الآية ٤ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٤ من سورة يوسف

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 114 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : اذكر لقومك يا محمد في قصصك عليهم من قصة يوسف إذ قال لأبيه ، وأبوه هو : يعقوب ، عليه السلام ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن ابن عمر; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " الكريم ، ابن الكريم ، ابن الكريم ، ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم " .

انفرد بإخراجه البخاري ، فرواه عن عبد الله بن محمد ، عن عبد الصمد به وقال البخاري أيضا : حدثنا محمد ، أخبرنا عبدة ، عن عبيد الله ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : سئل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أي الناس أكرم ؟

قال : " أكرمهم عند الله أتقاهم " .

قالوا : ليس عن هذا نسألك .

قال : " فأكرم الناس يوسف نبي الله ، ابن نبي الله ، ابن نبي الله ، ابن خليل الله " .

قالوا : ليس عن هذا نسألك .

قال : " فعن معادن العرب تسألوني ؟

" قالوا : نعم .

قال : " فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " .

ثم قال : تابعه أبو أسامة ، عن عبيد الله .

وقال ابن عباس : رؤيا الأنبياء وحي .

وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام : أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته ، وكانوا أحد عشر رجلا [ سواه ] والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه .

روي هذا عن ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة وسفيان الثوري ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة ، وقيل : ثمانين سنة ، وذلك حين رفع أبويه على العرش ، وهو سريره ، وإخوته بين يديه : ( وخروا له سجدا وقال ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ) [ يوسف : 100 ] .

وقد جاء في حديث تسمية هذه الأحد عشر كوكبا ، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير .

حدثني علي بن سعيد الكندي ، حدثنا الحكم بن ظهير ، عن السدي ، عن عبد الرحمن بن سابط ، [ عن جابر ] قال : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل من يهود يقال له : " بستانة اليهودي " ، فقال له : يا محمد ، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ، ما أسماؤها ؟

قال : فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - ساعة فلم يجبه بشيء ، ونزل [ عليه ] جبريل ، عليه السلام ، فأخبره بأسمائها .

قال : فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه فقال : " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها ؟

" فقال : نعم .

قال : " خرتان والطارق ، والذيال وذو الكنفات ، وقابس ، ووثاب ، وعمودان ، والفيلق ، والمصبح ، والضروح ، وذو الفرغ ، والضياء ، والنور " ، فقال اليهودي : إي والله ، إنها لأسماؤها .

ورواه البيهقي في " الدلائل " ، من حديث سعيد بن منصور ، عن الحكم بن ظهير .

وقد روى هذا الحديث الحافظان أبو يعلى الموصلي وأبو بكر البزار في مسنديهما ، وابن أبي حاتم في تفسيره أما أبو يعلى فرواه عن أربعة من شيوخه عن الحكم بن ظهير ، به وزاد : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " لما رآها يوسف قصها على أبيه يعقوب ، فقال له أبوه : هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد; قال : والشمس أبوه ، والقمر أمه " .

تفرد به الحكم بن ظهير الفزاري وقد ضعفه الأئمة ، وتركه الأكثرون ، وقال الجوزجاني : ساقط ، وهو صاحب حديث حسن يوسف .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن كنت يا محمد، لمن الغافلين عن نبأ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، إذ قال لأبيه يعقوب بن إسحاق: (يا أبت إني رأيت أحدَ عشر كوكبًا) ; يقول: إني رأيت في منامي أحد عشر كوكبًا .

* * * وقيل: إن رؤيا الأنبياء كانت وحيًا .

18778 حدثنا ابن بشار ، قال: حدثنا أبو أحمد ، قال: حدثنا سفيان ، عن سماك بن حرب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله: (إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) ، قال: كانت رؤيا الأنبياء وحيًا.

18779 وحدثنا ابن وكيع ، قال: حدثنا أبو أسامة ، عن سفيان ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: (إني رأيت أحد عشر كوكبًا) ، قال: كانت الرؤيا فيهم وحيًا.

* * * وذكر أن الأحد العشر الكوكب التي رآها في منامه ساجدةً مع الشمس والقمر ، ما: 18780- حدثني علي بن سعيد الكندي ، قال: حدثنا الحكم بن ظهير ، عن السدي ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن جابر ، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ من يهود يقال له " بستانة اليهودي" ، فقال له: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدةً له ، ما أسماؤها؟

قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يجبه بشيء ، ونـزل عليه جبرئيل وأخبره بأسمائها .

قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟

قال: نعم!

فقال: جربان والطارق ، والذيال ، وذو الكنفات ، (25) وقابس ، ووثاب وعمودان ، والفليق ، والمصبح ، والضَّروح ، وذو الفرغ ، والضياء ، والنور " .

فقال اليهودي: والله إنها لأسماؤها!

(26) * * * وقوله: ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) يقول: والشمس والقمر رأيتهم في منامي سجودا .

* * * وقال " ساجدين " والكواكب والشمس والقمر إنما يخبر عنها ب " فاعلة " و " فاعلات " لا بالواو والنون ، [ لأن الواو والنون] إنما هي علامة جمع أسماء ذكور بني آدم، أو الجن، أو الملائكة (27) .

وإنما قيل ذلك كذلك ، لأن " السجود " من أفعال من يُجمع أسماء ذكورهم بالياء والنون ، أو الواو والنون ، فأخرج جمع أسمائها مخرج جمع أسماء من يفعل ذلك ، كما قيل: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ، [سورة النمل : 18].

* * * وقال: " رأيتهم " وقد قيل ": إني رأيت أحد عشر كوكبًا " ، فكرر الفعل ، وذلك على لغة من قال: " كلمت أخاك كلمته " ، توكيدًا للفعل بالتكرير .

* * * وقد قيل: إن الكواكب الأحد عشر كانت إخوته ، والشمس والقمر أبويه .

* ذكر من قال ذلك: 18781- حدثنا بشر ، قال، حدثنا يزيد ، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : " إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا) إخوته، أحد عشر كوكبًا ، " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ" ، يعني بذلك: أبويه 18782 - حدثني الحارث ، قال: حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شريك ، عن السدي ، في قوله : " إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر " ...

الآية ، قال: رأى أبويه وإخوته سجودا له ، فإذا قيل له: عمن؟

قال إن كان حقًّا ، فإن ابن عباس فسرَّه.

18783- حدثنا الحسن بن يحيى ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله " أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " قال: الكواكب: إخوته ، والشمس والقمر: أبواه.

18784- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين ، قال: حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله: " إني رأيت أحد عشر كوكبًا " إخوته ، " والشمس "، أمه " والقمر " أبوه.

18785- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد ، قال، قال سفيان: كان أبويه وإخوته 18786- حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال: سمعت أبا معاذ ، قال: حدثنا عبيد بن سليمان ، قال: سمعت الضحاك ، قوله: " إني رأيت أحد عشر كوكبًا " هم إخوة يوسف ، " والشمس والقمر "، هما أبواه.

18787- حدثني يونس ، قال، أخبرنا ابن وهب ، قال، قال ابن زيد ، في قوله : " يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا " الآية ، قال: أبواه وإخوته .

قال: فنعاه إخوته، وكانوا أنبياء ، (28) فقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى سجد له أبواه!

حين بلغهم.

* * * وروي عن ابن عباس أنه قال " : الكواكب " إخوته ،" والشمس والقمر " ، أبوه وخالته ، من وجه غير محمودٍ ، فكرهت ذكره.

---------------------- الهوامش: (25) في المطبوعة :" ذو الكتفين" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما نقله ابن كثير في تفسيره عن هذا الموضع من تفسير الطبري .

أما باقي الأسماء ، فإني جهلت ضبطها .

(26) الأثر : 18780 -" الحكم بن ظهير الفزاي" ، متروك ، مضى مرارًا ، برقم : 249 ، 5523 ، 5792 ، 11335 .

و" عبد الرحمن بن سابط" ، هو" عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط" تابعي ثقة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 11526 .

وهو يروي عن جابر مرسلا ، قيل ليحيى بن معين :" سمع عبد الرحمن من سعد بن أبي وقاص ؟

قال : لا .

قيل : من أبي أمامة ؟

قال : لا .

قيل من جابر قال : لا ، هو مرسل" .

وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 4 ، وقال :" أخرج سعيد بن منصور ، والبزار ، وأبو يعلي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والعقيلي ، وابن حبان في الضعفاء ، وأبو الشيخ ، والحاكم وصححه ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، وأبو نعيم البيهقي معًا في دلائل النبوة ، عن جابر" .

ولم أعرف مكان هذا الخبر من المستدرك للحاكم ، ولكن العجب أنه صححه ، فإن هذا الخبر قد تفرد به الحكم بن ظهير ، وهو واهي الحديث متروك ، وحتى قال الجوزجاني :" ساقط لميله وأعاجيب حديثه ، وهو صاحب حديث نجوم يوسف" ، وقد أنكر العقيلي حديثه في تسمية النجوم التي رآها يوسف عليه الصلاة والسلام .

انظر تهذيب التهذيب ، وميزان الاعتدال 1 : 268 ، وذكر الخبر من طريق ابن حبان بإسناده .

وانظر الاختلاف في أسماء النجوم هناك ، وراجع دلائل النبوة لأبي نعيم ، فني لم أجده هناك .

(27) الذي بين القوسين ، أظنه سقط من الكلام ، لذلك زدته حتى تستقيم العبارة .

(28) هكذا هي المخطوطة ، أيضًا ، أو نحوًا من" نفاه" غير منقوطة ، ولا أدري ما أراد .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قوله تعالى : إذ قال يوسف إذ في موضع نصب على الظرف ; أي اذكر لهم حين قال يوسف .

وقراءة العامة بضم السين .

وقرأ طلحة بن مصرف " يؤسف " بالهمزة وكسر السين .

وحكى أبو زيد : " يؤسف " بالهمزة وفتح السين .

ولم ينصرف لأنه أعجمي ; وقيل : هو عربي .[ ص: 107 ] وسئل أبو الحسن الأقطع - وكان حكيما - عن " يوسف " فقال : الأسف في اللغة الحزن ; والأسيف العبد ، وقد اجتمعا في يوسف ; فلذلك سمي يوسف ." لأبيه يا أبت " بكسر التاء قراءة أبي عمرو وعاصم ونافع وحمزة والكسائي ، وهي عند البصريين علامة التأنيث أدخلت على الأب في النداء خاصة بدلا من ياء الإضافة ، وقد تدخل علامة التأنيث على المذكر فيقال : رجل نكحة وهزأة ; قال النحاس : إذا قلت يا أبت بكسر التاء فالتاء عند سيبويه بدل من ياء الإضافة ; ولا يجوز على قوله الوقف إلا بالهاء ، وله على قوله دلائل : منها - أن قولك : " يا أبه " يؤدي عن معنى " يا أبي " ; وأنه لا يقال : يا أبت إلا في المعرفة ; ولا يقال : جاءني أبت ، ولا تستعمل العرب هذا إلا في النداء خاصة ، ولا يقال : " يا أبتي " لأن التاء بدل من الياء فلا يجمع بينهما .

وزعم الفراء أنه إذا قال : " يا أبت " فكسر دل على الياء لا غير ; لأن الياء في النية .

وزعم أبو إسحاق أن هذا خطأ ، والحق ما قال ، كيف تكون الياء في النية وليس يقال : " يا أبتي " ؟

وقرأ أبو جعفر والأعرج وعبد الله بن عامر " يا أبت " بفتح التاء ; قال البصريون : أرادوا " يا أبتي " بالياء ، ثم أبدلت الياء ألفا فصارت " يا أبتا " فحذفت الألف وبقيت الفتحة على التاء .

وقيل : الأصل الكسر ، ثم أبدل من الكسرة فتحة ، كما يبدل من الياء ألف فيقال : يا غلاما أقبل .

وأجاز الفراء " يا أبت " بضم التاء .إني رأيت أحد عشر كوكبا ليس بين النحويين اختلاف أنه يقال : جاءني أحد عشر ، ورأيت ومررت بأحد عشر ، وكذلك ثلاثة عشر وتسعة عشر وما بينهما ; جعلوا الاسمين اسما واحدا وأعربوهما بأخف الحركات .

قال السهيلي : أسماء هذه الكواكب جاء ذكرها مسندا ; رواه الحارث بن أبي أسامة قال : جاء بستانة - وهو رجل من أهل الكتاب - فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأحد عشر كوكبا الذي رأى يوسف فقال : ( الحرثان والطارق والذيال وقابس والمصبح والضروح وذو الكنفات وذو القرع والفليق ووثاب والعمودان ; رآها يوسف - عليه السلام - تسجد له ) .

قال ابن عباس وقتادة : الكواكب إخوته ، والشمس أمه ، والقمر أبوه .

وقال قتادة أيضا : الشمس خالته ، لأن أمه كانت قد ماتت ، وكانت خالته تحت أبيه ." رأيتهم " توكيد .

وقال : رأيتهم لي ساجدين فجاء مذكرا ; فالقول عند الخليل وسيبويه أنه لما أخبر عن هذه الأشياء بالطاعة والسجود وهما من أفعال من يعقل أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل .

وقد تقدم هذا المعنى في قوله : وتراهم ينظرون إليك .

والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته ، وإن كان خارجا عن الأصل .[ ص: 108 ]

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

واعلم أن الله ذكر أنه يقص على رسوله أحسن القصص في هذا الكتاب، ثم ذكر هذه القصة وبسطها، وذكر ما جرى فيها، فعلم بذلك أنها قصة تامة كاملة حسنة، فمن أراد أن يكملها أو يحسنها بما يذكر في الإسرائيليات التي لا يعرف لها سند ولا ناقل وأغلبها كذب، فهو مستدرك على الله، ومكمل لشيء يزعم أنه ناقص، وحسبك بأمر ينتهي إلى هذا الحد قبحا، فإن تضاعيف هذه السورة قد ملئت في كثير من التفاسير، من الأكاذيب والأمور الشنيعة المناقضة لما قصه الله تعالى بشيء كثير.

فعلى العبد أن يفهم عن الله ما قصه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم ينقل.

فقوله تعالى: { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ ْ} يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام: { يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ْ} فكانت هذه الرؤيا مقدمة لما وصل إليه يوسف عليه السلام من الارتفاع في الدنيا والآخرة.

وهكذا إذا أراد الله أمرا من الأمور العظام قدم بين يديه مقدمة، توطئة له، وتسهيلا لأمره، واستعدادا لما يرد على العبد من المشاق، لطفا بعبده، وإحسانا إليه، فأوَّلها يعقوب بأن الشمس: أمه، والقمر: أبوه، والكواكب: إخوته، وأنه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلى حال يخضعون له، ويسجدون له إكراما وإعظاما، وأن ذلك لا يكون إلا بأسباب تتقدمه من اجتباء الله له، واصطفائه له، وإتمام نعمته عليه بالعلم والعمل، والتمكين في الأرض.

وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب، الذين سجدوا له وصاروا تبعا له فيها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( إذ قال يوسف لأبيه ) أي : واذكر إذ قال يوسف لأبيه ويوسف اسم عبري [ عرب ] ، ولذلك لا يجري [ عليه الإعراب ] وقيل هو عربي .

سئل أبو الحسن الأقطع عن يوسف فقال : الأسف في اللغة : الحزن ، والأسيف : العبد ، واجتمعا في يوسف عليه السلام فسمي به .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال : قال عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الصمد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم .

( يا أبت ) قرأ أبو جعفر ، وابن عامر ( يا أبت ) بفتح التاء في جميع القرآن على تقدير : يا أبتاه .

وقرأ الآخرون : ( يا أبت ) بكسر التاء لأن أصله : يا أبت ، والجزم يحرك إلى الكسر .

( إني رأيت أحد عشر كوكبا ) أي نجما من نجوم السماء ، ونصب الكواكب على التفسير .

( والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ( ولم يقل رأيتها إلي ساجدة ، والهاء والميم والياء والنون من كنايات من يعقل ، لأنه لما أخبر عنها بفعل من يعقل عبر عنها بكناية من يعقل كقوله تعالى : ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) ( النمل - 18 ) .

وكان النجوم في التأويل أخواته ، وكانوا أحد عشر رجلا يستضاء بهم كما يستضاء بالنجوم ، والشمس أبوه ، والقمر أمه .

قاله قتادة .

وقال السدي : القمر خالته ، لأن أمه راحيل كانت قد ماتت .

وقال ابن جريج : القمر أبوه والشمس أمه; لأن الشمس مؤنثة والقمر مذكر .

وكان يوسف عليه السلام ابن اثنتي عشرة سنة حين رأى هذه الرؤيا .

وقيل : رآها ليلة الجمعة ليلة القدر.

فلما قصها على أبيه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر «إذ قال يوسف لأبيه» يعقوب «يا أبت» بالكسر دلالة على ياء الإضافة المحذوفة والفتح دلالة على ألف محذوفة قلبت عن الياء «إني رأيت» في المنام «أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم» تأكيد «لي ساجدين» جمع بالياء والنون للوصف بالسجود الذي هو من صفات العقلاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اذكر -أيها الرسول- لقومك قول يوسف لأبيه: إني رأيت في المنام أحد عشر كوكبًا، والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.

فكانت هذه الرؤيا بشرى لِمَا وصل إليه يوسف عليه السلام من علوِّ المنزلة في الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - قصة يوسف - عليه السلام - كمثال لأحسن القصص فقال - تعالى - ( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأبت إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) .و ( إذ ) ظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر .ويوسف : اسم أعجمى ، مشتق - كما يقول الآلوسى - من الأسف ، وسمى به لأسف أبيه عليه .

وأبوه : هو يعقب بن إسحاق بن إبراهيم .

وفى الحديث الصحيح عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم " .وقوله : ( ياأبت ) أصله يا أبى ، فحذفت الياء وعوض عنها تاء التأنيث ، ونقلت إليها كسرة الباء ، ثم فتحت الباء لمناسبة تاء التأنيث .والمعنى : اذكر - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - وقت أن قال يوسف لأبيه ، يا أبت إنى رأيت فى منامى ( أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ) تسجد لى : ورأيت كذلك ( والشمس والقمر ) لى ( سَاجِدِينَ ) .ولم يدرج الشمس والقمر فى الكواكب مع أنهما منها ، لإِظهار مزيتهما ورفعا لشأنهما ، وجملة ( رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) مستأنفة لبيان الحالة التى رآهم عليها .وأجريت هذه الكواكب مجرى العقلاء فى الضمير المختص بها ، لوصفها بوصفهم حيث إن السجود من صفات العقلاء ، والعرب تجمع ما لا يعقلجمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته .قال ابن كثير : " وقد تكلم المفسرون على تبعير هذا المنام : أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته ، وكانوا أحد عشر رجلا ، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه .روى هذا عن ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة وسفيان الثورى ، وعبد الرحمن بن زيد ، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة ، وقيل بعد ثمانين سنة ، وذلك حين رفع أبويه على العرش ، وهو سريره .

وإخوته بين يديه .

.

وخروا له سجدوا وقال : يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل ، قد جعلها ربى حقا .

.

.

" .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: تقدير الآية: اذكر ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ ﴾ قال صاحب الكشاف: الصحيح أنه اسم عبراني، لأنه لو كان عربياً لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف، وقرأ بعضهم ﴿ يُوسُفَ ﴾ بكسر السين ﴿ وَيُوسُفَ ﴾ بفتحها.

وأيضاً روى في يونس هذه اللغات الثلاث، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قيل من الكريم فقولوا الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام».

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء في جميع القرآن، والباقون بكسر التاء.

أما الفتح فوجهه أنه كان في الأصل يا أبتاه على سبيل الندبة، فحذفت الألف والهاء.

وأما الكسر فأصله يا أبي، فحذفت الياء واكتفى بالكسرة عنها ثم أدخل هاء الوقف فقال: ﴿ يا أبت ﴾ ثم كثر استعماله حتى صار كأنه من نفس الكلمة فأدخلوا عليه الإضافة، وهذا قول ثعلب وابن الأنباري.

واعلم أن النحويين طولوا في هذه المسألة، ومن أراد كلامهم فليطالع كتبهم.

المسألة الثالثة: أن يوسف عليه السلام رأى في المنام أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر سجدت له، وكان له أحد عشر نفراً من الأخوة، ففسر الكواكب بالأخوة، والشمس والقمر بالأب والأم، والسجود بتواضعهم له ودخولهم تحت أمره، وإنما حملنا قوله: ﴿ لاِبِيهِ ياأبت إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ﴾ على الرؤيا لوجهين: الأول: أن الكواكب لا تسجد في الحقيقة، فوجب حمل هذا الكلام على الرؤيا.

والثاني: قول يعقوب عليه السلام: ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ على إِخْوَتِكَ  ﴾ وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: قوله: ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ ﴾ فقوله: ﴿ ساجدين ﴾ لا يليق إلا بالعقلاء، والكواكب جمادات، فكيف جازت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في حق الجمادات.

قلنا: إن جماعة من الفلاسفة الذين يزعمون أن الكواكب أحياء ناطقة احتجوا بهذه الآية، وكذلك احتجوا بقوله تعالى: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ﴾ والجمع بالواو والنون مختص بالعقلاء.

وقال الواحدي: إنه تعالى لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل، فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ  ﴾ وكما في قوله: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ .

السؤال الثاني: قال: ﴿ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر ﴾ ثم أعاد لفظ الرؤيا مرة ثانية، وقال: ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ ﴾ فما الفائدة في هذا التكرير؟

الجواب: قال القفال رحمه الله: ذكر الرؤية الأولى لتدل على أنه شاهد الكواكب والشمس والقمر، والثانية لتدل على مشاهدة كونها ساجدة له، وقال بعضهم: إنه لما قال: ﴿ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر ﴾ فكأنه قيل له: كيف رأيت؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين، وقال آخرون: يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤية، وهذا القائل لم يبين أن أيهما يحمل على الرؤيا وأيهما الرؤيا فذكر قولاً مجملاً غير مبين.

السؤال الثالث: لم أخر الشمس والقمر؟

قلنا: أخرهما لفضلهما على الكواكب، لأن التخصيص بالذكر يدل على مزيد الشرف كما في قوله: ﴿ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ .

السؤال الرابع: المراد بالسجود نفس السجود أو التواضع كما في قوله: ترى الأكم فيه سجداً للحوافر *** قلنا: كلاهما محتمل، والأصل في الكلام حمله على حقيقته ولا مانع أن يرى في المنام أن الشمس والقمر والكواكب سجدت له.

السؤال الخامس: متى رأى يوسف عليه السلام هذه الرؤيا؟

قلنا: لا شك أنه رآها حال الصغر، فأما ذلك الزمان بعينه فلا يعلم إلا بالأخبار.

قال وهب: رأى يوسف عليه السلام وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى ابتلعتها فذكر ذلك لأبيه فقال إياك أن تذكر هذا لأخوتك ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال لا تذكرها لهم فيكيدوا لك كيداً.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومصير أخوته إليه أربعون سنة وقيل: ثمانون سنة.

واعلم أن الحكماء يقولون إن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب، والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين.

قالوا: والسبب في ذلك أن رحمة الله تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل، وأما الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدماً على ظهوره بزمان طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حصول ذلك الخير أكثر وأتم.

السؤال السادس: قال بعضهم: المراد من الشمس والقمر أبوه وخالته فما السبب فيه؟

قلنا: إنما قالوا ذلك من حيث ورد في الخبر أن والدته توفيت وما دخلت عليه حال ما كان بمصر قالوا: ولو كان المراد من الشمس والقمر أباه وأمه لما ماتت لأن رؤيا الأنبياء عليهم السلام لابد وأن تكون وحياً وهذه الحجة غير قوية لأن يوسف عليه السلام ما كان في ذلك الوقت من الأنبياء.

السؤال السابع: وما تلك الكواكب؟

قلنا: روى صاحب الكشاف أن يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام وأخبره بذلك فقال عليه الصلاة والسلام لليهودي: «إن أخبرتك هل تسلم» قال نعم قال: «جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلت من السماء وسجدت له» فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها.

واعلم أن كثيراً من هذه الأسماء غير مذكور في الكتب المصنفة في صورة الكواكب والله أعلم بحقيقة الحال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ ﴾ بدل من أحسن القصص، وهو من بدل الاشتمال، لأن الوقت مشتمل على القصص وهو المقصوص، فإذا قصَّ وقته فقد قص.

أو بإضمار (اذكر) ويوسف اسم عبراني، وقيل عربي وليس بصحيح؛ لأنه لو كان عربياً لانصرف لخلوّه عن سبب آخر سوى التعريف.

فإن قلت: فما تقول فيمن قرأ: ﴿ يوسِف ﴾ بكسر السين، أو ﴿ يوسَف ﴾ بفتحها، هل يجوز على قراءته أن يقال (هو عربي) لأنه على وزن المضارع المبني للفاعل أو المفعول من آسف.

وإنما منع الصرف للتعريف ووزن الفعل؟

قلت: لا؛ لأنّ القراءة المشهورة قامت بالشهادة، على أن الكلمة أعجمية، فلا تكون عربية تارة وأعجمية أخرى، ونحو يوسف: يونس، رويت فيه هذه اللغات الثلاث ولا يقال هو عربي لأنه في لغتين منها بوزن المضارع من آنس وأونس.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قيل: من الكريم؟

فقولوا: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» ﴿ يا أبت ﴾ قرئ بالحركات الثلاث.

فإن قلت: ما هذه التاء؟

قلت: تاء تأنيث وقعت عوضاً من ياء الإضافة، والدليل على أنها تاء تأنيث قلبها هاء في الوقف.

فإن قلت: كيف جاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر؟

قلت: كما جاز نحو قولك: حمامة ذكر وشاة ذكر، ورجل ربعة، وغلام يفعة.

فإن قلت: فلم ساغ تعويض تاء التأنيث من ياء الإضافة؟

قلت: لأنّ التأنيث والإضافة يتناسبان في أنّ كل واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره.

فإن قلت فما هذه الكسرة؟

قلت: هي الكسرة التي كانت قبل الياء في قولك: يا أبي، قد زحلقت إلى التاء، لاقتضاء تاء التأنيث أن يكون ما قبلها مفتوحاً: فإن قلت: فما بال الكسرة لم تسقط بالفتحة التي اقتضتها التاء وتبقى التاء ساكنة؟

قلت: امتنع ذلك فيها، لأنها اسم، والأسماء حقها التحريك لأصالتها في الإعراب، وإنما جاز تسكين الياء وأصلها أن تحرّك تخفيفاً، لأنها حرف لين.

وأما التاء فحرف صحيح نحو كاف الضمير، فلزم تحريكها.

فإن قلت: يشبه الجمع بين التاء وبين هذه الكسرة الجمع بين العوض والمعوّض منه، لأنها في حكم الياء، إذا قلت: يا غلام، فكما لا يجوز ﴿ يا أبتي ﴾ لا يجوز ﴿ يا أبت ﴾ .

قلت الياء والكسرة قبلها شيآن والتاء عوض من أحد الشيئين، وهو الياء والكسرة غير متعرض لها، فلا يجمع بين العوض والمعوض منه، إلا إذا جمع بين التاء والياء لا غير.

ألا ترى إلى قولهم ﴿ يا أبتا ﴾ مع كون الألف فيه بدلا من التاء، كيف جاز الجمع بينها وبين التاء، ولم يعد ذلك جمعاً بين العوض والمعوّض منه، فالكسرة أبعد من ذلك.

فإن قلت: فقد دلت الكسرة في يا غلام على الإضافة؛ لأنها قرينة الياء ولصيقتها.

فإن دلت على مثل ذلك في ﴿ يا أبت ﴾ فالتاء المعوّضة لغو: وجودها كعدمها.

قلت: بل حالها مع التاء كحالها مع الياء إذا قلت يا أبي.

فإن قلت: فما وجه من قرأ بفتح التاء وضمها؟

قلت: أما من فتح فقد حذف الألف من ﴿ يا أبتا ﴾ واستبقى الفتحة قبلها، كما فعل من حذف الياء في (يا غلام) ويجوز أن يقال: حركها بحركة الباء المعوض منها في قولك (يا أبي).

وأما من ضم فقد رأى اسماً في آخره تاء تأنيث، فأجراه مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء فقال: (يا أبت) كما تقول (ياتبة) من غير اعتبار لكونها عوضاً من ياء الإضافة، وقرئ: (إني رأيت) بتحريك الياء.

(وأحد عشر) بسكون العين، تخفيفاً لتوالي المتحركات فيما هو في حكم اسم واحد، وكذا إلى تسعة عشر، إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان، ورأيت من الرؤيا، لا من الرؤية، لأنَّ ما ذكره معلوم أنه منام؛ لأنّ الشمس والقمر لو اجتمعا مع الكواكب ساجدة ليوسف في حال اليقظة، لكانت آية عظيمة ليعقوب عليه السلام، ولما خفيت عليه وعلى الناس.

فإن قلت: ما أسماء تلك الكواكب؟

قلت: روى جابر أنّ يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أخبرني عن النجوم التي رآهنّ يوسف، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي «إن أخبرتك هل تسلم» ؟

قال: نعم.

قال: «جريان، والطارق، والذيال، وقابس، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، والفرغ، ووثاب، وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له» فقال اليهودي: إي والله، إنها لأسماؤها.

وقيل: الشمس والقمر أبواه.

وقيل: أبوه وخالته.

والكواكب: إخوته وعن وهب أنّ يوسف رأى وهو ابن سبع سنين أنّ إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة، وإذا عصا صغير تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها، فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له، فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم، فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل: ثمانون.

فإن قلت لم أخر الشمس والقمر؟

قلت: أخرهما ليعطفهما على الكواكب على طريق الاختصاص، بياناً لفضلهما واستبدادهما بالمزية على غيرهما من الطوالع، كما أخر جبريل، وميكائيل عن الملائكة، ثم عطفهما عليها لذلك، ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع، أي: رأيت الكواكب مع الشمس والقمر.

فإن قلت: ما معنى تكرار رأيت قلت: ليس بتكرار، إنما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جواباً له، كأن يعقوب عليه السلام قال له عند قوله: ﴿ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ﴾ كيف رأيتها سائلاً عن حال رؤيتها؟

فقال: ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ ﴾ فإن قلت: فلم أجريت مجرى العقلاء في رأيتهم لي ساجدين؟

قلت: لأنه لما وصفها بماهو خاص بالعقلاء وهو السجود.

أجرى عليها حكمهم، كأنها عاقلة، وهذا كثير شائع في كلامهم، أن يلابس الشيء الشيء من بعض الوجوه، فيعطى حكماً من أحكامه إظهاراً لأثر الملابسة والمقاربة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ قالَ يُوسُفُ ﴾ بَدَلٌ مِن أحْسَنَ القَصَصِ إنْ جُعِلَ مَفْعُولًا بَدَلَ الِاشْتِمالِ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ و ﴿ يُوسُفُ ﴾ عِبْرِيٌّ ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا لَصُرِفَ.

وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها عَلى التَّلَعُّبِ بِهِ لا عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ مِن آسَفَ لِأنَّ المَشْهُورَةَ شَهِدَتْ بِعُجْمَتِهِ.

﴿ لأبِيهِ ﴾ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ» .

﴿ يا أبَتِ ﴾ أصْلُهُ يا أبِي فَعُوِّضَ عَنِ الياءِ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتُناسِبَهُما في الزِّيادَةِ ولِذَلِكَ قَلَبَها هاءً في الوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وكَسَرَها لِأنَّها عِوَضُ حَرْفٍ يُناسِبُها، وفَتَحَها ابْنُ عامِرٍ في كُلِّ القُرْآنِ لِأنَّها حَرَكَةُ أصْلِها أوْ لِأنَّهُ كانَ يا أبَتا فَحَذَفَ الألِفَ وبَقِيَ الفَتْحَةُ، وإنَّما جازَ يا أبَتا ولَمْ يَجُزْ يا أبَتِي لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ.

وقُرِئَ بِالضَّمِّ إجْراءً لَها مَجْرى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ بِالتّاءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّعْوِيضِ، وإنَّما لَمْ تُسَكَّنْ كَأصْلِها لِأنَّها حَرْفٌ صَحِيحٌ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الِاسْمِ فَيَجِبُ تَحْرِيكُها كَكافِ الخِطابِ.

﴿ إنِّي رَأيْتُ ﴾ مِنَ الرُّؤْيا لا مِنَ الرُّؤْيَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ ﴾ ﴿ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ .

رُوِيَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ يَهُودِيًّا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ أخْبِرْنِي يا مُحَمَّدُ عَنِ النُّجُومِ الَّتِي رَآهُنَّ يُوسُفُ، فَسَكَتَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ إذا أخْبَرْتُكَ هَلْ تُسْلِمُ قالَ نَعَمْ، قالَ جَرَيانُ والطّارِقُ والذَّيّالُ وقابِسٌ وعَمُودانِ والفُلَّيْقُ والمُصْبِحُ والضَّرُوحُ والفُرُغُ ووَثّابٌ وذُو الكَتِفَيْنِ رَآها يُوسُفُ والشَّمْسُ والقَمَرُ نَزَلْنَ مِنَ السَّماءِ وسَجَدْنَ لَهُ فَقالَ اليَهُودِيُّ إي واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها» ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ الَّتِي رَآهم عَلَيْها فَلا تَكْرِيرَ وإنَّما أُجْرِيَتْ مَجْرى العُقَلاءِ لِوَصْفِها بِصِفاتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِذْ قَالَ} بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص أو التقدير أذكر إذ قال {يُوسُفَ} اسم عبراني لا عربى إذ لو كان عريبا نصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف {لأَبِيهِ} يعقوب {يا أبت} أبتَ شامي وهي تاء تأنيث عوضت عن ياء الإضافة لتناسبهما لأن كل واحدة منهما زائدة فى آخر الإسم ولهذه قلبت هاء في الوقف وجاز إلحاق تاء الإضافة لتناسبهما لأن كل واحدة منهما زائدة فى آخر الإسم ولهذه قلبت هاء في الوقف وجاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر كما في رجل ربعة وكسرت التاء لتدل على الياء المحذوفة ومن فتح التاء فقد حذف الألف من يا أبتا واستبقى الفتحة قبلها كما فعل من حذف الياء في يا غلام {إِنّى رَأَيْتُ} من الرؤيا لا من الرؤية {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} أسماؤها ببيان النبي عليه السلام جريان والذيال والطارق وقابس وعمودان والفليق والمصبح والصروح والفرغ

ووثاب وذوالكتفين {والشمس والقمر} هما أبواه أو أبوه وخالته والكواكب إخوته قيل الواو بمعنى مع أي رأيت الكواكب مع الشمس والقمر وأجريت مجرى العقلاء في {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} لأنه وصفها بما هو المختص بالعقلاء وهو السجود وكررت الرؤيا لأن الأولى تتعلق بالذات والثانية بالحال أو الثانة كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جواباً له كأن أباه قال له كيف رأيتها فقال رأيتهم لي ساجدين أي متواضعين وهو حال وكان ابن اثنتى عشر سنة يومئذ وكان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة أو ثمانون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إذْ قالَ يُوسُفُ ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ -اذْكُرْ- بِناءً عَلى تَصَرُّفِها، وذِكْرُ الوَقْتِ كِنايَةٌ عَنْ ذِكْرِ ما حَدَثَ فِيهِ، والكَلامُ شُرُوعٌ في إنْجازِ ما وعَدَ سُبْحانَهُ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ العامِلَ في (إذِ) الغافِلِينَ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها (نَقُصُّ)، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ عَلى مَعْنى نَقُصُّ عَلَيْكَ الحالَ (إذْ) إلَخْ، وهي لِلْوَقْتِ المُطْلَقِ المُجَرَّدِ عَنِ اعْتِبارِ المُضِيِّ، وفي كِلا الوَجْهَيْنِ ما فِيهِ.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ بَقاءَها عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ وأنَّ العامِلَ فِيها (قالَ يا بُنَيَّ) كَما تَقُولُ: إذْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها بَدَلًا مِن (أحْسَنَ القَصَصِ) عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ مَفْعُولًا بِهِ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وأوْرَدَ أنَّهُ إذا كانَ بَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ يَكُونُ الوَقْتُ مَقْصُوصًا ولا مَعْنى لَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ لازَمَهُ وهو اقْتِصاصُ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ اقْتِصاصَ وقْتِ القَوْلِ مَلْزُومٌ لِاقْتِصاصِ القَوْلِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ أوْ كُلٍّ لا اشْتِمالٍ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ ما ذَكَرَ لَوْ كانَ الوَقْتُ بِمَعْنى القَوْلِ، وهو إمّا عَيْنُ المَقْصُوصِ أوْ بَعْضُهُ، أمّا لَوْ بَقِيَ عَلى مَعْناهُ وجُعِلَ مَقْصُوصًا بِاعْتِبارِ ما فِيهِ فَلا يَرُدُّ الِاعْتِراضَ.

هَذا ولَمْ يُجَوِّزُوا البَدَلِيَّةَ عَلى تَقْدِيرِ نَصْبِ ﴿ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِعَدَمِ صِحَّةِ المَعْنى حِينَئِذٍ وبِقِيامِ المانِعِ عَرَبِيَّةٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ المَقْصُوصَ في ذَلِكَ الوَقْتُ لا الِاقْتِصاصُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ مَصْدَرٌ فَلَوْ كانَ الظَّرْفُ بَدَلًا وهو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ لَكانَ مَصْدَرًا أيْضًا وهو غَيْرُ جائِزٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَأْوِيلِهِ بِالفِعْلِ، وأوْرَدَ عَلى هَذا أنَّ المَصْدَرَ كَما يَكُونُ ظَرْفًا نَحْوَ أتَيْتُكَ طُلُوعَ الشَّمْسِ يَكُونُ الظَّرْفُ أيْضًا مَصْدَرًا ومَفْعُولًا مُطْلَقًا لِسَدِّهِ مَسَدَّ المَصْدَرِ كَما في قَوْلِهِ: لَمْ تَغْتَمِضْ عَيْناكَ لَيْلَةَ أرْمَدَ.

فَإنَّهم صَرَّحُوا -كَما في التَّسْهِيلِ وشُرُوحِهِ- أنَّ لَيْلَةَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيِ اغْتِماضُ لَيْلَةٍ، وما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ التَّأْوِيلِ بِالفِعْلِ فَهو مِنَ الأوْهامِ الفارِغَةِ، نَعَمْ إذا نابَ عَنِ المَصْدَرِ فَفي كَوْنِهِ بَدَلَ اشْتِمالٍ شُبْهَةٌ وهو شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرَ، وعَلى الأوَّلِ أنَّهُ وإنْ لَمْ يَشْتَمِلِ الوَقْتُ عَلى الِاقْتِصاصِ فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى المَقْصُوصِ فَلِمَ لَمْ تَجُزِ البَدَلِيَّةُ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ؟

ورُدَّ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ المُلابَسَةِ لا تُصَحِّحُ البَدَلِيَّةَ، ونُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ أنَّ الِاشْتِمالَ لَيْسَ كاشْتِمالِ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ، بَلْ كَوْنُهُ دالًّا عَلَيْهِ إجْمالًا ومُتَقاضِيًا لَهُ بِوَجْهٍ ما بِحَيْثُ تَبْقى النَّفْسُ عِنْدَ ذِكْرِ الأوَّلِ مُتَشَوِّقَةً إلى الثّانِي مُنْتَظِرَةً لَهُ، فَيَجِيءُ الثّانِي مُبَيِّنًا لِما أُجْمِلُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَكُنْ بَدَلَ غَلَطٍ وعَلى هَذا يُقالُ في عَدَمِ صِحَّةِ البَدَلِيَّةِ: إنَّ النَّفْسَ إنَّما تَتَشَوَّقُ لِذِكْرِ وقْتِ الشَّيْءِ لا لِذِكْرِ وقْتٍ لازَمَهُ، ووَقْتُ القَوْلِ لَيْسَ وقْتًا لِلِاقْتِصاصِ، و(يُوسُفُ) عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ لا عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأسَفِ وسُمِّيَ بِهِ لِأسَفِ أبِيهِ عَلَيْهِ، أوْ أسَفِهِ عَلى أبِيهِ أوْ أسَفِ مَن يَراهُ عَلى مُفارَقَتِهِ لِمَزِيدِ حُسْنِهِ كَما قِيلَ، وإلّا لانْصَرَفَ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ العَلَمِيَّةِ ولا يُتَوَهَّمَنَّ أنَّ فِيهِ وزْنَ الفِعْلِ أيْضًا إذْ لَيْسَ لَنا فِعْلٌ مُضارِعٌ مَضْمُومُ الأوَّلِ والثّالِثِ، وكَذا يُقالُ في يُونُسَ، وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها عَلى ما هو الشّائِعُ في الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ مِنَ التَّغْيِيرِ لا عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ أوْ لِلْفاعِلِ مِن آسَفَ، لِأنَّ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ شَهِدَتْ بِعَجَمِيَّتِهِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أعْجَمِيًّا وغَيْرَ أعْجَمِيٍّ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لَكِنْ فِي الصِّحاحِ أنَّ يَعْفُرَ ولَدُ الأسْوَدِ الشّاعِرِ إذا قُلْتَهُ بِفَتْحِ الياءِ لَمْ تَصْرِفْهُ لِأنَّهُ مِثْلُ يَقْتُلُ.

وقالَ يُونُسُ: سَمِعْتُ رُؤْبَةَ يَقُولُ: أسْوَدُ بْنُ يُعْفُرَ بِضَمِّ الياءِ وهَذا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ قَدْ زالَ عَنْهُ شَبَهُ الفِعْلِ، اهـ.

وصَرَّحُوا بِأنَّ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأنَّ الأخْفَشَ خالَفَهُ فَمَنَعَ صَرْفَهُ لِعُرُوضِ الضَّمِّ لِلْإتْباعِ، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ والكَسْرِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وكَذا عَلى قِراءَةِ الضَّمِّ بِناءً عَلى ما يَقُولُهُ الأخْفَشُ ويَلْتَزِمُ كَوْنُ ضُمَّ ثالِثُهُ إتْباعًا لِضَمِّ أوَّلِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ عَرَبِيًّا لَوَقَعَ فِيهِ الخِلافُ كَما وقَعَ في يَعْفُرَ، والظّاهِرُ أنَّ أعْجَمِيَّتَهُ مُتَحَقِّقَةٌ عِنْدَهم ولِذا التَزَمُوا مَنعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لَها ولِلْعَلَمِيَّةِ ولا التِفاتَ لِذَلِكَ الِاحْتِمالِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ -يُؤْسَفُ- بِالهَمْزِ وفَتْحِ السِّينِ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الضَّمُّ والكَسْرُ مَعَ الهَمْزِ أيْضًا فَيَكُونُ فِيهِ سِتُّ لُغاتٍ ( لِأبِيهِ ) يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: "قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ».

نَسَبٌ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن شَمْسِ الضُّحى نُورًا ومِن ضَوْءِ الصَّباحِ عَمُودًا ( يا أبَت ) أصْلُهُ يا أبِي فَعَوَّضْ عَنِ الياءِ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَناسُبِهِما في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ، ويُضَمُّ إلى الِاسْمِ في آخِرِهِ ولِهَذا قَلَبَها هاءً في الوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ، وخالَفَ الباقُونَ فَأبْقَوْها تاءً في الوَقْفِ وكُسِرَتْ لِأنَّها عِوَضٌ عَنِ الياءِ الَّتِي هي أُخْتُ الكَسْرَةِ فَحُرِّكَتْ بِحَرَكَةٍ تُناسِبُ أصْلَها لا لِتَدُلَّ عَلى الياءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالجَمْعِ بَيْنَ عِوَضَيْنِ أوْ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوِّضِ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الكَسْرَةَ كَسْرَةَ الياءِ زُحْلِقَتْ إلى التّاءِ لِما فُتِحَ ما قَبْلُها لِلُزُومِ فَتْحِ ما قَبْلَ تاءِ التَّأْنِيثِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ بِفَتْحِها لِأنَّ أصْلَها وهو الياءُ إذا حُرِّكَ حُرِّكَ بِالفَتْحِ، وقِيلَ: لِأنَّ أصْلَ ( يا أبَتِ ) يا أبَتا بِأنْ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ وأُبْقِيَتْ فَتْحَتُها دَلِيلًا عَلَيْها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ يا أبَتا ضَعِيفٌ كَيا أبَتِي حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يَخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ كَقَوْلِهِ.

يا أبَتا عَلَّكَ أوْ عَساكا.

وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ: إنَّ الألِفَ المَحْذُوفَةَ مِن يا أبَتا لِلنُّدْبَةِ، ورُدَّ بِأنَّ المَوْضِعَ لَيْسَ مَوْضِعَ نُدْبَةٍ، وعَنْ قُطْرُبٍ أنَّ الأصْلَ -يا أبَةٍ- بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ والنِّداءُ بابُ حَذْفٍ، ورُدَّ بِأنَّ التَّنْوِينَ لا يُحْذَفُ مِنَ المُنادى المَنصُوبِ نَحْوَ يا ضارِبًا رَجُلًا، وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ إجْراءً لَها مَجْرى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ بِالتّاءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّعْوِيضِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ضَمَّ المُنادى المُضافِ شاذٌّ وإنَّما لَمْ تُسَكَّنْ مَعَ أنَّ الباءَ الَّتِي وقَعَتْ هي عِوَضًا عَنْها تُسَكَّنُ لِأنَّها حَرْفٌ صَحِيحٌ مُنْزَلٌ مَنزِلَةَ الِاسْمِ فَيَجِبُ تَحْرِيكُها كَكافِ الخِطابِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الياءَ أُبْدِلَتْ تاءً لِأنَّها تَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّعْظِيمِ في نَحْوِ عَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والأبُ والأُمُّ مَظِنَّةُ التَّعْظِيمِ، فَعَلى هَذا لا حَذْفَ ولا تَعْوِيضَ، والتّاءُ حِينَئِذٍ اسْمٌ، فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّ الِاسْمَ إذا كانَ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وأُبْدِلَ لا يَخْرُجُ عَنْ الِاسْمِيَّةِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ التّاءَ لِمُجَرَّدِ التَّأْنِيثِ وياءُ الإضافَةِ مُقَدَّرَةٌ، ويَأْباهُ عَدَمُ سَماعِ يا أبَتِي في السِّعَةِ، وكَذا سَماعُ فَتْحِها عَلى ما قِيلَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ تاءَ لاتَ لِلتَّأْنِيثِ عِنْدَ الجُمْهُورِ وكَذا تاءُ رُبَّتْ وثَمَّتْ وهِيَ مَفْتُوحَةٌ ﴿ إنِّي رَأيْتُ ﴾ أيْ في المَنامِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ ﴾ و(هَذا) تَأْوِيلُ رُؤْيايَ، فَإنَّ مَصْدَرَ رَأى الحُلْمِيَّةِ الرُّؤْيا ومَصْدَرُ البَصْرِيَّةِ الرُّؤْيَةُ في المَشْهُورِ، ولِذا خُطِّئَ المُتَنَبِّي في قَوْلِهِ.

ورُؤْياكَ أحْلى في العُيُونِ مِنَ الغَمْضِ.

وذَهَبَ السُّهَيْلِيُّ، وبَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ إلى أنَّ الرُّؤْيا سُمِعَتْ مِنَ العَرَبِ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ لَيْلًا ومُطْلَقًا، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِكَوْنِ رَأى حُلْمِيَّةً بِأنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ يَقَظَةً وهو أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ لَشاعَ وعُدَّ مُعْجِزَةً لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ إرْهاصًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في زَمانٍ يَسِيرٍ مِنَ اللَّيْلِ والنّاسُ غافِلُونَ، والحَقُّ أنَّها حُلْمِيَّةٌ، ومِثْلُ هَذا الِاحْتِمالِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (إنِّيَ) بِفَتْحِ الياءِ ﴿ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ﴾ وهي جِرْبانُ، والطّارِقُ، والذَّيّالُ، وقابِسُ، وعَمُودانِ، والفَيْلَقُ، والمُصْبِحُ والفَزِعُ ووَثّابُ وذُو الكَتِفَيْنِ، والضَّرُوجُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جابِرٍ «أنَّ سِنانًا اليَهُودِيَّ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أخْبِرْنِي يا مُحَمَّدُ عَنِ النُّجُومِ الَّتِي رَآهُنَّ يُوسُفُ فَسَكَتَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلْ أنْتَ مُؤْمِنٌ إنْ أخْبَرْتُكَ؟

قالَ: نَعَمْ، فَعَدَّ  ما ذُكِرَ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: أيْ واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها».

وأخْرَجَ السُّهَيْلِيُّ عَنِ الحَرْثِ بْنِ أبِي أُسامَةَ نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ النَّطْحَ بَدَلَ المُصْبِحِ، وأخْرَجَ الخَبَرَ الأوَّلَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وأهْلُ الأخْبارِ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، وقالَ: إنَّهُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ وابْنُ الجَوْزِيِّ: إنَّهُ مُنْكَرٌ مَوْضُوعٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ وغَيْرُهُما (أحَدَ عَشْرَ) بِسُكُونِ العَيْنِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ ولِيَظْهَرَ جَعْلُ الِاسْمَيْنِ اسْمًا واحِدًا، ( والشَّمْس والقَمَر ) عَطْفٌ عَلى ما قَبْلُ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الواوَ لِلْمَعِيَّةِ ولَيْسَ بِذاكَ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ وعَدَمِ الِانْدِراجِ في عُمُومِ الكَواكِبِ لِاخْتِصاصِهِما بِالشَّرَفِ وتَأْخِيرِهِما لِأنَّ سُجُودَهُما أبْلَغُ وأعْلى كَعْبًا، فَهو مِن بابٍ لا يَعْرِفُهُ فُلانٌ ولا أهْلُ بَلَدِهِ، وتَقْدِيمُ الشَّمْسِ عَلى القَمَرِ لِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ القُرْآنِ إذا جَمَعَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وكانَ ذَلِكَ إمّا لِكَوْنِها أعْظَمَ جُرْمًا وأسْطَعَ نُورًا وأكْثَرَ نَفْعًا مِنَ القَمَرِ وإمّا لِكَوْنِها أعْلى مَكانًا مِنهُ وكَوْنِ فَلَكِها أبْسَطَ مِن فَلَكِهِ عَلى ما زَعَمَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ وكَثِيرٌ مِن غَيْرِهِمْ، وإمّا لِأنَّها مُفِيضَةُ النُّورِ عَلَيْهِ كَما ادَّعاهُ غَيْرُ واحِدٍ، واسْتَأْنَسَ لَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا ﴾ وإنَّما أوْرَدَ الكَلامَ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ ولَمْ يَطْوِ ذِكْرَ العَدَدِ لِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ أنْ يَتَطابَقَ المَنامُ ومَن هو في شَأْنِهِمْ وبِتَرْكِ العَدَدِ يَفُوتُ ذَلِكَ ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ اسْتَظْهَرَ في البَحْرِ أنَّ ( رَأيْتُهم ) تَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ تَطْرِيَةً لِلْعَهْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ ﴾ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ التَّأْسِيسَ وأنَّ الكَلامَ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ كَيْفَ رَأيْتَها؟

سائِلًا عَنْ حالِ رُؤْيَتِها فَقالَ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ وكَأنَّهُ لا يَرى أنَّ رَأى الحُلْمِيَّةَ مِمّا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كالعِلْمِيَّةِ لِيَلْتَزِمَ كَوْنُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْفِعْلِ الأوَّلِ مَحْذُوفًا، ويَرى أنَّها تَتَعَدّى لِواحِدٍ كالبَصَرِيَّةِ فَلا حَذْفَ، و( ساجِدِينَ ) حالٌ عِنْدَهُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُهُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّها تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ولا يُحْذَفُ ثانِيهُما اقْتِصارًا.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ القَوْلَ بِالتَّعَدِّي إلى ما ذَكَرَ إلّا أنَّهُ يَقُولُ بِجَوازِ ما مَنَعُوهُ مِنَ الحَذْفِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ سالِمٌ عَنِ المُخالَفَةِ، والنَّظَرِيَّةُ أمْرٌ مَعْهُودٌ في الكِتابِ الجَلِيلِ، وإنَّما أُجْرِيَتْ هَذِهِ المُتَعاطِفاتُ مَجْرى العُقَلاءِ في الضَّمِيرِ جَمْعَ الصِّفَةِ لِوَصْفِها بِوَصْفِ العُقَلاءِ أعْنِي السُّجُودَ سَواءٌ كانَ المُرادُ مِنهُ التَّواضُعَ أوِ السُّجُودَ الحَقِيقِيَّ، وإعْطاءُ الشَّيْءِ المُلابِسِ لِآخَرَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ حُكْمًا مِن أحْكامِهِ إظْهارًا لِأثَرِ المُلابَسَةِ والمُقارَبَةِ شائِعٌ في الكَلامِ القَدِيمِ والحَدِيثِ، وفي الكَلامِ عَلى ما قِيلَ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْدِيدِ المَذْكُوراتِ بِقَوْمٍ عُقَلاءَ ساجِدِينَ، والضَّمِيرُ والسُّجُودُ قَرِينَةٌ أوْ أحَدُهُما قَرِينَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ والآخَرُ تَرْشِيحٌ.

وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ إلى أنَّ الكَواكِبَ أحْياءٌ ناطِقَةٌ، واسْتَدَلَّ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها، وكَثِيرٌ مِن ظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ يَشْهَدُ لَهُمْ، ولَيْسَ في القَوْلِ بِذَلِكَ إنْكارُ ما هو مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِإظْهارِ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ مَعَ ما في ضِمْنِهِ عَلى ما قِيلَ: مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ، وكانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ فِيما قِيلَ: لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ أنَّها كانَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ، ولَعَلَّهُ لا مُنافاةَ لِظُهُورِ إمْكانِ كَوْنِ لَيْلَةٍ واحِدَةٍ لَيْلَةَ القَدْرِ ولَيْلَةَ الجُمُعَةِ، واسْتُشْكِلَ كَوْنُها في لَيْلَةِ القَدْرِ بِأنَّها مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما هو مِنَ الخَواصِّ تَضْعِيفُ ثَوابِ العَمَلِ فِيها إلى ما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وكانَ عُمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَأى ذَلِكَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فِيما يُرْوى عَنْ وهْبٍ.

وقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَدْ رَأى قَبْلُ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أنَّ إحْدى عَشْرَةَ عَصا طِوالًا كانَتْ مَرْكُوزَةً في الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدّائِرَةِ وإذا عَصا صَغِيرَةٌ تَثِبُ عَلَيْها حَتّى اقْتَلَعَتْها وغَلَبَتْها فَوَصَفَ ذَلِكَ لِأبِيهِ فَقالَ: إيّاكَ أنْ تَذْكُرَ هَذا لِإخْوَتِكَ، وتَعْبِيرُ هَذِهِ العِصِيِّ الإحْدى عَشْرَةَ هو بِعَيْنِهِ تَعْبِيرُ الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما إشارَةٌ إلى إخْوَتِهِ، ولَيْسَ في الرُّؤْيا الأُولى ما يُشِيرُ إلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ في الرُّؤْيَةِ الثّانِيَةِ، ولا ضَرُورَةَ إلى التِزامِ القَوْلِ بِاتِّحادِ المَنامَيْنِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في كُلِّ أحَدَ عَشَرَ شَيْئًا إلّا أنَّ ذَلِكَ في الأوَّلِ عِصِيٌّ وفي الثّانِي كَواكِبُ، ويَكُونُ عَطْفُ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ مِيكائِيلَ وجِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى المَلائِكَةِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ بَعْضِهِمْ، وعُبِّرَتِ الشَّمْسُ بِأبِيهِ والقَمَرُ بِأُمِّهِ اعْتِبارًا لِلْمَكانِ والمَكانَةِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ القَمَرَ خالَتُهُ لِأنَّ أُمَّهُ راحِيلَ قَدْ ماتَتْ، والقَوْلُ: بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياها بَعْدُ لِتَصْدِيقِ رُؤْياهُ لا يَخْفى حالُهُ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الشَّمْسَ أُمُّهُ والقَمَرَ أبُوهُ، وهو اعْتِبارٌ لِلتَّأْنِيثِ والتَّذْكِيرِ، وقَدْ تُعَبَّرُ الشَّمْسُ بِالمُلْكِ وبِالذَّهَبِ وبِالزَّوْجَةِ الجَمِيلَةِ، والقَمَرُ بِالأمِيرِ، والكَواكِبُ بِالرُّؤَساءِ وكَذا بِالعُلَماءِ أيْضًا.

وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رُؤْيَةَ القَمَرِ تُؤَوَّلُ عَلى سَبْعَةَ عَشَرَ وجْهًا، مَلِكٌ أوْ وزِيرٌ أوْ نَدِيمُ المَلِكِ أوْ رَئِيسٌ، أوْ شَرِيفٌ أوْ جارِيَةٌ، أوْ غُلامٌ، أوْ أمْرٌ باطِلٌ، أوْ والٍ، أوْ عالِمٌ مُفْسِدٌ، أوْ رَجُلٌ مُعَظَّمٌ، أوْ والِدٌ، أوْ والِدَةٌ، أوْ زَوْجَةٌ، أوْ بَعْلٌ لَها، أوْ ولَدٌ أوْ عَظَمَةٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِلافِ الرّائِي وكَيْفِيَّةِ الرُّؤْيَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ رَأى الكَواكِبَ ولا الشَّمْسَ والقَمَرَ وإنَّما رَأى إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحَةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ويَكادُ يُعَدُّ مِن كَلامِ النّائِمِ، ويُؤَيِّدُ ظاهِرُ ما نَقَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ قَدْ نَزَلَتْ فَسَجَدَتْ لَهُ فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أبِيهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ- وذلك أن المسلمين قالوا لسلمان: أخبرنا عن التوراة فإن فيها العجائب.

فأنزل الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (١)  تمنوا نزول سورة عليهم، لا يكون فيها أمر ونهي وأحكام وحدود، فنزلت هذه السورة.

ويقال: كانت اليهود تفاخروا بأن لهم قصة يوسف مذكورة في التوراة، فنزلت هذه السورة أفصح من لغة اليهود، فذهب افتخارهم على المسلمين.

فقال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ سماه الله في ابتدائه أحسن القصص، وفي آخره عبرة، فقال: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف: 111] .

ويقال: ينزل عليك جبريل بأحكم الخبر، بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يقول: بالذي أوحينا إليك.

هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عن خبر يوسف، لم تعلمه.

قوله تعالى: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ- أي نقصّ عليك إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ ويقال: معناه، واذكر إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ (٢) (٣) «أبوه وخالته» .

وفي رواية الكلبي: قال «رؤياه كانت ليلة القدر، في ليلة جمعة» .

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

(٣) عزاه السيوطي: 4/ 499 إلى عبد الرزاق وابن جرير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ: أي: بوحينا إِليك هذا، والْقُرْآنَ: نعت ل «هذا» ويجوز فيه البَدَلُ، والضمير في «قبله» : للقصص العامِّ لما في جميع القرآن منه، ولَمِنَ الْغافِلِينَ، أي: عن معرفة هذا القصص، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: قال قتادة: أي: نقصُّ عليك من الكُتُب الماضيةِ، وأخبارِ الأممِ السالفةِ أحْسَنَ القصص بوحينا إِليك هذا القرآن، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عنْ أخبار الأمم، انتهى.

وقوله سبحانه: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ: قيل: إِنه رأَى كواكِبَ حقيقةً، والشمْسَ والقَمَرَ، فتأوَّلها يعقوبُ إِخْوَتَهُ وأَبَوَيْهِ، وهذا هو قولُ الجمهور، وقيل: الإِخوةُ والأَبُ والخالةُ لأَنَّ أُمَّه كانتْ ميِّتة، وروي أن رُؤْيَا يوسُفَ خَرَجَتْ بَعْدَ أربعينَ سَنَةً، وقيل: بعد ثمانين سنة.

وقوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً مِنْ هنا ومِنْ فعْل إِخوة يوسُفَ بيوسُفَ: يظهر أنَّهم لم يكُونوا أَنبياءَ في ذلك الوقْتِ، وما وَقَعَ في «كتاب الطَّبريِّ» لابْنِ زَيْد أنهم كانُوا أنبياءَ يردُّه القطْعُ بعصمة الأنبياءِ عن الحَسَدِ الدنيوي، وعن عقوقِ الآباءِ، وتعريض مؤمنٍ للهلاكِ، والتآمرِ في قتله.

وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ: أي: يختارُكَ ويصطفيك.

وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قال مجاهد وغيره: هي عبارةُ الرؤيا «١» وقال الحسن: هي عواقِبُ الأمور «٢» وقيل: هي عامَّة لذلك وغيره من المغيَّبات.

وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ...

الآية: يريد بالنبوَّة وما انضاف إِلَيْها من سائر النِّعَم، ويروَى: أَنَّ يعقُوبَ عَلِمَ هَذا مِنْ دَعْوَة إِسْحَاقَ لَهُ حِينَ تشبَّه ب «عيصو» ، وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ ﴾ في " إذْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ لِلْفِعْلِ المُتَقَدِّمِ، والمَعْنى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ إذْ قالَ يُوسُفُ.

والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ قالَ يُوسُفُ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أبَتِ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، بِفَتْحِ التّاءِ، ووَقَفا بِالهاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ في الوَقْفِ بِالهاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.

فَمَن فَتَحَ التّاءَ، أرادَ: يا أبَتا فَحَذَفَ الألِفَ كَما تُحْذَفُ الياءُ، فَبَقِيَتِ الفُتْحَةُ دالَّةً عَلى الألِفِ، كَما أنَّ الكَسْرَةَ تَبْقى دالَّةً عَلى الياءِ.

ومَن وقَفَ عَلى الهاءِ، فَلِأنَّ تاءَ التَّأْنِيثِ تُبْدَلُ مِنها الهاءُ في الوَقْفِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أحَدَ عَشَرَ، وتِسْعَةَ عَشَرَ، بِسُكُونِ العَيْنِ فِيهِما.

وَفِي ما رَآهُ يُوسُفُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: " رَأيْتُهم " عَلى جَمْعِ ما يَعْقِلُ، لِأنَّ السُّجُودَ فِعْلُ ما يَعْقِلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ  ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ الكَواكِبُ في التَّأْوِيلِ إخْوَتَهُ، والشَّمْسُ أُمَّهُ، والقَمَرُ أباهُ، فَلَمّا قَصَّها عَلى يَعْقُوبَ أشْفَقَ مِن حَسَدِ إخْوَتِهِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: الشَّمْسُ أبُوهُ، والقَمَرُ خالَتُهُ، لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ قَدْ ماتَتْ.

والثّانِي: أنَّهُ رَأى: أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ ساجِدِينَ لَهُ، فَكَنّى عَنْ ذِكْرِهِمْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

فَأمّا تَكْرارُ قَوْلِهِ: " رَأيْتُهم " فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما كَرَّرَهُ لَمّا طالَ الكَلامُ تَوْكِيدًا.

وَفِي سِنِّ يُوسُفَ لَمّا رَأى هَذا المَنامَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: سَبْعُ سِنِينَ.

والثّانِي: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً.

والثّالِثُ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

قالَ المُفَسِّرُونَ: عَلِمَ يَعْقُوبُ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ رُؤْياهُ، فَقالَ: " لا ﴿ تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ "، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَحْتالُوا لَكَ حِيلَةً ويَغْتالُوكَ.

وقالَ غَيْرُهُ: اللّامُ صِلَةٌ، والمَعْنى: فَيَكِيدُوكَ.

والعَدُوُّ المُبِينُ: الظّاهِرُ العَداوَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ العامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ، اذْكُرْ إذْ، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "نَقُصُّ"، كَأنَّ المَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ الحالَ إذْ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ العامِلَ فِيهِ ﴿ لَمِنَ الغافِلِينَ  ﴾ ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "يُؤْسَفُ" بِالهَمْزِ وفَتْحِ السِينِ، وفِيهِ سِتُّ لُغاتٍ: "يُوسَفُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الواوِ وبِفَتْحِ السِينِ وبِضَمِّها وبِكَسْرِها، وكَذَلِكَ بِالهَمْزِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يا أبَتِ" بِكَسْرِ التاءِ، حُذِفَتِ الياءُ مِن "أبِي" وجُعِلَتِ التاءُ بَدَلًا مِنها، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "يا أبَتَ" بِفَتْحِها، وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ يَقِفانِ بِالهاءِ، فَأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِفَتْحِ التاءِ فَلَها وجْهانِ: إمّا أنْ يَكُونَ "يا أبَتا" ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ تَخْفِيفًا وبَقِيَتِ الفَتْحَةُ دالَّةٌ عَلى الألِفِ، وإمّا أنْ يَكُونَ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِمْ: "يا طَلْحَةَ أقْبِلْ"، رَخَّمُوهُ ثُمَّ رَدُّوا العَلّامَةَ ولَمْ يُعْتَدَّ بِها بَعْدَ التَرْخِيمِ، وهَذا كَقَوْلِهِمُ: "اجْتَمَعَتِ اليَمامَةُ" ثُمَّ قالُوا: "اجْتَمَعَتْ أهْلُ اليَمامَةِ"، فَرَدُّوا لَفْظَةَ الأهْلِ ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، ولِيَظْهَرَ أنَّ الِاسْمَيْنِ قَدْ جُعِلا واحِدًا، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ رَأى كَواكِبَ حَقِيقَةً والشَمْسَ والقَمَرَ فَتَأوَّلَها يَعْقُوبُ إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: الإخْوَةُ والأبُ والخالَةُ، لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ مَيِّتَةً، وقِيلَ: إنَّما كانَ رَأى إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ فَعَبَّرَ عنهم بِالكَواكِبِ والشَمْسِ والقَمَرِ، وهَذا ضَعِيفٌ، تَرْجَمَ بِهِ الطَبَرِيُّ ثُمَّ أدْخَلَ عن قَتادَةَ والضَحّاكِ وغَيْرِهِما كَلامًا مُحْتَمَلًا أنْ يَكُونَ كَما تَرْجَمَ وأنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِ الناسِ، وقالَ المُفَسِّرُونَ: القَمَرُ تَأْوِيلُهُ: الأبُ، والشَمْسُ تَأْوِيلُها: الأُمُّ، فانْتَزَعَ بَعْضُ الناسِ مِن تَقْدِيمِها وُجُوبَ بِرِّ الأُمِّ وزِيادَتَهُ عَلى بِرِّ الأبِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنْ يَهُودِيًّا يُسَمّى بُسْتانَةُ جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ  فَقالَ: أخْبِرْنِي عن أسْماءِ الكَواكِبِ الَّتِي رَآها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَسَكَتَ عنهُ رَسُولُ اللهِ  ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ فَأخْبَرَهُ بِأسْمائِها، فَدَعا رَسُولُ اللهِ  اليَهُودِيَّ، فَقالَ: هَلْ أنْتَ مُؤْمِنٌ إنْ أخْبَرْتُكَ بِذَلِكَ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: جَرِيّانُ، والطارِقُ، والذَيّالُ، وذُو الكَتِفَيْنِ، وقابِسٌ، ووَثّابٌ، وعَمُودانِ، والفَيْلَقُ، والمُصْبَحُ، والضَرُوحُ، وذُو الفَرْغِ، والضِياءُ، والنُورُ فَقالَ اليَهُودِيُّ: أيْ واللهِ إنَّها لَأسْماؤُها.» وَتَكَرُّرُ "رَأيْتُهُمْ" لِطُولِ الكَلامِ، وجَرْىُ ضَمائِرِ هَذِهِ الكَواكِبِ في هَذِهِ الآيَةِ مَجْرى ضَمائِرِ مَن يَعْقِلُ إنَّما كانَ لِما وُصِفَتْ بِأفْعالٍ هي خاصَّةٌ بِمَن يَعْقِلُ.

ورُوِيَ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ كانَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ، وأنَّها خَرَجَتْ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةٍ، وقِيلَ: بَعْدَ ثَمانِينَ سَنَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال أو بَعْض من ﴿ أحْسَن القصص ﴾ [سورة يوسف: 3] على أن يكون أحسن القصص بمعنى المفعول، فإنّ أحسن القصص يشتمل على قصَص كثير، منه قَصص زمان قول يوسفَ عليه السّلام لأبيه إني رأيت أحَدَ عَشَرَ كوكباً } وما عقب قوله ذلك من الحوادث.

فإذا حمل ﴿ أحسن القصص ﴾ [سورة يوسف: 3] على المصدر فالأحسن أن يكون إذْ } منصوباً بفعل محذوف يدلّ عليه المقام، والتّقدير: اذْكر.

ويُوسف اسم عبراني تقدم ذكر اسمه عند قوله تعالى: ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ الخ في سورة الأنعام (83).

وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق من زوجه (راحِيل).

وهو أحد الأسباط الذين تقدم ذكرهم في سورة البقرة.

وكان يوسف أحب أبناء يعقوب عليهما السّلام إليه وكان فَرْط محبة أبيه إياه سَببَ غيرة إخوته منه فكادُوا له مكيدة فسألوا أباهم أن يتركه يخرج معهم.

فأخرجوه معهم بعلّة اللعب والتفسح، وألقَوْهُ في جبّ، وأخبروا أباهم أنّهم فقدوه، وأنهم وجدوا قميصه ملوّثاً بالدّم، وأروه قميصه بعد أن لطّخوه بدم، والتقطه من البئر سيارة من العرب الإسماعيليين كانوا سائرين في طريقهم إلى مصر، وباعوه كرقيق في سوق عاصمة مصر السفلى التي كانت يومئذٍ في حكم أمّة من الكنعانيين يعرفون بالعمالقة أو (الهكْصوص).

وذلك في زمن الملك (أبو فيس) أو (ابيبي).

ويقرب أن يكون ذلك في حدود سنة تسع وعشرين وسبعمائة وألف قبل المسيح عليه السّلام، فاشتراه (فوطيفار) رئيس شرطة فرعون الملقّبُ في القرآن بالعزيز، أي رئيس المدينة.

وحدثت مكيدة له من زوج سيّده ألقي بسببها في السجن.

وبسبب رؤيا رآها الملِكُ وعَبّرها يوسف عليه السّلام وهو في السِجن، قَرّبه الملك إليه زُلفى، وأولاه على جميع أرض مصر، وهو لقب العزيز وسَمّاه (صفنات فعنيج)، وزوّجه (أسنات) بنت أحد الكهنة وعمره يومئذٍ ثلاثون سنة.

وفي مدة حكمه جَلَب أباه وأقاربه من البريّة إلى أرض مصر، فذلك سبب استيطان بني إسرائيل أرض مصر.

وتوفي بمصر في حدود سنة خمس وثلاثين وستمائة وألف قبل ميلاد عيسى عليه السّلام.

وحنّط على الطريقة المصرية.

ووُضع في تابوت، وأوصى قبل موته قومه بأنهم إذا خرجوا من مصر يرفعون جسده معهم.

ولمّا خرج بنو إسرائيل من مصر رفعوا تابوت يوسف عليه السّلام معهم وانتقلوه معهم في رحلتهم إلى أن دفنوه في (شكِيم) في مدة يوشع بن نون.

والتاء في (أبَت) تاء خاصّة بكلمة الأب وكلمة الأم في النداء خاصة على نية الإضافة إلى المتكلم، فمفادها مفاد: يا أبي، ولا يكاد العرب يقولون: يا أبي.

وورد في سَلام ابن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه حين وقف على قبورهم المنوّرة.

وقد تحيّر أيمّة اللغة في تعليل وصلها بآخر الكلمة في النداء واختاروا أن أصلها تاء تأنيث بقرينة أنهم قد يجعلونها هاء في الوقف، وأنها جعلت عوضاً عن ياء المتكلم لِعلة غير وجيهة.

والذي يظهر لي أنّ أصلها هاء السكت جلبوها للوقف على آخر الأب لأنّه نقص من لام الكلمة، ثم لما شابهت هاء التأنيث بكثرة الاستعمال عوملت معاملة آخر الكلمة إذا أضافوا المنادى فقالوا: يا أبتي، ثم استغنوا عن ياء الإضافة بالكسرة لكثرة الاستعمال.

ويدل لذلك بقاء الياء في بعض الكلام كقول الشاعر الذي لا نعرفه: أيَا أبتي لا زلتَ فينا فإنّمَا *** لنا أملٌ في العيْش ما دمت عائشاً ويجوز كسر هذه التّاء وفتحها، وبالكسر قرأها الجمهور، وبفتح التّاء قرأ ابن عامر وأبو جعفر.

والنداء في الآية مع كون المنادى حاضراً مقصود به الاهتمام بالخبر الذي سيلقى إلى المخاطب فينزل المخاطب منزلة الغائب المطلوب حضوره، وهو كناية عن الاهتمام أو استعارة له.

والكوكب: النجم، تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فلمّا جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ في سورة الأنعام (76).

وجملة ﴿ رأيتهم ﴾ مؤكدة لجملة ﴿ رأيتُ أحدَ عَشَرَ كوكباً ﴾ ، جيء بها على الاستعمال في حكاية المرائي الحلمية أن يعاد فعل الرؤية تأكيداً لفظياً أو استئنافاً بيانياً، كأن سامع الرؤيا يستزيد الرائي أخباراً عمّا رأى.

ومثال ذلك ما وقع في «الموطّأ» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلاً آدم " الحديث.

وفي البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت في المنام أني أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، ورأيت فيها بقرا تذبح، ورأيت..

واللّهُ خير ".

وقد يكون لفظ آخر في الرؤيا غير فعلها كما في الحديث الطّويل " إنّه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنّهما قالا لي: انطلق، وإنّي انطلقت معهما، وإنّا أتينا على رجل مضطجع " الحديث بتكرار كلمة (إنّ) وكلمة (إنّا) مراراً في هذا الحديث.

وقرأ الجمهور ﴿ أحَدَ عَشَرَ ﴾ بفتح العين من ﴿ عَشَرَ ﴾ .

وقرأه أبو جعفر بسكون العين.

واستعمل ضمير جمع المذكر للكواكب والشمس والقمر في قوله: ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ ، لأن كون ذلك للعقلاء غالب لا مطرد، كما قال تعالى في الأصنام ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾ [سورة الأعراف: 198]، وقال: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا ﴾ [سورة النمل: 18].

وقال جماعة من المفسّرين: إنه لمّا كانت الحالة المرئية من الكواكب والشمس والقمر حالة العقلاء، وهي حالة السجود نزّلها منزلة العقلاء، فأطلق عليها ضمير (هم) وصيغة جمعهم.

وتقديم المجرور على عامله في قوله: لي ساجدين} للاهتمام، عبّر به عن معنى تضمّنه كلام يوسف عليه السّلام بلغته يدل على حالة في الكواكب من التعظيم له تقتضي الاهتمام بذكره فأفاده تقديم المجرور في اللغة العربيّة.

وابتداء قصة يوسف عليه السّلام بذكر رؤياه إشارة إلى أنّ الله هيّأ نفسه للنبوءة فابتدأه بالرؤيا الصّادقة كما جاء في حديث عائشة «أنّ أوّلَ ما ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فَلق الصبح».

وفي ذلك تمهيد للمقصود من القصة وهو تقرير فضل يوسف عليه السّلام من طهارة وزكاء نفس وصبر.

فذكر هذه الرؤيا في صدر القصّة كالمقدّمة والتّمهيد للقصّة المقصودة.

وجعل الله تلك الرؤيا تنبيهاً ليوسف عليه السّلام بعلو شأنه ليتذكرها كلما حلت به ضائقة فتطمئن بها نفسه أن عاقبتهُ طيبة.

وإنما أخبر يوسف عليه السّلام أباه بهاته الرؤيا لأنّه علم بإلهام أو بتعليم سابق من أبيه أن للرؤيا تعبيراً، وعلم أنّ الكواكب والشّمس والقمر كناية عن موجودات شريفة، وأنّ سجود المخلوقات الشّريفة له كناية عن عظمة شأنه.

ولعلّهُ علم أنّ الكواكب كناية عن موجودات متماثلة، وأنّ الشمس والقمر كناية عن أصلين لتلك الموجودات فاستشعر على الإجمال دلالة رؤياه على رفعة شأنه فأخبر بها أباه.

وكانوا يعدّون الرؤيا من طرق الإنباء بالغيب، إذا سلمت من الاختلاط وكان مزاج الزائي غير منحرف ولا مضطرب، وكان الرائي قد اعتاد وقوع تأويل رؤياه، وهو شيء ورثوه من صفاء نفوس أسلافهم إبراهيم وإسحاق عليهم السّلام.

فقد كانوا آل بيت نبوءة وصفاء سريرة.

ولمّا كانت رؤيا الأنبياء وَحْياً، وقد رأى إبراهيم عليه السّلام في المنام أنّه يذبح وَلَد فلمّا أخبره ﴿ قال يا أبت افْعل ما تؤمَر ﴾ [سورة الصافات: 102].

وإلَى ذلك يشير قول أبي يوسف عليه السّلام: ﴿ ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ﴾ [سورة يوسف: 6].

فلا جرم أن تكون مرائي أبنائهم مكاشفة وحديثاً ملكياً.

وفي الحديث: «لم يَبق من المبشرات إلاّ الرؤيا الصّالحة يراها المسلم أو ترى له» والاعتداد بالرؤيا من قديم أمور النبوءة.

وقد جاء في التّوراة أن الله خاطب إبراهيم عليه السّلام في رؤيا رآها وهو في طريقه ببلاد شاليم بلد ملْكي صَادق وبشّره بأنه يهبه نسلاً كثيراً، ويعطيه الأرض التي هو سائر فيها (في الإصحاح 15 من سفر التكوين).

أما العرب فإنهم وإن لم يرد في كلامهم شيء يفيد اعتدادهم بالأحلام، ولعل قول كعب بن زهير: إن الأماني والأحلام تضليل *** يفيد عدم اعتدادهم بالأحلام، فإن الأحلام في البيت هي مرائي النوم.

ولكن ذكر ابن إسحاق رؤيا عبد المطلب وهو قائم في الحِجْر أنه أتاه آت فأمره بحفر بئر زمزم فوصَف له مكانها، وكانت جرهم سَدَموها عند خروجهم من مكة.

وذكر ابن إسحاق رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب أن: راكباً أقبل على بعير فوقف بالأبطح ثم صرخ: يا آل غُدَر أُخرُجوا إلى مصارعكم في ثلاث فكانت وقعة بدر عقبها بثلاث ليال.

وقد عدت المرائي النوميّة في أصول الحكمة الإشراقية وهي من تراثها عن حكمة الأديان السّالفة مثل الحنيفية.

وبالغ في تقريبها بالأصول النفسية شهاب الدّين الحكيم السهروردي في هياكل النور وحكمة الإشراق، وأبو علي بن سينا في الإشارات بما حاصله: وأصله: أنّ النفس الناطقة (وهي المعبّر عنها بالروح) هي من الجواهر المجرّدة التي مَقرها العالم العلوي، فهي قابلة لاكتشاف الكائنات على تفاوت في هذا القبول، وأنّها تودع في جسم الجنين عند اكتمال طور المضغة، وأنّ للنفس الناطقة آثاراً من الانكشافات إذا ظهرت فقد ينتقش بعضها بمدارك صاحب النفس في لوح حسّه المشترك، وقد يصرفه عن الانتقاش شاغلان: أحدهما} حِسّيّ خارجيّ، والآخر باطنيّ عقليّ أو وهميّ، وقوَى النفس متجاذبة متنازعة فإذا اشتدّ بعضُها ضعف البعضُ الآخر كما إذا هاج الغضب ضعفت الشهوة، فكذلك إنْ تَجَرّدَ الحس الباطن للعمل شغل عن الحسّ الظاهر، والنوم شاغل للحسّ، فإذا قلّت شواغل الحواس الظاهرة فقد تتخلّص النفس عن شغل مخيلاتها، فتطلّع على أمور مغيبة، فتكونُ المنامات الصادقة.

والرؤيا الصادقةُ حالةٌ يكرم الله بها بعض أصْفيائه الذين زكت نفوسهم فتتّصل نفوسهم بتعلّقات من علم الله وتعلّقات من إرادته وقدرته وأمره التكوينيّ فتنكشف بها الأشياء المغيبة بالزّمان قبل وقوعها، أو المغيبة بالمكان قبل اطلاع الناس عليها اطلاعاً عاديّاً، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «الرؤيا الصالحة من الرّجل الصالح جزء من ستّة وأربعين جزءاً من النبوءة».

وقد بُيّن تحديد هذه النسبة الواقعة في الحديث في شروح الحديث.

وقال: «لم يبق من النبوءة إلاّ المبشّرات وهي الرؤيا الصّالحة للرجل الصالح يراها أو ترى له».

وإنّما شرطت المرائي الصادقة بالنّاس الصّالحين لأنّ الارتياض على الأعمال الصّالحة شاغل للنفس عن السيّئات، ولأنّ الأعمال الصّالحات ارتقاءات وكمالات فهي معينة لجوهر النفس على الاتّصال بعالَمها الذي خلقت فيه وأنزلت منه، وبعكس ذلك الأعمال السيّئة تبعدها عن مألوفاتها وتبلدها وتذبذبها.

والرؤيا مراتب: منها أن: ترى صور أفعال تتحقّق أمثالها في الوجود مثل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهاجر من مكّة إلى أرض ذات نخل، وظنّه أنّ تلك الأرض اليمامة فظهر أنّها المدينة، ولا شك أنّه لمّا رأى المدينة وجَدَها مطابقة للصّورة التي رآها، ومثل رؤياه امرأة في سَرَقَة من حرير فقيل له اكشِفْها فهي زوجك فكشف فإذا هي عائشة، فعلم أن سيتزوجها.

وهذا النوع نادر وحالة الكشف فيه قوية.

ومنها أن ترى صُورٌ تكون رموزاً للحقائق التي ستحصل أو التي حصلت في الواقع، وتلك من قبيل مكاشفة النفس للمعاني والمواهي وتشكيل المخيّلة تلك الحقائق في أشكال محسوسة هي من مظاهر تلك المعاني، وهو ضرب من ضروب التشبيه والتمثيل الذي تخترعه ألباب الخطباء والشعراء، إلاّ أنّ هذا تخترعه الألباب في حالة هدوّ الدمَاغ من الشواغل الشاغلة، فيكون أتقن وأصدق.

وهذا أكثر أنواع المرائي.

ومنه رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنّه يشرب من قدح لَبن حتى رأى الريّ في أظفاره ثم أعطَى فضلَه عمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه.

وتعبيره ذلك بأنّه العلم.

وكذلك رؤياه امرأة سوداء ناشرة شَعَرَهَا خارجة من المدينة إلى الجحفة، فعبّرها بالحمى تنتقل من المدينة إلى الجحفة، ورئِيَ عبد الله بن سلام أنه في روضة، وأنّ فيها عموداً، وأنّ فيه عروة، وأنّه أخذ بتلك العروة فارتقى إلى أعلى العمود، فعبّره النبي صلى الله عليه وسلم بأنّه لا يزال آخذاً بالإيمان الذي هو العروة الوثقى، وأنّ الروضة هي الجنّة، فقد تَطابَق التمثيل النوميّ مع التمثيل المتعارف في قوله تعالى: ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ [سورة البقرة: 256]، وفي قول النبي: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» وسيأتي تأويل هذه الرؤيا عند قوله تعالى: ﴿ وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ [سورة يوسف: 100].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ ساجِدِينِ لَهُ فَثَنّى ذِكْرَهم، وعَنى بِأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا إخْوَتَهُ وبِالشَّمْسِ أباهُ يَعْقُوبَ، وبِالقَمَرِ أُمَّهُ راحِيلَ رَآهم لَهُ ساجِدِينَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ رَأى أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ ساجِدِينَ لَهُ فَتَأوَّلَ الكَواكِبَ إخْوَتَهُ، والشَّمْسَ أباهُ، والقَمَرَ أُمَّهُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الشَّمْسُ أُمُّهُ والقَمَرُ أبُوهُ؛ لِتَأْنِيثِ الشَّمْسِ وتَذْكِيرِ القَمَرِ.

وَرَوى السُّدِّيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ  رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ بُسْتانَةُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أخْبِرْنِي عَنِ الكَواكِبِ الَّتِي رَآها يُوسُفُ أنَّها ساجِدَةٌ لَهُ، ما أسْماؤُها ؟

فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ  ولَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِأسْمائِها.

قالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  إلَيْهِ وقالَ: (أنْتَ تُؤْمِنُ إنْ أخْبَرْتُكَ بِأسْمائِها؟) فَقالَ: نَعَمْ.

فَقالَ: ( جَرَيانُ، والطّارِقُ والذَّيّالُ وذُو الكَتِفَيْنِ وقابِسُ والوَثّابُ والعَمُودانِ والفَلِيقُ والمُصْبِحُ والضَّرُوحُ وذُو الفَرْعِ والضِّياءُ والنُّورُ) .

فَقالَ اليَهُودِيُّ: بَلى واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها.

» وفي إعادَةِ قَوْلِهِ ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ لِبُعْدِ ما بَيْنَهُما، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ رُؤْيَتُهُ لَهم، والثّانِي رُؤْيَتُهُ لِسُجُودِهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ ساجِدِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السُّجُودُ المَعْهُودُ في الصَّلاةِ إعْظامًا لا عِبادَةً.

الثّانِي: أنَّهُ رَآهم خاضِعِينَ فَجَعَلَ خُضُوعَهم سُجُودًا، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ ...

...

...

∗∗∗ تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والبخاري عن ابن عمر رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ قال رؤيا الأنبياء وحي.

وأخرج سعيد بن منصور والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي وابن حبان في الضعفاء، وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في دلائل النبوة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: جاء بستاني يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام ساجدة له، ما أسماؤها؟

فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء.

فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البستاني اليهودي فقال: «هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟» قال نعم.

قال: «حرثان والطارق والذيال وذو الكفتان وقابس ودثان وهودان والفيلق والمصبح والضروح والفريخ والضياء والنور، رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما قص يوسف على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد» ، فقال اليهودي: أي والله، أنها لأسماؤها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أحد عشر كوكباً ﴾ قال: إخوته.

والشمس قال امه، والقمر: قال أبوه، ولأمه راحيل ثلث الحسن.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ﴾ قال: الكواكب إخوته، والشمس والقمر أبواه.

وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ الآية.

قال: رأى أباه وإخوته سجوداً له.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: قال إخوته- وكانوا أنبياء- ما رضي أن يسجد له إخوته حتى سجد له أبواه حين بلغهم.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن منبه عن أبيه قال: كانت رؤيا يوسف عليه السلام ليلة القدر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ ﴾ قال ابن الأنباري (١) (٢) وقال الفراء (٣) (٤) (٥) ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ (٦) (٧) تقولُ ابْنَتِي لمّا رأتْنِي شَاحِبًا ...

كأنّك فينا يأ أباتَ (٨) أحدهما: أن أصله يا أباه فشبهت هاء الموقف بتاء التأنيث، والألف هي التي تزاد للنداء في: يا رباه ويا زيداه، والآخر: أن الألف هي لام الفعل من الأب التي تجدها في قولك: يا با عمرو، والتاء بدل من هاء الوقف، وهذا اختيار أبي علي (٩) (١٠) ورد الكوفيون مذهب البصريين في هذا، وقالوا: لو كانت هذه التاء تاء تأنيث لدخلت في النداء وغيره، كما ثبتت هاء نكحة في جميع الأبواب، ولو كانت بدلاً من ياء الإضافة لاستُغْني بها عن الكسرة في التاء في (١١) (١٢) (١٣) فأما من فتح التاء (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) كِلِيني لهَمٍّ يا أمَيْمَةَ ناصبِ بفتح التاء.

والوجه الآخر: أن هون اراد بـ يا ابتي، بالياء، ثم أبدل الياء بالألف، كما ذكرنا في قراءة من قرأ يا بني بفتح الياء (١٨) (١٩) وهل جَزعٌ إن قُلتُ وابِأْبَاهُما ولذلك قال رؤبة (٢٠) وهي تُرَبِّي يابا وابْنَاهَا وقال الأعشى (٢١) ويا أبَتَا لا تزلْ عِنْدنا ...

فإنَّا نَخَافُ بأن تُخْتَرَم وقال رؤبة (٢٢) يا أبَتَا عَلَّك أو عَسَاكَا وقال آخر (٢٣) يا أبتا ويا أبه ...

خَشَنْتَ إلا الرقبة فلما كثرت هذه الكلمة في كلامهم هذه الكثرة ألزموها القلب والحذف، على أن أبا عثمان قَدّر (٢٤) (٢٥) قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن مبناه على لغة شاذة، وهو على لغة مَنْ يقول: قام غلاما، وهذا ثوبَا، يعني غلامي وثوبي، وكقراءة من قرأ: (وأقم الصلاة لذكرا) (٢٦) (٢٧) على إرادة التنوين.

قال أبو إسحاق (٢٨) (٢٩) (٣٠) قال ابن الأنباري: وقراءة من قرأ بالفتح يدل على جواز الرفع؛ لأن الألف والهاء سبيلهما أن يدخلا على آخر حروف الاسم المستحق للرفع، وكان ابن كثير (٣١) وأما ابن عامر (٣٢) (٣٣) بل جَوْزِ تَيْهَاء كظَهْرِ الحَجَفَتْ وهذا مما قد مرّ.

قوله تعالى ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ﴾ الآية.

قال وهب (٣٤) (٣٥) قال ابن عباس (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقال ابن جريج (٤٠) وقال مقاتل (٤١) وقال السدي (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ رَأَيْتُهُمْ ﴾ قال ابن الأنباري: لما تطاول الكلام بين الرؤية والسجود أعيدت الرؤية مع السجود؛ ليكون ذلك أكشف للمعنى وأدل على التوكيد والبيان.

وهذا معنى قول (٤٣) (٤٤) (٤٥) وذكر صاحب النظم أنه يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤيا، وقوله ﴿ رَأَيْتُهُمْ ﴾ وهي مما لا يَفْهم ولا يُفهم وحسن ذلك؛ لأنه لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل، فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ  ﴾ وقد مر، وكذلك قوله ﴿ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ  ﴾ ، وهذا معنى قول الفراء (٤٦) (٤٧) وقيل في معنى سجودهم له قولان، أحدهما (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) قال ابن عباس (٥٢) (٥٣) (١) "زاد المسير" 4/ 180.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 88.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 32، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 120.

(٤) في (أ)، (ب): (التأنيث) من غير ألف.

(٥) في (ج): (إلا في الأم) بزيادة إلا.

(٦) النساء: 23.

وقد ذكر هناك نقلاً عن ابن الأنباري أن الأصل: أم، ثم يقال في النداء: يا أماه، فيدخلون هاء السكت.

أهـ.

(٧) البيت لأبي الحدرجان كما في "نوادر أبي زيد" (239) وفيه: كأنك فينا يا أباه غريب وبلا نسبة في "العين" 4/ 253، و"الخصائص" 1/ 339، و"اللسان" (أبي) 1/ 16، و"الدر" 4/ 253، "الهمع" 6/ 342، وهو من الشعراء المجهولين.

(٨) في (أ)، (ب): (يا أباة).

(٩) "الحجة" 4/ 395.

(١٠) في (ب): (عن).

(١١) (في) ساقطة من (ج).

(١٢) في (ب): (عن).

(١٣) (يؤنث) ساقطة من (ج).

(١٤) هي قراءة ابن عامر، انظر "السبعة" (344)، و"الكشف" 2/ 3، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 390.

(١٥) كذا والصحيح أبو علي، انظر كتاب: "الحجة" 4/ 390.

(١٦) في "الحجة" 4/ 390، (مُرَخّمًا).

(١٧) البيت للنابغة الذبياني وعجزه: وليل أقاسيه بطئ الكواكب وقوله (كليني): اتركيني، من وكلت الأمر إليه (ناصب): (متعب).

انظر: ديوانه: 29، سيبويه، والشنتمري 1/ 315، و"الشعر والشعراء" 22، و"الأزهية" 246، و"الحجة" لابن خالويه ص 167، و"الدرر" 1/ 160، و"العيني" 3/ 303، و"معاني القرآن" 2/ 32، و"شرح المفصل" 2/ 107، و"الخزانة" 1/ 370، و"الدر المصون" 6/ 435.

(١٨) هذ قراءة حفص عن عاصم في جميع المواضع، وقراءة أبي بكر عن عاصم بالفتح في هود ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا ﴾ .

انظر: "السبعة" (333)، و"إتحاف" ص 262.

(١٩) البيت سبق تخريجه.

(٢٠) روايته في الديوان: (فهي ترثي باب ..) وبعد: (إن تميمًا خلقت ملموما).

انظر: ملحق "ديوانه" ص185 "المفصل" 2/ 12، وبلا نسبة في "الإعراب" (51)، و"الإنصاف" 403، و"مجاز القرآن" 2/ 71، 76.

(٢١) "ديوانه" ص 200، تخترم: يقال اخترمه الموت: أخذه.

وانظر: "شرح التسهيل" 3/ 406، و"الدر المصون" 6/ 432.

(٢٢) سبق تخريجه.

(٢٣) الرجز لجارية من العرب تخاطب أباها، و"جمهرة اللغة" 1/ 176، و"مقاييس اللغة" 2/ 27، و"اللسان" 1/ 533.

(٢٤) في "الحجة" 4/ 392 (قد رأى أن ذلك مطردًا).

(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 89.

(٢٦) طه: 14.

(٢٧) في (ب): (الاستعمال).

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 89.

(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 32.

(٣٠) في (ب): (بالإضافة).

(٣١) انظر: "السبعة" (344)، و"إتحاف" 2/ 262، و"الحجة" 4/ 390.

(٣٢) انظر: "السبعة" (344)، و"إتحاف" 2/ 262، و"الحجة" 4/ 390.

(٣٣) ورد البيت منسوبًا إلى سُؤر الذئب كما في "اللسان"، والحجفة: الترس يصنع من جلد الإبل، وقوله (بل جوز تيهاء)، يريد: رب جوز تيهاء.

انظر: "الخصائص" 1/ 304، 2/ 98، و"المحتسب" 2/ 92، و"المخصص" 9/ 7 - 16، 84 - 96، و"اللسان" (حجف، بلل) 2/ 787، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 177، و"شرح المفصل لابن يعيش" 2/ 181.

(٣٤) الثعلبي 7/ 63 ب، الرازي 18/ 87.

(٣٥) "زاد المسير" 4/ 180.

(٣٦) انظر: الطبري 12/ 152، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 4/ 6، والثعلبي 7/ 63 ب.

(٣٧) الطبري 12/ 152، وتفسير عبد الرزاق 2/ 123، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 6.

(٣٨) انظر: ابن كثير 2/ 513، و"زاد المسير" 4/ 180.

(٣٩) الطبري: 12/ 152.

(٤٠) الطبري: 12/ 152، ولم يذكر اسمه أمه.

(٤١) "تفسير مقاتل" 150 ب.

(٤٢) البغوي 4/ 213، و"زاد المسير" 4/ 180، الثعلبي 7/ 63 ب.

(٤٣) قل ساقطة من (أ)، (ب)، (ج).

(٤٤) لم أجده في مظانه، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 123، و"التبيان" للعكبري ص 465، و"البحر المحيط" 5/ 280.

(٤٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 91.

(٤٦) "معاني القرآن" 2/ 35.

(٤٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 91.

(٤٨) قال به ابن زيد كما في الطبري 12/ 152، وابن الأنباري كما في "زاد المسير" 4/ 290، وبه قال الطبري 12/ 152.

(٤٩) انظر البغوي 4/ 280.

(٥٠) عجز بيت لزيد الخيل وصدره: بجمل تضل البلق في حجراته انظر: "الكامل" 1/ 358، و"الأغاني" 16/ 52، و"مجمع البيان" 1/ 141، الطبري 1/ 300، 1/ 365 وغير منسوب في "تأويل مشكل القرآن" ص 417، و"الصناعتين" 295، و"البحر المحيط" 1/ 51.

ومعناه: تضل البلق في حجراته: لكثرته لا يرى فيه الأبلق، والأبلق مشهور المنظر لاختلاف لونه، وحجراته: نواحيه، وقوله: (ترى الأكم منه سجدًا للحوافر) لكثرة الجيش تطحن الأكم حتى تلصقها بالأرض.

(٥١) في (ب): (حوافر).

(٥٢) ذكر نحوه عند قوله تعالى ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ آية: 100.

انظر: "زاد المسير" 4/ 290، القرطبي: 9/ 265.

(٥٣) البغوي: 4/ 213، ابن عطية: 7/ 436.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذْ قَالَ ﴾ العامل فيه اذكر المضمر، أو القصص ﴿ ياأبت ﴾ أي يا أبي والتاء للمبالغة، وقيل: للتأنيث وكسرت دلالة على ياء المتكلم والتاء عوض من ياء المتكلم ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجدين ﴾ كرر الفعل لطول الكلام، وأجرى الكواكب والشمس والقمر مجرى العقلاء في ضمير الجماعة لما وصفها بفعل من يعقل، وهو السجود وتأويل الكواكب في المنام إخوته، والشمس والقمر أبواه؛ وسجودهم له تواضعهم له ودخولهم تحت كنفه وهو ملك ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ ﴾ إنما قال ذلك لأنه علم أن تأويلها ارتفاع منزلته فخاف عليه من الحسد ﴿ يَجْتَبِيكَ ﴾ يختارك ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ قيل: هي عبارة الرؤيا، واللفظ أعم من ذلك ﴿ ءَالِ يَعْقُوبَ ﴾ يعني ذريته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.

وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.

الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.

الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.

﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.

الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.

بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.

بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.

وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.

وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.

﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.

الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.

أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.

وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.

احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.

قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.

وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.

قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.

وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.

وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.

ويروى أن أصحاب رسول الله  ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً  ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.

والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".

و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.

وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.

عن النبي  "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.

ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.

والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.

من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.

قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي  فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.

فسكت رسول الله  فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي  لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟

قال: نعم.

قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.

رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.

فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.

وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل  ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين.

والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.

وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك  ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.

عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.

وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.

وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.

ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل ثمانون.

قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.

قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.

واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".

وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.

وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.

ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.

والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.

قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.

أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.

وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.

والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.

ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.

ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم  .

وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.

والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.

واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.

وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.

وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.

قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟

والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد  للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.

وفيه أنه  يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.

يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.

﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.

لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.

ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.

والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا  ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض  ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.

ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.

ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.

واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.

فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال  لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.

قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .

وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردن.

وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.

ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.

قال السدي: إن يوسف  لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.

فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وروي أنه  لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.

وحكي أن إبراهيم  حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.

وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..

يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.

ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا لا.

قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.

يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.

وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.

﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.

قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.

وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.

وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله  ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.

يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله  إليه يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.

ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله  فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله  أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.

واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟

وأجيب بأن الله  لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله  يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.

﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.

ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.

قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.

﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.

ومتى قال الوارد هذا الكلام؟

قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.

وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.

قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.

والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.

فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.

ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.

والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.

وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.

وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله  أعلم.

﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.

والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.

قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.

عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.

وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.

ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.

عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.

وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.

ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.

والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.

ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.

قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟

فقيل: زهدوا فيه والله  أعلم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.

﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.

﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.

﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.

فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.

﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.

﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال  : ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ ، أي: نبين عليك أحسن البيان ﴿ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ أي: نخبرك أحسن ما في كتبهم من القصص، وأحسن ما في كتبهم من الأنباء والأحاديث.

وقوله: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ﴾ : أصدقه، وكذلك قوله ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً  ﴾ ، وأحسن الحديث: أصدقه وأحسن القصص؛ أي: أصدقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ ﴾ أي: وقد كنتم من قبله ﴿ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ ﴾ .

عن هذه الأنباء، وعن قصصهم؛ فهذا يدل أن الإيمان بجملة الأنبياء والرسل إيمان، وإن لم يعرف أنفس الأنبياء وأنفس الرسل وأساميهم؛ لأنه أخبر أنه كان غافلا عن أنبائهم، وعن قصصهم، ولا شك أنه كان مؤمناً بالله مخلصاً، وبالله العصمة.

وقال ابن عباس -  -: أحسن القصص: كلام الرحمن.

وقال مجاهد: ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ  ﴾ : كلام ربّ العالمين.

وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون الذي سألوا عنه رسول الله عن قصة يوسف صيرورة بني إسرائيل بمصر، وقد كانوا من قبل بالشام، فقال: تلك الأنباء والقصص نجعلها آيات هذه السّورة التي هي من الكتاب المبين.

أو تلك آيات حجج وبراهين لرسالة محمد  إذ هي من أنباء الغيب عنهم، فعلم الأنباء عنها بالله  وتعالى .

وقوله - عز جل -: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ دل قوله: ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ﴾ إن إخوة يوسف كانوا علماء وعيون الأرض، نجوماً يقتدى بهم ويهتدى؛ إذ بالنجوم يقتدى في الأرض، وبها يهتدون الطرق والمسالك.

ودل قوله: ﴿ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ﴾ حيث - خرج على أبويه - أنه كان بهما جميع منافع الخلق؛ إذ بهما صلاح جميع الأغذية في الأرض، ونضج جميع الفواكه والأنزال، وجميع المنافع التي بالناس حاجة إلى ذلك.

ودل قوله: ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ أن الرؤيا تخرج على عين ما رأى، وتخرج على غيره بالمعنى الذي يتصل به؛ لأنه رأى الكواكب والشمس والقمر فخرج على إخوته وأبويه؛ كأن المراد بالكواكب والنجوم، غير الكواكب، وغير الشمس والقمر، وذلك لمعنى، وذكر السجود وخرج على عين السجود وحقيقته، وكذلك ما رأى إبراهيم في المنام ذبح ولده خرج الذبح على [حقيقة الذبح] هو ذبح الكبش، ورأى ابنه، وكان المراد منه الكبش، فهذا أصل لنا أن الخطاب يخرج والمراد منه على عين ذلك الخطاب لا غير، وقد يخرج لمعنى فيه، فإذا اتصل ذلك المعنى بغير، وجب ذلك الحكم.

وفيه جواز الاجتهاد وطلب المعنى في المخاطبات، وكذلك ما ظهر في الناس من تعبير الرؤيا على الاجتهاد، يدل على جواز العمل بالاجتهاد.

قال بعض أهل التأويل: إن يوسف لما قصّ رؤياه على أبيه بين يدي إخوته قال له: هذه رؤيا النهار ليست بشيء.

وقال ليوسف في السرّ: إذا رأيت رؤيا بعد هذا، فلا تقصها على إخوتك.

لكن هذا كذب؛ فلا يجوز أن يكذب رسول الله يعقوب يقول له: رؤيا النهار ليست بشيء، ثم يعبر له في السرّ، ولا يتوهم على نبي من أنبياء الله الكذب، وهو كذب، فإن كان فهو بالأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ﴾ .

دل قوله: ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ﴾ على أن ما رأى يوسف من سجود الكواكب له، وسجود الشمس والقمر أنه إنما كان رأى ذلك في المنام، ويدل ما ذكر في آخره أيضاً على ذلك، وهو قوله: ﴿ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ  ﴾ ودل قوله: ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ﴾ أن يعقوب إنما عرف ذلك بالوحي؛ حيث قطع القول في قوله: ﴿ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ﴾ ، ولم يستثن في ذلك، وقد فعلوا به ما قال.

وفيه دلالة أن إخوته قد كانوا يعرفون تعبير الرؤيا، وكانوا علماء حكماء؛ حيث قال: ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ﴾ ، لأنهم لو كانوا لا يعرفون تأويلها ولا علموا تعبيرها لم يكن لينهاه عن أن يقص على إخوته؛ لأنه لو قصها أو لم يقصها إذا لم يعلموا سواء، وفيه دلالة أن الأخ [لا] يتهم في أخيه، ويكون من الأخ الخيانة إلى أخيه، والأب والأم يتهمان في الابن، والولد يتهم في والديه، ولا يكون من بعض إلى بعض خيانة في الغالب؛ لأن يعقوب نهى ولده يوسف أن يقصها على إخوته، وأخبر أنهم إذا علموا بذلك كادوه وحسدوه، ولم ينهه بمثله في أمه؛ دل أن الأخ لا يتهم في شهادة أخيه، ويتهم الأب والأم في شهادتهما لولدهما، وكذلك الولد يتهم في والديه، ولهذا قال أصحابنا: إن شهادة الوالد لولده لا تقبل، وكذلك شهادة الولد لوالديه، وأما شهادة الأخ لأخيه تقبل وإنما كان كذلك؛ لما ينتفع الولد بمال والديه، والوالد بمال ولده، ولا ينتفع الأخ بمال أخيه، وكل من انتفع بمال آخر اتهم في شهادته له، ولم تقبل شهادته، وكل من لم ينتفع به قبلت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

ظاهر العداوة.

وقال موسى حين قتل ذلك الرجل: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ بدء كل شر يكون من الشيطان، يقذف في القلوب، ويخطر في الصدور، ثم تكون العزيمة على ذلك والفعل من العبد، وهو ما قال: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ...

﴾ الآية [الاعراف: 201].

والطيف والنزغ: هو القذف والوسوسة، فإذا ذكر الله ذهب.

وقيل: الكيد والمكر سواء، وهو قول أبي عوسجة.

وقال القتبي: الكيد: هو الاحتيال والاغتيال.

وقيل: الكيد: هو أن يطلب إيصال الشر به على غير علم منه؛ وكذلك المكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي: كما اجتبى ربك أبويك بالرسالة والنبوة، واصطفاهم بأنواع الخيرات، وأتم نعمته [عليهم، كذلك ليجتبيك ربك ويتم نعمته] عليك وعلى آل يعقوب.

ويحتمل قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ أي: كما اجتباك ربك بالرؤيا التي أراك، يفعل ذلك بك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ ، قيل: تعبير الرؤيا.

وقال بعضهم: علمه تأويل الصحف التي كانت لإبراهيم وغيره، وعلمه تأويل تلك الصحف والأحاديث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ ﴾ .

قال بعضهم: كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق حين أراد ذبح ابنه، فجعل مكانه كبشاً؛ فعلى ذلك يتم نعمته عليك، ويسجد لك إخوتك وأبويك.

ثم من الناس من استدل بهذا أن الذبيح كان إسحاق؛ لأنه ذكر إتمام نعمته على إبراهيم وإسحاق.

ودل قوله: ﴿ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ ﴾ على أنه قد اجتباهم بالنبوة من بعد - أعني: أولاد يعقوب - لأن ولده من آله، وقد أخبر أنه يجتبيهم ويتم نعمته عليهم؛ كما فعل بأبويه: إبراهيم وإسحاق، وكذلك روي عن الحسن أنه قال في إخوة يوسف: نبئوا بعد ما صنعوا بيوسف ما صنعوا.

وقال بعضهم: تأويل الأحاديث: العلم والكلام.

قال: وكان يوسف أعبر الناس، وهو ما قال الله -  -: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ بما صنع به إخوته، أو عليم بما ذكر من التمام، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : وضع كل شيء موضعه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

نخبرك -أيها الرسول- حين قال يوسف لأبيه يعقوب: يا أبت، إني رأيت في المنام أحد عشر كوكبًا، ورأيت الشمس والقمر، رأيت كل أولئك لي ساجدين، فكانت هذه الرؤيا عاجل بشرى ليوسف  .

من فوائد الآيات بيان الحكمة من القصص القرآني، وهي تثبيت قلب النبي  وموعظة المؤمنين.

انفراد الله تعالى بعلم الغيب لا يشركه فيه أحد.

الحكمة من نزول القرآن عربيًّا أن يعقله العرب؛ ليبلغوه إلى غيرهم.

اشتمال القرآن على أحسن القصص.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZxXYM"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر