الآية ٥٩ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٥٩ من سورة الحجر

إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وأخبروه أنهم سينجون آل لوط من بينهم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

إلا آل لوط: يقول: إلا اتباع لوط على ما هو عليه من الدِّين، فإنا لن نهلكهم بل ننجيهم من العذاب الذي أمرنا أن نعذّب به قوم لوط .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إِلَّا آلَ لُوطٍأتباعه وأهل دينه .إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَوقرأ حمزة والكسائي " لمنجوهم " بالتخفيف من أنجى .الباقون : بالتشديد من نجى , واختاره أبو عبيد وأبو حاتم .والتنجية والإنجاء التخليص .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 59 و 60 :ـ { إِلَّا آلَ لُوطٍ } أي: إلا لوطا وأهله { إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ } أي: الباقين بالعذاب، وأما لوط فسنخرجنه وأهله وننجيهم منها، فجعل إبراهيم يجادل الرسل في إهلاكهم ويراجعهم، فقيل له: { يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } فذهبوا منه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إلا آل لوط ) أتباعه وأهل دينه ( إنا لمنجوهم أجمعين ) خفف الجيم حمزة ، والكسائي ، ، وشدده الباقون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين» لإيمانهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالوا: إن الله أرسلنا لإهلاك قوم لوط المشركين الضالين إلا لوطًا وأهله المؤمنين به، فلن نهلكهم وسننجيهم أجمعين، لكن زوجته الكافرة قضينا بأمر الله بإهلاكها مع الباقين في العذاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والمراد بهم قوم لوط - عليه السلام - وكانوا يسكنون مدينة " سدوم " بمنطقة وادى الأردن وقوله ( إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ) استثناء من القوم المجرمين الذين أرسل الملائكة لإِهلاكهم .والمراد بآل لوط : أتباعه الذين آمنوا به وصدقوه .

ولم يشاركوا قومهم فى كفرهم وشذوذهم .أى : إنا أرسلنا إلى قوم لوط لإِهلاكهم ، إلا من آمن منهم فإنا لمنجوهم أجمعين .وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : قوله - تعالى - ( إِلاَّ آلَ لُوطٍ ) استثناء متصل أم منقطع؟قلت : لا يخلو من أن يكون استثناء من قوم فيكون منقطعاً ، لأن القوم موصوفون بالإِجرام فاختلف لذلك الجنسان ، وأن يكون استثناء من الضمير فى ( مجرمين ) فيكون متصلاً ، كأنه قيل : قد أرسلنا إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم ، كما قال : ( فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين ) فإن قلت : فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين؟

قلت : نعم ، وذلك أن آل لوط مخرجون فى المنقطع من حكم الإِرسال ، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة ، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلاً .

.

.

كأنه قيل : إنا أهلكنا قوما مجرمين ، ولكن آل لوط أنجيناهم .وأما فى المتصل ، فهم داخلون فى حكم الإِرسال ، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعًا ليهلكوا هؤلاء ، وينجو هؤلاء ، فلا يكون الإِرسال مخلصًا بمعنى الإِهلاك والتعذيب كما فى الوجه الأول .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ ﴾ سؤال عما لأجله أرسلهم الله تعالى، والخطب والشأن والأمر سواء: إلا أن لفظ الخطب أدل على عظم الحال.

فإن قيل: إن الملائكة لما بشروه بالولد الذكر العليم فكيف قال لهم بعد ذلك: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون ﴾ .

قلنا: فيه وجوه: الأول: قال الأصم: معناه ما الأمر الذي توجهتم له سوى البشرى.

الثاني: قال القاضي: إنه علم أنه لو كان كمال المقصود إيصال البشارة لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلما رأى جمعاً من الملائكة علم أن لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة فلا جرم قال: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون ﴾ .

الثالث: يمكن أن يقال إنهم قالوا: إنا نبشرك بغلام عليم.

في معرض إزالة الخوف والوجل، ألا ترى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما خاف قالوا له: ﴿ لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم  ﴾ ولو كان تمام المقصود من المجيء هو ذكر تلك البشارة لكانوا في أول ما دخلوا عليه ذكروا تلك البشارة، فلما لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذا الطريق أنه ما كان مجيئهم لمجرد هذه البشارة بل كان لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض فقال: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون ﴾ .

ثم حكى تعالى عن الملائكة أنهم قالوا: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ وإنما اقتصروا على هذا القدر لعلم إبراهيم عليه السلام بأن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لإهلاكهم واستئصالهم وأيضاً فقولهم: ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ يدل على أن المراد بذلك الإرسال إهلاك القوم.

أما قوله تعالى: ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ ﴾ فالمراد من آل لوط أتباعه الذين كانوا على دينه.

فإن قيل: قوله: ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ ﴾ هل هو استثناء منقطع أو متصل؟

قلنا: قال صاحب الكشاف: إن كان هذا الاستثناء استثناء من (قوم) كان منقطعاً، لأن القوم موصوفون بكونهم مجرمين وآل لوط ما كانوا مجرمين، فاختلف الجنسان، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعاً.

وإن كان استثناء من الضمير في (مجرمين) كان متصلاً كأنه قيل: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم كما قال: ﴿ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ المسلمين  ﴾ ثم قال صاحب الكشاف: ويختلف المعنى بحسب اختلاف هذين الوجهين، وذلك لأن آل لوط يخرجون في المنقطع من حكم الإرسال، لأن على هذا التقدير الملائكة أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة وما أرسلوا إلى آل لوط أصلاً، وأما في المتصل فالملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء، وأما قوله: ﴿ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ فاعلم أنه قرأ حمزة والكسائي ﴿ منجوهم ﴾ خفيفة، والباقون مشددة وهما لغتان.

أما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ امرأته ﴾ قال صاحب الكشاف: هذا استثناء من الضمير المجرور في قوله: ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ وليس ذلك من باب الاستثناء من الاستثناء، لأن الاستثناء من الإستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، كما لو قيل: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته، وكما لو قال: المطلق لامرأته أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين إلا واحدة، وكما إذا قال: المقر لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهماً، فأما في هذه الآية فقد اختلف الحكمان، لأن قوله: ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ أَرْسَلْنَا ﴾ أو بقوله: ﴿ مُّجْرِمِينَ ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ امرأته ﴾ قد تعلق بقوله: ﴿ منجوهم ﴾ فكيف يكون هذا استثناء من استثناء.

وأما قوله: ﴿ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره.

يقال: قدر هذا الشيء بهذا أي اجعله على مقداره، وقدر الله تعالى الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، ثم يفسر التقدير بالقضاء، فقال: قضى الله عليه كذا، وقدره عليه أي جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر، وقيل في معنى: ﴿ قَدَّرْنَآ ﴾ كتبنا.

قال الزجاج: دبرنا.

وقيل: قضينا، والكل متقارب.

المسألة الثانية: قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ قَدَّرْنَآ ﴾ بتخفيف الدال هاهنا وفي النمل.

وقرى الباقون فيهما بالتشديد.

قال الواحدي يقال: قدرت الشيء وقدرته، ومنه قراءة ابن كثير: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت  ﴾ خفيفاً، وقراءة الكسائي: ﴿ والذى قَدَّرَ فهدى ﴾ ثم قال: والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالاً لقوله تعالى؛ ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها  ﴾ وقوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً  ﴾ .

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله تعالى، ولم لم يقولوا: قدر الله تعالى؟

والجواب: إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبر والآمر هو الملك لا هم، وإنما يريدون بذكر هذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هاهنا.

والله أعلم.

المسألة الرابعة: قوله؛ ﴿ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين ﴾ في موضع مفعول التقدير قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون.

ولا تكون ممن يبقى مع لوط فتصل إلى النجاة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت قوله تعالى: ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ ﴾ استثناء متصل أو منقطع؟

قلت، لا يخلو من أن يكون استثناء من قوم، فيكون منقطعاً؛ لأنّ القوم موصوفون بالإجرام، فاختلف لذلك الجنسان وأن يكون استثناء من الضمير في مجرمين، فيكون متصلاً، كأنه قيل: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم، كما قال ﴿ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ المسلمين ﴾ [الذاريات: 36] .

فإن قلت: فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين؟

قلت: نعم، وذلك أنّ آل لوط مخرجون في المنقطع من حكم الإرسال، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلاً.

ومعنى إرسالهم إلى القوم المجرمين، كإرسال الحجر أو السهم إلى المرميّ.

في أنه في معنى التعذيب والإهلاك، كأنه قيل: إنا أهلكنا قوماً مجرمين، ولكن آل لوط أنجيناهم.

وأمّا في المتصل فهم داخلون في حكم الإرسال، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء، فلا يكون الإرسال مخلصاً بمعنى الإهلاك والتعذيب كما في الوجه الأوّل.

فإن قلت: فقوله ﴿ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ بم يتعلق على الوجهين؟

قلت: إذا انقطع الاستثناء جرى مجرى خبر (لكنّ) في الاتصال بآل لوط، لأنّ المعنى.

لكن آل لوط منجون، وإذا اتصل كان كلاماً مستأنفاً، كأنّ إبراهيم عليه السلام قال لهم فما حال آل لوط، فقالوا: إنا لمنجوهم.

فإن قلت: فقوله: ﴿ إِلاَّ امرأته ﴾ ممّ استثني؛ وهل هو استثناء من استثناء؟

قلت: استثنى من الضمير المجرور في قوله ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ وليس من الاستثاء في شيء؛ لأنّ الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط، إلا امرأته، كما اتحد الحكم في قول المطلق: أنت طالق ثلاثاً، إلا اثنتين، إلا واحدة.

وفي قول المقرّ: لفلان عليّ عشرة دراهم، إلا ثلاثة، إلا درهما.

فأمّا في الآية فقد اختلف الحكمان، لأنّ ﴿ إِلا ءالَ لُوطٍ ﴾ متعلق بأرسلنا، أو بمجرمين، و ﴿ إِلاَّ امرأته ﴾ قد تعلق بمنجوهم، فأنى يكون استثناء من استثناء.

وقرئ: ﴿ لمنجوهم ﴾ بالتخفيف والتثقيل.

فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله ﴿ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين ﴾ والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟

قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم، ولذلك فسر العلماء تقدير الله أعمال العباد بالعلم.

فإن قلت: فلم أسند الملائكة فعل التقدير- وهو لله وحده- إلى أنفسهم، ولم يقولوا: قدّر الله؟

قلت: لما لهم من القرب والاختصاص بالله الذي ليس لأحد غيرهم، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم وأنهم لا يتميزون عنه.

وقرئ: ﴿ قدرنا ﴾ ، بالتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ إنْ كانَ اسْتِثْناءً مِن ﴿ قَوْمٍ ﴾ كانَ مُنْقَطِعًا إذِ الـ ﴿ قَوْمٍ ﴾ مُقَيَّدٌ بِالإجْرامِ وإنْ كانَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ مُجْرِمِينَ ﴾ كانَ مُتَّصِلًا، والقَوْمُ والإرْسالُ شامِلَيْنِ لِلْمُجْرِمِينَ، و ﴿ آلَ لُوطٍ ﴾ المُؤْمِنِينَ بِهِ وكَأنَّ المَعْنى: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ أجْرَمَ كُلُّهم إلّا آلَ لُوطٍ مِنهم لِنُهْلِكَ المُجْرِمِينَ ونُنْجِيَ آلَ لُوطٍ مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ ﴾ أيْ مِمّا يُعَذَّبُ بِهِ القَوْمُ، وهو اسْتِئْنافٌ إذا اتَّصَلَ الِاسْتِثْناءُ ومُتَّصِلٌ بِآلِ لُوطٍ جارٍ مَجْرى خَبَرٍ لَكِنْ إذا انْقَطَعَ وعَلى هَذا جازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ إلا امْرَأتَهُ ﴾ اسْتِثْناءً مِن آلِ لُوطٍ، أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ، وعَلى الأوَّلِ لا يَكُونُ إلّا مِن ضَمِيرِهِمْ لِاخْتِلافِ الحُكْمَيْنِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُجْعَلَ إنّا لَمُنَجُّوهُمُ اعْتِراضًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ مُخَفَّفًا.

﴿ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ ﴾ الباقِينَ مَعَ الكَفَرَةِ لِتَهْلَكَ مَعَهم.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ﴿ قَدَّرْنا ﴾ هُنا وفي « النَّمْلِ» بِالتَّخْفِيفِ، وإنَّما عُلِّقَ والتَّعْلِيقُ مِن خَواصِّ أفْعالِ القُلُوبِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العِلْمِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ قَدَّرْنا ﴾ أُجْرِيَ مَجْرى قُلْنا لِأنَّ التَّقْدِيرَ بِمَعْنى القَضاءِ قَوْلٌ، وأصْلُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ غَيْرِهِ وإسْنادُهم إيّاهُ إلى أنْفُسِهِمْ.

وهو فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما لَهم مِنَ القُرْبِ والِاخْتِصاصِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إلا آل لُوطٍ} يريد أهله المؤمنين والاستثناء منقطع لأن القوم موصفون بالإجرام والمستثني ليس كذلك أو متصل فيكون استثناء من الضمير في مجرمين كأنه قيل إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم والمعنى يختلف باختلاف الاستثناءين لأن آل لوط مخرجون في المنقطع من حكم الإرسال يعنى أنهم ارسلوا إلى القوم المجرمين خاصة ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلاً ومعنى ارسالهم إلى القوم المجرمين كإرسال السهم إلى المرمى في أنه في معنى التغذيب والإهلاك كأنه قيل إنا أهلكنا قوماً مجرمين ولكن آل لوط أنجيناهم وأما في المتصل فهم داخلون في حكم الإرسال يعني أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء وإذا انقطع الاستثناء جرى {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} مجرى خبر لكن في

الاتصال بآل لوط لأن المعنى لكن آل لوط منجون وإذا اتصل كان كلاماً مستأنفاً كأن إبراهيم عليه السلام قال لهم فما حال آل لوط فقالوا إنا لمنجوهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ هم قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجِيءَ بِهِمْ بِطَرِيقِ التَّنْكِيرِ ووُصِفُوا بِالإجْرامِ اسْتِهانَةً بِهِمْ وذَمًّا لَهم ﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن قَوْمٍ بِمُلاحَظَةِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لِأنَّهم لَيْسُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ، واحْتِمالُ التَّغْلِيبِ مَعَ هَذِهِ المُلاحَظَةِ لِيَتَّصِلَ الِاسْتِثْناءُ لَيْسَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ولَوْ سُلِّمَ فَغَيْرُ ضارٍّ فِيما ذُكِرَ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ ولا يُنافِي صِحَّةَ الِاتِّصالِ عَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( مُجْرِمِينَ ) فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى القَوْمِ فَقَطْ فَيَكُونُ الآلُ عَلى الأوَّلِ مُخْرَجِينَ مِن حُكْمِ الإرْسالِ المُرادِ بِهِ إرْسالٌ خاصٌّ وهو ما كانَ لِلْإهْلاكِ لا مُطْلَقَ البَعْثِ لِاقْتِضاءِ المَعْنى لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ ﴾ خَبَرُ الأبْناءِ عَلى ما سَمِعْتَ سابِقًا، وعَنِ الرَّضِيِّ أنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ مُنْتَصِبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِما قَبْلَ إلّا مِنَ الكَلامِ كَما انْتُصِبَ المُتَّصِلُ بِهِ وإنْ كانَتْ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ وأمّا المُتَأخِّرُونَ مِنَ البَصْرِيِّينَ فَلَمّا رَأوْها بِمَعْنى لَكِنْ قالُوا إنَّها النّاصِبَةُ بِنَفْسِها نَصْبَ لَكِنَّ لِلْأسْماءِ وخَبَرُها في الأغْلَبِ مَحْذُوفٌ نَحْوُ جاءَنِي القَوْمُ إلّا حِمارًا أيْ لَكِنَّ حِمارًا لَمْ يَجِئْ قالُوا وقَدْ يَجِيءُ خَبَرُها ظاهِرًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ ﴾ وقالَ الكُوفِيُّونَ إلّا في ذَلِكَ بِمَعْنى سِوى والنَّصْبُ بَعْدَها في الِانْفِصالِ كالنَّصْبِ في الِاتِّصالِ، وتَأْوِيلُ البَصْرِيِّينَ أوْلى لِأنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ يَلْزَمُ مُخالَفَتُهُ لِما قَبْلَهُ نَفْيًا وإثْباتًا كَما في لَكِنَّ وفي سِوى لا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِأنَّكَ تَقُولُ: لِي عَلَيْكَ دِينارانِ سِوى الدِّينارِ الفُلانِيِّ وذَلِكَ إذا كانَ صِفَةً، وأيْضًا مَعْنى لَكِنَّ الِاسْتِدْراكُ، والمُرادُ بِهِ فِيها دَفْعُ تَوَهُّمِ المُخاطَبِ دُخُولَ ما بَعْدَها في حُكْمِ ما قَبْلَها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِداخِلٍ وهَذا هو مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِعَيْنِهِ انْتَهى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في كَوْنِ إلّا الِاسْتِثْنائِيَّةِ تَعْمَلُ عَمَلَ لَكِنَّ خَفاءً مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ وقالَ: إنَّهُ في المَعْنى خَبْرٌ ولَيْسَ خَبَرًا حَقِيقِيًّا كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، ومِمّا نَقَلْناهُ يُعْلَمُ ما فِيهِ مِنَ النَّظَرِ.

نَعَمْ صَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ جارِيَةٌ مَجْرى خَبَرِ لَكِنَّ وهو ظاهِرٌ في أنَّها لَيْسَتْ خَبَرًا في الحَقِيقَةِ وذَكَرَ أنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ أيْ لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ما أرْسَلَنا إلَيْهِمْ والمَذْكُورُ دَلِيلُهُ لِتَلازُمِهِما ولِذا لَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الخَبَرِ بَلْ جارٍ مَجْراهُ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلى ما نُقِلْ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُصَدَّرَةَ بِأنْ يَمْتَنِعَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِلَكِنَّ فَلْيُراجَعْ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ إلّا لا لَكِنَّ وهو كَما تَرى، وعَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ يَكُونُ الآلُ مُخْرَجِينَ مِن حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ وهو الإجْرامُ داخِلِينَ في حُكْمِ الإرْسالِ بِمَعْنى مُطْلَقًا فَيَكُونُ المَلائِكَةُ قَدْ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ جَمِيعًا لِيُهْلِكُوا هَؤُلاءِ ويُنَجُّوا هَؤُلاءِ، وجُمْلَةُ ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ عَلى هَذا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانًا كَأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم حِينَ قالُوا: ﴿ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ فَما حالُ آلِ لُوطٍ، فَقالُوا: ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ إلَخْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا امْرَأتَهُ ﴾ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ عِنْدِ جارِ اللَّهِ مُسْتَثْنى مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في لَمُنَجُّوهم ولَمْ يُجَوِّزْ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في شَيْءٍ قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ فِيما اتَّحَدَ الحُكْمُ فِيهِ كَقَوْلِ المُطَلِّقِ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا إلّا اثْنَتَيْنِ إلّا واحِدَةً والمُقِرِّ لِفُلانٍ عَلى عَشَرَةِ دَراهِمَ إلّا ثَلاثَةً إلّا دِرْهَمًا، وهاهُنا قَدِ اخْتَلَفَ الحُكْمانِ لِأنَّ آلَ لُوطٍ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا أوْ بِمُجْرِمِينَ (وإلّا امْرَأتَهُ) تَعَلَّقَ- بِمُنَجُّوهُمْ- فَأنّى يَكُونُ اسْتِثْناءً مِنَ اسْتِثْناءٍ انْتَهى.

وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ الإرْسالَ إذا كانَ بِمَعْنى الإهْلاكِ فَلا اخْتِلافَ إذِ التَّقْدِيرُ إلّا آلَ لُوطٍ لَمْ نُهْلِكْهم فَهو بِمَعْنى مُنَجُّوهم فَيَكُونُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ عَلى أحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ.

وأجابَ عَنْ ذَلِكَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّ شَرْطَ الِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ أنْ لا يَتَخَلَّلَ لَفْظٌ بَيْنَ الاسْتِثْناءَيْنِ مُتَعَدِّدٌ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنهُ وهاهُنا قَدْ تَخَلَّلَ ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ ولَوْ قِيلَ إلّا آلَ لُوطٍ إلّا امْرَأتَهُ لَجازَ ذَلِكَ وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ لِأنَّ السَّبَبَ حِينَئِذٍ في امْتِناعِهِ وُجُودُ الفاصِلِ لا اخْتِلافُ الحُكْمَيْنِ فَلا وجْهَ لِلتَّعْبِيرِ بِهِ عَنْهُ، وفي الكَشْفِ المُرادُ مِنَ اتِّحادِ الحُكْمِ اتِّحادُهُ شَخْصًا وعَدَدًا فَلا يَرِدُ أنَّ الإرْسالَ إذا كانَ بِمَعْنى الإهْلاكِ كانَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ في مَعْنى واحِدٍ فالِاسْتِثْناءُ مِنَ الأوَّلِ في المَعْنى، وإنَّما شُرِطَ الِاتِّحادُ لِأنَّ المُتَّصِلَ كاسْمِهِ لا يَجُوزُ تَخَلُّلُ جُمْلَةٍ بَيْنَ العَصا ولِحائِها وكَذَلِكَ في المُنْقَطِعِ وبِهِ يَتَّضِحُ حالُ ما تَقَدَّمَ أتَمَّ اتِّضاحٍ، وفِيهِ أيْضًا، فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَرْجِعُ الِاسْتِثْناءُ إلَيْهِما؟

قُلْتُ: لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَعَلِّقٌ بِالجُمْلَةِ المُسْتَقِلَّةِ والخِلافُ في رُجُوعِهِ إلى الجُمْلَتَيْنِ فَصاعِدًا لا إلى جُمْلَةٍ، وبَعْضِ جُمْلَةٍ سابِقَةٍ، هَذا والمَعْنى مُخْتَلِفٌ في ذَلِكَ ومَحَلُّ الخِلافِ الجُمَلُ المُتَعاطِفَةُ لا المُنْقَطِعُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ انْتَهى، والأمْرُ كَما ذُكِرَ في تَعْيِينِ مَحَلِّ الخِلافِ، والمَسْألَةُ قَلَّ مَن تَعَرَّضَ لَها مِنَ النُّحاةِ وفِيها مَذاهِبُ.

الأوَّلُ وهو الأصَحُّ وعَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَعُودُ لِلْكُلِّ إلّا أنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلى إرادَةِ البَعْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ ﴾ الآيَةَ فَإنَّ ( إلّا الَّذِينَ ) فِيهِ عائِدٌ إلى فِسْقِهِمْ وعَدَمُ قَبُولِ شَهادَتِهِمْ مُعالًا إلى الجَلْدِ لِلدَّلِيلِ، ولا يَضُرُّ اخْتِلافُ العامِلِ لِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ إلّا هي العامِلَةُ الثّانِي أنَّهُ يَعُودُ لِلْكُلِّ إنْ سِيقَ الكُلُّ لِغَرَضٍ واحِدٍ نَحْوَ حَبَسْتُ دارِي عَلى أعْمامِي ووَقَّفْتُ بُسْتانِي عَلى أخْوالِي وسَبَّلْتُ سِقايَتِي لِجِيرانِي إلّا أنْ يُسافِرُوا وإلّا فَلِلْأخِيرَةِ فَقَطْ نَحْوَ أكْرِمِ العُلَماءَ واحْبِسْ دارَكَ عَلى أقارِبِكَ وأعْتِقْ عَبِيدَكَ إلّا الفَسَقَةَ مِنهُمُ.

الثّالِثُ إنْ كانَ العَطْفُ بِالواوِ عادَ لِلْكُلِّ أوْ بِالفاءِ أوْ ثُمَّ عادَ لِلْأخِيرَةِ وعَلَيْهِ ابْنُ الحاجِبِ، الرّابِعُ أنَّهُ خاصٌّ بِالأخِيرَةِ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.

الخامِسُ إنِ اتَّحَدَ العامِلُ فَلِلْكُلِّ أوِ اخْتَلَفَ فَلِلْأخِيرَةِ إذْ لا يُمْكِنُ حَمْلُ المُخْتَلِفاتِ في مُسْتَثْنًى واحِدٍ وعَلَيْهِ البَهاباذِيُّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ عامِلَ المُسْتَثْنى الأفْعالُ السّابِقَةُ دُونَ إلّا، هَذا ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَوْ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِن ( آلَ لُوطٍ ) لَزِمَ أنْ تَكُونَ امْرَأتُهُ غَيْرَ مُهْلَكَةٍ أوْ غَيْرَ مُجْرِمَةٍ وهو تَوَهُّمٌ فاحِشٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن ( آلَ لُوطٍ ) إنْ قُلْنا بِهِ بِمُلاحَظَةِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالإنْجاءِ وعَدَمِ الإهْلاكِ أوْ بِعَدَمِ الإجْرامِ والصَّلاحِ فَتَكُونُ إلّا امْرَأةً مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالإهْلاكِ أوِ الإجْرامِ.

ويُرْشِدُكَ إلى هَذا ما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ فِيما إذا تَعَدَّدَ الِاسْتِثْناءُ وأمْكَنَ اسْتِثْناءُ كُلِّ تالٍ مِن مَتْلُوِّهِ نَحْوَ جاءَنِي المَكِّيُّونَ إلّا قُرَيْشًا إلّا بَنِي هاشِمٍ إلّا بَنِي عَقِيلٍ حَيْثُ قالَ: لا يَجُوزُ في المُوجِبِ حِينَئِذٍ في كُلِّ وِتْرٍ إلّا النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ لِأنَّهُ عَنْ مُوجِبٍ، والقِياسُ أنْ يَجُوزَ في كُلٍّ شَفْعُ الإبْدالِ والنَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ والمُسْتَثْنى مِنهُ مَذْكُورٌ، والكَلامُ في وِتْرٍ وشَفْعٍ غَيْرُ المُوجِبِ عَلى عَكْسِ هَذا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ ومِنِ الإثْباتِ نَفِيٌ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ المُسْتَثْنى مَسْكُوتٌ عَنْ نَفْيِ الحُكْمِ عَنْهُ أوْ ثُبُوتِهِ لَهُ، ولا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، واسْتِفادَةُ الإثْباتِ في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مِن عُرْفِ الشَّرْعِ، وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ وقَعَ بَيْنَ الأئِمَّةِ المُجْتَهِدِينَ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.

واخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ كَوْنَ ( إلّا آلَ لُوطٍ ) مُسْتَثْنًى مِن ( قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) عَلى أنَّهُ مُنْقَطِعٌ قالَ: وهو أوْلى وأمْكَنُ لِأنَّ في اسْتِثْنائِهِمْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى قَوْمٍ مُنْكِرِينَ بُعْدًا مِن حَيْثُ إنَّ مُوقِعَ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ المُسْتَثْنى في حُكْمِ الأوَّلِ، وهُنا الدُّخُولُ مُتَعَذَّرٌ مَعَ التَّنْكِيرِ ولِذَلِكَ قَلَّما تَجِدُ النَّكِرَةَ يُسْتَثْنى مِنها إلّا في سِياقِ نَفْيٍ لِأنَّها حِينَئِذٍ تَعُمُّ فَيَتَحَقَّقُ الدُّخُولُ لَوْلا الِاسْتِثْناءُ، ومِن ثَمَّةَ لَمْ يَحْسُنْ رَأيْتُ قَوْمًا إلّا زَيْدًا وحَسُنَ ما رَأيْتُ أحَدًا إلّا زَيْدًا انْتَهى.

ورُدَّ بِأنَّ هَذا لَيْسَ نَظِيرَ رَأيْتُ قَوْمًا إلّا زَيْدًا بَلْ مِن قَبِيلِ رَأيْتُ قَوْمًا أساؤُوا إلّا زَيْدًا فالوَصْفُ يُعَيِّنُهم ويَجْعَلُهم كالمَحْصُورِينَ، قالَ في هَمْعِ الهَوامِعِ: ولا يُسْتَثْنى مِنَ النَّكِرَةِ في المُوجِبِ ما لَمْ تَفِدْ فَلا يُقالُ: جاءَ قَوْمٌ إلّا رَجُلًا ولا قامَ رِجالٌ إلّا زَيْدًا لِعَدَمِ الفائِدَةِ، فَإنْ أفادَ جازَ نَحْوَ ﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ وقامَ رِجالٌ كانُوا في دارِكَ إلّا رَجُلًا، عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ أهْلُ القَرْيَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى فَهم مَعْنى مَحْصُورُونَ، ونَقَلَ المُدَقِّقُ عَنِ السَّكّاكِيِّ أنَّهُ صَرَّحَ في آخِرِ بَحْثِ الِاسْتِدْلالِ مِن كِتابِهِ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن جَمْعٍ غَيْرِ مَحْصُورِ جائِزٌ عَلى المَجازِ، مَعَ أنَّ بَعْضَ الأُصُولِيِّينَ أيْضًا جَوَّزُوا الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّكِرَةِ في الإيجابِ وأطْلَقُوا القَوْلَ في ذَلِكَ.

نَعَمِ المُصَرَّحُ بِهِ في كَثِيرٍ مِن كُتُبِ النَّحْوِ نَحْوَ ما في الهَمْعِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الظّاهِرِ والضَّمِيرُ مُنْقَطِعًا، وعُلِّلَ ذَلِكَ بِأنَّ الضَّمِيرَ في الصِّفَةِ هو عَيْنُ المَوْصُوفِ المُقَيَّدِ بِالصِّفَةِ، وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ بَعْضَ الفُضَلاءِ رَفَعَ هَذا مَعَ عِدَّةِ أسْئِلَةٍ نَثْرًا ونَظْمًا إلى الكَمالِ ابْنِ الهَمّامِ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ أجابَ عَنْها، والجَوابُ عَمّا زَعَمَهُ هُنا قَدْ مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ، وأمّا الجَوابُ عَنْ سائِرِ ما اسْتَشْكَلَهُ وسُئِلَ عَنْهُ الكَمالُ فَيُغْنِي عَنْهُ الِاطِّلاعُ عَلى السُّؤالِ فَإنَّهُ مِمّا يُتَعَجَّبُ مِنهُ، ومِن هُنا قالَ الشِّهابُ: أظُنُّ أنَّ ابْنَ الهَمّامِ إنَّما سَكَتَ عَنْ جَوابِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ انْدِفاعِهِ وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ عَمَّنْ تَحَلّى بِحِلْيَةِ الفَضْلِ، نَعَمْ بَعُدَ كُلُّ حِسابٍ الَّذِي يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الظّاهِرِ لَكِنَّ الرَّضِيَّ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ شَيْئانِ فَصاعِدًا يَصْلُحانِ لِأنْ يُسْتَثْنى مِنهُما فَهُناكَ تَفْصِيلٌ فَإمّا أنْ يَتَغايَرا مَعْنًى أوْ لا فَإنْ تَغايَرا وأُمْكِنَ اشْتِراكُهُما في ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ بِلا بُعْدٍ اشْتَرَكا فِيهِ نَحْوَ ما بَرَّ أبٌ وابْنٌ إلّا زَيْدًا أيْ زَيْدٌ أبٌ بارٌّ وابْنٌ بارٌّ، فَإنْ لَمْ يُمْكِنِ الِاشْتِراكُ نَحْوَ فَضَلَ ابْنٌ أبًا إلّا زَيْدًا أوْ كانَ بَعِيدًا نَحْوَ ما ضَرَبَ أحَدٌ أحَدًا إلّا زَيْدًا فَإنَّ الأغْلَبَ مُغايِرَةُ الفاعِلِ لِلْمَفْعُولِ نَظَرْنا فَإنْ تَعَيَّنَ دُخُولُ المُسْتَثْنى في أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ فَهو اسْتِثْناءُ مِنهُ ولِيَهُ أوَّلًا نَحْوَ ما فَدى وصِيٌّ نَبِيًّا إلّا عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإنِ احْتَمَلَ دُخُولُهُ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَإنْ تَأخَّرَ عَنْهُما المُسْتَثْنى فَهو مِنَ الأخِيرِ نَحْوَ ما فَضَلَ ابْنٌ أبًا إلّا زَيْدًا وكَذا ما فَضَلَ أبًا ابْنٌ إلّا زِيدٌ لِأنَّ اخْتِصاصَهُ بِالأقْرَبِ أوْلى لِما تَعَذَّرَ رُجُوعُهُ إلَيْهِما، وإنْ تَقَدَّمَهُما مَعًا فَإنْ كانَ أحَدُهُما مَرْفُوعًا لَفْظًا أوْ مَعْنًى فالِاسْتِثْناءُ مِنهُ لِأنَّ مَرْتَبَتَهُ بَعْدَ الفِعْلِ فَكَأنَّ الِاسْتِثْناءَ ولِيَهُ بَعْدَهُ نَحْوَ ما فَضَلَ إلّا زَيْدًا أبًا ابْنٌ أوْ مِنَ ابْنٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما مَرْفُوعًا فالأوَّلُ أوْلى بِهِ لِقُرْبِهِ نَحْوَ ما فَضَّلْتُ إلّا زَيْدًا واحِدًا عَلى أحَدٍ ويُقَدَّرُ لِلْأخِيرِ عامِلٌ، وإنْ تَوَسَّطَهُما فالمُتَقَدَّمُ أحَقُّ بِهِ لِأنَّ أصْلَ المُسْتَثْنى تَأخُّرُهُ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ ما فَضَلَ أبًا إلّا زِيدٌ ابْنٌ ويُقَدَّرُ أيْضًا لِلْأخِيرِ عامِلٌ، وإنْ لَمْ يَتَغايَرا مَعْنًى اشْتَرَكا فِيهِ، وإنِ اخْتَلَفَ العامِلانِ فِيهِما نَحْوَ ما ضَرَبَ أحَدٌ وما قَتَلَ إلّا خالِدًا لِأنَّ فاعِلَ قَتَلَ ضَمِيرُ أحَدٍ انْتَهى.

وجَزَمَ ابْنُ مالِكٍ فِيما إذا تَقَدَّمَ شَيْئانِ مَثَلًا يَصْلُحُ كُلٌّ مِنهُما لِلِاسْتِثْناءِ مِنهُ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الأخِيرِ وأطْلَقَ القَوْلَ في ذَلِكَ فَلْيُتَأمَّلْ ذاكَ مَعَ ما نَحْنُ فِيهِ، وقالَ القاضِي البَيْضاوِيُّ: إنَّهُ عَلى الِانْقِطاعِ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ( إلّا امْرَأتَهُ ) مُسْتَثْنًى مِن ( آلَ لُوطٍ ) أوْ مِن ضَمِيرِ ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ وعَلى الِاتِّصالِ يَتَعَيَّنُ الثّانِي لِاخْتِلافِ الحُكْمَيْنِ اللَّهُمَّ إلّا إذا جَعَلْتَ جُمْلَةَ ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ مُعْتَرَضَةً انْتَهى، ومُخالَفَتُهُ لِما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ ظاهِرَةٌ حَيْثُ جَوَّزَ الِاسْتِثْناءَ مِنَ المُسْتَثْنى في الِانْقِطاعِ ومَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُطْلَقًا، وحَيْثُ جَعَلَ اخْتِلافَ الحُكْمَيْنِ في الِاتِّصالِ وأثْبَتَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُطْلَقًا أيْضًا وبَيْنَ اخْتِلافِ الحُكْمَيْنِ بِنَحْوِ ما بُيِّنَ بِهِ في كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ مَوْلانا سِرَّيِ الدِّينِ وقالَ: المُرادُ بِالحُكْمَيْنِ المُفادُ بِطَرِيقِ اسْتِثْناءِ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ وهو عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ إجْرامُ إلّا امْرَأةَ والحُكْمُ المَقْصُودُ بِالإفادَةِ وهو الحُكْمُ عَلَيْها بِالإهْلاكِ وبَيْنَ اتِّحادِ هَذا الحُكْمِ المَقْصُودِ مَعَ الحُكْمِ المُفادِ بِالِاسْتِثْناءِ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ بِأنَّهُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ تَكُونُ إلّا بِمَعْنى لَكِنَّ (وإنّا لَمُنَجُّوهُمْ) خَبَرًا لَهُ ثابِتًا كالإخْراجِ مِنهُ فَيَكُونُ الحُكْمُ الحاصِلُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مِنهُ بِعَيْنِهِ هو الحُكْمُ المَقْصُودُ بِالإفادَةِ ويُقالُ عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ والِاعْتِراضِ: إنَّ الحُكْمَيْنِ وإنِ اخْتَلَفا ظاهِرًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَتِ الجُمْلَةُ المُعْتَرَضَةُ كالبَيانِ لِما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِثْناءُ الأوَّلُ كانَ في المَعْنى كَأنَّهُ هو وصارَ الإخْراجُ مِنهُ، كالإخْراجِ مِنهُ وهَذا بِخِلافِ ما إذا كانَ اسْتِئْنافًا فَإنَّهُ يَكُونُ مُنْقَطِعًا ويَكُونُ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ ولا يَتِمُّ الجَوابُ بِدُونِ الِاسْتِثْناءِ ولا يَخْلُو عَنِ الِاعْتِراضِ.

وقالَ بَعْضُهم في تَوْجِيهِ الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا: إنَّ هُناكَ حُكْمَيْنِ الإجْرامَ والإنْجاءَ فَيَجُرُّ الثّانِي الِاسْتِثْناءَ إلى نَفْسِهِ كَيْلا يَلْزَمَ الفَصْلُ إلّا إذا جَعَلَ اعْتِراضًا فَإنَّ فِيهِ سَعَةً حَتّى يَتَخَلَّلَ بَيْنَ الصِّفَةِ ومَوْصُوفِها فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ( آلَ لُوطٍ ) ولِذا جَوَّزَ الرَّضِيُّ أنْ يُقالَ: أكْرَمُ القَوْمِ والنُّحاةِ بَصْرِيُّونَ إلّا زَيْدًا، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ كَوْنَ الحُكْمِ المُفادِ بِالِاسْتِثْناءِ غَيْرَ الحُكْمِ المَقْصُودِ بِالإفادَةِ باقِيًا بِحالِهِ ولا يَحْتاجُ الأمْرُ إلى ما سَمِعْتَ وهو كَما سَمِعْتَ، والَّذِي يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ الحَقُّ دِرايَةً ورِوايَةً.

أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الحُكْمَ المَقْصُودَ بِالإخْراجِ مِنهُ هو الحُكْمُ المُخْرَجُ مِنهُ الأوَّلُ والثّانِي حُكْمٌ طارِئٌ مِن تَأْوِيلِ إلّا بَلَكِنَّ وهو أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ، وأمّا الثّانِي فَلِما ذَكَرَ في التَّسْهِيلِ مِن أنَّهُ إذا تَعَدَّدَ الِاسْتِثْناءُ فالحُكْمُ المُخْرَجُ مِنهُ حُكْمُ الأوَّلِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغًا في هَذِهِ الصُّورَةِ كَما إذا قُلْتَ: لَمْ يَبْقَ في الدّارِ إلّا اليَعافِيرُ أبْقاها الزَّمانُ إلّا يَعْفُورَ صَيْدٍ مِنها فَإنَّهُ يَتَعَيَّنُ إعْرابُهُ بِحَسَبِ العامِلِ الأوَّلِ كَقَوْلِكَ: ما عِنْدِي إلّا عَشْرَةٌ إلّا ثَلاثَةٌ، ثُمَّ إنَّ كَلامَهُ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرٍ ومانِعٍ مَعْنَوِيٍّ لا عَلى عَدَمِ جَوازِ تَخَلُّلِ كَلامٍ مُنْقَطِعٍ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ كَما قِيلَ وإنْ كانَ مانِعًا أيْضًا كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ فَتَدَبَّرِ انْتَهى، فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ.

وقَرَأ الأخْوانِ «لَمُنْجُوهُمْ» بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ ﴾ أيِ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ تَعالى كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أوِ الباقِينَ مَعَ الكَفَرَةِ لِتَهْلَكَ مَعَهُمْ، وأصْلُهُ مِنَ الغَبَرَةِ وهي بَقِيَّةُ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ «قَدَرْنا» بِالتَّخْفِيفِ، وكُسِرَتْ هَمْزَةُ «أنَّ» لِتَعْلِيقِ الفِعْلِ بِوُجُودِ لامِ الِابْتِداءِ الَّتِي لَها صَدْرُ الكَلامِ، وعُلِّقَ مَعَ أنَّ التَّعْلِيقَ في المَشْهُورِ مِن خَواصِّ أفْعالِ القُلُوبِ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - لِتَضَمُّنِ فِعْلِ التَّقْدِيرِ مَعْنى العِلْمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ العُلَماءُ تَقْدِيرَ اللَّهِ تَعالى أفْعالَ العِبادِ بِالعِلْمِ، والمُرادُ بِتَضَمُّنِهِ ذَلِكَ قِيلَ المَعْنى المُصْطَلَحُ، وقِيلَ: التَّجَوُّزُ عَنْ مَعْناهُ الَّذِي كَأنَّهُ في ضِمْنِهِ لِأنَّهُ لا يُقَدَّرُ إلّا ما يُعْلَمُ ذِكْرُهُ المُدَقَّقُ تَوْجِيهًا لِكَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، ثُمَّ قالَ: ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ في شَيْءٍ حَتّى يَعْتَرِضَ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُ الزَّمَخْشَرِيَّ لِبَقاءِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ.

نَعَمْ هو عَلى أصْلِهِمْ مِن أنَّهُ كِنايَةٌ مَعْلُومٌ مُحَقَّقٌ لا مُقَدَّرٌ مُرادٌ، وقالَ القاضِي: جازَ أنْ يُقالَ: أُجْرِي مَجْرى القَوْلِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ بِمَعْنى القَضاءِ قَوْلٌ، وأمّا أنا فَلا أُنْكِرُ عَلى جارِ اللَّهِ أنَّ التَّعْلِيقَ لِتَضَمُّنِ مَعْنى العِلْمِ وإنَّما أُنْكِرُ نَفْيَ كَوْنِهِ مَقْدُورًا مُرادًا انْتَهى، وإنَّما أُنْكِرُهُ لِأنَّهُ اعْتِزالٌ تَأْباهُ الظَّواهِرُ، ومِن هُنا قالَ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: بَيْنِي وبَيْنَ القَدَرِيَّةِ هَذِهِ الآيَةُ وتَلاها.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنَّما أسْنَدُوا ذَلِكَ إلى أنْفُسِهِمْ وهو فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ الزُّلْفى والِاخْتِصاصِ، وهَذا كَما يَقُولُ حاشِيَةُ السُّلْطانِ أمَرْنا ورَسَمْنا بِكَذا والآمِرُ هو في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: ولا يَخْفى بَعْدَهُ هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ قِيلَ: وكَذا لا يَحْتاجُ إلَيْهِ إذا كانَ المُرادُ بِالتَّقْدِيرِ العِلْمَ مَجازًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ أي قال إبراهيم: ما حالكم، وشأنكم، وبماذا جئتم، قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ أي: مشركين.

قال إبراهيم: من هم؟

قالوا: قوم لوط.

قال إبراهيم: أتهلكونهم، وفيهم لوط؟

فقالوا: إِلَّا آلَ لُوطٍ يعني: ابنتيه زعورا وريثا.

ويقال: امرأة له أخرى غير التي أهلكت إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ قرأ حمزة والكسائي إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ بالتخفيف، وقرأ الباقون: بنصب النون، وتشديد الجيم.

من أنجى، ينجي، وَنَجَّى، ينجي، بمعنى واحد إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا عليها الهلاك إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ أي لمن المتخلفين للهلاك.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر قَدَّرْنا بالتخفيف، وهو من القدر.

وقرأ الباقون: بالتشديد، وهو من التقدير.

قوله عز وجل: فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أي: لما دخلوا عليه، أنكرهم ولم يعرفهم قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ أي: بما كانوا يشكون من نزول العذاب بهم وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ أي: بالعذاب، وهو العدل والصدق وَإِنَّا لَصادِقُونَ بأن العذاب نازل بهم فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أي: في بعض الليل.

قرأ ابن كثير ونافع فَأَسْرِ بجزم الألف، والباقون بالنصب، سريت وأسريت إذا سرت ليلاً وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ يقول: امش وراءهم وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ.

لا يتخلف منكم أحد وَامْضُوا أي: انطلقوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ أي إلى المدينة وهي مدينة زغر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ: فيه شدَّة مَّا، أي: أبشرْ بما بُشِّرْتَ به، ولا تكُنْ من القانِطِينَ، والقنوط: أتمّ اليأس.

قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)

وقوله سبحانه: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ: لفظةُ الخَطْب إِنما تستعمل في الأمور الشِّدَاد، وقولهم: إِلَّا آلَ لُوطٍ: استثناء منقطعٌ، و «الآلُ» : القومُ الذي يَؤولُ أمرهم إِلى المضافِ إليه كذا قال سيبويه وهذا نصّ في أن لفظة «آل» ليست لفظة «أهْل» كما قال النّحّاس، وإِلَّا امْرَأَتَهُ: استثناءٌ متصلٌ، والاستثناء بعد الاستثناء يردُّ المستثنى الثاني في حكم الأمر الأول، والْغابِرِينَ هنا: أي: الباقين في العذابِ، و «وغَبَر» : من الأضدادِ، يقال في الماضِي وفي الباقي، وقولُ الرسُل للوط: بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، أي: بما وَعَدَكَ اللَّه من تعذيبهم الذي كانوا يَشْكُونَ فيه، و «الْقَطْعُ» : الجُزْءُ من الليل.

وقوله سبحانه: وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ، أي: كن خلفهم، وفي ساقتهم، حتى لا يبقَى منهم أحد، وَلا يَلْتَفِتْ: مأخوذٌ من الالتفات الذي هو نظر العين، قال مجاهد:

المعنى: لا ينظر أحد وراءه، «١» ونُهُوا عن النظر مَخَافَةَ العُلْقَةِ، وتعلُّقِ النفْسِ بِمَنْ خلف، وقيل: لَئِلاَّ تنفطر قلوبُهُمْ من معايَنَة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها.

وقوله سبحانه: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ، أي: أمضيناه وحتمنا به، ثم أدخل في

الكلام إِلَيْه من حيثُ أوحِيَ ذلك إِليه، وأعلمه اللَّه به، وقوله: يَسْتَبْشِرُونَ، أي:

بالأضياف طَمَعاً منهم في الفاحِشَةِ، وقولهم: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ: روي أنهم كانوا تقدَّموا إِليه في ألاَّ يضيفَ أحداً، والعَمْر والعُمْر- بفتح العين وضمِّها- واحدٌ، وهما مدة الحياة، ولا يستعملُ في القَسَم إِلا بالفتحِ، وفي هذه الآية شرف لنبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم لأن اللَّه عزَّ وجلَّ أقسَمَ بحياته، ولم يفعلْ ذلك مع بَشَرٍ سواه قاله ابن عباس «١» .

ت: وقال: ص: اللام في لَعَمْرُكَ للابتداءِ، والكافُ خطابٌ لِلُوطٍ عليه السلام، والتقديرُ: قالتِ الملائكةُ له: لَعَمْرُكَ، واقتصر على هذا.

وما ذَكَرَهُ ع «٢» : هو الذي عَوَّل عليهِ عِيَاضٌ وغيره.

وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» : قال المفسِّرون بأجمعهم: أقْسَمَ اللَّهُ في هذه الآية بحياة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ولا أدْرِي ما أخرجَهم عن ذكْر لُوطٍ إِلى ذكْرِ محمَّد عليه السلام، وما المانعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّه بحياةِ لوطٍ، ويبلغ به من التشريفِ ما شاءَ، وكلُّ ما يُعْطِي اللَّه لِلُوطٍ مِنْ فضلٍ، ويؤتيه مِنْ شَرَفٍ، فلنبيِّنا محمَّد عليه السلام، ضعفاه لأنه أكرمُ على اللَّه منه، وإِذا أقسم اللَّه بحياةِ لوطٍ، فحياة نبينا محمَّد عليه السلام أرْفع، ولا يخرج من كلامٍ إِلى كلامٍ آخر غيره، لم يجْرِ له ذكْرٌ لغير ضرورة.

انتهى.

ت: وما ذكَرَه الجمهورُ أحْسَنُ لأن الخطاب خطابُ مواجهةٍ ولأنه تفسير صحابيٍّ، وهو مقدّم على غيره.

ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردّدون/ في حيرتهم، ومُشْرِقِينَ: معناه: قد دَخَلوا في الإِشراق، وهو سطوعُ ضوء الشمس وظهوره قاله ابن «٣» زيد، وهذه الصَّيْحةُ هي صيحة الوجْبَة، وليستْ كصيحةِ ثمود، وأهلكوا بعد الفَجْرِ مُصْبحين، واستوفاهم الهَلاَكُ مُشْرِقين، وباقي قصص الآية تقدّم تفسير.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أبَشَّرْتُمُونِي ﴾ أيْ: بِالوَلَدِ ﴿ عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ ﴾ أيْ: عَلى حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " تُبَشِّرُونَ " بِفَتْحِ النُّونِ.

وقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِ النُّونِ، ووافَقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في كَسْرِها، لَكِنَّهُ شَدَّدَها، وهَذا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِنَ الوَلَدِ عَلى كِبَرِهِ.

" قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ " أيْ: بِما قَضى اللَّهُ أنَّهُ كائِنٌ " فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ " يَعْنِي الآيِسِينَ.

﴿ قالَ ومَن يَقْنَطُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: " ومَن يَقْنَطُ " بِفَتْحِ النُّونِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: " يَقْنِطُ " بِكَسْرِ النُّونِ.

وكُلُّهم قَرَؤُوا ﴿ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا  ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ.

ورَوى خارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " ومَن يَقْنُطُ " بِضَمِّ النُّونِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: قَنِطَ يَقْنَطُ، وقَنَطَ يَقْنِطُ، والقُنُوطُ بِمَعْنى اليَأْسِ، ولَمْ يَكُنْ إبْراهِيمُ قانِطًا، ولَكِنَّهُ اسْتَبْعَدَ وُجُودَ الوَلَدِ.

﴿ قالَ فَما خَطْبُكُمْ ﴾ أيْ: ما أمْرُكم ؟

﴿ قالُوا إنّا أُرْسِلْنا ﴾ أيْ: بِالعَذابِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ.

فَأمّا آلُ لُوطٍ، فَهم أتْباعُهُ المُؤْمِنُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ مُشَدَّدَةَ الجِيمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ﴿ لَمُنَجُّوهُمْ ﴾ خَفِيفَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا امْرَأتَهُ ﴾ المَعْنى: إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ ﴿ قَدَّرْنا ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى واحِدٌ، يُقالُ: قَدَّرْتُ وقَدَرْتُ، والمَعْنى: قَضَيْنا ﴿ إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ ﴾ يَعْنِي: الباقِينَ في العَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ يَعْنِي: لا أعْرِفُكم، ﴿ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ يَعْنُونَ: العَذابُ، كانُوا يَشُكُّونَ في نُزُولِهِ.

﴿ وَأتَيْناكَ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: بِالأمْرِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ مِن عَذابِ قَوْمِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ ﴾ أيْ: سِرْ خَلْفَهم ﴿ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴾ أيْ: حَيْثُ يَأْمُرُكم جِبْرِيلُ.

وَفِي المَكانِ الَّذِي أُمِرُوا بِالمُضِيِّ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشّامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قَرْيَةٌ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ ﴾ أيْ: أوْحَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ، أيِ: الأمْرَ بِهَلاكِ قَوْمِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَسَّرَ: ما الأمْرُ بِباقِي الآيَةِ، والمَعْنى: وقَضَيْنا إلَيْهِ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ.

فَأمّا الدّابِرُ، فَقَدْ سَبَقَ تَفْسيِرُهُ [الأنْعامِ:٤٥]، والمَعْنى: إنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنكم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴾ القائِلُ هَنا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ: "فَما خَطْبُكُمْ"؟

سُؤالٌ فِيهِ عُنْفٌ ما، كَما تَقُولُ لِمَن تُنْكِرُ حالَهُ: ماذا دَهاكَ؟

وما مُصِيبَتُكَ؟

وأنْتَ إنَّما تُرِيدُ اسْتِفْهامًا عن حالِهِ فَقَطْ، لَأنَّ "الخَطْبُ" لَفْظَةٌ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الشِدادِ، عَلى أنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ: ﴿ أيُّها المُرْسَلُونَ ﴾ ، وكَوْنُهم أيْضًا قَدْ بَشَّرُوهُ، يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ كانَ عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةٌ حِينَ قالَ: ﴿ فَما خَطْبُكُمْ ﴾ ؟

فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ فَما خَطْبُكُمْ ﴾ مَعَ هَذا أنَّهُ أضافَ الخَطْبَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم حَمَلَتُهُ إلى القَوْمِ المُعَذَّبِينَ.

أيْ: ما هَذا الخَطْبُ الَّذِي تَحْمِلُونَهُ؟

وإلى أيِّ أُمَّةٍ؟

و"القَوْمُ المُجْرِمُونَ" يُرادُ بِهِ أهْلَ مَدِينَةِ سَدُومٍ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ، والمُجْرِمُ: الَّذِي يَجُرُّ الجَرائِمَ ويَرْتَكِبُ المَحْظُوراتِ، وأصْلُ جَرَمَ وأجْرَمَ: كَسَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: جَرِيمَةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقِ أيْ: كَسْبُ عِقابٍ في قُنَّةِ شامِخٍ، ولَكِنَّ اللَفْظَةَ خُصَّتْ في عُرْفِها بِالشَرِّ، لا يُقالُ لِكاسِبِ الأجْرِ مُجْرِمٌ.

وقَوْلُهُمُ: ﴿ إلا آلَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، و"الآلُ": القَوْمُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلى المُضافِ إلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، وهَذا نَصٌّ في أنَّ لَفْظَةَ "آلٍ" لَيْسَتْ لَفْظَةَ "أهْلٍ" كَما قالَ النُحاسُ، ويَجُوزُ -عَلى هَذا إضافَةُ "آلٍ" إلى الضَمِيرِ وأمّا "أُهِيلٌ" فَتَصْغِيرُ "أهْلٍ"، واحْتَرَزُوا بِهِ عن تَصْغِيرِ "آلٍ"، فَرَفَضُوا "أوَيْلًا".

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لَمُنَجُّوهُمْ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَخْفِيفِ، والضَمِيرُ في "مُنَجُّوهُمْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، وانْحَذَفَتِ النُونُ لِلْمُعاقَبَةِ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ النَحْوِيِّينَ، وقالَ الأخْفَشُ: الضَمِيرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وانْحَذَفَتِ النُونُ لَأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ اتِّصالِ هَذا الضَمِيرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا امْرَأتَهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ بَعْدَ اسْتِثْناءٍ، وهُما مُنْقَطِعانِ فِيما حَكى بَعْضُ النُحاةِ، لَأنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا امْرَأتَهُ الكافِرَةَ مِن آلِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، لَأنَّها قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ داخِلَةٌ في اللَفْظِ الَّذِي هو "الآلُ"، ولَيْسَ كَذَلِكَ "الآلُ" مَعَ المُجْرِمِينَ، فَيَظْهَرُ الِاسْتِثْناءُ الأوَّلُ مُنْقَطِعًا، والثانِي مُتَّصِلًا، والِاسْتِثْناءُ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ يَرُدُّ المُسْتَثْنى الثانِي في حُكْمِ أمْرِ الأوَّلِ، ومَثَّلَ بَعْضُ الناسِ في هَذا بِقَوْلِكَ: "عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلّا عَشَرَةَ دَراهِمَ إلّا دِرْهَمَيْنِ"، فَرَجَعَتِ الدِرْهَمانِ في حُكْمِ التِسْعِينَ دِرْهَمًا.

وقالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ هَذا المِثالُ بِجَيِّدٍ، لَأنَّهُ مِن خَلْقِ الكَلامِ ورَدِّهِ، إذْ لَهُ طَرِيقٌ إلى أداءِ المَعْنى بِأجْمَلَ مِن هَذا التَحْلِيقِ، وهو أنْ يَقُولَ: "عِنْدِي مِائَةٌ إلّا ثَمانِيَةً"، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِثالًا لِلْآيَةِ قَوْلُكَ: "ضَرَبْتُ بَنِي تَمِيمَ إلّا بَنِي دارِمَ إلّا حاجِبًا"، لَأنَّ "حاجِبًا" مَن بَنِي دارِمَ، فَلَمّا كانَ المُسْتَثْنى الأوَّلُ في ضِمْنِهِ ما لا يَجْرِي الحَكَمُ عَلَيْهِ، والضَرُورَةُ تُدْخِلُهُ في لَفْظِهِ، ولا يُمْكِنُنا العِبارَةَ عنهُ دُونَ ذَلِكَ الَّذِي لا يَجْرِي الحُكْمُ عَلَيْهِ، اضْطَرَرْتُ إلى اسْتِثْناءٍ ثانٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَزْعَةُ المُبَرِّدِ في هَذا نَبِيلَةٌ.

وقَرَأ جَمِيعُهم سِوى عاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "قَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِتَخْفِيفِها وثَقَّلَ في رِوايَةِ حَفْصٍ، والتَخْفِيفُ يَكُونُ بِمَعْنى التَثْقِيلِ، كَما قالَ الهُذَلِيُّ أبُو ذُؤَيْبٍ: ومُفْرِهَةٍ عنسٍ قَدَرْتُ لِساقِها ∗∗∗ ∗∗∗ فَخَرَّتْ كَما تَتّابَعُ الرِيحُ بِالقُفْلِ يُرِيدُ: قَدَّرْتُ ضَرْبِي لِساقِها، وكَقَوْلِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الِاسْتِخارَةِ: « "واقَدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كانَ"،» ويَكُونُ أيْضًا بِمَعْنى: يَسِّرْ ووَفِّقْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِقُنْدُهارَ ومَن تُقْدَرْ مَنِيَّتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِقُنْدُهارَ يُرَجَّمْ دُونَهُ الخَبَرُ وَكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّها" بِسَبَبِ اللامِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: "لَمِنَ"، و"الغابِرُ": الباقِي في الدَهْرِ وغَيْرِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ النَحّاسُ -: هو مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ في الماضِي وفي الباقِي، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهي لِلْبَقاءِ، أيْ: مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ ﴾ الآياتُ.

تَقَدَّمَ القَوْلُ وذِكْرُ القَصَصِ في أمْرِ لُوطٍ، وصُورَةِ لِقاءِ الرُسُلِ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ الرُسُلَ كانُوا ثَلاثَةً: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ.

وقَوْلُهُ: "مُنْكَرُونَ" أيْ لا تُعْرَفُونَ في هَذا القُطْرِ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ تَحْذِيرٌ، وهو مِن نَمَطِ ذَمِّهِ لِقَوْمِهِ، وجَرْيِهِ إلى ألّا يُنْزِلَ هَؤُلاءِ القَوْمَ في تِلْكَ المَدِينَةِ خَوْفًا مِنهُ أنْ يَظْهَرَ سُوءُ فِعْلِهِمْ وطَلَبِهِمُ الفَواحِشَ، فَقالَتِ الرُسُلُ لِلُوطٍ: بَلْ جِئْناكَ بِما وعَدَكَ اللهُ مِن تَعْذِيبِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، وهو الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ ولا يُحَقِّقُونَهُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فاسْرِ" بِوَصْلِ الألْفِ، وفِرْقَةٌ بِقَطْعِها، يُقالُ: سَرى وأسْرى بِمَعْنى إذا سارَ لَيْلًا، قالَ النابِغَةُ: أسْرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزاءِ سارِيَةٌ فَجَمَعَ بَيْنَ اللُغَتَيْنِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ: "فَسِرْ بِأهْلِكَ"، وهَذا الأمْرُ بِالسُرى هو عَنِ اللهِ تَعالى، أيْ: يُقالُ لَكَ، و"القِطْعُ": الجُزْءُ مِنَ اللَيْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِقِطَعٍ" بِفَتْحِ الطاءِ، حَكاهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ ﴾ أيْ: كُنْ خَلْفَهم وفي ساقِهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ ولا تَلْوِي.

و"حَيْثُ" في مَشْهُورِها ظَرْفُ مَكانٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أُمِرَ لُوطٌ أنْ يَسِيرَ إلى زُغَرٍ، وقِيلَ: إلى مَوْضِعِ نَجاةٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ عِنْدِنا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "حَيْثُ" قَدْ تَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في هَذا بَيْتَ طَرَفَةَ: لِلْفَتى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ حَيْثُ تَهْدِي ساقَهُ قَدَمُهُ كَأنَّهُ قالَ: مُدَّةَ مَشْيِهِ وتَنَقُّلِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن حَيْثُ أُمِرَ أنْ يَسْرِيَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: "حَيْثُ تُؤْمَرُ"، ونَحْنُ لا نُجِدُ في الآيَةِ أمْرًا لَهُ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ ﴾ أمْكَنَ أنْ تَكُونَ "حَيْثُ" ظَرْفَ زَمانٍ.

و"يَلْتَفِتْ" مَأْخُوذٌ مِنَ الِالتِفاتِ الَّذِي هو نَظَرُ العَيْنِ، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لا يَنْظُرُ أحَدٌ وراءَهُ، ونُهُوا عَنِ النَظَرِ مَخافَةَ الغَفْلَةِ وتَعَلُّقِ النَفْسَ بِمَن خُلِّفَ، وقِيلَ: بَلْ لِئَلّا تَتَفَطَّرُ قُلُوبُهم مِن مُعايَنَةِ ما جَرى عَلى القَرْيَةِ في رَفْعِها وطَرْحِها، وقِيلَ: "يَلْتَفِتْ" مَعْناهُ: يَلْوِي، مِن قَوْلِكَ: "لَفَتُّ الأمْرَ" إذا لَوَيْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْقَصِيدَةِ: لَفِيتَةٌ، لَأنَّها مَلْوِيٌّ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

حكاية هذا الحوار بين إبراهيم والملائكة عليهم السلام لأنه يجمع بين بيان فضل إبراهيم عليه السلام وبين موعظة قريش بما حل ببعض الأمم المكذبين، انتقل إبراهيم عليه السلام إلى سؤالهم عن سبب نزولهم إلى الأرض، لأنه يعلم أن الملائكة لا ينزلون إلا لأمر عظيم كما قال تعالى: ﴿ ما تنزل الملائكة إلا بالحقّ ﴾ [سورة الحجر: 8].

وقد نزل الملائكة يوم بدر لاستئصال سادة المشركين ورؤسائهم.

والخطب تقدم في قوله تعالى ﴿ قال ما خطبكنّ ﴾ في [سورة يوسف: 51].

والقوم المجرمون هم قوم لوط أهل سدوم وقُراها.

وتقدم ذكرهم في سورة هود.

والاستثناء في ﴿ إلا آل لوط ﴾ منقطع لأنهم غير مجرمين.

واستثناء ﴿ إلا امرأته ﴾ متصل لأنها من آل لوط.

وجملة ﴿ إنا لمنجوهم أجمعين ﴾ استئناف بياني لبيان الإجمال الذي في استثناء آل لوط من متعلق فعل ﴿ أرسلنا ﴾ لدفع احتمال أنهم لم يرسلوا إليهم ولا أمروا بإنجائهم.

وفي قوله: ﴿ أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ إيجاز حذف.

وتقدير الكلام: إنا أرسلنا إلى لوط لأجل قوم مجرمين، أي لعذابهم.

ودل على ذلك الاستثناء في ﴿ إلا آل لوط ﴾ .

وقرأ الجمهور ﴿ لمنجوهم ﴾ بفتح النون وتشديد الجيم مضارع نجّى المضاعف.

وقرأه حمزة والكسائي وخلف بسكون النون وتخفيف الجيم مضارع أنجى المهموز.

وإسناد التقدير إلى ضمير الملائكة لأنهم مُزمعون على سببه.

وهو ما وكلوا به من تحذير لوط عليه السلام وآله من الالتفات إلى العذاب، وتَرْكِهم تحذير امرأته حتى التفتت فَحل بها ما حل بقوم لوط.

وقرأ الجمهور ﴿ قدرنا ﴾ بتشديد الدال من التقدير.

وقرأه أبو بكر عن عاصم بتخفيف الدال من قدَر المجرد وهما لغتان.

وجملة ﴿ إنها لمن الغابرين ﴾ مستأنفة.

و(إن) معلقة لفعل ﴿ قدرنا ﴾ عن العمل في مفعوله.

وأصل الكلام قدرنا غُبُورها، أي ذهابها وهلاكها.

والتعليق يطرأ على الأفعال كلها وإنما يكثر في أفعال القلوب ويقلّ في غيرها.

وليس من خصائصها على التحقيق.

وتقدم ذكر الغابرين في سورة الأعراف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ ﴾ آلُ لُوطٍ أتْباعُهُ ومُؤْمِنُو قَوْمِهِ، سَمّاهم آلَهُ لِنُصْرَتِهِمْ لَهُ، وإيمانِهِمْ بِهِ، فاسْتَثْناهم مِنَ المُجْرِمِينَ المَأْمُورِ بِهَلاكِهِمْ، فَخَرَجُوا بِالِاسْتِثْناءِ مِنهم.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إلا امْرَأتَهُ ﴾ فَكانَتْ مُسْتَثْناةً مِن آلِ لُوطٍ ولاحِقَةً بِالمُجْرِمِينَ؛ لِأنَّ كُلَّ اسْتِثْناءٍ يَعُودُ إلى ما تَقَدَّمَهُ فَيُخالِفُهُ في حُكْمِهِ.

فَإنْ عادَ إلى إثْباتٍ كانَ الِاسْتِثْناءُ نَفْيًا، وإنْ عادَ إلى نَفْيٍ كانَ الِاسْتِثْناءُ إثْباتًا، فَصارَتِ امْرَأةُ لُوطٍ مُلْحَقَةً بِالمُجْرِمِينَ المُهْلَكِينَ.

وَمِثالُ هَذا في الإقْرارِ أنْ يَقُولَ لَهُ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلّا سَبْعَةً إلّا أرْبَعَةً، فَيَكُونُ عَلَيْهِ سَبْعَةٌ لِأنَّ الأرْبَعَةَ اسْتِثْناءٌ يَرْجِعُ إلى السَّبْعَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَصارَ الباقِي مِنها ثَلاثَةً.

وَتَصِيرُ الثَّلاثَةُ الباقِيَةُ هي الِاسْتِثْناءُ الرّاجِعُ إلى العَشَرَةِ، فَيَبْقى مِنها سَبْعَةٌ.

وَهَكَذا في الطَّلاقِ لَوْ قالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا أوِ اثْنَتَيْنِ إلّا واحِدَةً طُلِّقَتْ ثِنْتَيْنِ لِأنَّ الواحِدَةَ تَرْجِعُ إلى الثِّنْتَيْنِ، فَتَبْقى مِنها واحِدَةٌ فَتَصِيرُ الواحِدَةُ هي القَدْرُ المُسْتَثْنى مِنَ الثَّلاثَةِ فَيَصِيرُ الباقِي مِنها ثِنْتَيْنِ وهَكَذا حُكُمُ قَوْلِهِ: ﴿ إلا امْرَأتَهُ ﴾ ﴿ قَدَّرْنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ قَضَيْنا، قالَهُ النَّخَعِيُّ.

الثّانِي: مَعْناهُ كَتَبْنا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ المُجْرِمِينَ.

الثّانِي: مِنَ الماضِينَ بِالعَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ قالوا لا توجل ﴾ قالوا: لا تخف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ فبم تبشرون ﴾ قال: عجب من كبره، وكبر امرأته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ من القانطين ﴾ قال: الآيسين.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر من طريق الأعمش، عن يحيى أنه قرأها ﴿ فلا تكن من القنطين ﴾ بغير ألف.

قال: وقرأ ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه ﴾ مفتوحة النون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: من ذهب يقنط الناس من رحمة الله، أو يقنط نفسه فقد أخطأ، ثم نزع بهذه الآية ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه ﴾ قال: من ييأس من رحمة ربه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأحمد في الزهد، عن موسى بن علي، عن أبيه قال: بلغني أن نوحاً عليه السلام قال لابنه سام: يا بني، لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الشرك بالله؛ فإنه من يأت الله عز وجل مشركاً فلا حجة له.

ويا بني، لا تدخل القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الكبر؛ فإن الكبر رداء الله، فمن ينازع الله رداءه يغضب الله عليه.

ويا بني، لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من القنوط؛ فإنه لا يقنط من رحمة الله إلا ضال.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفاجر الراجي لرحمة الله، أقرب منها من العابد القنط» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: بيني وبين القدرية هذه الآية ﴿ إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ إنكم قوم منكرون ﴾ قال: أنكرهم لوط.

وفي قوله: ﴿ بما كانوا فيه يمترون ﴾ قال: بعذاب قوم لوط.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة ﴿ بما كانوا فيه يمترون ﴾ قال: يشكون.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ قال: أمر أن يكون خلف أهله يتبع أدبارهم في آخرهم إذا مشوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ قال: أخرجهم الله إلى الشام.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر ﴾ قال: أوحينا إليه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ يعني استئصالهم وهلاكهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وجاء أهل المدينة يستبشرون ﴾ قال: استبشروا بأضياف نبي الله لوط، حين نزلوا به لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أو لم ننهك عن العالمين ﴾ قال: يقولون أن تضيف أحداً أو تؤويه ﴿ قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين ﴾ قال: أمرهم لوط بتزويج النساء، وأراد أن يقي أضيافه ببناته والله أعلم.

وأخرج ابن أبي شيبة والحرث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم.

وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره.

قال: ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ يقول: وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعمرك ﴾ قال: لعيشك.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة محمد، قال: ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ وحياتك يا محمد» .

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يقول الرجل: لعمري، يرونه كقوله وحياتي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ أي في ضلالتهم يلعبون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الأعمش أنه سئل عن قوله تعالى ﴿ لَعَمْرُكَ إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ قال: لفي غفلتهم يترددون.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ قال: ﴿ الصيحة ﴾ مثل الصاعقة، كل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ مشرقين ﴾ قال: حين أشرقت الشمس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ قال: علامة.

أما ترى الرجل يرسل بخاتمه إلى أهله فيقول هاتوا كذا وكذا؟

فإذا رأوه عرفوا أنه حق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لآيات للمتوسمين ﴾ قال: للناظرين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن قتادة في قوله: ﴿ لآيات للمتوسمين ﴾ قال: للمعتبرين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لآيات للمتوسمين ﴾ قال: هم المتفرسون.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ قال: هم المتفرسون.

وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم معاً في الطب، وابن مردويه والخطيب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ قال: المتفرسين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله» .

وأخرج ابن جرير عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله» .

وأخرج الحكيم الترمذي والبزار وابن السني وأبو نعيم، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنها لبسبيل مقيم ﴾ يقول: لبهلاك.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإنها لبسبيل مقيم ﴾ يقول: لبطريق واضح.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ إِلَّا آلَ لُوطٍ ﴾ استثنى ليس من الأول (١) (١) أشار الزمخشري إلى أن الاستثناء إما أن يكون من قوم -وهو الأول- فيكون منقطعاً؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في القوم المجرمين البتة، وعلى هذا فالإرسال خاص بالقوم المجرمين، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلاً، وإما أن يكون الاستثناء من الضمير المستكن في (مجرمين)، فيكون متصلاً؛ أي أجرموا كلهم إلا آل لوط، وعلى هذا التأويل يكون الإرسال إلى المجرمين وإلى آل لوط؛ أولئك لإهلاكهم، وهؤلاء لإنجائهم.

انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 315، وأبي حيان 5/ 460، و"الدر المصون" 7/ 167، وقد رجح الواحدي -رحمه الله- أنه استثناء متصل، وأيَّد هذا الوجه المنتجب الهمداني وحجته: أن آله من قومه، وإن اختلفت أفعالهم، لكن الجمهور على أنه منقطع؛ لانتفاء وصف الإجرام عن آل لوط.

انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 9 "تفسير ابن عطية" 8/ 329، "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 71، "الإملاء" 2/ 76، "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 204، "تفسير أبي حيان" 5/ 460.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ ﴾ أي ما شأنكم وبأي شيء جئتم ﴿ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ يعنون قوم لوط ﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ ﴾ أن يكون استثناء من قوم لوط فيكون منقطعاً لوصف القوم بالإجرام، ولم يكن آل لوط مجرمين ويحتمل أن يكون استثناء من الضمير في المجرمين، فيكون متصلاً كأنه قال إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط فلم يجرموا ﴿ إِلاَّ امرأته ﴾ استثناء من آل لوط، فهو استثناء من استثناء.

وقال الزمخشري: إنما هو استثناء من الضمير المجرور في قولهم لمنجوهم، وذلك هو الذي يقتضيه المعنى ﴿ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين ﴾ الغابر يقال: بمعنى الباقي، وبمعنى الذاهب، وإنما أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم، وهو لله وحده لما لهم من القرب والاختصاص بالله، لاسيما في هذه القضية، كما تقول خاصة الملك للملك: دبرنا كذا ويحتمل أن يكون حكاية عن الله ﴿ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ أي لا نعرفهم ﴿ قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ أي جئناك بالعذاب لقومك ومعنى يمترون يشكون فيه ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ أي: كن خلفهم أي في ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد وليكونوا قدّامه، فلا يشتغل قلبه بهم لو كانوا وراءه لخوفه عليهم ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ تقدم في هود ﴿ وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴾ قيل: مصر وقيل: حيث هنا للزمان إذ لم يذكر مكاناً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إذ دخلوا ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف غير هشام ﴿ إنا نبشرك ﴾ بسكون الباء وضم الشين: حمزة.

الآخرون بالتشديد ﴿ تبشرون ﴾ بالتشديد وكسر النون المخففة: نافع مثله.

ولكن مشددة النون: ابن كثير.

الباقون بفتح النون على أنها علامة رفع ﴿ يقنط ﴾ بكسر النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وخلف وكذلك بابه.

الآخرون بالفتح ﴿ آل لوط ﴾ مدغماً حيث كان شجاع ﴿ لمنجوهم ﴾ بالتخفيف: يعقوب وحمزة علي وخلف.

الباقون بالتشديد ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو بكر وحماد ﴿ بناتي إن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أني أنا ﴾ بفتح ياء المتكلم: جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ه ج لئلا يصير ﴿ إذا دخلوا ﴾ ظرفاً ﴿ لنبئهم ﴾ فإنه محال ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ وجلون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تبشرون ﴾ ه ﴿ القانطين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه لا للاستثناء.

﴿ آل لوط ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ قدرنا ﴾ لا لأن الجملة بعده مفعول والكسر لدخول اللام في الخبر ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ يمترون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ تؤمرون ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ فلا تفضحون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا تخزون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ط لابتداء القسم ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مشرقين ﴾ ه لا لاتصال انقلابها بالصيحة ﴿ من سجيل ﴾ ط ﴿ للمتوسمين ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط لتمام القصة ﴿ لظالمين ﴾ ه لا لاتصال الانتقام بظلمهم ﴿ منهم ﴾ ه ط لأن الواو للابتداء فلو وصل لشابه الحال وهو محال ﴿ مبين ﴾ ه ط لتمام قصتهم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الواو بعده للحال وقد آتيناهم ﴿ معرضين ﴾ ه لا للعطف ﴿ آمنين ﴾ ه ط ﴿ مصبحين ﴾ ه ط للاتصال معنى ﴿ يكسبون ﴾ ه م لتمام القصص ﴿ إلا بالحق ﴾ ط ﴿ الجميل ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ج لجواز تعلق الكاف بقوله: ﴿ فأخذتهم ﴾ أو بقوله: ﴿ فانتقمنا ﴾ ولجواز تعلقها بمحذوف أي أنزلنا عليهم العذاب كما أنزلنا، وتمام البحث سيجيء في التفسير.

﴿ المقتسمين ﴾ ه لا ﴿ عضين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ المستهزئين ﴾ ه لا ﴿ آخر ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يقولون ﴾ ه لا لاتصال الأمر بالتسبيح تسلية ﴿ الساجدين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اليقين ﴾ ه.

التفسير: إنه  عطف ﴿ ونبئهم ﴾ على ﴿ نبىء عبادي ﴾ ليكون سماع هذه القصص مرغباً في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذراً من المعصية المستتبعة لدركات الأشقياء، ولما في قصة لوط من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، وكل ذلك يقوّي ما ذكر من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم للكافرين.

وعند المعتزلة غفور للتائبين معذب لغيرهم.

وقد مر تفسير أكثر هذه القصة في سورة هود فنذكر الآن ما هو مختص بالمقام.

فقوله: ﴿ وجلون ﴾ معناه خائفون خافهم لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وفي غير وقت.

﴿ إنا نبشرك ﴾ استئناف في معنى تعليل النهي عن الوجل.

بشروه بالولد الذكر بكونه عليماً فقيل: أرادوا بعلمه نبوته.

وقيل: العلم مطلقاً.

وقوله: ﴿ على أن مسني ﴾ في موضع الحال أي مع هذه الحالة استفهم منكراً للولادة في حالة الهرم أنها أمر عجيب عادة لا لأنه شك في قدرة الله  ولذلك قال: ﴿ فبم تبشرون ﴾ "ما" استفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني أي أو أنكم لا تبشروني بشيء في الحقيقة لأن ذلك أمر غير متصور في العادة؟

وأحسن ما قيل فيه أن لا يكون قوله: "بما" صلة للتبشير بل يكون سؤالاً عن الوجه والطريقة يعني إذا كان الطريق.

المعتاد ممتنعاً فبأي طريق تبشرونني بالولد، فلذلك قالوا في جوابه ﴿ بشرناك بالحق ﴾ أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بالولد بطريق هو حق وذلك قول الله  ووعده وأنه قادر على خلق الولد من غير أبوين فضلاً من شيخ فانٍ وعجوز عاقر.

قال أبو حاتم: حذف نافع ياء المتكلم مع النون وإسقاط الحرفين لا يجوز.

وأجيب بأنه لم يحذف إلا الياء اكتفاء بالكسرة ونون الوقاية لم يوردها كما أوردت في قراءة التشديد، وإنما كسر نون الجمع لأجل الياء وكلتا اللغتين فصيحة.

قيل: عظم فرحه بتلك البشارة فدهش عن الجواب المنتظم فتكلم بالكلام المضطرب.

وقيل: طلب مزيد الطمأنينة كقوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ عن ابن عباس: يريد بالحق ما قضى الله أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ومن صلب إسحق أكثر الأنبياء.

وقوله: ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ لا يدل على أنه كان قانطاً فقد ينهى عن الشيء ابتداء كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين  ﴾ .

ولذلك أنكر إبراهيم نهيهم بقول: ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ أي المخطئون طريق الصواب أو الكافرون نظيره ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ وفيه أنه لم يستنكر ذلك قنوطاً من رحمته ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها الله هما لغتان: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط مثل علم يعلم.

وزعم الفارسي أن الأولى أعلى اللغتين.

ثم سأل عما لأجله أرسلهم الله حيث قال: ﴿ فما خطبكم ﴾ والخطب الشأن العظيم.

فسئل أنهم لما بشروه بالولد الذكر العليم فما وجه السؤال عن مجيئهم؟

وأجاب الأصم بأن المراد ما الأمر الذي وجهتم فيه سوى البشرى؟.

وقال القاضي: إنه علم أن المقصود لو كان التبشير فقط لكان الملك الواحد كافياً.

وقيل: علم أنه لو كان تمام الغرض البشارة لذكروها أول ما دخلوا قبل أن يوجس إبراهيم منهم خيفة.

قلت: لعله استصغر أمر التبشير إما لأجل التواضع وإما لأنه واقعة خاصة فسألهم عن الأمر الذي هو أعظم من ذلك وأعم تعظيماً لشأنهم ﴿ قالوا إنا أرسلنا ﴾ زعم صاحب الكشاف أن الإرسال ههنا في معنى التعذيب والإهلاك كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمى.

وأقول: كأنه لا حاجة إلى هذا التجوز لقوله في سورة الذاريات ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين  ﴾ فالتقدير إنا أرسلنا إليهم لنهلكهم ﴿ إلا آل لوط ﴾ وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً لاختلاف الجنسين، فإن القوم موصوفون بالإجرام دون آل لوط.

يكون قوله: ﴿ إنا لمنجوهم ﴾ جارياً مجرى خبر "لكن" كأنه قيل: لكن قوم لوط منجون، ويكون قوله: ﴿ إلا امرأته ﴾ استثناء من الاستثناء أي أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل لوط ﴿ إلا امرأته ﴾ كقول المقر: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة إلا واحداً.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ إلا آل لوط ﴾ مستثنى من الضمير في ﴿ مجرمين ﴾ حتى يكون الاستثناء متصلاً أي إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم.

ولم لا يجوزالاستثناء من الاستثناء بناء على أن ﴿ آل لوط ﴾ مستثنى من معمول ﴿ أرسلنا ﴾ أو ﴿ مجرمين ﴾ و ﴿ إلا امرأته ﴾ من معمول ﴿ منجوهم ﴾ وقد عرفت ما فيه على أنه إذا جعل الإرسال بمعنى الإهلاك كما قرره هو آل الأمر إلى ما ذكرنا فلا أدري لم استبعده مع وفور فضله.

قال أهل اللغة: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل جعلت الشيء على مقدار غيره، ومنه قدر الله الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، وقدر الأمور أي جعلها على مقدار ما يكفي في أبواب الخير والشر.

وقيل: في معنى قدرنا: كتبنا.

وقال الزجاج: دبرنا.

وقيل: قضينا.

والكل متقارب، والمشدد في هذا المعنى أكثر استعمالاً وأنه جواب سؤال كأنه قيل: ما بالها استثنيت من الناجين؟

فقيل: ﴿ قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ أي الباقين في الهوالك.

ويقال للماضي أيضاً غابر وهو من الأضداد.

قال في الكشاف: علق فعل التقدير مع أن التعليق من خصائص أفعال القلوب لأنه في معنى العلم.

وإنما أسندوا الفعل إلى أنفسهم مع التقدير لله عز وجل بياناً لاختصاصهم به  كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا ولعل المدبر والآمر هو الملك وحده.

ثم إن الملائكة لما بشروا إبراهيم  بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وذلك قوله: ﴿ فلما جاء آل لوط المرسلون قال ﴾ أي لوط ﴿ إنكم قوم منكرون ﴾ تنكركم نفسي وتنفر منكم.

وذلك أنهم هجموا عليه فلم يعرفهم وخاف أن يطرقوه بشر فلذلك ﴿ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ﴾ أي ما جئناك بما توهمت بل جئناك بما فيه فرجك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وهم يشكون في وقوعه.

﴿ وأتيناك بالحق ﴾ باليقين الثابت.

وقال الكلبي: بالعذاب الذي لا شك فيه ﴿ وإنا لصادقون ﴾ فيما أخبرناك به ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ أي في آخره وقدم في سورة هود وزاد ههنا قوله: ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم، ولا يخفى حالهم.

ففي الآية زيادة بيان لكيفية الإسراء ثم زاد في البيان فقال: ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ ولم يستثن امرأته اكتفاء بما مر في السورة من قوله: ﴿ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ﴾ قال جار الله: إنما أمر باتباع أدبارهم ونهى عن الالتفات ليكون فارغ البال من حالهم فيخلص قلبه لشكر الله، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، ولئلا يشاهدوا عذاب قومهم فيرقوا لهم مع أنهم ليسوا من أهل الرقة عليهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ولا يتحسروا على ما خلفوا.

وجوز أن يكون النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني، لأن من يلتفت لا بد أن يقع له أدنى وقفة ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ قال الجوهري: مضى الشيء مضياً ذهب، ومضى في الأمر مضياً أنفذه.

وقال في الكشاف: عدى ﴿ وامضوا ﴾ إلى ﴿ حيث ﴾ تعديته إلى الظرف المبهم لأن ﴿ حيث ﴾ مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في ﴿ تؤمرون ﴾ قلت: حاصل الكلام يرجع إلى قوله: اذهبوا إلى المكان الذي تؤمرون بالذهاب إليه، أو أنفذوا أمر الذهاب إلى هنالك.

عن ابن عباس: إنه الشام.

وقيل: مصر.

وقال المفضل: حيث يقول لكم جبرائيل وكانت قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط.

ثم أخبر عن حالهم مجملاً فقال: ﴿ وقضينا ﴾ ضمن معنى أوحينا ولذلك عدي بإلى كأنه قيل: وأوحينا.

﴿ إليه ذلك الأمر ﴾ مقتضياً مبتوتاً.

ثم فسر ذلك الأمر بقوله: ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ﴾ أي يستأصلون عن آخرهم حال ظهور الصبح ودخولهم فيه.

وفي هذا الإجمال والتفسير تفخيم لشأن الأمر وتعظيم له.

ثم حكى ما أبدى قوم لوط من الفعال بعد نزول الملائكة فقال: ﴿ وجاء أهل المدينة ﴾ أي أهل سذوم التي ضرب بقاضيها المثل فقيل أجور من قاضي سذوم.

﴿ يستبشرون ﴾ بظهور السرور بمجيء الملائكة لأنهم رأوهم مرداً حسان الوجوه ﴿ قال ﴾ لوط لما قصدوا أضيافه ﴿ إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ﴾ بفضيحة ضيفي لأن الضيف يجب إكرامه فإذا أسيء إليه في دار المضيف كان ذلك إهانة وفضيحة للمضيف.

يقال: فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار ﴿ واتقوا الله ولا تخزون ﴾ مر في "هود" ﴿ قالوا ﴾ في جواب لوط ﴿ أو لم ننهك عن العالمين ﴾ أي ألسنا نهيناك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟

وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط  ينهاهم عن ذلك فأوعدوه نظيره ﴿ لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ﴾ {الشعراء: 116] وقيل: نهوه عن ضيافة الناس وإنزالهم ﴿ قال هؤلاء بناتي ﴾ من الصلب أو أراد نساء أمته كما مر في "هود".

قال جار الله ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ شك في قبولهم لقوله كأنه قال وما أظنكم تفعلون.

وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فبما أحل الله دون ما حرم.

ثم قالت الملائكة للوط  ﴿ لعمرك ﴾ مبتدأ محذوف الخبر لكثرة الاستعمال أي قسمي أو هو ما أقسم به.

والعمر والعمر بالفتح والضم واحد إلاّ أنهم خصوا القسم بالمفتوح اتباعاً للأخف، فإن الحلف كثير الدور على ألسنتهم ﴿ إنهم لفي سكرتهم ﴾ غوايتهم التي أذهبت عقولهم حتى لم يميزوا بين خطئهم وصوابك ﴿ يعمهون ﴾ يتحيرون فكيف يقبلون قولك الذي تأمرهم به من ترك البنين إلى البنات؟

وقيل: إنه  خاطب رسول الله  وأقسم بحياته  كرامة له  وما أقسم بحياة أحد قط وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله ﴿ فأخذتهم الصيحة مشرقين ﴾ داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس كان اتبداء العذاب من أول الصبح لقوله: ﴿ مصبحين ﴾ أليس الصبح بقريب؟

وغلبته كانت عن طلوع الشمس قال المفسرون: هي صيحة جبرائيل.

قلت: ويحتمل أن تكون صيحة قلب المدائن وإرسال الحجارة عليهم.

قال بعض المفسرين: إنما قال: ﴿ وأمطرنا عليهم ﴾ وفي سورة هود ﴿ وأمطرنا عليها  ﴾ لأنه أراد ههنا من شذ من القرية منهم.

وقيل: سبب تخصيص هذه السورة بجمع المذكر هو بناء القصة على قوله: ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ للمتفرسين.

وحقيقة التوسم التثبت في النظر حتى يعرف حقيقة سمة الشيء فعبر به عن التأمل والتفكر ﴿ وإنها ﴾ يعني تلك القرى وآثارها ﴿ لبسبيل مقيم ﴾ ثابت يسلكه الناس المارة من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثار قهر الله وغضبه هنالك.

قال بعضهم: إنما جميع الآيات في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ لأنه أشار إلى ما تقدم عن ضيف براهيم وقصة لوط وقلب المدينة وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم.

وقال في الثانية ﴿ وإنها ﴾ أي القرية ﴿ لبسبيل ﴾ وهذه واحدة من تلك الآيات فلذلك قال: ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ وقيل: ما جاء من القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين وهم مقرون بوحدانيته وحد الآية نظيره في "العنكبوت" { ﴿ خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين  ﴾ .

ثم أجمل قصة قوم شعيب فقال: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبرها.

كانوا أصحاب غياض ومواضع ذات شجر فنسبوا إليها.

والآيكة الشجر الملتف.

والضمير في قوله: ﴿ وإنهما ﴾ يعود إلى قرى قوم لوط وإلى الأيكة.

وقيل: بل إلى الآيكة ومدين لأن شعيباً كان مبعوثاً إليهما فدل بذكر أحد الموضعين ههنا - وهو الأيكة - على الآخر ﴿ لبإمام مبين ﴾ لبطريق واضح.

قال الفراء والزجاج: سمي الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع.

وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده.

ثم ختم القصص بقصة ثمود فقال: ﴿ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ﴾ وهو واد بين الشأم والمدينة.

وجمع المرسلين لأن تكذيب نبي واحد- وهو صالح - كتكذيب جميع الأنبياء، أو لأن القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين، ﴿ وآتيناهم ﴾ أي أعطينا رسولهم ﴿ آياتنا ﴾ أراد الناقة وكانت فيها آيات خروجها من الصخر وعظم خلقها وكثرة لبنها إلى غير ذلك كما حكينا في "الأعراف" ﴿ فكانوا عنها ﴾ أي عن النظر فيها والاعتبار بها ﴿ معرضين ﴾ وفيه أن التقليد مذموم والاستدلال واجب ﴿ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين ﴾ من أن تنهدم ويتداعى بنيانها أو يقع سقفهم عليهم، أو آمنين من عذاب الله أو من حوادث الدهر.

﴿ فما أغنى عنهم ﴾ لم يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله ﴿ ما كانوا يكسبون ﴾ من بناء البيوت الوثيقة ومن جمع الأموال والعدد.

ولم فرغ من القصص قال: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ أي متلبسة بالفوائد والغايات والحكم الصحيحة منها: اشتغال المكلفين بالعبادة والطاعة حتى لو تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وهذا النظم يناسب أصول الاعتزال، قال الجبائي: فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلق الله بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل.

وأجيب بأن أفعال العباد من جملة ما بين السموات والأرض فوجب أن يكون الله خالقها.

ويمكن أن يقال في وجه النظم: إن هذا ابتداء شروع في تسلية النبي صلى الله عليه و سلم وتصبيره على أذيات قومه بعد اقتصاص أحوال الأمم السالفة ومعاملاتهم مع أنبيائهم، ويؤيد هذا النظم قوله: ﴿ وإن الساعة لآتية ﴾ معناه أن الله سينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل فكيف يليق بحكمته وفضله إهمال أمرك؟

ولما صبره على أذى قومه رغبه في الصفح فقال: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ أي فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء إن كان اللام الجنس فالمراد هذا النوع من الصفح لا الذين يشتمل على حقد واجتهال ومكر، وإن كان للعهد فلعل المراد ما أمر به في نحو قوله: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  ﴾ وقيل: هذا منسوخ بآية السيف والأظهر أن حسن المعاشرة والمخالقة مأمور به ما أمكن فلا حاجة إلى ارتكاب النسخ ﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ كثير الخلق ﴿ العليم ﴾ الكامل العلم يعلم ما يجري بين الخلائق من الأحوال والأخلاق وإن كثروا وكثرت فيجازيهم يوم القيامة على حسب ذلك.

وقيل: أراد أنه الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فاليوم الصفح أصلح فاصفحوا إلى أن يكون السيف أصلح.

ثم حثه على الصفح والتجاوز بذكر النعم العظام التي خصه بها فقال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بها فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي  ما وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة.

وذلك أنها سبع آيات.

والمثاني جمع مثناة من التثنية أو جمع مثنية لأنها تثنى في كل صلاة.

وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها.

وأيضاً قسمت بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء، وقد ورد الحديث في هذا المعنى "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" وقد مر في أول الكتاب.

وأيضاً كلماتها مثناة مثل: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ﴿ إياك ﴾ و ﴿ إياك ﴾ ﴿ الصراط ﴾ ﴿ صراط ﴾ ﴿ عليهم ﴾ ﴿ عليهم ﴾ واشتمالها على ثناء الله تعالى وتحميده مقرر ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب.

فقيل: كأنه رأى أنه  عطف عليه قوله: ﴿ والقرآن العظيم ﴾ والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير القرآن.

والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل  ﴾ أو بالعكس كما في الآية.

والمقصود في الوصفين تميز البعض عن الكل تنبيهاً على مزية ذلك البعض وشرفه.

فإن قلت: ليس لعطف لكل على البعض نظير، والاستدلال بالآية استدلال بصورة النزاع من غير دليل.

قلنا: يكفي بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ دليلاً على أنه من القرآن.

وعن ابن عمر وسعيد بن جبير في رواية: أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، أو لأنها تثني على الله بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى.

وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة مكية وأكثر تلك السورة مدنية.

وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى السماء الدنيا، والمكية والمدنية في ذلك سيان، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر.

وقال قوم: السبع المثاني هي التي دون الطول والمئين وفوق المفصل، واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله  قال: "إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل" .

قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني.

وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله  : ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف.

ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام.

وكأنه قيل: آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعاً مثاني ولكونه قرآناً عظيماً.

قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف: و"من" في ﴿ من المثاني ﴾ للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول، وللبيان إذا أردت الأسباع.

ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضيئلة حقيرة، ومنه الحديث "من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به - فليس منا" وقول أبي بكر: من أوتي القرآن فرآى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً.

فمن حق قارىء القرآن الواقف على معانيه أن لا يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها.

قال الواحدي: إنما يكون مادّاً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه.

وقال في الكشاف: معنى ﴿ لا تمدن ﴾ لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له ﴿ إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ﴾ أي أصنافاً من الكفار قاله ابن قتيبة.

وقال الجوهري: الأزواج القرناء.

وقال بعضهم: لا تمدن عينيك أي لا تحسدنّ أحداً على ما أوتي من الدنيا.

وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقاً فكيف يحسن تخصيص الرسول به؟

ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه  لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته.

ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله.

فقال لهم الله عز وجل: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ لا تمدن ﴾ بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه.

ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفاراً أمره بالتواضع للفقراء، إذا كانوا مؤمنين فقال: ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ الخفض نقيض الرفع، وجناحا الإنسان يداه، وخفضهما كناية عن اللين والرفق.

وإنما قال في سورة الشعراء بزيادة ﴿ لمن اتبعك  ﴾ لأنه قال قبله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد فصار الأمر بخفض الجناح مختصاً بالأقربين من عشيرته فزيد ﴿ لمن اتبعك  ﴾ ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة.

ولما بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال: ﴿ وقل إني أنا النذير المبين ﴾ ويدخل تحت كونه نذيراً كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عذاب، وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب.

ويدخل في كونه مبيناً كونه شارحاً لجميع مراتب أهل التكاليف من الجنة والنار.

فالإنذار بالنار والإحذار بالجنة هو الإخبار عن موجب الحرمان عنها.

وفي متعلق قوله: ﴿ كما أنزلنا ﴾ وجهان بعد ما مر به في الوقوف: أحدهما أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ أي أنزلنا} أي أنزلنا عليك ما أنزلنا ﴿ على المقتسمين ﴾ ومن هم؟

قيل: أهل الكتاب ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة "فعلة" من عضى الشاة إذا جعلها أجزاء وأعضاء، أو "فعلة" من عضهته إذا بهته فالمحذوف منها الهاء لا الواو.

وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون للساحرة عاضهة.

ولعن رسول الله  العاضهة والمستعضهة فينقصانها الهاء أيضاً.

وجمعت العضة بالمعاني جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا الجمع بالواو والنون عوضاً عما لحقها من الحذف كسنين.

فمعنى الآية أن اليهود اقتسموا القرآن إلى حق وباطل وجزؤه فقالوا بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما.

ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرأونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وتكذيبهم، والإقرار بالبعض والتكذيب بالبعض كقوله: { ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وفي هذا تسلية لرسول الله  عن تكذيب قومه وعداوتهم، ولهذا وسط بين المتعلق بقوله: ﴿ لا تمدن ﴾ الآية لأنه مدد للتسلية لما فيه من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الإقبال بالكلية على المؤمنين.

الوجه الثاني أن يتعلق بقوله: ﴿ النذير المبين ﴾ وعلى هذا لا يكون بد من التزام إضمار أو زيادة، أما الإضمار فأن يكون التقدير: أنا النذير عذاباً كما أنزلنا كقولك رأيت كالقمر في الحسن أي وجهاً كالقمر، وأما الزيادة فأن تكون الكاف زائدة كقوله: ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ ويمكن أن يقال: الكاف بمعنى مثل ولا حاجة إلى الالتزام والتقدير: أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم إما اليهود ويراد بالعذاب ما جرى على قريظة والنضير فيكون قد جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، وإما غيرهم من أهل مكة أو من قوم صالح.

قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة ومداخلها أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان بالله ورسوله.

يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر كذاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وكانوا قريباً من أربعين، منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب.

وقال عكرمة: اقتسموا القرآن استهزاء وكان يقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الآخر سورة آل عمران لي وقال مقاتل: اقتسموه.

قال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم كذب، وبعضهم أساطير الأولين.

وقال ابن زيد: المقتسمون هم الذين تقاسموا بالله ليبيتن صالحاً كما سيجيء في سورة النمل، فرمتهم الملائكة بالحجارة وقتلوهم، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ الذين جعلوا ﴾ منصوباً بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين.

ثم أقسم على سبيل الوعيد فقال: ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في أول "الأعراف" وذلك قوله ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم  ﴾ .

والأظهر أن الضمير عائد إلى جميع المكلفين المنذرين، وأن السؤال يكون عن جميع الأعمال، وقد يخص الضمير بالمقتسمين والسؤال بالاقتسام.

ثم شجع نبيه قائلاً ﴿ فاصدع ﴾ أي اجهر ﴿ بما تؤمر ﴾ وأظهره وفرق بين الحق والباطل.

وأصل الصدع الشق والفصل ومنه سمي الصبح صديعاً كما سمي فلقاً.

وصدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً.

قال النحويون: الجار محذوف والمعنى بالذي تؤمر به من الشرائع مثل "أمرتك الخير".

وجوز أن تكون "ما" مصدرية أي بأمرك وشأنك مصدر من المبني للمفعول.

وقالوا: وما زال النبي  مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.

ثم قال: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا لا ينافي آية القتال حتى يلزم النسخ على ما ظن بل يؤكدها.

ثم أكد النهي عن الاكتراث بهم وقوّى قلبه فقال: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ ولا ريب أنهم طبقة ذو شوكة قدروا على الاستهزاء بالرسول مع جلالة قدره.

والآية لا تفيد إلا هذا القدر لكن المفسرين ذكروا عددهم وأسماءهم مع اختلاف بينهم.

والأشهر على ما رواه عروة بن الزبير أنهم خمسة نفر من الأشراف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة.

وعن ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر.

وقال جبرائيل  لرسول الله  : أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لأخذه فأصابه عرقاً في عقبة فقطعه فمات.

وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجر ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، ثم زاد في تسلية نبيه  ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ﴾ من المطاعن فيك وفي القرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك.

ثم أمره لكشف ما نابه بأربعة أشياء: بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة إلى إتيان اليقين.

عن ابن عباس: هو الموت سمي بذلك لأنه أمر متيقن ولا يجب الإخلال بالعبادة ما دام المكلف حياً وهذا كما قيل في تحديد مدة طلب العلم: إنه من المهد إلى اللحد.

وكيف يصير الإقبال على الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب؟

قال المحققون: لأنه ينكشف له أضواء عالم الربوبية فيهون في نظره المصالح الدنيوية فلا يستوحش من فقدانها ولا يستأنس بوجدانها.

وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فعليه أن يفزع إلى الله بالذكر الدائم والسجود وسائر أنواع العبادة فكأنه يقول: وجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكاره.

وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق لأنه يعلم أنه تعالى عدل منزه عما لا فائدة فيه ولا غرض فيطيب قلبه.

التأويل: في بشارة إبراهيم إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن كان مسناً ضعيف القوى كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.

فأنه ينبغي أن لا يقنط من رحمة الله، ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه ربه بأصناف الألطاف وجذبات الأعطاف، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاماً عليماً بالعلوم اللدنية وهو واعظ الله الذي في قلب المؤمن ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ لأصحاب القلوب المتوسمين بشواهد أحكام الغيب.

وما خلقنا سموات الأرواح وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات ﴿ إلا بالحق ﴾ أي إلا لمظهر الحق، ومظهره هو الإنسان المخصوص بذلك من بين سائر المخلوقات ﴿ وإن الساعة ﴾ يعني قيامة العشق ﴿ لآتية ﴾ لنفوس الطالبين الصادقين من أصحاب الرياضات لأن أنفسهم تموت بالرياضة ومن مات فقد قامت قيامته ﴿ فاصفح ﴾ أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تداويها وتواسيها، فإن في قيامة العشق يحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين.

﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ لصور المخلوقات ولمعانيها ولحقائقها ﴿ العليم ﴾ بمن خلقه مستعداً لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما وليس ذلك في السموات والأرض وما بينهما إلا الإنسان الكامل وغيره مختص بمظهرية الصفات دون الذات وان كان ملكاً فلهذا قال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً ﴾ أي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى: السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة ﴿ من المثاني ﴾ أي من خصوصية المظهرية، والمظهرية الذات والصفات.

﴿ والقرآن العظيم ﴾ ولهذا صار خلقه عظيماً لأنه كان خلقه القرآن ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً ﴾ من أهل الدنيا والآخرة ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ بهذا المقام ليصلوا بجناح همتك إليه ﴿ على المتقسمين ﴾ الذين قسموا قهر الله على أنفسهم فصاروا مظاهر القهر ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي جزؤوه في الاستعمال فقوم قرأوه ليقال لهم القراء وبه يأكلون، وقوم حفظوه ليقال لهم الحفاظ وبه يجرّون الرزق، وقوم حصلوا تفسيره وتأويله إظهاراً للفضل وطلباً للشهرة، وقوم استنبطوا معانيه وفقهه على وفق آرائهم ومذاهبهم فكفروا إذ فسروا القرآن برأيهم.

﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة استهزاء بدين الله ﴿ الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ لأنك لست منهم ﴿ وكن من الساجدين ﴾ سجدة الشكر ﴿ واعبد ربك ﴾ بالإخلاص ﴿ حتى يأتيك اليقين ﴾ أي إلى الأبد لأن كل مقام يحصل فيه اليقين بالعيان بعد العرفان فإنه يحصل فوقه مقام آخر مشكوك فيه إلى أن يحصل برد اليقين فيه أيضاً، فهناك مراتب لا تتناهى فاليقين يكون إشارة إلى الأبد والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

أي: نبئ قومك عن ضيف إبراهيم؛ أي: نبئهم بتمام ما فيه من الزجر والموعظة؛ لأن في ذلك أخبار ما نزل بالمكذبين؛ بتكذيبهم الرسل، وهو الإهلاك، ونجاة من صدق الرسل، ففيه تمام ما يزجرهم، ويعظهم، من الترهيب والترغيب، فإن فيهم آية لرسالتك ونبوتك؛ لأنه يخبرهم على ما في كتبهم لم يشهدها هو، فيدلهم أنه إنما عرف ذلك بالله.

أو نبئهم؛ فإن ذلك ما يزجرهم عن مثل صنيعهم، وفيه ذكر نعم الله؛ لأنهم جاءوا بالبشارة؛ بشارة الولد، وجاءوا بإهلاك قوم مجرمين، فذلك بالذي يزجرهم عن مثله، والبشارة ترغبهم في مثل صنيع إبراهيم، فنبئهم فإن فيه ما ذكرنا.

ودل قوله: ﴿ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أن الضيف اسم لكل نازل على آخر، طعم عنده أو لم يطعم، وكان نزله للطعام أو لا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً ﴾ .

أي: سلموا على إبراهيم، فرد إبراهيم عليهم السلام.

وقال أبو بكر الأصم: السلام جعله الله أماناً بين الخلق، وعطفاً فيما بينهم، وسبباً لإخراج الضغائن من قلوبهم.

وقال بعضهم: جعل الله السلام تحية على كل داخل على آخر، وهو ما ذكرناه.

وقال بعضهم: السلام: هو اسم كل خير وبرّ وبركة؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ﴾ أي: خائفون.

قال بعض أهل التأويل: إنما خاف؛ لأنه ظن أنهم لصوص وأهل ريبة، لكن هذا لا يحتمل أن يخاف منهم؛ ويظن أنهم لصوص وأهل ريبة، وقد سلمّوا عليه وقت ما دخلوا عليه، واللصوص وأهل الريبة إذا دخلوا بيت آخر لا يسلمون عليه، لكنه إنما خافهم إذ رأى أيديهم لا تصل إليه؛ كما قال: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً  ﴾ عند ذلك خافهم؛ فلما رأى ذلك ظن إبراهيم أنهم ملائكة؛ إنما جاءوا لأمر عظيم؛ حيث لم يتناولوا مما قرب إليهم؛ وبين إبراهيم وبين المكان الذي يرتحل منه - مكان يقع لهم الحاجة إلى الطعام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَوْجَلْ ﴾ أي: لا تخف: ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ  ﴾ والحلم: هو الذي ينفي عن صاحبه كل أخلاق دنية، والعلم: هو الذي يدعو صاحبه إلى كل خلق رفيع؛ ليعلم أنه اجتمع فيه [جميع] الخصال الرفيعة، ونفى عنه كل خلق دنيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ ﴾ .

أي: أبشرتموني أن يولد لي، وأنا على الحال التي أنا عليها، أو يردّ إليَّ شبابي وشباب امرأتي.

﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ على الحال التي أنا عليها وامرأتي، أو يرد الشباب إلينا، وإلا لا يحتمل أن يخفى عليه قدرة الله هبة الولد في حال الكبر، لكنه لم ير الولد يولد في تلك الحال، فاستخبرهم أنه يولد في تلك الحال، أو يرد إلى حالة أخرى حالة الشباب.

والله  أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

أي: بما هو كائن لا محالة، أي: وعد كائن لا محالة، والواجب على كل من أنعم عليه بنعمة أن يشتغل بالشكر للمنعم، لا يستكشف عن الوجوه التي أنعم، والأحوال التي يكون عليها.

ثم في بشارة الولد بشارتان: إحداهما: بشارة بالغلام.

والثانية: بالبقاء والبلوغ إلى وقت العلم؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ ، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً  ﴾ ، ففي قوله "كهلا" دلالة وبشارة: إلى أنه يبقى إلى أن يصير كهلا، وإلا الكهل يضعف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن الأنبياء قد نهوا عن أشياء [قد] عصموا عنها ما لا يحتمل أن يكون منهم ما نهوا عنه؛ [نحو قوله]: ﴿ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ و ﴿ مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ  ﴾ ، ﴿ ٱلْكَٰفِرِينَ  ﴾ وأمثاله، وذلك مما لا يتوهم كونه منهم؛ وذلك لما ذكرنا أن العصمة لا ترفع المحنة؛ لأنها لو رفعت لذهبت فائدة العصمة؛ لأنها إنما يحتاج إليها عند المحنة، وأمّا إذا لم يكن محنة فلا حاجة تقع إليها، فعلى ذلك إبراهيم لم يكن قنط من رحمة ربه؛ أنه لا يهب له الولد في حال كبره؛ ولكن ما ذكرنا، ثم بين أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون: أخبر أن القنوط من رحمة الله هو ضلال، والإياس من رحمته كفر، فعندهم تضيق رحمته حتى لا يسع فيها الكبائر، والمعتزلة يقنطون من رحمة ربهم؛ لقولهم في أصحاب الكبائر ما يقولون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ  ﴾ .

قيل: فما خبركم، وما قصتكم، وما شأنكم؟

والخطب: الشأن؛ أي: على أي أمر وشأن أرسلتم.

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  ﴾ .

لم يحتمل أن يكون أول ما أخبروا إبراهيم وقالوه هذا، ولكن كان فيه ما ذكر في آية أخرى: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ  ﴾ ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  ﴾ فقال إبراهيم ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا  ﴾ يذكر هاهنا على الاختصار؛ فذلك يدل أن الخبر إذا أدّى معناه يجوز، وإن لم يؤت بلفظه على ما كان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوطٍ ﴾ كأن الثنيا هاهنا تكون عن الأشخاص، وأنفس أهل القرية؛ عن قوله: ﴿ مُّجْرِمِينَ ﴾ ؛ لأن آل لوط لم يكونوا مجرمين؛ فلا يحتمل الاستثناء من ذلك.

أو لا يكون على حقيقة الثنيا، وإن كان في الخبر استثناء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ ﴾ .

أخبر أنهم يهلكون قومه، ثم استثنى آله منهم، ثم امرأته من آله؛ ففيه دلالة أن الثنيا ليس برجوع؛ لأنه لو كان رجوعاً لكان يوجب الكذب في الخبر، ولكن في الثنيا بيان تحصيل المراد مما أجمل في اللفظ.

وفيه دلالة أيضاً أنه يجوز أن يستثنى من الاستثناء؛ لأنه استثنى امرأته من آله؛ بقوله: ﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ ﴾ فحصلت المرأة من قومه؛ حيث استثناها من آله.

وفيه أنه قد يجوز أن يستثنى من خلاف نوعه؛ لأنه استثنى آل لوط من قومه، والمجرم ليس من نوع الصالح، ثم استثنى امرأته من آله؛ وهي ليست منهم.

وفيه أيضاً أن آل الرجل يكون أتباعه؛ حيث استثنى آله منهم، يدخل فيه من تبعه؛ ألا ترى أنه قال: آل فرعون، وإنما هم أتباعه، وآل موسى؛ وآل هارون، وآل عمران: كل يرجع إلى أتباعهم، فيدخل في قولهم: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد - كلّ من تبعه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: ﴿ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا ﴾ : أي: أخبرنا، لكن هذا منه احتيال على تقوية مذهب الاعتزال؛ لأنهم ينكرون أن يكون أفعال العبيد مقدرة لله مخلوقة، ففي ذلك دلالة أن أفعالهم مخلوقة لله، مقدرة له، وأصله: أي: قدرنا بقاءها من الأصل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ : أي: الباقين.

قال أبو عوسجة: الغابرون: الباقون، والغابرون: الماضون أيضاً؛ يقال: غبر يغبر غبراً: إذا بقى، وإذا مضى أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إلا أهل لوط وأتباعه من المؤمنين، فلا يشملهم الإهلاك، إنا مُسَلِّموهم جميعًا منه.

<div class="verse-tafsir" id="91.5ajMe"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر