الآية ١٢ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ١٢ من سورة الإسراء

وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةًۭ لِّتَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍۢ فَصَّلْنَـٰهُ تَفْصِيلًۭا ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 143 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام ، فمنها مخالفته بين الليل والنهار ، ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات والأعمال والأسفار ، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام ، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك ؛ ولهذا قال : ( لتبتغوا فضلا من ربكم ) أي : في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك ( ولتعلموا عدد السنين والحساب ) فإنه لو كان الزمان كله نسقا واحدا وأسلوبا متساويا ؛ لما عرف شيء من ذلك ، كما قال تعالى : ( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) [ القصص : 71 - 73 ] ، وقال تعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) [ الفرقان : 61 ، 62 ] وقال تعالى : ( وله اختلاف الليل والنهار ) [ المؤمنون : 80 ] ، وقال : ( يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار ) [ الزمر : 5 ] ، وقال تعالى : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ) [ الأنعام : 96 ] ، وقال تعالى : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) [ يس : 37 ، 38 ] .

ثم إنه تعالى جعل لليل آية ، أي : علامة يعرف بها وهي الظلام وظهور القمر فيه ، وللنهار علامة ، وهي النور وظهور الشمس النيرة فيه ، وفاوت بين ضياء القمر وبرهان الشمس ليعرف هذا من هذا ، كما قال تعالى : ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) إلى قوله : ( لآيات لقوم يتقون ) [ يونس : 5 ، 6 ] ، كما قال تعالى : ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) الآية [ البقرة : 189 ] .

قال ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير في قوله : ( فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ) قال : ظلمة الليل وسدفة النهار .

وقال ابن جريج عن مجاهد : الشمس آية النهار ، والقمر آية الليل ( فمحونا آية الليل ) قال : السواد الذي في القمر ، وكذلك خلقه الله تعالى .

وقال ابن جريج : قال ابن عباس : كان القمر يضيء كما تضيء الشمس ، والقمر آية الليل ، والشمس آية النهار ( فمحونا آية الليل ) السواد الذي في القمر .

وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة : أن ابن الكواء سأل [ أمير المؤمنين ] علي بن أبي طالب فقال : يا أمير المؤمنين ، ما هذه اللطخة التي في القمر ؟

فقال : ويحك أما تقرأ القرآن ؟

( فمحونا آية الليل ) فهذه محوه .

وقال قتادة في قوله : ( فمحونا آية الليل ) كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه ، وجعلنا آية النهار مبصرة ، أي : منيرة ، خلق الشمس أنور من القمر وأعظم .

وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس : ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) قال : ليلا ونهارا ، كذلك خلقهما الله ، عز وجل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ومن نعمته عليكم أيها الناس، مخالفته بين علامة الليل وعلامة النهار، بإظلامه علامة الليل، وإضاءته علامة النهار، لتسكنوا في هذا، وتتصرّفوا في ابتغاء رزق الله الذي قدره لكم بفضله في هذا، ولتعلموا باختلافهما عدد السنين وانقضاءها، وابتداء دخولها، وحساب ساعات النهار والليل وأوقاتها( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا ) يقول: وكلّ شيء بيناه بيانا شافيا لكم أيها الناس لتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من نعمه، وتخلصوا له العبادة، دون الآلهة والأوثان.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أبي الطُفيل، قال: قال ابن الكَوّاء (4) لعليّ: يا أمير المؤمنين، ما هذه اللَّطْخة التي في القمر؟

فقال: ويْحَك أما تقرأ القرآن (فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) ، فهذه محوه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا طلق ، عن زائدة، عن عاصم، عن عليّ بن ربيعة، قال: سأل ابن الكوّاء عليا فقال: ما هذا السواد في القمر؟

فقال عليّ( فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) هُوَ المَحْو.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عمر، قال: كنت عند عليّ، فسأله ابن الكَوّاء عن السواد الذي في القمر؟

فقال: ذاك آية الليل مُحِيت.

حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زُريع، قال: ثنا عمران بن حُدير، عن رفيع بن أبي كثير قال: قال عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه: سَلُوا عما شئتم، فقام ابن الكوّاء فقال: ما السواد الذي في القمر، فقال: قاتلك الله، هلا سألت عن أمر دينك وآخرتك؟

قال: ذلك مَحْو الليل.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصريّ، قال: ثنا ابن عُفَير، قال: ثنا ابن لَهيعة، عن حُيَيّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رجلا قال لعليّ: ما السواد الذي في القمر؟

قال: إن الله يقول ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ).

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ ) قال: هو السواد بالليل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، فمحونا آية الليل: السواد الذي في القمر.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: ذكر ابن جريج، عن مجاهد، في قوله ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ) قال: الشمس آية النهار، والقمر آية الليل (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ) قال: السواد الذي في القمر، وكذلك خلقه الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ) قال: ليلا ونهارا، كذلك خلقهما الله، قال ابن جريج : وأخبرنا عبد الله بن كثير، قال ( فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) قال: ظلمة الليل وسدفة النهار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) : أي منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ) قال: ليلا ونهارا، كذلك جعلهما الله.

واختلف أهل العربية في معنى قوله ( وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) فقال بعض نحويي الكوفة معناها: مضيئة، وكذلك قوله (والنَّهار مُبْصِرًا) معناه: مضيئا، كأنه ذهب إلى أنه قيل مبصرا، لإضاءته للناس البصر.

وقال آخرون: بل هو من أبصر النهار: إذا صار الناس يبصرون فيه فهو مبصر، كقولهم: رجل مجبن: إذا كان أهله وأصحابه جبناء، ورجل مضعف: إذا كانت رواته ضعفاء، فكذلك النهار مبصرا: إذا كان أهله بصراء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ) قال: جعل لكم سبحا طويلا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة ( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا ) : أي بيناه تبيينا.

--------------------- الهوامش : (4) ابن الكواء: هو عبد الله بن الكواء الخارجي، أحد الذين كانوا مع علي في صفين، ثم فارقوه بعد التحكيم.

فكان من زعماء الخوارج.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاقوله تعالى : وجعلنا الليل والنهار آيتين أي علامتين على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا وقدرتنا .

والآية فيهما : إقبال كل واحد منهما من حيث لا يعلم ، وإدباره إلى حيث لا يعلم .ونقصان أحدهما بزيادة الآخر وبالعكس آية أيضا .

وكذلك ضوء النهار وظلمة الليل .

وقد مضى هذا .فمحونا آية الليل ولم يقل : فمحونا الليل ، فلما أضاف الآية إلى الليل والنهار دل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما .

ومحونا معناه طمسنا .

وفي الخبر أن الله - تعالى - أمر جبريل - عليه السلام - فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء وكان كالشمس في النور ، والسواد الذي يرى في القمر من أثر المحو .

قال ابن عباس : جعل الله الشمس سبعين جزءا والقمر سبعين جزءا ، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعله مع نور الشمس ، فالشمس على مائة وتسع وثلاثين جزءا والقمر على جزء واحد .

وعنه أيضا : خلق الله شمسين من نور عرشه ، فجعل ما سبق في علمه أن يكون شمسا مثل الدنيا على قدرها ما بين مشارقها إلى مغاربها ، وجعل القمر دون الشمس ; فأرسل جبريل - عليه السلام - فأمر جناحه على وجهه ثلاث مرات وهو يومئذ شمس فطمس ضوءه وبقي نوره ; فالسواد الذي ترونه في القمر أثر المحو ، ولو تركه شمسا لم يعرف الليل من النهار ذكر عنه الأول الثعلبي والثاني المهدوي ; وسيأتي مرفوعا .

وقال علي - رضي الله عنه - وقتادة : يريد بالمحو اللطخة السوداء التي في القمر ، ليكون ضوء القمر أقل من ضوء الشمس فيتميز به الليل من النهار .وجعلنا آية النهار مبصرة أي جعلنا شمسه مضيئة للأبصار .

قال أبو عمرو بن العلاء : أي يبصر بها .

قال الكسائي : وهو من قول العرب أبصر النهار إذا أضاء ، وصار بحالة يبصر بها .

وقيل : هو كقولهم [ ص: 206 ] خبيث مخبث إذا كان أصحابه خبثاء .

ورجل مضعف إذا كانت دوابه ضعافا ; فكذلك النهار مبصرا إذا كان أهله بصراء .لتبتغوا فضلا من ربكم يريد التصرف في المعاش .

ولم يذكر السكون في الليل اكتفاء بما ذكر في النهار .

وقد قال في موضع آخر : هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا .ولتعلموا عدد السنين والحساب أي لو لم يفعل ذلك لما عرف الليل من النهار ، ولا كان يعرف الحساب والعدد .وكل شيء فصلناه تفصيلا أي من أحكام التكليف ; وهو كقوله : تبيانا لكل شيء ما فرطنا في الكتاب من شيء .

وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لما أبرم الله خلقه فلم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسا من نور عرشه وقمرا فكانا جميعا شمسين فأما ما كان في سابق علم الله أن يدعها شمسا فخلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وأما ما كان في علم الله أن يخلقها قمرا فخلقها دون الشمس في العظم ولكن إنما يرى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض فلو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولا كان الأجير يدري إلى متى يعمل ولا الصائم إلى متى يصوم ولا المرأة كيف تعتد ولا تدرى أوقات الصلوات والحج ولا تحل الديون ولا حين يبذرون ويزرعون ولا متى يسكنون للراحة لأبدانهم وكأن الله نظر إلى عباده وهو أرحم بهم من أنفسهم فأرسل جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات وهو يومئذ شمس فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور فذلك قوله وجعلنا الليل والنهار آيتين الآية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ } أي: دالتين على كمال قدرة الله وسعة رحمته وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له.

{ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ } أي: جعلناه مظلما للسكون فيه والراحة، { وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً } أي: مضيئة { لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } في معايشكم وصنائعكم وتجاراتكم وأسفاركم.

{ وَلِتَعْلَمُوا } بتوالي الليل والنهار واختلاف القمر { عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } فتبنون عليها ما تشاءون من مصالحكم.

{ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا } أي: بينا الآيات وصرفناه لتتميز الأشياء ويستبين الحق من الباطل كما قال تعالى: { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ( أي : علامتين دالتين على وجودنا ووحدانيتنا وقدرتنا ( فمحونا آية الليل ( قال ابن عباس : جعل الله نور الشمس سبعين جزءا ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعلها مع نور الشمس .

وحكى أن الله تعالى أمر جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور .

وسأل ابن الكواء عليا عن السواد الذي في القمر؟

قال : هو أثر المحو .

( وجعلنا آية النهار مبصرة ( منيرة مضيئة يعني يبصر بها .

قال الكسائي : تقول العرب أبصر النهار إذا أضاء بحيث يبصر بها ( لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب ( أي : لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولم يدر الصائم متى يفطر ولم يدر وقت الحج ولا وقت حلول الآجال ولا وقت السكون والراحة .

( وكل شيء فصلناه تفصيلا (

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجعلنا الليل والنهار آيتين» دالتين على قدرتنا «فمحونا آية الليل» طمسنا نورها بالظلام لتسكنوا فيه والإضافة للبيان «وجعلنا آية النهار مبصرة» أي مبصرا فيها بالضوء «لتبتغوا» فيه «فضلاً من ربكم» بالكسب «ولتعلموا» بهما «عدد السنين والحساب» للأوقات «وكل شيء» يحتاج إليه «فصلناه تفصيلاً» بيناه تبيينا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجعلنا الليل والنهار علامتين دالَّتين على وحدانيتنا وقدرتنا، فمَحَوْنا علامة الليل -وهي القمر- وجعلنا علامة النهار -وهي الشمس- مضيئة؛ ليبصر الإنسان في ضوء النهار كيف يتصرف في شؤون معاشه، ويخلد في الليل إلى السكن والراحة، وليعلم الناس -من تعاقب الليل والنهار- عدد السنين وحساب الأشهر والأيام، فيرتبون عليها ما يشاؤون من مصالحهم.

وكل شيء بيَّناه تبيينًا كافيًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، وسعة رحمته بعباده ، ومجازاتهم على أعمالهم يوم القيامة فقال - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ الليل وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً )قال أبو حيان : قوله - تعالى - ( وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ .

.

) لما ذكر - سبحانه - القرآن وأنه هاد إلى الطريقة المستقيمة ، ذكر ما أنعم به مما لم يمكن الانتفاع إلا به ، وما دل على توحيده من عجائب العالم العلوى .

وأيضا لما ذكر عجلة الإِنسان ، وانتقاله من حال إلى حال ذكر أن كل هذا العالم كذلك فى الانتقال لا يثبت على حال ، فنور عقب ظلمة وبالعكس ، وازدياد نور وانتقاص آخر .والمراد بالآيتين هنا : العلامتان الواضحتان ، الدالتان على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته .وقوله : ( فمحونا ) من المحو بمعنى إزالة أثر الشئ ، يقال : محا فلان الشئ محوا - من باب قتل - إذا أزال أثره .وللعلماء فى تفسير هذه الآية اتجاهات : أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه ، أن المراد بالآيتين : نفس الليل والنهار ، وأن الكلام ليس فيه حذف .فيكون المعنى : وجعلنا الليل والنهار - بهيئاتهما الثابتة ، وتعاقبهما الدائم ، واختلافهما طولا وقصرا - آيتين كونيتين كبيرتين ، دالتين على أن لهما صانعا قادرا ، حكيما ، هو الله رب العالمين .وقوله - سبحانه - ( فَمَحَوْنَآ آيَةَ الليل ) أى : فجعلنا الآية التى هى الليل .

ممحوة الضوء ، مظلمة الهيئة ، مختفية فيها الأشياء ، ساكنة فيها الحركات .وقوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً ) أى : وجعلنا الآية التى هى النهار مضيئة ، تبصر فيها الأشياء وترى بوضوح وجلاء .وعلى هذا الاتجاه ، تكون إضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشئ إلى نفسه ، مع اختلاف اللفظ ، تنزيلا لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف فى المعنى ، كما فى قوله - تعالى - ( شهر رمضان ) فرمضان هو نفس الشهر .وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن الكلام على حذف مضاف ، وأن المراد بالآيتين : الشمس والقمر ، فيكون المعنى : وجعلنا نيرى الليل والنهار - وهما الشمس والقمر - آيتين دالتين على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته ، فمحونا آية الليل - وهى القمر - ، بأن أزلنا عنه شعاعه وضياءه ، ولم نجعله كالشمس فى ذلك ، وجعلنا آية النهار - وهى الشمس - مبصرة ، أى : ذات شعاع وضياء يبصر فى ضوئها الشئ على حقيقته .وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين دون أن يرجح بينهما فقال : قوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ .

.

) فيه وجهان : أحدهما : أن يراد أن الليل والنهار آيتان فى أنفسهما ، فتكون الإِضافة فى آية الليل وآية النهار للتبيين ، كإضافة العدد إلى المعدود ، أى : فمحونا الآية التى هى الليل ، وجعلنا الآية التى هى النهار مبصرة .والثانى : أن يراد : وجعلنا نيرى الليل والنار آيتين ، يريد الشمس والقمر .

.

.أى : فمحونا آية الليل التى هى القمر ، حيث لم نخلق له شعاعا كشعاع الشمس تبصر به الأشياء ، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر فى ضوئها كل شئ .والذى نراه : أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة؛ ولأنه لا يحتاج إلى تقدير ، وما كان كذلك أولى مما يحتاج إلى تقدير ، ولأن الليل والنهار هما بذاتهما من أظهر العلامات والأدلة على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته .وهناك عشرات الآيات القرآنية فى هذا المعنى ، ومن ذلك قوله - تعالى - ( وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ) وقوله - تعالى - : ( وَمِنْ آيَاتِهِ الليل والنهار والشمس والقمر .

.

.

) وقال - تعالى - : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب ) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التى أوردها الله - تعالى - فى هذا المعنى .وقوله - سبحانه - : ( لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ) بيان لمظهر من مظاهر حكمته - تعالى - ورحمته بعباده .والجملة الكريمة متعلقة بما قبلها ، وهو قوله - سبحانه - : ( وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً ) أى : جعلنا النهار مضيئا ، لتطلبوا فيه ما تحتاجونه من أمور معاشكم ، ومن الأرزاق التى قسمها الله بينكم .قال الآلوسى ما ملخصه : وفى التعبير عن الرزق بالفضل ، وعن الكسب بالابتغاء : دلالة على أنه ليس للعبد فى تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب ، وإنما الإِعطاء من الله - تعالى - بطريق التفضل .

.

.وشبيه بهذه الجملة الكريمة قوله - تعالى - : ( وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) فقوله - تعالى - : ( لتسكنوا فيه ) يعود إلى الليل .

وقوله - تعالى - : ( وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ) يعود على النهار .ثم بين - سبحانه - حكمة أخرى ونعمة أخرى لجعله الليل والنهار على هذه الهيئة فقال : ( وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ) .أى : وجعلنا الليل والنهار على هذه الصفة من التعاقب والاختلاف فى الطول والقصر لتعرفوا عن طريق ذلك عدد الأيام والشهور والأعوام ، التى لا تستغنون عن معرفتها فى شئون حياتكم ، ولتعرفوا - أيضا - الحساب المتعلق بها فى معاملاتكم ، وبيعكم وشرائكم ، وأخذكم وعطائكم ، وصلاتكم ، وصيامكم ، وزكاتكم ، وحجكم ، وأعيادكم .

.

وغير ذلك مما تتوقف معرفته على تقلب الليل والنهار .

وولوج أحدهما فى الآخر .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ) .والتفصيل : من الفصل بمعنى القطع .

والمراد به هنا : الإِبانة التامة للشئ بحيث يظهر ظهورا لا خفاء معه ولا التباس .ولفظ ( كل ) منصوب على الاشتغال بفعل يفسره ما بعده .أى : وفصلنا كل شئ تحتاجون إليه فى أمور دينكم ودنياكم ، تفصيلا ، واضحا جليا ، لا خفاء معه ولا التباس ، فقد أقمنا هذا الكون على التدبير المحكم ، وعلى الصنع المتقن ، وليس على المصادفات التى لا تخضع لنظام أو ترتيب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في تقرير النظم وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه ببيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال: ﴿ وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ ﴾ وكما أن القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه، فكذلك الدهر مركب من النهار والليل.

فالمحكم كالنهار، والمتشابه كالليل، وكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه، فكذلك الوقت والزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل.

والوجه الثاني: في تقرير النظم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وذلك الأقوم ليس إلا ذكر الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة، لا جرم أردفه بذكر دلائل التوحيد، وهو عجائب العالم العلوي والسفلي.

الوجه الثالث: أنه لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة، بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك، وهو الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد، وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان وبالضد، والله أعلم.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ ﴾ قولان: القول الأول: أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار.

والمعنى: أنه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا.

أما في الدين: فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر مغاير له، مع كونهما متعاقبين على الدوام، من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين لذاتهما، بل لابد لهما من فاعل يدبرهما ويقدرهما بالمقادير المخصوصة، وأما في الدنيا: فلأن مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار، فلولا الليل لما حصل السكون والراحة، ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرف في وجوه المعاش.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَحَوْنَا ءايَةَ الليل ﴾ وعلى هذا القول: تكون الإضافة في آية الليل والنهار للتبيين، والتقدير: فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي نفس النهار مبصرة، ونظيره قولنا: نفس الشيء وذاته، فكذلك آية الليل هي نفس الليل.

ويقال أيضاً: دخلت بلاد خراسان أي دخلت البلاد التي هي خراسان، فكذلك هاهنا.

القول الثاني: أن يكون المراد وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين يريد الشمس والقمر، فمحونا آية الليل وهي القمر، وفي تفسير محو القمر قولان: القول الأول: المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور، فيبدو في أول الأمر في صورة الهلال، ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدراً كاملاً، ثم يأخذ في الانتقاص قليلاً قليلاً، وذلك هو المحو، إلى أن يعود إلى المحاق.

والقول الثاني: المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه يروى أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء، فأرسل الله جبريل عليه الصلاة والسلام فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء.

ومعنى المحو في اللغة: إذهاب الأثر، تقول: محوته أمحوه وانمحى وامتحى إذا ذهب أثره، وأقول: حمل المحو في هذه الآية على الوجه الأول أولى، وذلك لأن اللام في قوله: ﴿ لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ﴾ متعلق بما هو مذكور قبل، وهو محو آية الليل.

وجعل آية النهار مبصرة ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله.

إذا حملنا المحو على زيادة نور القمر ونقصانه، لأن سبب حصول هذه الحالة يختلف بأحوال نور القمر، وأهل التجارب بينوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه، مثل أحوال البحار في المد والجزر، ومثل أحوال التجربات على ما تذكره الأطباء في كتبهم، وأيضاً بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور، وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الأهلة كما قال: ﴿ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ﴾ فثبت أن حمل المحو على ما ذكرناه أولى.

وأقول أيضاً: لو حملنا المحو على الكلف الحاصل في وجه القمر، فهو أيضاً برهان عظيم قاهر على صحة قول المسلمين في المبدأ والمعاد، أما دلالته على صحة قولهم في المبدأ، فلأن جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة، فوجب أن يكون متشابه الصفات، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على أنه ليس بسبب الطبيعة، بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور القوي، وبعض أجزائه بالنور الضعيف، وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار لا موجب بالذات.

وأحسن ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه، أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء، مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، فلما كانت تلك الأجرام أقل ضوأ من جرم القمر، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان، وهذا لا يفيد مقصود الخصم، لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء فلم ارتكزت تلك الأجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء؟

وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب، وذلك لأن الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء فلم لم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب؟

وذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار، وكل هذه الدلائل إنما يراد من تقريرها وإيرادها التنبيه على أن المؤثر في العالم فاعل بالاختيار لا موجب بالذات، والله أعلم.

أما قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا آية اللنهار مبصرة ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن معنى كونها مبصرة أي مضيئة وذلك لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار، فأطلق اسم الإبصار على الإضاءة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

والثاني: قال أبو عبيدة يقال: قد أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه، كقوله: رجل مخبث إذا كان أصحابه خبثاء، ورجل مضعف إذا كانت ذراريه ضعافاً، فكذا قوله: ﴿ والنهار مبصراً  ﴾ ، أي أهله بصراء.

واعلم أنه تعالى ذكر في آيات كثيرة منافع الليل والنهار، قال: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاسًا  وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشًا  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم ﴿ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ﴾ .

واعلم أن الحساب مبني على أربع مراتب: الساعات والأيام والشهور والسنون، فالعدد للسنين، والحساب لما دون السنين، وهي الشهور والأيام والساعات، وبعد هذه المراتب الأربع لا يحصل إلا التكرار كما أنهم رتبوا العدد على أربع مراتب: الآحاد والعشرات والمئات والألوف، وليس بعدها إلا التكرار، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ وَكُلَّ شَيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾ والمعنى: أنه تعالى لما ذكر أحوال آيتي الليل والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان على التوحيد، ومن وجه آخر نعمتان عظيمتان من الله تعالى على أهل الدنيا، فلما شرح الله تعالى حالهما وفصل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق ومن وجوه النعم العظيمة على الخلق، كان ذلك تفصيلاً نافعاً وبياناً كاملاً، فلا جرم قال: ﴿ وَكُلَّ شيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾ أي كل شيء بكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم، فقد فصلناه وشرحناه، وهو كقوله تعالى: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْء  ﴾ وقوله: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَيْء  ﴾ وقوله: ﴿ تُدَمّرُ كُلَّ شَيْء بِأَمْرِ رَبّهَا  ﴾ وإنما ذكر المصدر وهو قوله: ﴿ تَفْصِيلاً ﴾ لأجل تأكيد الكلام وتقريره، كأنه قال: وفصلناه حقاً وفصلناه على الوجه الذي لا مزيد عليه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فيه وجهان، أحدهما: أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين، كإضافة العدد إلى المعدود، أي: فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة.

والثاني: أن يراد: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، يريد الشمس والقمر.

﴿ فمحونا آية الليل ﴾ : أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموسه مظلماً، لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحوّ، وجعلنا النهار مبصراً أي تبصر فيه الأشياء وتستبان.

أو فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق لها شعاعاً كشعاع الشمس، فترى به الأشياء رؤية بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء ﴿ لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبّكُمْ ﴾ لتتوصلوا ببياض النهار إلى استبانة أعمالكم والتصرف في معايشكم ﴿ وَلِتَعْلَمُواْ ﴾ باختلاف الجديدين ﴿ عَدَدَ السنين و ﴾ جنس ﴿ الحساب ﴾ وما يحتاجون إليه منه ولولا ذلك لما علم أحد حسبان الأوقات، ولتعطلت الأمور ﴿ وَكُلَّ شيْءٍ ﴾ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ﴿ فصلناه ﴾ بيناه بياناً غير ملتبس، فأزحنا عللكم، وما تركنا لكم حجة علينا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ ﴾ تَدُلّانِ عَلى القادِرِ الحَكِيمِ بِتَعاقُبِهِما عَلى نَسَقٍ واحِدٍ بِإمْكانِ غَيْرِهِ.

﴿ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ﴾ أيِ الآيَةُ الَّتِي هي اللَّيْلُ، بِالإشْراقِ والإضافَةُ فِيهِما لِلتَّبْيِينِ كَإضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ.

﴿ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ﴾ مُضِيئَةً أوْ مُبْصِرَةً لِلنّاسِ مِن أبْصَرَهُ فَبَصُرَ، أوْ مُبْصِرًا أهْلَهُ كَقَوْلِهِمْ: أجْبَنَ الرَّجُلُ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ.

وقِيلَ الآيَتانِ القَمَرُ والشَّمْسُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، أوْ جَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ ذَوَيْ آيَتَيْنِ ومَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ الَّتِي هي القَمَرُ جَعْلُها مُظْلِمَةً في نَفْسِها مَطْمُوسَةَ النُّورُ، أوْ نَقْصُ نُورِها شَيْئًا فَشَيْئًا إلى المِحاقِ، وجَعَلَ آيَةَ النَّهارِ الَّتِي هي الشَّمْسُ مُبْصِرَةً جَعَلَها ذاتَ شُعاعٍ تُبْصَرُ الأشْياءُ بِضَوْئِها.

﴿ لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ لِتَطْلُبُوا في بَياضِ النَّهارِ أسْبابَ مَعاشِكم وتَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى اسْتِبانَةِ أعْمالِكم.

﴿ وَلِتَعْلَمُوا ﴾ بِاخْتِلافِهِما أوْ بِحَرَكاتِهِما.

﴿ عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ﴾ وجِنْسَ الحِسابِ.

﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ ﴾ تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا.

﴿ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا ﴾ بَيَّناهُ بَيانًا غَيْرَ مُلْتَبِسٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)

{وَجَعَلْنَا الَّليْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّليْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} أي الليل والنهار آيتان في أنفسهما فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود أي فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة أو وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتيتن يريد الشمس والقمر فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاعاً كشعاع الشمس فترى الأشياء به رؤية بينة وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء {لِّتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في معايشكم {وَلِتَعْلَمُوا} باختلاف الجديدين {عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} يعني حساب الآجال ومواسم الأعمال ولو كانا مثلين لما عرف الليل من النهار ولا استراح

الإسراء (١٢ _ ١٧)

حراص المكنسبين والتجار {وَكُلَّ شَيْءٍ} مما تفتقرون إليه في

دينكم ودنياكم {فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} بيناه بياناً غير ملتبس فأزحنا عللكم وما تركنا لكم حجة علينا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وجَعَلْنا اللَّيْلَ ﴾ إلَخْ بِجامِعِ دَلِيلِ العَقْلِ والسَّمْعِ أوْ نِعْمَتَيِ الدِّينِ والدُّنْيا، وأمّا اتِّصالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَدْعُ الإنْسانُ ﴾ إلَخْ فَهو أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ القُرْآنَ حَتّى بَلَغَ بِهِ الدَّرَجَةَ القُصْوى في الهِدايَةِ أتى بِذِكْرِ مَن أفْرَطَ في كُفْرانِ هَذِهِ النِّعْمَةِ العُظْمى قائِلًا: ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ ﴾ إلَخْ.

ومِثْلُ هَذا ما قِيلَ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَ القُرْآنَ بِما وصَفَ ذَمَّ قُرَيْشًا بِعَدَمِ سُؤالِهِمُ الهِدايَةَ بِهِ وطَلَبِهِمْ إنْزالَ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ أوْ إيتاءَ العَذابِ الألِيمِ إنْ كانَ حَقًّا، وفي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ويَدْعُ الإنْسانُ ﴾ إلَخْ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ يَهْدِيهِمْ لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويَأْبَوْنَ إلّا الَّتِي هي ألْوَمُ وهو وجْهٌ لِلرَّبْطِ مُطْلَقًا، وكُلُّ ما ذَكَرُوهُ في ذَلِكَ مُتَقارِبٌ.

ويَرُدُّ عَلى حَمْلِ الدُّعاءِ عَلى الدُّعاءِ بِالأعْمالِ والعُجُولِيَّةِ عَلى اللَّجِّ والتَّمادِي في اسْتِيجابِ العَذابِ بِتِلْكَ الأعْمالِ خِلافَ المُتَبادَرِ كَما لا يَخْفى، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإنْسانَ الثّانِيَ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأْسُهُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ وهو يُخْلَقُ وبَقِيَتْ رِجْلاهُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ العَصْرِ قالَ: يا رَبِّ، أعْجِلْ قَبْلَ اللَّيْلِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا ﴾ ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ، ورَوى القُرْطُبِيُّ -والعُهْدَةُ عَلَيْهِ- أنَّهُ لَمّا وصَلَتِ الرُّوحُ لِعَيْنَيْهِ نَظَرَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، فَلَمّا دَخَلَتْ جَوْفَهُ اشْتَهاها فَوَثَبَ عَجِلًا إلَيْها فَسَقَطَ، ووَجْهُ ارْتِباطِ: ﴿ وكانَ الإنْسانُ ﴾ إلَخْ عَلى هَذا القَوْلِ إفادَتُهُ أنَّ عَجَلَتَهُ بِالدُّعاءِ لِغَيْرِهِ أوْ لِعَدَمِ تَأمُّلِهِ مِن شَأْنِهِ، وأنَّهُ مَوْرُوثٌ لَهُ مِن أصْلِهِ وشَنْشَنَةٌ يَعْرِفُها مِن أخْزَمَ، فَهو اعْتِراضُ تَذْيِيلٍ، وكَلامٌ تَعْلِيلِيٌّ، والأوْلى إرادَةُ الجِنْسِ وإنْ كانَ ألْفاظُ الآيَةِ لا تَنْبُو عَنْ إرادَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ، ثُمَّ إنَّ الباءَ في المَوْضِعَيْنِ عَلى ظاهِرِها صِلَةُ الدُّعاءِ، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى (فِي) والمَعْنى: يَدْعُو في حالَةِ الشَّرِّ والضُّرِّ كَما كانَ يَدْعُو في حالَةِ الخَيْرِ فالمَدْعُوُّ بِهِ لَيْسَ الشَّرَّ والخَيْرَ، وقِيلَ: إنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: يَدْعُو بِسَبَبِ ذَلِكَ، وكِلا القَوْلَيْنِ مُخالِفَيْنِ لِلظّاهِرِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِما، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ عَلى المَنعِ مِن دُعاءِ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى مالِهِ أوْ عَلى أهْلِهِ، وقَدْ جاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ صَرِيحًا في بَعْضِ الأخْبارِ.

فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَزّارُ عَنْ جابِرٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : لا تَدْعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، لا تَدْعُوا عَلى أوْلادِكم عَلى أمْوالِكم لِئَلّا تُوافِقُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى ساعَةً فِيها إجابَةٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكم» وبِهِ يُرَدُّ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ الدُّعاءَ بِذَلِكَ لا يُسْتَجابُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَرَمًا.

واسْتُشْكِلَ بِأنَّ النَّبِيَّ  دَعا عَلى أهْلِهِ كَما سَمِعْتَ في حَدِيثِ الواقِدِيِّ، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ لِلزَّجْرِ وإنْ كانَ وقْتَ الغَضَبِ، وقَدِ اشْتَرَطَ  عَلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً.

فَقَدْ صَحَّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««إنِّي اشْتَرَطْتُ عَلى رَبِّي فَقُلْتُ: إنَّما أنا بَشَرٌ أرْضى كَما يَرْضى البَشَرُ، وأغْضَبُ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما أحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِن أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَها بِأهْلٍ أنْ تَجْعَلَها لَهُ طَهُورًا وزَكاةً وقُرْبَةً»».

وذَكَرَ النَّوَوِيُّ في جَوابِ ما يُقالُ: إنَّ ظاهِرَ الحَدِيثِ أنَّ الدُّعاءَ ونَحْوَهُ كانَ بِسَبَبِ الغَضَبِ ما قالَ المازِرِيُّ مِن أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ  أرادَ أنَّ دُعاءَهُ وسَبَّهُ ونَحْوَهُما كانَ مِمّا يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ أمْرَيْنِ أحَدُهُما هَذا الَّذِي فَعَلَهُ والثّانِي زَجْرُهُ بِأمْرٍ آخَرَ، فَحَمَلَهُ الغَضَبُ لِلَّهِ تَعالى عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ المُخَيَّرِ فِيهِما، ولَيْسَ ذَلِكَ خارِجًا عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لَيْسَ لَها بِأهْلٍ»» لَيْسَ لَها بِأهْلٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفي باطِنِ الأمْرِ ولَكِنَّهُ في الظّاهِرِ مُسْتَوْجِبٌ لِذَلِكَ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِأماراتٍ شَرْعِيَّةٍ وهو مَأْمُورٌ  بِالحُكْمِ بِالظّاهِرِ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ، وقِيلَ: إنَّ ما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الدُّعاءِ ونَحْوِهِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بَلْ هو مِمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ في وصْلِ كَلامِها بِلا نِيَّةٍ كَ (تَرِبَتْ يَمِينُكَ) وعَقْرى حَلْقى، لَكِنْ خافَ  أنْ يُصادِفَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إجابَةً فَسَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ورَغِبَ إلَيْهِ في أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ زَكاةً وقُرْبَةً، نَعَمْ في ذِكْرِ حَدِيثِ الواقِدِيِّ ونَحْوِهِ كالحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ في المَقامِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّ القِياسَ إثْباتُ الواوِ فِي: ( يَدْعُ الإنْسانُ ) إذْ لا جازِمَ تُحْذَفُ لَهُ لَكِنْ نُقِلَ القُرْآنُ العَظِيمُ كَما سُمِعَ ولَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ النّاقِلُ بِمِقْدارِ فَهْمِهِ وقُوَّةِ عَقْلِهِ.

﴿ وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ ﴾ هَذا عَلى ما قِيلَ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ ما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ بِالإرْشادِ إلى مَسْلَكِ الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ والدَّلائِلِ الآفاقِيَّةِ الَّتِي كَلُّ واحِدَةٍ مِنها بُرْهانٌ نَيِّرٌ لا رَيْبَ فِيهِ ومِنهاجٌ بَيِّنٌ لا يَضِلُّ مَن يَنْتَحِيهِ، فَإنَّ الجَعْلَ المَذْكُورَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ وإنْ كانا مِنَ الهِداياتِ التَّكْوِينِيَّةِ لَكِنَّ الأخْبارَ بِذَلِكَ مِنَ الهِداياتِ القُرْآنِيَّةِ المُنَبِّهَةِ عَلى تِلْكَ الهِداياتِ.

وذَكَرَ الإمامُ في وجْهِ الرَّبْطِ وُجُوهًا، الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما أوْصَلَ إلى الخَلْقِ مِن نِعَمِ الدِّينِ وهو القُرْآنُ أتْبَعَهُ بِبَيانِ ما أوْصَلَ إلَيْهِمْ مِن نِعَمِ الدُّنْيا فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَعَلْنا ﴾ إلَخْ، وكَما أنَّ القُرْآنَ مُمْتَزِجٌ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ كَذَلِكَ الزَّمانُ مُشْتَمِلٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكَما أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّكْلِيفِ لا يَتِمُّ إلّا بِذِكْرِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ فَكَذَلِكَ الزَّمانُ لا يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِالنَّهارِ واللَّيْلِ، الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الإنْسانَ بِكَوْنِهِ عَجُولًا أيْ مُنْتَقِلًا مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، بَيَّنَ أنَّ كُلَّ أحْوالِ العالَمِ كَذَلِكَ؛ وهو الِانْتِقالُ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ وبِالضِّدِّ، وانْتِقالُ نُورِ القَمَرِ مِنَ الزِّيادَةِ إلى النُّقْصانِ وبِالضِّدِّ، الثّالِثُ نَحْوَ ما نَقَلْناهُ أوَّلًا ولَعَلَّهُ الأوْلى، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ لِمُراعاةِ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ إذْ مِنهُ يَنْسَلِخُ النَّهارُ وفِيهِ تَظْهَرُ غُرَرُ الشُّهُورِ العَرَبِيَّةِ، ولِتَرْتِيبِ غايَةِ النَّهارِ عَلَيْها بِلا واسِطَةٍ، ومِمّا يَزِيدُ تَقْدِيمَ اللَّيْلِ حُسْنًا افْتِتاحُ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا ﴾ والجَعْلُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ السَّمِينِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ مُتَعَدٍّ لِاثْنَيْنِ أوْ بِمَعْنى الخَلْقِ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ و ﴿ آيَتَيْنِ ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ.

واسْتَشْكَلَ الأوَّلَ الكِرْمانِيُّ بِأنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ اللَّيْلُ والنَّهارُ مَوْجُودَيْنِ عَلى حالَةٍ ثُمَّ انْتَقَلا مِنها إلى أُخْرى.

ولَيْسَ كَذَلِكَ، ودُفِعَ بِأنَّهُ مِن بابِ: - ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ - وهو مَجازٌ مَعْرُوفٌ واسْتَظْهَرَ هَذا أبُو حَيّانَ، والمَعْنى: جَعَلْنا المَلَوَيْنِ بِهَيْئاتِهِما وتَعاقُبِهِما واخْتِلافِهِما في الطُّولِ والقِصَرِ عَلى وتِيرَةٍ عَجِيبَةٍ آيَتَيْنِ تَدُلّانِ عَلى أنَّ لَهُما صانِعًا حَكِيمًا قادِرًا عَلِيمًا ويَهْدِيانِ إلى ما هَدى إلَيْهِ القُرْآنُ الكَرِيمُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ.

﴿ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ﴾ الإضافَةُ هُنا وفِيما بَعْدُ إمّا بَيانِيَّةٌ كَما في إضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ نَحْوَ: أرْبَعُ نِسْوَةٍ، أيْ: مَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هِيَ: (اللَّيْلُ) أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مَمْحُوَّ الضَّوْءِ مَطْمُوسَهُ مُظْلِمًا لا يَسْتَبِينُ فِيهِ شَيْءٌ كَما لا يَسْتَبِينُ ما في اللَّوْحِ المَمْحُوِّ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ.

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وهو عَلى نَحْوِ: - ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ - والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ المَحْوَ المَذْكُورَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ لَيْسا مِمّا يَحْصُلُ عَقِيبَ جَعْلِ الجَدِيدَيْنِ آيَتَيْنِ بَلْ هُما مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الجَعْلِ ومُتَمِّماتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى مَحْوِ اللَّيْلِ إزالَةُ ظُلْمَتِهِ بِالضَّوْءِ، ورُجِّحَ بِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ المَحْوِ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو إزالَةُ الشَّيْءِ الثّابِتِ ولَيْسَ فِيما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنِ الحَقِيقَةِ بِلا ضَرُورَةٍ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَكْفِي ما بَعْدَهُ قَرِينَةً عَلى تِلْكَ الإرادَةِ، فَإنَّ مَحْوَ اللَّيْلِ في مُقابِلِهِ جَعْلُ النَّهارِ مُبْصِرًا، وعَلى ما ذُكِرَ مِنَ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لا يَتَعَلَّقُ بِمَحْوِ اللَّيْلِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ عَلى ما بَعْدَهُ، وقِيلَ عَلَيْهِ إنَّ الظُّلْمَةَ هي الأصْلُ والنُّورُ طارِئٌ، فَكَوْنُ اللَّيْلِ مَخْلُوقًا مَطْمُوسَ الضَّوْءِ مَفْرُوغٌ عَنْهُ، فالمُرادُ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الزَّمانَ لَيْلًا مُظْلِمًا، ثُمَّ جَعَلَ بَعْضَهُ نَهارًا بِإحْداثِ الإشْراقِ لِفائِدَةٍ ذَكَرَها سُبْحانَهُ، وكَوْنُ مَحْوِ اللَّيْلِ في مُقابَلَةِ جَعْلِ النَّهارِ مُضِيئًا لا يُوجِبُ حَمْلَهُ عَلى المَجازِ لِفائِدَةِ بَيانِ إبْقاءِ بَعْضِ الزَّمانِ عَلى إظْلامِهِ وجَعْلِ بَعْضِهِ مُضِيئًا اه.

ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأنَّ المَقامَ لا يُلائِمُهُ فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما في الكَشّافِ.

﴿ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ ﴾ أيِ الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ أيْ: مُضِيئَةً فَهو مَجازٌ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ أوِ الإسْنادِ مَجازِيٌّ كَما في - نَهارُهُ صائِمٌ - والمُرادُ: يُبْصِرُ أهْلُها أوِ الصِّيغَةُ لِلنَّسَبِ أيْ: ذاتَ إبْصارِهِمْ أوْ هي مِن أبْصَرَهُ المُتَعَدِّي، أيْ: جَعَلَهُ مُبْصِرًا ناظِرًا والإسْنادُ إلى النَّهارِ مَجازِيٌّ أيْضًا مِنَ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ العادِيِّ، والفاعِلُ الحَقِيقِيُّ هو اللَّهُ تَعالى أوْ مِن بابِ أفْعَلَ المُرادُ بِهِ غَيْرُ مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ كَأضْعَفَ الرَّجُلُ إذا كانَتْ دَوابُّهُ ضِعافًا وأجْبَنَ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ، فَأُبْصِرَتِ الآيَةُ بِمَعْنى صارَ أهْلُها بُصَراءَ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وهو مَعْنًى وضْعِيٌّ لا مَجازِيٌّ.

وقَرَأ قَتادَةُ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (مَبْصَرَةً) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ.

وهُوَ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ غَيْرِهِ، وكَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ في صِفاتِ الأمْكِنَةِ كَأرْضٍ مَسْبَعَةٍ ومَكانٍ مَضَبَّةٍ وإمّا إضافَةٌ لامِيَّةٌ، وآيَتا اللَّيْلِ والنَّهارِ نِيِّراهُما القَمَرُ والشَّمْسُ، ويَحْتاجُ حِينَئِذٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ ﴾ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في الأوَّلِ والثّانِي أيْ: جَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ أوْ جَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ ذَوِي آيَتَيْنِ أنَّ جَعْلَ (جَعَلَ) مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ واللَّيْلَ والنَّهارَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، و(آيَتَيْنِ) الثّانِي، فَإنْ عُكِسَ كَما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ وجُعِلَ اللَّيْلُ والنَّهارُ نَصْبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي أيْ: جَعَلْنا في اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ وهُما النَّيِّرانِ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ كَما إذا جُعِلَ الجَعْلُ مُتَعَدِّيًا لِواحِدِ، واللَّيْلُ والنَّهارُ مَنصُوبانِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما جَوَّزَهُ المُعْرِبُونَ.

ومَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ وهي القَمَرُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ إزالَةُ ما ثَبَتَ لَها مِنَ النُّورِ يَوْمَ خُلِقَتْ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: كانَ القَمَرُ يُضِيءُ كَما تُضِيءُ الشَّمْسُ وهو آيَةُ اللَّيْلِ فَمُحِيَ، فالسَّوادُ الَّذِي في القَمَرِ أثَرُ ذَلِكَ المَحْوِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى نُورَ الشَّمْسِ سَبْعِينَ جُزْءًا، ونُورَ القَمَرِ سَبْعِينَ جُزْءًا، فَمَحى مِن نُورِ القَمَرِ تِسْعَةً وسِتِّينَ جُزْءًا، فَجَعَلَهُ مَعَ نُورِ الشَّمْسِ فالشَّمْسُ عَلى مِائَةٍ وتِسْعَةٍ وثَلاثِينَ جُزْءًا، والقَمَرُ عَلى جُزْءٍ واحِدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَتْ شَمْسٌ بِاللَّيْلِ وشَمْسٌ بِالنَّهارِ، فَمَحى اللَّهُ تَعالى شَمْسَ اللَّيْلِ فَهو المَحْوُ الَّذِي في القَمَرِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ سَألَ النَّبِيَّ  عَنِ السَّوادِ الَّذِي في القَمَرِ فَقالَ: كانا شَمْسَيْنِ.

وقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلَ ﴾ فالسَّوادُ الَّذِي رَأيْتَ هو المَحْوُ».

وفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ شَمْسَيْنِ مِن نُورِ عَرْشِهِ فَأرْسَلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأمَرَّ جَناحَهُ عَلى وجْهِ القَمَرِ وهو يَوْمَئِذٍ شَمْسٌ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَطَمَسَ عَنْهُ الضَّوْءَ، وبَقِيَ فِيهِ النُّورُ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ ﴾ الآيَةَ».

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ، والفاءُ عَلى هَذا لِلتَّعْقِيبِ.

وجَعَلَ آيَةَ النَّهارِ وهي الشَّمْسُ مُبْصِرَةً عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ فَتَبَصَّرْ، وقِيلَ: مَحْوُ القَمَرِ إمّا خَلْقُهُ كَمَدًا مَطْمُوسَ النُّورِ غَيْرَ مُشْرِقٍ بِالذّاتِ عَلى ما ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ مِن أنَّهُ غَيْرُ مُضِيءٍ في نَفْسِهِ بَلْ نُورُهُ مُسْتَفادٌ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ فالفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ كَما مَرَّ، وإمّا نَقَصَ ما اسْتَفادَهُ مِنَ الشَّمْسِ شَيْئًا فَشَيْئًا بِحَسَبِ الرُّؤْيَةِ والإحْساسِ إلى أنْ يَنْمَحِقَ عَلى ما هو مَعْنى المَحْوِ فالفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وذَكَرَ الإمامُ في مَحْوِهِ قَوْلَيْنِ، أحَدُهُما نَقَصَ نُورُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى المِحاقِ، وثانِيهِما: جَعْلُهُ ذا كَلَفٍ، ثُمَّ قالَ: حَمْلُهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى؛ لِأنَّ اللّامَ في الفِعْلَيْنِ بَعْدَ مُتَعَلِّقٍ بِما هو المَذْكُورُ قَبْلُ وهو مَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ وجَعْلُ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً، ومَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ إنَّما يُؤَثِّرُ في ابْتِغاءِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى إذا حَمَلْنا مَحْوَ القَمَرِ عَلى زِيادَةِ نُورِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ؛ لِأنَّ سَبَبَ حُصُولِ هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ أحْوالِ نُورِ القَمَرِ، وأهْلُ التَّجارِبِ أثْبَتُوا أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ القَمَرِ في مَقادِيرِ النُّورِ لَهُ أثَرٌ عَظِيمٌ في أحْوالِ هَذا العالَمِ ومَصالِحِهِ مِثْلَ أحْوالِ البِحارِ في المَدِّ والجَزْرِ ومِثْلَ أحْوالِ البَحْراناتِ عَلى ما يَذْكُرُهُ الأطِبّاءُ في كُتُبِهِمْ، وأيْضًا بِسَبَبِ زِيادَةِ نُورِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ يَحْصُلُ الشُّهُورُ وبِسَبَبِ مُعاوَدَةِ الشُّهُورِ يَحْصُلُ السُّنُونَ العَرَبِيَّةُ المَبْنِيَّةُ عَلى رُؤْيَةِ الهِلالِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولِتَعْلَمُوا ﴾ إلَخِ اه.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مَتى دَلَّ أثَرٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  عَلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا لا يَنْبَغِي أنْ يُدَّعى أنَّ غَيْرَهُ أوْلى، وهو لَعَمْرِي وجْهٌ لا كَلَفَ فِيهِ عِنْدَ مَن لَهُ عَيْنٌ مُبْصِرَةٌ، ولِلْفَلاسِفَةِ في هَذا المَحْوِ المَرْئِيِّ في وجْهِ القَمَرِ كَلامٌ طَوِيلٌ لا بَأْسَ بِأنْ تُحِيطَ بِهِ خُبْرًا.

فَنَقُولُ: ذَكَرَ الإمامُ في المَباحِثِ الشَّرْقِيَّةِ أنَّ امْتِناعَ بَعْضِ المَواضِعِ في وجْهِ القَمَرِ عَنْ قَبُولِ الضَّوْءِ التّامِّ إمّا أنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ خارِجٍ عَنْ جِرْمِ القَمَرِ أوْ غَيْرِ خارِجٍ عَنْهُ، فَإنْ كانَ بِسَبَبٍ خارِجٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ لِمِثْلِ ما يَعْرِضُ لِلْمَرايا مِن وُقُوعِ أشْباحِ الأشْياءِ فِيها، فَإذا رُؤِيَتْ تِلْكَ الأشْياءُ لَمْ تُرَ بَرّاقَةً فَكَذَلِكَ القَمَرُ لَمّا تَصَوَّرَتْ فِيهِ أشْباحُ الجِبالِ والبِحارِ وجَبَ أنْ لا تُرى تِلْكَ المَواضِعُ في غايَةِ الِاسْتِنارَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ ساتِرٍ والأوَّلُ باطِلٌ، أما أوَّلًا فَلِأنَّ الأشْباحَ لا تَنْحَفِظُ هَيْئَتُها مَعَ حَرَكَةِ المِرْآةِ وبِتَقْدِيرِ سُكُونِها لا تَسْتَقِرُّ تِلْكَ الأشْباحُ فِيها عِنْدَ اخْتِلافِ مَقاماتِ النّاظِرِينَ والآثارُ الَّتِي في وجْهِ القَمَرِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ القَمَرَ يَنْعَكِسُ الضَّوْءُ عَنْهُ إلى البَصَرِ وما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ لِلتَّخْيِيلِ، وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الآثارُ كالكُراتِ لِأنَّ الجِبالَ في الأرْضِ كَتَضْرِيسٍ أوْ خُشُونَةٍ في سَطْحِ كُرَةٍ ولَيْسَ لَها مِنَ المِقْدارِ قَدْرُ ما يُؤَثِّرُ في كُرِيَّةِ الأرْضِ فَكَيْفَ شِباحُها المَرْئِيَّةُ في المِرْآةِ.

وأمّا إنْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ ساتِرٍ فَذَلِكَ السّاتِرُ إمّا أنْ يَكُونَ عُنْصُرِيًّا أوْ سَماوِيًّا والأوَّلُ باطِلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَواضِعُ المُتَسَتِّرَةُ مِن جِرْمِ القَمَرِ مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلافِ مَقاماتِ النّاظِرِينَ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ ذَلِكَ السّاتِرَ لا يَكُونُ هَواءً صِرْفًا ولا نارًا صِرْفَةً؛ لِأنَّهُما شَفّافانِ فَلا يَحْجُبانِ بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا إمّا بُخارًا وإمّا دُخانًا، وذَلِكَ لا يَكُونُ مُسْتَمِرًّا، وأمّا إنْ كانَ السّاتِرُ سَماوِيًّا فَهو الحَقُّ؛ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِقِيامِ أجْسامٍ سَماوِيَّةٍ قَرِيبَةِ المَكانِ جِدًّا مِنَ القَمَرِ وتَكُونُ مِنَ الصِّغَرِ بِحَيْثُ لا يَرى كُلُّ واحِدٍ مِنها بَلْ جُمْلَتُها عَلى نَحْوٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الشَّكْلِ وتَكُونُ إمّا عَدِيمَةَ الضَّوْءِ أوَّلُها ضَوْءٌ أضْعَفُ مِن ضَوْءِ القَمَرِ فَتُرى في حالَةِ إضاءَتِهِ مُظْلِمَةً، وأمّا إنْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ عائِدٍ إلى ذاتِ القَمَرِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ جَوْهَرُ ذَلِكَ المَوْضِعِ مُساوِيًا لِجَواهِرِ المَواضِعِ المُسْتَنِيرَةِ مِنَ القَمَرِ في الماهِيَّةِ، أوْ لا يَكُونُ فَإنْ لَمْ يَكُنْ كانَ ذَلِكَ لِارْتِكازِ أجْرامٍ سَماوِيَّةٍ مُخالِفَةٍ بِالنَّوْعِ لِلْقَمَرِ في جِرْمِهِ كَما ذَكَرْناهُ قَبْلُ، وهو قَرِيبٌ مِنهُ.

وإمّا أنْ تَكُونَ تِلْكَ المَواضِعُ مُساوِيَةَ الماهِيَّةِ لِجِرْمِ القَمَرِ فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ اخْتِصاصُها بِتِلْكَ الآثارِ إلّا بِسَبَبٍ خارِجِيٍّ لَكِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لَنا أنَّ الأجْرامَ السَّماوِيَّةَ لا تَتَأثَّرُ بِشَيْءٍ عُنْصُرِيٍّ وبِذَلِكَ أُبْطِلَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ المَحْوَ بِسَبَبِ انْسِحاقِ عَرْضِ القَمَرِ مِن مُماسَّةِ النّارِ، أما أوَّلًا فَلِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَتَأدّى ذَلِكَ في الأزْمانِ الطَّوِيلَةِ إلى العَدَمِ والفَسادِ بِالكُلِّيَّةِ، والأرْصادُ المُتَوالِيَةُ مُكَذِّبَةٌ لِذَلِكَ، وأيْضًا القَمَرُ غَيْرُ مُماسٍّ لِلنّارِ لِأنَّهُ مُفَرَّقٌ في فَلَكِ تَدْوِيرِهِ الَّذِي هو في حامِلِهِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ بُعْدٌ بَعِيدٌ بِدَلِيلِ أنَّ النّارَ لَوْ كانَتْ مُلاقِيَةً لِحامِلِهِ لَتَحَرَّكَتْ بِحَرَكَتِهِ إلى المَشْرِقِ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لَأنَّ حَرَكاتِ الشُّهُبِ في الأكْثَرِ لا تَكُونُ إلّا إلى جِهَةِ المَغْرِبِ، وتِلْكَ الحَرَكَةُ تابِعَةٌ لِحَرَكَةِ النّارِ، والحَرَكَةُ المُسْتَدِيرَةُ لَيْسَتْ لِلنّارِ بِذاتِها؛ فَإنَّها مُسْتَقِيمَةُ الحَرَكَةِ فَذَلِكَ لَها بِالعَرَضِ تَبَعًا لِحَرَكَةِ الكُلِّ فَبَطَلَ ما قالُوهُ اه.

وذَكَرَ الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ زِيادَةً عَلى ما يُفْهَمُ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الأقْوالِ وهي أنَّ مِنهم مَن قالَ: إنَّ ما يُرى خَيالٌ لا حَقِيقَةٌ لَهُ، ورَدَّهُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لاخْتَلَفَ النّاظِرُونَ فِيهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ السَّوادُ الكائِنُ في القَمَرِ في الجانِبِ الَّذِي لا يَلِي الشَّمْسَ، ورَدَّهُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما رُئِيَ مُتَفَرِّقًا، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ وجْهُ القَمَرِ؛ فَإنَّهُ مُصَوَّرٌ بِصُورَةِ وجْهِ الإنْسانِ ولَهُ عَيْنانِ وحاجِبانِ وأنْفٌ وفَمٌ، ورَدَّهُ بِأنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ الطَّبِيعَةِ عِنْدَهم مُعَطَّلًا عَنِ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ فائِدَةَ الحاجِبَيْنِ عِنْدَهم دَفْعُ أذى العَرَقِ عَنِ العَيْنَيْنِ وفائِدَةَ الأنْفِ الشَّمُّ وفائِدَةَ الفَمِ دُخُولُ الغِذاءِ ولَيْسَ لِلْقَمَرِ ذَلِكَ، وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ سائِرَ ما ذَكَرُوهُ.

وذَكَرَ الإمامُ في التَّفْسِيرِ أنَّ آخِرَ ما ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ في ذَلِكَ أنَّهُ ارْتَكَزَ في وجْهِ القَمَرِ أجْسامٌ قَلِيلَةُ الضَّوْءِ مِثْلَ ارْتِكازِ الكَواكِبِ في أجْرامِ الأفْلاكِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الأجْرامُ أقَلَّ ضَوْءًا مِن جِرْمِ القَمَرِ لا جَرَمَ شُوهِدَتْ في وجْهِهِ كالكَلَفِ في وجْهِ الإنْسانِ وفي ارْتِكازِها في بَعْضِ أجْزائِهِ دُونَ بَعْضٍ مَعَ كَوْنِهِ مُتَشابِهَ الأجْزاءِ عِنْدَهم دَلِيلٌ عَلى الصّانِعِ المُخْتارِ كَما أنَّ في تَخْصِيصِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِالنُّورِ القَوِيِّ وبَعْضِها بِالنُّورِ الضَّعِيفِ مَعَ تَشابُهِ الأجْزاءِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ.

ومِثْلُ هَذا التَّخْصِيصِ في الدَّلالَةِ تَخْصِيصُ بَعْضِ جَوانِبِ الفَلَكِ الَّذِي هو عِنْدَهم أيْضًا جِرْمٌ بَسِيطٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ بِارْتِكازِ الكَواكِبِ فِيهِ دُونَ البَعْضِ الآخَرِ.

وزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ الآثارِ أنَّهُ مَكْتُوبٌ في وجْهِ القَمَرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: لَفْظٌ جَمِيلٌ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وأنَّ المَحْوَ المَرْئِيَّ هو تِلْكَ الكِتابَةُ ولا يُعَوَّلُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، نَعَمْ مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وكَذا جَمِيلٌ ولَكِنَّ ذَلِكَ بِمَعْنًى آخَرَ كَما لا يَخْفى.

ونُقِلَ لِي عَنْ أهْلِ الهَيْئَةِ الجَدِيدَةِ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ القَمَرَ كالأرْضِ فِيهِ الجِبالُ والوِهادُ والأشْجارُ والبِحارُ وأنَّهم شاهَدُوا ذَلِكَ في أرْصادِهِمْ، وأنَّ المَواضِعَ الَّتِي لا يُرى فِيها مَحْوٌ هي البِحارُ والَّتِي فِيها مَحْوٌ هي أرْضٌ غَيْرُ مُسْتَوِيَةٍ، وزَعَمُوا أنَّهُ لَوْ وصَلَ أحَدٌ إلى القَمَرِ لَرَأى الأرْضَ كَذَلِكَ، ومِن هُنا قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَعْمُورًا بِخَلائِقَ هو عِمارَةُ الأرْضِ بَلْ قالُوا: إنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ مِثْلُهُ في ذَلِكَ قِياسًا عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ لا يُرى فِيها لِمَزِيدِ بُعْدِها ما يُرى فِيهِ وبَعِيدٌ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يُعَمِّرَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ بِالخَلْقِ عَلى صِغَرِها ويَتْرُكَ أجْسامًا عَظِيمَةً أكْثَرُها أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ خالِيَةً بِلا خَلْقٍ عَلى كِبَرِها، وهم مُنْذُ غَرَّهُمُ القَمَرُ تَشَبَّثُوا بِحِبالِهِ في عَمَلِ الحِيَلِ لِلْعُرُوجِ إلَيْهِ فَصَنَعُوا سُفُنًا زِئْبَقِيَّةً فَعَرَجُوا فِيها فَقَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلى كُرَةِ البُخارِ انْتَفَخَتْ أجْسامُهم وضَلَّتْ كَما ضَلَّتْ مِن قَبْلُ أفْهامُهم فانْقَلَبُوا صاغِرِينَ وهَبَطُوا خاسِئِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَلامَهم في هَذا البابِ مُخالِفٌ لِأُصُولِ الفَلْسَفَةِ ولا بِرِهانَ لَهم عَلَيْهِ سِوى السَّفَهِ ومَنشَؤُهُ مَحْضُ أنَّهم رَأوْا شَيْئًا في القَمَرِ ولَمْ يَتَحَقَّقُوهُ وظَنُّوهُ ما ظَنُّوهُ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى المَحْوَ عَلى وجْهٍ يُتَخَيَّلُ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ لا مانِعَ عَلى أُصُولِنا مِن أنْ يُقالَ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في القَمَرِ أجْرامًا تُشْبِهُ ما حَسِبُوهُ لَكِنْ لَمْ يَرِدْ في ذَلِكَ شَيْءٌ عَنِ الصّادِقِ  ، وهو الَّذِي عُرِجَ بِهِ إلى قابِ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وما ذَكَرُوهُ مِن أنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يُعَمِّرَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ إلَخْ.

يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ ما بَيْنَ الكَواكِبِ كَكَواكِبِ الدُّبِّ الأكْبَرِ مَثَلًا مَعْمُورًا بِالخَلائِقِ كالأرْضِ أيْضًا فَلَهُ أوْسَعُ مِنها بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، وهم لا يَقُولُونَ بِهِ عَلى أنّا نَقُولُ: قَدْ جاءَ ««أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ؛ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ»» فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى جِرْمِ القَمَرِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى بِما شاءَ وكَيْفَ شاءَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ مَلَكٌ كَذَلِكَ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ العِمارَةِ بِالخَلْقِ، والأحْسَنُ عِنْدَ مَن عَزَّ عَلَيْهِ وقْتُهُ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى مِثْلِ هَذِهِ الخُرافاتِ وتَضْيِيعِ الوَقْتِ في رَدِّها واللَّهُ سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ.

ثُمَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ المَحْوَ نَقَصَ ما اسْتَفادَهُ القَمَرُ مِنَ الشَّمْسِ شَيْئًا فَشَيْئًا فِيهِ القَوْلُ بِأنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، وقَدْ عَدَّ الجُلُّ مِنَ العُلَماءِ ذَلِكَ في الحَدْسِيّاتِ وذَكَرُوا أنَّ الشَّمْسَ مُضِيئَةٌ بِنَفْسِها وكِلا الأمْرَيْنِ مِمّا ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ ولَيْسَ لَهُ في الشَّرْعِ مُسْتَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وقَدْ نَقَلَهُ الآمِدِيٌّ وتَعَقَّبَهُ فَقالَ: ذَكَرُوا أنَّ الشَّمْسَ نَيِّرَةٌ بِنَفْسِها وما المانِعُ مِن كَوْنِها سَوْداءَ الجِرْمِ، واللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ فِيها النُّورَ في أوْقاتِ مُشاهَدَتِنا لَها، وأنْ تَكُونَ مُسْتَنِيرَةً مِن كَواكِبَ أُخْرى فَوْقَها وهي مَسْتُورَةٌ عَنّا بِبَعْضِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ المُظْلِمَةِ كَما يَحْدُثُ لِلشَّمْسِ في حالَةِ الكُسُوفِ، وإنْ سَلَّمْنا أنَّها نَيِّرَةٌ بِنَفْسِها فَلا نُسَلِّمُ أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِنها، وما المانِعُ مِن كَوْنِ الرَّبِّ تَعالى يَخْلُقُ فِيهِ النُّورَ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ أوْ أنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ مَرْكُوزًا في فَلَكِهِ دائِرًا عَلى مَرْكَزِ نَفْسِهِ، وأحَدُ وجْهَيْهِ نَيِّرٌ والآخَرُ مُظْلِمٌ، كَما كانَ بَعْضُ أجْزاءِ الفَلَكِ شَفّافًا وبَعْضُها نَيِّرًا، وهو مُتَحَرِّكٌ بِحَرَكَةٍ مُساوِيَةٍ لِحَرَكَةِ فَلَكِهِ ويَكُونُ وجْهُهُ المُضِيءُ عِنْدَ مُقابَلَةِ الشَّمْسِ، وهو الَّذِي يَلِينا ويَكُونُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ فِيما يَظْهَرُ لَنا عَلى حَسْبِ بُعْدِهِ وقُرْبِهِ مِنَ الشَّمْسِ فَلا يَكُونُ مُسْتَنِيرًا مِنَ الشَّمْسِ اه.

وأُورِدَ أنَّهُ إذا ضُمَّ الخُسُوفُ إلى الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ قُرْبًا وبُعْدًا لا يَتِمُّ ما ذَكَرَهُ وصَحَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الِاسْتِفادَةِ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ ما المانِعُ مِن أنْ يَكُونَ الخُسُوفُ لِحَيْلُولَةِ جِرْمٍ عُلْوِيٍّ بَيْنَنا وبَيْنَهُ لا لِحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ فَلا بُدَّ لِنَفْيِ ذَلِكَ مِن دَلِيلٍ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وهو المُتَصَرِّفُ في مُلْكِهِ كَيْفَما يَشاءُ ﴿ لِتَبْتَغُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ ﴾ وفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَطْلُبُوا لِأنْفُسِكم فِيهِ.

﴿ فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ: رِزْقًا؛ إذْ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ في اللَّيْلِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الرِّزْقِ بِالفَضْلِ وعَنِ الكَسْبِ بِالِابْتِغاءِ والتَّعَرُّضِ لِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ شَيْئًا فَشَيْئًا دَلالَةٌ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: عَلى أنْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ في تَحْصِيلِ الرِّزْقِ تَأْثِيرٌ سِوى الطَّلَبِ، وإنَّما الإعْطاءُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا بِطَرِيقِ الوُجُوبِ عَلَيْهِ تَعالى بَلْ تَفَضُّلًا بِحُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ، ومَعْنى تَأْثِيرِ الطَّلَبِ عَلى نَحْوِ تَأْثِيرِ الأسْبابِ العادِيَّةِ فَإنَّهُ مِن جُمْلَتِها ولا تَوَقُّفَ حَقِيقَةً لِلرِّزْقِ عَلَيْهِ.

وفِي الخَبَرِ: يَطْلُبُكَ رِزْقُكَ كَما يَطْلُبُكَ أجَلُكَ.، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ القائِلِ: لَقَدْ عَلِمْتُ وما الإسْرافُ مِن خُلُقِي أنَّ الَّذِي هو رِزْقِي سَوْفَ يَأْتِينِي أسْعى إلَيْهِ فَيُعْيِينِي تَطَلُّبُهُ ∗∗∗ ولَوْ قَعَدْتُ أتانِي لا يُعَنِّينِي ﴿ ولِتَعْلَمُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ كَما قِيلَ بِكِلا الفِعْلَيْنِ أعْنِي مَحْوَ آيَةِ اللَّيْلِ وجَعْلَ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً، لا بِأحَدِهِما فَقَطْ؛ إذْ لا يَكُونُ ذَلِكَ بِانْفِرادِهِ مَدارًا لِلْعِلْمِ المَذْكُورِ، أيْ: لِتَعْلَمُوا بِتَفاوُتِ الجَدِيدَيْنِ أوْ نَيَّرَيْهِما ذاتًا مِن حَيْثُ الإظْلامُ والإضاءَةُ مَعَ تَعاقُبِهِما أوْ حَرَكاتِهِما وأوْضاعِهِما وسائِرِ أحْوالِهِما ﴿ عَدَدَ السِّنِينَ ﴾ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها غَرَضٌ عِلْمِيٌّ لِإقامَةِ مَصالِحِكُمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ والحِسابَ ﴾ أيِ الحِسابَ المُتَعَلِّقَ بِما في ضِمْنِها مِنَ الأوْقاتِ أيِ الأشْهُرِ واللَّيالِي والأيّامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَصالِحِ المَذْكُورَةِ، ونَفْسُ السَّنَةِ مِن حَيْثُ تَحَقُّقُها مِمّا يَنْتَظِمُهُ الحِسابُ وإنَّما الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العَدُّ طائِفَةٌ مِنها وتَعَلُّقُهُ في ضِمْنِ ذَلِكَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها لَيْسَ مِن حَيْثِيَّةِ التَّحَقُّقِ والتَّحَصُّلِ مِن عِدَّةِ أشْهُرٍ حَصَلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها مِن عِدَّةِ أيّامٍ حَصَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن طائِفَةٍ مِنَ السّاعاتِ مَثَلًا، فَإنَّ ذَلِكَ مِن وظِيفَةِ عِلْمِ الحِسابِ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها فَرْدٌ مِن طائِفَةِ السِّنِينَ المَعْدُودَةِ بَعْدَها أيْ نَفْسِها مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ في ذَلِكَ تَحْصِيلُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ كَما حَقَّقَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ.

وقِيلَ: المَعْنى لِتَعْلَمُوا بِاخْتِلافِهِما وتَعاقُبِهِما عَلى نَسَقٍ واحِدٍ أوْ بِحَرَكاتِهِما عَدَدَ السِّنِينَ إلَخِ.

المُرادُ بِالحِسابِ جِنْسُهُ أيِ الجارِي في المُعامَلاتِ كالإجاراتِ والبُيُوعِ المُؤَجَّلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ المُناسِبَ أنَّ المُرادَ لِتَعْلَمُوا بِاللَّيْلِ فَإنَّ عَدَدَ السِّنِينَ الشَّرْعِيَّةِ والحِسابَ الشَّرْعِيَّ يُعْلَمانِ بِهِ غالِبًا أوْ بِالقَمَرِ لِقَوْلِهِ تَعالى في الأهِلَّةِ: ﴿ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السِّنِينَ شَمْسِيَّةٌ وقَمَرِيَّةٌ وبِكُلٍّ مِنهُما العَمَلُ، فَلَوْ قِيلَ إحْدى الآيَتَيْنِ مُبَيِّنَةٌ لِأحَدِهِما والأُخْرى لِلْآخَرِ لا مَحْذُورَ فِيهِ، وكَوْنُ الشَّرْعِ مُعَوِّلًا عَلى أحَدِهِما لا يَضُرُّ، وتَقْدِيمُ العَدَدِ عَلى الحِسابِ مِن أنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ مُتَعَلِّقَيْهِما عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا وُجُودًا وعَدَمًا عَلى العَكْسِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ مُتَعَلِّقَ الحِسابِ ما في تَضاعِيفِ السِّنِينَ مِنَ الأوْقاتِ أوْ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِعَدَدِ السِّنِينَ عِلْمٌ إجْمالِيٌّ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الحِسابُ تَفْصِيلًا أوْ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِالأوَّلِ أقْصى المَراتِبِ فَكانَ جَدِيرًا بِالتَّقْدِيمِ في مَقامِ الِامْتِنانِ، أوْ لِأنَّ العَدَدَ نازِلٌ مِنَ الحِسابِ مَنزِلَةَ البَسِيطِ مِنَ المُرَكَّبِ بِناءً عَلى ما حُقِّقَ مِن أنَّ الحِسابَ إحْصاءُ ما لَهُ كَمِّيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ بِتَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن حَيْثُ يَتَحَصَّلُ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنها حَدٌّ مُعَيَّنٌ مِنهُ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ، والعَدَدُ إحْصاؤُهُ بِمُجَرَّدِ تَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَصَّلَ شَيْءٌ كَذَلِكَ ولِهَذا وكَوْنُ السِّنِينَ مِمّا لَمْ يُعْتَبَرْ فِيها حَدٌّ مُعَيَّنٌ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ أُضِيفَ إلَيْها العَدَدُ وعُلِّقَ الحِسابُ بِما عَداها فَتَدَبَّرْ.

﴿ وكُلَّ شَيْءٍ ﴾ تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في مَعاشِكم ومَعادِكم سِوى ما ذُكِرَ مِن جَعْلِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا ﴾ وهَذا مِن بابِ الِاشْتِغالِ، ورُجِّحَ النَّصْبُ لِتُقَدِّمِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: (الحِسابَ) وجُمْلَةُ ﴿ فَصَّلْناهُ ﴾ صِفَةُ شَيْءٍ، وهو بَعِيدٌ مَعْنًى.

والتَّفْصِيلُ مِنَ الفَصْلِ بِمَعْنى القَطْعِ، والمُرادُ بِهِ الإبانَةُ التّامَّةُ، وجِيءَ بِالمَصْدَرِ لِلتَّأْكِيدِ.

فالمَعْنى بَيَّنّا كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ الكَرِيمِ بَيانًا بَلِيغًا لا التِباسَ مَعَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ فَظَهَرَ كَوْنُهُ هادِيًا لِلَّتِي هي أقْوَمُ ظُهُورًا بَيِّنًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أي: يدعو ويدل ويرشد إلى التي هي أَقْوَمُ وهو توحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان برسول الله والعمل بطاعة الله.

هذه صفة الحال التي هي أقوم، وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ يعني: القرآن بشارة للمؤمنين الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً في الجنة وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي: لا يصدقون بالبعث أَعْتَدْنا لَهُمْ أي: هيأنا لهم عَذاباً أَلِيماً أي: وجيعاً.

قرأ حمزة والكسائي: ويبشر المؤمنين بنصب الياء وجزم الباء والتخفيف.

وقرأ الباقون: وَيُبَشِّرُ برفع الياء والتشديد.

قوله: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ وأصله في اللغة: ويدعو بالواو، إلا أن الواو والألف حذفت في الكتابة، لأن الضمة تقوم مقامها مثل قوله: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: 18] وأصله سندعو أي: يدعو الإنسان باللعن على نفسه وأهله وولده وماله وخدمه، دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ أي: دعاءه بالرزق والعافية والرحمة وما يستجاب له.

فلو استجيب له إذا دعاه باللعن كما يجاب له بالخير لهلك.

ويقال: نزلت في النضر بن الحارث حيث قال: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: 32] وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا يعني: إن آدم عجل بالقيام قبل أن تتمّ فيه الروح، وكذلك النضر بن الحارث استعجل بالدعاء على نفسه، وهو يستعجل العذاب.

ويروي الحكم، عن إبراهيم، عن سلمان أنه قال: «لما خلق الله تعالى آدم، بدأ بأعلاه قبل أسفله، فجعل آدم ينظر وهو يخلق، فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجّل قبل الليل» .

فذلك قوله: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا قال ابن عباس: «لما جعل فيه الروح فإذا جاوز عن نصفه، أراد أن يقوم فسقط فلذلك قيل له: لا تعجل» ، فذلك قوله: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا.

قوله عز وجل: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ أي: خلقنا الشمس والقمر علامتين يدلان على أن خالقهما واحد فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ أي: ضوء القمر، وهو السواد الذي في جوف القمر.

وقال محمد بن كعب القرظي: «كانت شمس بالليل، وشمس بالنهار، فمحيت شمس الليل» .

وقال ابن عباس: «كان في الزمان الأول لا يعرف الليل من النهار.

فبعث الله جبريل، فمسح جناحه بالقمر، فذهب ضوؤه، وبقي علامة جناحه وهو السواد الذي في القمر» ، فذلك قوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً أي: وتركنا علامة النهار مضيئة مبينة لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي: لتطلبوا رزقاً من ربِّكم في النهار وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ أي: حساب الشهور والأيام وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا أي: بينّاه في القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فطرية، والْإِنْسانُ هنا: يراد به/ الجنْس قاله مجاهد وغيره «١» .

وقال ابن عباس وسليمان: الإِشارة إِلى آدم لما نفخ الرَّوح في رأسه، عَطَس وأبصر، فلما مشى الرُّوح في بدنه قبل ساقيه، أعجبته نفسه، فذهب ليمشي مستعجلاً لذلك «٢» ، فلم يقدر، والمعنى على هذا فأنتم ذَوُوا عجَلةٍ موروثةٍ من أبيكم، وقالت فرقة: معنى الآية:

معاتبة الناس في دعائهم بالشرِّ مكانَ ما يجبُ أنْ يدعوه بالخير.

ت: قول هذه الفرقة نقله ع «٣» غير ملخَّص، فأنا لخَّصته.

وقوله سبحانه: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ...

الآية هنا العلامةُ المنْصُوبة للنَّظَر والعبرة.

وقوله سبحانه: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ قالتْ فيه فرقة: سببُ تعقيب الفاء أن اللَّه تعالى خَلَق الشمْسَ والقَمَر مضيئَيْنِ، فمحا بعد ذلك القَمَرَ، محاه جبريلُ بجناحه ثلاثَ مرَّات، فمِنْ هنالك كَلَفُهُ، وقالت فرقة: إِن قوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ إِنما يريدُ في أصْلِ خلقته، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً، أي: يُبْصَرُ بها ومعها، ليبتغي الناس الرزَقَ وَفَضْلَ اللَّهِ، وجعَلَ سبحانه القمَرَ مخالفاً لحالِ الشمْسِ ليعلم به العدَدُ من السنينَ والحسابُ للأشهرِ والأيامِ، ومعرفةُ ذلك في الشرْعِ إِنما هو من جهة القمرِ، لا من جهة الشمس، وحكى عياضٌ في «المدارك» في ترجمة الغازي بن قَيْس قال: روي عن الغازي بن قَيْس أنه كان يقول: ما مِنْ يومٍ يأتي إِلاَّ ويقولُ: أَنَا خَلْقٌ جَدِيد، وعَلَى مَا يُفْعَلُ فيَّ شَهِيد، فَخُذُوا مِنِّي قَبْلَ أنْ أَبِيد، فإِذا أمْسى ذلك اليومُ، خَرَّ للَّهِ ساجِداً، وقال: الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلنِي الَيْوَم العَقيم.

انتهى.

«والتفصيل» البيان.

وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)

وقوله سبحانه: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ قال ابن عباس: طائِرَهُ ما قدّر له

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ ﴾ ؛ أيْ: عَلامَتَيْنِ يَدُلّانِ عَلى قُدْرَةِ خالِقِهِما.

﴿ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ آَيَةَ اللَّيْلِ: القَمَرُ، ومَحْوُها: ما في بَعْضِ القَمَرِ مِنَ الِاسْوِدادِ.

وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: آَيَةُ اللَّيْلِ مُحِيَتْ بِالظُّلْمَةِ الَّتِي جُعِلَتْ مُلازِمَةً لِلَّيْلِ، فَنُسِبَ المَحْوُ إلى الظُّلْمَةِ إذْ كانَتْ تَمْحُو الأنْوارَ وتُبْطِلُها، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

ويُرْوى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ كانا في النُّورِ والضَّوْءِ سَواءٌ، فَأرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَأمَرَّ جَناحَهُ عَلى وجْهِ القَمَرِ وطَمَسَ عَنْهُ الضَّوْءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ ﴾ يَعْنِي: الشَّمْسَ، ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مُنِيرَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما صَلُحَ وصْفُ الآَيَةِ بِالإبْصارِ عَلى جِهَةِ المَجازِ، كَما يُقالُ: لَعِبَ الدَّهْرُ بِبَنِي فُلانٍ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى " مُبْصِرَةً ": مُبَصِّرًا بِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " مُبْصِرَةً ": مُبَصِّرَةً، فَجَرى ( مُفْعِلٌ ) مَجْرى ( مُفَعِّلٌ )، والمَعْنى: أنَّها تُبَصِّرُ النّاسَ؛ أيْ: تُرِيهِمُ الأشْياءَ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

ومَعانِي الأقْوالِ تَتَقارَبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ ؛ أيْ: لِتُبْصِرُوا كَيْفَ تَتَصَرَّفُونَ في أعْمالِكم وتَطْلُبُونَ رِزْقَكم بِالنَّهارِ، ﴿ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ﴾ بِمَحْوِ آَيَةِ اللَّيْلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُعْرَفِ اللَّيْلُ مِنَ النَّهارِ، ولَمْ يَتَبَيَّنِ العَدَدُ.

﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ ﴾ ؛ أيْ: ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، ﴿ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا ﴾ بَيَّنّاهُ تَبَيُّنًا لا يَلْتَبِسُ مَعَهُ بِغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلْنا اللَيْلَ والنَهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَيْلَ وجَعَلْنا آيَةَ النَهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا ﴾ ﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا ﴾ ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ "الآيَةُ": العَلامَةُ المَنصُوبَةُ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا"، قالَتْ فِيهِ فِرْقَةٌ: سَبَبُ تَعْقِيبِ الفاءِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ والقَمَرَ مُضِيئَيْنِ، فَمَحا بَعْدَ ذَلِكَ القَمَرَ، مَحاهُ جِبْرِيلُ بِجَناحَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَمِن هُنالِكَ كَلَفُهُ وكَوْنُهُ مُنِيرًا فَقَطْ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهُوَ الظاهِرُ-: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا" إنَّما يُرِيدُ: في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأتْ بِالأُسِّ ثُمَّ تابَعَتْ"، فَلا تُرِيدُ بِالفاءِ التَعْقِيبَ، وظاهِرُ لَفْظِ الآيَةِ يَقْتَضِي أرْبَعَ آياتٍ، لا سِيَّما لِمَن بَنى عَلى أنَّ القَمَرَ هو المَمْحُوُّ، والشَمْسُ هي المُبْصِرَةُ، فَأمّا إنْ قَدَّرَ المَمْحُوَّ في ظَلامِ اللَيْلِ والإبْصارَ في ضَوْءِ النَهارِ أمْكَنَ أنْ تَتَضَمَّنَ الآيَةُ آيَتَيْنِ فَقَطْ، عَلى أنْ يَكُونَ فِيها طَرَفٌ مِن إضافَةِ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبْصِرَةً" مِثْلَ قَوْلِكَ: "لَيْلٌ نائِمٌ وقائِمٌ"، أيْ: يُنامُ فِيهِ ويُقامُ فِيهِ، وكَذَلِكَ: "آيَةٌ مُبْصِرَةٌ" أيْ: يُبْصِرُ فِيها ومَعَها.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ، فَقالَ ابْنُ الكَوّاءِ: ما السَوادُ الَّذِي في القَمَرِ؟

فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: قاتَلَكَ اللهُ، هَلّا سَألَتْ عن أمْرِ دِينِكَ وآخِرَتِكَ؟

ذَلِكَ مَحْوُ اللَيْلِ.

وجَعَلَ اللهُ تَعالى النَهارَ مُبْصِرًا لِيَبْتَغِيَ الناسُ الرِزْقَ وفَضْلَ اللهِ، وجَعَلَ القَمَرُ مُخالِفًا لِحالِ الشَمْسِ لِيُعْلَمَ بِهِ العَدَدَ مِنَ السِنِينَ والحِسابَ لِلْأشْهَرِ والأيّامِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ القَمَرِ لا مِن جِهَةِ الشَمْسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: " كُلَ شَيْءٍ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: وفَصَّلْنا كُلَّ شَيْءٍ تَفْصِيلًا، وقِيلَ: "وَكُلَّ" عَطْفٌ عَلى "والحِسابَ"، فَهو مَعْمُولُ "لِتَعْلَمُوا"، و"التَفْصِيلُ": البَيانُ بِأنَّ تُذْكَرَ فُصُولُ ما بَيْنَ الأشْياءِ وتُزالُ أسْبابُها حَتّى يَتَمَيَّزَ الصَوابُ مِنَ الشُبْهَةِ العارِضَةِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي ﴾ الآيَةُ.

قَوْلُهُ: "كُلَّ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُجاهِدٍ "طَيْرَهُ في عُنُقِهِ".

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "طائِرَهُ": ما قُدِّرَ عَلَيْهِ ولَهُ، وخاطَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِن عادَتِها التَيَمُّنُ والتَشاؤُمُ بِالطَيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِباءِ وحَيَوانِ الفَلَواتِ، وسَمَّتْ كُلَّ ذَلِكَ تَطَيُّرًا، وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِيرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ في أوجَزِ لَفْظٍ وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ قَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ وتَكَسُّبُهُ في عُنُقِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ﴾ ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ -إذْ هُما مُتَلازِمانِ- بِالطائِرِ)، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في أُمُورٍ: "عَلى الطائِرِ المَيْمُونِ"، و"بِأسْعَدَ طائِرٍ"، ومِنهُ ما طارَ في المُحاجَّةِ والسَهْمِ، كَقَوْلٍ أمِّ العُلا الأنْصارِيَّةِ: "فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ  في الهِجْرَةِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ "، أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا، وَأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الطَيْرِ الَّتِي تَقْضِي عِنْدَهم بِلِقاءِ الخَيْرِ والشَرِّ، وأبْطَلَ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ)".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي عُنُقِهِ ﴾ جَرى أيْضًا عَلى مَقْطَعِ العَرَبِ في أنْ تَنْسُبَ ما كانَ إلْزامًا، وقِلادَةً، وأمانَةً، ونَحْوَ هَذا -إلى العُنُقِ، كَقَوْلِهِمْ: "دَمِي في عُنُقِ فُلانٍ" وكَقَوْلِ الأعْشى: قَلَّدَتُكَ الشِعْرَ يا سَلامَةَ ذا الـ ∗∗∗ تَّفْضالِ، والشَيْءُ حَيْثُما جُعِلا وهَذا كَثِيرٌ، ونَحْوَهُ جَعْلُهم ما كانَ تَكَسُّبًا وجِنايَةً وإثْمًا مَنسُوبًا إلى اليَدِ؛ إذْ هي الأصْلُ في التَكَسُّبِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والناسُ: "وَنُخْرِجُ" بِنُونِ العَظَمَةِ "كِتابًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ "كِتابًا"، أيْ طائِرُهُ الَّذِي كَنّى بِهِ عن عَمَلِهِ يَخْرُجُ لَهُ ذا كِتابٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ -مِن هَؤُلاءِ: "كِتابٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا: "وَيُخْرَجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ- عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

"كِتابًا"، أيْ: طائِرُهُ.

وقَرَأ أيْضًا: "كِتابٌ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، أيْ: يُخْرِجُ اللهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فِي عُنُقِهِ يَقْرَؤُهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا".

وهَذا الكِتابُ هو عَمَلُ الإنْسانِ وخَطِيئاتُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَلْقاهُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ وخِفَّةِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يُلَقّاهُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ وتَشْدِيدِ القافِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بِخِلافٍ- وأبِي جَعْفَرِ الجَحْدَرِيِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ حُذِفَ مِنَ الكَلامِ "يُقالُ لَهُ" اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ.

و"الحَسِيبُ": الحاسِبُ، ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "يا ابْنَ آدَمَ، بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ، ووُكِّلَ بِكَ مَلِكانِ كَرِيمانِ، أحَدُهُما عن يَمِينِكِ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخِرُ عن شِمالِكَ يَحْفَظُ سَيِّآتِكَ، فامْلِكْ ما شِئْتْ أو أقْلِلْ أو أكْثِرْ، حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ في عُنُقِكَ مَعَكَ في قَبْرِكَ، حَتّى تَخْرُجَ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا تَلْقاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتابَكَ، كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، قَدْ عَدَلَ واللهِ فِيكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي ذَكَرَ الحَسَنُ يَكُونُ الطائِرُ ما يَتَحَصَّلُ مَعَ آدَمَ مِن عَمَلِهِ في قَبْرِهِ، فَتَأمَّلْ لَفْظَهُ، وهَذا هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ : إنَّهُ سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَن لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ ويدع الإنسان بالشر ﴾ [الإسراء: 11]، الخ.

والمناسبة أن جملة ﴿ ويدع الإنسان ﴾ تتضمن أن الإبطاء تأخير الوعد لا يرفعه وأن الاستعجال لا يجدي صاحبه لأن لكل شيء أجلاً، ولما كان الأجل عبارة عن أزمان كان مشتملاً على ليللٍ ونهارٍ متقضّييَنْ.

وهذا شائع عند الناس في أن الزمان مُتقض وإن طال.

فلما أريد التنبيه على ذلك أدمج فيه ما هو أهم في العبرة بالزمنين وهو كونهما آيتين على وجود الصانع وعظيم القدرة، وكونهما منتين على الناس، وكون الناس ربما كرهوا الليل لظلمته، واستعجلوا انقضاءه بطلوع الصباح في أقوال الشعراء وغيرهم، ثم بزيادة العبرة في أنهما ضدان، وفي كل منهما آثار النعمة المختلفة وهي نعمة السير في النهار.

واكتفي بعدِّها عن عدّ نعمة السكون في الليل لظهور ذلك بالمقابلة، وبتلك المقابلة حصلت نعمة العلم بعدد السنين والحساب لأنه لو كان الزمن كله ظلمةً أو كله نوراً لم يحصل التمييز بين أجزائه.

وفي هذا بعد ذلك كله إيماء إلى ضرب مثل للكُفر والإيمان، وللضلال والهدى، فلذلك عُقب به قوله: ﴿ وآتينا موسى الكتاب ﴾ [الإسراء: 2] الآية، وقوله: إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم } إلى قوله: ﴿ أعتدنا لهم عذاباً ﴾ [الإسراء: 9 10]، ولذلك عقب بقوله بعده ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ الآية [الإسراء: 15].

وكل هذا الإدماج تزويد للآية بوافر المعاني شأن بلاغة القرآن وإيجازه.

وتفريع جملة فمحونا آية الليل } اعتراض وقع بالفاء بين جملة ﴿ وجعلنا الليل والنهار ﴾ وبين متعلقة وهو ﴿ لتبتغوا ﴾ .

وإضافة آية إلى الليل وإلى النهار يجوز أن تكون بيانية، أي الآية التي هي الليل، والآية التي هي النهار.

ويجوز أن تكون آية الليل الآية الملازمة له وهي القمر، وآية النهار الشمس، فتكون إعادة لفظ (آية) فيهما تنبيهاً على أن المراد بالآية معنى آخر وتكون الإضافة حقيقيّة، ويصير دليلاً آخر على بديع صنع الله تعالى وتذكيراً بنعمة تكوين هذين الخلقين العظيمين.

ويكون معنى المحو أن القمر مطموس لا نور في جرمه ولكنه يكتسب الإنارة بانعكاس شعاع الشمس على كُرَتِهِ، ومعنى كون آية النهار مبصرة أن الشمس جعل ضوؤها سببَ إبصار الناس الأشياء، ف ﴿ مبصرة ﴾ اسم فاعل (أبصر) المتعدي، أي جعل غيره باصراً.

وهذا أدق معنى وأعمق في إعجاز القرآن بلاغة وعلماً فإن هذه حقيقة من علم الهيئة، وما أعيد لفظ (آية) إلا لأجلها.

والمحو: الطمس.

وأطلق على انعدام النور، لأن النور يُظهر الأشياء والظلمة لا تظهر فيها الأشياءُ، فشبه اختفاء الأشياء بالمحو كما دل عليه قوله في مقابله: ﴿ وجعلنا آية النهار مبصرة ﴾ ، أي جعلنا الظلمة آية وجعلنا سبب الإبصار آية.

وأطلق وصف ﴿ مبصرة ﴾ على النهار على سبيل المجاز العقلي إسناداً للسبب.

وقوله: ﴿ لتبتغوا فضلا من ربكم ﴾ عِلة لخصوص آية النهار من قوله: وجاء التعليل لحكمة آية النهار خاصةً دون ما يقابلها من حكمة الليل لأن المنة بها أوضح، ولأن من التنبه إليها يحصل التنبه إلى ضدها وهو حكمة السكون في الليل، كما قال: ﴿ لتسكنوا فيه والنهار مبصراً ﴾ كما تقدم في سورة [يونس: 67].

ثم ذكرت حكمة أخرى حاصلة من كلتا الآيتين.

وهي حكمة حساب السنين، وهي في آية الليل أظهر لأن جمهور البشر يضبط الشهور والسنين بالليالي، أي حساب القمر.

والحساب يشمل حساب الأيام والشهور والفصول فعطفه على عدد السنين} من عطف العام على الخاص للتعميم بعد ذكر الخاص اهتماماً به.

وجملة ﴿ وكل شيء فصلناه تفصيلا ﴾ تذييل لقوله: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴾ باعتبار ما سيق له من الإشارة إلى أن للشر والخير الموعود بهما أجلاً ينتهيان إليه.

والمعنى: أن ذلك الأجل محدود في علم الله تعالى لا يعدوه، فلا يقرّبه استعجال ولا يؤخره استبطاء لأن الله قد جعل لكل شيء قدراً لا إبهام فيه ولا شك عنده أن للخير وللشر مَدى *** .........................

*** فلا تحسبوا ذلك وعداً سُدى.

والتفصيل: التبيين والتمييز وهو مشتق من الفصل بمعنى القطع لأن التبيين يقتضي عدم التباس الشيء بغيره.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ كتاب أحكمت آياته ثم فُصلت ﴾ صدر [هود: 1].

والتفصيل في الأشياء يكون في خلقها، ونظامها، وعلِم الله بها، وإعلامه بها.

فالتفصيل الذي في علم الله وفي خلقه ونواميس العوالم عام لكل شيء وهو مقتضى العموم هنا.

وأما ما فصله الله للناس من الأحكام والأخبار فذلك بعض الأشياء، ومنه قوله تعالى: يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون [الرعد: 2] وقوله: ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾ [الأنعام: 97].

وذلك بالتبليغ على ألسنة الرسل وبما خلق في الناس من إدراك العقول، ومن جملة ما فصله للناس الإرشاد إلى التوحيد وصالح الأعمال والإنذار على العصيان.

وفي هذا تعريض بالتهديد.

وانتصب كل شيء } بفعل مضمر يفسره ﴿ فصلناه ﴾ لاشتغال المذكور بضمير مفعول المحذوف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها ظُلْمَةُ اللَّيْلِ الَّتِي لا نُبْصِرُ فِيها الطُّرُقاتِ كَما لا نُبْصِرُ ما مُحِيَ مِنَ الكِتابِ، وهَذا مِن أحْسَنَ البَلاغَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها اللَّطْخَةُ السَّوْداءُ الَّتِي في القَمَرِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ وقَتادَةَ لِيَكُونَ ضَوْءُ القَمَرِ أقَلَّ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ فَيُمَيَّزُ بِهِ اللَّيْلُ مِنَ النَّهارِ.

﴿ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ مُضِيئَةً لِلْأبْصارِ.

الثّانِي: مُوقِظَةً.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند واه، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق شمسين من نور عرشه» فاما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمساً، فإنه خلقها مثل الدنيا على قدرها، ما بين مشارقها ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أنه يطمسها ويجعلها قمراً، فإنه خلقها دون الشمس في العظم، ولكن إنما يرى صغرها لشدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض، فلو ترك الشمس كما كان خلقها أول مرة لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولم يدر الصائم إلى متى يصوم ومتى يفطر، ولم يدر المسلمون متى وقت حجهم، وكيف عدد الأيام والشهور والسنين والحساب، فأرسل جبريل فأمر جناحه عن وجه القمر- وهو يومئذ شمس- ثلاث مرات، فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور، فذلك قوله: ﴿ وجعل الليل والنهار آيتين ﴾ الآية.

وأخرج البيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر، عن سعيد المقبري: أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر؟

فقال: كانا شمسين.

فقال: قال الله: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل ﴾ فالسواد الذي رأيت هو المحو.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ قال: هو السواد الذي في القمر.

وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه في الآية.

قال: كان الليل والنهار سواء، فمحا الله آية الليل فجعلها مظلمة، وترك آية النهار كما هي.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ قال: هو السواد بالليل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴾ قال: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ قال: السواد الذي في القمر.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كتب هرقل إلى معاوية يسأله عن ثلاثة أشياء: أي مكان إذا صليت فيه ظننت أنك لم تصل إلى قبلة؟

وأي مكان طلعت فيه الشمس مرة لم تطلع فيه قبل ولا بعد؟

وعن السواد الذي في القمر؟

فسأل ابن عباس رضي الله عنهما؟

فكتب إليه أما المكان الأول: فهو ظهر الكعبة.

وأما الثاني: فالبحر حين فرقه الله لموسى عليه السلام.

وأما السواد الذي في القمر: فهو المحو.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال: خلق الله نور الشمس سبعين جزءاً، ونور القمر سبعين جزءاً، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءاً، فجعله مع نور الشمس، فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزءاً، والقمر على جزء واحد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في الآية قال: كانت شمس بالليل وشمس بالنهار فمحا الله شمس الليل، فهو المحو الذي في القمر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ قال: انظر إلى الهلال ليلة ثلاث عشرة، أو أربع عشرة، فإنك ترى فيه كهيئة الرجل، آخذاً برأس رجل.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ﴾ قال: ظلمة الليل وسدف النهار؛ ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ قال: جعل لكم ﴿ سبحاً طويلاً ﴾ [ المزمل: 7] .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فصلناه ﴾ يقول: بيناه.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء بن السائب رضي الله عنه قال: أخبرني غير واحد أن قاضياً من قضاة الشام، أتى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين رأيت رؤيا أفظعتني.

قال: وما رأيت؟

قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم معهما نصفين.

قال: فمع أيهما كنت؟

قال: مع القمر على الشمس.

قال عمر رضي الله عنه: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ﴾ فانطلق فوالله لا تعمل لي عملاً أبداً.

قال عطاء رضي الله عنه: فبلغني أنه قتل مع معاوية يوم صفين.

وأخرج ابن عساكر، عن علي بن زيد رضي الله عنه، قال: سأل ابن الكواء علياً رضي الله عنه عن السواد الذي في القمر؟

قال: هو قول الله تعالى: ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير بسند حسن، عن جابر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «طائر كل إنسان في عنقه» .

وأخرج ابن مردويه، عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن النطفة التي يخلق منها النسمة تطير في المرأة أربعين يوماً وأربعين ليلة، فلا يبقى منها شعر ولا بشر ولا عرق ولا عظم إلا دخله، حتى أنها لتدخل بين الظفر واللحم، فإذا مضى لها أربعون ليلة وأربعون يوماً أهبطه الله إلى الرحم، فكان علقة أربعين يوماً وأربعين ليلة، ثم يكون مضغة أربعين يوماً وأربعين ليلة، فإذا تمت لها أربعة أشهر، بعث الله إليها ملك الأرحام فيخلق على يده لحمها ودمها وشعرها وبشرها، ثم يقول: صوّر.

فيقول: يا رب، ما أصور أزائد أم ناقص، أذكر أم أنثى، أجميل أم ذميم أجعد أم سبط أقصير أم طويل أبيض أم آدم أسويّ أم غير سويّ؟

فيكتب من ذلك ما يأمر الله به.

ثم يقول الملك: يا رب، أشقيّ أم سعيد؟

فإن كان سعيداً، نفخ فيه بالسعادة في آخر أجله، وإن كان شقياً: نفخ فيه الشقاوة في آخر أجله.

ثم يقول: اكتب أثرها ورزقها ومصيبتها وعملها بالطاعة والمعصية، فيكتب من ذلك ما يأمره الله به، ثم يقول الملك: يا رب، ما أصنع بهذا الكتاب؟

فيقول: علقه في عنقه إلى قضائي عليه.

فذلك قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألزمناه طائره في عنقه ﴾ قال: سعادته وشقاوته وما قدره الله له وعليه فهو لازمه أينما كان.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جوبير، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ طائره في عنقه ﴾ قال: قال عبد الله رضي الله عنه الشقاء والسعادة والرزق والأجل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ طائره في عنقه ﴾ قال: كتابه.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ﴾ أي عمله.

وأخرج أبو داود في كتاب القدر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ﴾ قال: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألزمناه طائره ﴾ قال: عمله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ﴾ قال: هو عمله الذي عمل أحصي عليه، فأخرج له يوم القيامة ما كتب عليه من العمل، فقرأه منشوراً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: الكافر يخرج له يوم القيامة كتاب، فيقول: رب، إنك قد قضيت.

إنك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أحاسب نفسي.

فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن هرون قال: في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ﴾ يقرؤه يوم القيامة ﴿ كتاباً يلقاه منشوراً ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ويخرج له يوم القيامة كتاباً ﴾ بفتح الياء يعني يخرج الطائر كتاباً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ اقرأ كتابك ﴾ قال: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئاً في الدنيا.

وأخرج ابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه قال: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة.

فعند ذلك يقول: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ﴾ حتى بلغ عليك ﴿ حسيباً ﴾ .

وأخرج ابن عبد البر في التمهيد بسند ضعيف، عن عائشة- رضي الله عنها- قال: سالت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين؟

فقال: «هم مع آبائهم» ثم سألته بعد ذلك؟

فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام؟!

فنزلت ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ فقال: «هم على الفطرة» أو قال: «في الجنة» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، إني قضيت في البنات من ذراري المشركين؟

قال: «هم منهم» .

وأخرج ابن سعد وأحمد وقاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن خنساء بنت معاوية الضمرية، عن عمها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة» .

وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن أنس رضي الله عنه قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين؟

قال: «هم خدم أهل الجنة» .

وأخرج، عن سلمان رضي الله عنه قال: أطفال المشركين خدم أهل الجنة.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن عبد البر وضعفه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المسلمين أين هم؟

قال:في الجنةوسألته عن ولدان المشركين أين هم؟

قال: في النار، قلت: يا رسول الله، لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم القلام!

قال:ربك أعلم بما كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار» .

وأخرج أحمد وقاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت أقول في أطفال المشركين هم مع آبائهم، حتى حدثني رجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- «أنه سئل عنهم؟

فقال: ربهم أعلم بهم وبما كانوا عاملين» فأمسكت عن قولي.

وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل، عن أولاد المشركين؟

فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين والله أعلم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: جعلناهما علامتين تدلان على قدرة خالقهما ووحدانيته (١) وقال آخرون: المعنى جعلناهما ذوي آيتين (٢) ﴿ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ ﴾ ، ولم يقل: فمحونا الليل ولا فمحونا أحديهما، فلما أضاف الآية إلى الليل والنهار دل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما.

وقوله تعالى: ﴿ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ ﴾ ، أي: طمسنا نورها بما جعلنا فيها من السواد، وهذا قول عامة المفسرين (٣) (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ ، أي: يبصر فيها، فكأن المعنى أنها مضيئة؛ كما قال: ﴿ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا  ﴾ ، أي: مضيئًا، وقد مر، قال أبو عبيد: هذا قول الفراء (٧) وفيه وجه آخر يقال: قد أبصر النهار، إذا صار الناس يبصرون فيه فهو مبصر؛ كقولك: رجلٌ مُخْبِث إذا كان أصحابُه خُبَثاء، ورجلٌ مُضعِف إذا كانت دوابُّه ضعافًا، وكذلك النهار مبصرًا، أي: أهله بُصَرَاء (٨) ﴿ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً  ﴾ ، وسنذكر ما فيها إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ ، أي: لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم، ﴿ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ ﴾ بمحو آية الليل، ولولا ذلك ما كان يُعرف الليلُ من النهار، وكان لا يَتبَيَّن (٩) ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ﴾ الآية [يونس: 5].

وقوله تعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ ﴾ ، أي: مما يُحْتَاج إليه، ﴿ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ﴾ : بيناه تبيينًا لا يَلْتَبِس معه بغيره (١٠) (١١) (١) ورد بنحوه في: "تفسير مقاتل" 1/ 213 أ، و"السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 81، و"ابن الجوزي" 5/ 14، و"القرطبي" 10/ 227، و"الخازن" 3/ 158، و"أبي حيان" 6/ 14، و"الدر المصون" 7/ 321.

(٢) انظر: "الإملاء" 2/ 89، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 262، و"تفسير أبي حيان" 6/ 14، و"الدر المصون" 7/ 321، و"تفسير الألوسي" 15/ 26.

(٣) ذكر الفخر الرازي قول الجمهور وذكر قولاً آخر ورجحه؛ وهو: أن المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور؛ يبدأ هلالاً ولا يزال يكبر حتى يصير بدرًا كاملاً، ثم يبدأ في الانتقاص قليلاً قليلاً، وذلك هو المحو، ثم ذكر مسوغات ترجيح هذا القول.

انظر: "الرازي" 20/ 164، ويضاف إلى ما ذكره أن الأثر الذي اعتمد عليه عامة المفسرين أثر ضعيف عن علي وابن عباس، فهو عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن علي من طريق ابن الكَوَّاء الخارجي؛ رؤوس الخوارج، قال عنه البخاري: لم يصحَّ حديثه.

انظر: "لسان الميزان" 3/ 329.

(٤) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 213 أ، بنحوه، وأخرجه "الطبري" 15/ 49 - 50، بنحوه عن علي وابن عباس ومجاهد من عدة طرق، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 128، و"تفسير السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، و"الماوردي" 3/ 232، و"الطوسي" 6/ 454، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 81، و"ابن عطية" 9/ 30، و"ابن الجوزي" 5/ 14، و"القرطبي" 10/ 228، و"ابن == كثير" 3/ 31، و"الدر المنثور" 4/ 302 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن علي -  -، وأورده كذلك وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن عباس -  ما-.

(٥) ورد بنحوه موقوفًا على ابن عباس في "تفسير السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، مفصلاً، و"البغوي" 5/ 81، و"القرطبي" 10/ 227 مرفوعًا وموقوفًا، و"الخازن" 3/ 158، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 302 وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه -بسند واه- عن ابن عباس مرفوعًا.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (محا) 4/ 3347، و"المحيط في اللغة" (محو) 3/ 231، و"اللسان" (محا) 7/ 4150.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 126 بلفظه، وورد في "تهذيب اللغة" (بصر) 1/ 342 بلفظه عن الفراء.

(٨) ورد في "تفسير الطبري" 15/ 50، بنحوه، لكنه قال: كقولهم: رجلٌ مجبن، إذا كان أهله جبناء، ورجلٌ مضعف، إذا كانت رواته ضعفاء، وورد بنصه تقريبًا في "تفسير الثعلبي" 7/ 105 أ، و"الطوسي" 6/ 454، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 166، و"القرطبي" 10/ 228، و"أبي حيان" 6/ 14.

(٩) العبارة في جميع النسخ: فكان الآيتين، وهو تصحيف، وفي "تفسير الثعلبي" 7/ 105 أ: ولا يتبين العدد، والمثبت من تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 477.

(١٠) في جميع النسخ: لغيره، والتصويب من تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 477.

(١١) هكذا في جميع النسخ: ما خلقت، والأولى: ما خلقنا لينسجم مع فصَّلنا.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ اليل ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار كقولك: مسجد الجامع أي الآية التي هي الليل، والآية التي هي النهار ومحو آية الليل على هذا كونه مظلماً.

والوجه الثاني: أن يراد بآية الليل القمر، وآية النهار الشمس، ومحو آية الليل على هذا كون القمر لم يجعل له ضوء الشمس ﴿ وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً ﴾ يحتمل أن يريد النهار بنفسه أو الشمس، ومعنى مبصرة تبصر فيها الأشياء ﴿ لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي لتتوصلوا بضوء النهار إلى التصرف في معايشكم ﴿ وَلِتَعْلَمُواْ ﴾ باختلاف الليل والنهار أو بمسير الشمس والقمر ﴿ عَدَدَ السنين والحساب ﴾ الأشهر والأيام ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ فصلناه تَفْصِيلاً ﴾ انتصب كل بفعل مضمر، والتفصيل البيان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يتخذوا ﴾ بياء الغيبة.

أبو عمرو وعباس مخيراً.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ أساتم ﴾ بالمد: أبو عمرو ويزيد الأصبهاني عن ورش والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ ليسوء ﴾ بياء الغيبة على التوحيد: ابن عامر وحمزة وأبو بكر وحماد و ﴿ لنسوء ﴾ بالنون: علي.

الباقون ﴿ ليسؤوا ﴾ على الجمع ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً: حمزة وعلي.

﴿ ويخرج ﴾ بالياء مجهولاً: يزيد ﴿ ويخرج ﴾ لازماً: يعقوب الآخرون بالنون متعدياً ﴿ تلقاه ﴾ مشدداً: ابن عامر ويزيد، وروى النقاش عن ابن ذكوان بالإمالة.

الباقون مخففة، وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة ﴿ قرأ كتابك ﴾ بغيرهم: الأعشى وأوقية وحمزة في الوقف: ﴿ أمرنا ﴾ من باب المفاعلة: يعقوب.

الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ تتخذوا ﴾ بتاء الخطاب لإمكان أن يجعل ﴿ ذرية ﴾ منادى ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ الديار ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ نفيراً ﴾ ه ﴿ فلها ﴾ ط لأن ما بعد عائد إلى قوله ﴿ فإذا جاء وعد أولٰهما ﴾ مع اعتراض العوارض ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ يرحمكم ﴾ ه للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ عدنا ﴾ ه حذراً من توهم العطف ﴿ حصيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ أليما ﴾ ه ﴿ بالخير ﴾ ط ﴿ عجولاً ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ، ط ﴿ تفصيلاً ﴾ ه ﴿ عنقه ﴾ ط ﴿ منشوراً ﴾ ه ﴿ كتابك ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ط للابتداء بعد بالشرط ﴿ لنفسه ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ تدميراً ﴾ ه ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ عطاء ربك ﴾ ط ﴿ محظوراً ﴾ ه ﴿ بعض ﴾ ط ﴿ تفصيلاً ﴾ .

الوقوف: لما عزم على نبيه في خواتيم النحل جوامع مكارم الأخلاق حكى طرفاً مما خصة به من المعجزات فقال: ﴿ سبحان الذي ﴾ وهو اسم علم للتسبيح وقد مر إعرابه في قوله: ﴿ سبحانك لاعلم لنا إلاَّ ما علمتنا  ﴾ والمراد تنزيه الله من كل مالا يليق بجلاله ﴿ وأسرى ﴾ وسرى لغتان.

يروى أنه لما وصل النبي  إلى المراتب العلية في معراجه في معراجه أوحى الله إليه يا محمد: بم أشرِّفك؟

فقال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية.

فأنزل فيه: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ نصب على الظرف وفيه تأكيد الإسراء، وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء لأن التنكير فيه معنى البعضية، أخبر أنه أسرى به في بعض الليل ﴿ من المسجد الحرام ﴾ عن النبي  : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق.

وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به.

وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد وإلى هذا القول ذهب الأكثرون.

قالوا: إنه أسرى به من دار أم هانيء بنت أبي طالب قبل الهجرة بسنة.

وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة.

﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو بيت المقدس بالإتفاق سمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد.

﴿ الذي باركنا حوله ﴾ يري بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى  ، ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة.

وقوله: ﴿ أسرى ﴾ مع قوله: ﴿ باركنا ﴾ سلوك لطريقة الالتفات ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ بيان لحكمة الإسراء.

سؤال: أرى إبراهيم  ملكوت السموات والأرض، وأرى محمداً صلى الله عليه وسلم بعض آياته فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل؟

الجواب: لعل بعض الآيات المضافة إلى الله  أشرف وأجل من ملكوت السموات والأرض كلها ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه هو السميع ﴾ لأقوال محمد ﴿ البصير ﴾ بأفعاله المهذبة الخالصة فيكرمه على حسب ذلك.

واعلم أن الأكثرين من علماء الإسلام اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقلون على أنه ما أسرى إلا بروحه.

حكى محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عرج بروحه.

وحكى هذا القول عن عائشة أيضاً.

وقد احتج بعض العقلاء على هذا القول بوجوه منها: أن الحركة الجسمانية البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة: ومنها أن صعوده إلى السموات يوجب انخراق الفلك.

ومنها أنه لو صح ذلك لكان من أعظم معجزاته فوجب أن يكون بمحضر من الجم الغفير حتى يستدلوا بذلك على صدقه، وما الفائدة في إسراته ليلاً على حين غفلة من الناس.

ومنها أن الإنسان عبارة عن الروح وحده لأنه باقٍ من أول عمره إلى آخره، والأجزاء البدنية في التغير والانتقال والباقي مغاير للمتغير، ولأن الإنسان يدرك ذاته حين ما يكون غافلاً عن جميع جوارحه وأعضائه.

ومنها قوله  .

﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس  ﴾ وما تلك الرؤيا إلاَّ حديث المعراج.

وإنما كانت فتنة للناس لأن كثيراً ممن آمن به حين سمعها ارتد وكفر به.

ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة، فإن ذلك يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، وأنه يوجب البداء.

أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول  من مكة إلى فوق الفلك الأعظلم لم يكن إلاّ نصف قطر الفلك، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته، وإذا كان الأكثر واقعاً فالأقل بالإمكان أولى، ولو كان القول بمعراج محمد  في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعاً، لأن الملائكة أيضاً أجسام عند جمهور المسلمين، وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر الله  لسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، وقد ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك  ﴾ .

وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في الشام.

وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد، فيثبت أن المعراج أمرممكن في نفسه.

أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصاً بهذه الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات.

وعن الثاني أن انخراق الأفلاك عند حكماء الإسلام جائز.

وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة وطمأنينة، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور الدنيا والآخرة.

وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد.

وعن الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره، ولو سلم أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية.

وعن السادس أنه لا اعتراض على الله  في شيء من أفعاله وأنه على كل شيء قدير.

واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السموات وإلى ما فوق العرش إلاَّ أنه ورد الحديث به، ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة النجم أو بقوله { ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق  ﴾ وتفسيرهما مذكور في موضعه.

يروى أنه  نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء وقال: مثل لي النبيون وصليت بهم.

وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال: مالك؟

قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال: وإن كذبوني.

فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله  بحديث الإسراء به وأنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس ومنه عرج إلى السماء ورأى ما فيها من العجائب ولقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.

فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم، فمن بين مصفقٍ وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً، وارتد ناس ممن كان آمن به.

وسعى رجال إلى أبي بكر  فقال: إن كان قال ذلك لفد صدق.

قالوا: أتصدقه على ذلك؟

قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق.

وكان فيهم من سافر إلى الشام فاستنعتوه المسجد فجلى له  بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب.

فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالهم وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد  ، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلاَّ سحر مبين.

ولما حكى طرفاً من إكرام محمد  ذكر شيئاً من إكرام موسى فقال: ﴿ وآتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ أخرجناهم بواسطته من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين ﴿ ألا تتخذوا ﴾ من قرأ على الغيبة فــ"أَنْ" ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي لئلا يتخذوا، ومن قرأ على الخطاب فَـ"أَنْ" مفسرة معناها أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا، وزائدة والقول مضمر يعني قلنا لهم لا تتخذوا ﴿ من دوني وكيلاً ﴾ رباً تكلون إليه أمركم يا ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح  لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية أولئك.

فقوله "يا ذرية" قائم مقام قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ وعلى القراءة الأولى انتصب ﴿ ذرية ﴾ على الاختصاص، وعلى القراءتين احتمل أن ينتصب على أنه مفعول آخر ليتخذوا أي لا تجعلوهم أرباباً كقوله: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً  ﴾ من ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزير.

ثم علل النهي عن الإشراك بقوله: ﴿ إنه كان عبداً شكوراً ﴾ أي أنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم في الشكر لله وعدم اتخاذ الشريك له.

ويجوز أن يكون تعليلاً لاختصاص بني إسرائيل والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فهم متصلون به، فلهذا استأهلوا الاختصاص.

وجوز في الكشاف أن يكون ثناء على نوح بطريق الاستطراد.

يروى من شكره أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه، وكان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجاً آثر به.

ثم ذكر أن كثيراً من بني إسرائيل ما اهتدوا بهدى التوراة فقال: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ أوحينا إليهم وحياً مقضياً مقطوعاً به في الكتاب الذي هو التوراة.

وقول: ﴿ لتفسدن ﴾ جواب قسم محذوف، أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ مرتين ولتعلن ﴾ لتعظمن وتستولن على الناس ﴿ علواً كبيراً ﴾ تسلطاً عظيماً وبغياً شديداً ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب ﴿ أولاهما ﴾ أولى المرتين ﴿ بعثنا ﴾ أرسلنا وسلطنا ﴿ عليكم عباد لنا أولي بأس شديد ﴾ أصحاب نجدة وشدة قتال ﴿ فجاسوا ﴾ ترددوا للمارة ﴿ خلال الديار ﴾ أوساطها وفرجها يعني ديار بيت المقدس ﴿ وكان ﴾ وعد العقاب ﴿ وعداً مفعولاً ﴾ لا بد من وقوعه ﴿ ثم رددنا لكم الكرة ﴾ الدولة والغلبة ﴿ عليهم ﴾ على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو: ﴿ وجعلناكم أكثر نفيراً ﴾ مما كنتم.

والنفير من ينفر مع الرجل من قومه.

احتجت الأشاعرة بقوله  : ﴿ قضينا ﴾ بعثنا ﴿ وكان وعداً مفعولاً ﴾ على صحة القضاء والقدر وأن الفساد والنهب والقتل والأسر كلها بفعله.

وأجابت المعتزلة بأن المراد أنه خلى بينهم وبين ما فعلوا ولم يمنعهم عن تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظها.

وضعف بأن تفسير البعث بالتخلية وعدم المنع خلاف الظاهر، على أن الدليل الكلي العقلي قد دل على وجوب انتهاء الكل إليه.

ولما حكى عنهم أنهم حين عصوا سلط عليهم أعداءهم مهد قاعدة كلية في الإحسان والإساءة قائلاً ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ﴾ لم يقل فعليها أو فإليها للتقابل، مع أن حروف الإضافة بعضها يقوم مقام البعض.

قال أهل الإشارة: إنه أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة ففيه دليل على أن جانب الرحمة أغلب ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب المرة ﴿ الآخرة ﴾ بعثناهم حذف جواب "إذاً" لدلالة ذكره أولاً عليه.

ومعنى ﴿ ليسوؤا وجوهكم ﴾ ليجعلها الله، أو الوعد، أو البعث، أو ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ﴿ وليتبروا ما علوا ﴾ ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون "ما" بمعنى المدة أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل.

وقوله: ﴿ تتبيراً ﴾ ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر.

وروى أن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء وذلك أول الفسادين، فسلط الله عليهم بختنصر أو سنجاريب وجنوده أو جالوت.

عن ابن عباس: قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وسبوا منهم سبعين ألفاً وبقوا في الذل إلى أن قيض الله ملكاً آخر من أهل بابل وتزوج بامرأة من بني إسرائيل وطلبت من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهمالأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه، ثم أقدموا على قتل زكريا ويحيى عليهما السلام وقصدوا قتل عيسى ابن مريم  ، وهذا ثاني الإفسادين فانتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له قسطنطين الملك.

وقال صاحب الكشاف: المرة الأولى قتل زكريا وحبس أرميا، والآخرة قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى.

واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام، والمقصود الأصلي الذي دل عليه القرآن هو أنهم كلما عصوا وأفسدوا سلط الله عليهم أعداءهم.

وفيه تحذير للعقلاء من مخالفة أوامر الله ونواهيه، ثم قال: ﴿ عسى ربكم ﴾ يا بني إسرائيل ﴿ أن يرحمكم ﴾ بعد إنتقامه منكم في المرة الثانية ﴿ وإن عدتم ﴾ للثالثة ﴿ عدنا ﴾ لها.

قال أهل السير: ثم إنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي.

وهو تكذيب محمد وكتمان ما ورد من نعته في التوراة والإنجيل.

فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والإجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا حشمة لهم ولا عزة فيهم إلى يوم القيامة، وأما بعد ذلك فهو قوله ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ أي محبساً حاصراً ومحصوراً لا يتخلصون منه أبداً.

وعن الحسن: بساطاً كما يبسط الحصير المنسوج.

ثم لما شرح فعله في حق عباده المخلصين كمحمد  وموسى  وفي حق عبيدة العاصين كأكثر بني إسرائيل، وكان في ذلك تنبيه على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته تقتضي كل شر وغرامة، عظم شأن القرآن المبين للأحكام الهادي للأنام فقال: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي ﴾ أي للحالة أو الشريعة أو الطريقة التي ﴿ هي أقوام ﴾ وفي حذف الموصوف فخلفه بعرفها أهل البلاغة لعموم الاعتبار وذهاب الوهم كل مذهب.

قيل: هذا الشيء أقوم من ذلك.

إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة، ثم يكون للأول على الآخر.

وكيف يتصور في غير هذا الدين شيء من الاستقامة حتى يستقيم هذا التفضيل؟

وأجيب بأن "أفعل" ههنا بمعنى الفاعل كقولنا "الله أكبر" هو الكبير.

وكقولهم "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" أي عادلا بني مروان.

ويمكن أن يقال: لا شيء من الأديان إلا وفيه نوع من الاستقامة كالاعتراف بالله الواجب بالذات، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء.

ثم إن كون القرآن هادياً إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر الكبير لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم، وأنت خبير بأن لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير للبشرة فكأنه قيل: ويخبر الذي لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذاباً.

ويجوز أن يبشر المؤمنين ببشارتين: إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم.

قال في الكشاف: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟

وأجاب على أصول الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك.

قلت: هذا الجواب منه عجيب، فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجوداً في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام، على أن ذكر الفساق من الأمة في القرآن المكي والمدني موجودة قال  : ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد  ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم  ﴾ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم  ﴾ .

وإذا كان ذكرهم في القرآن وارداً وأنه تعلى يعدد ههنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ذكر هذا الوصف من ههنا.

والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان والله أعلم.

قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة.

والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا إيمان، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا: لن تمسنا النار إلاَّ أياماً.

واعلم أنه  قال ههنا: ﴿ أجراً كبيراً ﴾ وفي أول الكهف ﴿ أجراً حسناً  ﴾ ، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة.

ولما بين أن القرآن كافٍ في الهداية ذكر أن الإنسان قد يعدل عن التمسك بأحكامه فقال: ﴿ ويدع الإنسان ﴾ أي جنس الكافر.

وقد ذكر جمع من المفسرين أنه النضر بن الحرث دعا ﴿ اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك  ﴾ ، الآية فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته صبراً.

وكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله، وآخرون متى هذا الوعد جهلاً منهم واعتقاداً أن محمداً  كاذب.

وقيل: المراد أنه يدعو الله عند غضبه وضجره فيلعن نفسه وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك.

ويروى أنه  دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له: مالك تئن؟

فشكا ألم القد فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب.

فلما أصبح النبي  دعا به فأعلم بشأنه فقال  : اللَّهم اقطع يديها فرفعت سودة يديه تتوقع الإجابة وأن يقطع الله يديها قال النبي  : إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها.

﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ يستعجل بالعذاب مع أنه آتيه أو يتسرع إلى طلبه كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله معتقداً أن خيره فيه وإن كان ذلك عند التأمل مضراً له.

وقيل: أراد بهذا الإنسان آدم، وذلك أنه لما انتهى الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى فذهب لينهض فلم يقدر.

وليس هذا القول بالحقيقة مغايراً للأول لأن أصل الآدمي إذا كان كذلك كان كل فرد منه متصفاً به لا محالة.

قال أهل النظم: لما ذكر نعمة الدين وهو القرآن أردفها بنعمة الدنيا فقال: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴾ وفيه أن القرآن لا يتم المقصود منه إلا بنوعية المحكم والمتشابه، فكذا الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بجزئيه الليل والنهار.

فالمحكم كالنهار في وضوحه، والمتشابه بمنزلة الليل في خفائه.

وبوجه آخر لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب الزمان.

وبوجه آخر لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك فينتقل الهواء من الإنارة إلى الظلام وبالعكس، وينتقل القمر من النقصان إلى الامتلاء وبالضد.

﴿ فمحونا آية الليل ﴾ هي من إضافة الشيء إلى نفسه للبيان كقولك "نفس الشيء أو ذاته" أي فمحونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموساً مظلماً لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ﴿ وجعلنا ﴾ الآية.

التي هي ﴿ النهار مبصرة ﴾ ذات إيصار وذلك باعتبار من فيها أي تبصر فيها الأشياء وتستبان، أو أريد بالإبصار الإضاءة لأنها سببه.

وقيل: المضاف محذوف والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ لتتواصلوا ببياض النهار أو بشعاع الشمس المستلزم للنهار إلى التصرف في وجوه معايشكم.

﴿ ولتعلموا ﴾ باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه ﴿ عدد السنن ﴾ الشمسية أو القمرية المركبة من الشهور ﴿ و ﴾ لتعلموا جنس ﴿ الحساب ﴾ المبني على الساعات والأيام والشهور والسنين والأدوار.

وقيل: أراد بمحو القمر الكلف الذي هو وجهه.

وسببه في الشرع ما روي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله  جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فأذهب عنه أثر الضياء.

وسببه عند الفلاسفة أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء كارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوءاً من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان.

ونحن قد ذكرنا له وجهاً آخر في الهيئة، قال أهل التجارب: إن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه لا سيما في أحوال البحار والبحارين على ما يذكره الأطباء، إلا أن الكلف ليس له مدخل في ابتغاء فضل الله وفي معرفة الحسابات تفصيلاً.

نعم لو قيل: إن الكلف نقص من نور القمر حتى لم يقو على إزالة ظلام الليل بالكلية فبقي في وقت السكون والراحة بحالة ووقت التردد في طلب المعاش بحالة، وصار تعاقب الليل والنهار سبباً لمعرفة الأيام وما يتركب منها كان متجهاً.

ثم قال: ﴿ وكل شيء ﴾ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ﴿ فصلناه تفصيلاً ﴾ بيناه بياناً غير ملتبس حتى انزاحت العلل وزالت الأعذار فلا يهلك من يهلك إلا عن بينة فلذلك قال: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ أي عمله ﴿ في عنقه ﴾ وبوجه آخر لما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل لابتغاء المعاش وللدعة والراحة ولمعرفة المواقيت، وكان الغرض الأصلي من الكل هو الاشتغال بخدمة المعبود وتهذيب الأفعال وإصلاح الأقوال، ذكر أن الإنسان مؤاخذ في عرصة القيامة بأقواله وأفعاله وسائر أحواله ليظهر أنه هل أتى بما هو المقصود من خلقه أم لا.

قال أكثر أهل اللغة: إن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال اعتبروا أحوال الطائر أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً أو صاعداً في الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على ما يسوقهم عملهم إليه من خير أو شر، فإطلاق الطائر على العمل تسمية للنبي باسم لازمه.

وقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ ويقال له البخت.

فالطائر ما وقع للشخص في الأزل مما هو نصيبه من العقل والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة كأنه طائر يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيراناً لا نهاية له ولا غاية إلا إن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص وفي هذا دليل على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، والكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية.

وإنه  أكد هذا المعنى بإضافة الإلزام على نفسه ثم بقوله: ﴿ في عنقه ﴾ .

يقال: جعلت هذا الأمر في عنقك أي قلدتكه والزمتك الاحتفاظ به.

فإن كان خيراً يزينه كان كالطوق، وإن كان شراً يشينه كان كالغل.

ومن أمثال العرب "تقلدها طوق الحمامة" ﴿ ونخرج له ﴾ من قرأ بالنون فظاهر.

وقوله: ﴿ يلقاه منشوراً ﴾ صفتان للكتاب أو ﴿ يلقاه ﴾ صفة ﴿ منشوراً ﴾ حال من مفعول يلقاه.

ومن قرأ بالياء مجهولاً أو لازماً فالضمير للطائر ﴿ وكتاباً ﴾ حال منه، يقال: لقيت الشيء ولقانيه غيري.

عن الحسن: يا ابن آدم بسطت الصحيفة وطويت في قبرك معك، ثم إذا بعثت قلدتها في عنقك ﴿ اقرأ كتابك ﴾ على إضمار القول.

قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئاً و ﴿ وبنفسك ﴾ فاعل كفى و ﴿ حسيباً ﴾ تمييز بمعنى حاسب وإنه كثير من فعل بالضم كقريب وبعيد، ولكنه من فعل بالفتح غريب، منه ما قال سيبويه: ضريب القداح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم.

"وعلى" متعلق بحسيب من قولك حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي ثم وضع.

موضع الشهيد فعدي بعلى لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.

وذكر حسيباً بمعنى رجلاً حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد، والغالب أن الشهادة يتولاها الرجال كالقضاء والإمارة والنفس مؤوّل بالشخص، أو حمل "فعيل" بمعنى "فاعل" على "فعيل" بمعنى "مفعول" كقتيل، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب.

قال الحسن: عدل الله في حقك من جعلك حسيب نفسك.

وقال السدي: يقول الكافر يومئذٍ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ وروي أن يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفته وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال الله  له: فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره ويصير من الذين قال الله في حقهم ﴿ وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة  ﴾ قال الحكيم: التكرار يوجب تقرير الآثار، فكل عمل يصدر من الإنسان خيراً أو شراً فإنه يحصل منه في جوهر روحه أثر مخصوص إلا أن ذلك الأثر يخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواس والقوى، فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لأن النفس كأنها كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس نقش كل شيء عمله في مدة عمره، وهذا معنى الكتابة والقرآءة بحسب العقل، وإنه لا ينافي ما ورد في النقل.

ثم بين أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده مختص بفاعله لا يتعدى منه إلى غيره فقال: ﴿ من اهتدى ﴾ إلى قوله: ﴿ وزر أخرى ﴾ .

قال الجبائي: فيها دلالة على أن الأطفال لا يعذبون بكفر آبائهم، وأن الوزر والإثم ليس من فعل الله وإلا لم يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره بل كان يجب أن لا وزر أصلاً لأن الصبي لا يوصف بالوزر لأنه غير مختار.

وجواب الأشاعرة أن الوزر مختص بأفعال المكلفين من الثقلين، وقدَحَت عائشة بذلك في صحة ما رواه ابن عمر "إنَّ الميت ليعذب ببكاء أهله" واستدل به جماعة من الفقهاء في الامتناع من ضرب الدية على العاقلة.

ويمكن أن يجاب بأنه ما من عام إلا وقد خصص.

أما قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ فقد استدل به الأشاعرة في أن وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع لأن الوجوب لا تتقرر ما هيته إلا بترتيب العقاب على الترك ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية.

أجاب الخصم بأنه لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي لأن النبي إذا جاء وادعى المعجزة فهل يجب على المستمع قبول قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب، والثاني باطل بالاتفاق، وعلى الأوّل إن وجب بالعقل فهو المدعي، وإن وجب بالشرع فذلك الشارع إن كان ذلك النبي لزم إثبات الشيء، وإن كان غيره دار أو تسلسل.

وبوجه آخر إذا أوجب النبي بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى لذلك إلا ترتب العقاب على الترك أو الفعل.

ثم إنه يجب على المكلف أن يحترز عن العقاب أو لا يجب لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق، وعلى الأول يلزم الوجوب العقلي وإلا لزم الدور أو التسلسل.

ثم إن مذهب أهل السنة جواز العفو عن عقاب الكبيرة فتكون ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، ولا ذم مع جواز العفو فلم يبق إلا أن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، ولا يكون هذا الخوف إلا بمحض العقل فثبت أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه.

فأما أن تجري الآية على ظاهرها يقال: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الرسل ومجيء الأنبياء كالتنبيه على النظر وكالإيقاظ من رقدة الغفلة والحجة وإن كانت لازمة لهم قبل بعثة الرسل إلا أنها بعد البعثة ألزم.

وإما أن يخصص عموم الآية فيقال: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع.

ومما ارتضاه الإمام فخر الدين الرازي أن مجرد العقل سبب في أنه يجب عليها فعل ما ينتفع به وترك ما يستضر به، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله شيء وذلك أنا مجبولين على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، والله  منزه عن ذلك.

ولقائل أن يقول: إنه  منزه عن الانتفاع والاستضرار إلا أنه حكيم جواد فلم لا يقبح من الحكيم الجواد ترك ما ينتفع به غيره وفعل ما يستضر به، وإذا قبح منه ذلك حسن منه ضده، والحكيم لا يترك الأحسن.

فصدور ذلك الأحسن منه ألبته هو الذي لك أن تسميه وجوباً كما وصف به نفسه في قوله: ﴿ كان على ربك حتماً مقضياً  ﴾ ولكم من آية في القرآن دالة على أن الفعل قد يصدر منه صدوراً لا يحتمل النقيض من ذلك قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ﴾ .

وللمفسرين في معنى ﴿ أمرنا ﴾ قولان: الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي وعلى هذا اختلفوا في المأمور به، فالأكثرون على أن الطاعة والخير.

وقال في الكشاف: معناه وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم بالفسق ففسقوا.

ولما كان من أصول الاعتزال أنه  لا يأمر بالفحشاء ذكر أن الأمر بالفسق ههنا مجاز، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صباً فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكان إيتاء النعمة سبباً لإيثارهم الفسوق على الائتمار فكأنهم مأمورون بذلك.

ثم إنه جعل تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا عن قبيل التكاليف بعلم الغيب، ولم يجوّز أن تكون من قبيل "أمرته فعصاني" فإنه يفهم منه أن المأمور به طاعته ولكنه حكم بأنه مثل أمرته فقام أو أمرته فقرأ فإنه لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة.

ولقائل أن يقول: كما أن قوله "أمرته فعصاني" يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية منحيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله: "أمرته ففسق" يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به كما أن كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها، وهذا ظاهر فلا أدري لم أصرّ جار الله على قوله مع ضعفه ومخالفته أصله.

القول الثاني إن معنى: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ أكثرنا فساقها.

قال الواحدي: تقول العرب: أمر القوم.

إذا كثروا، وأمرهم الله إذا كثرهم، وآمرهم أيضاً بالمد واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله  "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة" فالسكة النخيل المصطفة، والمهرة المأمورة كثيرة النتاج.

وقد حمل بعضهم الحديث على الأمر ضد النهي أي قال الله لها: كوني كثيرة النسل فكانت، "وروي أن رجلاً من المشركين قال لرسول الله  : إني أرى أمرك هذا حقيراً.

فقال  : إنه سيأمر" أي سيكثر وسيكبر.

والمترف في اللغة المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش: ﴿ ففسقوا فيها ﴾ خرجوا عما أمرهم الله ﴿ فحق عليها القول ﴾ استوجبت العذاب ﴿ فدمرناها تدميراً ﴾ أهلكناها على سبيل الاستئصال.

قال الأشاعرة: ظاهرة الآية يدل على أنه  أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق ويؤيده قوله: ﴿ فحق عليها القول ﴾ أي بالكفر ثم التعذيب.

وقال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه  لا يبتدىء بالتعذيب كقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ وقوله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ فتلك الآيات محكمة وهذه المتشابهات فيجب حمل هذه على تلك.

قال في التفسير الكبير: أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية القفال فإنه ذكر وجهين: الأول أخبر الله أنه لا يعذب أحداً بما علمه منه ما لم يعمل به أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره حتى يظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه ومعنى الآية وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم.

الثاني أن نقول: وإذا أردنا إهلاك قوم بسبب ظهور العصيان منهم لم نعالجهم بالعذاب في أوّل ظهور المعصية منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي.

وخص المترفين بذلك لأن نعمة الله عليهم أكثر فكان الشكر عليهم أوجب، فإذا لم يرجعوا وأصروا صب عليهم البلاء صباً.

وزعم الجبائي أن المراد بالإرادة الدنو والمشارفة كقولك إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، وإذا أراد التاجر يريد ان يفتقر أتاه الخسران من كل جهة.

ليس المعنى أن المريض يريد أن يموت والتاجر يريد أن يفتقر، وإنما عنيت أنه سيصير إلى ذلك، فمعنى الآية وإذا قرب وقت إهلاك قرية.

وقد نقلنا مثله عن صاحب الكشاف، ولا يخفى أنه عدول عن الظاهر.

ثم ذكر عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ فـ ﴿ كم ﴾ مفعول ﴿ أهلكنا ﴾ و ﴿ من القرون ﴾ بيان لكم وتمييز له أراد بهم عاداً وثمود ونحوهما.

ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة قائلاً ﴿ وكفى بربك ﴾ الآية.

قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك "كفاك به" "وأكرم به رجلاً" "وطاب بطعامك طعاماً" ولا يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك.

وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وإنذار شديد لغيرهم لأن العلم التام مع القدرة الكاملة والحكمة الشاملة يقتضيإيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه.

ثم أكد المعاني المذكورة من قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ ومن قوله: ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ بقوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ أي المنفعة أو الدار العاجلة ﴿ عجلنا له فيها ﴾ ثم قيد المعجل بقيدين: أحدهما قوله: ﴿ ما نشاء ﴾ ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه.

وثانيهما قوله: ﴿ لمن نريد ﴾ وهو بدل من ﴿ له ﴾ بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى "من" وهو للمعلوم، ولهذا ترى كثيراً منهم يتمنون البعض اليسير من الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله: ﴿ ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ﴾ مطروداً من رحمة الله.

﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ بأن يعقد بها همته ويتجافى عن دار الغرور ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ أي حق السعي لأجلها وذلك أن يكون العمل الذي يتوسل به إلى الفوز بثواب الآخرة من جملة القرب والطاعات وعلى قوانين الشرع والعقل لا البدعة والهوى ﴿ وهو مؤمن ﴾ لأن شيئاً من صور الأعمال الصالحة لا يوجب الثواب إلا بعد تقديم الإيمان ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ قال العلماء: الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عند ذلك الشاكر.

والله   ، يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة لأنه يعلم كونهم محسنين في تلك الأعمال وأنه يثنى عليهم بكلامه ويعاملهم المعاملات الدالة على كونهم معظمين عند الله.

وفي قوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ دون أن يقول: "من أراد العاجلة" كما قال: ﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ إشارة إلى أن مريد نفع الدنيا لا يكون مذموماً إلا إذا كان غالباً في ذلك ثابت القدم فسيح الأمل، ومريد الآخرة يكون محموداً بأدنى التفاتة بعد وجود الشرط.

قالت الأشاعرة: إن مجموع القدرة مع الداعي هو الموجب للفعل ونحن نشكر الله على الإيمان لأنه أعطى القدرة والداعية، ولكنه حين حصل الإيمان للعبد واستتبع السعادات الباقية صار العبد أيضاً مشكوراً، ولا منافاة بين الأمرين.

وقالت المعتزلة: نحن لا نشكر الله على الإيمان لأن المدح على عمل لم يعمله الممدوح قبيح.

قال  : ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ ولكنا نشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل.

واعلم أنه  ذكر صنفين من الناس: قاصد خيرات الدنيا وقاصد خيرات الآخرة.

وههنا ثلاثة أقسام أخر: الأوّل أن يكون طلب الآخرة في عمله راجحاً فقيل إنه غير مقبول أيضاً لما روي أن النبي  قال حكاية عن رب العزة: "أنا أغنى الأغنياء عن الشكر من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه" وقيل: يعارض المثل بالمثل ويبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فيقع في حيز القبول.

الثاني أن يكون طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين.

الثالث أن يكون طلب الدنيا راجحاً.

واتفقوا على أن هذين القسمين أيضاً لا يقبلان إلا أنهما على كل حال خير من الرياء المحض.

ثم بين كمال رأفته وشمول رحمته فقال: ﴿ كلا ﴾ أي كل واحد من الفريقين ﴿ نمد ﴾ أي نزيدهم من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع بالمعصية.

وقوله: ﴿ هؤلاء وهؤلاء ﴾ بدل من كل و ﴿ من عطاء ربك ﴾ متعلق بــ ﴿ نمد ﴾ ﴿ وما كان عطاء ربك محظوراً ﴾ ممنوعاً من المكلف بسبب عصيانه ﴿ أنظر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية النظر والاعتبار إلى عطائنا المباح للفريقين في الدنيا ﴿ كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر وقبضناه عن كافر آخر ليكون بعضهم تحت تسخير بعض.

﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا.

وقيل: المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين.

وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟!.

التأويل: نزه نفسه بقوله: ﴿ سبحان ﴾ عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه.

فقوله: ﴿ أسرى ﴾ إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله ﴿ بعبده ﴾ إشارة إلى مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ رمز إلى أن ذلك الجذب كاد يكون خفياً عن المجذوب إذا كان ذاهلاً عن أنانيته.

وقوله: ﴿ من المسجد الحرام ﴾ هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله.

﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو مقام الفناء في الله ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ بالبقاء بالله ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ التي لم تسمع إذن ولا أبصرت عين ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ فلا يصل أحد إليه إلا إذا سمع به وأبصر به.

هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه الآية فإن كان صواباً فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان ﴿ فجاسوا خلال الديار ﴾ الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس ﴿ وأمددناكم بأموال ﴾ الطاعات ﴿ وبنين ﴾ الإيمان والإيقان ﴿ وإذا جاء وعد الآخرة ﴾ حين ارتد عن الطريقة ﴿ ليسوؤا ﴾ وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم ﴿ وإن عدتم ﴾ إلى الجهل ﴿ عدنا ﴾ إلى الفضل، أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات ﴿ وجعلنا ليل ﴾ البشرية ونهار الروحانية ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات.

﴿ ولتعلموا ﴾ أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه السالك بيناه بالإشارات ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك يحوّل وجه الى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوّله إلى الآخرة حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ .

معنى: التأنيث في قوله ﴿ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ قيل بوجوه: قيل: إن هذا القرآن يهدي للملة التي هي أقوم الملل وأعدلها، والملة هي الدين، دين الله.

وقال بعضهم: يهدي إلى الأمور التي هي أعدل الأمور وأصوبها.

وقيل: يهدي إلى السبيل التي هي أقوم السبل وأعدلها.

يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ ، أي: للأعمال الصالحات وللخيرات، لأن الأعمال الصالحات قوامها به.

ثمّ قوله: ﴿ يَِهْدِي ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: يبين، والثاني: يدعو؛ فهو يهدي الكل لو استهدوا، لكن خص هؤلاء لما منفعة تكون لمن ذكر، وقد ذكرنا أن هذا القرآن وغيره من كتب الله هدى ورحمة يدعو إلى ثلاث خصال: إلى معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال ومصالحها.

وينهى عن مساوي الأعمال، وداني الأمور، وسوء الأخلاق ودناءتها؛ فهو هدى ورحمة على ما أخبر لمن استهدى به، ورشد لمن استرشد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ .

البشارة المطلقة إنما جعلت للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، لم يذكر للمؤمنين خاصّة على غير العمل الصالح؛ فالمسألة فيهم غير المسألة في هؤلاء.

وفيه دلالة أنه يقع اسم المؤمنين بدون العمل الصالح؛ لأنه قال: ﴿ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ؛ دلّ أن ذلك الاسم يقع بدون ذلك الاسم.

وفيه دلالة أن اسم الإيمان قد يستحق بدون العمل الصالح؛ حيث يشرط فيه العمل الصالح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ﴾ .

سماه كبيراً؛ لكبير خطره عند الله، كما سمى عذاب النار عظيماً؛ لعظم خطره عنده، أو سماه كبيراً؛ لأنه أكبر ما يقصد إليه ويرغب فيه، وهو ثواب الجنة، والنار أعظم ما يحذر بها ويرهب عنها.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

إنكارهم البعث، وكفرهم به - هو الذي حملهم على تكذيبهم الرسل وكفرهم بالله، ليسلم لهم شهواتهم في الدنيا؛ لأن الرسل جميعاً دعوهم إلى ترك شهواتهم في الدنيا، ورغبوهم بما يوجب لهم الثواب في الآخرة وحذروهم عما يوجب العقاب، فأنكروا الآخرة والبعث رأساً ليسلم لهم الدنيا فذلك الذي حملهم على إنكار الرسل وتكذيبهم إياهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ أي: بالقرآن أو بمحمدّ، إيمانهم بالبعث حملهم على الإيمان بالقرآن والرسول، وتكذيبهم الآخرة حملهم على تكذيب الرسل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ ﴾ .

قال بعضهم: إذا غضب الإنسان يدعو على نفسه وولده وأهله، ويلعن، كدعائه عليهم بالخير؛ لذلك انتصب قوله: ﴿ دُعَآءَهُ ﴾ .

وقال الحسن: إن الإنسان يتضايق صدره وقلبه بأدنى شيء يكره؛ فيلعن على نفسه وأهله؛ فلا يجيبه الله، ثم يدعو بالخير؛ فيعطيه، أو نحوه من الكلام.

وقوله: ﴿ وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ويدعو الإنسان بالشرّ على العلم منه بذلك كدعائه بالخير على العلم منه بذلك.

والثاني: يدعو الإنسان بالشر لو أجيب فيه على الجهل منه والغفلة، كدعائه بالخير لو أجيب في ذلك.

ثم إن كان ذلك الإنسان هو الكافر فهو يدعو على الاستهزاء؛ كقوله: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ الآية [الأنفال: 32]، وكذلك قوله: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ  ﴾ ، ونحوه.

وإن كان مسلماً فهو يدعو بالشر على نفسه وأهله عند الغضب على علم منه به، ويدعو أيضاً بالشرّ على السهو والغفلة منه، نحو ما يسأل الأموال والنكاح، ولعل ذلك شرّ له.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾ .

قال بعضهم: هذا لازم؛ لأنه لما خلقه الله فنفخ الروح في بعض جسده - همّ أن يقوم؛ فسمّاه عجولاً، لكن كل الإنسان خلق في الطبع من الأصل عجولاً؛ ألا ترى أنه لا يصبر على أمر واحد ولا على شيء واحد، وإن كان نعمة لم يصبر عليها؛ ولكن يمل عنها؟!

وكذلك في أدنى شدّة وبلاء إذا بلي به لم يصبر عليه، فأبداً يريد الانتقال من حال إلى حال؛ ألا ترى أن قوم موسى قد أكرمهم الله بكرامات: من إنزال المنّ والسلوى عليهم من غير كد ولا جهد ولا مؤنة، وكذلك اللباس؛ ثم لم يصبروا على ذلك حتى قالوا: ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ  ﴾ فسألوا ربهم - الفوم، والبصل، ونحوه؟!

على هذا طبع الإنسان ملولاً عجولاً؛ ألا ترى أن الله مكن في باطنه، وجعل في سعة رياضة نفسه، وصرفها إلى أحد الوجهين اللذين يجهد عليه ولا يذم، وهو أن يروضها ويعودها على الصبر والحكم والوقار، ويصرف تلك العجلة إلى الخيرات والطاعات التي يحمد عليها المرء بالعجلة، وإلا: ففي ظاهر الخلقة والطبع منشأ على العجلة وما ذكر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً  وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً  ﴾ إلا كذا، وهو ما ذكرنا - والله أعلم - لكن بما امتحنه من الأمر والنهي والترغيب في الموعود والترهيب صيره بحيث يملك إخراجه عما طبع وأنشئ إلى حال أخرى بالرياضة التي ذكرنا؛ ألا ترى أنه ذكر الهلع والجزع، ثم استثنى إلا كذا؟!

وعلى ذلك خلق الله الخلق على همم مختلفة وأطوار متشتتة، لم يخلقهم جميعاً على همة واحدة، بحيث يرغبون جميعاً في معالي الأمور ومعاظم الحِرَف وأرفع الأسماء؛ بل طبعهم على أطباع مختلفة: فمنهم من يرغب في معالي الأمور ومعاظم الأمور والحرف، ومنهم من كانت همته الرغبة في الدون من الأمور والحرف في الحجامة والدباغة والحياكة ونحوها، وكذلك في الأسماء، [ومنهم بخلاف ذلك]، ولو كانت همتهم همة واحدة - لذهب المنافع والمعارف جميعاً، والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: المراد بالليل والنهار: الشمس والقمر، أي: جعلنا في الشمس والقمر؛ ألا ترى أنه أضاف الآية إلى الليل والنهار حيث قال: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ ، وحيث قال - أيضاً -: و ﴿ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ  ﴾ ، وإنما يعلم ذلك بالقمر؛ ألا ترى أنه قال - أيضاً -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً...

﴾ الآية [يونس: 5]، إنما أضاف معرفة عدد السنين والحساب إلى القمر؛ دلّ أنه بالقمر يعلم ذلك، وهو قول علي وابن عبّاس -  م - وغيرهم من أهل التأويل؛ ويكون تأويل المحو الذي ذكر في قوله: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ ﴾ - ما قالوا في محوه، وهو السواد الذي يرى فيه والنقصان الذي يكون فيه في آخره.

وقال بعضهم: محي منه تسعة وستون جزءاً من سبعين جزءاً، إلى هذا يذهب هؤلاء.

وأما الحسن وأبو بكر وهؤلاء، فهم يقولون: ليس في الآية ذكر الشمس والقمر، إنما ذكر الليل والنهار وأخبر أنه جعل آيتين؛ فهما كذلك آيتان، وبهما يعلم عدد السنين والحساب؛ لأنه بالأيام يعرف ذلك، فأمّا الشهور فإنه إنما تعرف بالقمر لا تعرف بالأيام؛ ويكون قول تأويل: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ ، أي: جعلنا آية الليل في الابتداء ممحوة مظلمة، وجعلنا آية النهار مبصرة مضيئة في الابتداء ليس أن كانا جميعاً مبصرتين مضيئتين ثم مُحِي آية الليل وأبقيت آية النهار مضيئة؛ ولكن إنشاء آية الليل في الابتداء [مظلمة، وإنشاء آية النهار في الابتداء] مبصرة، وهو كقوله: ﴿ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ  وَإِلَىٰ ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ  ﴾ ، أي: إنشاؤها في الابتداء كذلك، لا أن السماء كانت موضوعة فرفعها، و[لا] كذلك الجبال [كانت] مبسوطة ثمّ نصبها؛ ولكن إنشاءهما في الابتداء كذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ ، أي: جعلهما في الابتداء: هذا مظلماً ممحوّاً، وهذا مبصراً مضيئاً.

﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ﴾ : هما آيتان مختلفتان، بل متضادتان تضاد كل واحدة منهما صاحبتها؛ إذ كل واحدة تنسخ الأخرى حتى لا يبقى لها أثر، وهما آيتان دالتان على وحدانية الله  ؛ لأنه لو كانا فِعْلَ عدد - لكان إذا أتى هذا على هذا وغلب عليه - منع من أن يكون للآخر سلطان أو أمر؛ فإذ لم يكن دلّ أنه صنعُ واحدٍ، وفيهما دلالة تدبيره؛ حيث جريا على سَنَنٍ واحد ومقدار واحد، على غير تفاوت يكون فيهما وتفاضل، أو تغير على ما كان ومضى؛ دل أنه عن تدبير خرجا وكانا كذلك.

وفيه دلالة علمه وحكمته لما جعل فيهما من المنافع ما لو كان اللّيل سرمداً ذهب منفعة الليل نفسه، ولو كان النهار سرمداً لذهب منفعة النهار رأساً.

وفيه دلالة البعث؛ لأنه يتلف أحدهما إذا جاء الآخر حتى لا يبقى [له] أثر بتة، ثم يعيده على ما كان من غير أن يعلم أنه غير الأوّل.

ثم قول ﴿ آيَتَيْنِ ﴾ ، والآية علامة، وعلامتهما لا تعرف إلا بالتأمل والنظر فيهما؛ فعلى ذلك [لا يفهم] مراد ما في القرآن والمعنى المودع فيه - إلا بالتأمّل والنظر فيه.

وفيهما دلالة نقض قول أصحاب الطبائع وأصحاب النجوم والدهرية وجميع الملاحدة: أمّا نقض قول أصحاب الطبائع: لما ذكرنا من اتساق مجراها على سنن واحد وأمر واحد، دلّ أنه بالتدبير صار كذلك لا بالطبع.

وأمّا نقض قول أصحاب النجوم [لما جعل النجوم] مسخرة لمنافع الخلق ومغلوبة يغلبها ضوء الشمس ونور القمر حتى لا ترى؛ دلّ أنه لا تدبير لها وأن التدبير لغيرها.

وعلى غيرهم من الملاحدة ما ذكرنا من اتصال منافع هذا بهذا ومنافع هذا بهذا، دلّ أنه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

يحتمل الفضل الذي ذكر: الرزق والمعاش الذي ذكر في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً  ﴾ ، ويحتمل أنواع فضل تكون في الدّين.

﴿ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه بهما يعرف [عدد السنين والحساب].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾ .

يحتمل التفصيل تفصيل آية من أخرى، أي: لم يجعلهما آية واحدة؛ على ما ذكر.

وقال الحسن: أي فصل بين ما أمر عباده ونهاهم، أي: بين وفصل ما يؤتى ممّا يُتَّقَى، و ﴿ فَصَّلْنَاهُ ﴾ : أي: فصله تفصيلاً لم يتركه مبهماً؛ بل بين غاية البيان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ طَآئِرَهُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ طَآئِرَهُ ﴾ : شقاوته وسعادته، ورزقه وعيشه.

وقال بعضهم: عمله الذي عمل من خير أو شر.

وقال بعضهم: حظه ونصيبه من عمله، وهو جزاؤه ونحو ذلك، فذلك كله يرجع إلى معنى واحد؛ لأنه إنما يسعد ويشقى بعمله الذي يعمله، وكذلك جزاء عمله؛ ولذلك قال الحسن في تأويل قوله: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ \[المؤمنون: 106\]، أي: بأعمالنا التي عملناها، ثم يخرج تسمية العمل وما ذكروا طائراً؛ لوجهين: أحدهما: على وجه التفاؤل والطيرة؛ كانوا يتفاءلون ويتطيرون بأشياء: بالطائر وغيره، ويقولون جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له بكذا من الشر؛ على طريق الفأل والطيرة؛ فخاطبهم على ما يستعملون، وأخبر أن ذلك يلزم أعناقهم، وهو ما قال الله -  -: ﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ  ﴾ ، وقوله - أيضاً -: ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ...

﴾ الآية [النمل: 47]، ونحوه.

والثاني: سمى الأعمال التي عملوها طائراً؛ لما أن الذي يتولّد منه تلك الأعمال كالطائر، وهو الهمة، أو لا يخطر بباله شيء؛ ففي الأخطار لا صنع له فيه، ثم يهمُّ، ثم تبعث الهمّة على الإرادة، ثم الإرادة تبعث على الطلب والعمل، فالهمة التي في النفس التي يتولد منها الأعمال كالطائر؛ فسماه لذلك باسمه، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فِي عُنُقِهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون العنق كناية عن النفس، أي: ألزمناه نفسه، وذلك جائز؛ يقال: هذا لك عليّ وفي عنقي.

والثاني: ذكر العنق؛ كما يقول الرجل لآخر إذا أراد التخلص من عمل: قلّدتك هذا العمل وجعلته في عنقك، أي: تكون أنت المأخوذ به إثماً إن كان في ذلك شر، وأنت المأجور به المثاب إن كان فيه خير.

والمعنى في قوله: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ ، أي: لا يؤخذ غيره بعمله وشقائه؛ ولكن هو المأخوذ به، وهو ما قال: ﴿ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  ﴾ ؛ هذه الآيات الثلاثة معناها واحد، وهو ما ذكرنا ألا يؤخذ غيره بعمل آخر، ولا تحمل نفس خطيئة أخرى ولا وزرها، ولكن كل نفس هي تحمل خطيئة نفسها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يجعل ما لزم عنقه كتاباً يلقاه منشوراً.

والثاني: أي: يجعل بما ألزم عنقه كتاباً.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ .

قيل: شهيداً، وقيل: كافياً وحاسباً، وهو واحد: أن المؤمن بما سبق من صالحاته يقف فيها لا يقطع القول لرجائه في رحمته ولخوفه عن مساويه؛ فلا يشهد على نفسه بالعقوبة.

وأما الكفار فإنه يشهد على نفسه بالنار؛ لما لم يكن له ما يطمع رحمته.

وقوله: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ ﴾ ، أي: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ﴾ ؛ فيقال له: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ .

وفي ذلك لطف عظيم بقراءة كتابه بأي لسان كان؛ لأنه لم يبين بأي لسان يكتب، ثم يتذكر جميع ما عمل في عمره؛ وقد ينسى الرجل عملاً يعمل في أدنى مدة، لكن هذا يتذكر في ساعة ووهلة ما كان عاملاً منه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وخلقنا الليل والنهار علامتين دالتين على وحدانية الله وقدرته؛ لما فيهما من الاختلاف في الطول والقصر والحرارة والبرودة، فجعلنا الليل مظلمًا للراحة والنوم، وجعلنا النهار مضيئًا يبصر فيه الناس فيسعون لمعاشهم، رجاء أن تعلموا بتعاقبهما عدد السنين، وما تحتاجون إليه من حساب أوقات الشهور والأيام والساعات، وكل شيء بيَّناه تبيينًا لتتميز الأشياء، ويتضح المُحِقُّ من المُبْطِل.

<div class="verse-tafsir" id="91.zjvJE"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله