِفَةِ هي انْطِباعُ الصُّورَةِ المُنْحَدِرَةِ مِن أُفُقِ المُتَخَيِّلَةِ إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ، والصّادِقَةُ مِنها إنَّما تَكُونُ بِاتِّصالِ النَّفْسِ بِالمَلَكُوتِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ عِنْدَ فَراغِها مِن تَدْبِيرِ البَدَنِ أدْنى فَراغٍ فَتَتَصَوَّرُ بِما فِيها مِمّا يَلِيقُ بِها مِنَ المَعانِي الحاصِلَةِ هُناكَ، ثُمَّ إنَّ المُتَخَيِّلَةَ تُحاكِيهِ بِصُورَةٍ تُناسِبُها فَتُرْسِلُها إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ فَتَصِيرُ مُشاهَدَةً، ثُمَّ إنْ كانَتْ شَدِيدَةَ المُناسَبَةِ لِذَلِكَ المَعْنى بِحَيْثُ لا يَكُونُ التَّفاوُتُ إلّا بِالكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ اسْتَغْنَتْ عَنِ التَّعْبِيرِ وإلّا احْتاجَتْ إلَيْهِ.

وذَكَرَ بَعْضُ أكابِرِ الصُّوفِيَّةِ ما يَقْرُبُ مِن هَذا، وهُوَ: إنَّ الرُّؤْيا مِن أحْكامِ حَضْرَةِ المِثالِ المُقَيَّدِ المُسَمّى بِالخَيالِ وهو قَدْ يَتَأثَّرُ مِنَ العُقُولِ السَّماوِيَّةِ والنُّفُوسِ النّاطِقَةِ المُدْرِكَةِ لِلْمَعانِي الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ، فَيَظْهَرُ فِيهِ صُوَرٌ مُناسِبَةٌ لِتِلْكَ المَعانِي، وقَدْ يَتَأثَّرُ مِنَ القُوى الوَهْمِيَّةِ المُدْرِكَةِ لِلْمَعانِي الجُزْئِيَّةِ فَقَطْ فَيَظْهَرُ فِيهِ صُورَةٌ تُناسِبُها، وهَذا قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ سُوءِ مِزاجِ الدِّماغِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ تَوَجُّهِ النَّفْسِ بِالقُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ إلى إيجادِ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ كَمَن يَتَخَيَّلُ صُورَةَ مَحْبُوبِهِ الغائِبِ عَنْهُ تَخَيُّلًا قَوِيًّا فَتَظْهَرُ صُورَتُهُ في خَيالِهِ فَيُشاهِدُهُ، وهي أوَّلُ مَبادِي الوَحْيِ الإلَهِيِّ في أهْلِ العِنايَةِ لِأنَّ الوَحْيَ لا يَكُونُ إلّا بِنُزُولِ المَلَكِ، وأوَّلُ نُزُولِهِ في الحَضْرَةِ الخَيالِيَّةِ ثُمَّ الحِسِّيَّةِ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: «”أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصّادِقَةٌ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ“،» والمَرْئِيُّ عَلى ما قالَ بَعْضُهُمْ: سَواءٌ كانَ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ أوْ لا قَدْ يَكُونُ بِإرادَةِ المَرْئِيِّ، وقَدْ يَكُونُ بِإرادَةِ الرّائِي، وقَدْ يَكُونُ بِإرادَتِهِما مَعًا، وقَدْ يَكُونُ لا بِإرادَةٍ مِن شَيْءٍ مِنهُما، فالأوَّلُ كَظُهُورِ المَلَكِ عَلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ وظُهُورِ الكُمَّلِ مِنَ الأناسِيِّ عَلى بَعْضِ الصّالِحِينَ في صُوَرٍ غَيْرِ صُوَرِهِمْ، والثّانِي كَظُهُورِ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ أوِ الإنْسانِيَّةِ بِاسْتِنْزالِ الكامِلِ إيّاهُ إلى عالَمِهِ لِيَكْشِفَ مَعْنى ما مُخْتَصًّا عِلْمُهُ بِهِ، والثّالِثُ كَظُهُورِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْتِنْزالِهِ إيّاهُ وبَعْثِ الحَقِّ سُبْحانَهُ إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والرّابِعُ كَرُؤْيَةِ زَيْدٍ مَثَلًا صُورَةَ عَمْرٍو في النَّوْمِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ وإرادَةٍ مِنهُما، وكانَتْ رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا القِسْمِ لِظُهُورِ أنَّها لَوْ كانَتْ بِإرادَةِ الأُخْوَةِ لَعَلِمُوا فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنْ الِاقْتِصاصِ مَعْنًى، ويُشِيرُ إلى أنَّها لَمْ تَكُنْ بِقَصْدِهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ﴾ .

هَذا والمَنقُولُ عَنِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّها خَيالاتٌ باطِلَةٌ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ بَعْدَ شَهادَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِصِحَّتِها، ووَجَّهَ ذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ مُرادَهم أنَّ كَوْنَ ما يَتَخَيَّلُهُ النّائِمُ إدْراكًا بِالبَصَرِ رُؤْيَةً وكَوْنَ ما يَتَخَيَّلُهُ إدْراكًا بِالسَّمْعِ سَمْعًا باطِلٌ فَلا يُنافِي حَقِّيَّةِ ذَلِكَ بِمَعْنى كَوْنِهِ أمارَةً لِبَعْضِ الأشْياءِ كَذَلِكَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ أوْ ما يُضاهِيهِ ويُحاكِيهِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَيَقَّظَ.

والمَشْهُورُ الَّذِي تَعاضَدَتْ فِيهِ الرِّواياتُ أنَّ الرُّؤْيا الصّادِقَةَ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ جَمْعٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَقِيَ حَسْبَما أشارَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها سِتَّةَ أشْهُرٍ يَرى الوَحْيَ مَنامًا ثُمَّ جاءَهُ المَلَكُ يَقَظَةً، وسِتَّةُ أشْهُرٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا.

وذَكَرَ الحَلِيمِيُّ أنَّ الوَحْيَ كانَ يَأْتِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ نَوْعًا: مِثْلُ النَّفْثِ في الرُّوعِ، وتَمَثُّلُ المَلَكِ بِصُورَةِ دِحْيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَثَلًا، وسَماعُهُ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ، وذَكَرَ الحافِظُ العَسْقَلانِيُّ أنَّ كَوْنَ الرُّؤْيا الصّادِقَةِ جُزْءًا مِن كَذا مِنَ النُّبُوَّةِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ صِدْقِها لا غَيْرَ وإلّا لَساغَ لِصاحِبِها أنْ يُسَمّى نَبِيًّا ولَيْسَ كَذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ أنَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ ما فِيهِ مُخالَفَةٌ لِما في هَذِهِ الرِّوايَةِ مِن عِدَّةِ الأجْزاءِ، ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِن كُلِّ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: مَدْحُ الرُّؤْيا الصّادِقَةِ والتَّنْوِيهُ بِرِفْعَةِ شَأْنِها لا خُصُوصِيَّةُ العَدَدِ ولا حَقِيقَةُ الجُزْئِيَّةِ.

وقالَ ابْنُ الأثِيرِ في جامِعِ الأُصُولِ: رَوى قَلِيلٌ أنَّها جُزْءٌ مِن خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا ولَهُ وجْهُ مُناسَبَةٍ بِأنْ عُمُرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَسْتَكْمِلْ ثَلاثًا وسِتِّينَ بِأنْ يَكُونَ تُوَفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأثْناءِ السَّنَةِ الثّالِثَةِ والسِّتِّينَ ورِوايَةُ أنَّها جُزْءٌ مِن أرْبَعِينَ جُزْءًا تَكُونُ مَحْمُولَةً عَلى كَوْنِ عُمُرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سِتِّينَ وهو رِوايَةٌ لِبَعْضِهِمْ، ورُوِيَ أنَّها جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا ولا أعْلَمُ لِذَلِكَ وجْهًا، اهـ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ سَبْعِينَ كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ في التَّكْثِيرِ فَلَعَلَّهُ هو الوَجْهُ، والغَرَضُ الإشارَةُ إلى كَثْرَةِ أجْزاءِ النُّبُوَّةِ فَتَدَبَّرْ، والمُرادُ -بِإخْوَتِهِ- هَهُنا عَلى ما قِيلَ: الأُخْوَةُ الَّذِينَ يَخْشى غَوائِلَهم ومَكايِدَهم مِن بَنِي عِلاتِهِ الأحَدَ عَشَرَ، وهُمْ: يَهُوذا ورُوبِيلُ وشَمْعُونُ ولاوى ورِيالُونُ ويَشْجُرُ ودِينَهُ بَنُو يَعْقُوبَ مِن لِيّا بِنْتِ لِيانَ بْنِ ناهِرٍ وهي بِنْتُ خالَتِهِ، ودانُ ويِفْتالى وجادٌ وآشِرُ بَنُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن سَرِّيَّتَيْنِ لَهُ زُلْفَةُ وبِلْهَةُ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِالكَواكِبِ، وأمّا بِنْيامِينُ الَّذِي هو شَقِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمُّهُما راحِيلُ الَّتِي تَزَوَّجَها يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ وفاةِ أُخْتِها لِيّا أوْ في حَياتِها إذْ لَمْ يَكُنْ جَمْعُ الأُخْتَيْنِ إذْ ذاكَ مُحَرَّمًا، فَلَيْسَ بِداخِلٍ تَحْتَ هَذا النَّهْيِ إذْ لا تُتَوَهَّمُ مَضَرَّتُهُ ولا تُخْشى مَعَرَّتُهُ، ولَمْ يَكُنْ مَعَهم في الرُّؤْيا إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم في السُّجُودِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَشْهُورَ أنَّ بَنِي عِلاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَشْرَةٌ ولَيْسَ فِيهِمْ مَنِ اسْمُهُ دِينَهُ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ ذَلِكَ في عِدادِ أوْلادِ يَعْقُوبَ إلّا أنَّهُ قالَ: هي أُخْتُ يُوسُفَ، وبِناءُ الكَلامِ عَلَيْهِ ظاهِرُ الفَسادِ بَلْ لا تَكادُ تَدْخُلُ في الأُخْوَةِ إلّا بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ لِأنَّهُ جَمْعُ أخٍ فَهو مَخْصُوصٌ بِالذُّكُورِ، فَلَعَلَّ المُخْتارَ أنَّ المُرادَ مِنَ الأُخْوَةِ ما يَشْمَلُ الأعْيانَ والعِلّاتِ، ويُعَدُّ بِنْيامِينُ بَدَلَ دِينَهِ إتْمامًا لِأحَدَ عَشَرَ عِدَّةٍ الكَواكِبِ المَرْئِيَّةِ، والنَّهْيُ عَنْ الِاقْتِصاصِ عَلَيْهِ -وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تُخْشى غَوائِلُهُ- مِن بابِ الِاحْتِياطِ وسَدِّ بابِ الِاحْتِمالِ، ومِمّا ذاعَ كُلُّ سِرٍّ جاوَزَ الِاثْنَيْنِ شاعَ، ويَلْتَزِمُ القَوْلُ بِوُقُوعِ السُّجُودِ مِنهُ كَسائِرِ أهْلِهِ، وإسْنادُ الكَيْدِ إلى الأُخْوَةِ بِاعْتِبارِ الغالِبِ فَلا إشْكالَ كَذا قِيلَ، وهو عَلى عِلّاتِهِ أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِإخْوَتِهِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَهُ بِنْيامِينُ ودِينَهُ لِأنَّهُما لا تُخْشى مَعَرَّتُهُما ولا يُتَوَهَّمُ مَضَرَّتُهُما فَهم حِينَئِذٍ تِسْعَةٌ وتُكَمَّلُ العِدَّةُ بِأبِيهِ وأُمِّهِ أوْ خالَتِهِ ويَكُونُ عَطْفُ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِن قَبِيلِ عَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ، وفِيهِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِهِما ما فِيهِ لِما أنَّ في ذَلِكَ ما فِيهِ، ونَصْبُ (يَكِيدُوا) بِأنْ مُضْمَرَةٍ في جَوابِ النَّهْيِ وعُدِّيَ بِاللّامِ مَعَ أنَّهُ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكِيدُونِي ﴾ لِتَضْمِينِهِ ما يَتَعَدّى بِها وهو الِاحْتِيالُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وذَلِكَ لِتَأْكِيدِ المَعْنى بِإفادَةِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ المُتَضَمِّنِ والمُضَمَّنِ جَمِيعًا، ولِكَوْنِ القَصْدِ إلى التَّأْكِيدِ، والمَقامُ مَقامَهُ أكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ وقَرَّرَ بِالتَّعْلِيلِ بَعْدُ، وجَعْلُ اللّامِ زائِدَةً كَجَعْلِهِ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالحَرْفِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مِن مُتَعَلِّقاتِ التَّأْكِيدِ عَلى مَعْنى فَيَكِيدُوا كَيْدًا لَكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مَعْنى فَيَفْعَلُوا لِأجْلِكَ وإهْلاكِكَ كَيْدًا راسِخًا أوْ خَفِيًّا، وزَعَمَ أنَّ هَذا الأُسْلُوبَ آكَدُ مِن أنْ يُقالَ: فَيَكِيدُوكَ كَيْدًا إذْ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ نَفْسِ الفِعْلِ مَقْصُودَ الإيقاعِ، وفِيهِ نَوْعُ مُخالَفَةٍ لِلظّاهِرِ أيْضًا فافْهَمْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ رُؤْياكَ ﴾ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، والكِسائِيُّ ﴿ رُؤْياكَ ﴾ بِالإمالَةِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ ﴿ إنَّ الشَّيْطانَ لِلإنْسانِ ﴾ أيْ لِهَذا النَّوْعِ ﴿ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ فَلا يَأْلُو جُهْدًا في تَسْوِيلِ إخْوَتِكَ وإثارَةِ الحَسَدِ فِيهِمْ حَتّى يَحْمِلَهم عَلى ما لا خَيْرَ فِيهِ وإنْ كانُوا ناشِئِينَ في بَيْتِ النُّبُوَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ القَوْمَ كانُوا بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ فالَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ سَلَفًا وخَلَفًا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ أصْلًا، أمّا السَّلَفُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ الصَّحابَةِ مِنهم أنَّهُ قالَ بِنُبُوَّتِهِمْ ولا يُحْفَظُ عَنْ أحَدٍ مِنَ التّابِعِينَ أيْضًا، وأمّا أتْباعُ التّابِعِينَ فَنُقِلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ بِنُبُوَّتِهِمْ وتابَعَهُ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ، وأمّا الخَلَفُ فالمُفَسِّرُونَ فِرَقٌ: فَمِنهم مَن قالَ بِقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ كالبَغَوِيِّ، ومِنهم مَن بالَغَ في رَدِّهِ كالقُرْطُبِيِّ وابْنِ كَثِيرٍ، ومِنهم مَن حَكى القَوْلَيْنِ بِلا تَرْجِيحٍ كابْنِ الجَوْزِيِّ، ومِنهم مَن لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَسْألَةِ لَكِنْ ذَكَرَ ما يُشْعِرُ بِعَدَمِ كَوْنِهِمْ أنْبِياءَ كَتَفْسِيرِهِ الأسْباطَ بِمَن نُبِّئَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ والمُنَزَّلِ إلَيْهِمْ بِالمُنَزَّلِ إلى أنْبِيائِهِمْ كَأبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ والواحِدَيِّ، ومِنهم مَن لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ولَكِنْ فَسَّرَ الأسْباطَ بِأوْلادِ يَعْقُوبَ فَحَسِبَهُ ناسٌ قَوْلًا بِنُبُوَّتِهِمْ ولَيْسَ نَصًّا فِيهِ لِاحْتِمالِ أنْ يُرِيدَ بِالأوْلادِ ذُرِّيَّتَهُ لِابْنَيْهِ لِصُلْبِهِ، وذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في مُؤَلَّفٍ لَهُ خاصٍّ في هَذِهِ المَسْألَةِ ما مُلَخَّصُهُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ واللُّغَةُ والِاعْتِبارُ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسُوا بِأنْبِياءَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ولا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلْ ولا عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم خَبَرٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَبَّأهُمْ، وإنَّما احْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّهم نُبِّئُوا بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَتِيِ البَقَرَةِ والنِّساءِ: (والأسْباطُ) وفَسَّرَ ذَلِكَ بِأوْلادِ يَعْقُوبَ، والصَّوابُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِمْ أوْلادَهُ لِصُلْبِهِ بَلْ ذُرِّيَّتُهُ كَما يُقالُ لَهُمْ: بَنُو إسْرائِيلَ، وكَما يُقالُ لِسائِرِ النّاسِ: بَنُو آدَمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ، ﴿ وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ الأسْباطَ هُمُ الأُمَمُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكُلُّ سِبْطٍ أُمَّةٌ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الأسْباطَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ مِن بَنِي إسْماعِيلَ، وأصْلُ السِّبْطِ كَما قالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: شَجَرَةٌ واحِدَةٌ مُلْتَفَّةٌ كَثِيرَةُ الأغْصانِ فَلا مَعْنى لِتَسْمِيَةِ الأبْناءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ أسْباطًا قَبْلَ أنْ يَنْتَشِرَ عَنْهُمُ الأوْلادُ، فَتَخْصِيصُ الأسْباطِ في الآيَةِ بِبَنِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصُلْبِهِ غَلَطٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ولا المَعْنى ومَنِ ادَّعاهُ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، والصَّوابُ أيْضًا أنَّهم إنَّما سُمُّوا أسْباطًا مِن عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن حِينَئِذٍ كانَتْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ فَإنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ إلّا يُوسُفَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأنْبِياءَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ ﴾ الآياتِ، فَذَكَرَ يُوسُفَ ومَن مَعَهُ ولَمْ يَذْكُرِ الأسْباطَ ولَوْ كانَ إخْوَةُ يُوسُفَ قَدْ نُبِّئُوا كَما نُبِّئَ لَذُكِرُوا كَما ذُكِرَ، وأيْضًا إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ المَحامِدِ والثَّناءِ ما يُناسِبُ النُّبُوَّةَ وإنْ كانَ قَبْلَها، وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ“،» فَلَوْ كانَتْ إخْوَتُهُ أنْبِياءَ كانُوا قَدْ شارَكُوهُ في هَذا الكَرَمِ، وهو سُبْحانُهُ لَمّا قَصَّ قِصَّتَهم وما فَعَلُوا بِأخِيهِمْ ذَكَرَ اعْتِرافَهم بِالخَطِيئَةِ وطَلَبَهُمُ الِاسْتِغْفارَ مِن أبِيهِمْ ولَمْ يَذْكُرْ مِن فَضْلِهِمْ ما يُناسِبُ النُّبُوَّةَ وإنْ كانَ قَبْلَها، بَلْ ولا ذَكَرَ عَنْهم تَوْبَةً باهِرَةً كَما ذَكَرَ عَمَّنْ ذَنْبُهُ دُونَ ذَنْبِهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ عَنْ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ولا بَعْدَها أنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ هَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ مِن عُقُوقِ الوالِدِ، وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وإرْقاقِ المُسْلِمِ وبَيْعِهِ إلى بِلادِ الكُفْرِ، والكَذِبِ البَيِّنِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَكاهُ عَنْهُمْ، بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ نُبُوَّتِهِمْ سِوى صُدُورِ هَذِهِ العَظائِمِ مِنهم لَكَفى لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ عَنْ صُدُورِ مِثْلِ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وهي أيْضًا أُمُورٌ لا يُطِيقُها مَن هو دُونَ البُلُوغِ فَلا يَصِحُّ الِاعْتِذارُ بِأنَّها صَدَرَتْ مِنهم قَبْلَهُ وهو لا يَمْنَعُ الِاسْتِنْباءَ بَعْدُ، وأيْضًا ذَكَرَ أهْلُ السِّيَرِ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كُلُّهم ماتُوا بِمِصْرَ وهو أيْضًا ماتَ بِها لَكِنْ أوْصى بِنَقْلِهِ إلى الشّامِ فَنَقَلَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ أنَّ أهْلَ مِصْرَ قَدْ جاءَهم نَبِيٌّ قَبْلَ مُوسى غَيْرُ يُوسُفَ ولَوْ كانَ مِنهم نَبِيٌّ لَذُكِرَ، وهَذا دُونَ ما قَبْلَهُ في الدَّلالَةِ كَما لا يَخْفى والحاصِلُ أنَّ الغَلَطَ في دَعْوى نُبُوَّتِهِمْ إنَّما جاءَ في ظَنِّ أنَّهم هُمُ الأسْباطُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما الأسْباطُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِالأسْباطِ أبْناءَ يَعْقُوبَ لَقالَ سُبْحانَهُ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ فَإنَّهُ أبْيَنُ وأوْجَزُ، لَكِنَّهُ عَبَّرَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ النُّبُوَّةَ حَصَلَتْ فِيهِمْ مِن حِينِ تَقْطِيعِهِمْ أسْباطًا مِن عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلْيُحْفَظْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال تعالى: قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فلمّا قصّها على أبيه انتهره وزجره، وقال ليوسف في السر: إذا رأيت رؤيا بعد هذا، فلا تقصها على إخوتك فذلك قوله تعالى: فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً يعني: يعملوا بك عملاً، ويحتالوا بك حيلة في هلاكك.

فإن قيل قوله: رَأَيْتُهُمْ هذا اللفظ يستعمل في العقلاء ولا يستعمل في غير العقلاء، يقال: رأيتها ورأيتهن، فكيف قال هاهنا: رَأَيْتُهُمْ؟

قيل له: لأنه حكى عنها الفعل الذي يكون من العقلاء، وهي السجدة.

فذكر باللفظ الذي يوصف به العقلاء.

إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.

قرأ أبو جعفر القارئ المدني، أَحَدَ عَشَرَ بجزم الدال، وقراءة العامة أَحَدَ عَشَرَ بالنصب.

قال أبو عبيدة: هكذا تقرؤها، لأنها أعرف اللغتين، والناس عليها.

ثم قال: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ يقول: يصطفيك ويختارك بالنبوة.

ويقال: بالحسن والجمال والمحبة في القلوب.

وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني: من تعبير الرؤيا.

ويقال: هي الكتب المنزلة.

ويقال: عواقب الأمور، يعني: يفهمك وَيُعَلّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ حتى تكون عالماً بعواقبها وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ يعني: يثبتك على الإسلام، ويقال: بالنبوة والإسلام وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ يعني: إخوة يوسف كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وأكرمهما بالنبوة، وثبتهما على الإسلام.

قال الزجاج: وقد فسّر له يعقوب الرؤيا، فالتأويل: أنه لما قال يوسف: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً تأول لأحد عشر نفساً لهم فضل وأنهم يستضاء بهم، لأن الكواكب لا شيء أضوء منها، وتأول الشمس والقمر أبويه، فالقمر الأب، والشمس الأم، والكواكب إخوته، فتأول ليوسف أنه يكون نبياً وأن إخوته يكونون أنبياء، لأنه أعلمه أن الله تعالى يتم نعمته عليه وعلى إخوته، كما أتمها على أبويه إبراهيم وإسحاق.

ويقال: كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ حين رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه، فأمره الله تعالى أن يفديه.

وروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أنه كان يجعل الجد أباً» ، ثم يقرأ هذه الآية: كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يعني: عَلِيمٌ بما صنع به إخوته، حَكِيمٌ بما حكم من إتمام النعمة عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ: أي: بوحينا إِليك هذا، والْقُرْآنَ: نعت ل «هذا» ويجوز فيه البَدَلُ، والضمير في «قبله» : للقصص العامِّ لما في جميع القرآن منه، ولَمِنَ الْغافِلِينَ، أي: عن معرفة هذا القصص، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: قال قتادة: أي: نقصُّ عليك من الكُتُب الماضيةِ، وأخبارِ الأممِ السالفةِ أحْسَنَ القصص بوحينا إِليك هذا القرآن، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عنْ أخبار الأمم، انتهى.

وقوله سبحانه: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ: قيل: إِنه رأَى كواكِبَ حقيقةً، والشمْسَ والقَمَرَ، فتأوَّلها يعقوبُ إِخْوَتَهُ وأَبَوَيْهِ، وهذا هو قولُ الجمهور، وقيل: الإِخوةُ والأَبُ والخالةُ لأَنَّ أُمَّه كانتْ ميِّتة، وروي أن رُؤْيَا يوسُفَ خَرَجَتْ بَعْدَ أربعينَ سَنَةً، وقيل: بعد ثمانين سنة.

وقوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً مِنْ هنا ومِنْ فعْل إِخوة يوسُفَ بيوسُفَ: يظهر أنَّهم لم يكُونوا أَنبياءَ في ذلك الوقْتِ، وما وَقَعَ في «كتاب الطَّبريِّ» لابْنِ زَيْد أنهم كانُوا أنبياءَ يردُّه القطْعُ بعصمة الأنبياءِ عن الحَسَدِ الدنيوي، وعن عقوقِ الآباءِ، وتعريض مؤمنٍ للهلاكِ، والتآمرِ في قتله.

وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ: أي: يختارُكَ ويصطفيك.

وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قال مجاهد وغيره: هي عبارةُ الرؤيا «١» وقال الحسن: هي عواقِبُ الأمور «٢» وقيل: هي عامَّة لذلك وغيره من المغيَّبات.

وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ...

الآية: يريد بالنبوَّة وما انضاف إِلَيْها من سائر النِّعَم، ويروَى: أَنَّ يعقُوبَ عَلِمَ هَذا مِنْ دَعْوَة إِسْحَاقَ لَهُ حِينَ تشبَّه ب «عيصو» ، وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ ﴾ في " إذْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ لِلْفِعْلِ المُتَقَدِّمِ، والمَعْنى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ إذْ قالَ يُوسُفُ.

والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ قالَ يُوسُفُ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أبَتِ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، بِفَتْحِ التّاءِ، ووَقَفا بِالهاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ في الوَقْفِ بِالهاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.

فَمَن فَتَحَ التّاءَ، أرادَ: يا أبَتا فَحَذَفَ الألِفَ كَما تُحْذَفُ الياءُ، فَبَقِيَتِ الفُتْحَةُ دالَّةً عَلى الألِفِ، كَما أنَّ الكَسْرَةَ تَبْقى دالَّةً عَلى الياءِ.

ومَن وقَفَ عَلى الهاءِ، فَلِأنَّ تاءَ التَّأْنِيثِ تُبْدَلُ مِنها الهاءُ في الوَقْفِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أحَدَ عَشَرَ، وتِسْعَةَ عَشَرَ، بِسُكُونِ العَيْنِ فِيهِما.

وَفِي ما رَآهُ يُوسُفُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: " رَأيْتُهم " عَلى جَمْعِ ما يَعْقِلُ، لِأنَّ السُّجُودَ فِعْلُ ما يَعْقِلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ  ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ الكَواكِبُ في التَّأْوِيلِ إخْوَتَهُ، والشَّمْسُ أُمَّهُ، والقَمَرُ أباهُ، فَلَمّا قَصَّها عَلى يَعْقُوبَ أشْفَقَ مِن حَسَدِ إخْوَتِهِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: الشَّمْسُ أبُوهُ، والقَمَرُ خالَتُهُ، لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ قَدْ ماتَتْ.

والثّانِي: أنَّهُ رَأى: أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ ساجِدِينَ لَهُ، فَكَنّى عَنْ ذِكْرِهِمْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

فَأمّا تَكْرارُ قَوْلِهِ: " رَأيْتُهم " فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما كَرَّرَهُ لَمّا طالَ الكَلامُ تَوْكِيدًا.

وَفِي سِنِّ يُوسُفَ لَمّا رَأى هَذا المَنامَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: سَبْعُ سِنِينَ.

والثّانِي: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً.

والثّالِثُ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

قالَ المُفَسِّرُونَ: عَلِمَ يَعْقُوبُ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ رُؤْياهُ، فَقالَ: " لا ﴿ تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ "، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَحْتالُوا لَكَ حِيلَةً ويَغْتالُوكَ.

وقالَ غَيْرُهُ: اللّامُ صِلَةٌ، والمَعْنى: فَيَكِيدُوكَ.

والعَدُوُّ المُبِينُ: الظّاهِرُ العَداوَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَيْطانَ لِلإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبُّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ تَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ أنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يُحِسُّ مِن بَنِيهِ حَسَدَ يُوسُفَ وبُغْضَتَهُ، فَنَهاهُ عن قَصَصِ الرُؤْيا عَلَيْهِمْ خَوْفَ أنْ يُشْعِلَ بِذَلِكَ غِلَّ صُدُورِهِمْ، فَيُعْمِلُوا الحِيلَةَ عَلى هَلاكِهِ، ومِن هُنا ومِن فِعْلِهِمْ بِيُوسُفَ -الَّذِي يَأْتِي ذِكْرُهُ- يَظْهَرُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

ووَقَعَ في كِتابِ الطَبَرِيِّ لِابْنِ زَيْدٍ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، وهَذا يَرُدُّهُ القَطْعُ بِعِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنِ الحَسَدِ الدُنْياوِي، وعن عُقُوقِ الآباءِ، وتَعْرِيضِ مُؤْمِنٍ لِلْهَلاكِ والتَوافُرِ في قَتْلِهِ.

ثُمَّ أعْلَمَهُ أنَّ الشَيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ، أيْ: هو يُدْخِلُهم في ذَلِكَ ويَحُضُّهم عَلَيْهِ.

وأمالَ الكِسائِيُّ: "رُؤْياكَ" والرُؤْيا حَيْثُ وقَعَتْ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ لَمْ يُمِلْ "رُؤْياكَ" في هَذِهِ السُورَةِ وأمالَ الرُؤْيا حَيْثُ وقَعَتْ، وقَرَأ "رُوياكَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ -وَهِيَ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ - ولَمْ يُمِلْها الباقُونَ حَيْثُ وقَعَتْ.

والرُؤْيا مَصْدَرٌ كَثُرَ وُقُوعُهُ عَلى هَذا المُتَخَيَّلِ في النَوْمِ حَتّى جَرى مَجْرى الأسْماءِ كَما فَعَلُوا في الدَرِّ في قَوْلِهِمْ: "لِلَّهِ دَرُّكَ" فَخَرَجا مِن حُكْمِ عَمَلِ المَصادِرِ، وكَسَّرُوها رُؤى بِمَنزِلَةِ ظُلَمٍ، والمَصادِرُ في أكْثَرَ الأمْرِ لا تُكَسَّرُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ ﴾ الآيَةُ، فـَ "يَجْتَبِيكَ" مَعْناهُ: يَخْتارُكَ ويَصْطَفِيكَ، ومِنهُ: جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، ومِنهُ: جِبايَةُ المالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: هي عِبارَةُ الرُؤْيا.

وقالَ الحَسَنُ: هي عَواقِبُ الأُمُورِ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِذَلِكَ وغَيْرِهِ مِنَ المُغَيَّباتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ ﴾ يُرِيدُ النُبُوَّةَ وما انْضافَ إلَيْها مِن سائِرِ النِعَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ يُرِيدُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- الأولادَ والقَرابَةَ الَّتِي هي مِن نَسْلِهِ، أيْ يَجْعَلَ فِيهِمُ النُبُوَّةَ، ويُرْوى أنَّ ذَلِكَ إنَّما عَلِمَهُ يَعْقُوبُ مِن دَعْوَةِ إسْحاقَ لَهُ حِينَ تَشَبَّهَ لَهُ بِعِيصُو، والقِصَّةُ كامِلَةً في كِتابِ النَقّاشِ لَكِنِّي اخْتَصَرْتُها لِأنَّهُ لَمْ يَنْبُلْ ألْفاظَها، وما أظُنُّهُ انْتَزَعَها إلّا مِن كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّها قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَهُمْ، وباقِي هَذِهِ الآيَةِ بَيِّنٌ.

والنِعْمَةُ عَلى يُوسُفَ كانَتْ تَخْلِيصَهُ مِنَ السِجْنِ وعِصْمَتَهُ والمُلْكَ الَّذِي نالَ، وعَلى إبْراهِيمَ هي اتِّخاذُهُ خَلِيلًا، وعَلى إسْحاقَ فِدْيَتُهُ بِالذَبْحِ العَظِيمِ مُضافًا ذَلِكَ كُلُّهُ إلى النُبُوَّةِ، وعَلِيمٌ حَكِيمٌ مُناسِبَتانِ لِهَذا الوَعْدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جاءت الجملة مفصولة عن التي قبلها على طريقة المحاورات.

وقد تقدّمت عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ في سورة البقرة (30).

والنّداء مع حضور المخاطب مستعمل في طلب إحضار الذهن اهتماماً بالغرض المخاطب فيه.

و ﴿ بُنَيّ ﴾ بكسر الياء المشدّدة تصغير ابن مع إضافته إلى ياء المتكلم وأصله بُنَيْوي أو بُنَيْيي على الخلاف في أنّ لام ابن الملتزمَ عدمُ ظهورها هي واو أم ياء.

وعلى كلا التقديرين فإنّها أدغمت فيها ياء التصغير بعد قلب الواو ياء لتقارب الياء والواو، أو لتمَاثلهما فصار (بنَيّي).

وقد اجتمع ثلاث ياءات فلزم حذف واحدة منها فحذفت ياء المتكلم لزوماً وألقيت الكسرة التي اجتلبت لأجلها على ياء التصغير دلالة على الياء المحذوفة.

وحذفُ ياء المتكلم من المنادى المضاف شائع، وبخاصة إذا كان في إبقائها ثقل كما هنا، لأنّ التقاء ياءات ثلاث فيه ثقل.

وهذا التّصغير كناية عن تحبيب وشفقة.

نزل الكبير منزلة الصغير لأنّ شأن الصغير أن يحب ويشفق عليه.

وفي ذلك كناية عن إمحاض النصح له.

والقصّ: حكاية الرؤيا.

يقال: قص الرؤيا إذا حكاها وأخبر بها.

وهو جاءٍ من القصص كما علمت آنفاً.

والرؤيا بألف التأنيث هي: رؤية الصور في النوم، فرّقوا بينها وبين رؤية اليقظة باختلاف علامتي التأنيث، وهي بوزن البشرى والبقيَا.

وقد علم يعقوب عليه السّلام أن إخوة يوسف عليه السّلام العشرة كانوا يغارون منه لفرط فضله عليهم خَلقا وخلقا، وعلم أنّهم يعبرون الرؤيا إجمالاً وتفصيلاً، وعلم أن تلك الرؤيا تؤذن برفعة ينالها يوسف عليه السّلام على إخوته الذين هم أحدَ عَشَرَ فخشي إن قصّها يوسف عليه السلام عليهم أن تشتد بهم الغيرة إلى حدّ الحسد، وأن يعبّروها على وجهها فينشأ فيهم شرّ الحاسد إذا حسد، فيكيدوا له كيداً ليسلموا من تفوقّه عليهم وفضله فيهم.

والكيد: إخفاء عمل يضرّ المكيد.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وأُمْلِي لهم إن كيدي متين ﴾ في سورة الأعراف (183).

واللاّم في ﴿ لك ﴾ لتأكيد صلة الفعل بمفعوله كقوله: شكرت لك النعمى.

وتنوين ﴿ كيداً ﴾ للتعظيم والتهويل زيادة في تحذيره من قص الرؤيا عليهم.

وقصد يعقوب عليه السّلام من ذلك نجاة ابنه من أضرار تلحقه، وليس قصده إبطال ما دلّت عليه الرؤيا فإنّه يقع بعد أضرار ومشاق.

وكان يعلم أن بنيه لم يبلغوا في العلم مبلغ غوص النظر المفضي إلى أن الرّؤيا إن كانت دالة على خير عظيم يناله فهي خبر إلهي، وهو لا يجوز عليه عدم المطابقة للواقع في المستقبل، بل لعلّهم يحسبونها من الإنذار بالأسباب الطبيعية التي يزول تسببها بتعطيل بعضها.

وقول يعقوب عليه السّلام هذا لابنه تحذير له مع ثقته بأنّ التحذير لا يثير في نفسه كراهة لإخوته لأنّه وثق منه بكمال العقل، وصفاء السريرة، ومكارم الخلق.

ومن كان حاله هكذا كان سمحاً، عاذراً، معرضاً عن الزلاّت، عالماً بأثر الصبر في رفعة الشأن، ولذلك قال لإخوته ﴿ إنّه من يتّق ويصبر فإنّ الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ [سورة يوسف: 90] وقال: ﴿ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ﴾ [سورة يوسف: 92].

وقد قال أحد ابني آدم عليه السّلام لأخيه الذي قال له لأقتلنّك حسداً ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنّي أخاف الله رب العالمين ﴾ [سورة المائدة: 28].

فلا يشكل كيف حذّر يعقوبُ يوسفَ عليهما السّلام من كيد إخوته، ولذلك عقب كلامه بقوله: إن الشيطان للإنسان عدوّ مبين } ليعلم أنه ما حذّره إلاّ من نزغ الشيطان في نفوس إخوته.

وهذا كاعتذار النبي صلى الله عليه وسلم للرّجلين من الأنصار اللذين لقياه ليلاً وهو يشيّع زوجه أمّ المؤمنين إلى بيتها فلمّا رأياه ولّيَا، فقال: «على رسلكما إنها صفية، فقالا: سبْحان الله يا رسول الله وأكبرا ذلك، فقال لهما: إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في نفوسكما».

فهذه آيةُ عبرة بتوسّم يعقوب عليه السّلام أحوال أبنائه وارتيائه أن يكفّ كيدَ بعضهم لبعض.

فجملة ﴿ إن الشيطان للإنسان ﴾ الخ واقعة موقع التعليل للنهي عن قصّ الرؤيا على إخوته.

وعداوة الشيطان لجنس الإنسان تحمله على أن يدفعهم إلى إضرار بعضهم ببعض.

وظاهر الآية أن يوسف عليه السّلام لم يقص رؤياه على إخوته وهو المناسب لكماله الذي يبعثه على طاعة أمْر أبيه.

ووقع في الإسرائيليات أنه قصّها عليهم فحسدوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

وَقِيلَ إنَّهُ كانَ لَهُ عِنْدَ هَذِهِ الرُّؤْيا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى هَذِهِ الرُّؤْيا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ وكانَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ، فَلَمّا قَصَّها عَلى يَعْقُوبَ أشْفَقَ عَلَيْهِ مِن حَسَدِ إخْوَتِهِ فَقالَ: يا بَنِيَّ هَذِهِ رُؤْيا اللَّيْلِ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْها، فَلَمّا خَلا بِهِ ﴿ قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ وفي تَسْمِيَتِهِ بِيُوسُفَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.

الثّانِي: أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأسَفِ، والأسَفُ في اللُّغَةِ الحُزْنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ قال يصطفيك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ قال: عبارة الرؤيا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ قال: تأويل العلم والحلم.

قال: وكان يومئذ أعبر الناس.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق ﴾ قال: فنعمته على إبراهيم نجاه من النار، وعلى إسحاق أن نجاه من الذبح.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وهو قوله: ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ ﴾ الآية.

قال العلماء وأصحاب الآثار (١) قال ابن عباس (٢) وقوله تعالى ﴿ رُؤْيَاكَ ﴾ الرؤيا (٣) وفي الرؤيا أربع لغات: تحقيق الهمز، وتحقيقها بقلبها واوًا من غير إدغامها في التاء وإن كانت ساكنة؛ لأنها في تقدير الهمز فهي ليست بواو، وإذا لم يلزم لم يقع الاعتداد بها فلم يدغم، ومن ثم جاء صنو وشي في تخفيف وشي، وبقي الاسم على حرفين أحدهما حرف لين، وجاز تحرك حرف اللين وتصحيحه مع انفتاح ما قبله؛ لأن الهمزة (٤) وأنشد الفراء (٥) (٦) أحبُّ إلى قَلْبِي مِنَ الدِّيَك رَنَّة ...

وبابٍ إذا ما مَالَ للغَلْقِ يَصرِفُ قال أراد: رؤية، فلما ترك الهمز أدغم على ما ذكرنا، وكل ما ذكرنا في الرؤيا (٧) (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ أي: فيحتالوا في هلاكك؛ لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدوك (١١) ﴿ لَكَ ﴾ تأكيد للصلة، كقوله ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ وقيل هي من صلة الكيد، على معنى: فيكيدوا كيدًا لك.

قال أهل المعاني (١٢) (١) الطبري 12/ 152، "زاد المسير" 4/ 185، البغوي 4/ 213، القرطبي 9/ 122، الثعلبي 7/ 63 ب، ابن عطية: 7/ 437، ابن كثير 3/ 512 - 514.

(٢) الطبري 12/ 151، وابن أبي حاتم 7/ 2101 أ، وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 6، والبغوي 4/ 213.

(٣) حديثه عن الرؤيا واشتقاقها منقول عن الفراء والزجاج والفارسي كما سيأتي.

(٤) في (ب): (الهمز) (٥) قال الفراء: أنشدني أبو الجراح.

و (العرض) الوادي فيه شجر، و (الغين) جمع الغيناء وهي الخضراء من الشجر، وهو بدل من (أفنانه)، و (يصرف): يصوت، وفي "اللسان" (رنه) ولا شاهد فيه.

"اللسان" (عرض) 5/ 2888، (غين) 6/ 3331 (رأى) 3/ 1541، و"معاني القرآن" 2/ 35، و"الزاهر" 2/ 205، و"ديوان الأب" 1/ 122، و"تهذيب اللغة" 2/ 1323 مادة (رأى)، 3/ 2709 مادة (غين)، و"تاج العروس" 13/ 381، و"معجم البلدات" 4/ 102 (العرض).

(٦) في (ب) زيادة هن فيكون: (لغيرهن).

وفي "معاني القرآن" 2/ 35: (لعرض من الأعراض).

(٧) (في الرؤيا) ساقطة من (ب).

(٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 35.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 92.

(١٠) "الحجة" لأبي علي الفارسي 4/ 398، وأغلب النقل السابق عنه.

(١١) هذه عبارة الثعلبي 7/ 63 ب، و"مشكل القرآن وغريبه" ص 216، والقرطبي 9/ 122، والطبري 12/ 152.

(١٢) البغوي 4/ 213.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذْ قَالَ ﴾ العامل فيه اذكر المضمر، أو القصص ﴿ ياأبت ﴾ أي يا أبي والتاء للمبالغة، وقيل: للتأنيث وكسرت دلالة على ياء المتكلم والتاء عوض من ياء المتكلم ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجدين ﴾ كرر الفعل لطول الكلام، وأجرى الكواكب والشمس والقمر مجرى العقلاء في ضمير الجماعة لما وصفها بفعل من يعقل، وهو السجود وتأويل الكواكب في المنام إخوته، والشمس والقمر أبواه؛ وسجودهم له تواضعهم له ودخولهم تحت كنفه وهو ملك ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ ﴾ إنما قال ذلك لأنه علم أن تأويلها ارتفاع منزلته فخاف عليه من الحسد ﴿ يَجْتَبِيكَ ﴾ يختارك ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ قيل: هي عبارة الرؤيا، واللفظ أعم من ذلك ﴿ ءَالِ يَعْقُوبَ ﴾ يعني ذريته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.

وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.

الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.

الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.

﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.

الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.

بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.

بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.

وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.

وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.

﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.

الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.

أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.

وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.

احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.

قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.

وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.

قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.

وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.

وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.

ويروى أن أصحاب رسول الله  ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً  ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.

والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".

و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.

وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.

عن النبي  "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.

ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.

والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.

من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.

قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي  فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.

فسكت رسول الله  فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي  لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟

قال: نعم.

قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.

رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.

فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.

وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل  ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين.

والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.

وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك  ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.

عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.

وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.

وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.

ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل ثمانون.

قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.

قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.

واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".

وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.

وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.

ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.

والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.

قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.

أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.

وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.

والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.

ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.

ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم  .

وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.

والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.

واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.

وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.

وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.

قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟

والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد  للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.

وفيه أنه  يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.

يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.

﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.

لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.

ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.

والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا  ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض  ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.

ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.

ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.

واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.

فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال  لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.

قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .

وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردن.

وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.

ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.

قال السدي: إن يوسف  لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.

فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وروي أنه  لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.

وحكي أن إبراهيم  حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.

وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..

يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.

ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا لا.

قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.

يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.

وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.

﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.

قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.

وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.

وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله  ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.

يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله  إليه يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.

ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله  فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله  أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.

واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟

وأجيب بأن الله  لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله  يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.

﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.

ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.

قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.

﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.

ومتى قال الوارد هذا الكلام؟

قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.

وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.

قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.

والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.

فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.

ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.

والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.

وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.

وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله  أعلم.

﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.

والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.

قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.

عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.

وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.

ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.

عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.

وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.

ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.

والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.

ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.

قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟

فقيل: زهدوا فيه والله  أعلم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.

﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.

﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.

﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.

فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.

﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.

﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال  : ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ ، أي: نبين عليك أحسن البيان ﴿ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ أي: نخبرك أحسن ما في كتبهم من القصص، وأحسن ما في كتبهم من الأنباء والأحاديث.

وقوله: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ﴾ : أصدقه، وكذلك قوله ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً  ﴾ ، وأحسن الحديث: أصدقه وأحسن القصص؛ أي: أصدقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ ﴾ أي: وقد كنتم من قبله ﴿ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ ﴾ .

عن هذه الأنباء، وعن قصصهم؛ فهذا يدل أن الإيمان بجملة الأنبياء والرسل إيمان، وإن لم يعرف أنفس الأنبياء وأنفس الرسل وأساميهم؛ لأنه أخبر أنه كان غافلا عن أنبائهم، وعن قصصهم، ولا شك أنه كان مؤمناً بالله مخلصاً، وبالله العصمة.

وقال ابن عباس -  -: أحسن القصص: كلام الرحمن.

وقال مجاهد: ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ  ﴾ : كلام ربّ العالمين.

وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون الذي سألوا عنه رسول الله عن قصة يوسف صيرورة بني إسرائيل بمصر، وقد كانوا من قبل بالشام، فقال: تلك الأنباء والقصص نجعلها آيات هذه السّورة التي هي من الكتاب المبين.

أو تلك آيات حجج وبراهين لرسالة محمد  إذ هي من أنباء الغيب عنهم، فعلم الأنباء عنها بالله  وتعالى .

وقوله - عز جل -: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ دل قوله: ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ﴾ إن إخوة يوسف كانوا علماء وعيون الأرض، نجوماً يقتدى بهم ويهتدى؛ إذ بالنجوم يقتدى في الأرض، وبها يهتدون الطرق والمسالك.

ودل قوله: ﴿ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ﴾ حيث - خرج على أبويه - أنه كان بهما جميع منافع الخلق؛ إذ بهما صلاح جميع الأغذية في الأرض، ونضج جميع الفواكه والأنزال، وجميع المنافع التي بالناس حاجة إلى ذلك.

ودل قوله: ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ أن الرؤيا تخرج على عين ما رأى، وتخرج على غيره بالمعنى الذي يتصل به؛ لأنه رأى الكواكب والشمس والقمر فخرج على إخوته وأبويه؛ كأن المراد بالكواكب والنجوم، غير الكواكب، وغير الشمس والقمر، وذلك لمعنى، وذكر السجود وخرج على عين السجود وحقيقته، وكذلك ما رأى إبراهيم في المنام ذبح ولده خرج الذبح على [حقيقة الذبح] هو ذبح الكبش، ورأى ابنه، وكان المراد منه الكبش، فهذا أصل لنا أن الخطاب يخرج والمراد منه على عين ذلك الخطاب لا غير، وقد يخرج لمعنى فيه، فإذا اتصل ذلك المعنى بغير، وجب ذلك الحكم.

وفيه جواز الاجتهاد وطلب المعنى في المخاطبات، وكذلك ما ظهر في الناس من تعبير الرؤيا على الاجتهاد، يدل على جواز العمل بالاجتهاد.

قال بعض أهل التأويل: إن يوسف لما قصّ رؤياه على أبيه بين يدي إخوته قال له: هذه رؤيا النهار ليست بشيء.

وقال ليوسف في السرّ: إذا رأيت رؤيا بعد هذا، فلا تقصها على إخوتك.

لكن هذا كذب؛ فلا يجوز أن يكذب رسول الله يعقوب يقول له: رؤيا النهار ليست بشيء، ثم يعبر له في السرّ، ولا يتوهم على نبي من أنبياء الله الكذب، وهو كذب، فإن كان فهو بالأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ﴾ .

دل قوله: ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ﴾ على أن ما رأى يوسف من سجود الكواكب له، وسجود الشمس والقمر أنه إنما كان رأى ذلك في المنام، ويدل ما ذكر في آخره أيضاً على ذلك، وهو قوله: ﴿ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ  ﴾ ودل قوله: ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ﴾ أن يعقوب إنما عرف ذلك بالوحي؛ حيث قطع القول في قوله: ﴿ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ﴾ ، ولم يستثن في ذلك، وقد فعلوا به ما قال.

وفيه دلالة أن إخوته قد كانوا يعرفون تعبير الرؤيا، وكانوا علماء حكماء؛ حيث قال: ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ﴾ ، لأنهم لو كانوا لا يعرفون تأويلها ولا علموا تعبيرها لم يكن لينهاه عن أن يقص على إخوته؛ لأنه لو قصها أو لم يقصها إذا لم يعلموا سواء، وفيه دلالة أن الأخ [لا] يتهم في أخيه، ويكون من الأخ الخيانة إلى أخيه، والأب والأم يتهمان في الابن، والولد يتهم في والديه، ولا يكون من بعض إلى بعض خيانة في الغالب؛ لأن يعقوب نهى ولده يوسف أن يقصها على إخوته، وأخبر أنهم إذا علموا بذلك كادوه وحسدوه، ولم ينهه بمثله في أمه؛ دل أن الأخ لا يتهم في شهادة أخيه، ويتهم الأب والأم في شهادتهما لولدهما، وكذلك الولد يتهم في والديه، ولهذا قال أصحابنا: إن شهادة الوالد لولده لا تقبل، وكذلك شهادة الولد لوالديه، وأما شهادة الأخ لأخيه تقبل وإنما كان كذلك؛ لما ينتفع الولد بمال والديه، والوالد بمال ولده، ولا ينتفع الأخ بمال أخيه، وكل من انتفع بمال آخر اتهم في شهادته له، ولم تقبل شهادته، وكل من لم ينتفع به قبلت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

ظاهر العداوة.

وقال موسى حين قتل ذلك الرجل: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ بدء كل شر يكون من الشيطان، يقذف في القلوب، ويخطر في الصدور، ثم تكون العزيمة على ذلك والفعل من العبد، وهو ما قال: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ...

﴾ الآية [الاعراف: 201].

والطيف والنزغ: هو القذف والوسوسة، فإذا ذكر الله ذهب.

وقيل: الكيد والمكر سواء، وهو قول أبي عوسجة.

وقال القتبي: الكيد: هو الاحتيال والاغتيال.

وقيل: الكيد: هو أن يطلب إيصال الشر به على غير علم منه؛ وكذلك المكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي: كما اجتبى ربك أبويك بالرسالة والنبوة، واصطفاهم بأنواع الخيرات، وأتم نعمته [عليهم، كذلك ليجتبيك ربك ويتم نعمته] عليك وعلى آل يعقوب.

ويحتمل قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ أي: كما اجتباك ربك بالرؤيا التي أراك، يفعل ذلك بك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ ، قيل: تعبير الرؤيا.

وقال بعضهم: علمه تأويل الصحف التي كانت لإبراهيم وغيره، وعلمه تأويل تلك الصحف والأحاديث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ ﴾ .

قال بعضهم: كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق حين أراد ذبح ابنه، فجعل مكانه كبشاً؛ فعلى ذلك يتم نعمته عليك، ويسجد لك إخوتك وأبويك.

ثم من الناس من استدل بهذا أن الذبيح كان إسحاق؛ لأنه ذكر إتمام نعمته على إبراهيم وإسحاق.

ودل قوله: ﴿ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ ﴾ على أنه قد اجتباهم بالنبوة من بعد - أعني: أولاد يعقوب - لأن ولده من آله، وقد أخبر أنه يجتبيهم ويتم نعمته عليهم؛ كما فعل بأبويه: إبراهيم وإسحاق، وكذلك روي عن الحسن أنه قال في إخوة يوسف: نبئوا بعد ما صنعوا بيوسف ما صنعوا.

وقال بعضهم: تأويل الأحاديث: العلم والكلام.

قال: وكان يوسف أعبر الناس، وهو ما قال الله -  -: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ بما صنع به إخوته، أو عليم بما ذكر من التمام، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : وضع كل شيء موضعه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال يعقوب لابنه يوسف: يا بني، لا تذكر رؤياك لإخوتك، فيفهموها، ويحسدوك، فيدبروا لك مكيدة حسدًا منهم، إن الشيطان للإنسان عدو واضح العداوة.

<div class="verse-tafsir" id="91.4MWNz"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد