الآية ١١٠ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ١١٠ من سورة الإسراء

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَـٰنَ ۖ أَيًّۭا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًۭا ١١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 144 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٠ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٠ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : قل يا محمد ، لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله - عز وجل - المانعين من تسميته بالرحمن : ( ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) أي : لا فرق بين دعائكم له باسم " الله " أو باسم " الرحمن " ، فإنه ذو الأسماء الحسنى ، كما قال تعالى : ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ) إلى أن قال : ( له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) [ الحشر : 22 - 24 ] .

وقد روى مكحول أن رجلا من المشركين سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول في سجوده : " يا رحمن يا رحيم " ، فقال : إنه يزعم أنه يدعو واحدا ، وهو يدعو اثنين .

فأنزل الله هذه الآية .

وكذا روي عن ابن عباس ، رواهما ابن جرير .

وقوله : ( ولا تجهر بصلاتك ) الآية ، قال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، حدثنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية وهو متوار بمكة ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ) قال : كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ، وسبوا من أنزله ، ومن جاء به .

قال : فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( ولا تجهر بصلاتك ) أي : بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ) ولا تخافت بها ) عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك ) وابتغ بين ذلك سبيلا ) .

أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس به ، وكذا روى الضحاك عن ابن عباس ، وزاد : " فلما هاجر إلى المدينة ، سقط ذلك ، يفعل أي ذلك شاء " .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي ، تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه ، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي ، استرق السمع دونهم فرقا منهم ، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ، ذهب خشية أذاهم فلم يستمع ، فإن خفض صوته صلى الله عليه وسلم لم يستمع الذين يستمعون من قراءته شيئا ، فأنزل الله ) ولا تجهر بصلاتك ) فيتفرقوا عنك ) ولا تخافت بها ) فلا تسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم ، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع ، فينتفع به ) وابتغ بين ذلك سبيلا ) وهكذا قال عكرمة ، والحسن البصري ، وقتادة : نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة .

وقال شعبة عن أشعث بن أبي سليم عن الأسود بن هلال ، عن ابن مسعود : لم يخافت بها من أسمع أذنيه .

قال ابن جرير : حدثنا يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن سلمة بن علقمة ، عن محمد بن سيرين قال : نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته ، وأن عمر كان يرفع صوته ، فقيل لأبي بكر : لم تصنع هذا ؟

قال : أناجي ربي - عز وجل - وقد علم حاجتي .

فقيل : أحسنت .

وقيل لعمر : لم تصنع هذا ؟

قال : أطرد الشيطان ، وأوقظ الوسنان .

قيل أحسنت .

فلما نزلت : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ) قيل لأبي بكر : ارفع شيئا ، وقيل لعمر : اخفض شيئا .

وقال أشعث بن سوار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : نزلت في الدعاء .

وهكذا روى الثوري ، ومالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : نزلت في الدعاء .

وكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو عياض ، ومكحول ، وعروة بن الزبير .

وقال الثوري عن [ ابن ] عياش العامري ، عن عبد الله بن شداد قال : كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : اللهم ارزقنا إبلا وولدا .

قال : فنزلت هذه الآية : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) قول آخر : قال ابن جرير : حدثنا أبو السائب ، حدثنا حفص بن غياث ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، نزلت هذه الآية في التشهد : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) وبه قال حفص ، عن أشعث بن سوار ، عن محمد بن سيرين ، مثله .

قول آخر : قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) قال : لا تصل مراءاة الناس ، ولا تدعها مخافة الناس .

وقال الثوري ، عن منصور ، عن الحسن البصري : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) قال : لا تحسن علانيتها وتسيء سريرتها .

وكذا رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الحسن ، به .

وهشيم ، عن عوف ، عنه به .

وسعيد ، عن قتادة ، عنه كذلك .

قول آخر : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : ( وابتغ بين ذلك سبيلا ) قال : أهل الكتاب يخافتون ، ثم يجهر أحدهم بالحرف فيصيح به ، ويصيحون هم به وراءه ، فنهاه أن يصيح كما يصيح هؤلاء ، وأن يخافت كما يخافت القوم ، ثم كان السبيل الذي بين ذلك ، الذي سن له جبريل من الصلاة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيّه: قل يا محمد لمشركي قومك المنكرين دعاء الرحمن ( ادْعُوا اللَّهَ ) أيها القوم ( أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى ) بأيّ أسمائه جلّ جلاله تدعون ربكم، فإنما تدعون واحدا، وله الأسماء الحُسنى ، وإنما قيل ذلك له صلى الله عليه وسلم، لأن المشركين فيما ذكر سمعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو ربه: يا ربنا الله، ويا ربنا الرحمن، فظنوا أنه يدعو إلهين، فأنـزل الله على نبيّه عليه الصلاة والسلام هذه الآية احتجاجا لنبيّه عليهم.

ذكر الرواية بما ذكرنا: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس .

قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم ساجدا يدعو: يا رَحْمَنُ يا رَحيمُ ، فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدا، وهو يدعو مثنى مثنى، فأنـزل الله تعالى ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى )....

الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني عيسى ؛ عن الأوزاعي، عن مكحول، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم " كان يتهجَّد بمكة ذات ليلة، يقول في سجوده: يا رَحْمَنُ يا رَحيمُ ، فسمعه رجل من المشركين، فلما أصبح قال لأصحابه: انظروا ما قال ابن أبي كبشة، يدعو الليلة الرحمن الذي باليمامة، وكان باليمامة رجل يقال له الرحمن: فنـزلت ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى )." حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى ).

(2) حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن ، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( أَيًّا مَا تَدْعُوا ) بشيء من أسمائه.

حدثني موسى بن سهل، قال: ثنا محمد بن بكار البصري، قال: ثني حماد بن عيسى ؛ عن عبيد بن الطفيل الجهني، قال: ثنا ابن جريج، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن مكحول، عن عَرَّاك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ للهِ تسْعَةً وَتسْعينَ اسْما كُلُّهُنَّ في القُرآنِ، مَنْ أحْصَاهنّ دَخَل الجَنَّة ".

قال أبو جعفر: ولدخول " ما " في قوله ( أَيًّا مَا تَدْعُوا ) وجهان: أحدهما أن تكون صلة، كما قيل: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ والآخر أن تكون في معنى إن: كررت لما اختلف لفظاهما، كما قيل: ما إن رأيت كالليلة ليلة.

وقوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ) اختلف أهل التأويل في الصلاة، فقال بعضهم: عنى بذلك: ولا تجهر بدعائك، ولا تخافت به، ولكن بين ذلك ، وقالوا: عنى بالصلاة في هذا الموضع: الدعاء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن عيسى الدامغاني، قال: ثنا ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قالت: في الدعاء.

حدثنا بشار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: نـزلت في الدعاء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مثله.

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا عباد بن العوّام، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قول الله تعالى ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: كانوا يجهرون بالدعاء، فلما نـزلت هذه الآية أُمروا أن لا يجهروا، ولا يخافتوا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد، عن عمرو بن مالك البكري، عن أبي الجوزاء عن عائشة، قالت: نـزلت في الدعاء.

حدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا عبد الله بن داود، قال: ثنا شريك، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض، في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: الدعاء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم الهَجري، عن أبي عياض ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: نـزلت في الدعاء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شريك، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان عمن ذكره عن عطاء ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال : نـزلت في الدعاء.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في الآية ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: في الدعاء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: نـزلت في الدعاء.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) في الدعاء والمسألة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قال: نـزلت في الدعاء والمسألة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثني سفيان، قال: ثني قيس بن مسلم ، عن سعيد بن جبير في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال : في الدعاء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن ابن عياش العامري، عن عبد الله بن شداد قال: كان أعراب إذا سلم النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا: اللهم ارزقنا إبلا وولدا، قال: فنـزلت هذه الآية ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: في الدعاء.

حدثني ابن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ )....

الآية، قال: في الدعاء والمسألة.

حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال: ثني عيسى ؛ عن الأوزاعي، عن مكحول ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: ذلك في الدعاء.

وقال آخرون: عَنَى بذلك الصلاة.

واختلف قائلو هذه المقالة في المعنى الذي عَنَى بالنهي عن الجهر به، فقال بعضهم: الذي نهى عن الجهر به منها القراءة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نـزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبُّوا القرآن ومن أنـزله، ومن جاء به، قال: فقال الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ) فيسمع المشركون ( وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) عن أصحابك، فلا تُسْمِعهم القرآن حتى يأخذوا عنك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا جهر بالصلاة بالمسلمين بالقرآن، شقّ ذلك على المشركين إذا سمعوه، فيُؤْذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشتم والعيب به، وذلك بمكة ، فأنـزل الله: يا محمد ( لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ) يقول: لا تُعْلِن بالقراءة بالقرآن إعلانا شديدا يسمعه المشركون فيؤذونك، ولا تخافت بالقراءة بالقرآن: يقول: لا تخفض صوتَك حتى لا تُسْمِع أذنيك ( وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ) يقول: اطلب بين الإعلان والجهر وبين التخافت والخفض طريقا، لا جهرا شديدا، ولا خفضا لا تُسْمِع أذنيك، فذلك القدر، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سقط هذا كله، يفعل الآن أيّ ذلك شاء.

حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا )....

الآية، هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة كان إذا صلى بأصحابه، فرفع صوته بالقراءة أسمع المشركين، فآذوه، فأمره الله أن لا يرفع صوته، فيسمع عدوّه ، ولا يخافت فلا يُسْمِع من خلفه من المسلمين، فأمره الله أن يبتغي بين ذلك سبيلا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقرآن، فكان المشركون إذا سمعوا صوته سبُّوا القرآن، ومن جاء به، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخفي القرآن فما يسمعه أصحابه، فأنـزل الله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ) .

حدثنا محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، يقول: أخبرنا أبو حمزة عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع صوته وَسمع المشركون، سبُّوا القرآن، ومن جاء به، وإذا خفض لم يسمع أصحابه، قال الله ( وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ).

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرّقوا، وأبَوا أن يستمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو، وهو يصلي، استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع، ذهب خشية أذاهم، فلم يستمع، فإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، لم يستمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فأنـزل الله عليه ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ) فيتفرقوا عنك ( وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) فلا تُسْمِع من أراد أن يسمعها، ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به، ( وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ).

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يجهر بقراءة القرآن في المسجد الحرام، فقالت قريش: لا تجهر بالقراءة فتؤذي آلهتنا، فنهجو ربك، فأنـزل الله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا )....

الآية.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبَّاس، في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مختف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع الصوت بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنـزله، ومن جاء به، فقال الله لنبيّه ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ) : أي بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسبُّوا القرآن ( وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) عن أصحابك، فلا تسمعهم ( وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ) .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: في القراءة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في هذه الآية ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رفع صوته أعجب ذلك أصحابه، وإذا سمع ذلك المشركون سبُّوه، فنـزلت هذه الآية.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سلمة، عن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، قال: فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟

فقال: أناجي ربي، وقد علم حاجتي، قيل : أحسنت، وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟

قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، قيل: أحسنت، فلما نـزلت ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ) قيل لأبي بكر: ارفع شيئا، وقيل لعمر: اخفض شيئا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: يقول ناس إنها في الصلاة، ويقول آخرون إنها في الدعاء.

حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ) وكان نبيّ الله وهو بمكة، إذا سمع المشركون صوته رموه بكلّ خبث، فأمره الله أن يغضّ من صوته، وأن يجعل صلاته بينه وبين ربه، وكان يقال: ما سمعته أذنك فليس بمخافتة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: " كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالصلاة ، فيُرمي بالخبث، فقال: لا ترْفعْ صَوْتكَ فتُؤْذَى وَلا تُخافِتْ بِها، وَابْتَغِ بين ذلك سَبِيلا.

وقال آخرون: إنما عُنِي بذلك: ولا تجهر بالتشهد في صلاتك، ولا تخافت بها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: نـزلت هذه الآية في التشهد ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ).

حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن ابن سيرين مثله.

وزاد فيه: وكان الأعرابيّ يجهر فيقول : التحيات لله، والصلوات لله، يرفع فيها صوته، فنـزلت ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ).

وقال آخرون: بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة جِهارا، فأمر بإخفائها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري قالا قال في بني إسرائيل ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى يجهر بصلاته، فآذى ذلك المشركين بمكة، حتى أخفى صلاته هو وأصحابه، فلذلك قال ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ) وقال في الأعراف وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ .

وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تجهر بصلاتك تحسنها من إتيانها في العلانية، ولا تخافت بها: تسيئها في السريرة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن أنه كان يقول ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) : أي لا تراء بها عَلانيَة، ولا تخفها سرًّا( وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ).

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: كان الحسن يقول في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: لا تحسن علانيتها، وتسيء سريرتها.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: لا تراء بها في العلانية، ولا تخفها في السريرة.

حدثني عليّ بن الحسن الأزرقي، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن منصور، عن الحسن ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: تحسن علانيتها، وتسيء سريرتها.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) قال: لا تصلّ مراءاة الناس ولا تدعها مخافة.

وقال آخرون في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ) قال: السبيل بين ذلك الذي سنّ له جبرائيل من الصلاة التي عليها المسلمون.

قال: وكان أهل الكتاب يُخافتون، ثم يجهر أحدهم بالحرف، فيصيح به، ويصيحون هم به وراءه، فنهى أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يُخافت كما يُخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك، الذي سنّ له جبرائيل من الصلاة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، ما ذكرنا عن ابن عباس في الخبر الذي رواه أبو جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس، لأن ذلك أصحّ الأسانيد التي رُوِي عن صحابيّ فيه قولٌ مخرَّجا، وأشبه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنـزيل، وذلك أن قوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) عقيب قوله ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى ) وعقيب تقريع الكفار بكفرهم بالقرآن، وذلك بعدهم منه ومن الإيمان.

فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى وأشبه بقوله ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) أن يكون من سبب ما هو في سياقه من الكلام، ما لم يأت بمعنى يوجب صرفه عنه، أو يكون على انصرافه عنه دليل يعلم به الانصراف عما هو في سياقه.

فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: قل ادعوا الله، أو ادعوا الرحمن، أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، ولا تجهر يا محمد بقراءتك في صلاتك ودعائك فيها ربك ومسألتك إياه، وذكرك فيها، فيؤذيك بجهرك بذلك المشركون، ولا تخافت بها فلا يسمعها أصحابك ( وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ) ولكن التمس بين الجهر والمخافتة طريقا إلى أن تسمع أصحابك، ولا يسمعه المشركون فيؤذوك.

ولولا أن أقوال أهل التأويل مضت بما ذكرت عنهم من التأويل، وأنا لا نستجير خلافهم فيما جاء عنهم، لكان وجها يحتمله التأويل أن يقال: ولا تجهر بصلاتك التي أمرناك بالمخافتة بها، وهي صلاة النهار لأنها عجماء، لا يجهر بها، ولا تخافت بصلاتك التي أمرناك بالجهر بها، وهي صلاة الليل، فإنها يجهر بها( وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ) بأن تجهر بالتي أمرناك بالجهر بها، وتخافت بالتي أمرناك بالمخافتة بها، لا تجهر بجميعها، ولا تخافت بكلها، فكان ذلك وجها غير بعيد من الصحة، ولكنا لا نرى ذلك صحيحا لإجماع الحجة من أهل التأويل على خلافه.

فإن قال قائل: فأية قراءة هذه التي بين الجهر والمخافتة؟

قيل: حدثني مطر بن محمد، قال: ثنا قتيبة، ووهب بن جرير، قالا ثنا شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن الأسود بن هلال، قال: قال عبد الله: لم يخافت من أسمع أذنيه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الأشعث، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله، مثله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاقوله تعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى سبب نزول هذه الآية أن المشركين سمعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو يا الله يا رحمن فقالوا : كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين ; قاله ابن عباس .

وقال مكحول : تهجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة فقال في دعائه : يا رحمن يا رحيم فسمعه رجل من المشركين ، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمان ، فقال ذلك السامع : ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة .

فنزلت الآية مبينة أنهما اسمان لمسمى واحد ; فإن دعوتموه بالله فهو ذاك ، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذاك .

وقيل : كانوا يكتبون في صدر الكتب : باسمك اللهم ; فنزلت إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم فكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسم الله الرحمن الرحيم فقال المشركون : هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن ; فنزلت الآية .

وقيل : إن اليهود قالت : ما لنا لا نسمع في القرآن اسما هو في التوراة كثير ; يعنون الرحمن ; فنزلت الآية .

وقرأ طلحة بن مصرف أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى أي التي تقتضي أفضل الأوصاف وأشرف المعاني .

وحسن الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع ; لإطلاقها والنص عليها .

وانضاف إلى ذلك أنها تقتضي معان حسانا شريفة ، وهي بتوقيف لا يصح وضع اسم لله بنظر إلا بتوقيف من [ ص: 308 ] القرآن أو الحديث أو الإجماع .

حسبما بيناه في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) .قوله تعالى : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها اختلفوا في سبب نزولها على خمسة أقوال :[ الأول ] ما روى ابن عباس في قوله - تعالى - : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قال : نزلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوار بمكة ، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به ; فقال الله - تعالى - ولا تجهر بصلاتك فيسمع المشركون قراءتك .

ولا تخافت بها عن أصحابك .

أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر .

وابتغ بين ذلك سبيلا قال : يقول بين الجهر والمخافتة ; أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم .

واللفظ لمسلم .

والمخافتة : خفض الصوت والسكون ; يقال للميت إذا برد : خفت .

قال الشاعر :لم يبق إلا نفس خافت ومقلة إنسانها باهت رثى لها الشامت مما بهايا ويح من يرثي له الشامت[ الثاني ] ما رواه مسلم أيضا عن عائشة في قوله عز وجل : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قالت : أنزل هذا في الدعاء .[ الثالث ] قال ابن سيرين : كان الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية في ذلك .قلت : وعلى هذا فتكون الآية متضمنة لإخفاء التشهد ، وقد قال ابن مسعود : من السنة أن تخفي التشهد ; ذكره ابن المنذر .[ الرابع ] ما روي عن ابن سيرين أيضا أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان يسر قراءته ، وكان عمر يجهر بها ، فقيل لهما في ذلك ; فقال أبو بكر : إنما أناجي ربي ، وهو يعلم حاجتي .

إليه .

وقال عمر : أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان ; فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر : ارفع قليلا ، وقيل لعمر اخفض أنت قليلا ; ذكره الطبري وغيره .[ ص: 309 ] [ الخامس ] ما روي عن ابن عباس أيضا أن معناها ولا تجهر بصلاة النهار ، ولا تخافت بصلاة الليل ; ذكره يحيى بن سلام والزهراوي .

فتضمنت أحكام الجهر والإسرار بالقراءة في النوافل والفرائض ، فأما النوافل فالمصلي مخير في الجهر والسر في الليل والنهار ، وكذلك روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفعل الأمرين جميعا .

وأما الفرائض فحكمها في القراءة معلوم ليلا ونهارا .[ وقول سادس ] قال الحسن : يقول الله لا ترائي بصلاتك تحسنها في العلانية ولا تسيئها في السر .

وقال ابن عباس : لا تصل مرائيا للناس ولا تدعها مخافة الناس .الثانية : عبر - تعالى - بالصلاة هنا عن القراءة كما عبر بالقراءة عن الصلاة في قوله : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر ; لأن الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود فهي من جملة أجزائها ; فعبر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في المجاز وهو كثير ; ومنه الحديث الصحيح : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي أي قراءة الفاتحة على ما تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

بقول تعالى لعباده: { ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ } أي: أيهما شئتم.

{ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } أي: ليس له اسم غير حسن، أي: حتى ينهى عن دعائه به، أي: اسم دعوتموه به، حصل به المقصود، والذي ينبغي أن يدعى في كل مطلوب، مما يناسب ذلك الاسم.

{ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ } أي: قراءتك { وَلَا تُخَافِتْ بِهَا } فإن في كل من الأمرين محذورًا.

أما الجهر، فإن المشركين المكذبين به إذا سمعوه سبوه، وسبوا من جاء به.

وأما المخافتة، فإنه لا يحصل المقصود لمن أراد استماعه مع الإخفاء { وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ } أي: بين الجهر والإخفات { سَبِيلًا } أي: تتوسط فيما بينهما.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) قال ابن عباس : سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يبكي ويقول في سجوده : يا ألله يا رحمن .

فقال أبو جهل : إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين!

فأنزل الله تعالى هذه الآية .

ومعناه : أنهما اسمان لواحد .

( أيا ما تدعوا ) " ما " صلة معناه : أيا ما تدعوا من هذين الاسمين ومن جميع أسمائه ( فله الأسماء الحسنى ) ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) قال : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( ولا تجهر بصلاتك ) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم : ( وابتغ بين ذلك سبيلا ) .

وبهذا الإسناد عن محمد بن إسماعيل قال : حدثنا مسدد عن هشيم عن أبي بشر بإسناده مثله وزاد ( وابتغ بين ذلك سبيلا ) أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن .

وقال قوم : الآية في الدعاء وهو قول عائشة رضي الله عنها والنخعي ومجاهد ومكحول : أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا طلق بن غنام حدثنا زائدة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها في قوله : " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " قالت : أنزل ذلك في الدعاء .

وقال عبد الله بن شداد : كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : " اللهم ارزقنا مالا وولدا فيجهرون بذلك فأنزل الله هذه الآية : ( ولا تجهر بصلاتك ) أي : لا ترفع صوتك بقراءتك أو بدعائك ولا تخافت بها .

والمخافتة : خفض الصوت والسكوت " وابتغ بين ذلك سبيلا " أي : بين الجهر والإخفاء .

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الخزاعي أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا محمود بن غيلان حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن أبي رباح الأنصاري عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : " مررت بك وأنت تقرأ وأنت تخفض من صوتك فقال : إني أسمعت من ناجيت فقال : ارفع قليلا وقال لعمر : مررت بك وأنت تقرأ وأنت ترفع صوتك فقال إني أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال : اخفض قليلا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

وكان صلى الله عليه وسلم يقول "" يا الله يا رحمن "" فقالوا: ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر معه فنزل (قل) لهم (ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) أي سموه بأيهما أو نادوه بأن تقولوا: يا الله يا رحمن (أيا) شرطية (ما) زائدة أي هذين (تدعوا) فهو حسن دل على هذا (فله) أي لمسماهما (الأسماء الحسنى) وهذان منها فإنها كما في الحديث "" الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الأحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرءوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور" رواه الترمذي «ولا تجهر بصلاتك» بقراءتك بها فيسمعك المشركون فيسبوك ويسبوا القرآن ومن أنزله «ولا تخافت» تسر «بها» لينتفع أصحابك «وابتغ» اقصد «بين ذلك» الجهر والمخافتة «سبيلا» طريقا وسطا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لمشركي قومك الذين أنكروا عليك الدعاء بقولك: يا الله يا رحمن، ادعوا الله، أو ادعوا الرحمن، فبأي أسمائه دعوتموه فإنكم تدعون ربًا واحدًا؛ لأن أسماءه كلها حسنى.

ولا تجهر بالقراءة في صلاتك، فيسمعك المشركون، ولا تُسِرَّ بها فلا يسمعك أصحابك، وكن وسطًا بين الجهر والهمس.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ( قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى .

.

) ذكروا روايات منها : ما أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال : " وصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم فدعا الله - تعالى - فقال : يا الله ، يا رحمن ، فقال المشركون : انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين فنزلت " .ومعنى : ادعوا ، سموا ، و ( أو ) للتخيير .

و ( أيا ) اسم شرط جازم منصوب على المفعولية بقوله : ( ادعوا ) والمضاف إليه محذوف ، أى : أى الاسمين .

( وتدعو ) مجزوم على أنه فعل الشرط لأيًّا ، وجملة ( فَلَهُ الأسمآء الحسنى ) واقعة موقع جواب الشرط ، و ( ما ) مزيدة للتأكيد .

والحسنى : مؤنث الأحسن الذى هو أفعل تفضيل .والمعنى : قل يا محمد للناس : سموا المعبود بحق بلفظ الله أو بلفظ الرحمن بأى واحد منهما سميتموه فقد أصبتم ، فإنه - تعالى - له الأسماء الأحسن من كل ما سواه ، وقال - سبحانه - : ( فَلَهُ الأسمآء الحسنى ) للمبالغة فى كمال أسمائه - تعالى - وللدلالة على أنه ما دامت أسماؤه كلها حسنة ، فلفظ الله ولفظ الرحمن كذلك ، كل واحد منهما حسن .وقد ذكر الجلالان عند تفسيرهما لهذه الآية ، أسماء الله الحسنى ، فارجع إليها إن شئت .وقوله - سبحانه - : ( وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً ) تعليم من الله - تعالى - لنبيه كيفية أفضل طرق القراءة فى الصلاة .فالمراد بالصلاة هنا : القراءة فيها .

والجهر بها : رفع الصوت أثناءها ، والمخافتة بها : خفضه بحيث لا يسمع .

يقال : خفت الرجل بصوته إذا لم يرفعه ، والكلام على حذف مضاف .والمعنى : ولا تجهر يا محمد فى قراءتك خلال الصلاة ، حتى لا يسمعها المشركون فيسبوا القرآن ، ولا تخافت بها ، حتى لا يسمعها من يكون خلفك ، بل أسلك فى ذلك طريقا وسطا بين الجهر والمخافتة .ومما يدل على أن المراد بالصلاة هنا : القراءة فيها ، ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس .قال : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة ، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فإذا سمع ذلك المشركون ، سبوا القرآن ، ومن أنزله ومن جاء به ، فأمره الله بالتوسط .وقيل : المراد بالصلاة هنا : الدعاء .

أى : لا ترفع صوتك وأنت تدعو الله ، ولا تخافت به .

وقد روى ذلك عن عائشة ، فقد أخرج الشيخان عنها أنها نزلت فى الدعاء .ويبدو لنا أن التوجيهات التى بالآية الكريمة تتسع للقولين ، أى : أن على المسلم أن يكون متوسطًا فى رفع صوته بالقراءة فى الصلاة ، وفى رفع صوته حال دعائه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال صاحب الكشاف المراد بهما الاسم لا المسمى و«أو» للتخيير بمعنى: ﴿ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن ﴾ أي سموا بهذا الاسم أو بهذا أو اذكروا إما هذا وإما هذا والتنوين في ﴿ أَيّا ﴾ عوض عن المضاف إليه و ﴿ مَا ﴾ صلة للإبهام المؤكد لما في أي والتقدير أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فله الأسماء الحسنى والضمير في قوله: ﴿ فَلَهُ ﴾ ليس براجع إلى أحد الإسمين المذكورين ولكن إلى مسماهما وهو ذاته عز وعلا والمعنى: أياً ما تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله: ﴿ فَلَهُ الأسماء الحسنى ﴾ لأنه إذا حسنت أسماؤه فقد حسن هذان الإسمان لأنهما منها ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التحميد والتقديس وقد سبق الاستقصاء في هذا الباب في آخر سورة الأعراف في تفسير قوله: ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها  ﴾ واحتج الجبائي بهذه الآية فقال: لو كان تعالى هو الخالق للظلم والجور لصح أن يقال يا ظالم وحينئذ يبطل ما ثبت في هذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة.

والجواب: أنا لا نسلم أنه لو كان خالقاً لأفعال العباد لصح وصفه بأنه ظالم وجائر كما أنه لا يلزم من كونه خالقاً للحركة والسكون والسواد والبياض أن يقال يا متحرك ويا ساكن ويا أسود ويا أبيض فإن قالوا فيلزم جواز أن يقال يا خالق الظلم والجور قلنا فيلزمكم أن تقولوا يا خالق العذرات والديدان والخنافس وكما أنكم تقولون أن ذلك حق في نفس الأمر ولكن الأدب أن يقال يا خالق السموات والأرض فكذا قولنا هنا، ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فيه أقوال: الأول: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله تعالى إليه: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فيسمع المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم: ﴿ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ فلا تسمع أصحابك وابتغ بين ذلك سبيلا.

القول الثاني: روى أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالليل على دور الصحابة، وكان أبو بكر يخفي صوته بالقراءة في صلاته وكان عمر يرفع صوته، فلما جاء النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لم تخفي صوتك؟

فقال أناجي ربي، وقد علم حاجتي وقال لعمر لم ترفع صوتك؟

فقال أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً وعمر أن يخفض صوته قليلاً.

القول الثالث: معناه: ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار.

والقول الرابع: أن المراد بالصلاة الدعاء وهذا قول عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة ومجاهد قالت عائشة رضي الله عنها هي في الدعاء وروى هذا مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية إنما ذلك في الدعاء والمسألة لا ترفع صوتك فتذكر ذنوبك فيسمع ذلك فتعير بها فالجهر بالدعاء منهى عنه والمبالغة في الإسرار غير جائزة والمستحب من ذلك التوسط وهو أن يسمع نفسه كما روي عن ابن مسعود أنه قال لم يخافت من أسمع أذنيه.

والقول الخامس: قال الحسن لا تراه بعلانيتها ولا تسئ بسريتها.

البحث الثاني: الصلاة عبارة عن مجموع الأفعال والأذكار والجهر والمخافتة من عوارض الصوت، فالمراد هاهنا من الصلوات بعض أجزاء ماهية الصلاة وهو الأذكار والقرآن وهو من باب إطلاق اسم الكل لإرادة الجزء.

البحث الثالث: يقال خفت صوته يخفت خفتاً وخفوتاً إذا ضعف وسكن وصوت خفيت أي خفيض ومنه يقال للرجل إذا مات قد خفت أي انقطع كلامه وخفت الزرع إذا ذبل وخفت الرجل يخافت بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت وقد تخافت القوم إذا تساروا بينهم وأقول ثبت في كتب الأخلاق أن كلا طرفي الأمور ذميم والعدل هو رعاية الوسط ولهذا المعنى مدح الله هذه الأمة بقوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ وقال في مدح المؤمنين: ﴿ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً  ﴾ وأمر الله رسوله فقال: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط  ﴾ فكذا هاهنا نهى عن الطرقين وهو الجهر والمخافتة وأمر بالتوسط بينهما فقال: ﴿ وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً ﴾ ومنهم من قال الآية منسوخة بقوله: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً  ﴾ وهو بعيد واعلم أنه تعالى لما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى علمه كيفية التحميد فقال: ﴿ وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ الذل وكبرهُ تكْبِيراً ﴾ فذكر هاهنا من صفات التنزيه والجلال وهي السلوب ثلاثة أنواع من الصفات.

النوع الأول: من الصفات أنه لم يتخذ ولداً والسبب فيه وجوه: الأول: أن الولد هو الشيء المتولد من جزء من أجزاء شيء آخر فكل من له ولد فهو مركب من الأجزاء والمركب محدث والمحدث محتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد.

الثاني: أن كل من له ولد فإنه يمسك جميع النعم لولده فإذا لم يكن له ولد أفاض كل تلك النعم على عبيده.

الثالث: أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه وفنائه فلو كان له ولد لكان منقضياً ومن كان كذلك لم يقدر على كمال الإنعام في كل الأوقات فوجب أن لا يستحق الحمد على الإطلاق.

والنوع الثاني: من الصفات السلبية قوله: ﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك ﴾ والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو كان له شريك فحينئذ لا يعرف كونه مستحقاً للحمد والشكر.

والنوع الثالث: قوله: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ الذل ﴾ والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو جاز عليه ولي من الذل لم يجب شكره لتجويز أن غيره حمله على ذلك الإنعام أو منعه منه، أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وكان منزهاً عن أن يكون له ولي يلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجل أقسام الشكر ثم قال تعالى: ﴿ وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ ومعناه أن التحميد يجب أن يكون مقروناً بالتكبير ويحتمل أنواعاً من المعاني.

أولها: تكبيره في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته وأنه غني عن كل ما سواه.

وثانيها: تكبيره في صفاته وذلك من ثلاثة أوجه.

أولها: أن يعتقد أن كل ما كان صفة له فهو من صفات الجلال والعز والعظمة والكمال وهو منزه عن كل صفات النقائص.

وثالثها: أن يعتقد أن كل واحد من تلك الصفات متعلق بما لا نهاية له من المعلومات وقدرته متعلقة بما لا نهاية له من المقدورات والممكنات.

ورابعها: أن يعتقد أنه كما تقدست ذاته عن الحدوث وتنزهت عن التغير والزوال والتحول والانتقال فكذلك صفاته أزلية قديمة سرمدية منزهة عن التغير والزوال والتحول والانتقال.

النوع الثالث: من تكبير الله تكبيره في أفعاله وعند هذا تختلف أهل الجبر والقدر فقال أهل السنة إنا نحمد الله ونكبره ونعظمه على أن يجري في سلطانه شيء لا على وفق حكمه وإرادته فالكل واقع بقضاء الله وقدرته ومشيئته وإرادته، وقالت المعتزلة إنا نكبر الله ونعظمه عن أن يكون فاعلاً لهذه القبائح والفواحش بل نعتقد أن حكمته تقتضي التنزيه والتقديس عنها وعن إرادتها وسمعت أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني فلما رآه قال سبحان من تنزه عن الفحشاء فقال الأستاذ أبو إسحاق: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.

النوع الرابع: تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أنه ملك مطاع وله الأمر والنهي والرفع والخفض وأنه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أحكامه يعز من يشاء ويذل من يشاء.

النوع الخامس: تكبير الله في أسمائه وهو أن لا يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة العالية المنزهة.

النوع السادس: من التكبير هو أن الإنسان بعد أن يبلغ في التكبير والتعظيم والتنزيه والتقديس مقدار عقله وفهمه وخاطره يعترف أن عقله وفهمه لا يفي بمعرفة جلال الله، ولسانه لا يفي بشكره، وجوارحه وأعضاؤه لا تفي بخدمته فكبر الله عن أن يكون تكبيره وافياً بكنه مجده وعزته.

وهذا أقصى ما يقدر عليه العبد الضعيف من التكبير والتعظيم ونسأل الله تعالى الرحمة قبل الموت وعند الموت وبعد الموت إنه الكريم الرحيم وبالله العصمة والتوفيق وحسبنا الله ونعم الوكيل.

قال المصنف رحمه الله تعالى: تم تفسير هذه السورة يوم الثلاثاء بين الظهر والعصر يوم العشرين من شهر المحرم في بلدة غزنين سنة إحدى وستمائة والحمد لله والصلاة على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن عباس رضي الله عنهما سمعه أبو جهل يقول: يا أَلله يا رحمن، فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر.

وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت.

والدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى النداء، وهو يتعدّى إلى مفعولين، تقول: دعوته زيداً، ثم يترك أحدهما استغناء عنه فيقال: دعوت زيداً.

والله والرحمن، المراد بهما الاسم لا المسمى.

وأو للتخيير، فمعنى ﴿ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن ﴾ سموا بهذا الاسم أو بهذا، واذكروا إما هذا وإما هذا.

والتنوين في ﴿ أَيّا ﴾ عوض من المضاف إليه.

و ﴿ مَا ﴾ صلة للإبهام المؤكد لما في أيّ، أي: أيّ هذين الاسمين سميتم وذكرتم ﴿ فَلَهُ الأسماء الحسنى ﴾ والضمير في ﴿ فَلَهُ ﴾ ليس براجع إلى أحد الاسمين المذكورين، ولكن إلى مسماهما وهو ذاته تعالى؛ لأن التسمية للذات لا للاسم.

والمعنى: أياما تدعوا فهو حسن، فوضع موضعه قوله: ﴿ فَلَهُ الأسماء الحسنى ﴾ لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان: لأنهما منها، ومعنى كونهما أحسن الأسماء.

أنها مستقلة بمعاني التحميد والتقديس والتعظيم.

بصلاتك بقراءة صلاتك على حذف المضاف؛ لأنه لا يلبس، من قبل أن الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير، والصلاة أفعال وأذكار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بقراءته، فإذا سمعها المشركون لغوا وسبوا، فأمر بأن يخفض من صوته، والمعنى: ولا تجهر حتى تسمع المشركين ﴿ وَلاَ تُخَافِتْ ﴾ حتى لا تسمع من خلفك ﴿ وابتغ بَيْنَ ﴾ الجهر و المخافتة ﴿ سَبِيلاً ﴾ وسطاً.

وروي أنّ أبا بكر رضي الله عنه كان يخفي صوته بالقراءة في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي، وكان عمر رضي الله عنه يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان، فأمر أبا بكر أن يرفع قليلاً وعمر أن يخفض قليلاً.

وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار، وقيل ﴿ بِصَلاتِكَ ﴾ بدعائك.

وذهب قوم إلى أنّ الآية منسوخة بقوله: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ [الأعراف: 55] وابتغاء السبيل: مثل لانتحاء الوجه الوسط في القراءة ﴿ وَلِىٌّ مَّنَ الذل ﴾ ناصر من الذل ومانع له منه لاعتزازه به، أو لم يوال أحداً من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ نَزَلَتْ حِينَ سَمِعَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ فَقالُوا إنَّهُ يَنْهانا أنْ نَعْبُدَ إلَهَيْنِ وهو يَدْعُو إلَهًا آخَرَ.

أوْ قالَتِ اليَهُودُ: إنَّكَ لَتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ وقَدْ أكْثَرَهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ، والمُرادُ عَلى الأوَّلِ هو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بِأنَّهُما يُطْلَقانِ عَلى ذاتٍ واحِدَةٍ وإنِ اخْتَلَفَ اعْتِبارُ إطْلاقِهِما، والتَّوْحِيدُ إنَّما هو لِلَذّاتِ الَّذِي هو المَعْبُودُ المُطْلَقُ وعَلى الثّانِي أنَّهُما سِيّانِ في حُسْنِ الإطْلاقِ والإفْضاءِ إلى المَقْصُودِ وهو أجْوَدُ لِقَوْلِهِ: ﴿ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ والدُّعاءُ في الآيَةِ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حُذِفَ أوَّلُهُما اسْتِغْناءً عَنْهُ وأوْ لِلتَّخْيِيرِ والتَّنْوِينُ في ﴿ أيًّا ﴾ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، و ﴿ ما ﴾ صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ ما في ﴿ أيًّا ﴾ مِنَ الإبْهامِ، والضَّمِيرُ في ﴿ فَلَهُ ﴾ لِلْمُسَمّى لِأنَّ التَّسْمِيَةَ لَهُ لا لِلِاسْمِ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ ﴿ أيًّا ما تَدْعُوا ﴾ فَهو حَسَنٌ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى ما هو الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وكَوْنُها حُسْنى لِدَلالَتِها عَلى صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ.

﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ حَتّى تُسْمِعَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى السَّبِّ واللَّغْوِ فِيها.

﴿ وَلا تُخافِتْ بِها ﴾ حَتّى لا تُسْمِعَ مَن خَلْفَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ.

﴿ سَبِيلا ﴾ وسَطًا فَإنَّ الِاقْتِصادَ في جَمِيعِ الأُمُورِ مَحْبُوبٌ.

رُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَخْفِتُ ويَقُولُ: أُناجِي رَبِّي وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَجْهَرُ ويَقُولُ أطْرُدُ الشَّيْطانَ وأُوقِظُ الوَسَنانَ، فَلَمّا نَزَلَتْ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  أبا بَكْرٍ أنْ يَرْفَعَ قَلِيلًا وعُمَرَ أنْ يَخْفِضَ قَلِيلًا.» وَقِيلَ مَعْناهُ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها ولا تُخافِتْ بِها بِأسْرِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِالإخْفاتِ نَهارًا والجَهْرِ لَيْلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرحمن} لما سمعه أبو جهل يقول يا الله يا رحمن قال إنه نهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر فنزلت وقيل إن أهل الكتاب قالوا إنك لتقل ذكر الرحمن وقد اكثر الله في التوارة هذا الاسم فنزلت والدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى النداء وأو للتخيير أي سموا بهذا الاسم أو بهذا أو اذكروا إما هذا وإما هذا والتنوين في {أَيَّا مَّا تَدْعُوا} عوض من المضاف اليه وما زيدت للتوكيد وايا نصب بتدعوا وهو مجزوم بأي أي هذين الاسمين ذكرتم وسميتم {فَلَهُ الأسْمَآءُ الحسنى} والضمير في فله يرجع إلى ذات الله تعالى والفاء لأنه جواب الشرط أي أيَّاماً تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله فله الأسماء الحسنى لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان لأنهما منها ومعنى كونها أحسن الأسماء إنها مستقلة بمعاني التمجيد والتقديس والتعظيم {ولا تجهر بصلاتك} بقراءة صلايك على حذف المضلف لأنه لا يلبس إذ الجهر والمخافتة تعتقبان على الصوت لا غير والصلاة أفعال وأذكار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بقراءته فإذا سمعها المشركون لغوا وسبوا فأمر بأن يخفض من صوته والمعنى ولا تجهر حتى تسمع المشركن {ولا تخافت بها} حتى تسمع من خلفك {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ} بين الجهر والمخافتة {سبيلا} وسطا أو معناه لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاو النهار أو بصلاتك بدعائك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «صَلّى  بِمَكَّةَ ذاتَ يَوْمٍ فَدَعا اللَّهَ تَعالى فَقالَ في دُعائِهِ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ.

فَقالَ المُشْرِكُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا الصّابِئِ يَنْهانا أنْ نَدْعُوَ إلَهَيْنِ وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ فَنَزَلَتْ».

وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: قالَ أهْلُ الكِتابِ لِلرَّسُولِ  : إنَّكَ لِتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ هَذا الِاسْمَ فَنَزَلَتْ.

والمُرادُ عَلى الأوَّلِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بِأنَّهُما عِبارَتانِ عَنْ ذاتٍ واحِدٍ وإنِ اخْتَلَفَ الِاعْتِبارُ، والتَّوْحِيدُ إنَّما هو لِلَذّاتِ الَّذِي هو المَعْبُودُ وهو يُلائِمُ قَوْلَهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: ﴿ وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ وعَلى الثّانِي التَّسْوِيَةُ في حُسْنِ الإطْلاقِ والإفْضاءِ إلى المَقْصُودِ، فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ فَهِمُوا أحْسَنِيَّةَ الرَّحْمَنِ لِكَوْنِهِ أحَبَّ إلَيْهِ تَعالى؛ إذْ أكْثَرَ ذِكْرَهُ في كِتابِهِمْ، وكَأنَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ غَضُوبًا كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ فَأكْثَرَ لَهُ مِن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ لِيُعامِلَ أُمَّتَهُ بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَخَلَّقُونَ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي البَيْضاوِيُّ: وهَذا أجْوَبُ لِقَوْلِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ لِأنَّ تَوْصِيفَ الأسْماءِ بِالحُسْنى يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المَقُولَ لَهم ذَلِكَ يَظُنُّونَ أحْسَنِيَّةَ اسْمٍ مِنَ اسْمٍ لا التَّغايُرَ، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: الغَرَضُ عَلى الوَجْهَيْنِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ في الحُسْنِ، والِاخْتِلافُ إنَّما هو بِأنَّ الِاسْتِواءَ في الحُسْنِ رَدٌّ لِمَن قالَ: إنَّكَ لَتُقِلُّ إلَخْ بِأنَّ الإتْيانَ بِأحَدِ الحَسَنَيْنِ كافٍ أوْ لِمَن قالَ: يَنْهانا أنْ نَدْعُوَ إلَهَيْنِ وهو يَدْعُو بِأنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ الدّالَّيْنِ عَلى كَمالِهِ تَعالى لا بَيْنَ كامِلَيْنِ فاْلَأجْوَبِيَّةُ مَمْنُوعَةٌ.

انْتَهى.

وتُعُقِّبَ بِأنَ أنْسَبِيَّةَ التَّوْصِيفِ بِالحُسْنى لِلثّانِي ظاهِرَةٌ مِمّا لا تَكادُ تُنْكَرُ، ووَجَّهَ الطِّيبِيُّ الأجْوَبِيَّةَ بِأنَّ اعْتِراضَ اليَهُودِ كانَ تَعْبِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلى تَرْجِيحِ أحَدِ الِاسْمَيْنِ عَلى الآخَرِ واعْتِراضُ المُشْرِكِينَ كانَ تَعْبِيرًا عَلى الجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيًّا ما تَدْعُوا ﴾ يُطابِقُ الرَّدَّ عَلى اليَهُودِ؛ لِأنَّ المَعْنى أيَّ اسْمٍ مِنَ الِاسْمَيْنِ دَعَوْتُمُوهُ فَهو حَسَنٌ، وهو لا يَنْطَبِقُ عَلى اعْتِراضِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ قالَ: هَذا مُسَلَّمٌ إذا كانَ أوْ لِلتَّخْيِيرِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْإباحَةِ والِانْطِباقُ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ؛ فَإنَّ المُشْرِكِينَ حَظَرُوا الجَمْعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ فَيَكُونُ رَدُّهم بِإباحَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الأسْماءِ المُتَكاثِرَةِ فَضْلًا عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ عَلى أنَّ الجَوابَ بِالتَّخْيِيرِ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ غَيْرُ مُطابِقٍ لِأنَّهُمُ اعْتَرَضُوا بِالتَّرْجِيحِ.

وأُجِيبَ بِالتَّسْوِيَةِ لِأنَّ أوْ تَقْتَضِيها، وكانَ الجَوابُ العَتِيدُ أنْ يُقالَ: إنَّما رَجَّحْنا اللَّهَ عَلى الرَّحْمَنِ في الذِّكْرِ لِأنَّهُ جامِعٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ بِخِلافِ الرَّحْمَنِ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا.

ومَنَعَ الأجْوَبِيَّةَ أيْضًا الجَلْبِيُّ بِأنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ يَقْتَضِي أجْوَبِيَّةَ الأوَّلِ؛ إذْ مَعْناهُ هَذِهِ الأسْماءُ لِلَّهِ تَعالى لا لِغَيْرِهِ كَما زَعَمَ المُشْرِكُونَ إلّا أنْ يُقالَ: «أوْ» لِلتَّخْيِيرِ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ يَتَعَيَّنُ كَوْنُها لِلْإباحَةِ لِأنَّها كَما قالَ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ: يَجُوزُ الجَمْعُ فِيها بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ والِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما وفي التَّخْيِيرِ لا يَجُوزُ الجَمْعُ وهو هُنا جائِزٌ.

ودُفِعَ بِأنَّ المَعْنى لِلَّهِ تَعالى أسْماءٌ مُتَّفِقَةٌ في الحُسْنِ لِأنَّها لا تَخْتَلِفُ مَدْلُولاتُها بِالذّاتِ بِخِلافِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ أسْماءَهُ تَخْتَلِفُ فالقَصْرُ إذا كانَ بِأنْ لَمْ يَكُنِ التَّقْدِيمُ لِمُجَرَّدِ التَّشْوِيقِ ناظِرٌ إلى الوَصْفِ لا لِلْأسْماءِ وهَذا لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَسْلِيمِ التَّخْيِيرِ، ثُمَّ إنَّهُ لا مانِعَ مِن إرادَتِهِ بَلْ أيٌّ تَقْتَضِيهِ لِأنَّها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ فَإذا قُلْتَ لِأحَدٍ: أيَّ الأمْرَيْنِ تَفْعَلُ فافْعَلْ، لَمْ تَأْمُرْهُ بِفِعْلِهِما بَلْ بِفِعْلِ أحَدِهِما، وأمّا الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ الجَمْعِ فَمِن خارِجِ النَّظْمِ ودَلالَةِ العَقْلِ؛ لِأنَّهم إذا لَمْ يَتَنافَيا جازَ الجَمْعُ بَيْنَهُما، ومِن هُنا تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى حَمْلِ التَّخْيِيرِ في كَلامِ مَن عَبَّرَ بِهِ عَلى غَيْرِ الِاصْطِلاحِ المَشْهُورِ الَّذِي هو اصْطِلاحُ النُّحاةِ فِيهِ إذا قُوبِلَ بِالإباحَةِ بِأنْ يُقالَ: مُرادُهُ بِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ في الدَّلالَةِ عَلى ذاتٍ واحِدَةٍ وسَواءٌ فِيهِ الإفْرادُ والجَمْعُ، قالَ في التَّلْوِيحِ: وفي التَّخْيِيرِ قَدْ يَجُوزُ الجَمْعُ بِحُكْمِ الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ وهَذا يُسَمّى التَّخْيِيرَ عَلى سَبِيلِ الإباحَةِ اه.

والظّاهِرُ أنَّ الحَقَّ مَعَ مانِعِ الأجْوَبِيَّةِ والقائِلِ بِالإباحَةِ فَتَدَبَّرْ، والدُّعاءُ عَلى ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ بِمَعْنى النِّداءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ لا بِمَعْنى النِّداءِ وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ: دَعَوْتُهُ زَيْدًا ثُمَّ يَتْرُكُ أحَدَهُما اسْتِغْناءُ عَنْهُ فَتَقُولُ: دَعَوْتُ زَيْدًا، والأصْلُ عَلى ما قِيلَ أنْ يَتَعَدّى إلى الثّانِي بِالباءِ لَكِنَّهُ يَتَّسِعُ فَيَحْذِفُ الباءَ، والمَفْعُولُ الآخَرُ هُنا مَحْذُوفٌ؛ أيْ: سَمُّوهُ بِهَذا الِاسْمِ أوْ بِهَذا الِاسْمِ وكَذا يُقالُ في الدُّعاءِ الثّانِي، وعُلِّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلى الحَقِيقَةِ المَشْهُورَةِ يَلْزَمُ إمّا الِاشْتِراكَ إنْ تَغايَرَ مَدْلُولا الِاسْمَيْنِ أوْ عُطِفَ الشَّيْءُ عَلى نَفْسِهِ بِ «أوْ» وهو إنَّما يَجُوزُ بِالواوِ إنِ اتَّحَدا، وبُحِثَ فِيهِ بِأنّا نَخْتارُ الثّانِيَ ولا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لِأنَّهُ قَصَدَ اللَّفْظَ كَما تَقُولُ: نادِ النَّبِيَّ  بِمُحَمَّدٍ أوْ بِأحْمَدَ مَعَ أنَّ اخْتِلافَ مَفْهُومَيْهِما يَكْفِي لِصِحَّتِهِ، وما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أوْ لا يُنادِي عَلى ما قِيلَ عَلى إرادَةِ النِّداءِ، وقِيلَ: إنْ كانَتِ الآيَةُ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ فَهو بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ، وإنْ كانَتْ رَدًّا عَلى اليَهُودِ فَهو بِمَعْنى النِّداءِ وجَعَلَ الطِّيبِيُّ لِذَلِكَ تَفْسِيرَ الزَّمَخْشَرِيِّ إيّاهُ بِالتَّسْمِيَةِ مُؤْذِنًا بِمَيْلِهِ إلى أنَّها رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، وفي ذَلِكَ تَأمُّلٌ.

و«أيًّا» اسْمُ شَرْطٍ جازِمٌ مَنصُوبٌ بِ تَدْعُوا وجازِمٌ لَهُ فَهو عامِلٌ ومَعْمُولٌ مِن جِهَتَيْنِ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: أيَّ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، وما حَرْفٌ مَزِيدٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: إنَّها اسْمُ شَرْطٍ مُؤَكَّدٌ بِهِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (مَن) بَدَلُ (ما) وخَرَجَ عَلى زِيادَتِها عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ أوْ جَعَلَها أداةَ شَرْطٍ، والجُمَعُ بَيْنَ أداتَيِ الشَّرْطِ كالجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ الجَرِّ في قَوْلِهِ: «فَأصْبَحَنَ لا يَسْألْنَنِي عَنْ بِما بِهِ» شاذٌّ.

وجُمْلَةُ: ﴿ فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ، وهي في الحَقِيقَةِ تَعْلِيلٌ لَهُ، وكَأنَّ أصْلَ الكَلامِ: أيًّا ما تَدْعُوهُ بِهِ فَهو حَسَنٌ؛ لِأنَّ لَهُ سُبْحانَهُ الأسْماءَ الحُسْنى اللّاتِي مِنها هَذانِ، وفي العُدُولِ عَنْ حَقِّ الجَوابِ إقامَةُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ وفِيهِ مُبالَغَةٌ لا تَخْفى، وهَذا التَّقْدِيرُ ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ الثّانِي في سَبَبِ النُّزُولِ ويُقَدَّرُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فِيهِ فَمَدْلُولُهُ واحِدٌ ونَحْوُهُ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ بَلْ يُقَدَّرُ عَلى القَوْلَيْنِ فَهو حَسَنٌ عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ صاحِبِ الكَشْفِ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: وقَدْ حُمِلَ «أوْ» عَلى الإباحَةِ وجُعِلَ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ: التَّقْدِيرُ: قُلْ سَمُّوا ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ بِاللَّهِ وبِالرَّحْمَنِ فَهُما سِيّانِ في اسْتِصْوابِ التَّسْمِيَةِ بِهِما فَبِأيِّهِما سَمَّيْتَهُ فَأنْتَ مُصِيبٌ، وإنْ سَمَّيْتَهُ بِهِما جَمِيعًا فَأنْتَ أصْوَبُ؛ لِأنَّ لَهُ الأسْماءَ الحُسْنى، وقَدْ أمَرَنا سُبْحانَهُ بِأنْ نَدْعُوَهُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها ﴾ فَجَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلُ قَوْلُنا: فَأنْتَ مُصِيبٌ، ودَلَّ عَلى الشَّرْطِ الثّانِي وجَوابِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ والآيَةُ عَلى هَذا فَنٌّ مِن فُنُونِ الإيجازِ الَّذِي هو مِن حِلْيَةِ التَّنْزِيلِ، وعَلى تَقْدِيرٍ: فَهو حَسَنٌ حَسْبَما سَمِعْتَ أوَّلًا مِن بابِ الإطْنابِ اه.

وهو كَما تَرى.

ونَقَلَ في البَحْرِ أنَّ مِنهم مَن وقَفَ عَلى «أيًّا» عَلى مَعْنى: أيَّ اللَّفْظَيْنِ تَدْعُوهُ بِهِ جازَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ما تَدْعُو فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى.

وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ «ما» لا يُطْلَقُ عَلى آحادِ ذَوِي العِلْمِ، ولِأنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِي عُمُومًا وهو لا يَصِحُّ هُنا، وضَمِيرُ ( فَلَهُ ) عائِدٌ عَلى المُسَمّى أوِ المُنادى المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ، والقَرِينَةُ عَقْلِيَّةٌ وهي أنَّ الأسْماءَ تَكُونُ لِلْمُسَمّى ولِلْمُنادى لا لِلِاسْمِ واللَّفْظِ المُنادى بِهِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ غَيْرُ ذَلِكَ في بابِ الإشارَةِ.

ووَصْفُ الأسْماءِ بِالحُسْنى لِدَلالَتِها عَلى ما هو جامِعٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِنها شَيْءٌ وما هو مِن صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ والإكْرامِ، هَذا؛ واعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ مِمّا رُوِيَ عَنِ اليَهُودِ أنَّهم لا يُنْكِرُونَ حُسْنَ سائِرِ أسْمائِهِ تَعالى، وإنَّما يَزْعُمُونَ أنَّ الرَّحْمَنَ مِنها أحَبُّ أسْمائِهِ تَعالى إلَيْهِ وأعْظَمُها وأشْرَفُها لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ تَعالى إيّاهُ في التَّوْراةِ واخْتِلافِ أسْمائِهِ عَزَّتْ أسْماؤُهُ في الشَّرَفِ والعِظَمِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ أيْضًا.

ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْصِيصُهُ  بَعْضَ الأسْماءِ بِأنَّهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ.

فَقَدْ رُوِيَ: ««أنَّ النَّبِيَّ  سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ.

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَألَ اللَّهَ تَعالى بِاسْمِهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى»».

ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: اسْمُ اللَّهِ تَعالى في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿ وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهٌ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ وفاتِحَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ .

ونَصَّ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في أوائِلِ كِتابِهِ: «المَقْصِدُ الأسْنى» عَلى أنَّ اللَّهَ أعْظَمُ الأسْماءِ التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى الذّاتِ الجامِعَةِ لِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ كُلِّها، وسائِرُ الأسْماءِ لا يَدُلُّ آحادُها إلّا عَلى آحادِ المَعانِي مِن عِلْمٍ أوْ قُدْرَةٍ أوْ فِعْلٍ أوْ غَيْرِهِ ولِأنَّهُ أخَصُّ الأسْماءِ إذْ لا يُطْلِقُهُ أحَدٌ عَلى غَيْرِهِ تَعالى لا حَقِيقَةً ولا مَجازًا، وسائِرُ الأسْماءِ قَدْ يُسَمّى بِهِ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ كالقادِرِ والعَلِيمِ والرَّحِيمِ وغَيْرِها، واسْمُهُ تَعالى الرَّحْمَنُ لا يُسَمّى بِهِ غَيْرُهُ تَعالى أيْضًا وهو مِن هَذا الوَجْهِ قَرِيبٌ مِنَ اسْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِنَ الرَّحْمَةِ قَطْعًا، ولِذا جَمَعَ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ اه.

وقالَ في أواخِرِهِ: فَإنْ قِيلَ: ما بالُ تِسْعَةٍ وتِسْعِينَ مِن أسْمائِهِ تَعالى اخْتَصَّتْ بِأنَّ مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ مَعَ أنَّ الكُلَّ أسْماءُ اللَّهِ تَعالى فَنَقُولُ: الأسامِي يَجُوزُ أنْ تَتَفاوَتَ فَضِيلَتُها لِتَفاوُتِ مَعانِيها في الجَلالَةِ والشَّرَفِ فَتَكُونُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ مِنها تَجْمَعُ أنْواعًا مِنَ المَعانِي المُنْبِئَةِ عَنِ الجَلالِ لا يَجْمَعُ ذَلِكَ غَيْرُها مُخْتَصٌّ بِزِيادَةِ شَرَفٍ انْتَهى.

وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ: تَخْصِيصُ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ يَعْنِي اللَّهَ والرَّحْمَنَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما أشْرَفُ مِن سائِرِ الأسْماءِ، وتَقْدِيمُ اسْمِ اللَّهِ عَلى اسْمِ الرَّحْمَنِ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: اللَّهُ أعْظَمُ الأسْماءِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ، والآيَةُ إنَّما تَصْلُحُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ رَدًّا لِما فَهِمَهُ اليَهُودُ إذا كانَ المُرادُ مِنها نَفْيَ التَّفاوُتِ الَّذِي زَعَمُوهُ وحِينَئِذٍ يَقَعُ التَّعارُضُ بَيْنَها وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ مِنَ الأخْبارِ، وقَدْ يُجْعَلُ هَذا وجْهًا لِاخْتِيارِ كَوْنِ سَبَبِ النُّزُولِ قَوْلَ المُشْرِكِينَ، ولَعَلَّ أثَرَهُ أصَحُّ، وما نَقَلْناهُ فِيما سَبَقَ عَنِ العَلّامَةِ الطِّيبِيِّ مُؤَيِّدٌ لِما قُلْناهُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ خالِقَ الظُّلْمِ وإلّا لَصَحَّ اشْتِقاقُ اسْمٍ لَهُ سُبْحانَهُ مِنهُ، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِن كَوْنِ أسْمائِهِ تَعالى بِأسْرِها حُسْنى.

وأُجِيبَ بِمَنعِ المُلازَمَةِ لِأنَّ الظُّلْمَ لَيْسَ صِفَتَهُ عَزَّ وجَلَّ، وكَوْنُهُ خالِقًا لَهُ لا يَصِحُّ الِاشْتِقاقُ مِنهُ وإلّا لَصَحَّ الِاشْتِقاقُ مِنَ الطُّولِ والقِصَرِ والسَّوادِ والبَياضِ لِأنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ، نَعَمْ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى خالِقُ القَبِيحِ لِلُزُومِ الأدَبِ مَعَهُ سُبْحانَهُ ويُقالُ: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.

وما هو مِن أسْمائِهِ جَلَّتْ أسْماؤُهُ الخالِقُ لا خالِقُ كَذا فافْهَمْ، سَلَكَ اللَّهُ تَعالى بِنا وبِكَ الطَّرِيقَ الأقْوَمَ.

وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما قِيلَ مِن آياتِ الحِفْظِ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ: «هُوَ أمانٌ مِنَ السَّرَقِ»».

وأنَّ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ تَلاها حِينَ أخَذَ مَضْجَعَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سارِقٌ فَجَمَعَ ما في البَيْتِ وحَمَلَهُ والرَّجُلُ لَيْسَ بِنائِمٍ حَتّى انْتَهى إلى البابِ فَوَجَدَهُ مَرْدُودًا فَوَضَعَ الكارَةَ وفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَضَحِكَ صاحِبُ الدّارِ ثُمَّ قالَ: إنِّي أحْصَنْتُ بَيْتِي.

﴿ ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهم «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ورَسُولُ اللَّهِ  مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ فَكانَ إذا صَلّى بِأصْحابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ فَإذا سَمِعَ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرْآنَ ومَن أنْزَلَهُ ومَن جاءَ بِهِ».

فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ أيْ بِقِراءَتِكَ فَيَسْمَعِ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ ﴿ ولا تُخافِتْ بِها ﴾ عَنْ أصْحابِكَ فَلا تُسْمِعْهُمُ القُرْآنَ حَتّى يَأْخُذُوهُ عَنْكَ وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، يَقُولُ: بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ القِراءَةُ الَّتِي هي أحَدُ أجْزائِها مَجازًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالقِراءَةِ ما يَعُمُّ البَسْمَلَةَ وغَيْرَها، وبَعْضُ الأخْبارِ يُفِيدُ ظاهِرُهُ تَخْصِيصَها بِالبَسْمَلَةِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ سَعِيدٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ  يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وكانَ مُسَيْلِمَةُ قَدْ تَسَمّى بِالرَّحْمانِ فَكانَ المُشْرِكُونَ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالُوا: قَدْ ذَكَرَ مُسَيْلِمَةُ إلَهَ اليَمامَةِ ثُمَّ عارَضُوهُ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ والصَّفِيرِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

ولا يَخْفى عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ أشُدِّيَّةُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: «كانَ أبُو بَكْرٍ إذا صَلّى مِنَ اللَّيْلِ خَفَضَ صَوْتَهُ جِدًّا، وكانَ عُمَرُ إذا صَلّى مِنَ اللَّيْلِ رَفَعَ صَوْتَهُ جِدًّا فَقالَ عُمَرُ: يا أبا بَكْرٍ، لَوْ رَفَعْتَ مِن صَوْتِكَ شَيْئًا وقالَ أبُو بَكْرٍ: يا عُمَرُ، لَوْ خَفَضْتَ مِن صَوْتِكَ شَيْئًا، فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ  فَأخْبَراهُ بِأمْرِهِما فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، فَأرْسَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِما فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ، ارْفَعْ مِن صَوْتِكَ شَيْئًا، وقالَ لِعُمَرَ: اخْفِضْ مِن صَوْتِكَ شَيْئًا.

وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ: لِمَ تَصْنَعُ هَذا؟

فَقالَ: أُناجِي رَبِّي وقَدْ عَرَفَ حاجَتِي، وقِيلَ لِعُمَرَ: لِمَ تَصْنَعُ هَذا؟

قالَ: أطْرُدُ الشَّيْطانَ وأُوقِظُ الوَسْنانَ،» وأمْرُ التَّجَوُّزِ أوْ حَذْفِ المُضافِ عَلى هَذا مِثْلُهُ عَلى الأوَّلِ، وكَذا عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها ولا تُخافِتْ بِها كُلِّها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِالجَهْرِ في بَعْضٍ كالمَغْرِبِ والعِشاءِ والمُخافَتَةِ في بَعْضٍ كَما فِيما عَدا ذَلِكَ.

وقِيلَ: الصَّلاةُ بِمَعْنى الدُّعاءِ؛ لِما أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها ﴾ في الدُّعاءِ، وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ، ورَوى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ وكانُوا يَجْهَرُونَ بِ «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي».

وأخْرَجُوا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ «أنْ أعْرابًا مِن بَنِي تَمِيمٍ كانُوا إذا سَلَّمَ النَّبِيُّ  قالُوا: -أيْ: جَهْرًا-: اللَّهُمَّ ارْزُقْنا إبِلًا ووَلَدًا فَنَزَلَتْ».

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عائِشَةَ أنَّ الصَّلاةَ هُنا التَّشَهُّدُ، وكانَ الأعْرابُ كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ يَجْهَرُونَ بِتَشَهُّدِهِمْ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلى حَقِيقَتِها الشَّرْعِيَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى: لا تُصَلِّ الصَّلاةَ رِياءً ولا تَدَعْها حَياءً، ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والأكْثَرُونَ عَلى التَّفْسِيرِ المَرْوِيِّ عَنْهُ أوَّلًا، والمُخافَتَةِ إسْرارُ الكَلامِ بِحَيْثُ لا يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ، ومِن هُنا قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ: لَمْ يُخافِتْ مَن أسْمَعَ أُذُنَيْهِ، وخَفَتَ وهو مِن بابِ ضَرَبَ وخافَتَ بِمَعْنًى، يُقالُ: خَفَتَ يَخْفِتُ خَفْتًا وخُفُوتًا، وخافَتَ مُخافَتَةً إذا أسَرَّ وأخْفى، والتَّعْبِيرُ عَنِ الأمْرِ الوَسَطِ بِالسَّبِيلِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أمْرٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ المُتَوَجِّهُونَ ويَؤُمُّهُ المُقْتَدُونَ ويُوصِلُهم إلى المَطْلُوبِ، وقَدْ جاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ وأبِي قُلابَةَ: خَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، والآيَةُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الأكْثَرِينَ مَحْكَمَةٌ، وقِيلَ: مَنسُوخَةٌ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ  أُمِرَ بِمَكَّةَ بِالتَّوَسُّطِ؛ بِأنْ لا يَجْهَرَ جَهْرًا شَدِيدًا ولا يَخْفِضَ حَتّى لا يُسْمِعَ أُذُنَيْهِ، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ سَقَطَ ذَلِكَ.

وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً ﴾ وهو كَما تَرى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ حُكْمُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ فَوْقَ الحاجَةِ وحُكْمُ المُخافَتَةِ بِالمَعْنى الَّذِي سَمِعْتَهُ، المَسْطُورانِ في كُتُبِ الفِقْهِ فَراجِعْها إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى ذَبْرٍ مِنكَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «ولا تُخافِتْ بِصَوْتِكَ ولا تُعالِ بِهِ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ، أي صدقوا بالقرآن.

أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا، يعني: أو لا تصدقوا، ومعناه: إن صدقتم به أو لم تصدقوا، فإنه غني عن إِيمانكم وتصديقكم.

إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ، يعني: أعطوا علم كتابهم وهم مؤمنو أهل الكتاب من قبله أي من قبل القرآن.

إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ، أي يعرض عليهم القرآن عرفوه.

يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ، أي يقعون على الوجه سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا، أي تنزيهاً لربنا.

وقال الكلبي: أي نصلي لربنا.

إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وقد كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا أي: كائنا مقدورا.

وقال تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ، أي يقعون على الوجوه.

يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً، أي تواضعاً ومذلة.

قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ قال الكلبي: كان ذكر الرحمن في القرآن قليلا في بدئ ما نزل من القرآن، وقد كان أسلم ناس من اليهود منهم عبد الله بن سلام وأصحابه، وكان ذكره في التوراة كثيراً، فسألوا رسول الله  عن ذلك، فنزل: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ.

قرأ حمزة والكسائي: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ بكسر اللام والواو، وقرأ أبو عمرو بكسر اللام وضم الواو وقرأ الباقون بالضم، ومعناهما واحد.

أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني: بأي الاسمين تدعون، فهو حسن فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى، أي له الصفات العلى.

قوله عز وجل: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها، وذلك أن رسول الله  كان بمكة، وكان يصلي بأصحابه، فإذا رفع صوته، أذاه المشركون، وإذا خفض لا يسمع صوته الذين خلفه، فأنزل الله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ، أي بقراءتك فيؤذيك المشركون وَلا تُخافِتْ بِها في جميع الصلوات، يعني: لا تسرّ قراءتك فلا يسمع أصحابك قراءتك.

وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أي اجهر في بعض الصلوات، وخافت في البعض.

ثم قال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً قال الكلبي: وذلك أنه لما نزل: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ، قالت كفار قريش: كان محمد يدعو إلهاً واحداً، وهو اليوم يدعو إلهين، ما نعرف الرحمن إلا مسليمة الكذاب.

فنزل: وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ، يعني: ذكر الرحمن، وأمره بأن يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، أي لم يتخذ ولداً فيرث ملكه، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ فيعارضه في عظمته.

وقال أبو العالية: معناه، وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لم يجعلني ممن يتخذ له ولداً، ولم يجعلني ممن يقول له شريك فى الملك.

وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ، أي من اليهود والنصارى، وهم أذل خليقة الله تعالى، يؤدون الجزية.

وقال مقاتل: معناه لم يذل فيحتاج إلى ولي يعينه، أي لم يكن له ولي ينتصر به من الذل.

وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً، أي عظمه تعظيماً، ولا تقل له شريك.

وروى إبراهيم بن الحكم، عن أبيه أنه قال: بلغني أن رجلا أتى إلى النبيّ  ، فقال: يا رسول الله، إني رجل كثير الدين، كثير الهم.

فقال له النبيّ  : «اقْرَأْ آخِرَ سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ حَتَّى تَخْتِمَهِا، ثُمَّ قُلْ: تَوَكَّلْتُ على الحي الذي لا يموت ثلاث مرّات» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الواحِدِيُّ: إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا أي: بإِنزال القرآن، وبعَث محمَّد لَمَفْعُولًا.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً هذه مبالغةٌ في صفتهم، ومَدْحٌ لهم وحضٌّ لكل من توسَّم بالعلم، وحصَّلَ منه شيئاً أنْ يجري إلى هذه الرتبة النفيسَةِ وحكَى الطبريُّ عن التميميِّ أن من أوتي من العلْمِ ما لم يُبْكِهِ لخَلِيقِ ألاَّ يكونَ أُوتِيَ عْلماً ينفعه لأَنَّ اللَّه سبحانه نعت العلماء، ثم تَلاَ هذه الآية كلَّها.

ت: وإِنه واللَّهِ لكذلكَ، وإِنما يخشَى اللَّهَ مِنْ عباده العلماءُ، اللهمَّ انْفَعْنَا بما عَلَّمتنا، ولا تجعْلُه علينا حجَّةً بفضلك، ونقل الغَزَّاليُّ عن ابن عبَّاس أنه قال: إِذا قرأتم سَجْدَةَ «سُبْحَانَ» ، فلا تعجلوا بالسُّجُود حتى تَبْكُوا، فإِن لم تَبْكِ عينُ أحدِكُمْ، فَلْيبكِ قلبه.

قال الغَزَّالِيُّ: فإن لم يحضرْهُ حُزْن وبكاءٌ كما يحضر أرباب القلوب الصافيَةِ فليَبْكِ على فَقْدِ الحُزْن والبكاء، فإِن ذلك من أعظم المصِائبِ.

قال الغَزَّالِيُّ: واعلم أنَّ الخشوع ثمرةُ الإِيمان، ونتيجةُ/ اليقينِ الحاصلِ بعظمةِ اللَّه تعالى، ومَنْ رُزِقَ ذلك، فإِنه يكون خاشعاً في الصلاة وغيرها فإِن موجب الخشوع استشعارُ عظمة اللَّه، ومعرفةُ اطلاعه على العَبْد، ومعرفةُ تقصير العَبْد، فمن هذه المعارفِ يتولَّد الخشوعُ، وليْسَتْ مختصَّةً بالصلاة، ثم قال:

وقد دلَّت الأخبار على أن الأصل في الصَّلاة الخشوعُ، وحضورُ القَلْب، وأن مجرَّد الحركاتِ مع الغَفْلة قليلُ الجدوى في المعادِ، قال: وأعلم أنَّ المعاني التي بها تتمُّ حياة الصلاة تجمعها ستُّ جُمَلٍ، وهي: حضورُ القَلْبِ، والتفهُّمُ، والتعظيمُ، والهَيْبَة، والرجاءُ، والحياءُ، فحضور القَلْب: أن يفرِّغه من غير ما هو ملابسٌ له، والتفهُّم: أمر زائد على الحُضُور، وأما التعظيم، فهو أمر وراءَ الحضور والفَهْمِ، وأما الهَيْبة، فأمر زائد علي التعظيمِ، وهي عبارة عن خَوْفٍ مَنْشَؤه التعظيم، وأما التعظيم، فهو حالةٌ للقَلْب تتوَّلد من معرفتين: إِحداهما: معرفة جلالِ اللَّه سبحانه وعظمته، والثانية: معرفة حقارة النفْسِ، واعَلَمْ أَنَّ حضور القلب سببه الهِمَّة، فإِن قلبك تَابِعٌ لهمَّتك، فلا يحضر إِلا فيما أهمَّك، ومهما أهمَّك أمر، حَضَر القَلْب، شاء أم أبى، والقلب إذا لم يحضُرْ في الصلاة، لم يَكُنْ متعطِّلاً بل يكون حاضراً فيما الهمة مصروفةٌ إِليه.

انتهى من «الإحياء» .

وقوله سبحانه: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ...

الآية: سبب نزول هذه الآية:

أنَّ بعض المشركين سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يدعو: يا اللَّه يا رَحْمَانَ، فقالوا: كان محمَّدٌ يأمرنا بدعاءِ إله واحدٍ، وهو يدْعو إِلَهْين، قاله ابن عباس «١» ، فنزلَتِ الآية مبيِّنةً، أنها أسماء لمسمًّى واحد، وتقدير الآية: أيُّ الأسماءِ تدعو به، فأنت مصيبٌ، فله الأسماءُ الحسنى، وفي «صحيحِ البخاريِّ» بسنده عن ابن عباس في قوله سبحانه: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها قَالَ: نَزَلَتْ ورسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم مُخْتَفٍ بمكَّةَ، كان إِذَا صَلَّى بأصحابه، رَفَعَ صَوْتَهُ بالقرآن، فإِذا سمعه المشْرِكُون، سَبُّوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال اللَّه تبارك وتعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ، أي: بقراءتك، فيسمَعَ المشركونَ فيسبوا القرآن، وَلا تُخافِتْ بِها عن أصحابك فلا تسمعهم، وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا «٢» ، وأسند البخاريُّ عن عائشة: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها قالتُ: أنزل ذلك في الدعاءِ انتهى «٣» .

قال الغَزَّاليُّ في «الإِحياء» : وقد جاءت أحاديثُ تقتضي استحبابَ السِّرِّ بالقرآن، وأحاديثُ تقتضي استحبابَ الجَهْر به، والجَمُع بينهما أنْ يقال: إِن التالي إِذا خاف على نفسه الرِّياءَ والتصنُّع أو تشويش مُصَل، / فالسر أفضلُ، وإِن أَمِنَ ذلك، فالجهر أَفَضَلُ لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته أيضاً تتعدَّى إلى غيره والخير المتعدِّي أفضلُ من اللازم ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همَّته إلى الفكْر فيه، ويصرف إِليه سَمْعَه، ويطرد عنه النوْمَ برفْعِ صوته، ولأنه يزيدُ في نشاطه في القراءة، ويقلِّل من كسله ولأنه يرجو بجهره تيقُّظ نائمٍ، فيكون سَبَباً في إِعانته على الخير، ويسمعه بَطَّال غافلٌ، فينشط بسببه، ويشتاقُ لخدمة خالقه، فمهما حَضَرَتْ نيَّةٌ من هذه النيَّات، فالجهر أفضلُ، وإِن اجتمعتْ هذه النيَّاتُ، تضاعَفَ الأجر، وبكثرة النياتِ يزْكُو عمل الأبرار وتتضاعف أجورهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ هذه الآية رادَّة على كَفَرة العرب في

قولهم: لولا أولياءُ اللَّه، لَذَلَّ- تعالى اللَّه عن قولهم- وقَّيد سبحانه نَفْيَ الولاية له بطريقِ الذُّلِّ، وعلى جهة الانتصار إِذ ولايته سبحانه موجُوَدةٌ بفضله ورحمته لمن والى من صَالح عباده.

قال مجاهد: المعنى لم يخالِفْ أحداً ولا ابتغى نصْرَ أحد سبحانه، لا إله إِلا هو «١» وصلَّى اللَّه على سيدِّنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ.

.

.

﴾ الآَيَةُ.

هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ عَلى سَبَبَيْنِ: [ نَزَلَ ] أوَّلُها إلى قَوْلِهِ: ﴿ الحُسْنى ﴾ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  تَهَجَّدَ ذاتَ لَيْلَةٍ بِمَكَّةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: " يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ "، فَقالَ المُشْرِكُونَ: كانَ مُحَمَّدٌ يَدْعُو إلَهًا واحِدًا، فَهو الآَنَ يَدْعُو إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ: اللَّهُ والرَّحْمَنُ، ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ، يَعْنُونَ: مُسَيْلِمَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآَيَةَ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَكْتُبُ في أوَّلِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، حَتّى نَزَلَ: ﴿ إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  ﴾ ، فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ مُشْرِكُو العَرَبِ: هَذا الرَّحِيمُ نَعْرِفُهُ، فَما الرَّحْمَنُ ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ.

والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  : إنَّكَ لِتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ في التَّوْراةِ هَذا الِاسْمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فَنَزَلَ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالقُرْآَنِ بِمَكَّةَ، فَيَسُبُّ المُشْرِكُونَ القُرْآَنَ ومَن أتى بِهِ، فَخَفَضَ رَسُولُ اللهِ  صَوْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى لَمْ يُسْمِعْ أصْحابَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ ؛ أيْ: بِقِراءَتِكَ، فَيَسْمَعُ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآَنَ، " ولا تُخافِتْ بِها " عَنْ أصْحابِكَ فَلا يَسْمَعُونَ»، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الأعْرابِيَّ كانَ يَجْهَرُ في التَّشَهُّدِ ويَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ.

والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ عِنْدَ الصَّفا، فَجَهَرَ بِالقُرْآَنِ في صَلاةِ الغَداةِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: لا تَفْتَرِ عَلى اللَّهِ، فَخَفَضَ النَّبِيُّ  صَوْتَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِلْمُشْرِكِينَ: ألا تَرَوْنَ ما فَعَلْتُ بِابْنِ أبِي كَبْشَةَ ؟

رَدَدْتُهُ عَنْ قِراءَتِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ المَعْنى: إنْ شِئْتُمْ فَقُولُوا: يا أللَّهُ، وإنْ شِئْتُمْ فَقُولُوا: يا رَحْمَنُ؛ فَإنَّهُما يَرْجِعانِ إلى واحِدٍ.

﴿ أيًّا ما تَدْعُوا ﴾ المَعْنى: أيُّ أسْماءِ اللَّهِ تَدْعُوا، قالَ الفَرّاءُ: و " ما " قَدْ تَكُونُ صِلَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ  ﴾ ، وتَكُونُ في مَعْنى: " أيُّ " مُعادَةٍ لِما اخْتَلَفَ لَفْظُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الصَّلاةُ الشَّرْعِيَّةُ.

ثُمَّ في المُرادِ بِالكَلامِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَجْهَرْ بِقِراءَتِكَ ولا تُخافِتْ بِها، فَكَأنَّهُ نُهِيَ عَنْ شِدَّةِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ وشِدَّةِ المَخافَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَعَلى هَذا في تَسْمِيَةِ القِراءَةِ بِالصَّلاةِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلا تَجْهَرْ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ.

والثّانِي: أنَّ القِراءَةَ بَعْضُ الصَّلاةِ، فَنابَتْ عَنْها، كَما قِيلَ لِعِيسى: كَلِمَةُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بِالكَلِمَةِ كانَ.

والثّانِي: لا تُصَلِّ مُراءاةً لِلنّاسِ، ولا تَدَعْها مَخافَةَ النّاسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: لا تَجْهَرْ بِالتَّشَهُّدِ في صَلاتِكَ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ في رِوايَةٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ سِيرِينِ.

والرّابِعُ: لا تَجْهَرْ بِفِعْلِ صَلاتِكَ ظاهِرًا، ولا تُخافِتْ بِها شَدِيدَ الِاسْتِتارِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: لا تُحْسِنْ عَلانِيَتَها وتُسِئْ سَرِيرَتَها، قالَهُ الحَسَنُ.

والسّادِسُ: لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها ولا تُخافِتْ بِجَمِيعِها، فاجْهَرْ في صَلاةِ اللَّيْلِ وخافِتْ في صَلاةِ النَّهارِ عَلى ما أمَرْناكَ بِهِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ: الدُّعاءُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخافِتْ بِها ﴾ المُخافَتَةُ: الإخْفاءُ، يُقالُ: صَوْتٌ خَفِيتٌ.

﴿ وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ ؛ أيِ: اسْلُكْ بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ طَرِيقًا.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآَيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ  ﴾ .

وعَلى التَّحْقِيقِ وُجُودُ النَّسْخِ هاهُنا بَعِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( في المِلْكِ ) بِكَسْرِ المِيمِ.

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا ولَمْ يَبْتَغِ نَصْرَ أحَدٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مُوالاةِ أحَدٍ لِذُلٍّ يَلْحَقُهُ، فَهو مُسْتَغْنٍ عَنِ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ.

﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ ؛ أيْ: عَظِّمْهُ تَعْظِيمًا تامًّا.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا ﴾ ﴿ قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ هَذِهِ مُبالَغَةٌ في صِفَتِهِمْ، ومَدْحٌ لَهُمْ، وحَضٌّ لِكُلِّ مَن تَرَسَّمَ بِالعِلْمِ وحَصَّلَ مِنهُ شَيْئًا أنْ يَجْرِيَ إلى هَذِهِ الرُتْبَةِ.

وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ التَيْمِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَن أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يُبْكِهِ لِخَلِيقٌ ألّا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى نَعَتَ العُلَماءَ فَقالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ  ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ ﴾ الآيَةَ.

سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ سَمِعُوا رَسُولَ اللهِ  يَدْعُو: يا اللهُ، يا الرَحْمَنُ، فَقالُوا: كانَ مُحَمَّدٌ يَأْمُرُنا بِدُعاءِ إلَهٍ واحِدٍ، وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقالَ مَكِّيٌّ: تَهَجَّدَ رَسُولُ اللهِ  لَيْلَةً، فَقالَ في دُعائِهِ: يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ -وَكانَ بِاليَمامَةِ رَجُلٌ يُسَمّى الرَحِمانُ- فَقالَ ذَلِكَ السامِعُ: ما بالُ مُحَمَّدٍ يَدْعُو رَحْمَنَ اليَمامَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً أنَّها أسْماءٌ لِشَيْءٍ واحِدٍ، فَإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِاللهِ فَهو ذَلِكَ، وإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِالرَحْمَنِ فَهو ذَلِكَ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أيًّا مَن تَدْعُو فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى"، أيْ: ولَهُ سائِرُ الأسْماءِ الحُسْنى، أيِ الَّتِي تَقْتَضِي أفْضَلَ الأوصافِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ بِتَوْقِيفٍ، لا يَصْحُ وضْعُ اسْمِ اللهِ تَعالى إلّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ القُرْآنِ أوِ الحَدِيثِ.

وقَدْ رُوِيَ: « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"»...

الحَدِيثُ، ونَصَّها كُلَّها التِرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أيَّ الأسْماءِ تَدْعُو بِهِ فَأنْتَ مُصِيبٌ، لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى.

ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللهِ  ألّا يَجْهَرَ بِصَلاتِهِ، وألّا يُخافِتَ بِها، وهو الإسْرارُ الَّذِي يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ بِهِ، هَذِهِ هي حَقِيقَتُهُ، ولَكِنَّهُ في الآيَةِ عِبارَةٌ عن خَفْضِ الصَوْتِ وإنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى ما ذَكَرْناهُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الصَلاةِ"، ما هِيَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هي الدُعاءُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي قِراءَةُ القُرْآنِ في الصَلاةِ، فَهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَقْدِيرُ: ولا تَجْهَرْ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ، قالَ: والسَبَبُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  جَهَرَ بِالقُرْآنِ فَسَمِعَهُ المُشْرِكُونَ فَسَبُّوا القُرْآنَ ومَن أنْزَلَهُ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللهِ  بِالوَسَطِ، لِيَسْمَعَ أصْحابُهُ المُصَلُّونَ مَعَهُ ويَذْهَبَ عنهُ أذى المُشْرِكِينَ.

وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانَ الأعْرابُ يَجْهَرُونَ بِتَشَهُّدِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُسِرُّ قِراءَتَهُ، وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَجْهَرُ بِها، فَقِيلَ لَهُما في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما أُناجِي رَبِّي وهو يَعْلَمُ حاجَتِي، وقالَ عُمَرُ: أنا أطْرَحُ الشَيْطانَ وأُوقِظُ الوَسْنانَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا، وقِيلَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اخْفِضْ أنْتَ قَلِيلًا.

وقالَتْ عائِشَةُ أيْضًا رَضِيَ اللهُ عنها: الصَلاةُ يُرادُ بِها في هَذِهِ الآيَةِ التَشَهُّدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: المُرادُ: لا تُحْسِنْ صَلاتَكَ في الجَهْرِ، ولا تُسِئْها في السِرِّ، بَلِ اتَّبِعْ طَرِيقًا وسَطًا يَكُونُ دائِمًا في كُلِّ حالَةٍ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ النَهْيُ عَمّا يَفْعَلُهُ أهْلُ الإنْجِيلِ والتَوْراةِ مَن رَفْعِ الصَوْتِ أحْيانًا فَيَرْفَعُ الناسُ مَعَهُ، ويَخْفِضُ أحْيانًا فَيَسْكُتُ مَن خَلْفَهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الآيَةِ: إنَّ مَعْناها: ولا تَجْهَرْ بِصَلاةِ النَهارِ، ولا تُخافِتْ بِصَلاةِ اللَيْلِ، وابْتَغِ سَبِيلًا مِنَ امْتِثالِ الأمْرِ كَما رُسِمَ لَكَ، ذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والزَهْراوِيُّ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمْ يُخافِتْ مَن أسْمَعَ أُذُنَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما رُوِيَ مِن أنَّهُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا" يَرُدُّ هَذا، ولَكِنَّ الَّذِي قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ هو أصْلُ اللُغَةِ، ويُسْتَعْمَلُ الخُفُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ في أرْفَعَ مِن ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى اليَهُودِ والنَصارى والعَرَبِ في قَوْلِهِمْ أفْذاذًا: "عُزَيْرٌ وعِيسى والمَلائِكَةُ ذَرِّيَّةٌ لِلَّهِ"، سُبْحانَهُ وتَعالى عن أقْوالِهِمْ ورادَّةٌ عَلى العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: "لَوْلا أولِياءُ اللهِ لِذُلَّ"، وقَيَّدَ لَفْظُ الآيَةِ نَفِيَ الوِلايَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقِ الذُلِّ، وعَلى جِهَةِ الِانْتِصارِ؛ إذْ وِلايَتُهُ مَوْجُودَةٌ بِتَفَضُّلِهِ ورَحْمَتِهِ لِمَن والى مِن صالِحِ عِبادِهِ.

قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا، ولا ابْتَغَ نَصْرَ أحَدٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ أبْلَغُ لَفْظَةٍ لِلْعَرَبِ في مَعْنى التَعْظِيمِ والإجْلالِ، ثُمَّ أكَّدَها بِالمَصْدَرِ تَحْقِيقًا لَها، وإبْلاغًا في مَعْناها.

وَرَوى مُطْرِفٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: "افْتُتِحَتِ التَوْراةُ بِفاتِحَةِ سُورَةِ الأنْعامِ، وخُتِمَتْ بِخاتِمَةِ هَذِهِ السُورَةِ".

نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الإسْراءِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الاسمآء الحسنى ﴾ لا شك أن لنزول هذه الآية سبباً خاصاً إذ لا موجب لذكر هذا التخيير بين دعاء الله تعالى باسمه العَلَم وبين دعائه بصفة الرحمان خاصة دون ذكر غير تلك الصفة من صفات الله مثل: الرحيم أو العزيز وغيرهما من الصفات الحسنى.

ثم لا بد بعد ذلك من طلب المناسبة لوقوعها في هذا الموضع من السورة.

فأما سبب نزولها فروى الطبري والواحدي عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً يدعو يا رحمان يا رحيم، فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحداً وهو يدعو مثنى مثنى، فأنزل الله تعالى: ﴿ قل ادعوا اللَّه أو ادعو الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴾ .

وعليه فالاقتصار على التخيير في الدعاء بين اسم الله وبين صفة الرحمان اكتفاء، أي أو الرحيم.

وفي «الكشاف»: عن ابن عباس سمع أبو جهل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا الله يا رحمان.

فقال أبو جهل: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر.

وأخرجه ابن مردويه.

وهذا أنسب بالآية لاقتصارها على اسم الله وصفة الرحمان.

وأما موقعها هنا فيتعين أن يكون سبب نزولها حدثَ حين نزول الآية التي قبلها.

والكلام رد وتعليم بأن تعدد الأسماء لا يقتضي تعدد المسمى، وشتان بين ذلك وبين دعاء المشركين آلهة مختلفة الأسماء والمسميات، والتوحيد والإشراك يتعلقان بالذوات لا بالأسماء.

و (أي) اسم استفهام في الأصل، فإذا اقترنت بها (ما) الزائدة أفادت الشرط كما تفيده كيف إذا اقترنت بها (ما) الزائدة.

ولذلك جزم الفعل بعدها وهو ﴿ تدعوا ﴾ شرطاً، وجيء لها بجواب مقترن بالفاء، وهو ﴿ فله الأسماء الحسنى ﴾ .

والتحقيق أن ﴿ فله الأسماء الحسنى ﴾ علة الجواب.

والتقدير: أي اسم من أسمائه تعالى تَدعون فلا حرج في دعائه بعدة أسماء إذ له الأسماء الحسنى وإذ المسمى واحد.

ومعنى ﴿ ادعوا اللَّه أو ادعوا الرحمن ﴾ ادعوا هذا الاسم أو هذا الاسم، أي اذكروا في دعائكم هذا أو هذا، فالمسمى واحد.

وعلى هذا التفسير قد وقع تجوز في فعل ﴿ ادعوا ﴾ مستعملاً في معنى اذكروا أو سموا في دعائكم.

ويجوز أن يكون الدعاء مستعملاً في معنى سمّوا، وهو حينئذٍ يتعدى إلى مفعولين.

والتقدير: سموا ربكم اللّهَ أو سموه الرحمان، وحذف المفعول الأول من الفعلين وأبقي الثاني لدلالة المقام.

لا شك أن لهذه الجملة اتصالاً بجملة ﴿ قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن ﴾ يؤيد ما تقدم في وجه اتصال قوله: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعو الرحمن ﴾ بالآيات التي قبله، فقد كان ذلك بسبب جهر النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه باسم الرحمان.

والصلاة: تحتمل الدعاء، وتحتمل العبادة المعروفة.

قود فسرها السلف هنا بالمعنيين.

ومعلوم أن من فسر الصلاة بالعبادة المعروفة فإنما أراد قراءتها خاصة لأنها التي توصف بالجهر والمخافتة.

وعلى كلا الاحتمالين فقد جهر النبي صلى الله عليه وسلم بذكر الرحمان، فقال فريق من المشركين: ما الرحمان؟

وقالوا: إن محمداً يدعو إلهين، وقام فريق منهم يسب القرآن ومن جاء به، أو يسب الرحمان ظناً أنه رب آخر غيرُ الله تعالى وغيرُ آلهتهم، فأمر الله رسوله أن لا يجهر بدعائه أو لا يجهر بقراءة صلاته في الصلاة الجهرية.

ولعل سفهاء المشركين توهموا من صدع النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة أو بالدعاء أنه يريد بذلك التحكك بهم والتطاول عليهم بذكر الله تعالى مجرداً عن ذكر آلهتهم فاغتاظوا وسبوا، فأمره الله تعالى بأن لا يجهر بصلاته هذا الجهر تجنباً لما من شأنه أن يثير حفائظهم ويزيد تصلبهم في كفرهم في حين أن المقصود تليين قلوبهم.

والمقصود من الكلام النهي عن شدة الجهر.

وأما قوله تعالى: ﴿ ولا تخافت بها ﴾ فالمقصود منه الاحتراس لكيلا يجعل دعاءه سراً أو صلاته كلها سراً فلا يبلغ أسماع المتهيئين للاهتداء به، لأن المقصود من النهي عن الجهر تجنب جهر يُتوهم منه الكفارُ تحككاً أو تطاولاً كما قلنا.

والجهر: قوة صوت الناطق بالكلام.

والمخافتة مفاعلة: من خَفَتَ بكلامه، إذا أسر به.

وصيغة المفاعلة مستعملة في معنى الشدة، أي لا تُسرها.

وقوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى المذكور، أي الجهر والمخافتة المعلومين من فعلي <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَهُ الكَلْبِيُّ.

أنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ كانَ في القُرْآنِ قَلِيلًا وهو في التَّوْراةِ كَثِيرٌ، فَلَمّا أسْلَمَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ مِنهُمُ ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ ساءَهم قِلَّةُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ في القُرْآنِ، وأحَبُّوا أنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَنَزَلَتْ.

الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ «كانَ النَّبِيُّ  ساجِدًا يَدْعُو (يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ) فَقالَ المُشْرِكُونَ: هَذا يَزْعُمُ أنَّ لَهُ إلَهًا واحِدًا وهو يَدْعُو مُثَنّى، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

» ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى بِالصَّلاةِ الدُّعاءَ، ومَعْنى ذَلِكَ: ولا تَجْهَرْ بِدُعائِكَ ولا تُخافِتْ بِهِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ومَكْحُولٍ.

قالَ إبْراهِيمُ: لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ يُشْخِصُونَ بِأبْصارِهِمْ إلى السَّماءِ في الصَّلاةِ أوْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِذَلِكَ الصَّلاةَ المَشْرُوعَةَ، واخْتَلَفَ قائِلُو ذَلِكَ فِيما نَهى عَنْهُ مِنَ الجَهْرِ بِها والمُخافَتَةِ فِيها عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ نَهى عَنِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ فِيها لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  بِمَكَّةَ كانَ يَجْهَرُ بِالقِراءَةِ جَهْرًا شَدِيدًا، فَكانَ إذا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوهُ، فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ شِدَّةِ الجَهْرِ، وأنْ لا يُخافِتَ بِها حَتّى لا يَسْمَعَهُ أصْحابُهُ، ويَبْتَغِيَ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ نَهى عَنِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ في جَمِيعِها وعَنِ الإسْرارِ بِها في جَمِيعِها وأنْ يَجْهَرَ في صَلاةِ اللَّيْلِ ويُسِرَّ في صَلاةِ النَّهارِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ الجَهْرِ بِالتَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ الجَهْرِ بِفِعْلِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ كانَ يَجْهَرُ بِصَلاتِهِ، بِمَكَّةَ فَتُؤْذِيَهُ قُرَيْشٌ، فَخافَتَ بِها واسْتَسَرَّ، فَأمَرَهُ اللَّهُ ألّا يَجْهَرَ بِها كَما كانَ، ولا يُخافِتَ بِها كَما صارَ، ويَبْتَغِي بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الخامِسُ: يَعْنِي لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ تُحْسِنُها مُرائِيًا بِها في العَلانِيَةِ، ولا تُخافِتْ بِها تُسِيئُها في السَّرِيرَةِ، قالَ الحَسَنُ: تُحْسِنُ عَلانِيَتَها وتُسِيءُ سَرِيرَتَها.

وَقِيلَ: لا تُصَلِّها رِياءً ولا تَتْرُكْها حَياءً.

والأوَّلُ أظْهَرُ.

رُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ الصَّدِيقَ كانَ إذا صَلّى خَفَّضَ مِن صَوْتِهِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  (لِمَ تَفْعَلُ هَذا؟) قالَ: أُناجِي رَبِّي وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، فَقالَ  (أحْسَنْتَ) .

وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  : (لِمَ تَفْعَلُ هَذا؟) فَقالَ: أُوقِظُ الوَسْنانَ وأطْرُدُ الشَّيْطانَ فَقالَ النَّبِيُّ  : (أحْسَنْتَ) .

فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ لِأبِي بَكْرٍ: (ارْفَعْ شَيْئًا) وقالَ لِعُمَرَ: (أخْفِضْ شَيْئًا)» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أمَرَهُ بِالحَمْدِ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الوَلَدِ.

الثّانِي: لِبُطْلانِ ما قَرَنَهُ المُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الوَلَدِ.

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ لِأنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ في مُلْكٍ ولا عِبادَةٍ.

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا.

الثّانِي: لا يَبْتَغِي نَصْرَ أحَدٍ.

الثّالِثُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى لِأنَّهم أذَلُّ النّاسَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: صِفْهُ بِأنَّهُ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.

الثّانِي: كَبِّرْهُ تَكْبِيرًا عَنْ كُلِّ ما لا يَجُوزُ في صِفَتِهِ.

الثّالِثُ: عَظِّمْهُ تَعْظِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعاء فجعل يقول: يا الله...

يا رحمن...

فسمعه أهل مكة فأقبلوا عليه، فأنزل الله: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم، فدعا ربه فقال في دعائه: يا الله...

يا رحمن...

فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ، ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين.

فأنزل الله: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن إبراهيم النخعي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في حرث في يده جريدة، فسأله اليهود عن الرحمن- وكان لهم كاهن باليمامة يسمونه الرحمن- فأنزلت ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن مكحول: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتهجد بمكة ذات ليلة يقول في سجوده: يا رحمن...

يا رحيم...

فسمعه رجل من المشركين، فلما أصبح قال لأصحابه: انظروا ما قال ابن أبي كبشة، يزعم الليلة الرحمن الذي باليمن- وكان باليمن رجل يقال له رحمن- فنزلت ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن...

﴾ الآية» .

وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق نهشل بن سعيد، عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى....

﴾ إلى آخر الآية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو أمان من السرق» .

وإن رجلاً من المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها، حيث أخذ مضجعه فدخل عليه سارق، فجمع ما في البيت وحمله- والرجل ليس بنائم- حتى انتهى إلى الباب فوجد الباب مردوداً، فوضع الكارة ففعل ذلك ثلاث مرات، فضحك صاحب الدار ثم قال: إني أحصنت بيتي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ أياً ما تدعوا ﴾ قال: باسم من أسمائه، والله أعلم.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والطبراني والبيهقي في سننه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك...

﴾ الآية.

قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة متوار، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿ ولا تخافت بها ﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك ﴿ واتبغ بين ذلك سبيلاً ﴾ يقول: بين الجهر والمخافتة.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي، تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي، استرق السمع دونهم فرقاً منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع، ذهب خشية أذاهم فلم يستمع.

فإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يستمع الذين يستمعون من قراءته شيئاً.

فأنزل الله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ فيتفرقوا عنك ﴿ ولا تخافت بها ﴾ فلا تسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك، لعله يرعوي إلى بعض ما يستمع فينتفع به ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة بمكة فيؤذي، فأنزل الله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة في الصنف، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى عند البيت جهر بقراءته، فكان المشركون يؤذونه، فنزلت ﴿ ولا تجهر بصلاتك...

﴾ الآية.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى يجهر بصلاته، فآذى ذلك المشركين فأخفى صلاته هو وأصحابه.

فلذك قال الله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ وقال: في الأعراف ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ [ الأعراف: 205] الآية.

وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ قال: كان الرجل إذا دعا في الصلاة رفع صوته.

وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان مسيلمة الكذاب قد تسمّى الرحمن، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى فجهر ببسم الله الرحمن الرحمن، قال المشركون: يذكر إله اليمامة.

فأنزل الله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن سعيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته ببسم الله الرحمن الرحيم.

وكان مسيلمة قد تسمّى الرحمن، فكان المشركون إذا سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد ذكر مسيلمة إله اليمامة، ثم عارضوه بالمكاء والتصدية والصفير.

فأنزل الله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك...

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن شق ذلك على المشركين، فيؤذون النبي صلى الله عليه وسلم بالشتم- وذلك بمكة- فأنزل الله: يا محمد ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ لا تخفض صوتك حتى لا تسمع اذنيك ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ يقول: اطلب الاعلان والجهر، وبين التخافت والجهر طريقاً.

..

لا جهراً شديداً ولا خفضاً حتى لا تسمع أذنيك.

فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ترك هذا كله.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان، عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا قرأ خفض.

وكان عمر رضي الله عنه إذا قرأ جهر.

فقيل لأبي بكر رضي الله عنه: لم تصنع هذا؟

قال: أناجي ربي وقد علم حاجتي.

وقيل لعمر رضي الله عنه: لم تصنع هذا؟

قال: اطرد الشيطان وأوقظ الوسنان.

فلما نزلت ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ قيل لأبي بكر رضي الله عنه: ارفع شيئاً.

وقيل لعمر رضي الله عنه: اخفض شيئاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو بكر رضي الله عنه إذا صلى من الليل خفض صوته جداً، وكان عمر رضي الله عنه إذا صلى رفع صوته جداً.

فقال عمر رضي الله عنه: يا أبا بكر، لو رفعت من صوتك شيئاً.

وقال أبو بكر رضي الله عنه: يا عمر، لو خفضت من صوتك شيئاً.

فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بأمرهما فأنزل الله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها...

﴾ الآية.

فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهما فقال: «يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئاً.

وقال لعمر رضي الله عنه: اخفض من صوتك شيئاً» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف، والبخاري ومسلم وأبو داود في الناسخ، والبزار والنحاس وابن نصر وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنما نزلت هذه الآية ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ في الدعاء.

وأخرج ابن جرير والحاكم، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت هذه الآية في التشهد ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها في قوله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ قال: نزلت في المسألة والدعاء.

وأخرج محمد بن نصر وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى عند البيت رفع صوته بالدعاء وآذاه المشركون، فنزل ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في تاريخه وابن المنذر وابن مردويه، عن دراج أبي السمح: أن شيخاً من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ إنما نزلت في الدعاء، لا ترفع صوتك في دعائك فتذكر ذنوبك فتسمع منك فتعير بها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ قال: نزلت في الدعاء، كانوا يجهرون بالدعاء: اللهم ارحمني.

فلما نزلت، أمروا أن يخافتوا ولا يجهروا.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال: كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: اللهم ارزقنا إبلاً وولداً.

فنزلت هذه الآية ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ قال: ذلك في الدعاء والمسألة.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ ولا تصلِّ مراياة الناس ﴿ ولا تخافت بها ﴾ قال: لا تدعها مخافة الناس.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ قال: لا تُصلِّها رياء ولا تدعها حياء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ لا تجعلها كلها جهراً ﴿ ولا تخافت بها ﴾ قال: لا تجعلها كلها سراً.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف، عن أبي رزين رضي الله عنه قال: في قراءة عبد الله بن عمر ﴿ ولا تخافت ﴾ بصوتك ولا تعال به.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، عن ابن مسعود قال: لم يخافت من أسمع أذنيه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: العلم خير من العمل، وخير الأمور أوسطها، والحسنة بين تلك السيئتين، وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال: خير الأمور أوسطها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ ﴾ الآية.

قال ابن عباس: إن رسول الله -  - قال وهو ساجد ذات ليلة: يا رحمن، فسمعه أبوجهل -وهم لا يعرفون الرحمن-، فقال: إن محمدًا ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهًا آخر مع الله يقال له: الرحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ ﴾ (١) (٢) ﴿ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ أي إن شئتم قولوا: يا الله، وإن شئتم قولوا: يا رحمن.

﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أن دعاءهم الله ودعاءهم الرحمن يرجعان إلى واحدٍ، فقال: ﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا ﴾ المعنى أي أسماء الله تدعوا ﴿ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ (٣) وقال المبرد: يقول إذا دعوتم الله الرحمن فإنما تدعون واحداً، يعني أن تَخْيِيره (٤) ﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ (٥) (٦) ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ  ﴾ إن شاء الله، وإذا كانت خبرًا احتاجت إلى صلة نحو صلة الذي، ويعمل فيها ما قبلها وما بعدها سوى صلتها؛ كقولك: لأضربن أيهم في الدار.

قال الفراء: العرب تقول: أيّ وأيّان وأيّون، إذا أفردوا (أيًّا) أنَّثُوها وجمعوها، وأنَّثُوها فقالوا: أيّة وأيّتان وأيّات، وإذا أضافوها إلى ظاهر أفردوها، وذكّروا فقالوا: أيّ الرجلين؟

وأيّ المرأتين؟

وأيّ الرجال؟

وأيّ النساء؟

وإذا أضافوا إلى مُكَنّى المؤنث أنثوا وإلى مُكَنّى المذكر ذَكّروا، فقالوا: أيّهما وأيّتهما للمرأتين، قال الله -عز وجل-: ﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا ﴾ ، وقال زهير في لُغة من أَنّث: وزوَّدُوكَ (٧) (٨) يُرادُ أَيّةُ وجْهة، فانَّثها حين لم يُضِفْها؛ ولو قال: أيًّا سلكوا، بمعنى: أيّ وجهة، كان جائزًا، ويقول لك قائل: رأيتُ رجلا، فتجيبه: أيًّا؟

ويقول: رجلين، فتقول: أَيَّيْن؟

وفي الرجال: أَيّون؟

وفي المرأة: أيّة؟

وفي النساء: أيّات؟

(٩) ﴿ أَيًّا مَا ﴾ صلة، كقوله: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} [ص: 11] ، و ﴿ عَمَّا قَلِيلٍ  ﴾ ، و ﴿ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ  ﴾ ، و ﴿ تَدْعُونَ ﴾ في موضع جزم بأي؛ لأنه من حروف الشرط والجزاء، يقول: أيّهم يعط أعط، وعلامة الجزم في تدعوا سقوط النون التي تثبت للرفع في يفعلون، وجواب الشرط (الفاء) في قوله: ﴿ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: (كان رسول الله -  - يرفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سَبُّوه وسَبُّوا من جاء به، فأوحى الله إليه: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوه، ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ فلا يسمع أصحابك، ﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ ، أي: أسمعهم القرآن أحيانًا يأخذوا عنك) (١٠) (١١) وكان النبيّ -  - إذا جهر بالقرآن سبّ المشركون القرآن، فأمر الله أن لا يعرّض القرآن لسبهم، وأن لا يخافت مخافتةً لا يسمعها من يصلي خلفه من أصحابه فقال: ﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ ، أي اسلك طريقًا بين الجهر والمخافتة (١٢) (١٣) ولَسْتُ وإنْ عَزُّوا عليّ بِهَالِكٍ ...

خُفاتًا ولا مُسْتَهْزِمٍ ذاهبِ العَقْلِ (١٤) يقول: لست أهلك خفاتًا أي ضعفًا لمصاب من أُصبت به منهم، وإن كانوا أعزة، ولكني أتصبَّر وأتجلَّد، هذا الذي ذكرنا في الجهر والمخافتة بالصلاة مذهب أكثر المفسرين (١٥) ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ  ﴾ ، وقد مرّ.

وفي الآية قول ثان؛ وهو أن المراد بالصلاة الدعاء، وهذا قول أبي هريرة وعائشة ومجاهد (١٦) قال أبو هريرة في الآية: يعني بذلك الدعاء والمسألة (١٧) وقالت عائشة: هي في الدعاء (١٨)  - قال في هذه الآية: "إنما ذلك في الدعاء لا ترفع صوتك، فتكثر ذنوبك، فيُسمع منك، فتُعيَّر به" (١٩) (٢٠)  - قال: كنا مع النبي -  - في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي -  -: "أيها الناس اربعوا [أي: ارفقوا] على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" أخرجه البخاري (2992) كتاب الجهاد، باب: ما يكره من رفع الصوت في التكبير، ومسلم (2704) كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر واللفظ له.]]؛ كما روي عن ابن مسعود أنه قال: لم يخافت من أسمع أذنيه (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (١) أخرجه "الطبري" 15/ 182، بنحوه من طريق أبي الجوزاء (ضعيفة)، وورد بنحوه في "تفسير الثعلبي" 7/ 123 ب، و"الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 533، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 302، بنحوه بلا سند، وأورده السيوطي في "الدر" و"اللباب" 5/ 348، ص 142 وعزاه إلى ابن مردويه.

(٢) في جميع النسخ: (يا معشر المؤمنين)، والصواب ما أثبته، كما في "الطبري" 15/ 182، و"ابن كثير" 3/ 77، وسياق الكلام يدل عليه.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 264، بنصه (٤) في (أ)، (د)، (ش): (يختبره)، والمثبت من (ع).

(٥) لم أقف عليه.

(٦) ذكر في "الأزهية" أنها تأتي على سنة أوجه: تكون جزاءً، واستفهامًا، وخبرًا، وتعجبًا، ونداءً، ونعتًا فيه معنى المدح، انظر:"حروف المعاني" للزجاجي ص 62، و"الأزهية" ص 106، و"مغني اللبيب" ص 107.

(٧) في (أ)، (د)، (ش): (زودك)، والمثبت من (ع) وهو موافق للديوان.

(٨) وصدره: بانَ الخليطُ ولم يأْوُوا لمَن ترَكوا "شرح ديوان زهير" ص 164، وورد في "الخزانة" 5/ 453 ، (الخليط): المجاور لك في الدار، (ولم يأوُوا):لم يرحموا، (وأيَّةً سلكوا):أيّ جهةٍ سلكوا فأنت مشتاق.

(٩) ورد في "تهذيب اللغة" (أي) 1/ 241 نقل طويل مع تصرف يسير.

(١٠) أخرجه بنحوه من طريق سعيد: أحمد 1/ 23، والبخاري (4722) كتاب التفسير، باب ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ ، ومسلم (446) في الصلاة، باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية، و"الطبري" 15/ 184 من طرق، والطبراني في "الكبير" 12/ 55، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 207، و"تفسير الثعلبي" 7/ 123 ب، و"الماوردي" 3/ 281، وأخرجه المؤلف في "أسباب النزول" ص 303، بنحوه.

(١١) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 392، بنحوه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 186، بنحوه من طريقين عن قتادة.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 265، بنصه تقريبًا.

(١٣) ورد في "تهذيب اللغة" (خفت) 1/ 1064، بنحوه، انظر: (خفت) في "المحيط في اللغة" 4/ 313، و"الصحاح" 1/ 248، و"اللسان" 2/ 1208.

(١٤) "شعر النابغة الجعدي" ص 225، وورد في "تهذيب اللغة" (خفت) 1/ 1064، و"اللسان" (خفت) 2/ 1208، (خفاتًا): ضعفًا وتذَلُّلاً، (مستهزم): جزوع.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 221 أ، و"الطبري" 15/ 184، و"السمرقندي" 2/ 287، و"الثعلبي" 7/ 123 ب، و"الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 534، وقد رجحه الطبري لصحة الإسناد الذي روي به عن صحابي وهو ابن عباس من طريق سعيد، ولآنه أشبه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنزيل.

(١٦) "تفسير مجاهد" 1/ 372 بلفظه، أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بلفظه، و"الطبري" 15/ 184 بلفظه من طرق عن مجاهد، وورد بلفظه في تفسير الثعلبي 7/ 124 أ، و"الطوسي" 6/ 534.

(١٧) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 71، و"ابن الجوزي" 5/ 101.

(١٨) أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بلفظه، و"الطبري" 15/ 183 بلفظه من طرق، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 207، و"تفسير الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 534، وأخرجه المؤلف في "أسباب النزول" ص 304 بلفظه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 375 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(١٩) لم أقف عليه مسندًا، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 124، بنحوه، و"الفخر الرازي" 21/ 71 بنصه.

(٢٠) أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بلفظه عن ابن عباس من طريق عكرمة (حسنة)، وعن عطاء 6/ 97، و"الطبري" 1/ 1845 بلفظه عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن عطاء، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 534 بلفظه عن ابن عباس وعطاء، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 137، و"الخازن" 3/ 184 فيهما عن إبراهيم.

(٢١) أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بنصه، و"الطبري" 15/ 188 بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 376.

(٢٢) في جميع النسخ (مغيرة)، والصواب ما أثبته من تفسير عبد الرزاق والطبري.

(٢٣) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 393، بنحوه من طريق معمر، و"الطبري" 15/ 187 بنصه من طريق منصور ومعمر وعوف، وورد بلفظه في "تفسير الثعلبي" 7/ 124 أ، و"الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 534.

(٢٤) أخرجه "الطبري" 15/ 187 بنصه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، والطبراني في "الكبير" 12/ 256، بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 124 أ، بنصه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 375 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن ﴾ سببها أن الكفار سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو يا الله يا رحمن، فقالوا إن كان محمد ليأمرنا بدعاء إله واحد، وها هو يدعو إليهن، فنزلت الآية مبينة أن قوله الله أو الرحمن اسم لمسمى واحد، وأنه مخيّر في الدعاء بأيّ الاسمين شاء، والدعاء في الآية بمعنى التسمية كقولك: دعوت ولدي زيداً لا بمعنى النداء ﴿ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى ﴾ أياّ اسم شرط منصوب بتدعوا، والتنوين فيه عوض من المضاف إليه، وما زائدة للتأكيد، والضمير في به لله تعالى، وهو المسمى، والمعنى أيّ هذين الاسمين تدعو فحسن، لأن الله له الأسماء الحسنى فموضع قوله: لله الأسماء الحسنى موضع الحال، وهو في المعنى تعليل للجواب، لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان.

﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ المخافتة هي الإسرار، وسبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر بالقرآن في الصلاة، فسمعه المشركون، فسبوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوسط بين الإسرار والجهر، ليسمع أصحابه الذين يصلون معه، ولا يسمع المشركون، وقيل: المعنى لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، واجعل منها سراً وجهراً، حسبما أحكمته السنة، وقيل: الصلاة هنا الدعاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تفجر ﴾ من الفجر: يعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف سوى المفضل وابن الغالب.

الآخرون من التفجير تكثيراً للفعل وإن كان الفاعل والمفعول مفرداً ﴿ حتى تنزل ﴾ بالتخفيف: أبو عمرو ويعقوب.

الآخرون بالتشديد ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: أبو جعفر ونافع وعاصم وابن ذكوان.

الباقون بالإسكان ﴿ قال سبحان ﴾ بلفظ الماضي: ابن كثير وابن عامر الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ هو المهتدي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الباقون بحذف الياء ﴿ ربي إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ خبت زدناهم ﴾ بإدغام التاء في الزاي: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.

﴿ لقد علمت ﴾ بضم التاء، على التكلم: عليّ.

الآخرون بالفتح على الخطاب ﴿ قل ادعو ﴾ بكسر اللام للساكنين: عاصم وحمزة وسهل ويعقوب وعباس: الآخرون بضمها للإتباع ﴿ أو ادعوا ﴾ بكسر الواو: عاصم وحمزة وسهل.

الباقون بالضم ﴿ أيامّاً ﴾ حمزة ورويس يقفان على ﴿ أيا ﴾ ثم يبتدئان ﴿ ما تدعوا ﴾ ويسمى هذا الوقف وقف البيان.

الباقون على كلمة واحدة.

الوقوف: ﴿ ينبوعاً ﴾ ه لا ﴿ تفجيراً ﴾ ه لا ﴿ قبيلاً ﴾ ه لا ﴿ في السماء ﴾ ط لابتداء النفي بعد طول القصة.

وقيل: الأصح الوصل لأن قوله: ﴿ ولن نؤمن لرقيك ﴾ من كلامهم ﴿ نقرؤه ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ المهتد ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع التضاد ﴿ من دونه ﴾ لا لأن الواو لا يحتمل الاستئناف ﴿ وصماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ الإنفاق ﴾ ط ﴿ قتوراً ﴾ ه ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ بصائر ﴾ ط للابتداء بأن مع اتحاد القائل ﴿ مثبوراً ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ لفيفياً ﴾ ، ط لانقطاع النظام والمعنى.

﴿ نزل ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ ونذيراً ﴾ ، احترازاً من إيهام العطف ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ أولا تؤمنوا ﴾ ط ﴿ سجداً ﴾ ، لا ﴿ لمفعولاً ﴾ ه ﴿ خشوعاً ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط لتصدير الشرط ﴿ الحسنى ﴾ ج لانقطاع نظم الشرط إلى النهي مع اتحاد المراد.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ تكبيراً ﴾ ه.

التفسير: ليس من شرط كون النبي صادقاً تواتر المعجزات وتتالي الآيات، لأن فتح هذا الباب يوجب نقيض المقصود وهو أن لا تثبت نبوته أبداً، ولكن المعجز الواحد يكفي في صدق النبي، واقتراح الزيادة من جملة العناد فلا جرم لما بين الله  إعجاز القرآن حكى مقترحات المعاندين بياناً لتصميمهم على الكفر.

قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أرسلوا إلى رسول الله  - وهم جلوس عند الكعبة - فأتاهم فقالوا: يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر لنا ينبوعاً نزرع فيها.

فقال: لا أقدر عليه.

فقال قائل منهم: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً.

فقال عبد الله ابن أمية المخزومي - وأمه عمة رسول الله  - لا والذي يحلف به لا أؤمن بك حتى تتخذ سلماً فتصعد عليه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة فيشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أم لا.

فأنزل الله هذه الآيات.

ولنشرع في تفسير اللغات.

فقوله: ﴿ ينبوعاً ﴾ أي عيناً غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب من عب الماء.

وقوله: ﴿ أو تكون لك جنة ﴾ معناه هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك.

وقوله: ﴿ كما زعمت ﴾ إشارة إلى قوله  : ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء  ﴾ أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله: ﴿ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً  ﴾ أي أجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب واسقطها علينا.

وقال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا.

وقيل: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل.

قال في الكشاف: الكسف بسكون السين وفتحها جمع "كسفة" بالسكون كسدرة وسدر وسدر.

وقال أبو علي: الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون.

واشتقاقه - على ما قال أبو زيد - من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته.

وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل: أو تسقطها طبقاً علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين.

ومعنى ﴿ قبيلاً ﴾ كفيلاً بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً فاختصر، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر.

وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه  لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم: ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  ﴾ وقال ابن عباس: أراد فوجاً بعد فوج.

وقال الليث: كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله  ﴾ .

قوله: ﴿ بيت من زخرف ﴾ قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله "أو يكون لك بيت من ذهب".

وقال الزجاج: هو الزينة ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب.

﴿ أو ترقى في السماء ﴾ أي في معارجها فحذف المضاف.

يقال: رقي في السلم وفي الدرجة.

والمصدر "رقى" وأصله "فعول" كقعود ﴿ و ﴾ معنى ﴿ لن نؤمن لرقيك ﴾ لن نؤمن لك لأجل رقيك ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً ﴾ من السماء فيه تصديقك.

قال الرسول: متعجباً من اقتراحاتهم أو تنزيهاً لله من تحكماتهم أو من قولهم: ﴿ أو تأتي بالله ﴾ ﴿ سبحان ربي هل كنت ﴾ أي لست ﴿ إلا بشراً رسولاً ﴾ فإن طلبتم هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسي فالبشر لا يقدر على أمثال ذلك فكيف أقدر أنا عليها؟

وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة.

ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال: ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا ﴾ أي الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ﴿ إذ جاءهم الهدي ﴾ وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة ﴿ إلا أن قالوا ﴾ منكرين ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ ثم أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ﴾ على الأقدام كما يمشي الإنس ﴿ مطمئنين ﴾ ساكنين فيها ﴿ لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم.

فكأنه اعتبر لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: أحدهما كون سكان الأرض ملائكة، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ بشراً ﴾ و ﴿ ملكاً ﴾ منصوبين على الحال من ﴿ رسولاً ﴾ بل زعم أن المعنى له أجوب، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفاً بحالة البشرية لا الملكية، وإذا كان أحد الصنفين المقابلين حالاً لزم أن يكون الآخر كذلك.

ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلاً: ﴿ قل كفى بالله ﴾ الآية.

وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله  له على الصدق.

فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها؟

علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال: ﴿ ومن يهد الله ﴾ الآية.

وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر "الأعراف" وغيره.

وقوه: ﴿ فهو المهتد ﴾ حمل على اللفظ وقوله: ﴿ فلن تجد ﴾ حمل على المعنى.

والخطاب في ﴿ لن تجد ﴾ إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب.

والأولياء الأنصار، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله: ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم  ﴾ وإما بمعنى المشي عليها كما روي أنه  سئل عن ذلك فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" وقيل لابن عباس: قد أخبر الله  عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال: ﴿ رأى المجرمون النار ﴾ ﴿ دعوا هنالك ثبوراً ﴾ ﴿ سمعوا لها ﴾ الجمع بين ذاك تغيظاً وزفيراً فكيف وبين قوله: ﴿ عمياً وبكماً وصماً ﴾ ؟

فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم.

وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكم عن مخاطبة الله، ومخاطبة الملائكة المقربين، صم عن ثناء الله على أوليائه، وقال مقاتل: هذه الأحوال بعد قوله  لهم: ﴿ اخسئووا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار.

وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به ﴿ كلما خبت ﴾ أي سكن لهبها.

خبت النار تخبوا خبواً وأخباها غيرها أي أخمدها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ قال ابن قتيبة: أي تسعراً وهو التهلب.

ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع بينه وبين قوله: ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب، أو يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به، ويحتمل أن يقال: المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتعسر.

وقال في الكشاف: لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها.

ثم يعيدها.

وفيه زيادة في تحسرهم وفي الانتقام منهم.

ومما يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ ذلك جزاؤهم ﴾ الآية.

ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال: ﴿ أو لم يروا ﴾ الآية.

وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون منها أقدر، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء.

ومن قال: أراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاتعراض عليه كقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ أي يبعثهم.

وحين بيّن أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتاً معلوماً ما عنده فقال: ﴿ وجعل لهم ﴾ أي لبعثهم ﴿ أجلاً لا ريب فيه ﴾ قال جار الله: قوله: ﴿ وجعل ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أو لم يروا ﴾ والمعنى قد علموا بدليل العقل أنه قادر على خلق أمثالهم وجعل لهم.

وأقول: يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه على خلقه التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلاً أن يملكوا خزائن هن بصدد الفناء والنفاد.

قال النحويون: كلمة "لو" حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشي لانتفاء غيره.

والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا الذوات.

وأيضاً إنها ههنا بمعنى "إن" الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من تقدير فعل بعدها، فأصل الكلام: لو تملكون تملكون مرتين: فأضمر "تملك" إضماراً على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلاً لسقوط ما كان يتصل هو به فـ ﴿ أنتم ﴾ فاعل الفعل المضمر ﴿ تملكون ﴾ تفسيره.

وقال علماء البيان: فائدة هذا التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل الفاعل كما في قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني.

لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي لو حرة لطمتني وقوله: ﴿ خشية الإنفاق ﴾ أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم ﴿ وكان الإنسان قتوراً ﴾ أي بخيلاً شحيحاً، والقتر والإقتار والتقتير والتقصير في الإنفاق.

وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه الشح إذ كان باقياً على طبعه لأنه خلق محتاجاً إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة.

ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذاً الأصل في الإنسان هو البخل والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي طلباً للثناء أو الثواب.

وقيل: المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ﴾ بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها.

ثم قال: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات ﴾ فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم، فليس عدم الاستجابة إلى ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصحلة أو لعدم استتباع الغاية لعلمنا بإصراركم والختم على قلوبكم، عن ابن عباس: أن الآيات التسع هن: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل.

وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات.

مكان الحجر والبحر والطور.

وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها: حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم.

فقال له عمر: لا يكون الفقيه إلا هكذا.

أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة.

وعن صفوان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالا: إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك" قال الإمام فخر الدين الرازي: هو أجود ما قيل في الآيات التسع.

وأقول: عد الأحكام من الآيات البينات فيه بعد، اللَّهم إلا أن يقال: النهي عن مساوىء الأخلاق والعادات من جملة علامات النبوة.

قال بعد العلماء: أجابهم النبي  بتسع وزاد واحدة تختص بهم.

وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر: "ولا تقذفوا محصنة" وشك شعبة في أنه  : "ولا تقذفوا محصنة" أو قال: "تولوا الفرار" .

وقيل: إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم.

إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه.

هكذا قال الأصوليون، ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة.

والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلاً فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر الصادق.

أما قوله: ﴿ فاسأل بني إسرائيل ﴾ فالخطاب فيه للنبي  والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت.

والمسؤولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه.

وقوله: ﴿ إذا جاءهم ﴾ يتعلق بـ ﴿ آتينا ﴾ .

وينتصب بإضمار "اذكر"، أو هو للتعليل.

والمراد فاسألهم يخبروك لأنه جاءهم أي جاء أباهم.

ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله.

وقيل: هو بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء.

وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه أعطى علم السحر.

ومن قرأ "علمت" بضم التاء فظاهر لأن موسى كان علماً بصحة الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض، فأراد أني لا أشك في أمري بسبب تشكك مكذب مثلك.

ومن قرأ بفتحها فالمراد تبين أن كفر فرعون كفر جحود وعناد كقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً  ﴾ .

وقوله للآيات: ﴿ هؤلاء ﴾ كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام *** ومعنى ﴿ بصائر ﴾ بينات مكشوفات وانتصابها على الحال كأنه أشار بقوله: ﴿ ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ إلى أنها أفعال خالقة للعادة، وبقوله: ﴿ بصائر ﴾ إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم حد المعجز بمجموع القيدين.

ثم قارع موسى ظن فرعون بظنه فقال: ﴿ إني لأظنك يا فرعون مثبوراً ﴾ قال الفراء: أي ملعوناً محبوساً عن الخير من قولهم "ما ثبرك عن هذا" أي ما منعك وصرفك.

وقال مجاهد وقتادة، أي هالكاً من الثبور الهلاك.

ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلاً وثبوراً وحسرة وندامة، ولهذا قال: ﴿ فأراد ﴾ أي فرعون ﴿ أن يستفزهم من الأرض ﴾ أي يستخف موسى وقومه من بسيط الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أبو بالنفي والإخراج.

والحاصل أن فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانه تحقيقاً لقوله: ﴿ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله  ﴾ ثم أخبر عن المعاد قائلاً ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وهو قيام الساعة ﴿ جئنا بكم ﴾ يعني معشر المكلفين كلهم ﴿ لفيفاً ﴾ جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة، وذلك لأجل الحكم والجزاء والفصل والقضاء.

ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره فقال: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ التقديم للتخصيص أي ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه.

قال جار الله: أي ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين.

وقال آخرون: الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق، ولا ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام، وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد، وعلى أصول الأديان والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل، وكل هذه الأمور تدل على المعنى المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور.

قال أبو علي الفارسي: بالباء في الموضعين بمعنى "مع" كما في قولك "خرج بسلاحه" أي أنزل القرآن مع الحق ونزل هو مع الحق.

ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى "على" كما في قولك "نزلت بزيد" فيكون الحق عبارة عن محمد  لأن القرآن نزل به أي عليه ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ بالجنة ﴿ ونذيراً ﴾ من النار ليس إليك وراء هذين شيء من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه.

ثم إن القوم كأنهم من تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ وقرآناً ﴾ وهو منصوب بفعل يفسره ﴿ فرقناه ﴾ أي جعلنا نزوله مفرقاً منجماً.

وعن ابن عباس أنه قرأه مشدداً وقال: إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب.

وقال أبو عبيدة: التخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقاً.

فالفرق يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام.

وأقول: إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله وبين آخره، فرأى التشديد أولى.

ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين المدة بدليل قوله: ﴿ لتقرأه على الناس على مكث ﴾ بضم الميم أي على مهل وتؤدة ولقوله: ﴿ ونزلناه تنزيلاً ﴾ أي على حسب المصالح والحوادث.

ثم خاطب نبيه  بأن يقول للمقترحين ﴿ آمنوا به أو لا تؤمنوا ﴾ وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان.

قال جار الله: قوله: ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله ﴾ إما أن يكون تعليلاً لقل على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن.

قال مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد  خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام، وفي قوله: ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ دون أن يقول "يسجدون" مبالغة من وجهين: أحدهما إنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن.

فقال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من وجهه الذقن.

قلت: هذا تصحيح للمعنى ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة.

وقال غيره.

المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله  فربما سقط على الأرض مغشياً عليه.

وثانيهما أنه لم يقل "يخرون على الأذقان" كما هو ظاهر وإنما قال ﴿ للأذقان ﴾ لأن اللام للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم.

ثم حكى أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين ﴿ سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ﴾ بإنزال القرآن وبعثة محمد  في كتبنا ﴿ لمفعولاً ﴾ أي منجراً "وإن" مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان، ثم ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم باكين، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل قوله ﴿ ويزيدهم ﴾ أي القرآن ﴿ خشوعاً ﴾ لين قلب ورطوبة عين، ثم أرد أن يعلمهم كيفية الخشوع والدعاء فقال: ﴿ قل ادعوا ﴾ عن ابن عباس: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن.

فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر.

وقيل: أن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت.

قال جار الله: الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين.

تقول: دعوته زيداً ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول: دعوت زيداً و "أو" للتخيير والمعنى على السبب الأول سموه بهذا الاسم أو بهذا، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا ﴿ أياماً تدعوا ﴾ يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه "وما" صلة زيدت لتأكيد الإبهام.

والضمير "في ﴿ فله ﴾ لا يرجع إلى أحد الاسمين ولكن إلى مسماهما، وكان أصل الكلام أن يقال: فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع موضعه.

قوله: ﴿ فله الأسماء الحسنى ﴾ .

لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان.

ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر "الأعراف".

ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومنه يقال: خفت صوته خفوتاً إذا انقطع كلامه أو ضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله  كان يرفع صوته لعله أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعالها فهو ألح تأمل.

مصححه بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم ﴿ ولا تخافت بها ﴾ فلا تسمع أصحابك ﴿ وابتغ بين ذلك ﴾ الذي ذكر من الجهر المخافتة ﴿ سبيلاً ﴾ وسطاً، وروي أن النبي  طاف بالليل دور الصحابة فكان أبو بكر يخفي صوته في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي.

وكان عمر يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان.

فأمر النبي  أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض قليلاً فنزلت الآية على حسب ذلك.

وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها.

وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد أن الصلاة ههنا الدعاء.

وقد يروى هذا مرفوعاً قال الحسن: لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها، وأيضاً في الجهر إسماع غيره الذنوب وهو الموجب للتغيير والتوبيخ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية  ﴾ قال جار الله: ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة.

ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية التحميد بقوله: ﴿ وقل الحمد لله ﴾ الآية قال في الكشاف: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟

وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد، وأقول: الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد، فالوالد مركب وكل مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد، وأيضاً الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ومصالح تمدنه، وكل من كان كذلك كان عاجزاً بالنظر إلى ذاته، فلا يتم فيضانه فلا يستحق الحمد على الإطلاق، وهكذا حكم من كان له ولي من الذل أي اتخذ حبيباً من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة، أو الولي بمعنى الناصر أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.

وأيضاً قد يمنعه الشريك من إصابه الخير إلى أوليائه، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجاً إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه.

أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجلّ أقسام الشكر.

قال الإمام فخر الدين الرازي: التكبير أنواع منها: تكبير الله في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه.

ومنها تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال.

ومنها تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر.

قال: سمعت أن الأستاذ أبا إسحق الإسفرايني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني.

فلما رآه قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء.

فقال الأستاذ: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.

ومنها تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون العدالة وقضية الاستقامة.

ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا التعظيم، وكان النبي  إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية والله أعلم.

التأويل: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات.

﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ تعجبوا من كون البشر رسولاً حين ظن أن الملك أعلى حالاً من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة ﴿ مأواهم جهنم ﴾ الحرص والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ باشتعال طلب شهوة أخرى ﴿ تسع آيات بينات ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الحق: والدين المعروف بداية أرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن كقوله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ {آل عمران: 103] ﴿ وبالحق نزل ﴾ التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه ﴿ إن الذين أوتوا العلم من ﴾ قبل نزوله في الأزل ﴿ إذا يتلى عليهم ﴾ في الأزل عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ للإجابة يقولون "بلى" ﴿ ويخرون للأذقان ﴾ في عالم الصورة يبكون.

فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد.

ثم بين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴾ أي كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسناً وهو الدعاء بالإخلاص ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ رياء وسمعة ﴿ ولا تخافت بها ﴾ أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله  أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - لأن العرب كانت لا تعرف الرسل والكتب المنزلة من السماء ولا يؤمنون بهما، وكانت لا تعرف ذكر الرحمن ولا التسمية به وكذلك غيره من الأسماء، لما لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بألسن الرسل والأنبياء، وإما بالكتب المنزلة من السماء، فإذا لم يؤمنوا بالرسل، ولا عرفوا الكتب، حملهم ذلك على الإنكار والجحود لأسمائه، ولذلك قالوا: ﴿ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ أي: يكفرون بذكر الرحمن واسمه؛ لما ذكرنا.

أو أن يكونوا أنكروا اسم الرحمن؛ لما لم يعرفوا أنه مأخوذ من الرحمة، [ولو عرفوا: أنه من الرحمة ما أنكروا؛ على ما لم ينكروا "الرَّحِيمِ"؛ لأنهم عرفوا أن الرحيم مأخوذ من الرحمة] وأما الله فهم يسمون كل معبود إلهاً، وعلى ذلك سموا الأصنام التي كانوا يعبدونها: آلهة، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فيسمون الله لما هو المعبود عندهم، ورجعت عبادتهم الأصنام إلى الله؛ حيث زعموا ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، كانوا يطلبون بعبادتهم الأصنام القربة إلى الله؛ لذلك أنكروا غيره من الأسماء؛ على أن العرب لم ينكروا لشيء واحد اسمين وأكثر، وعرفوا أن اختلاف الأسماء، وكثرتها لا يوجب اختلاف المسمى بها، ولا يوجب عدداً منه، وأن ما قالوا: إنه كان يدعو حتى الآن إلى عبادة واحد، فالساعة يدعو إلى عبادة اثنين وأكثر، إنما قالوا على التعنت والعناد، وإلا قد عرفوا لشيء واحد اسمين وأكثر، لكنهم أنكروا لله ذلك؛ لما ذكرنا؛ تعنتاً منهم، وعناداً، على هذا يجوز أن - تتأوّل الآية - والله أعلم.

ثم اختلف في تخصيص ذكره بهذين الاسمين: قال بعضهم: وجه تخصيصهما؛ لأنهما اسمان مخصوصان له، لا يجوز أن يسمى غيره بهذين الاسمين، وأما غيرهما من الأسماء فإنه يجوز أن يسمى غيره بها.

وقال الحسن: خصّ بذكرهما؛ لأنهما اسمان معظمان عند الخلق ما لم يجعل لغيرهما من الأسماء من التعظيم ما جعل لهذين.

وقال أبو بكر الأصم: خص بذكر هذين؛ لأن غيرهما من الأسماء أسماء أخذت عن صفاته، وأما هذان فهما ليسا أخذاً عن صفته.

وقال الزجاج: الرحمن: هو مأخوذ من الرحمة إلا أنه النهاية في الرحمة؛ لأنه "فعلان"، وهو ما يقال: غضبان، إذا انتهى غضبه غايته، وإلا قوله: "الرحيم" و "الرحمن" كلاهما من الرحمة إلا أن الرحمن "فعلان" والفعلان هو النهاية من وصف الرحمة؛ لما ذكرنا، وغيره من الخلائق لا يبلغون في الرحمة ذلك المبلغ؛ لذلك خصّ بذكر "الرحمن" دون "الرحيم".

وهذا كله واحد ليس فيه خلاف، وأصله ما ذكرنا لا يشرك غيره في هذين، ويجوز في غيره.

وقوله عز وجل: ﴿ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: أسماؤه التي يسمى بها كلها الحسنى، ليس شيء منها قبيحاً.

أو أن يكون قوله: ﴿ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: كل أعمال صالحة، وأمور حسنة له، أي: تنسب إليه، وتضاف، ولا يجوز أن يضاف وينسب ما قبح منها، وسمج، وأصله: ما ذكرنا [أنه ينسب إليه] كل حسن، وكل صالح على الإشارة [ولا يجوز أن ينسب إليه كل قبيح سمج على الإشارة] والتسمية به، وهو ما يذكر: "التحيات لله، والصلوات والطيبات..." إلى آخره، ينسب إليه كل طيب، وكل حسن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: له أسماء حسنة يسمى بها.

والثاني: أن كل حسن يسمى به غيره فهو راجع إليه في الحقيقة، وهو مسمى به، وكل حسن منسوب إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً ﴾ ، اختلف أهل التأويل في ذلك: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ ﴾ أي: لا تجعل صلاتك في مكان غيظاً للمشركين ﴿ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ ، أي: ولا تسر عن أصحابك فتخفى عنهم، لكن ابتغ بين ذلك سبيلاً.

وقال بعضهم: لا تجعل كل صلواتك في جماعة، ولا تخافت بها، ولا كلها في غير جماعة.

﴿ وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً ﴾ ، ولكن اجعل بعضها بالجماعة، وبعضها لا بالجماعة.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ ، أي: لا تجاوز الحد في الأمور والأعمال التي أمرتك بها، ولا تقصرها عن الحدّ الذي حددت لك فيها، ولكن ابتغ بين ذلك سبيلاً.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ ﴾ مراءاةً للناس، ﴿ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ أي: ولا تعجب بها للإخفاء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا  ﴾ أي: لا تجهر بجميع الأذكار التي في الصلاة أو بجميع القراءات التي فيها ولا تخافت بالكل، ولكن بعضها بالجهر وبعضها بالمخافتة.

وقال بعضهم: إنه كان يجهر في صلاته بحيث يسمعه المشركون فيؤذونه، فأمره ألا يجهر بها لئلا يؤذوه، ولا يخافت كل المخافتة، فيسمع أصحابك فيأخذوا قراءتك.

وقال بعضهم: ذلك في الدعاء إلى الله وتوحيده في حق التبليغ، والمسألة وأمثاله، ولكن لا يجوز أن يقطع التأويل في هذا وأمثاله، فيقال: إنه كان كذا إلا بخبر منه ثابت؛ لأن الخطاب به خطاب له، فقطع التأويل فيه والقول على شيء واحد شهادة على الله وعلى رسوله، ولا تحل الشهادة على الله، ولا على رسوله إلا بالإحاطة أنه أراد ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ ﴾ .

ذكر في هذه الآية جميع ما يقع به الحاجة إلى التوحيد؛ لأن من نفى التوحيد وأنكره إنما نفى لأحد الوجوه التي ذكر: منهم من قال له بالولد، وهم اليهود والنصارى.

ومنهم من قال بالشريك، وهم مشركو العرب.

ومنهم من قال له بالولي والعون من الذل وهم الثنوية وغيرها حيث قالوا: أنشأ هذا النور؛ ليستعين به على التخلص من ويلات الظلمة فنزّه نفسه، وبرّأها عن جميع ما قالوا فيه ونسبوا إليه؛ لأن الولد في الشاهد إنما يطلب، إمّا للتسلي، وإمّا للاستئناس والله يتعالى عن أن يقع له الحاجة إلى ذلك، ويتعالى عن أن يكون له شريك لأن الشركاء في الشاهد؛ إنما تُتَّخذ للمعونة، والتقوي بهم على بعض ما لهم، وما هم فيه، والولي من الذل إنما [يتخذ] في الشاهد؛ للاستنصار والاستعانة على أعدائه، والله يتعالى عن أن تقع له الحاجة إلى شيء من ذلك فنفى عنه جميع معاني الخلق وجميع ما ينسب إليهم ويضاف ويصفون به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ﴾ : أي: صفه بما وصف نفسه، وانفِ عنه جميع معاني الخلق فيكون في ذلك تعظيمه وتكبيره.

أو يقول: اعرفه بما ذكر، فإذا عرف هكذا فقد عظمته وكبرته.

والولد في الشاهد إنما يتخذ، ويطلب لوجوه: أحدها: للتسلي به والاستئناس عن وحشة.

أو لحاجة تمسّه فيستعين به على قضائها.

أو لذل يخافه من عدوّ له فيستنصر به عليه، والله يتعالى عن أن يصيبه شيء من ذلك.

وقوله ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ﴾ : أي: لم يتخذ الأولياء؛ ليستعزز بهم من الذل، بل إنما اتخذ أولياء رحمة منه، وفضلاً؛ ليتعززوا هم بذلك ويكونوا عظماء، وذكر: ﴿ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ﴾ وقد خلق الأولاد للخلق؛ ليعلم أن ليس في خلق الشيء ما يصلح أن يتخذ لنفسه.

وقوله: ﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ ﴾ ولو كان على ما تقوله المعتزلة، لكان له شريك في الملك على قولهم؛ لأنهم يقولون: إن الله لم يرد لأحد من الكفرة الملك لهم وإنما أراد لأوليائه؛ فعلى قولهم صار الفراعنة شركاء له في الملك حيث لم يكن ما أراد هو وكان ما أرادوا هم، والله أعلم والحمد لله رب العالمين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لمن أنكر عليك الدعاء بقولك: (يا الله، يا رحمن): الله والرحمن اسمان له سبحانه فادعوه بأي منهما أو بغيرهما من أسمائه، فله -سبحانه- الأسماء الحسنى، وهذان منها، فادعوه بهما أو بغيرهما من أسمائه الحسنى، ولا تجهر بالقراءة في صلاتك فيسمعك المشركون، ولا تسرّ بها فلا يسمعها المؤمنون، واطلب طريقًا وسطًا بين الأمرين.

<div class="verse-tafsir" id="91.5mM36"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله