الآية ٦ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٦ من سورة يوسف

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لولده يوسف : إنه كما اختارك ربك ، وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك ، ( وكذلك يجتبيك ربك ) أي : يختارك ويصطفيك لنبوته ، ( ويعلمك من تأويل الأحاديث ) قال مجاهد وغير واحد : يعني تعبير الرؤيا .

( ويتم نعمته عليك ) أي : بإرسالك والإيحاء إليك; ولهذا قال : ( كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ) وهو الخليل ، ) وإسحاق ) ولده ، وهو الذبيح في قول ، وليس بالرجيح ، ( إن ربك عليم حكيم ) أي : [ هو ] أعلم حيث يجعل رسالاته ، كما قال في الآية الأخرى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل يعقوب لابنه يوسف، لما قصّ عليه رؤياه: (وكذلك يجتبيك ربك) وهكذا يجتبيك ربك .

يقول: كما أراك ربك الكواكب والشمسَ والقمرَ لك سجودًا ، فكذلك يصطفيك ربك، (6) كما:- 18789- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو العنقزي ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عكرمة: (وكذلك يجتبيك ربك) ، قال: يصطفيك.

18790 - حدثنا بشر ، قال: حدثنا يزيد ، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث) ، فاجتباه واصطفاه وعلّمه من عَبْر الأحاديث ، وهو " تأويل الأحاديث ".

* * * وقوله: (ويعلمك من تأويل الأحاديث) يقول: ويعلمك ربك من علم ما يؤول إليه أحاديثُ الناس، عما يرونه في منامهم.

وذلك تعبير الرؤيا .

(7) * * * 18691- حدثنا القاسم ، قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: (ويعلمك من تأويل الأحاديث) قال: عبارة الرؤيا.

18792- حدثني يونس ، قال، أخبرنا ابن وهب ، قال، قال ابن زيد ، في قوله: (ويعلمك من تأويل الأحاديث) ، قال: تأويل الكلام: العلم والكلام.

(8) وكان يوسف أعبرَ الناس، وقرأ: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا .

[ سورة يوسف : 22].

* * * وقوله: (ويتم نعمته عليك) باجتبائه إياك، واخيتاره، وتعليمه إياك تأويل الأحاديث ، (وعلى آل يعقوب) يقول: وعلى أهل دين يعقوب، وملته من ذريته وغيرهم (9) ، (كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق) ، باتخاذه هذا خليلا وتنجيته من النار ، وفدية هذا بذبح عظيم، كالذي:- 18793- حدثنا القاسم ، قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، أخبرنا أبو إسحاق ، عن عكرمة ، في قوله: (ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق) قال: فنعمته على إبراهيم أن نجاه من النار ، وعلى إسحاق أنْ نجَّاه من الذَّبح.

* * * وقوله: (إن ربك عليم حكيم) يقول: ( إن ربك عليم ) بمواضع الفضل ، ومَنْ هو أهلٌ للاجتباء والنعمة ، " حكيم " في تدبيره خلقه (10) .

* * * ---------------------- الهوامش: (6) انظر تفسير" الاجتباء" فيما سلف 13 : 341 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(7) انظر تفسير"التأويل" فيما سلف ص : 93 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(8) في المطبوعة :" العلم والحلم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو جائز .

(9) انظر تفسير" الآل" فيما سلف 13 : 85 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(10) انظر تفسير" عليم" و" حكيم" في فهارس اللغة ( علم ) و ( حكم )

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيمقوله تعالى : " وكذلك يجتبيك ربك " الكاف في موضع نصب ; لأنها نعت لمصدر محذوف ، وكذلك الكاف في قوله : " كما أتمها على أبويك من قبل " و " ما " كافة .

وقيل : " وكذلك " أي كما أكرمك بالرؤيا فكذلك يجتبيك ، ويحسن إليك بتحقيق الرؤيا .

قال مقاتل : بالسجود لك .

الحسن : بالنبوة .

والاجتباء اختيار معالي الأمور للمجتبى ، وأصله من جبيت الشيء أي حصلته ، ومنه جبيت الماء في الحوض ; قاله النحاس .

وهذا ثناء من الله [ ص: 115 ] تعالى على يوسف - عليه السلام - وتعديد فيما عدده عليه من النعم التي أتاه الله تعالى ; من التمكين في الأرض ، وتعليم تأويل الأحاديث ; وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا .

قال عبد الله بن شداد بن الهاد : كان تفسير رؤيا يوسف - صلى الله عليه وسلم - بعد أربعين سنة ; وذلك منتهى الرؤيا .

وعنى بالأحاديث ما يراه الناس في المنام ، وهي معجزة له ; فإنه لم يلحقه فيها خطأ .

وكان يوسف - عليه السلام - أعلم الناس بتأويلها ، وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - نحو ذلك ، وكان الصديق - رضي الله عنه - من أعبر الناس لها ، وحصل لابن سيرين فيها التقدم العظيم ، والطبع والإحسان ، ونحوه أو قريب منه كان سعيد بن المسيب فيما ذكروا .ويعلمك من تأويل الأحاديث أي أحاديث الأمم والكتب ودلائل التوحيد ، فهو إشارة إلى النبوة ، وهو المقصود بقوله : " ويتم نعمته عليك " أي بالنبوة .

وقيل : بإخراج إخوتك إليك ; وقيل : بإنجائك من كل مكروه ." كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم " بالخلة ، وإنجائه من النار ." وإسحاق " بالنبوة .

وقيل : من الذبح ; قاله عكرمة .وأعلمه الله تعالى بقوله : " وعلى آل يعقوب " أنه سيعطي بني يعقوب كلهم النبوة ; قاله جماعة من المفسرين .إن ربك عليم بما يعطيك ." حكيم " في فعله بك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا قال: { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ْ} أي: يصطفيك ويختارك بما يمنُّ به عليك من الأوصاف الجليلة والمناقب الجميلة،.

{ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ْ} أي: من تعبير الرؤيا، وبيان ما تئول إليه الأحاديث الصادقة، كالكتب السماوية ونحوها، { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ْ} في الدنيا والآخرة، بأن يؤتيك في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، { كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ْ} حيث أنعم الله عليهما، بنعم عظيمة واسعة، دينية، ودنيوية.

{ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ْ} أي: علمه محيط بالأشياء، وبما احتوت عليه ضمائر العباد من البر وغيره، فيعطي كلا ما تقتضيه حكمته وحمده، فإنه حكيم يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها.

ولما بان تعبيرها ليوسف، قال له أبوه: { يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ْ} أي: حسدا من عند أنفسهم، أن تكون أنت الرئيس الشريف عليهم.

{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ْ} لا يفتر عنه ليلا ولا نهارا، ولا سرا ولا جهارا، فالبعد عن الأسباب التي يتسلط بها على العبد أولى، فامتثل يوسف أمر أبيه، ولم يخبر إخوته بذلك، بل كتمها عنهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وكذلك يجتبيك ربك ) يصطفيك ربك يقوله يعقوب ليوسف أي : كما رفع منزلتك بهذه الرؤيا ، فكذلك يصطفيك ربك ( ويعلمك من تأويل الأحاديث ) يريد تعبير الرؤيا ، سمي تأويلا لأنه يئول أمره إلى ما رأى في منامه ، والتأويل ما يئول إلى عاقبة الأمر ( ويتم نعمته عليك ) يعني : بالنبوة ( وعلى آل يعقوب ) أي : على أولاده فإن أولاده كلهم كانوا أنبياء ( كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ) فجعلهما نبيين ( إن ربك عليم حكيم ) .

وقيل : المراد من إتمام النعمة على إبراهيم الخلة .

وقيل : إنجاؤه من النار ، وعلى إسحاق إنجاؤه من الذبح .

وقيل : بإخراج يعقوب والأسباط من صلبه .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان بين رؤيا يوسف هذه وبين تحقيقها بمصير أبويه وإخوته إليه أربعون سنة ، وهو قول أكثر أهل التفسير .

وقال الحسن البصري : كان بينهما ثمانون سنة .

فلما بلغت هذه الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقالوا : ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه فبغوه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكذلك» كما رأيت «يجتبيك» يختارك «ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث» تعبير الرؤيا «ويتم نعمته عليك» بالنبوة «وعلى آل يعقوب» أولاده «كما أتمها» بالنبوة «على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم» بخلقه «حكيم» في صنعه بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكما أراك ربك هذه الرؤيا فكذلك يصطفيك ويعلمك تفسير ما يراه الناس في منامهم من الرؤى مما تؤول إليه واقعًا، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب بالنبوة والرسالة، كما أتمها من قبل على أبويك إبراهيم وإسحاق بالنبوة والرسالة.

إن ربك عليم بمن يصطفيه من عباده، حكيم في تدبير أمور خلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما توقعه يعقوب لابنه يوسف من خير وبركة فقال :( وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعلى آلِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ على أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )والكاف فى قوله ( وكذلك ) حرف تشبيه بمعنى مثل ، وهى داخله على كلام محذوف .وقوله ( يَجْتَبِيكَ ) من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والاختيار ، مأخوذ من جبيت الشئ إذا اخترته لما فيه من النفع والخير .و ( تَأْوِيلِ الأحاديث ) معناه تفسيرها صحيحا ، إذا التأويل مأخوذ من الأَوْل بمعنى الرجوع ، وهو رد الشئ إلى الغاية المرادة منه .والأحاديث جمع تكسير مفرده حديث ، وسميت الرؤى أحاديث باعتبار حكايتها والتحدث بها .والمعنى : وكما اجتباك ربك واختارك لهذه الرؤيا الحسنة ، فإنه - سبحانه - يجتبيك ويختارك لأمور عظام فى مستقبل الأيام ، حيث يهبك من صدق الحسَّ ، ونفاذ البصيرة ، ما يجعلك تدرك الأحاديث إدراكا سليما ، وتعبر الرؤى تعبيرا صحيحا صادقاً ." ويتم نعمته عليك " بالنبوة والرسالة والملك والرياسة " وعلى آل يعقوب " وهم إخوته وذريتهم ، بأن يسبغ عليهم الكثير من نعمه .( كَمَآ أَتَمَّهَآ على أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ ) أى : من قبل هذه الرؤيا أو من قبل هذا الوقت .وقوله " إبراهيم وإسحاق " بيان لأبويه .أى : يتم نعمته عليك إتماما كائنا كإتمام نعمته على أبويك من قبل ، وهما إبراهيم وإسحاق بأن وهبهما - سبحانه - النبوة والرسالة .وعبر عنهما بأنهما أبوان ليوسف ، مع أن إبراهيم جد أبيه ، وإسحاق جده ، للإِشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء عليهم السلام - وللمبالغة فى إدخال السرور على قلبه ، ولأن هذا الاستعمال مألوف فى لغة العرب ، فقد كان أهل مكة يقولون للنبى - صلى الله عليه وسلم - يا ابن عبد المطلب ، وأثر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أنا النبى لا كذب - أنا ابن عبد المطلب " وجملة ( إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) مستأنفة لتأكيد ما سبقها من كلام .أى : إن ربك عليم بمن يصطفيه لحمل رسالته ، وبمن هو أهل لنعمه وكرامته ، حكيم فى صنعه وتصرفاته .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد نوهت بشأن القرآن الكريم ، وساقت بأسلوب حكيم ما قاله يعقوب لابنه يوسف - عليهما السلام - بعد أن قص ما رآه فى المنام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حفص ﴿ أَوْ بَنِى ﴾ بفتح الياء والباقون بالكسر.

المسألة الثانية: أن يعقوب عليه السلام كان شديد الحب ليوسف وأخيه فحسده إخوته لهذا السبب وظهر ذلك المعنى ليعقوب عليه السلام بالأمارات الكثيرة فلما ذكر يوسف عليه السلام هذه الرؤيا وكان تأويلها أن إخوته وأبويه يخضعون له فقال لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها فيكيدوا لك كيداً.

المسألة الثالثة: قال الواحدي: الرؤيا مصدر كالبشرى والسقيا والشورى إلا أنه لما صار اسماً لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء.

قال صاحب الكشاف: الرؤيا بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقطة فلا جرم فرق بينهما بحرفي التأنيث، كما قيل: القربة والقربى وقرئ روياك بقلب الهمزة واواً وسمع الكسائي يقرأ رياك ورياك بالإدغام وضم الراء وكسرها وهي ضعيفة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا ﴾ وهو منصوب بإضمار أن والمعنى إن قصصتها عليهم كادوك.

فإن قيل: فلم لم يقل فيكيدوك كما قال: ﴿ فَكِيدُونِى  ﴾ .

قلنا: هذه اللام تأكيد للصلة كقوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ ، وكقولك نصحتك ونصحت لك وشكرتك وشكرت لك، وقيل هي من صلة الكيد على معنى فيكيدوا كيداً لك.

قال أهل التحقيق: وهذا يدل على أنه قد كان لهم علم بتعبير الرؤيا وإلا لم يعلموا من هذه الرؤيا ما يوجب حقداً وغضباً.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الشيطان للإنسان عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ والسبب في هذا الكلام أنهم لو أقدموا على الكيد لكان ذلك مضافاً إلى الشيطان ونظيره قول موسى عليه السلام هذا من عمل الشيطان، ثم إن يعقوب عليه السلام قصد بهذه النصيحة تعبير تلك الرؤيا وذكروا أموراً: أولها: قوله: ﴿ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ يعني وكما اجتباك بمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبر شأن كذلك يجتبيك لأمور عظام.

قال الزجاج: الاجتباء مشتق من جبيت الشيء إذا خلصته لنفسك ومنه جبيت الماء في الحوض، واختلفوا في المراد بهذا الاجتباء، فقال الحسن: يجتبيك ربك بالنبوة، وقال آخرون: المراد منه إعلاء الدرجة وتعظيم المرتبة فأما تعيين النبوة فلا دلالة في اللفظ عليه.

وثانيها: قوله: ﴿ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ وفيه وجوه: الأول: المراد منه تعبير الرؤيا سماه تأويلاً لأنه يؤل أمره إلى ما رآه في المنام يعني تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم.

قالوا: إنه عليه السلام كان في علم التعبير غاية، والثاني: تأويل الأحاديث في كتب الله تعالى والأخبار المروية عن الأنبياء المتقدمين، كما أن الواحد من علماء زماننا يشتغل بتفسير القرآن وتأويله، وتأويل الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والثالث: الأحاديث جمع حديث، والحديث هو الحادث، وتأويلها مآلها، ومآل الحوادث إلى قدرة الله تعالى وتكوينه وحكمته، والمراد من تأويل الأحاديث كيفية الاستدلال بأصناف المخلوقات الروحانية والجسمانية على قدرة الله تعالى وحكمته وجلالته.

وثالثها: قوله: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعلى ءالِ يَعْقُوبَ ﴾ .

واعلم أن من فسر الاجتباء بالنبوة لا يمكنه أن يفسر إتمام النعمة هاهنا بالنبوة أيضاً وإلا لزم التكرار، بل يفسر إتمام النعمة هاهنا بسعادات الدنيا وسعادات الآخرة.

أما سعادات الدنيا فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه والحشم وإجلاله في قلوب الخلق وحسن الثناء والحمد.

وأما سعادات الآخرة: فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في معرفة الله تعالى.

وأما من فسر الاجتباء بنيل الدرجات العالية، فهاهنا يفسر إتمام النعمة بالنبوة ويتأكيد هذا بأمور: الأول: أن إتمام النعمة عبارة عما به تصير النعمة تامة كاملة خالية عن جهات النقصان.

وما ذاك في حق البشر إلا بالنبوة، فإن جميع مناصب الخلق دون منصب الرسالة ناقص بالنسبة إلى كمال النبوة، فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق البشر ليس إلا النبوة، والثاني: قوله: ﴿ كَمَا أَتَمَّهَا على أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبراهيم وإسحاق ﴾ ومعلوم أن النعمة التامة التي بها حصل امتياز إبراهيم وإسحاق عن سائر البشر ليس إلا النبوة، فوجب أن يكون المراد بإتمام النعمة هو النبوة.

واعلم أنا لما فسرنا هذه الآية بالنبوة لزم الحكم بأن أولاد يعقوب كلهم كانوا أنبياء، وذلك لأنه قال: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعلى ءالِ يَعْقُوبَ ﴾ وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب، فلما كان المراد من إتمام النعمة هو النبوة لزم حصولها لآل يعقوب ترك العمل به في حق من عدا أبناءه فوجب أن لا يبقى معمولاً به في حق أولاده.

وأيضاً أن يوسف عليه السلام قال: ﴿ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ﴾ وكان تأويله أحد عشر نفساً لهم فضل وكمال ويستضيء بعلمهم ودينهم أهل الأرض، لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يهتدى وذلك يقتضي أن يكون جملة أولاد يعقوب أنبياء ورسلاً.

فإن قيل: كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق يوسف عليه السلام؟

قلنا: ذاك وقع قبل النبوة، وعندنا العصمة إنما تعتبر في وقت النبوة لا قبلها.

القول الثاني: أن المراد من قوله: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ خلاصه من المحن، ويكون وجه التشبيه في ذلك بإبراهيم وإسحاق عليهما السلام هو إنعام الله تعالى على إبراهيم بإنجائه من النار وعلى ابنه إسحاق بتخليصه من الذبح.

والقول الثالث: أن إتمام النعمة هو وصل نعمة الله عليه في الدنيا بنعم الآخرة بأن جعلهم في الدنيا أنبياء وملوكاً ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى في الجنة.

واعلم أن القول الصحيح هو الأول، لأن النعمة التامة في حق البشر ليست إلا النبوة، وكل ما سواها فهي ناقصة بالنسبة إليها، ثم إنه عليه السلام لما وعده بهذه الدرجات الثلاثة ختم الكلام بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ فقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ وقوله: ﴿ حَكِيمٌ ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى مقدس عن السفه والعبث، لا يضع النبوة إلا في نفس قدسية وجوهرة مشرقة علوية.

فإن قيل: هذه البشارات التي ذكرها يعقوب عليه السلام هل كان قاطعاً بصحتها أم لا؟

فإن كان قاطعاً بصحتها، فكيف حزن على يوسف عليه السلام، وكيف جاز أن يشتبه عليه أن الذئب أكله، وكيف خاف عليه من إخوته أن يهلكوه، وكيف قال لإخوته وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون، مع علمه بأن الله سبحانه سيجتبيه ويجعله رسولاً، فأما إذا قلنا إنه عليه السلام ما كان عالماً بصحة هذه الأحوال، فكيف قطع بها؟

وكيف حكم بوقوعها حكماً جازماً من غير تردد؟.

قلنا: لا يبعد أن يكون قوله: ﴿ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ مشروطاً بأن لا يكيدوه، لأن ذكر ذلك قد تقدم، وأيضاً فبتقدير أن يقال: إنه عليه السلام كان قاطعاً بأن يوسف عليه السلام سيصل إلى هذه المناصب إلا أنه لا يمتنع أن يقع في المضايق الشديدة ثم يتخلص منها ويصل إلى تلك المناصب فكان خوفه لهذا السبب ويكون معنى قوله: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب  ﴾ الزجر عن التهاون في حفظه وإن كان يعلم أن الذئب لا يصل إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عرف يعقوب عليه السلام دلالة الرؤيا على أن يوسف يبلغه الله مبلغاً من الحكمة، ويصطفيه للنبوّة، وينعم عليه بشرف الدارين، كما فعل بآبائه، فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم، والرؤيا بمعنى الرؤية؛ إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فرق بينهما بحرفي التأنيث كما قيل: القربة والقربى.

وقرئ: ﴿ روياك ﴾ بقلب الهمزة واواً.

وسمع الكسائي: ﴿ رُيَّاك ﴾ و ﴿ رِيَّاك ﴾ بالإدغام وضم الراء وكسرها، وهي ضعيفة؛ لأنّ الواو في تقدير الهمزة فلا يقوى إدغامها كما لم يقو الإدغام في قولهم (اتزر) من الإزار، و (اتجر) من الأجر ﴿ فَيَكِيدُواْ ﴾ منصوب بإضمار (إن) والمعنى: إن قصصتها عليهم كادوك: فإن قلت: هلا قيل: فيكيدوك، كما قيل: فكيدوني؟

قلت: ضمن معنى فعل يتعدى باللام، ليفيد معنى فعل الكيد، مع إفادة معنى الفعل المضمن، فيكون آكد وأبلغ في التخويف، وذلك نحو: فيحتالوا لك.

ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر ﴿ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ ظاهر العداوة لما فعل بآدم وحواء، ولقوله ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ﴾ [الأعراف: 16] فهو يحمل على الكيد والمكر وكل شرّ، ليورّط من يحمله، ولا يؤمن أن يحملهم على مثله ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الأجتباء ﴿ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ يعني وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبرياء شأن، كذلك يجتبيك ربك لأمور عظام.

وقوله ﴿ وَيُعَلّمُكَ ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه، كأنه قيل: وهو يعلمك ويتمّ نعمته عليك.

والاجتباء، الاصطفاء، افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض: جمعته.

والأحاديث: الرؤيا: لأنّ الرؤيا إما حديث نفس أو ملك أو شيطان.

وتأويلها عبارتها وتفسيرها، وكان يوسف عليه السلام أعبر الناس للرؤيا، وأصحهم عبارة لها.

ويجوز أن يراد بتأويل الأحاديث معاني كتب الله وسنن الأنبياء، وما غمض واشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها، يفسرها لهم ويشرحها ويدلهم على مودعات حكمها.

وسميت أحاديث؛ لأنه يحدث بها عن الله ورسله.

فيقال: قال الله وقال الرسول كذا وكذا.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 185] ، ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ [الزمر: 23] وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة.

ومعنى إتمام النعمة عليهم أنه وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، بأن جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكاً.

ونقلهم عنها إلى الدرجات العلا في الجنة.

وقيل: أتمها على إبراهيم بالخلة، والإنجاء من النار، ومن ذبح الولد.

وعلى إسحاق بإنجائه من الذبح، وفدائه بذبح عظيم، وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه.

وقيل: علم يعقوب أنّ يوسف يكون نبياً وإخوته أنبياء استدلالا بضوء الكواكب، فلذلك قال ﴿ وعلى ءالِ يَعْقُوبَ ﴾ وقيل: لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقالوا: ما رضي أن سجد له إخوته حتى سجد له أبواه.

وقيل: كان يعقوب مؤثراً له بزيادة المحبة والشفقة لصغره ولما يرى فيه من المخايل وكان إخوته يحسدونه فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة فكان يضمه كل ساعة إلى صدره ولا يصبر عنه، فتبالغ فيهم الحسد.

وقيل: لما قص رؤياه على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمع الله لك بعد دهر طويل.

وآل يعقوب.

أهله وهم نسله وغيرهم.

وأصل آل: أهل، بدليل تصغيره على أُهَيل، إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر.

يقال: آل النبي، وآل الملك.

ولا يقال: آل الحائك، ولا آل الحجام، ولكن أهلهما.

وأراد بالأبوين: الجد، وأبا الجد؛ لأنهما في حكم الأب في الأصالة.

ومن ثم يقولون: ابن فلان، وإن كان بينه وبين فلان عدّة.

و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك ﴿ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ ﴾ يعلم من يحق له الاجتباء ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يتم نعمته إلا على من يستحقها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ وكَما اجْتَباكَ لِمِثْلِ هَذِهِ الرُّؤْيا الدّالَّةِ عَلى شَرَفٍ وعِزٍّ وكَمالِ نَفْسٍ.

﴿ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ لِلنُّبُوَّةِ والمُلْكِ أوْ لِأُمُورٍ عِظامٍ، والِاجْتِباءُ مِن جَبَيْتَ الشَّيْءَ إذا حَصَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ.

﴿ وَيُعَلِّمُكَ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ خارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ وهو يُعَلِّمُكَ.

﴿ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ مِن تَعْبِيرِ الرُّؤْيا لِأنَّها أحادِيثُ المَلِكِ إنْ كانَتْ صادِقَةً، وأحادِيثُ النَّفْسِ أوِ الشَّيْطانِ إنْ كانَتْ كاذِبَةً.

أوْ مِن تَأْوِيلِ غَوامِضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وسُنَنِ الأنْبِياءِ وكَلِماتِ الحُكَماءِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ كَأباطِيلَ اسْمُ جَمْعٍ لِلْباطِلِ.

﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ بِالنُّبُوَّةِ أوْ بِأنْ يَصِلَ نِعْمَةَ الدُّنْيا بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ.

﴿ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ سائِرَ بَنِيهِ، ولَعَلَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى نَبُّوتِهِمْ بِضَوْءِ الكَواكِبِ أوْ نَسْلِهِ.

﴿ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ ﴾ بِالرِّسالَةِ وقِيلَ عَلى إبْراهِيمَ بِالخَلَّةِ والإنْجاءِ مِنَ النّارِ وعَلى إسْحاقَ بِإنْقاذِهِ مِنَ الذَّبْحِ وفِدائِهِ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِكَ أوْ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ.

﴿ إبْراهِيمَ وَإسْحاقَ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِأبَوَيْكَ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ ﴾ بِمَن يَسْتَحِقُّ الِاجْتِباءَ.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ يَفْعَلُ الأشْياءَ عَلى ما يَنْبَغِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكذلك} ومثل ذلك الاجتباء الذي دلت عليه رؤياك

يوسف (٦ _ ٩)

{يجتبيك ربك} يصطفيك والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك وجبيت الماء في الحوض جمعته {وَيُعَلّمُكَ} كلام مبتدأ غير داخل في

حكم التشبيه كأنه قيل وهو يعلمك {مِن تَأْوِيلِ الأحاديث} أي تأويل الرؤيا وتأويلها عبارتها وتفسيرها وكان يوسف أعبر الناس للرؤيا أو تأويل أحاديث الأنبياء وكتب الله وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع احدوثة {ويتم نعمته عليك وعلى آل يَعْقُوبَ} بأن وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة أي جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكاً ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى في الجنة وآل يعقوب أهله وهم نسله وغيرهم وأصل آل أهل بدليل تصغيره على أهيل إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر يقال آل النبي وآل الملك ولا يقال آل الحجام ولكن أهله وإنما علم يعقوب أن يوسف يكون نبياً وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب فلذا قال وعلى آل يعقوب {كَمَا أَتَمَّهَا على أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ} أراد الجد وأبا الجد {إبراهيم وإسحاق} عطف بيان لأبويك {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} يعلم من يحق له الاجتباء {حكيم} يضع الأشياء مواضعها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

هَذا ولَمّا نَبَّهَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ لِرُؤْياهُ شَأْنًا عَظِيمًا وحَذَّرَهُ مِمّا حَذَّرَهُ شَرَعَ في تَعْبِيرِها وتَأْوِيلِها عَلى وجْهٍ إجْمالِيٍّ فَقالَ: ﴿ وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ أيْ يَصْطَفِيكَ ويَخْتارُكَ لِلنُّبُوَّةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، أوْ لِلسُّجُودِ لَكَ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ لِأُمُورٍ عِظامٍ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَيَشْمَلُ ما تَقَدَّمَ وكَذا يَشْمَلُ إغْناءَ أهْلِهِ ودَفْعَ القَحْطِ عَنْهم بِبَرَكَتِهِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَعَلَّ خَيْرَ الأقْوالِ وسَطُها؛ وأصْلُ الِاجْتِباءِ مِن جَبَيْتُ الشَّيْءَ إذا حَصَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ، وفَسَّرُوهُ بِالِاخْتِيارِ لِأنَّهُ إنَّما يُجْتَبى ما يُخْتارُ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ اجْتِباءَ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ تَخْصِيصُهُ إيّاهُ بِفَيْضٍ إلَهِيٍّ يَتَحَصَّلُ مِنهُ أنْواعٌ مِنَ المَكْرُماتِ بِلا سَعْيٍ مِنَ العَبْدِ، وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَن يُقارِبُهم مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، والمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ إمّا الِاجْتِباءُ لِمِثْلِ تِلْكَ الرُّؤْيا، فالمُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ مُتَغايِرانِ، وإمّا لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ وهو المُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ، ( وكَذَلِكَ ) في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ وقُدِّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وقِيلَ هُنا: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يَخْفى ما في ذِكْرِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ اللُّطْفِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَفاصِيلَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الرُّؤْيا حَذَرًا مِن إذاعَتِهِ عَلى ما قِيلَ ﴿ ويُعَلِّمُكَ ﴾ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ التَّشْبِيهِ أرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَأْكِيدَ مَقالَتِهِ وتَحْقِيقِها وتَوْطِينَ نَفْسِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أخْبَرَ بِهِ عَنْ طَرِيقِ التَّعْبِيرِ والتَّأْوِيلِ أيْ وهو (يُعَلِّمُكَ ﴿ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ أيْ ذَلِكَ الجِنْسِ مِنَ العُلُومِ، أوْ طَرَفًا صالِحًا مِنهُ فَتَطَّلِعُ عَلى حَقِيقَةِ ما أقُولُ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ ما سَبَقَ والبَعْثِ عَلى تَلَقِّي ما سَيَأْتِي بِالقَبُولِ، وعُلِّلَ عَدَمُ دُخُولِهِ تَحْتَ التَّشْبِيهِ بِأنَّ الظّاهِرَ أنْ يُشَبَّهَ الِاجْتِباءُ بِالِاجْتِباءِ والتَّعْلِيمُ غَيْرُ الِاجْتِباءِ فَلا يُشَبَّهُ بِهِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ التَّعْلِيمَ نَوْعٌ مِن الِاجْتِباءِ والنَّوْعُ يُشَبَّهُ بِالنَّوْعِ، وقِيلَ: العِلَّةُ في ذَلِكَ أنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى ويُعَلِّمُكَ تَعْلِيمًا مِثْلَ الِاجْتِباءِ بِمِثْلِ هَذِهِ الرُّؤْيا ولا يَخْفى سَماجَتُهُ فَإنَّ الِاجْتِباءَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، ولَمْ يُلاحَظْ في التَّعْلِيمِ ذَلِكَ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا مانِعَ مِن جَعْلِهِ داخِلًا تَحْتَ التَّشْبِيهِ عَلى أنَّ المَعْنى بِذَلِكَ الإكْرامُ بِتِلْكَ الرُّؤْيا، أيْ كَما أكْرَمَكَ بِهَذِهِ المُبَشِّراتِ يُكْرِمُكَ بِالِاجْتِباءِ والتَّعْلِيمِ، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى جَعْلِهِ تَشْبِيهَيْنِ وتَقْدِيرِ كَذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُنْساقَ إلى الفَهْمِ هو العَطْفُ ولا بَأْسَ فِيما قَرَّرَهُ هَذا المُحَقِّقُ لِتَوْجِيهِهِ، نَعَمْ لِلِاسْتِئْنافِ وجْهٌ وجِيهٌ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُنْساقَ إلى الفَهْمِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا إذْ هي إخْباراتٌ غَيْبِيَّةٌ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى بِواسِطَتِها اعْتِقاداتٍ في قَلْبِ النّائِمِ حَسْبَما يَشاؤُهُ ولا حَجْرَ عَلَيْهِ تَعالى، أوْ أحادِيثُ المَلَكِ إنْ كانَتْ صادِقَةً، أوِ النَّفْسِ أوِ الشَّيْطانِ إنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ التَّأْوِيلَ مِنَ الأوَّلِ وهو الرُّجُوعُ، وذَلِكَ رَدُّ الشَّيْءِ إلى الغايَةِ المُرادَةِ مِنهُ عِلْمًا كانَ أوْ فِعْلًا، فالأوَّلُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ ﴾ والثّانِي كَقَوْلِهِ.

ولِلنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْنِ تَأْوِيلٌ.

وجاءَ الأوَّلُ بِمَعْنى السِّياسَةِ الَّتِي يُراعى مَآلُها يُقالُ: ألَنا وايِلٌ عَلَيْنا اهـ.

وشاعَ التَّأْوِيلُ في إخْراجِ الشَّيْءِ عَنْ ظاهِرِهِ، و(الأحادِيثُ) جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِحَدِيثٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما قالُوا: باطِلٌ وأباطِيلُ، ولَيْسَ بِاسْمِ جَمْعٍ لَهُ لِأنَّ النُّحاةَ قَدْ شَرَطُوا في اسْمِ الجَمْعِ أنْ لا يَكُونَ عَلى وزْنٍ يَخْتَصُّ بِالجَمْعِ كَمَفاعِيلَ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّهُ جَمْعٌ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ، وهو مُرادُهُ مِنِ اسْمِ الجَمْعِ في الكَشّافِ فَإنَّهُ كَغَيْرِهِ كَثِيرًا ما يُطْلَقُ اسْمُ الجَمْعِ عَلى الجَمْعِ المُخالِفِ لِلْقِياسِ فَلا مُخالَفَةَ بَيْنَ كَلامَيْهِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ، ورُدَّ بِأنَّ الأُحْدُوثَةَ الحَدِيثُ المُضْحِكُ كالخُرافَةِ فَلا يُناسِبُ هُنا، ولا في أحادِيثِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: الأُحْدُوثَةُ مِنَ الحَدِيثِ ما يُتَحَدَّثُ بِهِ ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ، ولَعَلَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ذَكَرُوا، وقَدْ نَصَّ المُبَرَّدُ عَلى أنَّها تَرِدُ في الخَيْرِ، وأنْشَدَ قَوْلَ جَمِيلٍ وهو مِمّا سارَ وغارَ: وكُنْتُ إذا ما جِئْتُ سُعْدى أزُورُها أرى الأرْضَ تُطْوى لِي ويَدْنُو بَعِيدُها مِنَ الخَفَراتِ البِيضِ ودَّ جَلِيسُها ∗∗∗ إذا ما انْقَضَتْ أُحْدُوثَةٌ لَوْ تُعِيدُها وقِيلَ: إنَّهم جَمَعُوا حَدِيثًا عَلى أُحْدُوثَةٍ ثُمَّ جَمَعُوا الجَمْعَ عَلى أحادِيثَ كَقَطِيعٍ أوْ أقْطِعَةٍ وأقاطِيعَ، وكَوْنُ المُرادِ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ عَواقِبُ الأُمُورِ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المُرادَ بَيانُ مَعانِي أحادِيثِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ السّالِفَةِ والكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالأحادِيثِ الأُمُورُ المُحْدَثَةُ مِنَ الرُّوحانِيّاتِ والجِسْمانِيّاتِ، وبِتَأْوِيلِها كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وجَلالَتِهِ، والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ فِيما أرى ﴿ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ بِأنْ يَصِلَ نِعْمَةَ الدُّنْيا بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ، أوْ بِأنْ يَضُمَّ إلى النُّبُوَّةِ المُسْتَفادَةِ مِن الِاجْتِباءِ المُلْكَ ويَجْعَلُهُ تَتِمَّةً لَها، أوْ بِأنْ يَضُمَّ إلى التَّعْلِيمِ الخَلاصَ مِنَ المِحَنِ والشَّدائِدِ، وتَوْسِيطُ ذِكْرِ التَّعْلِيمِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ والِاجْتِباءِ ولِرِعايَةِ تَرْتِيبِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ، ولِأنَّ التَّعْلِيمَ وسِيلَةٌ إلى إتْمامِ النِّعْمَةِ فَإنَّ تَعْبِيرَهُ لِرُؤْيا صاحِبَيِ السِّجْنِ ورُؤْيا المَلِكِ صارَ ذَرِيعَةً إلى الخَلاصِ مِنَ السَّجْنِ والِاتِّصالِ بِالرِّياسَةِ العُظْمى.

وفَسَّرَ بَعْضُهم الِاجْتِباءَ بِإعْطاءِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ كالمُلْكِ والجَلالَةِ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإتْمامِ النِّعْمَةِ بِالنُّبُوَّةِ، وأُيِّدَ بِأنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ عِبارَةٌ عَمّا تَصِيرُ بِهِ النِّعْمَةُ تامَّةً كامِلَةً خالِيَةً عَنْ جِهاتِ النُّقْصانِ وما ذاكَ في حَقِّ البَشَرِ إلّا النُّبُوَّةُ فَإنَّ جَمِيعَ مَناصِبِ الخَلْقِ ناقِصَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها.

وجَوَّزَ أنْ تَعُدَّ نَفْسُ الرُّؤْيا مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ فَيَكُونُ جَمِيعُ النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيْهِ بِحَسَبِها مِصْداقًا لَها تَمامًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وقِيلَ: المُرادُ مِن الِاجْتِباءِ إفاضَةُ ما يَسْتَعِدُّ بِهِ لِكُلِّ خَيْرٍ ومَكْرَمَةٍ، ومِن تَعْلِيمِ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَعْلِيمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، ومِن إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ المِحَنِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعَ خَلاصِهِ مِنها مِمَّنْ يَخْضَعُ لَهُ، ويَكُونُ في تَعْلِيمِ التَّأْوِيلِ إشارَةٌ إلى اسْتِنْبائِهِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالوَحْيِ، وفِيهِ أنَّ تَفْسِيرَ الِاجْتِباءِ بِما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرٍ، وكَوْنُ التَّعْلِيمِ فِيهِ إشارَةً إلى الِاسْتِنْباءِ في حَيِّزِ المَنعِ وما ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ لا يُثْبِتُهُ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ إخْوَتَهُ كانُوا يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ وإلّا لَمْ يَنْهَهُ أبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ اقْتِصاصِ رُؤْياهُ عَلَيْهِمْ خَوْفَ الكَيْدِ، وكَوْنُهم أنْبِياءَ إذْ ذاكَ مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ ذاهِبٌ ولا يَكادُ يَذْهَبُ إلَيْهِ أصْلًا، نَعَمْ ذَكَرُوا أنَّهُ لا يَعْرِفُ التَّعْبِيرَ كَما يَنْبَغِي إلّا مَن عَرَفَ المُناسَباتِ الَّتِي بَيْنَ الصُّوَرِ ومَعانِيها وعَرَفَ مَراتِبَ النُّفُوسِ الَّتِي تَظْهَرُ في حَضْرَةِ خَيالاتِهِمْ بِحَسَبِها فَإنَّ أحْكامَ الصُّورَةِ الواحِدَةِ تَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأشْخاصِ المُخْتَلِفَةِ المَراتِبِ، وهَذا عَزِيزُ الوُجُودِ، وقَدْ ثَبَتَ الخَطَأُ في التَّعْبِيرِ مِن عُلَماءَ أكابِرَ، فَقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ”إنِّي رَأيْتُ ظُلَّةً يَنْطِفُ مِنها السَّمْنُ والعَسَلُ وأرى النّاسَ يَتَكَفَّفُونَ في أيْدِيهِمْ فالمُسْتَكْثِرُ والمُسْتَقِلُّ وأرى سَبَبًا وأصْلًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ فَأراكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فانْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي واللَّهِ لَتَدَعْنِي فَلْأُعَبِّرْها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَبِّرْها، فَقالَ: أمّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الإسْلامِ، وأمّا ما يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ والعَسَلِ فَهو القُرْآنُ لِينُهُ وحَلاوَتُهُ، وأمّا المُسْتَكْثِرُ والمُسْتَقِلُّ فالمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ والمُسْتَقِلُّ مِنهُ، وأمّا السَّبَبُ الواصِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ فَهو الحَقُّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَكَ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ آخَرُ بَعْدَهُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ آخَرُ بَعْدَهُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ أيْ رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثْنِي أصَبْتُ أمْ أخْطَأْتُ.

فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أصَبْتَ بَعْضًا وأخْطَأْتَ بَعْضًا، فَقالَ: أقْسَمْتُ بِأبِي وأُمِّي لَتُحَدِّثْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ ما الَّذِي أخْطَأْتُ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا تُقْسِمْ“،» اهـ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَدَّعِيَ أنَّ المُرادَ التَّعْلِيمُ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ بِحَيْثُ لا يُخْطِئُ مَن يُخْطِئُ بِهِ، وهو يُسْتَدْعِي كَوْنَ الرَّجُلِ بِحَيْثُ يَعْرِفُ المُناسَباتِ ومَراتِبَ النُّفُوسِ ويَلْتَزِمُ القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا نَبِيًّا، واخْتِيرَ أنَّ المُرادَ بِالِاجْتِباءِ الإصْفاءُ لِلنُّبُوَّةِ، وبِتَعْلِيمِ التَّأْوِيلِ ما هو الظّاهِرُ، وبِإتْمامِ النِّعْمَةِ تَخْلِيصُهُ مِنَ المَكارِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ ﴾ إشارَةً إجْمالِيَّةً مِنهُ إلى تَعْبِيرِ الرُّؤْيا كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ وهو أيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِلْبِشارَةِ، وهَذا إرْدافٌ لَها بِما هو أجَلُّ في نَظَرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَجْهُ تَوْسِيطِ التَّعْلِيمِ عَلَيْهِ لا يَخْفى.

وحاصِلُ المَعْنى كَما أكْرَمَكَ بِهَذِهِ المُبَشِّرَةِ الدّالَّةِ عَلى سُجُودِ إخْوَتِكَ لَكَ ورِفْعَةِ شَأْنِكَ عَلَيْهِمْ يُكْرِمُكَ بِالنُّبُوَّةِ والعِلْمِ الَّذِي تَعْرِفُ بِهِ تَأْوِيلَ أمْثالِ ما رَأيْتَ وإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ ﴿ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ ﴾ بِالخَلاصِ مِنَ المَكارِهِ وهي في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَخْفى، وفي حَقِّ آلِ يَعْقُوبَ، والمُرادُ بِهِمْ أهْلُهُ مِن بَنِيهِ وغَيْرِهِمْ، وأصْلُهُ أهْلٌ، وقِيلَ: أوَّلُ، وقَدْ حَقَّقْناهُ في غَيْرِ ما كِتابٍ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيمَنُ لَهُ خَطَرٌ مُطْلَقًا ولا يُضافُ لِما لا يَعْقِلُ ولَوْ كانَ ذا خَطَرٍ بِخِلافِ أهْلٍ فَلا يُقالُ: آلُ الحِجامِ ولا آلُ الحَرَمِ، ولَكِنْ أهْلُ الحِجامِ وأهْلُ الحَرَمِ، نَعَمْ قَدْ يُضافُ لَما نَزَلْ مَنزِلَةَ العاقِلِ كَما في قَوْلِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

وانْصُرْ عَلى آلِ الصَّلِيبِ وعابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكَ.

وفِيهِ رَدٌّ عَلى أبِي جَعْفَرٍ الزَّبِيدِيِّ حَيْثُ زَعَمَ عَدَمَ جَوازِ إضافَتِهِ إلى الضَّمِيرِ لِعَدَمِ سَماعِهِ مُضافًا إلَيْهِ، ويَعْقُوبُ كابْنِهِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا اشْتِقاقَ لَهُ فَما قِيلَ: مِن أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ عَقِبَ أخِيهِ العِيصِ غَيْرُ مَرَضِيٍّ عِنْدَ الجُلَّةِ الفاقَةِ والقَحْطِ وتَفَرُّقِ الشَّمْلِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّ أوْ يَخُصُّ، ومِنهم مَن فَسَّرَ الآلَ بِالبَنِينَ وإتْمامِ النِّعْمَةِ بِالِاسْتِنْباءِ، وجَعَلَ حاصِلَ المَعْنى يَمُنُّ عَلَيْكَ وعَلى سائِرِ أبْناءِ يَعْقُوبَ بِالنُّبُوَّةِ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم صارُوا بَعْدُ أنْبِياءَ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ رُؤْيَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إخْوَتَهُ كَواكِبَ يُهْتَدى بِأنْوارِها مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِدَلالَتِها عَلى مَصِيرِ أمْرِهِمْ إلى النُّبُوَّةِ، فَيَقَعُ كُلُّ ما يَخْرُجُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ مِن كَمالاتِهِمْ بِحَسَبِ ذَلِكَ تَمامًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ لا مَحالَةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذُكِرَ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى أنَّهم صارُوا أنْبِياءَ لِما عَلِمْتَ مِن الِاحْتِمالاتِ والدَّلِيلُ إذا طَرَقَهُ الِاحْتِمالُ بَطَلَ بِهِ الِاسْتِدْلالُ ورُؤْيَتُهم كَواكِبَ يُهْتَدى بِأنْوارِها بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَصِيرَهم إلى النُّبُوَّةِ، وإنَّما تَكُونُ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَصِيرَهم إلى كَوْنِهِمْ هادِينَ لِلنّاسِ وهو مِمّا لا يَلْزَمُهُ النُّبُوَّةُ، فَقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ“،» ونَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ القَوْمَ صارُوا هادِينَ بَعْدَ أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالتَّوْبَةِ بَلْ هم لَعَمْرِي حِينَئِذٍ مِن أجِلَّةِ أصْحابِ نَبِيِّهِمْ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّهُ لَوْ دَلَّ رُؤْيَتُهم كَواكِبَ عَلى أنَّ مَصِيرَهم إلى النُّبُوَّةِ لَكانَتْ رُؤْيَةُ أُمِّهِ قَمَرًا أدَلَّ عَلى ذَلِكَ ولا قائِلَ بِهِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ -بِآلِ يَعْقُوبَ- سائِرَ بَنِيهِ، و-بِإتْمامِ النِّعْمَةِ- إتْمامُها بِالنُّبُوَّةِ لَكِنْ لا يَثْبُتُ بِذَلِكَ نُبُوَّتُهم بَعْدُ لِجَوازِ أنْ يُرادَ ﴿ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ ﴾ بِشَيْءٍ آخَرَ كالخَلاصِ مِنَ المَكْرُوهِ مَثَلًا، وهَذا كَقَوْلِكَ: أنْعَمْتُ عَلى زَيْدٍ وعَلى عَمْرٍو وهو لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْعامُ عَلَيْهِما مِن نَوْعٍ واحِدٍ لِصِدْقِ الكَلامِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ أنْعَمْتَ عَلى زَيْدٍ بِمَنصِبٍ وعَلى عَمْرٍو بِإعْطائِهِ ألْفَ دِينارٍ، أوْ بِتَخْلِيصِهِ مِن ظالِمٍ مَثَلًا وهو ظاهِرٌ.

ورَجَّحَ بَعْضُهم حَمْلَ الآلِ عَلى ما يَعُمُّ الأبْناءَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الأبْناءَ لَكانَ الأظْهَرُ الأخْصَرُ وعَلى إخْوَتِكَ بَدَلَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ وقِيلَ: إنَّما اخْتارَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يَتَبادَرُ مِنَ الإخْوَةِ الإخْوَةُ الَّذِي نُهِي عَنْ الِاقْتِصاصِ عَلَيْهِمْ فَلا يَدْخُلُ بِنْيامِينُ، والمُرادُ إدْخالُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ يَعْقُوبَ أتْباعُهُ الَّذِينَ عَلى دِينِهِ.

وقِيلَ: يَعْقُوبُ خاصَّةً عَلى أنَّ الآلَ بِمَعْنى الشَّخْصِ ولا يَخْفى ما في القَوْلَيْنِ مِنَ البُعْدِ، وأبْعَدُهُما الأخِيرُ ومَن جَعَلَ إتْمامَ النِّعْمَةِ إشارَةً إلى المُلْكِ جَعَلَ العَطْفَ بِاعْتِبارِ أنَّهم يَغْتَنِمُونَ آثارَهُ مِنَ العِزِّ والجاهِ والمالِ هَذا.

﴿ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ﴾ أيْ إتْمامًا كائِنًا كَإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ أوْ مِن قَبْلِكَ، والِاسْمانِ الكَرِيمانِ عَطْفُ بَيانٍ -لِأبَوَيْكَ- والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِالأبِ مَعَ كَوْنِهِما أبا جَدِّهِ وأبا أبِيهِ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ ارْتِباطِهِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَذْكِيرُ مَعْنى -الوَلَدُ سِرُّ أبِيهِ- لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِما أُخْبِرَ بِهِ، وإتْمامُ النِّعْمَةِ عَلى إبْراهِيمَ إمّا بِالنُّبُوَّةِ وإمّا بِاتِّخاذِهِ خَلِيلًا وإمّا بِإنْجائِهِ مِن نارِ عَدُوِّهِ، وإمّا مِن ذَبْحِ ولَدِهِ، وإمّا بِأكْثَرَ مِن واحِدٍ مِن هَذِهِ، وعَلى إسْحاقَ إمّا بِالنُّبُوَّةِ أوْ بِإخْراجِ يَعْقُوبَ مِن صُلْبِهِ أوْ بِإنْجائِهِ مِنَ الذَّبْحِ وفِدائِهِ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ عَلى رِوايَةِ أنَّهُ الذَّبِيحُ، وذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ، وأمْرُ التَّشْبِيهِ عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ سَهْلٌ إذْ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِن كُلِّ وجْهٍ، والِاقْتِصارُ في المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ذِكْرِ إتْمامِ النِّعْمَةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلِاجْتِباءِ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ كَما قِيلَ فَإنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ يَقْتَضِي سابِقَةَ النِّعْمَةِ المُسْتَدْعِيَةِ لِلِاجْتِباءِ لا مَحالَةَ ومَعْرِفَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أخْبَرَ بِهِ مِمّا لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الرُّؤْيا إمّا بِفِراسَةٍ وكَثِيرًا ما تَصْدُقُ فِراسَةُ الوالِدِ بِوَلَدِهِ كَيْفَما كانَ الوالِدُ، فَما ظَنُّكَ بِفِراسَتِهِ إذا كانَ نَبِيًّا أوْ بِوَحْيٍ؟

وقَدْ يُدَّعى أنَّهُ اسْتُدِلَّ بِالرُّؤْيا عَلى كُلِّ ذَلِكَ ﴿ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ فَيَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّ المَذْكُوراتِ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فاعِلٌ لِكُلِّ شَيْءٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَيَفْعَلُ ما يَفْعَلُ جَرْيًا عَلى سُنَنِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَحْقِيقِ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال تعالى: قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فلمّا قصّها على أبيه انتهره وزجره، وقال ليوسف في السر: إذا رأيت رؤيا بعد هذا، فلا تقصها على إخوتك فذلك قوله تعالى: فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً يعني: يعملوا بك عملاً، ويحتالوا بك حيلة في هلاكك.

فإن قيل قوله: رَأَيْتُهُمْ هذا اللفظ يستعمل في العقلاء ولا يستعمل في غير العقلاء، يقال: رأيتها ورأيتهن، فكيف قال هاهنا: رَأَيْتُهُمْ؟

قيل له: لأنه حكى عنها الفعل الذي يكون من العقلاء، وهي السجدة.

فذكر باللفظ الذي يوصف به العقلاء.

إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.

قرأ أبو جعفر القارئ المدني، أَحَدَ عَشَرَ بجزم الدال، وقراءة العامة أَحَدَ عَشَرَ بالنصب.

قال أبو عبيدة: هكذا تقرؤها، لأنها أعرف اللغتين، والناس عليها.

ثم قال: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ يقول: يصطفيك ويختارك بالنبوة.

ويقال: بالحسن والجمال والمحبة في القلوب.

وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني: من تعبير الرؤيا.

ويقال: هي الكتب المنزلة.

ويقال: عواقب الأمور، يعني: يفهمك وَيُعَلّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ حتى تكون عالماً بعواقبها وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ يعني: يثبتك على الإسلام، ويقال: بالنبوة والإسلام وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ يعني: إخوة يوسف كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وأكرمهما بالنبوة، وثبتهما على الإسلام.

قال الزجاج: وقد فسّر له يعقوب الرؤيا، فالتأويل: أنه لما قال يوسف: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً تأول لأحد عشر نفساً لهم فضل وأنهم يستضاء بهم، لأن الكواكب لا شيء أضوء منها، وتأول الشمس والقمر أبويه، فالقمر الأب، والشمس الأم، والكواكب إخوته، فتأول ليوسف أنه يكون نبياً وأن إخوته يكونون أنبياء، لأنه أعلمه أن الله تعالى يتم نعمته عليه وعلى إخوته، كما أتمها على أبويه إبراهيم وإسحاق.

ويقال: كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ حين رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه، فأمره الله تعالى أن يفديه.

وروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أنه كان يجعل الجد أباً» ، ثم يقرأ هذه الآية: كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يعني: عَلِيمٌ بما صنع به إخوته، حَكِيمٌ بما حكم من إتمام النعمة عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ: أي: بوحينا إِليك هذا، والْقُرْآنَ: نعت ل «هذا» ويجوز فيه البَدَلُ، والضمير في «قبله» : للقصص العامِّ لما في جميع القرآن منه، ولَمِنَ الْغافِلِينَ، أي: عن معرفة هذا القصص، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: قال قتادة: أي: نقصُّ عليك من الكُتُب الماضيةِ، وأخبارِ الأممِ السالفةِ أحْسَنَ القصص بوحينا إِليك هذا القرآن، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عنْ أخبار الأمم، انتهى.

وقوله سبحانه: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ: قيل: إِنه رأَى كواكِبَ حقيقةً، والشمْسَ والقَمَرَ، فتأوَّلها يعقوبُ إِخْوَتَهُ وأَبَوَيْهِ، وهذا هو قولُ الجمهور، وقيل: الإِخوةُ والأَبُ والخالةُ لأَنَّ أُمَّه كانتْ ميِّتة، وروي أن رُؤْيَا يوسُفَ خَرَجَتْ بَعْدَ أربعينَ سَنَةً، وقيل: بعد ثمانين سنة.

وقوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً مِنْ هنا ومِنْ فعْل إِخوة يوسُفَ بيوسُفَ: يظهر أنَّهم لم يكُونوا أَنبياءَ في ذلك الوقْتِ، وما وَقَعَ في «كتاب الطَّبريِّ» لابْنِ زَيْد أنهم كانُوا أنبياءَ يردُّه القطْعُ بعصمة الأنبياءِ عن الحَسَدِ الدنيوي، وعن عقوقِ الآباءِ، وتعريض مؤمنٍ للهلاكِ، والتآمرِ في قتله.

وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ: أي: يختارُكَ ويصطفيك.

وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قال مجاهد وغيره: هي عبارةُ الرؤيا «١» وقال الحسن: هي عواقِبُ الأمور «٢» وقيل: هي عامَّة لذلك وغيره من المغيَّبات.

وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ...

الآية: يريد بالنبوَّة وما انضاف إِلَيْها من سائر النِّعَم، ويروَى: أَنَّ يعقُوبَ عَلِمَ هَذا مِنْ دَعْوَة إِسْحَاقَ لَهُ حِينَ تشبَّه ب «عيصو» ، وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثْلَ ما رَأيْتَ مِنَ الرِّفْعَةِ والحالِ الجَلِيلَةِ، يَخْتارُكَ رَبُّكَ ويَصْطَفِيكَ مِن بَيْنِ إخْوَتِكَ.

وقَدْ شَرَحْنا في (الأنْعامِ:٨٧) مَعْنى الِاجْتِباءِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَصْطَفِيكَ بِالنُبُوَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، فَعَلى هَذا سُمِّيَ تَأْوِيلًا لِأنَّهُ بَيانُ ما يَؤُولُ أمْرُ المَنامِ إلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ العِلْمُ والحِكْمَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: تَأْوِيلُ أحادِيثِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ والكُتُبِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ مُقاتِلٌ: و " مِن " هاهُنا صِلَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِإعْلاءِ الكَلِمَةِ.

والثّالِثُ: بِأنْ أحْوَجَ إخْوَتَهُ إلَيْهِ حَتّى أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

وَفِي " آلِ يَعْقُوبَ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم ولَدُهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَعْقُوبُ وامْرَأتُهُ وأوْلادُهُ الأحَدَ عَشَرَ، أتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ بِالسُّجُودِ لِيُوسُفَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أهْلُهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ بِأنَّكَ إذا صَغَّرْتَ الآلَ، قُلْتَ: أُهَيْلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: فَنِعْمَتُهُ عَلى إبْراهِيمَ أنْ نَجّاهُ مِنَ النّارِ، ونِعْمَتُهُ عَلى إسْحاقَ أنْ نَجّاهُ مِنَ الذَّبْحِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ ﴾ أيْ: عَلِيمٌ حَيْثُ يَضَعُ النُّبُوَّةَ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في تَدْبِيرِ خَلْقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَيْطانَ لِلإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبُّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ تَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ أنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يُحِسُّ مِن بَنِيهِ حَسَدَ يُوسُفَ وبُغْضَتَهُ، فَنَهاهُ عن قَصَصِ الرُؤْيا عَلَيْهِمْ خَوْفَ أنْ يُشْعِلَ بِذَلِكَ غِلَّ صُدُورِهِمْ، فَيُعْمِلُوا الحِيلَةَ عَلى هَلاكِهِ، ومِن هُنا ومِن فِعْلِهِمْ بِيُوسُفَ -الَّذِي يَأْتِي ذِكْرُهُ- يَظْهَرُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

ووَقَعَ في كِتابِ الطَبَرِيِّ لِابْنِ زَيْدٍ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، وهَذا يَرُدُّهُ القَطْعُ بِعِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنِ الحَسَدِ الدُنْياوِي، وعن عُقُوقِ الآباءِ، وتَعْرِيضِ مُؤْمِنٍ لِلْهَلاكِ والتَوافُرِ في قَتْلِهِ.

ثُمَّ أعْلَمَهُ أنَّ الشَيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ، أيْ: هو يُدْخِلُهم في ذَلِكَ ويَحُضُّهم عَلَيْهِ.

وأمالَ الكِسائِيُّ: "رُؤْياكَ" والرُؤْيا حَيْثُ وقَعَتْ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ لَمْ يُمِلْ "رُؤْياكَ" في هَذِهِ السُورَةِ وأمالَ الرُؤْيا حَيْثُ وقَعَتْ، وقَرَأ "رُوياكَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ -وَهِيَ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ - ولَمْ يُمِلْها الباقُونَ حَيْثُ وقَعَتْ.

والرُؤْيا مَصْدَرٌ كَثُرَ وُقُوعُهُ عَلى هَذا المُتَخَيَّلِ في النَوْمِ حَتّى جَرى مَجْرى الأسْماءِ كَما فَعَلُوا في الدَرِّ في قَوْلِهِمْ: "لِلَّهِ دَرُّكَ" فَخَرَجا مِن حُكْمِ عَمَلِ المَصادِرِ، وكَسَّرُوها رُؤى بِمَنزِلَةِ ظُلَمٍ، والمَصادِرُ في أكْثَرَ الأمْرِ لا تُكَسَّرُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ ﴾ الآيَةُ، فـَ "يَجْتَبِيكَ" مَعْناهُ: يَخْتارُكَ ويَصْطَفِيكَ، ومِنهُ: جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، ومِنهُ: جِبايَةُ المالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: هي عِبارَةُ الرُؤْيا.

وقالَ الحَسَنُ: هي عَواقِبُ الأُمُورِ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِذَلِكَ وغَيْرِهِ مِنَ المُغَيَّباتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ ﴾ يُرِيدُ النُبُوَّةَ وما انْضافَ إلَيْها مِن سائِرِ النِعَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ يُرِيدُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- الأولادَ والقَرابَةَ الَّتِي هي مِن نَسْلِهِ، أيْ يَجْعَلَ فِيهِمُ النُبُوَّةَ، ويُرْوى أنَّ ذَلِكَ إنَّما عَلِمَهُ يَعْقُوبُ مِن دَعْوَةِ إسْحاقَ لَهُ حِينَ تَشَبَّهَ لَهُ بِعِيصُو، والقِصَّةُ كامِلَةً في كِتابِ النَقّاشِ لَكِنِّي اخْتَصَرْتُها لِأنَّهُ لَمْ يَنْبُلْ ألْفاظَها، وما أظُنُّهُ انْتَزَعَها إلّا مِن كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّها قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَهُمْ، وباقِي هَذِهِ الآيَةِ بَيِّنٌ.

والنِعْمَةُ عَلى يُوسُفَ كانَتْ تَخْلِيصَهُ مِنَ السِجْنِ وعِصْمَتَهُ والمُلْكَ الَّذِي نالَ، وعَلى إبْراهِيمَ هي اتِّخاذُهُ خَلِيلًا، وعَلى إسْحاقَ فِدْيَتُهُ بِالذَبْحِ العَظِيمِ مُضافًا ذَلِكَ كُلُّهُ إلى النُبُوَّةِ، وعَلِيمٌ حَكِيمٌ مُناسِبَتانِ لِهَذا الوَعْدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف هذا الكلام على تحذيره من قصّ الرؤيا على إخوته إعلاماً له بعلوّ قدره ومستقبل كماله، كي يزيد تملياً من سموّ الأخلاق فيتسع صدره لاحتمال أذى إخوته، وصفحاً عن غيرتهم منه وحسدهم إيّاه ليتمحّض تحذيره للصلاح، وتنتفي عنه مفسدة إثارة البغضاء ونحوها، حكمة نبويّة عظيمة وطبّاً روحانيّاً ناجعاً.

والإشارة في قوله: ﴿ وكذلك ﴾ إلى ما دلّت عليه الرؤيا من العِناية الربّانيّة به، أي ومثل ذلك الاجتباء يجتبيك ربّك في المستقبل، والتّشبيه هنا تشبيه تعليل لأنّه تشبيه أحد المعلولين بالآخر لاتّحاد العلّة.

وموقع الجار والمجرور موقع المفعول المطلق ل ﴿ يجتبيك ﴾ المبيّن لنوع الاجتباء ووجهه.

والاجتباء: الاختيار والاصطفاء.

وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ واجتبيناهم ﴾ في سورة الأنعام (87)، أي اختياره من بين إخوته، أو من بين كثير من خلقه.

وقد علم يعقوب عليه السّلام ذلك بتعبير الرؤيا ودلالتها على رفعة شأنه في المستقبل فتلك إذا ضُمّت إلى ما هو عليه من الفضائل آلت إلى اجتباء الله إياه، وذلك يؤذن بنبوءته.

وإنّما علم يعقوب عليه السّلام أنّ رفعة يوسف عليه السّلام في مستقبله رفعة إلهية لأنّه عَلِمَ أن نعم الله تعالى متناسبة فلمّا كان ما ابتدأه به من النعم اجتباءً وكمالاً نفسيّاً تعيّن أن يكون ما يلحق بها، من نوعها.

ثم إنّ ذلك الارتقاء النفساني الذي هو من الواردات الإلهية غايته أن يبلغ بصاحبه إلى النبوءة أو الحكمة فلذلك علم يعقوب عليه السّلام أنّ الله سيعلّم يوسف عليه السّلام من تأويل الأحاديث، لأنّ مسَبّبَ الشيء مسبّب عن سَبب ذلك الشيء، فتعليم التّأويل ناشئ عن التشبيه الذي تضمنه قوله: ﴿ وكذلك ﴾ ، ولأنّ اهتمام يوسف عليه السّلام برؤياه وعرضها على أبيه دلّ أباه على أنّ الله أودع في نفس يوسف عليه السّلام الاعتناء بتأويل الرؤيا وتعبيرها.

وهذه آية عبرة بحال يعقوب عليه السّلام مع ابنه إذ أشعره بما توسّمه من عناية الله به ليزداد إقبالاً على الكمال بقوله: ﴿ ويتمّ نعمته عليك ﴾ .

والتّأويل: إرجاع الشيء إلى حقيقته ودليله.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وما يعلم تأويله إلاّ الله ﴾ [سورة آل عمران: 7].

والأحاديث } : يصحّ أن يكون جمع حديث بمعنى الشيء الحادث، فتأويل الأحاديث: إرجاع الحوادث إلى عللها وأسبابها بإدراك حقائقها على التمام.

وهو المعنى بالحكمة، وذلك بالاستدلال بأصناف الموجودات على قدرة الله وحكمته، ويصحّ أن يكون الأحاديث جمع حديث بمعنى الخبر المتحدّث به، فالتأويل: تعبير الرؤيا.

سمّيت أحاديث لأنّ المرائيَ يتحدثُ بها الراؤون وعلى هذا المعنى حملها بعضُ المفسرين.

واستدلوا بقوله في آخر القصة ﴿ وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ [سورة يوسف: 100].

ولعلّ كِلاَ المعنيين مراد بناء على صحة استعمال المشترك في معنييه وهو الأصح، أو يكون اختيار هذا اللفظ إيجازاً معجزاً، إذ يكون قد حكِي به كلام طويل صَدر من يعقوب عليه السّلام بلغته يعبّر عن تأويل الأشياء بجميع تلك المعاني.

وإتمام النعمة عليه هو إعطاؤه أفضل النعم وهي نعمة النبوءة، أو هو ضميمة الملك إلى النبوءة والرسالة، فيكون المراد إتمام نعمة الاجتباء الأخروي بنعمة المجد الدنيوي.

وعلم يعقوب عليه السّلام ذلك من دلالة الرؤيا على سجود الكواكب والنيريْن له، وقد علم يعقوب عليه السّلام تأويل تلك بإخوته وأبويه أو زوج أبيه وهي خالة يوسف عليه السّلام، وعلم من تمثيلهم في الرؤيا أنّهم حين يسجدون له يَكون أخوته قد نالوا النبوءة، وبذلك علم أيضاً أنّ الله يتمّ نعمته على إخوته وعلى زوج يعقوب عليه السّلام بالصديقية إذا كانت زوجة نبيء.

فالمراد من آل يعقوب خاصتهم وهم أنباؤه وزوجه، وإن كان المراد بإتمام النعمة ليوسف عليه السّلام إعطاءُ الملك فإتمامها على آل يعقوب هو أن زادهم على ما أعطاهم من الفضل نعمة قرابة المَلِك، فيصح حينئذٍ أنْ يكون المراد من آله جميع قرابته.

والتّشبيه في قوله: كما أتمها على أبويك من قبل} تذكير له بنعم سابقة، وليس ممّا دلت عليه الرؤيا.

ثم إن كان المراد من إتمام النعمة النبوءة فالتّشبيه تام، وإن كان المراد من إتمام النعمة الملك فالتشبيه في إتمام النعمة على الإطلاق.

وجعل إبراهيم وإسحاق عليهما السّلام أبوين له لأنّ لهما ولادة عليه، فهما أبواه الأعليان بقرينة المقام كقول النبي صلى الله عليه وسلم «أنا ابنُ عبد المطّلب».

وجملة ﴿ إنّ ربّك عليم حكيم ﴾ تذييل بتمجيد هذه النعم، وأنها كائنة على وفق علمه وحكمته، فعلمه هو علمه بالنفوس الصالحة لهذه الفضائل، لأنّه خلقها لقبول ذلك فعلمه بها سابق، وحكمته وضع النعم في مواضعها المناسبة.

وتصدير الجملة ب ﴿ إنّ ﴾ للاهتمام لا للتّأكيد إذْ لاَ يشك يوسف عليه السّلام في علم الله وحكمته.

والاهتمام ذريعة إلى إفادة التعليل.

والتفريع في ذلك تعريض بالثناء على يوسف عليه السّلام وتأهّله لمثل تلك الفضائل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِحُسْنِ الخَلْقِ والخُلُقِ.

الثّانِي: بِتَرْكِ الِانْتِقامِ.

الثّالِثُ: بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عِبارَةُ الرُّؤْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: العِلْمُ والحِكْمَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: عَواقِبُ الأُمُورِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولِلْأحِبَّةِ أيّامٌ تُذَكِّرُها ولِلنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْنِ تَأْوِيلُ ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِاخْتِيارِكَ لِلنُّبُوَّةِ.

الثّانِي: بِإعْلاءِ كَلِمَتِكَ وتَحْقِيقِ رُؤْياكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنْ أخْرَجَ إخْوَتَهُ إلَيْهِ حَتّى أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ إساءَتِهِمْ إلَيْهِ.

﴿ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ﴾ بِأنْ جَعَلَ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ.

﴿ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: فَنِعْمَتُهُ عَلى إبْراهِيمَ أنْ أنْجاهُ مِنَ النّارِ، وعَلى إسْحاقَ أنْ أنْجاهُ مِنَ الذَّبْحِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ قال يصطفيك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ قال: عبارة الرؤيا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ قال: تأويل العلم والحلم.

قال: وكان يومئذ أعبر الناس.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق ﴾ قال: فنعمته على إبراهيم نجاه من النار، وعلى إسحاق أن نجاه من الذبح.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

كذلك قوله ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ .

قال أبو إسحاق (١) (٢) ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ﴾ فقال له يعقوب: ومثل ذلك التفضيل وتلك الرفعة والحال الجليلة (٣) (٤) [وقال الفراء (٥) ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ جواب لقوله ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ ﴾ فقيل له: وهكذا يجتبيك ربك، كذلك وهكذا سواء في المعنى.

قال أبو بكر: وعلى هذا (كذلك) حرف واحد معناها هكذا، وموضعه نصب بيجتبيي] (٦) قال الفراء (٧) وقوله تعالى ﴿ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ قال ابن عباس (٨) (٩) (١٠) قال الزجاج (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾ قال ابن عباس (١٢) (١٣) (١٤) قال ابن زيد (١٥) (١٦) وقيل (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ قال ابن عباس (١٨) ﴿ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ ﴾ .

قال المفسرون (١٩) (٢٠)  : "اللهم (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال أبو إسحاق (٢٤) ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ﴾ الآية، تأول الأحد عشر كوكبًا: أحد عشر نفسًا لهم فضل وأنهم يستضاء بهم؛ لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يُهْتدى، فتأويل الكواكب إخوته، وتأويل الشمس والقمر أبواه، تأول له أن يكون نبيًّا، وأن إخوته يكونون أنبياء؛ لأنه أعلمه أن الله جلَّ وعلا يتم نعمته عليه وعلى إخوته، كما أتمها على إبراهيم وإسحاق، فإتمام النعمة عليهم أن يكونوا أنبياء، وعلى هذه الأقوال إتمام النعمة بالنبوة، ﴿ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ الأنبياء منهم أو بنوه.

وقال ابن عباس في رواية الكلبي: ويتم نعمته عليك بتوحيده وعبادته، كما أتمها على أبويك بتوحيد الله وعبادته وإيثار طاعته، وقال مقاتل بن سليمان (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ  ﴾ يعني أهل دين فرعون، قال قتادة (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ ﴾ يريد حيث يضع النبوة.

قاله عطاء عن ابن عباس (٢٩) ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في خلقه.

(١) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 91.

(٢) "زاد المسير" 4/ 181.

(٣) في (أ)، (ب): (الجلية).

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 36.

(٦) ما بين المعقوفين مكرر في (أ)، (ج).

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 36.

(٨) نقله عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 181، وابن جرير وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 7.

(٩) وهو قول عكرمة وقتادة كما في الطبري 12/ 153، وعزاه ابن أبي حاتم 7/ 2103 أ، لقتادة، وانظر "الدر" 4/ 7.

(١٠) قال به أبو عبيدة كما في "مجاز القرآن" 1/ 3025، والفراء كما في "معاني القرآن" 2/ 36.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 91.

(١٢) "تنوير المقباس" 146، و"زاد المسير" 4/ 181.

(١٣) الطبري 12/ 153، وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم 7/ 2103 أ، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 7، و"زاد المسير" 4/ 181، وابن عطية 7/ 438.

(١٤) الطبري 12/ 153، وابن أبي حاتم 7/ 2103 أ.

(١٥) الطبري 12/ 153، وابن أبي حاتم 7/ 2103 ب، وانظر: "الدر" 4/ 7.

(١٦) "معاني القرآن" 3/ 92.

(١٧) "زاد المسير" 4/ 181، القرطبي 9/ 129.

(١٨) "زاد المسير" 4/ 181، القرطبي 9/ 129، البغوي 4/ 214، ابن عطية 7/ 438.

(١٩) البغوي 4/ 214، ابن عطية 7/ 438.

(٢٠) في (ج): (يعني).

(٢١) اللهم: ساقطة من (ب).

(٢٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (6465)، كتاب: الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي  وأصحابه وتخليهم من الدنيا، ومسلم كتاب: الزكاة، باب في الكفاف والقناعة (1055) كما في مختصر المنذري ص 551، كتاب الزهد والرقاق تحقيق الألباني، وأحمد 19/ 24، برقم (9752)، و20/ 28 برقم (10242) تحقيق أحمد شاكر، والترمذي برقم (2361) أبواب الزهد، باب: ما جاء في معيشة النبي  وأهله، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب).

(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج: 3/ 92.

بتصرف.

(٢٥) "تفسير مقاتل" 150 ب.

(٢٦) الطبري 12/ 154، والثعلبي 7/ 64 أ، و"زاد المسير" 4/ 182.

(٢٧) "تنوير المقباس" ص 147.

(٢٨) الطبري 12/ 154.

(٢٩) "زاد المسير" 4/ 182.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذْ قَالَ ﴾ العامل فيه اذكر المضمر، أو القصص ﴿ ياأبت ﴾ أي يا أبي والتاء للمبالغة، وقيل: للتأنيث وكسرت دلالة على ياء المتكلم والتاء عوض من ياء المتكلم ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجدين ﴾ كرر الفعل لطول الكلام، وأجرى الكواكب والشمس والقمر مجرى العقلاء في ضمير الجماعة لما وصفها بفعل من يعقل، وهو السجود وتأويل الكواكب في المنام إخوته، والشمس والقمر أبواه؛ وسجودهم له تواضعهم له ودخولهم تحت كنفه وهو ملك ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ ﴾ إنما قال ذلك لأنه علم أن تأويلها ارتفاع منزلته فخاف عليه من الحسد ﴿ يَجْتَبِيكَ ﴾ يختارك ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ قيل: هي عبارة الرؤيا، واللفظ أعم من ذلك ﴿ ءَالِ يَعْقُوبَ ﴾ يعني ذريته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.

وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.

الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.

الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.

﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.

الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.

بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.

بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.

وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.

وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.

﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.

الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.

أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.

وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.

احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.

قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.

وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.

قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.

وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.

وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.

ويروى أن أصحاب رسول الله  ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً  ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.

والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".

و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.

وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.

عن النبي  "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.

ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.

والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.

من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.

قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي  فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.

فسكت رسول الله  فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي  لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟

قال: نعم.

قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.

رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.

فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.

وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل  ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين.

والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.

وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك  ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.

عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.

وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.

وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.

ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل ثمانون.

قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.

قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.

واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".

وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.

وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.

ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.

والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.

قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.

أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.

وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.

والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.

ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.

ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم  .

وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.

والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.

واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.

وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.

وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.

قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟

والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد  للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.

وفيه أنه  يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.

يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.

﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.

لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.

ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.

والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا  ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض  ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.

ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.

ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.

واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.

فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال  لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.

قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .

وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردن.

وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.

ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.

قال السدي: إن يوسف  لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.

فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وروي أنه  لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.

وحكي أن إبراهيم  حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.

وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..

يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.

ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا لا.

قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.

يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.

وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.

﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.

قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.

وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.

وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله  ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.

يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله  إليه يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.

ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله  فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله  أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.

واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟

وأجيب بأن الله  لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله  يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.

﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.

ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.

قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.

﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.

ومتى قال الوارد هذا الكلام؟

قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.

وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.

قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.

والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.

فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.

ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.

والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.

وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.

وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله  أعلم.

﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.

والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.

قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.

عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.

وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.

ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.

عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.

وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.

ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.

والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.

ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.

قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟

فقيل: زهدوا فيه والله  أعلم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.

﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.

﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.

﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.

فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.

﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.

﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال  : ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ ، أي: نبين عليك أحسن البيان ﴿ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ أي: نخبرك أحسن ما في كتبهم من القصص، وأحسن ما في كتبهم من الأنباء والأحاديث.

وقوله: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ﴾ : أصدقه، وكذلك قوله ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً  ﴾ ، وأحسن الحديث: أصدقه وأحسن القصص؛ أي: أصدقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ ﴾ أي: وقد كنتم من قبله ﴿ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ ﴾ .

عن هذه الأنباء، وعن قصصهم؛ فهذا يدل أن الإيمان بجملة الأنبياء والرسل إيمان، وإن لم يعرف أنفس الأنبياء وأنفس الرسل وأساميهم؛ لأنه أخبر أنه كان غافلا عن أنبائهم، وعن قصصهم، ولا شك أنه كان مؤمناً بالله مخلصاً، وبالله العصمة.

وقال ابن عباس -  -: أحسن القصص: كلام الرحمن.

وقال مجاهد: ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ  ﴾ : كلام ربّ العالمين.

وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون الذي سألوا عنه رسول الله عن قصة يوسف صيرورة بني إسرائيل بمصر، وقد كانوا من قبل بالشام، فقال: تلك الأنباء والقصص نجعلها آيات هذه السّورة التي هي من الكتاب المبين.

أو تلك آيات حجج وبراهين لرسالة محمد  إذ هي من أنباء الغيب عنهم، فعلم الأنباء عنها بالله  وتعالى .

وقوله - عز جل -: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ دل قوله: ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ﴾ إن إخوة يوسف كانوا علماء وعيون الأرض، نجوماً يقتدى بهم ويهتدى؛ إذ بالنجوم يقتدى في الأرض، وبها يهتدون الطرق والمسالك.

ودل قوله: ﴿ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ﴾ حيث - خرج على أبويه - أنه كان بهما جميع منافع الخلق؛ إذ بهما صلاح جميع الأغذية في الأرض، ونضج جميع الفواكه والأنزال، وجميع المنافع التي بالناس حاجة إلى ذلك.

ودل قوله: ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ أن الرؤيا تخرج على عين ما رأى، وتخرج على غيره بالمعنى الذي يتصل به؛ لأنه رأى الكواكب والشمس والقمر فخرج على إخوته وأبويه؛ كأن المراد بالكواكب والنجوم، غير الكواكب، وغير الشمس والقمر، وذلك لمعنى، وذكر السجود وخرج على عين السجود وحقيقته، وكذلك ما رأى إبراهيم في المنام ذبح ولده خرج الذبح على [حقيقة الذبح] هو ذبح الكبش، ورأى ابنه، وكان المراد منه الكبش، فهذا أصل لنا أن الخطاب يخرج والمراد منه على عين ذلك الخطاب لا غير، وقد يخرج لمعنى فيه، فإذا اتصل ذلك المعنى بغير، وجب ذلك الحكم.

وفيه جواز الاجتهاد وطلب المعنى في المخاطبات، وكذلك ما ظهر في الناس من تعبير الرؤيا على الاجتهاد، يدل على جواز العمل بالاجتهاد.

قال بعض أهل التأويل: إن يوسف لما قصّ رؤياه على أبيه بين يدي إخوته قال له: هذه رؤيا النهار ليست بشيء.

وقال ليوسف في السرّ: إذا رأيت رؤيا بعد هذا، فلا تقصها على إخوتك.

لكن هذا كذب؛ فلا يجوز أن يكذب رسول الله يعقوب يقول له: رؤيا النهار ليست بشيء، ثم يعبر له في السرّ، ولا يتوهم على نبي من أنبياء الله الكذب، وهو كذب، فإن كان فهو بالأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ﴾ .

دل قوله: ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ﴾ على أن ما رأى يوسف من سجود الكواكب له، وسجود الشمس والقمر أنه إنما كان رأى ذلك في المنام، ويدل ما ذكر في آخره أيضاً على ذلك، وهو قوله: ﴿ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ  ﴾ ودل قوله: ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ﴾ أن يعقوب إنما عرف ذلك بالوحي؛ حيث قطع القول في قوله: ﴿ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ﴾ ، ولم يستثن في ذلك، وقد فعلوا به ما قال.

وفيه دلالة أن إخوته قد كانوا يعرفون تعبير الرؤيا، وكانوا علماء حكماء؛ حيث قال: ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ﴾ ، لأنهم لو كانوا لا يعرفون تأويلها ولا علموا تعبيرها لم يكن لينهاه عن أن يقص على إخوته؛ لأنه لو قصها أو لم يقصها إذا لم يعلموا سواء، وفيه دلالة أن الأخ [لا] يتهم في أخيه، ويكون من الأخ الخيانة إلى أخيه، والأب والأم يتهمان في الابن، والولد يتهم في والديه، ولا يكون من بعض إلى بعض خيانة في الغالب؛ لأن يعقوب نهى ولده يوسف أن يقصها على إخوته، وأخبر أنهم إذا علموا بذلك كادوه وحسدوه، ولم ينهه بمثله في أمه؛ دل أن الأخ لا يتهم في شهادة أخيه، ويتهم الأب والأم في شهادتهما لولدهما، وكذلك الولد يتهم في والديه، ولهذا قال أصحابنا: إن شهادة الوالد لولده لا تقبل، وكذلك شهادة الولد لوالديه، وأما شهادة الأخ لأخيه تقبل وإنما كان كذلك؛ لما ينتفع الولد بمال والديه، والوالد بمال ولده، ولا ينتفع الأخ بمال أخيه، وكل من انتفع بمال آخر اتهم في شهادته له، ولم تقبل شهادته، وكل من لم ينتفع به قبلت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

ظاهر العداوة.

وقال موسى حين قتل ذلك الرجل: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ بدء كل شر يكون من الشيطان، يقذف في القلوب، ويخطر في الصدور، ثم تكون العزيمة على ذلك والفعل من العبد، وهو ما قال: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ...

﴾ الآية [الاعراف: 201].

والطيف والنزغ: هو القذف والوسوسة، فإذا ذكر الله ذهب.

وقيل: الكيد والمكر سواء، وهو قول أبي عوسجة.

وقال القتبي: الكيد: هو الاحتيال والاغتيال.

وقيل: الكيد: هو أن يطلب إيصال الشر به على غير علم منه؛ وكذلك المكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي: كما اجتبى ربك أبويك بالرسالة والنبوة، واصطفاهم بأنواع الخيرات، وأتم نعمته [عليهم، كذلك ليجتبيك ربك ويتم نعمته] عليك وعلى آل يعقوب.

ويحتمل قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ أي: كما اجتباك ربك بالرؤيا التي أراك، يفعل ذلك بك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ ، قيل: تعبير الرؤيا.

وقال بعضهم: علمه تأويل الصحف التي كانت لإبراهيم وغيره، وعلمه تأويل تلك الصحف والأحاديث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ ﴾ .

قال بعضهم: كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق حين أراد ذبح ابنه، فجعل مكانه كبشاً؛ فعلى ذلك يتم نعمته عليك، ويسجد لك إخوتك وأبويك.

ثم من الناس من استدل بهذا أن الذبيح كان إسحاق؛ لأنه ذكر إتمام نعمته على إبراهيم وإسحاق.

ودل قوله: ﴿ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ ﴾ على أنه قد اجتباهم بالنبوة من بعد - أعني: أولاد يعقوب - لأن ولده من آله، وقد أخبر أنه يجتبيهم ويتم نعمته عليهم؛ كما فعل بأبويه: إبراهيم وإسحاق، وكذلك روي عن الحسن أنه قال في إخوة يوسف: نبئوا بعد ما صنعوا بيوسف ما صنعوا.

وقال بعضهم: تأويل الأحاديث: العلم والكلام.

قال: وكان يوسف أعبر الناس، وهو ما قال الله -  -: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ بما صنع به إخوته، أو عليم بما ذكر من التمام، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : وضع كل شيء موضعه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكما رأيت تلك الرؤيا يختارك -يا يوسف- ربك، ويعلمك تعبير الرؤى، ويكمل نعمته عليك بالنبوة كما أتم نعمته على أبويك من قبلك: إبراهيم وإسحاق، إن ربك عليم بخلقه، حكيم في تدبيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.BwXjk"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر