الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٢٤ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 205 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٤ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) أي تواضع لهما بفعلك ) وقل رب ارحمهما ) أي في كبرهما وعند وفاتهما ( كما ربياني صغيرا ) قال ابن عباس ثم أنزل الله [ تعالى : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ) [ التوبة 113 .
وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال آمين آمين آمين فقالوا يا رسول الله علام أمنت قال أتاني جبريل فقال يا محمد رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك فقل آمين فقلت : آمين ثم قال رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له قل آمين فقلت : آمين ثم قال رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قل آمين فقلت : آمين .
حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا هشيم حدثنا علي بن زيد أخبرنا زرارة بن أوفى عن مالك بن الحارث رجل منهم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول من ضم يتيما بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة البتة ومن أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار يجزى بكل عضو منه عضوا منه ثم قال حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت علي بن زيد فذكر معناه إلا أنه قال عن رجل من قومه يقال له مالك أو ابن مالك وزاد ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله .
حديث آخر وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا علي بن زيد عن زرارة بن أوفى عن مالك بن عمرو القشيري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار مكان كل عظم من عظامه محررة بعظم من عظامه ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله عز وجل ومن ضم يتيما بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة " حديث آخر وقال الإمام أحمد حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا حدثنا شعبة عن قتادة سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن أبي بن مالك القشيري قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة به وفيه زيادات أخر حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف رجل أدرك والديه أحدهما أو كلاهما عند الكبر ولم يدخل الجنة صحيح من هذا الوجه ولم يخرجه سوى مسلم من حديث أبي عوانة وجرير وسليمان بن بلال عن سهيل به .
حديث آخر وقال الإمام أحمد حدثنا ربعي بن إبراهيم قال أحمد وهو أخو إسماعيل ابن علية وكان يفضل على أخيه عن عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي !
ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان فانسلخ قبل أن يغفر له!
ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة قال ربعي لا أعلمه إلا قال أحدهما ورواه الترمذي عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن ربعي بن إبراهيم ثم قال غريب من هذا الوجه .
حديث آخر وقال الإمام أحمد حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل حدثنا أسيد بن علي عن أبيه علي بن عبيد عن أبي أسيد وهو مالك بن ربيعة الساعدي ، قال بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار فقال يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به قال : نعم خصال أربع الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو الذي بقي عليك بعد موتهما من برهما " ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن سليمان وهو ابن الغسيل به .
حديث آخر وقال الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا ابن جريج أخبرني محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه ، عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك ؟
فقال فهل لك من أم قال .
نعم فقال : الزمها فإن الجنة عند رجليها ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول ورواه النسائي وابن ماجه من حديث ابن جريج به .
حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا خلف بن الوليد حدثنا ابن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله يوصيكم بآبائكم إن الله يوصيكم بأمهاتكم إن الله يوصيكم بأمهاتكم إن الله يوصيكم بأمهاتكم إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب وقد أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عياش به .
حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا يونس حدثنا أبو عوانة عن الأشعث بن سليم عن أبيه ، عن رجل من بني يربوع قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته وهو يكلم الناس يقول يد المعطي [ العليا أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك .
حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي حدثنا عمرو بن سفيان حدثنا الحسن بن أبي جعفر عن ليث بن أبي سليم عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل أديت حقها ؟
قال لا ولا بزفرة واحدة أو كما قال ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه .
قلت والحسن بن أبي جعفر ضعيف والله أعلم
يقول تعالى ذكره: وكن لهما ذليلا رحمة منك بهما تطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن لله معصية، ولا تخالفهما فيما أحبَّا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، في قوله: ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) قال: لا تمتنع من شيء يُحبانه.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الأشجعي ، قال: سمعت هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) قال: هو أن تلين لهما حتى لا تمتنع من شيء أحبَّاه.
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) قال: لا تمتنع من شيء أحباه.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُليَة، عن عبد الله بن المختار، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) قال: هو أن لا تمتنع من شيء يريدانه.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المقرئ أبو عبد الرحمن، عن حرملة بن عمران، عن أبي الهداج، قال: قلت لسعيد بن المسيب: ما قوله ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) قال: ألم تر إلى قول العبد المذنب للسيد الفظّ الغليظ.
والذُّلّ بضم الذال والذّلَّة مصدران من الذليل، وذلك أن يتذلل، وليس بذليل في الخلقة من قول القائل: قد ذَلَلت لك أذلّ ذلة وذلا وذلك نظير القلّ والقلة، إذا أسقطت الهاء ضمت الذال من الذُّلّ، والقاف من القُلّ، وإذا أثبتت الهاء كُسِرت الذال من الذِّلة، والقاف من القِلَّة، لما قال الأعشى: وَمَا كُنْتُ قُلا قبلَ ذلكَ أزْيَبَا (3) يريد: القلة، وأما الذِّل بكسر الذال وإسقاط الهاء فإنه مصدر من الذَّلول من قولهم: دابة ذَلول: بينة الذلّ، وذلك إذا كانت لينة غير صعبة.
ومنه قول الله جلّ ثناؤه هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا يُجمع ذلك ذُلُلا كما قال جلّ ثناؤه فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا .
وكان مجاهد يتأوّل ذلك أنه لا يتوعَّر عليها مكان سلكته.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الحجاز والعراق والشام ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ ) بضمّ الذال على أنه مصدر من الذليل.
وقرأ ذلك سعيد بن جبير وعاصم الجَحْدَرِيّ: (جَناحَ الذِّلّ) بكسر الذال.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا بهز بن أسد، قال: ثنا أبو عَوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير أنه قرأ (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) قال: كن لهما ذليلا ولا تكن لهما ذلولا.
حدثنا نصر بن عليّ، قال: أخبرني عمر بن شقيق، قال: سمعت عاصما الجحدري يقرأ (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) قال: كن لهما ذليلا ولا تكن لهما ذَلولا.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عمر بن شقيق، عن عاصم، مثله.
قال أبو جعفر: وعلى هذا التأويل الذي تأوّله عاصم كان ينبغي أن تكون قراءته بضم الذال لا بكسرها وبكسرها.
حدثنا نصر وابن بشار؛ وحُدثت عن الفراء، قال: ثني هشيم، عن أبي بشر جعفر بن إياس.
عن سعيد بن جبير، أنه قرأ (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذِّلِّ) قال الفرّاء: وأخبرني الحكم بن ظهير، عن عاصم بن أبى النَّجود، أنه قرأها الذِّلّ أيضا، فسألت أبا بكر فقال: الذِّل قرأها عاصم.
وأما قوله ( وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) فإنه يقول: ادع الله لوالديك بالرحمة، وقل ربّ ارحمهما، وتعطف عليهما بمغفرتك ورحمتك، كما تعطفا عليّ في صغري، فرحماني وربياني صغيرا، حتى استقللت بنفسي، واستغنيت عنهما.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) هكذا عُلِّمتم، وبهذا أمرتم، خذوا تعليم الله وأدبه، ذُكر لنا " أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم وهو مادّ يديه رافع صوته يقول: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيهِ أوْ أحَدَهُما ثُمَّ دَخَلَ النَّارَ بَعْدَ ذلكَ فأبْعَدَهُ الله وأسْحَقَهُ".
ولكن كانوا يرون أنه من بَرّ والديه، وكان فيه أدنى تُقى، فإن ذلك مُبْلِغه جسيم الخير، وقال جماعة من أهل العلم: إن قول الله جلّ ثناؤه ( وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) منسوخ بقوله مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ .
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) ثم أنـزل الله عزّ وجلّ بعد هذا مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، قال في سورة بني إسرائيل (إمَّا يَبْلُغانّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدهُمُا أو كِلاهُما)....
إلى قوله ( وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) فنسختها الآية التي في براءة مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ...
الآية.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس ( وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا )....
الآية، قال: نسختها الآية التي في براءة مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ .
..
الآية.
وقد تحتمل هذه الآية أن تكون وإن كان ظاهرها عامًّا في كلّ الآباء بغير معنى النسخ، بأن يكون تأويلها على الخصوص، فيكون معنى الكلام: وقل ربّ ارحمهما إذا كانا مؤمنين، كما رَبياني صغيرا، فتكون مرادا بها الخصوص على ما قلنا غير منسوخ منها شيء.
وعَنَى بقوله ربياني: نَمَّياني .
------------------ الهوامش : (3) هذا عجز بيت للأعشى ميمون بن قيس ( ديوان طبع القاهرة ، بشرح الدكتور محمد حسين ص 115) من قصيدة يهجو بها عمرو بن المنذر بن عبدان ، ويعاتب بني سعد بن قيس : وصدره : "فأرضوه أن أعطوه مني ظلامة" .
وقال في (لسان العرب: زيب) الأزيب: الدعي ؛ قال الأعشى يذكر رجلا من قيس عيلان ، كان جارا لعمرو بن المنذر ، وكان اتهم هداجا قائد الأعشى بأنه سرق راحلة له ، لأنه وجد بعض لحمها في بيته ، فأخذ هداج وضرب والأعشى جالس ؛ فقام ناس منهم فأخذوا من الأعشى قيمة الراحلة ، فقال الأعشى : دَعـا رَهْطَـهُ حَـوْلِي فَجَاءُوا لِنَصْرِهِ وَنَــادَيْتُ حَــيًّ بالمُسَــانَّاهِ غُيَّبًـا فَـأَعْطَوْهُ مِنِّـيَ النِّصْفَ أَوْ ضَعْفُوا لَهُ وَمـا كُـنْتُ قُـلاّ قَبْـلَ ذَلِـكَ أَزْيَبَــا أي كنت غريبا في ذلك الموضع ، لا ناصر لي .
والنصف : النصفة .
يقول : أرضوه وأعطوه النصف أو فوقه .
والقل من الرجال الخسيس ، ومنه قول الأعشى .
أ هـ .
قوله تعالى : واخفض لهما جناح الذل من الرحمة هذه استعارة في الشفقة والرحمة بهما ، والتذلل لهما تذلل الرعية للأمير والعبيد للسادة ; كما أشار إليه سعيد بن المسيب .
وضرب خفض الجناح ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده .
والذل : هو اللين .
وقراءة الجمهور بضم الذال ، من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة فهو ذال وذليل .
وقرأ سعيد بن جبير وابن عباس وعروة بن الزبير " الذل " بكسر الذال ، ورويت عن عاصم ; من قولهم : دابة ذلول بينة الذل .
والذل في الدواب المنقاد السهل دون الصعب .
فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة ، في أقواله وسكناته ونظره ، ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب .قوله تعالى : الخطاب في هذه الآية للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به أمته ; إذ لم يكن له - عليه السلام - في ذلك الوقت أبوان .
ولم يذكر الذل في قوله - تعالى - : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وذكره هنا بحسب عظم الحق وتأكيده .
ومن في قوله : من الرحمة لبيان الجنس ، أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس ، لا بأن يكون ذلك استعمالا .
ويصح أن يكون لانتهاء الغاية .ثم أمر - تعالى - عباده بالترحم على آبائهم والدعاء لهم ، وأن ترحمهما كما رحماك وترفق بهما كما رفقا بك ; إذ ولياك صغيرا جاهلا محتاجا فآثراك [ ص: 221 ] على أنفسهما ، وأسهرا ليلهما ، وجاعا وأشبعاك ، وتعريا وكسواك ، فلا تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحد الذي كنت فيه من الصغر ، فتلي منهما ما وليا منك ، ويكون لهما حينئذ فضل التقدم .
قال - صلى الله عليه وسلم - : لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه .
وسيأتي في سورة [ مريم ] الكلام على هذا الحديث .قوله تعالى : كما ربياني خص التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية ، فيزيده ذلك إشفاقا لهما وحنانا عليهما ، وهذا كله في الأبوين المؤمنين .
وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربى ، كما تقدم .
وذكر عن ابن عباس وقتادة أن هذا كله منسوخ بقوله : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - إلى قوله - أصحاب الجحيم فإذا كان والدا المسلم ذميين استعمل معهما ما أمره الله به هاهنا ; إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر ; لأن هذا وحده نسخ بالآية المذكورة .
وقيل : ليس هذا موضع نسخ ، فهو دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيين ، كما تقدم .
أو يكون عموم هذه الآية خص بتلك ، لا رحمة الآخرة ، لا سيما وقد قيل إن قوله : وقل رب ارحمهما نزلت في سعد بن أبي وقاص ، فإنه أسلم ، فألقت أمه نفسها في الرمضاء متجردة ، فذكر ذلك لسعد فقال : لتمت ، فنزلت الآية .
وقيل : الآية خاصة في الدعاء للأبوين المسلمين .
والصواب أن ذلك عموم كما ذكرنا ، وقال ابن عباس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان من الجنة وإن واحدا فواحدا .
ومن أمسى وأصبح مسخطا لوالديه أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى النار وإن واحدا فواحدا فقال رجل : يا رسول الله ، وإن ظلماه ؟
قال : وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه .
وقد روينا بالإسناد المتصل عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إن أبي أخذ مالي .
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجل : فأتني بأبيك فنزل جبريل - عليه السلام - على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن الله - عز وجل - يقرئك السلام ويقول لك إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه فلما جاء الشيخ قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله ؟
فقال : سله يا رسول الله ، هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي !
فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إيه ، دعنا من هذا أخبرني عن شيء قلته في [ ص: 222 ] نفسك ما سمعته أذناك ؟
فقال الشيخ : والله يا رسول الله ، ما زال الله - عز وجل - يزيدنا بك يقينا ، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي .
قال : قل وأنا أسمع قال قلت :غذوتك مولودا ومنتك يافعا تعل بما أجني عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبتلسقمك إلا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذيطرقت به دوني فعيني تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنهالتعلم أن الموت وقت مؤجل فلما بلغت السن والغاية التيإليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظةكأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتيفعلت كما الجار المصاقب يفعل أوليتني حق الجوار ولم تكنعلي بمال دون مالك تبخلقال : فحينئذ أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بتلابيب ابنه وقال : ( أنت ومالك لأبيك ) .
قال الطبراني : اللخمي لا يروي - يعني هذا الحديث - عن ابن المنكدر بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد ; وتفرد به عبيد الله بن خلصة .
والله أعلم .
{ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } أي: تواضع لهما ذلا لهما ورحمة واحتسابا للأجر لا لأجل الخوف منهما أو الرجاء لما لهما، ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد.
{ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا } أي: ادع لهما بالرحمة أحياء وأمواتا، جزاء على تربيتهما إياك صغيرا.
وفهم من هذا أنه كلما ازدادت التربية ازداد الحق، وكذلك من تولى تربية الإنسان في دينه ودنياه تربية صالحة غير الأبوين فإن له على من رباه حق التربية.
( واخفض لهما جناح الذل ( أي : ألن جانبك لهما واخضع .
قال عروة بن الزبير : لن لهما حتى لا تمتنع عن شيء أحباه ( من الرحمة ( من الشفقة ( وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا ( أراد : إذا كانا مسلمين .
قال ابن عباس : هذا منسوخ بقوله : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " ( التوبة - 13 ) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن يزيد عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن - يعني السلمي - عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ إن شئت أو ضيع " .
أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد أخبرنا أبو بكر محمد بن إدريس الجرجاني أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الماليني أخبرنا حسن بن سفيان حدثنا يحيى بن حبيب بن عدي حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد " .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب بن تمتام الضبي حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر " .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد بن بامويه الأصفهاني أخبرنا أبو سعيد أحمد بن زياد البصري أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا ربعي بن علية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ورغم أنف رجل أتى عليه شهر رمضان فلم يغفر له ورغم أنف رجل أدرك أبويه الكبر فلم يدخلاه الجنة " .
«واخفض لهما جناح الذل» ألن لهما جانبك الذليل «من الرحمة» أي لرقتك عليهما «وقل رب ارحمهما كما» رحماني حين «ربياني صغيرا».
وكُنْ لأمك وأبيك ذليلا متواضعًا رحمة بهما، واطلب من ربك أن يرحمهما برحمته الواسعة أحياءً وأمواتًا، كما صبرا على تربيتك طفلا ضعيف الحول والقوة.
وقوله : ( واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة .
.
) زيادة فى تبجيلهما والتلطف معهما فى القول والفعل والمعاملة على اختلاف ألوانها .أى : وبجانب القول الكريم الذى يجب أن تقوله لهما ، عليك أن تكون متواضعا معهما ، متلطفا فى معاشرتهما ، لا ترفع فيهما عينا ، ولا ترفض لهما قولا ، مع الرحمة التامة بهما ، والشفقة التى لا نهاية لها عليهما .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : وقوله : ( واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة ) المقصود منه المبالغة فى التواضع .وذكر القفال فى تقريره وجهين : الأول : أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه ، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية .
فكأنه قال للولد : اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك فى حال صغرك .والثانى : أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه ، وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه .
فصار خفض الجناح كناية عن التواضع .وإضافة الجناح إلى الذل إضافة بيانية ، أى : اخفض لهما جناحك الذليل و ( من ) فى قوله ( من الرحمة ) ابتدائية .
أى تواضع لهما تواضعا ناشئا من فرط رحمتك عليهما .قال الآلوسى : وإنما احتاجا إلى ذلك ، لافتقارهما إلى من كان أفقر الخلق إليهما ، واحتياج المرء إلى من كان محتاجا إليه أدعى إلى الرحمة ، كما قال الشاعر :يامن أتى يسألنى عن فاقتى ...
ما حال من يسأل من سائله؟ماذلة السلطان إلا إذا ...
أصبح محتاجا إلى عاملهوقوله : ( وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) تذكير للإنسان بحال ضعفه وطفولته ، وحاجته إلى الرعاية والحنان .أى : وقل فى الدعاء لهما : يارب ارحمهما برحمتك الواسعة ، واشملهما بمغفرتك الغامرة ، جزاء ما بذلا من رعاية لى فى صغرى ، فأنت القادر على مثوبتهما ومكافأتهما .قال الجمل : والكاف فى قوله ( كما ربيانى .
.
) فيها قولان : أحدهما أنها نعت لمصدر محذوف .أى : ارحمهما رحمة مثل رحمتهما لى ، والثانى أنها للتعليل .
أى : ارحمهما لأجل تربيتهما لى ، كما فى قوله ( واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ).
اعلم أنه لما ذكر في الآية الأولى ما هو الركن الأعظم في الأيمان، أتبعه بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائطه وهي أنواع: النوع الأول: أن يكون الإنسان مشتغلاً بعبادة الله تعالى، وأن يكون محترزاً عن عبادة غير الله تعالى، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: القضاء معناه الحكم الجزم البت الذي لا يقبل النسخ.
والدليل عليه أن الواحد منا إذا أمر غيره بشيء فإنه لا يقال: إنه قضى عليه، أما إذا أمره أمراً جزماً وحكم عليه بذلك الحكم على سبيل البت والقطع، فهاهنا يقال: قضى عليه ولفظ القضاء في أصل اللغة يرجع إلى إتمام الشيء وانقطاعه.
وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية كان الأصل ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين بالصاد فقرئ: ﴿ وقضى رَبُّكَ ﴾ ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط، لأن خلاف قضاء الله ممتنع، هكذا رواه عنه الضحاك وسعيد بن جبير، وهو قراءة علي وعبد الله.
واعلم أن هذا القول بعيد جداً لأنه يفتح باب أن التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن، ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن القرآن وذلك يخرجه عن كونه حجة ولا شك أنه طعن عظيم في الدين.
البحث الثاني: قد ذكرنا أن هذه الآية تدل على وجوب عبادة الله تعالى وتدل على المنع عن عبادة غير الله تعالى وهذا هو الحق، وذلك لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام، ونهاية الإنعام عبارة عن إعطاء الوجود والحياة، والقدرة والشهوة والعقل، وقد ثبت بالدلائل أن المعطي لهذه الأشياء هو الله تعالى لا غيره، وإذا كان المنعم بجميع النعم هو الله لا غيره، لا جرم كان المستحق للعبادة هو الله تعالى لا غيره، فثبت بالدليل العقلي صحة قوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه ﴾ .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى أمر بعبادة نفسه، ثم أتبعه بالأمر ببر الوالدين وبيان المناسبة بين الأمر بعبادة الله تعالى وبين الأمر ببر الوالدين من وجوه: الوجه الأول: أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله تعالى وإيجاده، والسبب الظاهري هو الأبوان، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري.
الوجه الثاني: أن الموجود إما قديم وإما محدث، ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية، ومع المحدث بإظهار الشفقة وهو المراد من قوله عليه السلام: «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله».
وأحق الخلق بصرف الشفقة إليه هو الأبوان لكثرة إنعامهما على الإنسان فقوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه ﴾ إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله.
الوجه الثالث: أن الاشتغال بشكر المنعم واجب، ثم المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى.
وقد يكون أحد من المخلوقين منعماً عليك، وشكره أيضاً واجب لقوله عليه السلام: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» وليس لأحد من الخلائق نعمة على الإنسان مثل ما للوالدين وتقريره من وجوه: أحدها: أن الولد قطعة من الوالدين، قال عليه السلام: «فاطمة بضعة مني».
وثانيها: أن شفقة الأبوين على الولد عظيمة وجدهما في إيصال الخير إلى الولد كالأمر الطبيعي واحترازهما عن إيصال الضرر إليه كالأمر الطبيعي، ومتى كانت الدواعي إلى إيصال الخير متوفرة، والصوارف عنه زائلة لا جرم كثر إيصال الخير، فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة أكثر من كل نعمة تصل من إنسان إلى إنسان.
وثالثها: أن الإنسان حال ما يكون في غاية الضعف ونهاية العجز، يكون في إنعام الأبوين فأصناف نعمهما في ذلك الوقت واصلة إليه، وأصناف رحمة ذلك الولد واصلة إلى الوالدين في ذلك الوقت، ومن المعلوم أن الإنعام إذا كان واقعاً على هذا الوجه كان موقعه عظيماً.
ورابعها: أن إيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه وقد يمتزج بهذا الغرض سائر الأغراض، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض فقط.
فكان الإنعام فيه أتم وأكمل، فثبت أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمة على غيره مثل ما للوالدين على الولد، فبدأ الله تعالى بشكر نعمة الخالق وهو قوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه ﴾ ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ والسبب فيه ما بينا أن أعظم النعم بعد إنعام الإله الخالق نعمة الوالدين.
فإن قيل: الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة لنفسيهما فلزم منه دخول الولد في الوجود وحصوله في عالم الآفات والمخافات، فأي إنعام للأبوين على الولد؟
حكي أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد.
وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة، وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟
قال اكتبوا عليه: هذا جناه أبي علي *** وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد: وتركت أولادي وهم في نعمة ال *** عدم التي سبقت نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة *** ترمي بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منة عليك أم والدك؟
فقال: الأستاذ أعظم منة، لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي أرتعني في نور العلم، وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه، وأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد، ومن الكلمات المشهورة المأثورة، خير الآباء من علمك.
والجواب: هب أنهما في أول الأمر طلبا لذة الوقاع إلا أن الاهتمام بإيصال الخيرات، وفي دفع الآفات من أول دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أليس أنه أعظم من جميع ما يتخيل من جهات الخيرات والمبرات، فسقطت هذه الشبهات، والله أعلم.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ بالوالدين إحسانا ﴾ قال أهل اللغة: تقدير الآية وقضى ربك ألا تعبدوا إلا الله وأن تحسنوا، أو يقال: وقضى ألا تعبدوا إلا إياه وأحسنوا بالوالدين إحساناً.
قال صاحب الكشاف: ولا يجوز أن تتعلق الباء في ﴿ وبالوالدين ﴾ بالإحسان لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته ثم لم يذكر دليلاً على أن المصدر لا يجوز أن تتقدم عليه صلته.
وقال الواحدي في البسيط: الباء في ﴿ وبالوالدين ﴾ من صلة الإحسان وقدمت عليه كما تقول بزيد فامرر، وهذا المثال الذي ذكره الواحدي غير مطابق، لأن المطلوب تقديم صلة المصدر عليه، والمثال المذكور ليس كذلك.
المسألة الثالثة: قال القفال: لفظ الإحسان قد يوصل بحرف الباء تارة، وبحرف إلى أخرى، وكذلك الإساءة، يقال: أحسنت به وإليه.
وأسأت به وإليه.
قال الله تعالى: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَى ﴾ وقال القائل: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** لدينا ولا مقلية إن تقلت وأقول لفظ الآية مشتمل على قيود كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين: أحدها: أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الأخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾ ثم إنه تعالى أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة فذكر من جملتها البر بالوالدين، وذلك يدل على أن هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة.
وثانيها: أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد وثنى بطاعة الله تعالى، وثلث بالبر بالوالدين وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة.
وثالثها: أنه تعالى لم يقل: وإحساناً بالوالدين، بل قال: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام.
ورابعها: أنه قال: ﴿ إحسانا ﴾ بلفظ التنكير والتنكير يدل على التعظيم، والمعنى: وقضى ربك أن تحسنوا إلى الوالدين إحساناً عظيماً كاملاً، وذلك لأنه لما كان إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، ثم على جميع التقديرات فلا تحصل المكافأة، لأن إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداء، وفي الأمثال المشهورة أن البادي بالبر لا يكافأ.
ثم قال تعالى: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ إما لفظة مركبة من لفظتين: إن، وما.
أما كلمة إن فهي للشرط، وأما كلمة (ما) فهي أيضاً للشرط كقوله تعالى: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ ﴾ فلما جمع بين هاتين الكلمتين أفاد التأكيد في معنى الاشتراط، إلا أن علامة الجزم لم تظهر مع نون التوكيد، لأن الفعل يبنى مع نون التأكيد وأقول لقائل أن يقول: إن نون التأكيد إنما يليق بالموضع الذي يكون اللائق به تأكيد ذلك الحكم المذكور وتقريره وإثباته على أقوى الوجوه، إلا أن هذا المعنى لا يليق بهذا الموضع، لأن قول القائل: الشيء إما كذا وإما كذا، فالمطلوب منه ترديد الحكم بين ذينك الشيئين المذكورين، وهذا الموضع لا يليق به التقرير والتأكيد فكيف يليق الجمع بين كلمة إما وبين نون التأكيد؟
وجوابه: أن المراد أن هذا الحكم المتقرر المتأكد إما أن يقع وإما أن لا يقع، والله أعلم.
المسألة الثانية: قرأ الأكثرون: ﴿ أَمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ يَبْلُغَنَّ ﴾ فعل وفاعله هو قوله: ﴿ أَحَدُهُمَا ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ عطف عليه كقولك: ضرب زيد أو عمرو: ولو أسند قوله: ﴿ يَبْلُغَنَّ ﴾ إلى قوله: ﴿ كِلاَهُمَا ﴾ جاز لتقدم الفعل، تقول قال رجل، وقال رجلان، وقالت الرجال، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿ يبلغان ﴾ وعلى هذه القراءة فقوله: ﴿ أَحَدُهُمَا ﴾ بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين و ﴿ كلاهما ﴾ عطف على ﴿ أحدهما ﴾ فاعلاً أو بدلاً.
فإن قيل: لو قيل (إما يبلغان كلاهما) كان (كلاهما) توكيداً لا بدلاً، فلم زعمتم أنه بدل؟
قلنا: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيداً للاثنين فانتظم في حكمه، فوجب أن يكون مثله في كونه بدلاً.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال قوله: ﴿ أَحَدُهُمَا ﴾ بدل، وقوله: ﴿ أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ توكيد، ويكون ذلك عطفاً للتوكيد على البدل.
قلنا: العطف يقتضي المشاركة فجعل ﴿ أحدهما ﴾ بدلاً والآخر توكيداً خلاف الأصل، والله أعلم.
المسألة الثالثة: قال أبو الهيثم الرازي، وأبو الفتح الموصلي، وأبو علي الجرجاني: إن كلاً اسم مفرد يفيد معنى التثنية ووزنه فعل ولامه معتل بمنزلة لام حجي ورضي وهي كلمة وضعت على هذه الخلقة يؤكد بها الاثنان خاصة ولا تكون إلا مضافة.
والدليل عليه أنها لو كانت تثنية لوجب أن يقال في النصب والخفض مررت بكلي الرجلين بكسر الياء كما تقول: بين يدي الرجل و ﴿ من ثلثي الليل ﴾ .
و ﴿ يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ .
و ﴿ طرفي النهار ﴾ ولما لم يكن الأمر كذلك، علمنا أنها ليست تثنية بل هي لفظة مفردة وضعت للدلالة على التثنية كما أن لفظة كل اسم واحد موضوع للجماعة، فإذن أخبرت عن لفظة كما تخبر عن الواحد كقوله تعالى: ﴿ وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً ﴾ وكذلك إذا أخبرت عن كلا أخبرت عن واحد فقلت كلا إخوتك كان قائماً قال الله تعالى: ﴿ كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا ﴾ ولم يقل آتتا، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ معناه: أنهما يبلغان إلى حالة الضعف والعجز فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول العمر.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الجملة فعند هذا الذكر كلف الإنسان في حق الوالدين بخمسة أشياء: النوع الأول: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: فيه سبع لغات: كسر الفاء وضمها وفتحها، وكل هذه الثلاثة بتنوين وبغير تنوين فهذه ستة واللغة السابعة أفي بالياء قال الأخفش: كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه فقال قولي هذا وذكر ابن الأنباري: من لغات هذه اللفظة ثلاثة زائدة على ما ذكره الزجاج: ﴿ أُفّ ﴾ بكسر الألف وفتح الفاء وافه بضم الألف وادخال الهاء و ﴿ أُفّ ﴾ بضم الألف وتسكين الفاء.
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وابن عامر: بفتح الفاء من غير تنوين، ونافع وحفص: بكسر الفاء والتنوين، والباقون: بكسر الفاء من غير تنوين وكلها لغات، وعلى هذا الخلاف في سورة الأنبياء ﴿ أُفّ لَّكُمْ ﴾ وفي الأحقاف: ﴿ أُفّ لَّكُمَا ﴾ وأقول: البحث المشكل هاهنا أنا لما نقلنا عشرة أنواع من اللغات في هذه اللفظة، فما السبب في أنهم تركوا أكثر تلك اللغات في قراءة هذه اللفظة، واقتصروا على وجوه قليلة منها؟
المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير هذه اللفظة وجوهاً: الأول: قال الفراء: تقول العرب جعل فلان يتأفف من ريح وجدها، معناه يقول: أف أف.
الثاني: قال الأصمعي: الأف وسخ الأذن.
والتف وسخ الظفر.
يقال ذلك عند استقذار الشيء، ثم كثر حتى استعملوا عند كل ما يتأذون به.
الثالث: قال بعضهم أف معناه قلة، وهو مأخوذ من الأفيف وهو الشيء القليل وتف أتباع له، كقولهم: شيطان ليطان خبيث نبيث.
الرابع: روى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأف الضجر.
الخامس: قال القتبي: أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك تراب أو رماد نفخت فيه لتزيله والصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قولك أف، ثم إنهم توسعوا فذكروا هذه اللفظة عند كل مكروه يصل إليهم.
السادس: قال الزجاج: أف معناه النتن وهذا قول مجاهد، لأنه قال معنى قوله: ﴿ وَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ ﴾ أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك كنت تخر أو تبول، وفي رواية أخرى عن مجاهد أنه إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف.
المسألة الرابعة: قول القائل: لا تقل لفلان أف، مثل يضرب للمنع من كل مكروه وأذية وإن خف وقل.
واختلف الأصوليون في أن دلالة هذا اللفظ على المنع من سائر أنواع الإيذاء دلالة لفظية أو دلالة مفهومة بمقتضى القياس.
قال بعضهم: إنها دلالة لفظية، لأن أهل العرف إذا قالوا: لا تقل لفلان أف عنوا به أنه لا يتعرض له بنوع من أنواع الإيذاء والايحاش، وجرى هذا مجرى قولهم فلان لا يملك نقيراً ولا قطميراً في أنه بحسب العرف يدل على أنه لا يملك شيئاً.
والقول الثاني: أن هذا اللفظ إنما يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء بحسب القياس الجلي، وتقريره أن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن حكم صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق الصورة المسكوت عن حكمها بالصورة المذكور حكمها فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ثبوت ذلك الحكم في محل السكوت أولى من ثبوته في محل الذكر مثل هذه الصورة، فإن اللفظ إنما دل على المنع من التأفيف، والضرب أولى بالمنع من التأفيف.
وثانيها: أن يكون الحكم في محل السكوت مساوياً للحكم في محل الذكر، وهذا هو الذي يسميه الأصوليون القياس في معنى الأصل، وضربوا لهذا مثلاً وهو قوله عليه السلام: «من أعتق نصيباً له من عبد قوم عليه الباقي» فإن الحكم في الأمة والعبد متساويان.
وثالثها: أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكبر القياسات.
إذا عرفت هذا فنقول: المنع من التأفيف إنما يدل على المنع من الضرب بواسطة القياس الجلي الذي يكون من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى.
والدليل عليه: أن التأفيف غير الضرب، فالمنع من التأفيف لا يكون منعاً من الضرب، وأيضاً المنع من التأفيف لا يستلزم المنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً عظيماً كان عدواً له، فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته، وإذا كان هذا معقولاً في الجملة علمنا أن المنع من التأفيف مغاير للمنع من الضرب وغير مستلزم للمنع من الضرب عقلاً في الجملة، إلا أنا علمنا في هذه الصورة أن المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين بدليل قوله: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة ﴾ فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع من الضرب من باب القياس بالأدنى على الأعلى، والله أعلم.
النوع الثاني: من الأشياء التي كلف الله تعالى العباد بها في حق الأبوين قوله: ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره.
قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ ﴾ .
فإن قيل: المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بطريق الأولى، فلما قدم المنع من التأفيف كان ذكر المنع من الانتهار بعده عبثاً.
أما لو فرضنا أنه قدم المنع من الانتهار ثم أتبعه بالمنع من التأفيف كان مفيداً حسناً، لأنه يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف، فما السبب في رعاية هذا الترتيب؟
قلنا: المراد من قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ ﴾ المنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير، والمراد من قوله: ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه والتكذيب له.
النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴾ واعلم أنه تعالى لما منع الإنسان بالآية المتقدمة عن ذكر القول المؤذي الموحش.
والنهي عن القول المؤذي لا يكون أمراً بالقول الطيب، لا جرم أردفه بأن أمره بالقول الحسن والكلام الطيب فقال: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴾ والمراد منه أن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم والاحترام.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو أن يقول له: يا أبتاه يا أماه، وسئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ، وعن عطاء أن يقال: هو أن تتكلم معه بشرط أن لا ترفع عليهما صوتك ولا تشد إليهما نظرك، وذلك لأن هذين الفعلين ينافيان القول الكريم.
فإن قيل: إن إبراهيم عليه السلام كان أعظم الناس حلماً وكرماً وأدباً، فكيف قال لأبيه يا آزر على قراءة من قرأ: ﴿ وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ ءازَرَ ﴾ بالضم: ﴿ إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ فخاطبه بالاسم وهو إيذاء، ثم نسبه ونسب قومه إلى الضلال وهو أعظم أنواع الإيذاء؟
قلنا: إن قوله تعالى: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ يدل على أن حق الله تعالى مقدم على حق الأبوين، فإقدام إبراهيم عليه السلام على ذلك الإيذاء إنما كان تقديماً لحق الله تعالى على حق الأبوين.
النوع الرابع: قوله: ﴿ واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة ﴾ والمقصود منه المبالغة في التواضع، وذكر القفال رحمه الله في تقريره وجهين: الأول: أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك.
والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه.
فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه.
فإن قيل: كيف أضاف الجناح إلى الذل والذل لا جناح له؟
قلنا: فيه وجهان: الأول: أنه أضيف الجناح إلى الذل كما يقال: حاتم الجود فكما أن المراد هناك حاتم الجواد فكذلك هاهنا المراد، واخفض لهما جناحك الذليل، أي المذلول.
والثاني: أن مدار الاستعارة على الخيالات فهاهنا تخيل للذل جناحاً وأثبت لذلك الجناح ضعفاً تكميلاً لأمر هذه الاستعارة كما قال لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها *** فأثبت للشمال يداً ووضع زمامها في يد الشمال فكذا هاهنا وقوله: ﴿ مِنَ الرحمة ﴾ معناه: ليكن خفض جناحك لهما بسبب فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما بسبب كبرهما وضعفهما.
والنوع الخامس: قوله: ﴿ وَقُل رَّبّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قال القفال رحمه الله تعالى: إنه لم يقتصر في تعليم البر بالوالدين على تعليم الأقوال بل أضاف إليه تعليم الأفعال وهو أن يدعو لهما بالرحمة فيقول: ﴿ رَّبّ ارحمهما ﴾ ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا.
ثم يقول: ﴿ كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ يعين رب افعل بهما هذا النوع من الإحسان كما أحسنا إلي في تربيتهما إياي، والتربية هي التنمية، وهي من قولهم ربا الشيء إذا انتفع، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ ﴾ .
البحث الثاني: اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين، ولا يقول: رب ارحمهما.
والقول الثاني: أن هذه الآية غير منسوخة، ولكنها مخصوصة في حق المشركين، وهذا أولى من القول الأول لأن التخصيص أولى من النسخ.
والقول الثالث: أنه لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.
البحث الثالث: ظاهر الأمر للوجوب فقوله: ﴿ وَقُل رَّبّ ارحمهما ﴾ أمر وظاهر الأمر لا يفيد التكرار فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرة واحدة، سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟
أفي اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة؟
فقال: نرجو أن نجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ ﴾ فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أن الله تعالى قال: ﴿ واذكروا الله فِي أَيَّامٍ معدودات ﴾ فهم يكررون في أدبار الصلوات.
ثم قال تعالى: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صالحين ﴾ والمعنى أنا قد أمرناكم في هذه الآية بإخلاص العبادة لله تعالى وبالإحسان بالوالدين، ولا يخفى على الله ما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص في الطاعة وعدم الإخلاص فيها، فاعلموا أن الله تعالى مطلع على ما في نفوسكم بل هو أعلم بتلك الأحوال منكم بها، لأن علوم البشر قد يختلط بها السهو والنسيان وعدم الإحاطة بالكل، فأما علم الله فمنزه عن كل هذه الأحوال، وإذا كان الأمر كذلك كان عالماً بكل ما في قلوبكم والمقصود منه التحذير عن ترك الإخلاص.
ثم قال تعالى: ﴿ إِن تَكُونُواْ صالحين ﴾ أي إن كنتم برآء عن جهات الفساد في أحوال قلوبكم كنتم أوابين، أي رجاعين إلى الله منقطعين إليه في كل الأعمال وسنة الله وحكمه في الأوابين أنه غفور لهم يكفر عنهم سيآتهم، والأواب هو الذي من عادته وديدنه الرجوع إلى أمر الله تعالى والالتجاء إلى فضله ولا يلتجئ إلى شفاعة شفيع كما يفعله المشركون الذين يعبدون من دون الله جماداً يزعمون أنه يشفع لهم، ولفظ الأواب على وزن فعال، وهو يفيد المداومة والكثرة كقولهم: قتال وضراب والمقصود من هذه الآية أن الآية الأولى لما دلت على وجوب تعظيم الوالدين من كل الوجوه ثم إن الولد قد يظهر منه نادرة مخلة بتعظيمهما فقال: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ يعني أنه تعالى عالم بأحوال قلوبكم فإن كانت تلك الهفوة ليست لأجل العقوق بل ظهرت بمقتضى الجبلة البشرية كانت في محل الغفران، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقضى رَبُّكَ ﴾ وأمر أمراً مقطوعاً به ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُواْ ﴾ أن مفسرة ولا تعبدوا نهي.
أو بأن لا تعبدوا ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ وأحسنوا بالوالدين إحساناً.
أو بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً وقرئ: ﴿ وأوصى ﴾ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ ووصى ﴾ .
وعن بعض ولد معاذ بن جبل: وقضاء ربك.
ولا يجوز أن يتعلق الباء في بالوالدين بالإحسان: لأن المصدر لا يتقدّم عليه صلته ﴿ إِمَّا ﴾ هي (إن) الشرطية زيدت عليها (ما) تأكيداً لها، ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل، ولو أفردت (إن) لم يصح دخولها، لا تقول: إن تكرمن زيداً يكرمك، ولكن إما تكرمنه.
و ﴿ أَحَدُهُمَا ﴾ فاعل يبلغنّ، وهو فيمن قرأ ﴿ يبلغان ﴾ بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين و ﴿ كِلاَهُمَا ﴾ عطف على أحدهما فاعلاً وبدلاً.
فإن قلت: لو قيل إما يبلغان كلاهما، كان كلاهما توكيداً لا بدلا، فمالك زعمت أنه بدل؟
قلت: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيداً للاثنين، فانتظم في حكمه، فوجب أن يكون مثله.
فإن قلت: ما ضرّك لو جعلته توكيداً مع كون المعطوف عليه بدلاً، وعطفت التوكيد على البدل؟
قلت: لو أريد توكيد التثنية لقيل: كلاهما، فحسب، فلما قيل: أحدهما أو كلاهما، علم أنّ التوكيد غير مراد، فكان بدلاً مثل الأول ﴿ أُفٍّ ﴾ صوت يدل على تضجر.
وقرئ: ﴿ أف ﴾ بالحركات الثلاث منوناً وغير منون: الكسر على أصل البناء، والفتح تخفيف للضمة والتشديد كثم، والضم إتباع كمنذ.
فإن قلت: ما معنى عندك؟
قلت: هو أن يكبرا ويعجزا، وكانا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه وأشدّ احتمالاً وصبراً، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما: أف، فضلاً عما يزيد عليه.
ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما في سلك القضاء بهما معاً، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في استطاعة ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك.
والنهي والنهر والنهم: أخوات ﴿ وَقُل لَّهُمَا ﴾ بدل التأفيف والنهر ﴿ قَوْلاً كَرِيمًا ﴾ جميلاً، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة.
وقيل: هو أن يقول: يا أبتاه، يا أماه، كما قال إبراهيم لأبيه: ياأبت، مع كفره، ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفا وسوء الأدب وعادة الدعار.
قالوا: ولا بأس به في غير وجهه، كما قالت عائشة رضي الله عنها: نحلني أبو بكر كذا.
وقرئ: ﴿ جناح الذل ﴾ ، الذل: بالضم والكسر فإن قلت: ما معنى قوله ﴿ جَنَاحَ الذل ﴾ ؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك كما قال ﴿ واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: 88] فأضافه إلى الذل أو الذلّ، كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى: واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول.
والثاني: أن تجعل لذله أو لذله لهما جناحاً خفيضاً، كما جعل لبيد للشمال يداً، وللقوة زماماً، مبالغة في التذلل والتواضع لهما ﴿ مِنَ الرحمة ﴾ من فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما، لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك عليهم التي لا بقاء لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك.
فإن قلت: الاسترحام لهما إنما يصح إذا كانا مسلمين.
قلت: وإذا كانا كافرين فله أن يسترحم لهما بشرط الإيمان، وأن يدعو الله لهما بالهداية والارشاد، ومن الناس من قال: كان الدعاء للكفار جائزاً ثم نسخ.
وسئل ابن عيينة، عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه، ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين.
ولقد كرّر الله سبحانه في كتابه الوصية بالوالدين.
وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما» وروي: «يفعل البارّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار، ويفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة» وروي سعيد بن المسيب: إنّ البارّ لا يموت ميتة سوء.
وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ أبويّ بلغا من الكبر أني ألي منهما ماولياً مني في الصغر، فهل قضيتهما؟
قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما.
وشكا رجل إلى رسول الله أباه وأنه يأخذ ماله، فدعا به فإذا شيخ يتوكأ على عصا، فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي، وفقيراً وأنا غنيّ، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غنيّ، ويبخل علي بماله، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك» وشكا إليه آخر سوء خلق أمّه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر؟
قال: إنها سيئة الخلق.
قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين؟
قال: إنها سيئة الخلق.
قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها؟
قال: لقد جازيتها.
قال: ما فعلت؟
قال: حججت بها على عاتقي.
قال: ما جزيتها ولو طلقة وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً في الطواف يحمل أمّه ويقول: إنِّي لَهَا مَطِيَّةٌ لاَ تُذْعَر ** إذَا الرِّكَابُ نَفَرَتْ لاَ تَنْفِر مَا حَمَلَتْ وَأَرْضَعَتْنِي أَكْثَر ** اللَّهُ رَبِّي ذُو الْجَلاَلِ الأَكْبَرُ ثم قال تظنني جازيتها يا ابن عمر؟
قال: لا ولو زفرة واحدة وعنه عليه الصلاة والسلام: «إياكم وعقوق الوالدين، فإنّ الجنة توجد ريحها من مسيرة ألف عام، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جارّ إزاره خيلاء، إنّ الكبرياء لله رب العالمين» وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة، وإذا بعث إليه منها ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر.
ويأخذ الإناء منه إذا شربها وعن أبي يوسف: إذا أمره أن يوقد تحت قدره وفيها لحم الخنزير أوقد.
وعن حذيفة: أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه وهو في صف المشركين، فقال: دعه يليه غيرك.
وسئل الفضيل بن عياض عن برّ الوالدين فقال: أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل.
وسئل بعضهم فقال: أن لا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر شزراً إليهما، ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا، وتدعو لهما إذا ماتا، وتقوم بخدمة أودّائهما من بعدهما.
فعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ من أبر البرّ أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ ﴾ تَذَلَّلْ لَهُما وتَواضَعْ فِيهِما، وجَعَلَ لِلذُّلِّ جَناحًا كَما جَعَلَ لَبِيَدٌ في قَوْلِهِ: وغَداةَ رِيحٍ قَدْ كُشِفَتْ وقُرَّةٌ.
.
.
إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها لِلشَّمالِ يَدًا أوْ لِلْقُرَّةِ زِمامًا، وأمْرُهُ بِخَفْضِهِ مُبالَغَةٌ أوْ أرادَ جَناحَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وإضافَتُهُ إلى الذُّلِّ لِلْبَيانِ والمُبالَغَةِ كَما أُضِيفَ حاتِمٌ إلى الجُودِ، والمَعْنى واخْفِضْ لَهُما جَناحَكَ الذَّلِيلَ.
وقُرِئَ « الذِّلُ» بِالكَسْرِ وهو الِانْقِيادُ والنَّعْتُ مِنهُ ذَلُولٌ.
﴿ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ مِن فَرْطِ رَحْمَتِكَ عَلَيْهِما لِافْتِقارِهِما إلى مَن كانَ أفْقَرُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِما بِالأمْسِ.
﴿ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما ﴾ وادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْحَمَهُما بِرَحْمَتِهِ الباقِيَةِ، ولا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ الفانِيَةِ وإنْ كانا كافِرَيْنِ لِأنَّ مِنَ الرَّحْمَةِ أنْ يَهْدِيَهُما.
﴿ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا ﴾ رَحْمَةً مِثْلَ رَحْمَتِهِما عَلَيَّ وتَرْبِيَتِهِما وإرْشادِهِما لِي في صِغَرِي وفاءً بِوَعْدِكَ لِلرّاحِمِينَ.
رُوِيَ: « (أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : إنَّ أبَوَيَّ بَلَغا مِنَ الكِبَرِ أنِّي ألِي مِنهُما ما ولَيا مِنِّي في الصِّغَرِ فَهَلْ قَضَيْتُهُما حَقَّهُما.
قالَ: لا فَإنَّهُما كانا يَفْعَلانِ ذَلِكَ وهُما يُحِبّانِ بَقاءَكَ وأنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتُرِيدُ مَوْتَهُما)» .
<div class="verse-tafsir"
{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} أي اخفض لهما جناحك كما قال واخفض جناحك للمؤمنين فأضافه إلى الذل كما أضيف حاتم إلى الجود والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل {مِنَ الرَّحْمَةِ} من فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله
إليهما بالأمس وقال الزجاج وألن جانبك متذللاً لهما من مبالغتك في الرحمة لهما {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} ولا تكتف برحمتك عليهما
الإسراء (٢٥ _ ٢٨)
التي لا بقاء لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك والمراد بالخطاب غيره عليه السلام والدعاء مختص بالأبوين المسلمين وقيل إذا كانا كافرين له أن يسترحم لهما بشرط الإيمان وأن يدعوا الله لهما بالهداية وعن النبي صلى الله عليه وسلم رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما وروي يفعل البار ما شاء أن يفعل يفعل فلن يدخل النار ويفعل العاق ما شاء أن يفعل فلن يدخل الجنة وعنه عليه السلام إياكم وعقوق الوالدين فإن الجنة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جارّ إزاره خيلاء إن الكبرياء لله رب العالمين
﴿ واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ ﴾ أيْ: تَواضَعْ لَهُما وتَذَلَّلْ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى جَناحِكَ الذَّلِيلِ ويَكُونُ ﴿ جَناحَ الذُّلِّ ﴾ بَلْ خَفْضُ الجَناحِ تَمْثِيلًا في التَّواضُعِ، وجازَ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً في المُفْرَدِ وهو الجَناحُ ويَكُونُ الخَفْضُ تَرْشِيحًا تَبَعِيًّا أوْ مُسْتَقِلًّا، الثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ قَوْلِ لَبِيَدٍ: وغَداةَ رِيحٍ قَدْ كَشَفْتُ وقُرَّةٍ إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها فَيَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ بِأنْ يُشَبِّهَ الذُّلَّ بِطائِرٍ مُنْحَطٍّ مِن عُلُوٍّ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا ويُثْبِتَ لَهُ الجَناحَ تَخْيِيلًا والخَفْضَ تَرْشِيحًا؛ فَإنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ الطَّيَرانَ والعُلُوَّ نَشَرَ جَناحَيْهِ ورَفَعَهُما لِيَرْتَفِعَ فَإذا تَرَكَ ذَلِكَ خَفَضَهُما، وأيْضًا هو إذا رَأى جارِحًا يَخافُهُ لَصِقَ بِالأرْضِ وألْصَقَ جَناحَيْهِ وهي غايَةُ خَوْفِهِ وتَذَلُّلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِخَفْضِهِما ما يَفْعَلُهُ إذا ضَمَّ فِراخَهُ لِلتَّرْبِيَةِ، وأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ، وفي الكَشْفِ: أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ ناشِئَةً مِن جَعْلِ الجَناحِ الذُّلَّ ثُمَّ المَجْمُوعَ كَما هو مَثَلٌ في غايَةِ التَّواضُعِ، ولَمّا أثْبَتَ لِذُلِّهِ جَناحًا أمَرَهُ بِخَفْضِهِ تَكْمِيلًا وما عَسى يَخْتَلِجُ في بَعْضِ الخَواطِرِ مِن أنَّهُ لَمّا أثْبَتَ لِذُلِّهِ جَناحًا فالأمْرُ بِرَفْعِ ذَلِكَ الجَناحِ أبْلَغُ في تَقْوِيَةِ الذُّلِّ مِن خَفْضِهِ؛ لِأنَّ كَمالَ الطّائِرِ عِنْدَ رَفْعِهِ فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ إذا جُعِلَ المَجْمُوعُ تَمْثِيلًا؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَصْوِيرُ الذُّلِّ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ، وأمّا عَلى التَّرْشِيحِ فَهو وهْمٌ؛ لِأنَّ جَعْلَ الجَناحِ المَخْفُوضِ لِلذُّلِّ يَدُلُّ عَلى التَّواضُعِ، وأمّا جَعْلُ الجَناحِ وحْدَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ ولِهَذا جُعِلَ تَمْثِيلًا فِيما سَلَفَ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «مِنَ الذِّلِّ» بِكَسْرِ الذّالِ وهو الِانْقِيادُ وأصْلُهُ في الدَّوابِّ والنَّعْتُ مِنهُ ذَلُولٌ، وأمّا الذُّلُّ بِالضَّمِّ فَأصْلُهُ في الإنْسانِ وهو ضِدُّ العِزِّ والنَّعْتُ مِنهُ ذَلِيلٌ ﴿ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ أيْ مِن فَرْطِ رَحْمَتِكَ عَلَيْهِما، فَمِن ابْتِدائِيَّةٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ، قالَ في الكَشْفِ: ولا يَحْتَمِلُ البَيانَ حَتّى يُقالَ لَوْ كانَ كَذا لَرَجَعَتِ الِاسْتِعارَةُ إلى التَّشْبِيهِ إذْ جَناحُ الذُّلِّ لَيْسَ مِنَ الرَّحْمَةِ أبَدًا بَلْ خَفْضُ جَناحِ الذُّلِّ جازَ أنْ يُقالَ إنَّهُ رَحْمَةٌ وهَذا بَيِّنٌ، واسْتِفادَةُ المُبالِغَةِ مِن جَعْلِ جِنْسِ الرَّحْمَةِ مَبْدَأً لِلتَّذَلُّلِ فَإنَّهُ لا يَنْشَأُ إلّا مِن رَحْمَةٍ تامَّةٍ، وقِيلَ مِن كَوْنِ التَّعْرِيفِ لِلِاسْتِغْراقِ ولَيْسَ بِذاكَ، وإنَّما احْتاجا إلى ذَلِكَ لِافْتِقارِهِما إلى مَن كانَ أفْقَرَ الخَلْقِ إلَيْهِما، واحْتِياجُ المَرْءِ إلى مَن كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ غايَةُ الضَّراعَةِ والمَسْكَنَةِ؛ فَيَحْتاجُ إلى أشَدِّ رَحْمَةٍ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ الخَفاجِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: يا مَن أتى يَسْألُ عَنْ فاقَتِي ∗∗∗ ما حالُ مَن يَسْألُ مِن سائِلِهْ ما ذِلَّةُ السُّلْطانِ إلّا إذا ∗∗∗ أصْبَحَ مُحْتاجًا إلى عامِلِهْ ﴿ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما ﴾ وادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْحَمَهُما بِرَحْمَتِهِ الباقِيَةِ، وهي رَحْمَةُ الآخِرَةِ ولا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ الفانِيَةِ وهي ما تَضَمَّنَها الأمْرُ والنَّهْيُ السّالِفانِ، وخُصَّتِ الرَّحْمَةُ الأُخْرَوِيَّةُ بِالإرادَةِ لِأنَّها الأعْظَمُ المُناسِبُ طَلَبُهُ مِنَ العَظِيمِ، ولِأنَّ الرَّحْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ حاصِلَةٌ عُمُومًا لِكُلِّ أحَدٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ما يَعُمُّ الرَّحْمَتَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فَهَذِهِ الرَّحْمَةُ الَّتِي في الدُّعاءِ قِيلَ إنَّها مَخْصُوصَةٌ بِالأبَوَيْنِ المُسْلِمَيْنِ، وقِيلَ عامَّةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ عامَّةٌ ولا نَسْخَ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ بَعْدَ المَوْتِ وهَذِهِ قَبْلَهُ، ومِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُما أنْ يَهْدِيَهُما لِلْإيمانِ فالدُّعاءُ بِها مُسْتَلْزِمٌ لِلدُّعاءِ بِهِ ولا ضَيْرَ فِيهِ، والقَوْلُ بِالنُّسَخِ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ.
وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ﴿ كَما رَبَّيانِي ﴾ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ رَحْمَةً مِثْلَ تَرْبِيَتِهِما لِي أوْ مِثْلَ رَحْمَتِهِما لِي عَلى أنَّ التَّرْبِيَةَ رَحْمَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لَهُما الرَّحْمَةُ والتَّرْبِيَةُ مَعًا، وقَدْ ذَكَرَ أحَدَهُما في أحَدِ الجانِبَيْنِ والآخَرَ في الآخَرِ كَما يَلُوحُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ في مَطْلَعِ الدُّعاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّ ارْحَمْهُما ورَبِّهِما كَما رَحِمانِي ورَبَّيانِي ﴿ صَغِيرًا ﴾ وفِيهِ بُعْدٌ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ؛ أيْ: لِأجْلِ تَرْبِيَتِهِما لِي وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِمَعْناها المَشْهُورِ مَعَ إفادَةِ التَّشْبِيهِ ما أفادَهُ التَّعْلِيلُ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ الكافَ لِتَأْكِيدِ الوُجُودِ كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّ ارْحَمْهُما رَحْمَةً مُحَقَّقَةً مَكْشُوفَةً لا رَيْبَ فِيها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ قالَ في الكَشْفِ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ، وأمّا الحَمْلُ عَلى أنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ جُعِلَتْ حِينًا، أيِ ارْحَمْهُما في وقْتٍ أحْوَجَ ما يَكُونانِ إلى الرَّحْمَةِ كَوَقْتِ رَحْمَتِهِما عَلَيَّ في حالِ الصِّغَرِ، وأنا كَلَحْمٍ عَلى وضَمٍّ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا في القِيامَةِ، والرَّحْمَةُ هي الجَنَّةُ، والبَتُّ بِأنَّ هَذا هو التَّحْقِيقُ فَلَيْتَ شِعْرِي ألِاسْتِقامَةِ وجْهِهِ في العَرَبِيَّةِ ارْتَضاهُ أمْ لِطِباقِهِ لِلْمَقامِ وفَخامَةِ مَعْناهُ اه، وهو كَما أشارَ إلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَيَجِبُ عَلى الوَلَدِ أنْ يَدْعُوَ لِوالِدَيْهِ بِالرَّحْمَةِ، ومُقْتَضى عَدَمِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارُ أنَّهُ يَكْفِي في الِامْتِثالِ مَرَّةً واحِدَةً، وقَدْ سُئِلَ سُفْيانُ: كَمْ يَدْعُو الإنْسانُ لِوالِدَيْهِ في اليَوْمِ مَرَّةً أوْ في الشَّهْرِ أوْ في السَّنَةِ؟
فَقالَ: نَرْجُو أنْ يَجْزِيَهُ إذا دَعا لَهُما في آخِرِ التَّشَهُّداتِ كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ﴾ فَكانُوا يَرَوْنَ التَّشَهُّدَ يَكْفِي في الصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ ﴾ ثُمَّ يُكَبِّرُونَ في أدْبارِ الصَّلاةِ، هَذا وقَدْ بالَغَ عَزَّ وجَلَّ في التَّوْصِيَةِ بِهِما مِن وُجُوهٍ لا تَخْفى، ولَوْ لَمْ يَكُنْ سِوى أنْ شَفَعَ الإحْسانَ إلَيْهِما بِتَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ ونَظَمَهُما في سِلْكِ القَضاءِ بِهِما مَعًا لَكَفى.
وقَدْ رَوى ابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ قالَ: ««رِضا اللَّهِ تَعالى في رِضا الوالِدَيْنِ، وسَخَطُ اللَّهِ تَعالى في سَخَطِ الوالِدَيْنِ»».
وصَحَّ «أنَّ رَجُلًا جاءَ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ في الجِهادِ مَعَهُ فَقالَ: «أحَيٌّ والِداكَ؟
قالَ: نَعَمْ.
قالَ: فَفِيهِما فَجاهِدْ»».
وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««لَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا أدْنى مِن الأُفِّ لَنَهى عَنْهُ، فَلْيَعْمَلِ العاقُّ ما شاءَ أنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، ولْيَعْمَلِ البارُّ ما شاءَ أنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ النّارَ»».
ورَأى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَجُلًا يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ حامِلًا أُمَّهُ عَلى رَقَبَتِهِ فَقالَ: يا ابْنَ عُمَرَ، أتُرانِي جِزْيَتُها؟
قالَ: لا ولا بِطَلْقَةٍ واحِدَةٍ ولَكِنَّكَ أحْسَنْتَ واللَّهُ تَعالى يُثِيبُكَ عَلى القَلِيلِ كَثِيرًا.
ورَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ: ««لا يَجْزِي ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ»».
ورَوى البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والصَّغِيرِ بِسَنَدٍ فِيهِ مَن لا يُعْرَفُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي أخَذَ مالِي.
فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «فاذْهَبْ فَأْتِنِي بِأبِيكَ.
فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: إذا جاءَكَ الشَّيْخُ فَسَلْهُ عَنْ شَيْءٍ قالَهُ في نَفْسِهِ ما سَمِعَتْهُ أُذُناهُ.
فَلَمّا جاءَ الشَّيْخُ قالَ لَهُ النَّبِيُّ : «ما بالُ ابْنِكَ يَشْكُوكَ تُرِيدُ أنْ تَأْخُذَ مالَهُ؟
قالَ: سَلْهُ يا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ أنْفَقْتُهُ إلّا عَلى عَمّاتِهِ وخالاتِهِ أوْ عَلى نَفْسِي.
فَقالَ النَّبِيُّ : «إيهِ دَعْنا مِن هَذا أخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ قُلْتَهُ في نَفْسِكَ ما سَمِعَتْهُ أُذُناكَ.
فَقالَ الشَّيْخُ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما يَزالُ اللَّهُ تَعالى يَزِيدُنا بِكَ يَقِينًا، لَقَدْ قُلْتُ في نَفْسِي شَيْئًا ما سَمِعَتْهُ أُذُنايَ فَقالَ: قُلْ وأنا أسْمَعُ فَقالَ: قُلْتُ: غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا ومُنْتُكَ يافِعًا ∗∗∗ تُعَلُّ بِما أجْنِي عَلَيْكَ وتَنْهَلُ إذا لَيْلَةٌ ضافَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أبِتْ ∗∗∗ لِسُقْمِكَ إلّا ساهِرًا أتَمَلَّلُ كَأنِّي أنا المَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي ∗∗∗ طُرِقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنِيَ تَهْمِلُ تَخافُ الرَّدى نَفْسِي عَلَيْكَ وإنَّها ∗∗∗ لَتَعْلَمُ أنَّ المَوْتَ وقْتٌ مُؤَجَّلٌ فَلَمّا بَلَغْتَ السِّنَّ والغايَةَ الَّتِي ∗∗∗ إلَيْها مَدى ما كُنْتُ فِيها أُؤَمِّلُ جَعَلْتَ جَزائِي غِلْظَةً وفَظاظَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ أنْتَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ فَلَيْتَكَ إذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي ∗∗∗ فَعَلْتَ كَما الجارُ المُجاوِرُ يَفْعَلُ تَراهُ مُعَدًّا لِلْخِلافِ كَأنَّهُ ∗∗∗ بِرَدٍّ عَلى أهْلِ الصَّوابِ مُوَكَّلُ قالَ: فَحِينَئِذٍ أخَذَ النَّبِيُّ بِتَلابِيبِ ابْنِهِ وقالَ: «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ»» والأُمُّ مُقَدَّمَةٌ في البَرِّ عَلى الأبِ؛ فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أحَقُّ النّاسِ بِحُسْنِ صَحابَتِي؟
قالَ: أمُّكَ.
قالَ: ثُمَّ مَن؟
قالَ: أمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَن؟
قالَ: أبُوكَ»».
ولا يَخْتَصُّ البَرُّ بِالحَياةِ بَلْ يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ أيْضًا، فَقَدْ رَوى ابْنُ ماجَهْ: ««يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِن بِرِّ أبَوَيَّ شَيْءٌ أبَرُّهُما بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِما؟
فَقالَ: نَعَمْ: الصَّلاةُ عَلَيْهِما، والِاسْتِغْفارُ لَهُما، وإيفاءُ عَهْدِهِما مِن بَعْدِهِما، وصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إلّا بِهِما، وإكْرامُ صَدِيقِهِما»» ورَواهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ بِزِيادَةِ: ««قالَ الرَّجُلُ: ما أكْثَرَ هَذا يا رَسُولَ اللَّهِ وأطْيَبَهُ قالَ: فاعْمَلْ بِهِ»».
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««إنَّ العَبْدَ لِيَمُوتَ والِداهُ أوْ أحَدُهُما وإنَّهُ لَهُما لَعاقٌّ فَلا يَزالُ يَدْعُو لَهُما ويَسْتَغْفِرُ لَهُما حَتّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ تَعالى بارًّا».
وأخْرَجَ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ مَن عَقَّ والِدَيْهِ في حَياتِهِما ثُمَّ قَضى دَيْنًا إنْ كانَ عَلَيْهِما واسْتَغْفَرَ لَهُما ولَمْ يَسْتَسِبَّ لَهُما كُتِبَ بارًّا، ومَن بَرَّ والِدَيْهِ في حَياتِهِما ثُمَّ لَمْ يَقْضِ دَيْنًا إنْ كانَ عَلَيْهِما ولَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُما واسْتَسَبَّ لَهُما كُتِبَ عاقًّا».
وأخْرَجَ هو أيْضًا وابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمانِ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ قالَ: ««مَن زارَ قَبْرَ أبَوَيْهِ أوْ أحَدِهِما في كُلِّ جُمْعَةٍ غُفِرَ لَهُ وكُتِبَ بَرًّا»».
ورَوى مُسْلِمٌ «أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَقِيَهُ رَجُلٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ وحَمَلَهُ عَلى حِمارٍ كانَ يَرْكَبُهُ وأعْطاهُ عِمامَةً كانَتْ عَلى رَأْسِهِ.
فَقالَ ابْنُ دِينارٍ: فَقُلْتُ لَهُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ تَعالى، إنَّهُمُ الأعْرابُ وهم يَرْضَوْنَ بِاليَسِيرِ.
فَقالَ: إنَّ أبا هَذا كانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «إنَّ أبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الوَلَدِ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ «عَنْ أبِي بُرْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَأتانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقالَ: أتَدْرِي لِمَ أتَيْتُكَ؟
قالَ: قُلْتُ: لا.
قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «مَن أحَبَّ أنْ يَصِلَ أباهُ في قَبْرِهِ فَلْيَصِلْ إخْوانَ أبِيهِ مِن بَعْدِهِ» وإنَّهُ كانَ بَيْنَ أبِي عُمَرَ وبَيْنَ أبِيكَ إخاءٌ ووُدٌّ فَأحْبَبْتُ أنْ أصِلَ ذَلِكَ».
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ البِرِّ ما لا يُحْصى كَثْرَةً مِنَ الأحادِيثِ، وصَحَّ عَدُّ العُقُوقِ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وكَوْنُهُ مِنها هو ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ بَلْ صَرِيحُهُ أنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الوالِدانِ كافِرَيْنِ وأنْ يَكُونا مُسْلِمَيْنِ، والتَّقْيِيدُ بِالمُسْلِمِينَ.
فِي الحَدِيثِ الحَسَنِ «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الكَبائِرِ فَقالَ: «تِسْعٌ؛ أعْظَمُهُنَّ الإشْراكُ، وقَتْلُ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ»».
إمّا لِأنَّ عُقُوقَهُما أقْبَحُ والكَلامُ هُناكَ في ذِكْرِ الأعْظَمِ عَلى أحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ في عَطْفِ وقَتْلِ المُؤْمِنِ وما بَعْدَهُ وإمّا لِأنَّهُما ذُكِرا لِلْغالِبِ كَما في نَظائِرَ أُخَرَ.
ولِلْحَلِيمِيِّ هاهُنا تَفْصِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلى رَأْيٍ لَهُ ضَعِيفٍ؛ وهو أنَّ العُقُوقَ كَبِيرَةٌ، فَإنْ كانَ مَعَهُ نَحْوُ سَبٍّ فَفاحِشَةٌ، وإنْ كانَ عُقُوقُهُ هو اسْتِثْقالَهُ لِأمْرِهِما ونَهْيِهِما والعُبُوسَ في وُجُوهِهِما والتَّبَرُّمَ بِهِما مَعَ بَذْلِ الطّاعَةِ ولُزُومِ الصَّمْتِ فَصَغِيرَةٌ، فَإنْ كانَ ما يَأْتِيهِ مِن ذَلِكَ يُلْجِئُهُما إلى أنْ يَنْقَبِضا فَيَتْرُكا أمْرَهُ ونَهْيَهُ ويَلْحَقُهُما مِن ذَلِكَ ضَرَرٌ فَكَبِيرَةٌ.
وبَيْنَهم في حَدِّ العُقُوقِ خِلافٌ؛ فَفي فَتاوى البُلْقِينِيِّ مَسْألَةٌ قَدِ ابْتُلِيَ النّاسُ بِها واحْتِيجَ إلى بَسْطِ الكَلامِ عَلَيْها وإلى تَفارِيعِها؛ لِيَحْصُلَ المَقْصُودُ في ضِمْنِ ذَلِكَ وهي السُّؤالُ عَنْ ضابِطِ الحَدِّ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ؛ إذِ الإحالَةُ عَلى العُرْفِ مِن غَيْرِ مِثالٍ لا يَحْصُلُ المَقْصُودُ؛ إذِ النّاسُ تَحْمِلُهم أغْراضُهم عَلى أنْ يَجْعَلُوا ما لَيْسَ بِعُرْفٍ عُرْفًا فَلا بُدَّ مِن مِثالٍ يُنْسَجُ عَلى مِنوالِهِ؛ وهو أنَّهُ مَثَلًا لَوْ كانَ لَهُ عَلى أبِيهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ فاخْتارَ أنْ يَرْفَعَهُ إلى الحاكِمِ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنهُ ولَوْ حَبَسَهُ، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عُقُوقًا أوْ لا؟
أجابَ: هَذا المَوْضِعُ قالَ فِيهِ بَعْضُ الأكابِرِ: إنَّهُ يَعْسُرُ ضَبْطُهُ، وقَدْ فَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِضابِطٍ أرْجُو مِن فَضْلِ الفَتّاحِ العَلِيمِ أنْ يَكُونَ حَسَنًا فَأقُولُ: العُقُوقُ لِأحَدِ الوالِدَيْنِ هو أنْ يُؤْذِيَهُ بِما لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ كانَ مُحَرَّمًا مِن جُمْلَةِ الصَّغائِرِ فَيَنْتَقِلُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ إلى الكَبائِرِ، أوْ أنْ يُخالِفَ أمْرَهُ أوْ نَهْيَهُ فِيما يَدْخُلُ مِنهُ الخَوْفُ عَلى الوَلَدِ مِن فَوْتِ نَفْسِهِ أوْ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ ما لَمْ يُتَّهِمُ الوالِدُ في ذَلِكَ، أوْ أنْ يُخالِفَهُ في سَفَرٍ يَشُقُّ عَلى الوالِدِ ولَيْسَ بِفَرْضٍ عَلى الوَلَدِ أوْ في غَيْبَةٍ طَوِيلَةٍ فِيما لَيْسَ بِعِلْمٍ نافِعٍ ولا كَسْبٍ فِيهِ أوْ فِيهِ وقِيعَةٌ في العِرْضِ لَها وقْعٌ.
وبَيانُ هَذا الضّابِطِ أنَّ قَوْلَنا: أنْ يُؤْذِيَ الوَلَدُ أحَدَ والِدَيْهِ بِما لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ والِدَيْهِ كانَ مُحَرَّمًا فَمِثالُهُ: لَوْ شَتَمَ غَيْرَ أحَدِ والِدَيْهِ أوْ ضَرَبَهُ بِحَيْثُ لا يَنْتَهِي الشَّتْمُ أوِ الضَّرْبُ إلى الكَبِيرَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ المُحَرَّمُ المَذْكُورُ إذا فَعَلَهُ الوَلَدُ مَعَ أحَدِ والِدَيْهِ كَبِيرَةً، وخَرَجَ بِقَوْلِنا: أنْ يُؤْذِيَ ما لَوْ أخَذَ فَلْسًا أوْ شَيْئًا يَسِيرًا مِن مالِ أحَدِ والِدَيْهِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ كَبِيرَةً وإنْ كانَ لَوْ أخَذَهُ مِن مالِ غَيْرِ والِدَيْهِ بِغَيْرِ طَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ كانَ حَرامًا؛ لَأنَّ أحَدَ الوالِدَيْنِ لا يَتَأذّى بِمِثْلِ ذَلِكَ لِما عِنْدَهُ مِنَ الشَّفَقَةِ والحُنُوِّ فَإنْ أخَذَ مالًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَأذّى المَأْخُوذُ مِنهُ مِنَ الوالِدَيْنِ بِذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ كَبِيرَةً في حَقِّ الأجْنَبِيِّ فَكَذَلِكَ هُنا، لَكِنَّ الضّابِطَ فِيما يَكُونُ حَرامًا صَغِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ الوالِدَيْنِ، وخَرَجَ بِقَوْلِنا: ما لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ أحَدِ الوالِدَيْنِ كانَ مُحَرَّمًا؛ نَحْوَ ما إذا طالَبَ بِدَيْنٍ فَإنَّ هَذا لا يَكُونُ عُقُوقًا؛ لِأنَّهُ إذا فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ الوالِدَيْنِ لا يَكُونُ مُحَرَّمًا فافْهَمْ ذَلِكَ فَإنَّهُ مِنَ النَّفائِسِ، وأمّا الحَبْسُ فَإنْ فَرَّعْناهُ عَلى جَوازِ حَبْسِ الوالِدِ بِدَيْنِ الوَلَدِ كَما صَحَّحَهُ جَماعَةٌ فَقَدْ طَلَبَ ما هو جائِزٌ فَلا عُقُوقَ، وإنْ فَرَّعْنا عَلى مَنعِ حَبْسِهِ المُصَحَّحِ عِنْدَ آخَرِينَ فالحاكِمُ إذا كانَ مُعْتَقَدُهُ ذَلِكَ لا يُجِيبُ إلَيْهِ ولا يَكُونُ الوَلَدُ بِطَلَبِ ذَلِكَ عاقًّا إذا كانَ مُعْتَقِدًا الوَجْهَ الأوَّلَ فَإنِ اعْتَقَدَ المَنعَ وأقْدَمَ عَلَيْهِ كانَ كَما لَوْ طَلَبَ حَبْسَ مَن لا يَجُوزُ حَبْسُهُ مِنَ الأجانِبِ عِسارًا ونَحْوَهُ، فَإذا حَبَسَهُ الوَلَدُ واعْتِقادُهُ المَنعُ كانَ عاقًّا؛ لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ والِدِهِ حَيْثُ لا يَجُوزُ كانَ حَرامًا.
وأمّا مُجَرَّدُ الشَّكْوى الجائِزَةِ والطَّلَبِ الجائِزِ فَلَيْسَ مِنَ العُقُوقِ في شَيْءٍ، وقَدْ شَكا بَعْضُ ولَدِ الصَّحابَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ولَمْ يَنْهَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو الَّذِي لا يُقِرُّ عَلى باطِلٍ، وأمّا إذا نَهَرَ أحَدَ والِدَيْهِ فَإنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ الوالِدَيْنِ وكانَ مُحَرَّمًا كانَ في حَقِّ أحَدِ الوالِدَيْنِ كَبِيرَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، وكَذا أُفٍّ فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ صَغِيرَةً في حَقِّ أحَدِ الوالِدَيْنِ ولا يَلْزَمُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُما والحالُ ما ذُكِرَ أنْ يَكُونا مِنَ الكَبائِرِ، وقَوْلُنا: أوْ أنْ يُخالِفَ أمْرَهُ ونَهْيَهُ فِيما يَدْخُلُ مِنهُ الخَوْفُ...
إلَخْ.
أرَدْنا بِهِ السَّفَرَ لِلْجِهادِ ونَحْوِهِ مِنَ الأسْفارِ الخَطِرَةِ لِما يُخافُ مِن فَواتِ نَفْسِ الوَلَدِ أوْ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ لِشِدَّةِ تَفَجُّعِ الوالِدَيْنِ عَلى ذَلِكَ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في «الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ لِلْجِهادِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهُ: «أحَيٌّ والِداكَ؟» قالَ: نَعَمْ.
قالَ: «فَفِيهِما فَجاهِدْ»».
وفِي رِوايَةٍ: ««ارْجِعْ إلَيْهِما فَفِيهِما المُجاهَدَةُ».» وفي أُخْرى: «جِئْتُ أُبايِعُكَ عَلى الهِجْرَةِ وتَرَكْتُ أبَوَيَّ يَبْكِيانِ فَقالَ: «ارْجِعْ فَأضْحِكْهُما كَما أبْكَيْتَهُما»».
وفِي إسْنادِهِ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ، لَكِنْ مِن رِوايَةِ سُفْيانَ عَنْهُ.
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «أنَّ رَجُلًا هاجَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: «هَلْ لَكَ أحَدٌ بِاليَمَنِ؟» قالَ: أبَوايَ.
قالَ: «أذِنا لَكَ» قالَ: لا.
قالَ: «فارْجِعْ فاسْتَأْذِنْهُما؛ فَإنْ أذِنا لَكَ فَجاهِدْ، وإلّا فَبِرَّهُما»».
ورَواهُ أبُو داوُدَ وفي إسْنادِهِ مَنِ اخْتُلِفَ في تَوْثِيقِهِ، وقَوْلُنا: ما لَمْ يُتَّهَمِ الوالِدُ في ذَلِكَ أخْرَجْنا بِهِ ما لَوْ كانَ الوالِدُ كافِرًا فَإنَّهُ لا يَحْتاجُ الوَلَدُ إلى إذْنِهِ في الجِهادِ ونَحْوِهِ، وحَيْثُ اعْتَبَرْنا إذَنَ الوالِدِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ حُرًّا أوْ عَبْدًا، وقَوْلُنا: أوْ أنْ يُخالِفَهُ في سَفَرٍ إلَخْ أرَدْنا بِهِ السَّفَرَ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ حَيْثُ كانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وأخْرَجْنا بِذَلِكَ حَجَّ الفَرْضِ، وإذا كانَ فِيهِ رُكُوبُ البَحْرِ يَجِبُ رُكُوبُهُ عِنْدَ غَلَبَةِ السَّلامَةِ فَظاهِرُ الفِقْهِ أنَّهُ لا يَجِبُ الِاسْتِئْذانُ ولَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ لِما عِنْدَ الوالِدِ مِنَ الخَوْفِ في رُكُوبِ البَحْرِ وإنْ غَلَبَتِ السَّلامَةُ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وأمّا سَفَرُهُ لِلْعِلْمِ المُتَعَيِّنِ أوْ لِفَرْضِ الكِفايَةِ فَلا مَنعَ مِنهُ وإنْ كانَ يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ في بَلَدِهِ خِلافًا لِمَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَتَوَقَّعُ في السَّفَرِ فَراغَ قَلْبٍ وإرْشادِ أُسْتاذٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يَتَوَقَّعْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ احْتاجَ إلى الِاسْتِئْذانِ وحَيْثُ وجَبَتِ النَّفَقَةُ لِلْوالِدِ عَلى الوَلَدِ وكانَ في سَفَرِهِ تَضْيِيعٌ لِلْواجِبِ فَلِلْوالِدِ المَنعُ، وأمّا إذا كانَ الوَلَدُ بِسَفَرِهِ يَحْصُلُ وقِيعَةٌ في العِرْضِ لَها وقْعٌ؛ بِأنْ يَكُونَ أمْرَدَ ويَخافُ مِن سَفَرِهِ تُهْمَةً فَإنَّهُ يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ؛ وذَلِكَ في الأُنْثى أوْلى، وأمّا مُخالَفَةُ أمْرِهِ ونَهْيِهِ فِيما لا يَدْخُلُ عَلى الوَلَدِ فِيهِ ضَرَرٌ بِالكُلِّيَّةِ وإنَّما هو مُجَرَّدُ إرْشادٍ لِلْوَلَدِ فَلا تَكُونُ عُقُوقًا، وعَدَمُ المُخالَفَةِ أوْلى اه كَلامُ البُلْقِينِيِّ.
«وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ» أنَّ العُقُوقَ فِعْلُ ما يَحْصُلُ مِنهُ لَهُما أوْ لِأحَدِهِما إيذاءٌ لَيْسَ بِالهَيِّنِ عُرْفًا.
ويُحْتَمَلُ أنَّ العِبْرَةَ بِالمُتَأذِّي لَكِنْ لَوْ كانَ الوالِدُ مَثَلًا في غايَةِ الحُمْقِ أوْ سَفاهَةِ العَقْلِ فَأمَرَ أوْ نَهى ولَدَهُ بِما لا يُعَدُّ مُخالَفَتُهُ فِيهِ في العُرْفِ عُقُوقًا لا يَفْسُقُ ولَدُهُ بِمُخالَفَتِهِ حِينَئِذٍ لِعُذْرِهِ وعَلَيْهِ فَلَوْ كانَ مُتَزَوِّجًا بِمَن يُحِبُّها فَأمَرَهُ بِطَلاقِها ولَوْ لِعَدَمِ عِفَّتِها فَلَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ، نَعَمْ؛ الأفْضَلُ طَلاقُها امْتِثالًا لِأمْرِ والِدِهِ.
فَقَدْ رَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ «أنَّ رَجُلًا أتى أبا الدَّرْداءِ فَقالَ: إنَّ أبِي لَمْ يَزَلْ بِي حَتّى زَوَّجَنِي امْرَأةً، وإنَّهُ الآنَ يَأْمُرُنِي بِفِراقِها.
قالَ: ما أنا بِالَّذِي آمُرُكَ أنْ تَعُقَّ والِدَيْكَ، ولا بِالَّذِي آمُرُكَ أنْ تُطَلِّقَ زَوْجَتَكَ غَيْرَ أنَّكَ إنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ بِما سَمِعْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «الوالِدُ أوْسَطُ أبْوابِ الجَنَّةِ» فَحافِظْ عَلى ذَلِكَ إنْ شِئْتَ أوْ دَعْ،» ورَوى أصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةُ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كانَ تَحْتِي امْرَأةٌ أُحِبُّها، وكانَ عُمَرُ يَكْرَهُها.
فَقالَ لِي: طَلِّقْها فَأبَيْتُ فَأتى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : «طَلِّقْها».
وكَذا سائِرُ أوامِرِهِ الَّتِي لا حامِلَ لَها إلّا ضَعْفُ عَقْلِهِ وسَفاهَةُ رَأْيِهِ ولَوْ عُرِضَتْ عَلى أرْبابِ العُقُولِ لَعَدُّوها مُتَساهَلًا فِيها ولَرَأوْا أنَّهُ لا إيذاءَ بِمُخالَفَتِها ثُمَّ قالَ: هَذا هو الَّذِي يَتَّجِهُ في تَقْرِيرِ الحَدِّ».
وتَعَقَّبَ ما نُقِلَ عَنِ البُلْقِينِيِّ بِأنَّ تَخْصِيصَهُ العُقُوقَ بِفِعْلِ المُحَرَّمِ الصَّغِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَيْرِ فِيهِ وقْفَةٌ بَلْ يَنْبَغِي أنَّ المَدارَ عَلى ما ذُكِرَ مِن أنَّهُ لَوْ فَعَلَ مَعَهُ ما يَتَأذّى بِهِ تَأذِّيًا لَيْسَ بِالهَيِّنِ عُرْفًا كانَ كَبِيرَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ الغَيْرِ؛ كَأنْ يَلْقاهُ فَيُقَطِّبُ في وجْهِهِ أوْ يَقْدُمُ عَلَيْهِ في مَلَأٍ فَلا يَقُومُ إلَيْهِ، ولا يَعْبَأُ بِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَقْضِي أهْلُ العَقْلِ والمُرُوءَةِ مِن أهْلِ العُرْفِ بِأنَّهُ مُؤْذٍ إيذاءً عَظِيمًا فَتَأمَّلْ.
ثُمَّ إنَّ السَّبَبَ في تَعْظِيمِ أمْرِ الوالِدَيْنِ أنَّهُما السَّبَبُ الظّاهِرِيُّ في إيجادِهِ وتَعَيُّشِهِ، ولا يَكادُ تَكُونُ نِعْمَةُ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ عَلى الوَلَدِ كَنِعْمَةِ الوالِدَيْنِ عَلَيْهِ، لا يُقالُ عَلَيْهِ: إنَّ الوالِدَيْنِ إنَّما طَلَبا تَحْصِيلَ اللَّذَّةِ لِأنْفُسِهِما فَلَزِمَ مِنهُ دُخُولُ الوَلَدِ في الوُجُودِ ودُخُولُهُ في عالَمِ الآفاتِ والمُخافاتِ، فَأيُّ إنْعامٍ لَهُما عَلَيْهِ، وقَدْ حُكِيَ أنَّ واحِدًا مِنَ المُتَسَمِّينَ بِالحِكْمَةِ كانَ يَضْرِبُ أباهُ ويَقُولُ: هو الَّذِي أدْخَلَنِي في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ وعَرَّضَنِي لِلْمَوْتِ والفَقْرِ والعَمى والزَّمانَةِ، وقِيلَ لِأبِي العَلاءِ المَعَرِّيِّ ولَمْ يَكُنْ ذا ولَدٍ: ما نَكْتُبُ عَلى قَبْرِكَ فَقالَ: اكْتُبُوا عَلَيْهِ: هَذا جَناهُ أبِي عَلَيَّ ∗∗∗ وما جَنَيْتُ عَلى أحَدِ وقالَ في تَرْكِ التَّزَوُّجِ وعَدَمِ الوَلَدِ: وتَرَكْتُ فِيهِمْ نِعْمَةَ العَدَمِ الَّتِي ∗∗∗ سَبَقَتْ وصَدَّتْ عَنْ نَعِيمِ العاجِلِ ولَوْ إنَّهم وُلِدُوا لَنالُوا شِدَّةً ∗∗∗ تَرْمِي بِهِمْ في مُوبِقاتِ الآجِلِ وقالَ ابْنُ رَشِيقٍ: قَبَّحَ اللَّهُ لَذَّةً لِشَقانا ∗∗∗ نالَها الأُمَّهاتُ والآباءُ نَحْنُ لَوْلا الوُجُودُ لَمْ نَأْلَمِ الفَقْ ∗∗∗ دَ فَإيجادُنا عَلَيْنا بَلاءُ وقِيلَ لِلْإسْكَنْدَرِ: أُسْتاذُكَ أعْظَمُ مِنَّةً عَلَيْكَ أمْ والِدُكَ؟
فَقالَ: الأُسْتاذُ أعْظَمُ مِنَّةً؛ لِأنَّهُ تَحَمَّلَ أنْواعَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ عِنْدَ تَعْلِيمِي حَتّى أوْقَفَنِي عَلى نُورِ العِلْمِ، وأمّا الوالِدُ فَإنَّهُ طَلَبَ تَحْصِيلَ لَذَّةِ الوِقاعِ لِنَفْسِهِ فَأخْرَجَنِي إلى عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ؛ لِأنّا نَقُولُ: هَبْ أنَّهُ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ المَطْلُوبُ لَذَّةَ الوِقاعِ إلّا أنَّ الِاهْتِمامَ بِإيصالِ الخَيْراتِ ودَفْعِ الآفاتِ مِن أوَّلِ دُخُولِ الوَلَدِ في الوُجُودِ إلى وقْتِ بُلُوغِهِ الكِبَرَ أعْظَمُ مِن جَمِيعِ ما يُتَخَيَّلُ مِن جِهاتِ الخَيْراتِ والمَبَرّاتِ، وقَدْ يُقالُ: لَوْ كانَ الإدْخالُ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ والتَّعْرِيضِ لِلْأكْدارِ والأنْكادِ دافِعًا لِحَقِّ الوالِدَيْنِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ دافِعًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ، وأيْضًا يُعارِضُ ذَلِكَ التَّعْرِيضُ لِلنَّعِيمِ المُقِيمِ والثَّوابِ العَظِيمِ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي العَقْلِ السَّلِيمِ، ولَعَمْرِي إنَّ إنْكارَ حَقِّهِما إنْكارٌ لِأجَلِّ الأُمُورِ، ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أي: أمر ربك أن لا تطيعوا أحداً إلا إياه، يعني: إلا الله تعالى، فلا تطيعوا أحداً في المعصية وتطيعوا الله في الطاعة، ويقال لا توحدوا إلا الله.
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي: أمر بالإِحسان إلى الوالدين بِراً بهما وعطفاً عليهما إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ قرأ حمزة والكسائي إِمَّا يَبْلَغَانِ بلفظ التثنية لأنه سبق ذكر الوالدين، وقرأ الباقون يَبْلُغَنَّ بلفظ الوحدان، لأنه انصرف إلى قوله: أَحَدُهُما يعني: إن يبلغ الكبر أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما يعني: إن بلغ أحد الأبوين عندك الهرم أو كلا الأبوين فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ أي: لا تقذرهما ولا تقل لهما أُفٍّ قولاً رديئاً عند خروج الغائط منهما إذا احتاجا إلى معالجتهما عند ذلك.
قال الفقيه: حدّثنا أبو عبد الرحمن بن محمد قال: حدّثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا أصرم، عن عيسى بن عبد الله الأشعري عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله : «لَوْ عَلِمَ الله شَيْئَاً من العقوق أعظم مِنْ أُفٍ لحرمه، فَلْيَعْمَلِ العَاقّ مَا شَاءَ أَنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، وَلْيَعْمَلَ البَارّ مَا شَاءَ أن يعمل فلن يدخل النَّار» .
وقال مجاهد: إذا كبرا فلا تأف لهما، لأنهما قد رأيا منك مثل ذلك.
وقال القتبي: لا تقل لهما أف بكسر وبفتح وبضم، وهو ما غلظ من الكلام يعني: لا تستثقل شيئا من كلامها ولا تغلظ لهما القول.
قرأ ابن كثير وابن عامر أُفٍّ بنصب الفاء، وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص أُفٍّ بكسر الفاء مع التنوين، وقرأ الباقون أُفٍّ بكسر الفاء بغير تنوين ومعنى ذلك كله واحد.
وَلا تَنْهَرْهُما يقول: لا تغلظ عليهما بالقول وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً أي ليناً حسناً.
قوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ أي: كن ذليلاً رحيماً عليهما.
وروى هشام عن عروة عن أبيه في قوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ قال: يكون لهما ذليلا ولا يمتنع من شيء أحباه.
وقال عطاء: جناحك يداك، لا ينبغي أن ترفع يديك على والديك ولا ينبغي لك أن تحد بصرك إليهما تغيظاً.
وروي عن النبيّ أنه قال: «إِذَا دَعَاكَ أَبَوَاكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ فَأَجِبْ أُمَّكَ وَلاَ تُجِبْ أباك» .
وعن النبيّ أنه قال: «لَوْ كَانَ جُرَيْجٌ الرَّاهِبِ فَقِيهاً لَعَلِمَ أَنَّ إِجَابَةَ أُمِّهِ أَفْضَلَ مِنْ صَلاتِهِ» .
قال الفقيه أبو الليث : لأن في ذلك الوقت كان الكلام الذي يحتاج إليه مباحاً في الصلاة، وكذلك في أول شريعتنا، ثم نسخ الكلام في الصلاة فلا يجوز أن يجيبها إلا إذا علم أنه وقع لها أمر مهم، فيجوز له أن يقطع ثم يستقبل.
ثم قال تعالى: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما أي: عند معالجتك في الكبر إياهما.
ويقال: رب اجعل رحمتهما في قلبي حتى أربيهما في كبرهما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً أي: كما عالجاني في صغري، ويقال: معناه، ادع لهما بالرحمة بعد موتهما أي: كن باراً بهما في حياتهما وادع لهما بعد موتهما.
<div class="verse-tafsir"
المنتظر، وهذا قول ابن عباس «١» وغيره، والميسور: من اليسر.
وقوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ استعارةٌ لليد المقبوضةِ عن الانفاق جملةً، واستعير لليد التي تستنفِذُ جميعَ ما عنْدها غايةَ البَسْطِ ضِدّ الغُلِّ، وكلُّ هذا في إِنفاق الخير، وأما إِنفاق الفساد، فقليله وكثيره حرامٌ، أو الملامة هنا لاحقةٌ ممن يطلب من المستحقين، فلا يجدُ ما يعطى، «والمحسورُ» الذي قد استنفدَتْ قوته، تقولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إِذا أتْعَبْتَهُ حتى لم تَبْقَ له قوة ومنه البَصَرِ الحَسِير.
قال ابنُ العربيِّ «٢» وهذه الآية خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد أمته، وكثيراً ما جاء هذا المعنى في القرآن، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لمَّا كان سيِّدَهم وواسطَتَهم إِلى ربِّهم، عبِّر به عنهم، على عادة العرب في ذلك.
انتهى من «الأحكام» ، و «الحسير» : هو الكالُّ.
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ معنى يَقْدِرُ: يضيِّق.
وقوله سبحانه: إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً، أي: يعلم مصلحة قَوْمٍ في الفقر، ومصلحةَ آخرين في الغنى.
وقال بعضُ المفسِّرين: الآية إِشارةٌ إِلى حال العرب التي كانَتْ يصلحها الفَقْرَ، وكانت إِذا شبعتْ، طَغَتْ.
ت: وهذا التأويلُ يَعْضُدُهُ قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ...
الآية [الشورى: ٢٧] ولا خصوصيَّة لذكْر العرب إِلا مِنْ حيث ضرب المثل.
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥)
وقوله سبحانه: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ...
الآية: نهي عن الوأد الذي
كانت العرب تفعله، «والإِملاق» .
الفقر وعَدَم المال، وروى أبو داود عن ابن عباس، قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَلمْ يَئِدْهَا، ولَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا- قال:
يَعْني الذُّكُورَ- أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنة» «١» انتهى.
والحق الذي تقتل به النفس: قد فسّره النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «لاَ يُحِلُّ دَمَ المُسْلِمِ إلاَّ إحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: كُفْرُ بَعْدَ/ إِيمَانٍ، أو زناً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أوْ قَتْلُ نَفْسٍ» «٢» أي: وما في هذا المعنى مِنْ حرابةٍ أو زندقةً ونحو ذلك.
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً أي: بغير الوجوه المذكورة، فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً، ولا مدخل للنساء في ولاية الدَّمِ عند جماعة من العلماءِ، ولهنَّ ذلك عند آخرين، «والسلطان» : الحجة والملك الذي جُعِلَ إِليه من التخيير في قبول الدية أو العفو قاله ابن عبَّاس «٣» .
قال البخاريُّ: قال ابن عباس: كلُّ سلطانٍ في القرآن فهو حُجَّة «٤» .
انتهى، وقال قتادة: «السلطان» : القود «٥» .
وقوله سبحانه: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ المعنى: فلا يَتَعَدَّ الوليُّ أمْرَ اللَّه بأنْ يقتل غير قاتِلِ وليِّه، أو يقتل اثنين بواحدٍ إلى غير ذلك من وجوه التعدِّي، وقرأ «١» حمزة والكسائيُّ، وابن عامر: «فَلاَ تُسْرِفْ» - بالتاء من فوق-، قال الطبري «٢» : على الخطاب للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم والأئمة بعده.
قال ع: ويصحَّ «٣» أنْ يراد به الوليُّ، أي: فلا تسرفْ أيُّها الولي، والضميرُ في «إِنه» عائدٌ على «الوليِّ» ، وقيل: على المقتول، وفي قراءة أبي بن «٤» كعب: «فَلاَ تُسْرُفوا في القِتَال إِنَّ وليَّ المَقْتُول كانَ مَنْصُوراً» ، وباقي الآية تقدَّم بيانه، قال الحسن:
بِالْقِسْطاسِ هو «٥» القَبَّان «٦» ، وهو القرسطون، وقيل: القِسْطَاسِ: هو الميزانُ، صغيراً كان أو كبيراً.
قال ع «٧» : وسمعت أبي رحمه الله تعالى يَقُولُ: رأيْتُ الواعِظَ أبا الفضْلِ الجَوْهَرِيَّ رحمه الله في جامعِ عمرو بن العاص يعظُ النَّاسَ في الوزْن، فقال في جملة كلامه: إِن في هيئة اليَدِ بالميزانِ عِظَةً، وذلك أنَّ الأصابعَ يجيءُ منها صُوَرةُ المكتوبة ألف ولامَانِ وهاء، فكأنَّ الميزان يقولُ: اللَّه، اللَّه.
قال ع «٨» : وهذا وعظٌ جميلٌ، «والتأويل» ، في هذه الآية المآل قاله «٩» قتادة،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ﴾ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أمْرُ رَبِّكَ.
ونَقَلَ عَنْهُ الضَّحّاكُ أنَّهُ قالَ: إنَّما هي ( ووَصّى رَبُّكَ ) فالتَصَقَتْ إحْدى الواوَيْنِ بـِ( الصّادِ )، وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( ووَصّى )، وهَذا عَلى خِلافِ ما انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرَيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( وقَضاءُ رَبِّكَ ) بِقافٍ وضادٍ بِالمَدِّ والهَمْزِ والرَّفْعِ وخَفْضِ اسْمِ الرَّبِّ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا القَضاءُ مِن بابِ الحَتْمِ والوُجُوبِ، لَكِنَّهُ مِن بابِ الأمْرِ والفَرْضِ، وأصْلُ القَضاءِ في اللُّغَةِ: قَطْعُ الشَّيْءِ بِإحْكامٍ وإتْقانٍ، قالَ الشّاعِرُ يَرْثِي عُمَرَ: قَضَيْتُ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتُ بَعْدَها بَوائِقَ في أكْمامِها لَمْ تَفْتُقِ أرادَ: قَطَعْتُها مُحْكِمًا لَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ ؛ أيْ: وأمَرَ بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وهو البِرُّ والإكْرامُ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٨٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا يَبْلُغَنَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( يَبْلُغَنَّ ) عَلى التَّوْحِيدِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( يَبْلُغانِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: جُعِلَتْ " يَبْلُغَنَّ " فِعْلًا لِأحَدِهِما، وكَرَّتْ عَلَيْهِما " كِلاهُما " .
ومَن قَرَأ: ( يُبَلِّغانِ )، فَإنَّهُ ثَنّى؛ لِأنَّ الوالِدَيْنِ قَدْ ذُكِرا قَبْلَ هَذا، فَصارَ الفِعْلُ عَلى عَدَدِهِما، ثُمَّ قالَ: " أحَدُهُما أوْ كِلاهُما " عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَعَمُوا وصَمُّوا ﴾ ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿ كَثِيرٌ مِنهُمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أُفِّ ) بِالكَسْرِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، والمُفَضَّلُ: ( أُفَّ ) بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أُفٍّ ) بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وابْنُ يَعْمُرَ: ( أُفٌّ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.
وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُفًّا ) مِثْلُ ( تَعِسًا ) .
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وأبُو السَّمّاكِ العَدَوِيُّ: ( أُفُّ ) بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ مَعَ تَشْدِيدِ الفاءِ، وهي رِوايَةُ الأصْمَعِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( أُفْ ) بِإسْكانِ الفاءِ وتَخْفِيفِها؛ قالَ الأخْفَشُ: وهَذا لِأنَّ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: ( أُفْ لَكَ ) عَلى الحِكايَةِ، والرَّفْعُ قَبِيحٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجِئْ بَعْدَهُ لامٌ.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وأبُو حَصِينٍ الأسَدِيُّ: ( أُفِّي ) بِتَشْدِيدِ الفاءِ وياءٍ.
ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ بَعْضَهم قَرَأها: ( إفٍّ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فِيها سَبْعُ لُغاتٍ: الكَسْرُ بِلا تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ، والضَّمُّ بِلا تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ، والفَتْحُ بِلا تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ، واللُّغَةُ السّابِعَةُ لا تَجُوزُ في القِراءَةِ: ( أُفِّي ) بِالياءِ، هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في ( أُفٍّ ) عَشْرَةُ أوْجُهٍ: ( أُفَّ لَكَ ) بِفَتْحِ الفاءِ، و( أُفِّ ) بِكَسْرِها، و( أُفُّ )، و( أُفًّا لَكَ ) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ عَلى مَذْهَبِ الدُّعاءِ كَما تَقُولُ: ( ويْلًا ) لِلْكافِرِينَ، و( أُفٌّ لَكَ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وهو رَفْعٌ بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ \[ المُطَفِّفُونَ: ١ \]، و( أُفَّهٍ لَكَ ) بِالخَفْضِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا بِالأصْواتِ، كَقَوْلِكَ: ( صَهٍ، ومَهٍ )، و( أُفَهًا لَكَ ) عَلى مَذْهَبِ الدُّعاءِ أيْضًا، و( أُفِّي لَكَ ) عَلى الإضافَةِ إلى النَّفْسِ، و( أُفْ لَكَ ) بِسُكُونِ الفاءِ تَشْبِيهًا بِالأدَواتِ، مِثْلُ: ( كَمْ، وهَلْ، وبَلْ )، و( إفْ لَكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: وتَقُولُ: ( أُفِ مِنهُ، وأُفَ، وأُفُ، وأُفٍ، وأُفًا، وأُفٍ، وأُفِّي مُضافٌ، وأُفَهًا، وأُفًا بِالألِفٍ )، ولا تَقُلْ: ( أُفِي ) بِالياءِ، فَإنَّهُ خَطَأٌ.
فَأمّا مَعْنى ( أُفٍّ ) فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ وسَخُ الظُّفْرِ، قالَهُ الخَلِيلُ.
والثّانِي: وسَخُ الأُذُنِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ.
والثّالِثُ: قُلامَةُ الظُّفْرِ، قالَهُ ثَعْلَبُ.
والرّابِعُ: أنَّ ( الأُفَّ ): الِاحْتِقارُ والِاسْتِصْغارُ مِنَ ( الأفَفِ ) .
والأفَفُ عِنْدَ العَرَبِ: القِلَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والخامِسُ: أنَّ ( الأُفَّ ) ما رَفَعْتَهُ مِنَ الأرْضِ مِن عُودٍ أوْ قَصَبَةٍ، حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ اللُّغَوِيُّ.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ، قالَ: مَعْنى ( الأُفِّ ): النَّتَنُ والتَّضَجُّرُ، وأصْلُها: نَفْخُكَ الشَّيْءَ يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِن تُرابٍ ورَمادٍ، ولِلْمَكانِ تُرِيدُ إماطَةَ الأذى عَنْهُ، فَقِيلَتْ لِكُلِّ مُسْتَثْقَلٍ.
قالَ المُصَنِّفُ: وأمّا قَوْلُهُمْ: ( تُفٍّ ) فَقَدْ جَعَلَها قَوْمٌ بِمَعْنى ( أُفٍّ )، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ أنَّهُ قالَ: أصْلُ ( الأُفِّ، والتُّفِّ ): الوَسَخُ عَلى الأصابِعِ إذا فَتَلْتَهُ.
وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ فَرْقًا، فَقالَ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أصْلُ ( الأُفِّ ) في اللُّغَةِ: وسَخُ الأُذُنِ، و( التَفَّ ): وسَخُ الأظْفارِ، فاسْتَعْمَلَتْهُما العَرَبُ فِيما يُكْرَهُ ويُسْتَقْذَرُ ويُضْجَرُ مِنهُ.
وحَكى الزَّجّاجُ فَرْقًا آَخَرَ، فَقالَ: قَدْ قِيلَ: إنَّ ( أُفٍّ ): وسَخُ الأظْفارِ، و( التُّفُّ ): الشَّيْءُ الحَقِيرُ، نَحْوُ: وسَخُ الأُذُنِ، أوِ الشَّظِيَّةُ تُؤْخَذُ مِنَ الأرْضِ، ومَعْنى ( أُفٍّ ): النَّتِنُ، ومَعْنى الآَيَةِ: لا تَقُلْ لَهُما كَلامًا تَتَبَرَّمُ فِيهِ بِهِما إذا كَبِرا وأسَنّا، فَيَنْبَغِي أنْ تَتَوَلّى مِن خِدْمَتِهِما مِثْلُ الَّذِي تَوَلَّيا مِنَ القِيامِ بِشَأْنِكَ وخِدْمَتِكَ.
﴿ وَلا تَنْهَرْهُما ﴾ ؛ أيْ: لا تُكَلِّمْهُما ضَجَرًا صائِحًا في وُجُوهِهِما.
وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: لا تَنْفُضْ يَدَكَ عَلَيْهِما، يُقالُ: نَهَرْتُهُ أنْهَرُهُ نَهْرًا، وانْتَهَرْتُهُ انْتِهارًا، بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: نَهَرْتُ الرَّجُلَ وانْتَهَرْتُهُ، مِثْلُ: زَجَرْتُهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما نَهى عَنْ أذاهِما في الكِبَرِ، وإنْ كانَ مَنهِيًّا عَنْهُ عَلى كُلِّ حالَةٍ؛ لِأنَّ حالَةَ الكِبَرِ يَظْهَرُ فِيها مِنهُما ما يَضْجَرُ ويُؤْذِي، وتَكْثُرُ خِدْمَتُهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا ﴾ ؛ أيْ: لَيِّنًا لَطِيفًا أحْسَنَ ما تَجِدُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ ؛ أيْ: ألِنْ لَهُما جانِبَكَ مُتَذَلِّلًا لَهُما مِن رَحْمَتِكَ إيّاهُما.
وخَفْضُ الجَناحِ قَدْ شَرَحْناهُ في [ الحِجْرِ: ٨٨ ] .
قالَ عَطاءٌ: جَناحُكَ: يَداكَ، فَلا تَرْفَعُهُما عَلى والِدَيْكَ.
والجُمْهُورُ يَضُمُّونَ الذّالَ مِنَ " الذُّلِّ " .
وقَّرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِ الذّالِ.
قالَ الفَرّاءُ: الذُّلُّ: أنْ تَتَذَلَّلَ لَهُما، مِنَ الذُّلِّ، والذُّلُّ: أنْ تَتَذَلَّلَ ولَسْتَ بِذَلِيلٍ في الخِدْمَةِ، والذُّلُّ والذِّلَّةِ: مَصْدَرُ الذَّلِيلِ، والذُّلُّ بِالكَسْرِ: مَصْدَرُ الذَّلُولُ، مِثْلُ: الدّابَّةِ والأرْضِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ ( الذُّلَّ ) بِكَسْرِ الذّالِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى الذُّلِّ بِضَمِّ الذّالِ، والَّذِي عَلَيْهِ كُبَراءُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الذُّلَّ مِنَ الرَّجُلِ: الذَّلِيلُ، والذُّلُّ مِنَ الدّابَّةِ: الذَّلُولُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا ﴾ ؛ أيْ: مِثْلُ رَحْمَتِهِما إيّايَ في صِغَرِي حَتّى رَبَّيانِي.
وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا الدُّعاءَ المُطْلَقَ نُسِخَ مِنهُ الدُّعاءُ لِأهْلِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، وهَذا المَعْنى مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، ومُقاتِلٍ.
قالَ المُصَنَّفُ: ولا أرى هَذا نَسْخًا عِنْدَ الفُقَهاءِ؛ لِأنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وقَدْ ذَكَرَ قَرِيبًا مِمّا قُلْتُهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ ﴾ ؛ أيْ: بِما تُضْمِرُونَ مِنَ البِرِّ والعُقُوقِ، فَمَن بَدَرَتْ مِنهُ بادِرَةٌ وهو لا يُضْمِرُ العُقُوقَ، غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ ﴾ ؛ أيْ: طائِعِينَ لِلَّهِ، [ وقِيلَ ]: بارِّينَ، وقِيلَ: تَوّابِينَ.
﴿ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا ﴾ في الأوّابِ عَشْرَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُسْلِمُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّوّابُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو التّائِبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو التَّوّابُ المُقْلِعُ عَنْ جَمِيعِ ما نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، يُقالُ: قَدْ آَبَ يَؤُوبُ أوْبًا: إذا رَجَعَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُسَبِّحُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المُطِيعُ لِلَّهِ تَعالى، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَذْكُرُ ذَنْبَهُ في الخَلاءِ، فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنهُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُ المُقْبِلُ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَلْبِهِ وعَمَلِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّابِعُ: المُصَلِّي، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّامِنُ: هو الَّذِي يُصَلِّي بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ ابْنُ المُنْكَدِرِ.
والتّاسِعُ: الَّذِي يُصَلِّي صَلاةَ الضُّحى، قالَهُ عَوْنُ العُقَيْلِيُّ.
والعاشِرُ: أنَّهُ الَّذِي يُذْنِبُ سِرًّا ويَتُوبُ سِرًّا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أو كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا ﴾ ﴿ واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا ﴾ ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا ﴾ "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ هي بِمَعْنى: أمَرَ وألْزَمَ وأوجَبَ عَلَيْكُمْ، وهَكَذا قالَ الناسُ.
وأقُولُ: المَعْنى: وقَضى رَبُّكَ أمْرَهُ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ﴾ ، ولَيْسَ في هَذِهِ الألْفاظِ إلّا أمْرٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى عِبادَةِ اللهِ، فَذَلِكَ هو المَقْضِيُّ، لا نَفْسَ العِبادَةِ.
و"قَضى" في كَلامِ العَرَبِ: أتَمَّ المَقْضِيُّ مُحْكَمًا، والمَقْضِيُّ هُنا هو الأمْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَصّى"، وهي قِراءَةُ أصْحابِهِ وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والنَخْعِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ، وكَذَلِكَ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وقالَ الضَحاكُ: تَصَحَّفَ عَلى قَوْمٍ "وَصّى" بِـ "قَضى" حِينَ اخْتَلَطَتِ الواوُ بِالصادِّ وقْتَ كَتْبِ المُصْحَفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ بِسَنَدٍ وقَدْ ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِثْلَ قَوْلِ الضَحاكِ، وقالَ عن مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ: إنَّهُ قالَ: "إنَّ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَنُورًا، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ .
ثُمَّ ضَعَّفَ ابْنُ حاتِمٍ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ ذَلِكَ، وقالَ: "لَوْ قُلْنا هَذا لَطَعَنَ الزَنادِقَةُ في مُصْحَفِنا".
والضَمِيرُ في ﴿ تَعْبُدُوا ﴾ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَضى السَلَفُ والجُمْهُورُ، وسَألَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: عَصَيْتَ رَبَّكَ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: قُضِيَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ -وَكانَ فَصِيحًا-: ما قَضى اللهُ أيْ: ما أمَرَ اللهُ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الناسُ، تَكَلَّمَ الحَسَنُ في القَدَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "قَضى" عَلى مَشْهُورِها في الكَلامِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "تَعْبُدُوا" لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنْ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ عَطْفًا عَلى "أنِ" الأُولى، أيْ: أمَرَ اللهُ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وأنَّ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ مَقْطُوعًا مِنَ الأوَّلِ؛ فَإنَّهُ أخْبَرَهم بِقَضاءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ أمَرَهم بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ و"إمّا" شَرْطِيَّةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَبْلُغَنَّ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ ذَكْوانِ "يَبْلُغَنْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْلُغانِّ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وهي النُونُ الثَقِيلَةُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً، ولَيْسَتْ بِنُونِ تَثْنِيَةٍ، فَعَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: أحَدُهُما" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَبْلُغانِّ"، وهو بَدَلٌ مُقَسِّمٌ كَقَوْلِ الشاعِرِ: وكُنْتُ كَذِي رَجْلَيْنِ: رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورَجُلٍ رَمى فِيها الزَمانُ فَشَلَّتْ وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ: "أحَدُهُما" فاعِلًا، وقَوْلُهُ: ﴿ أو كِلاهُما ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"، وقَدْ ذَكَرَ هَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ، وسِيبَوَيْهِ لا يَرى لِهَذِهِ اللُغَةَ مَدْخَلًا في القُرْآنِ الكَرِيمِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "أُفِ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَرْكِ التَنْوِينِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى: "أُفٍّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "أُفَّ" بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "أُفُ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "أُفَ" خَفِيفَةً، وهَذا كُلُّهُ بِناءٌ، إلّا أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ تُعْطِي التَنْكِيرَ، كَما تَقُولُ: "إيهِ".
وفِيها لُغاتٌ لَمْ يُقْرَأْ بِها: "أُفٌّ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ، عَلى أنَّ هارُونَ حَكاها قِراءَةً وأُفًّا" بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ، و"أُفِي" بِياءٍ بَعْدَ الكَسْرَةِ، حَكاها الأخْفَشُ الكَبِيرُ، و"أُفا" بِألْفٍ بَعْدَ الفَتْحَةِ، و"أُفَّ" بِسُكُونِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ، و"أُفُ" مِثْلَ رَبْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُمِيلُ "أُفا"، ومِنهم مَن يَزِيدُ فِيها هاءَ السَكْتِ فَيَقُولُ: "أُفاهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى اللَفْظَةِ أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، كَأنَّ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَقُولَ: أضْجَرُ، أو: أتَقَذَّرُ، أو: أكْرَهُ، أو نَحْوَ هَذا، يُعَبِّرُ إيجازًا بِهَذِهِ اللَفْظَةِ فَتُعْطِي مَعْنى الفِعْلِ المَذْكُورِ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى هَذِهِ اللَفْظَةَ مَثَلًا لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يُقابِلَ بِهِ الآباءَ مِمّا يَكْرَهُونَ، فَلَمْ تُرَدْ هَذِهِ اللَفْظَةَ في نَفْسِها وإنَّما هي مِثالُ الأعْظَمِ مِنها والأقَلِّ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ المَسْكُوتِ عنهُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَذْكُورِ.
و"الِانْتِهارُ إظْهارُ الغَضَبِ في الصَوْتِ واللَفْظِ.
و"القَوْلُ الكَرِيمُ": الجامِعُ لِلْمَحاسِنِ، مِنَ اللِينِ وجَوْدَةِ المَعْنى وتَضَمُّنِ البِرِّ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، تُرِيدُ أنَّهُ جَمُّ المَحاسِنِ.
و"الأُفُّ": وسَخُ الأظْفارِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ الَّتِي في الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ مَعْناهُ: إذا رَأيْتَ مِنهُما في حالِ الشَيْخِ الغائِطَ والبَوْلَ الَّذِي رَأياهُ مِنكَ في حالِ الصِغَرِ، فَلا تَقْذِرْهُما، وتَقُولُ: أُفٍّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ أعَمُّ مِن هَذا القَوْلِ، وهو داخِلٌ في جُمْلَةِ ما تَقْتَضِيهِ.
قالَ أبُو السَرّاجِ التُجِيبِي: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ قَدْ عَرِفْتُهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا ﴾ ، ما هَذا القَوْلُ الكَرِيمُ؟
قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ ﴾ اسْتِعارَةٌ، أيِ: اقْطَعْهُما جانِبَ الذُلِّ مِنكَ، ودَيِّثْ لَهُما نَفْسَكَ وخُلُقَكَ.
وبُولِغَ بِذِكْرِ الذُلِّ هُنا ولَمْ يَذْكُرْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، وذَلِكَ بِحَسَبِ عِظَمِ الحَقِّ هُنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الذُلِّ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: "الذِلِّ" بِكَسْرِ الذالِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، و"الذِلُّ" في الدَوابِّ ضِدُّ "الصُعُوبَةِ"، ومِنهُ: الجَمَلُ الذَلُولُ، والمَعْنى يَتَقارَبُ.
ويَنْبَغِي بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مَعَ أبَوَيْهِ في حَيِّزِ ذِلَّةٍ في أقْوالِهِ وسَكَناتِهِ ونَظَرِهِ، ولا يُحِدُّ لَهُما بَصَرَهُ، فَإنَّ تِلْكَ هي نَظْرَةُ الغاضِبِ.
وفي الحَدِيثِ«أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: "أبْعَدَهُ اللهُ وأسْحَقَهُ" قالُوا: مَن يا رَسُولَ اللهِ؟
قالَ: "مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ أو أحَدَهُما فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الرَحْمَةِ ﴾ ، "مِنَ" هُنا لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ إنَّ هَذا الخَفْضَ يَكُونُ مِنَ الرَحْمَةِ المُسْتَكِنَّةِ في النَفْسِ، لا بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِعْمالًا، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ.
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالتَرَحُّمِ عَلى آبائِهِمْ، وذِكْرِ مِنَنِهِما عَلَيْهِ في التَرْبِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَذَكُّرَ تِلْكَ الحالَةِ مِمّا يُزِيدُ الإنْسانَ إشْفاقًا لَهُما، وحَنانًا عَلَيْهِما، وهَذا كُلُّهُ في الأبَوَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ، وقَدْ نَهى القُرْآنُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ الأمْواتِ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُنا لَفْظُ النَسْخِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ نَسْخٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ ﴾ أيْ: مِنَ اعْتِقادِ الرَحْمَةِ بِهِما والحُنُوِّ عَلَيْهِما، أو مِن غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْعَلُونَ ظاهِرَ بِرِّهِما رِياءً.
ثُمَّ وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِالغُفْرانِ مَعَ شَرْطِ الصَلاحِ والأوبَةِ بَعْدَ الأوبَةِ إلى طاعَةِ اللهِ.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ الناسِ في "الأوّابِينَ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُمُ المُصْلِحُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المُسَبِّحُونَ، وقالَ أيْضًا: هُمُ المُطِيعُونَ المُحْسِنُونَ، وقالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ سُئِلَ عَنِ الصَلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقالَ: "تِلْكَ صَلاةُ الأوّابِينَ".» وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المُسْتَغْفِرِينَ ونَحْوَهُ.
وقالَ عَوْنُ العَقِيلِيِّ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الضُحى.
وحَقِيقَةُ اللَفْظَةِ أنَّها مِن: آبَ يُؤَوِّبُ إذا رَجَعَ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم لَهم رُجُوعٌ إلى طاعَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ لَزِمَ عُرْفَها أهْلُ الصَلاحِ.
قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: هو العَبْدُ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ.
وفَسَّرَ الجُمْهُورُ "الأوّابِينَ" بِالراجِعِينَ إلى الخَيْرِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِقَوْلِهِ: "غَفُورًا لِلْأوّابِينَ" الزَلَّةَ والفَلْتَةَ تَكُونُ مِنَ الرَجُلِ إلى أحَدِ أبَوَيْهِ، وهو لَمْ يُصِرَّ عَلَيْها بِقَلْبِهِ، ولا عَلِمَها اللهُ مِن نَفْسِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "خَفْضُ الجَناحِ" هو ألّا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ يُرِيدانِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إياه ﴾ .
عطف على الكلام السابق عطف غرض على غرض تخلصاً إلى أعمدة من شريعة الإسلام بمناسبة الفذلكة المتقدمة تنبيهاً على أن إصلاح الأعمال متفرع على نبذ الشرك كما قال تعالى: ﴿ فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا ﴾ [البلد: 13 17].
وقد ابتُدئ تشريع للمسلمين أحكاماً عظيمة لإصلاح جامعتهم وبناء أركانها ليزدادوا يقيناً بارتفاعهم على أهل الشرك وبانحطاط هؤلاء عنهم، وفي جميعها تعريض بالمشركين الذين كانوا منغمسين في المنهيات.
وهذه الآيات أول تفصيل للشريعة للمسلمين وقع بمكة، وأن ما ذكر في هذه الآيات مقصود به تعليم المسلمين.
ولذلك اختلف أسلوبه عن أسلوب نظيره في سورة الأنعام الذي وُجه فيه الخطاب إلى المشركين لتوقيفهم على قواعد ضلالتهم.
فمن الاختلاف بين الأسلوبين أن هذه الآية افتتحت بفعل القضاء المقتضي الإلزام، وهو مناسب لخطاب أمة تمتثل أمر ربها، وافتتح خطاب سورة [الأنعام: 151] ب ﴿ تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ كما تقدم هنالك.
ومنها أن هذه الآية جعلت المقضي هو توحيد الله بالعبادة، لأنه المناسب لحال المسلمين فحذرهم من عبادة غير الله.
وآية الأنعام جعلت المحرم فيها هو الإشراك بالله في الإلهية المناسب لما كانوا عليه من الشرك إذ لا عبادة لهم.
وأن هذه الآية فصل فيها حكم البر بالوالدين وحكم القتل وحكم الإنفاق ولم يفصل ما في آية الأنعام.
وكان ما ذكر في هذه الآيات خمسة عشر تشريعاً هي أصول التشريع الراجع إلى نظام المجتمع.
وأحسب أن هذه الآيات اشتهرت بين الناس في مكة وتناقلها العرب في الآفاق، فلذلك ألَمّ الأعشى ببعضها في قصيدته المروية التي أعدها لمدح النبي صلى الله عليه وسلم حين جاء يريد الإيمان فصدته قريش عن ذلك، وهي القصيدة الدالية التي يقول فيها: أجدّك لم تسمع وَصاة محمد *** نبيء الإله حين أوصى وأشهدا فإياك والميتاتتِ لا تأكلنها *** ولا تأخذنْ سهماً حديداً لتفصدا وذا النُصُب المنصوب لا تنسكنه *** ولا تَعبد الشيطانَ والله فاعبدا وذا الرحم القربى فلا تقطعنه *** لفاقته ولا الأسيرَ المقيدا ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة *** ولا تَحسبن المال للمرء مخلدا ولا تقربَنّ جارةً إن سرها *** عليك حَرام فانكحَنّ أو تأبّدا وافتتحت هذه الأحكام والوصايا بفعل القضاء اهتماماً به وأنه مما أمر الله به أمراً جازماً وحكماً لازماً، وليس هو بمعنى التقدير كقوله: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ﴾ [الإسراء: 4] لظهور أن المذكورات هنا مما يقع ولا يقع.
و (أنْ) يجوز أن تكون تفسيرية لما في (قضى) من معنى القول.
ويجوز أن تكون مصدرية مجرورة بباء جر مقدرة، أي قضى بأن لا تعبدوا.
وابتدئ هذا التشريع بذكر أصل التشريعة كلها وهو توحيد الله، فذلك تمهيد لما سيذكر بعده من الأحكام.
وجيء بخطاب الجماعة في قوله: ألا تعبدوا إلا إياه} لأن النهي يتعلق بجميع الناس وهو تعريض بالمشركين.
والخطاب في قوله: ﴿ ربك ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم كالذي في قوله قبل: ﴿ من عطاء ربك ﴾ [الإسراء: 20]، والقرينة ظاهرة.
ويجوز أن يكون لغير معين فيعم الأمة والمآل واحد.
وابتدئ التشريع بالنهي عن عبادة غير الله لأن ذلك هو أصل الإصلاح، لأن إصلاح التفكير مقدم على إصلاح العمل، إذ لا يشاق العقل إلى طلب الصالحات إلا إذا كان صالحاً.
وفي الحديث: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» وقد فصلت ذلك في كتابي المسمى أصول النظام الاجتماعي في الإسلام}.
هذا أصل ثاننٍ من أصول الشريعة وهو بر الوالدين.
وانتصب ﴿ إحساناً ﴾ على المفعولية المطلقة مصدر نائباً عن فعله.
والتقدير: وأحسنوا إحساناً بالوالدين كما يقتضيه العطف على ﴿ ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ أي وقضى إحساناً بالوالدين.
﴿ وبالوالدين ﴾ متعلق بقوله؛ ﴿ إحساناً ﴾ ، والباء فيه للتعدية يقال: أحسن بفلان كما يقال أحسن إليه، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ وقد أحسن بي ﴾ في سورة [يوسف: 100].
وتقديمه على متعلقه للاهتمام به، والتعريف في الوالدين للاستغراق باعتبار والدي كل مكلف ممن شملهم الجمع في ألا تعبدوا } .
وعطف الأمر بالإحسان إلى الوالدين على ما هو في معنى الأمر بعبادة الله لأن الله هو الخالق فاستحق العبادة لأنه أوجد الناس.
ولما جعل الله الأبوين مظهرَ إيجاد الناس أمر بالإحسان إليهما، فالخالق مستحق العبادة لغناه عن الإحسان، ولأنها أعظم الشكر على أعظم منة،، وسببُ الوجود دون ذلك فهو يستحق الإحسان لا العبادة لأنه محتاج إلى الإحسان دون العبادة، ولأنه ليس بمُوجد حقيقي، ولأن الله جبل الوالدين على الشفقة على ولدهما، فأمر الولد بمجازاة ذلك بالإحسان إلى أبويه كما سيأتي ﴿ وقل رب أرحمهما كما ربياني صغيراً ﴾ .
وشمل الإحسان كل ما يصدق فيه هذا الجنس من الأقوال والأفعال والبذل والمواساة.
وجملة ﴿ إما يبلغن ﴾ بيان لجملة ﴿ إحساناً ﴾ ، و ﴿ إما ﴾ مركبة من (إن) الشرطية و(ما) الزائدة المهيئة لنون التوكيد، وحقها أن تكتب بنون بعد الهمزة وبعدها (ما) ولكنهم راعوا حالة النطق بها مدغمة فرسموها كذلك في المصاحف وتبعها رسم الناس غالباً، أي إن يبلغ أحدُ الوالدين أو كلاهما حد الكبَر وهما عندك، أي في كفالتك فَوَطّئ لهما خُلُقك ولين جانبك.
والخطاب لغير معين فيعم كل مخاطب بقرينة العطف على ﴿ ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ وليس خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن له أبوان يومئذٍ.
وإيثار ضمير المفرد هنا دون ضمير الجمع لأنه خطاب يختص بمن له أبوان من بين الجماعة المخاطبين بقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ فكان الإفراد أنسب به وإن كان الإفراد والجمع سواء في المقصود لأن خطاب غير المعين يساوي خطاب الجمع.
وخص هذه الحالة بالبيان لأنها مظنة انتفاء الإحسان بما يلقى الولد من أبيه وأمّه من مشقة القيام بشؤونهما ومن سوء الخلق منهما.
ووجه تَعدد فاعل ﴿ يبلغن ﴾ مُظهراً دون جعله بضمير التثنية بأن يقال إما يبلغَانِّ عندك الكبر، الاهتمام بتخصيص كل حالة من أحوال الوالدين بالذكر، ولم يستغن بإحدى الحالتين عن الأخرى لأن لكل حالة بواعث على التفريط في واجب الإحسان إليهما، فقد تكون حالة اجتماعهما عند الابن تستوجب الاحتمال منهما لأجل مراعاة أحدهما الذي الابن أشد حُبّاً له دون ما لو كان أحدهما منفرداً عنده بدون الآخر الذي ميله إليه أشد، فالاحتياج إلى ذكر أحدهما في هذه الصورة للتنبيه على وجوب المحافظة على الإحسان له.
وقد تكون حالة انفراد أحد الأبوين عند الابن أخف كلفة عليه من حالة اجتماعهما، فالاحتياج إلى ﴿ أو كلاهما ﴾ في هذه الصورة للتحذير من اعتذار الابن لنفسه عن التقصير بأن حالة اجتماع الأبوين أحرَج عليه، فلأجل ذلك ذكرت الحالتان وأجري الحكم عليهما على السواء، فكانت جملة ﴿ فلا تقل لهما أف ﴾ بتمامها جواباً ل (إما).
وأكد فعل الشرط بنون التوكيد لتحقيق الربط بين مضمون الجواب ومضمون الشرط في الوجود.
وقرأ الجمهور ﴿ إما يبلغن ﴾ على أن ﴿ أحدهما ﴾ فاعل ﴿ يبلغن ﴾ فلا تلحق الفعل علامة لأنّ فاعله اسم ظاهر.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿ يبلغان ﴾ بألف التثنية ونون مشددة والضمير فاعل عائد إلى الوالدين في قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ ، فيكون ﴿ أحدهما أو كلاهما ﴾ بدلاً من ألف المثنى تنبيهاً على أنه ليس الحكم لاجتماعهما فقط بل هو للحالتين على التوزيع.
والخطاب ب ﴿ عندك ﴾ لكل من يصلح لسماع الكلام فيعم كل مخاطب بقرينة سبق قوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ ، وقوله اللاحق ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ [الإسراء: 25].
﴿ أف ﴾ اسم فعل مضارع معناه أتضخر.
وفيه لغات كثيرة أشهرها كلها ضم الهمزة وتشديد الفاء، والخلاف في حركة الفاء، فقرأ نافع، وأبو جعفر، وحفص عن عاصم بكسر الفاء منونة.
وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب بفتح الفاء غيرَ منونة.
وقرأ الباقون بكسر الفاء غير منونة.
وليس المقصود من النهي عن أن يقول لهما ﴿ أف ﴾ خاصة، وإنما المقصود النهي عن الأذى الذي أقله الأذى باللسان بأوْجز كلمة، وبأنها غير دالة على أكثر من حصُول الضجر لقائلها دون شتم أو ذم، فيفهم منه النهي مما هو أشد أذى بطريق فحوى الخطاب بالأوْلى.
ثم عطف عليه النهي عن نهرهما لئلا يُحسب أن ذلك تأديب لصلاحهما وليس بالأذى.
والنهر الزجر، يقال: نهره وانتهره.
ثم أمر بإكرام القول لهما.
والكريم من كل شيء: الرفيع في نوعه.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومغفرة ورزق كريم ﴾ في سورة [الأنفال: 4].
وبهذا الأمر انقطع العذر بحيث إذا رأى الولد أن ينصح لأحد أبويه أو أن يحذر مما قد يضر به أدى إليه ذلك بقول لين حسن الوقع.
ثم ارتقى في الوصاية بالوالدين إلى أمر الولد بالتواضع لهما تواضعاً يبلغ حد الذل لهما لإزالة وحشة نفوسهما إن صارا في حاجة إلى معونة الولد، لأن الأبوين يبغيان أن يكونا هما النافعين لولدهما.
والقصد من ذلك التخلق بشكره على أنعامهما السابقة عليه.
وصيغ التعبير عن التواضع بتصويره في هيئة تذلل الطائر عندما يعتريه خوف من طائر أشد منه إذ يخفض جناحه متذللاً.
ففي التركيب استعارة مكنية والجناح تخييل بمنزلة تخييل الأظفار للمنية في قول أبي ذُؤْيبَ: وإذا المنية أنشبت أظفارها *** ألفيتَ كل تميمة لا تنفع وبمنزلة تخييل اليد للشمال بفتح الشين والزمام للقرة في قول لبيد: وغداة ريح قد كشفت وقِرةٍ *** إذْ أصبحت بيد الشمال زِمامها ومجموع هذه الاستعارة تمثيل.
وقد تقدم في قوله: ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ في سورة [الحجر: 88].
والتعريف في ﴿ الرحمة ﴾ عوض عن المضاف إليه، أي من رحمتك إياهما.
و(من) ابتدائية، أي الذل الناشئ عن الرحمة لا عن الخوف أو عن المداهنة.
والمقصود اعتياد النفس على التخلق بالرحمة باستحضار وجوب معاملته إياهما بها حتى يصير له خلقاً، كما قيل: إن التخلق يأتي دونه الخلق *** وهذه أحكام عامة في الوالدين وإن كانا مشركين، ولا يُطاعان في معصية ولا كفر كما في آية سورة العنكبوت.
ومقتضى الآية التسوية بين الوالدين في البر وإرضاؤهما معاً في ذلك، لأن موردها لفعل يصدر من الولد نحو والديه وذلك قابل للتسوية.
ولم تتعرض لما عدا ذلك مما يختلف فيه الأبوان ويتشاحان في طلب فعل الولد إذا لم يمكن الجمع بين رغبتيهما بأن يأمره أحد الأبوين بضد ما يأمره به الآخر.
ويظهر أن ذلك يجري على أحوال تعارض الأدلة بأن يسعى إلى العمل بطلبيهما إن استطاع.
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة: «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم مَن أحقّ الناس بحسن صحابتي؟
قال: أمك.
قال: ثم مَن؟
قال: ثم أمُّك.
قال: ثم مَن؟
قال: ثم أمُّك.
قال: ثمّ من؟
قال: ثم أبوك» وهو ظاهر في ترجيح جانب الأم لأن سؤال السائل دل على أنه يسأل عن حسن معاملته لأبويه.
وللعلماء أقوال: أحدها: ترجيح الأم على الأب وإلى هذا ذهب الليث بن سعد، والمحاسبي، وأبو حنيفة.
وهو ظاهر قول مالك، فقد حكى القرافي في الفرق 23 عن مختصر الجامع أن رجلاً سأل مالكاً فقال: إن أبي في بلد السودان وقد كتب إليّ أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك؟
فقال مالك: أَطِعْ أباك ولا تعْص أمك.
وذكر القرافي في المسألة السابعة من ذلك الفرق أن مالكاً أراد منع الابن من الخروج إلى السودان بغير إذن الأم.
الثاني: قول الشافعية أن الأبوين سواء في البر.
وهذا القول يقتضي وجوب طلب الترجيح إذا أمرا ابنهما بأمرين متضادين.
وحكى القرطبي عن المحاسبي في كتاب «الرعاية» أنه قال: لا خلاف بين العلماء في أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع.
وحكى القرطبي عن الليث أن للأم ثلثي البر وللأب الثلث، بناء على اختلاف رواية الحديث المذكور أنه قال: ثم أبوك بعد المرة الثانية أو بعد المرة الثالثة.
والوجه أن تحديد ذلك بالمقدار حوالة على ما لا ينضبط وأن محمل الحديث مع اختلاف روايتيه على أن الأم أرجح على الإجمال.
ثم أمر بالدعاء لهما برحمة الله إياهما وهي الرحمة التي لا يستطيع الولد إيصالها إلى أبويه إلا بالابتهال إلى الله تعالى.
وهذا قد انتُقل إليه انتقالاً بديعاً من قوله: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾ فكان ذكر رحمة العبد مناسبة للانتقال إلى رحمة الله، وتنبيهاً على أن التخلق بمحبة الولد الخير لأبويه يدفعه إلى معاملته إياهما به فيما يعلمانه وفيما يخفى عنهما حتى فيما يصل إليهما بعد مماتهما.
وفي الحديث " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له بخير " وفي الآية إيماء إلى أن الدعاء لهما مستجاب لأن الله أذن فيه.
والحديث المذكور مؤيد ذلك إذ جعل دعاء الولد عملاً لأبويه.
وحكم هذا الدعاء خاص بالأبوين المؤمنين بأدلة أخرى دلت على التخصيص كقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ [التوبة: 113] الآية.
والكاف في قوله: كما ربياني صغيراً } للتشبيه المجازي يعبر عنه النحاة بمعنى التعليل في الكاف، ومثاله قوله تعالى: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ [البقرة: 198]، أي ارحمهما رحمة تكافئ ما ربياني صغيرا.
وصغيراً} حال من ياء المتكلم.
والمقصود منه تمثيل حالة خاصة فيها الإشارة إلى تربية مكيفة برحمة كاملة فإن الأبوة تقتضي رحمة الولد، وصغرالولد يقتضي الرحمة به ولو لم يكن ولداً فصار قوله: ﴿ كما ربياني صغيراً ﴾ قائماً مقام قوله كما ربياني ورحماني بتربيتهما.
فالتربية تكملة للوجود، وهي وحدها تقتضي الشكر عليها.
والرحمة حفظ للوجود من اجتناب انتهاكه وهو مقتضى الشكر، فجمع الشكر على ذلك كله بالدعاء لهما بالرحمة.
والأمر يقتضي الوجوب.
وأما مواقع الدعاء لهما فلا تنضبط وهو بحسب حال كل امرئ في أوقات ابتهاله.
وعن سفيان بن عيينة إذا دعا لهما في كل تشهد فقد امتثل.
ومقصد الإسلام من الأمر ببر الوالدين وبصلة الرحم ينحل إلى مقصدين: أحدهما: نفساني وهو تربية نفوس الأمة على الاعتراف بالجميل لصانعه، وهو الشكر، تخلقاً بأخلاق الباري تعالى في اسمه الشكور، فكما أمر بشكر الله على نعمة الخلق والرزق أمر بشكر الوالدين على نعمة الإيجاد الصوري ونعمة التربية والرحمة.
وفي الأمر بشكر الفضائل تنويه بها وتنبيه على المنافسة في إسدائها.
والمقصد الثاني عمراني، وهو أن تكون أواصر العائلة قوية العُرى مشدودة الوثوق فأمر بما يحقق ذلك الوثوق بين أفراد العائلة، وهو حسن المعاشرة ليربي في نفوسهم من التحاب والتواد ما يقوم مقام عاطفة الأمومة الغريزية في الأم، ثم عاطفة الأبوة المنبعثة عن إحساسسٍ بعضه غريزي ضعيف وبعضه عقلي قوي حتى أن أثر ذلك الإحساس ليساوي بمجموعه أثر عاطفة الأم الغريزية أو يفوقها في حالة كبر الابن.
ثم وزع الإسلام ما دعا إليه من ذلك بين بقية مراتب القرابة على حسب الدنو في القرب النسبي بما شرعه من صلة الرحم، وقد عزز الله قابلية الانسياق إلى تلك الشرعة في النفوس.
جاء في الحديث: «أن الله لما خلق الرحم أخذت بقائمة من قوائم العرش وقالت: هذا مقام العائذ بكَ من القطيعة.
فقال الله: أما تَرْضَيْنَ أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك» وفي الحديث: «إن الله جعل الرحم من اسمه الرحيم».
وفي هذا التكوين لأواصر القرابة صلاح عظيم للأمة تظهر آثاره في مواساة بعضهم بعضاً، وفي اتحاد بعضهم مع بعض، قال تعالى: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾ [الحجرات: 13].
وزاده الإسلام توثيقاً بما في تضاعيف الشريعة من تأكيد شد أواصر القرابة أكثر مما حاوله كل دين سلف.
وقد بينا ذلك في بابه من كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية}.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ﴾ مَعْناهُ وأمَرَ رَبُّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ.
وَكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَآنِ (وَوَصّى رَبُّكَ) قالَهُ الضَّحّاكُ، وكانَتْ في المُصْحَفِ: ووَصّى رَبُّكَ لَكِنْ ألْصَقَ الكاتِبُ الواوَ فَصارَتْ ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ﴾ ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ مَعْناهُ ووَصّى بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، يَعْنِي أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِما بِالبِرِّ بِهِما في الفِعْلِ والقَوْلِ.
﴿ إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَبْلُغَنَّ كِبَرَكَ وكَمالَ عَقْلِكَ.
الثّانِي: يَبْلُغانِ كِبَرَهَما بِالضَّعْفِ والهَرَمِ.
﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ يَعْنِي حِينَ تَرى مِنهُما الأذى وتُمِيطَ عَنْهُما الخَلا، وتُزِيلَ عَنْهُما القَذى فَلا تَضْجَرْ، كَما كانا يُمِيطانِهِ عَنْكَ وأنْتَ صَغِيرٌ مِن غَيْرِ ضَجَرٍ.
وَفي تَأْوِيلِ: ﴿ أُفٍّ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كُلُّ ما غَلُظَ مِنَ الكَلامِ وقَبُحَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْتِقْذارُ الشَّيْءِ وتَغَيُّرُ الرّائِحَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّها كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى التَّبَرُّمِ والضَّجَرِ، خَرَجَتْ مَخْرَجَ الأصْواتِ المَحْكِيَّةِ.
والعَرَبُ تَقُولُ أُفٍّ وتُفٍّ، فالأُفُّ وسَخُ الأظْفارِ، والتُّفُّ ما رَفَعْتَهُ مِنَ الأرْضِ بِيَدِكَ مِن شَيْءٍ حَقِيرٍ.
﴿ وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَيِّنًا.
والآخَرُ: حَسَنًا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضى ربك أَلاَّ تعبدوا إلا إياه ﴾ قال: التزقت الواو بالصاد، وأنتم تقرؤونها ﴿ وقضى ربك ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرج أبو عبيد وابن منيع وابن المنذر وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل الله هذا الحرف على لسان نبيكم- صلى الله عليه وسلم- ﴿ ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ﴾ فالتصقت إحدى الواوين بالصاْد، فقرأ الناس ﴿ وقضى ربك ﴾ ولو نزلت على القضاء، ما أشرك به أحد.
وأخرج الطبراني، عن الأعمش قال: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقرأ ﴿ ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه أنه قرأها ﴿ ووصى ربك ﴾ قال: إنهم ألصقوا إحدى الواوين بالصاد فصارت قافاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ قال: أمر.
وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ قال: عهد ربك ألا تعبدوا إلا إياه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ يقول: براً.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ﴾ فيما تميط عنهما من الأذى الخلاء والبول، كما كانا لا يقولانه، فيما كانا يميطان عنك من الخلا والبول.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ لا تقل لهما أف ﴾ فما سواه.
وأخرج الديلمي، عن الحسن بن علي- رضي الله عنهما- مرفوعاً، لو علم الله شيئاً من العقوق أدنى من ﴿ أف ﴾ لَحَرَّمَهُ.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عروة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ قال: لا تمنعهما شيئاً أرادا.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن الحسن رضي الله عنه أنه سئل ما برّ الوالدين؟
قال: أن تبذل لهما ما ملكت، وأن تطيعهما فيما أمراك به، إلا أن يكون معصية.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن رضي الله عنه أنه قيل له: إلام ينتهي العقوق؟
قال: أن يحرمهما ويهجرهما ويحد النظر إلى وجههما.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ قال: يقول: يا أبت، يا أمه، ولا يسميهما بأسمائهما.
وأخرج ابن مردويه، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «أتى رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم ومعه شيخ فقال:من هذا معك؟
قال: أبي.
قال: لا تمشين أمامه، ولا تقعدن قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستب له» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ قال: إذا دعواك فقل لهما لبيكما وسعديكما.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ قال: قولاً ليناً سهلاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي الهداج التجيبي قال: قلت لسعيد بن المسيب رضي الله عنه كل ما ذكر الله في القرآن من بر الوالدين فقد عرفته إلا قوله: ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ ما هذا القول الكريم؟
قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عروة في قوله: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾ قال: تلين لهما حتى لا يمتنعا من شيء أحباه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾ يقول اخضع لوالديك كما يخضع العبد للسيد الفظ الغليظ.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾ قال: لا ترفع يديك عليهما إذا كلمتهما.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عروة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾ قال: إن أغضباك، فلا تنظر إليهما شزراً، فإنه أوّل ما يعرف غضب المرء بشدة نظره إلى من غضب عليه.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما برَّ أباه من حدّ إليه الطرف» .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن زهير بن محمد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾ قال: إن سباك أو لعناك، فقل رحمكما الله غفر الله لكما.
وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ واخفض لهما جناح الذل ﴾ بكسر الذال.
وأخرج، عن عاصم الجحدري رضي الله عنه مثله.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي مرة مولى عقيل: أن أبا هريرة رضي الله عنه كانت أمه في بيت وهو في آخر، فكان يقف على بابها ويقول: السلام عليك يا أمتاه ورحمة الله وبركاته فتقول: وعليك يا بني، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيراً، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ﴾ ثم أنزل الله بعد هذا ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ﴾ [ التوبة: 113] .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإما يبلغن عندك الكبر ﴾ إلى قوله: ﴿ كما ربياني صغيراً ﴾ قد نسختها الآية التي في براءة ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ [ التوبة: 113] الآية.
وأخرج ابن المنذر والنحاس وابن الأنباري في المصاحف، عن قتادة رضي الله عنه قال: نسخ من هذه الآية حرف واحد، لا ينبغي لأحد من المسلمين أن يستغفر لوالديه إذا كانوا مشركين، ولم يقل ﴿ رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ﴾ ولكن ليخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وليقل لهما قولاً معروفاً.
قال الله تعالى: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ قال: تكون البادرة من الولد إلى الوالد، فقال الله: ﴿ إن تكونوا صالحين ﴾ أي تكون النية صادقة ببرهما ﴿ فإنه كان للأوّابين غفوراً ﴾ للبادرة التي بدرت منه.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه كان للأوّابين غفوراً ﴾ قال: الرجاعين إلى الخير.
وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن أبي حاتم والبيهقس عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه كان للأوّابين ﴾ قال: الرجاعين من الذنب إلى التوبة، ومن السيئات إلى الحسنات.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ للأوّابين ﴾ قال: للمطيعين المحسنين.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ للأوّابين ﴾ قال: للتوّابين.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه- قال: الأوّاب، التوّاب.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «سألت النبي- صلى الله عليه وسلم- أي العمل أحب إلى الله؟
قال: الصلاة على وقتها قلت: ثم أي؟
قال: ثم بر الوالدينقلت: ثم أي؟
قال:ثم الجهاد في سبيل الله» .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد.
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قلت يا رسول الله، من أبر؟
قال: «أمك.
قلت: من أبر؟
قال: أمك.
قلت: من أبر؟
قال: أمك.
قلت: من أبر؟
قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب» .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد والبيهقي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه أتاه رجل فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟
قال: أمك حية؟
قال: لا.
قال: تب إلى الله، وتقرب إليه ما استطعت.
فذهبت فسألت ابن عباس- رضي الله عنهما- لم سألت عن حياة أمه؟
فقال: إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله من بر الوالدة.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل نبي الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ما تأمرني؟
قال: «بر أمك، ثم عاد فقال: بر أمك، ثم عاد فقال: بر أمك، ثم عاد الرابعة فقال: بر أباك» وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما من مسلم له والدان يصبح إليهما محسناً إلا فتح الله له بابين- يعني من الجنة- وإن كان واحداً فواحد، وإن أغضب أحدهما، لم يرض الله عنه، حتى يرضى عنه.
قيل: وإن ظلماه؟؟
قال: وإن ظلماه.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه قيعتقه» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري في الأدب والحاكم وصححه والبيهقي، عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: جاء رجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان قال: «فارجع إليهما وأضحكهما كما أبكيتهما» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- يريد الجهاد، فقال: «ألك والدان؟
قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد» .
وأخرج البخاري في الأدب ومسلم والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه قالوا يا رسول الله من؟
قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما فدخل النار» .
وأخرج البخاري في الأدب والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من بر والديه طوبى له زاد الله في عمره» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري في الأدب والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أبصر رجلين، فقال: لأحدهما ما هذا منك؟
فقال أبي، فقال: لا تسمه.
وفي لفظ لا تدعه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله حتى يجلس، ولا تستب له.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين» .
وأخرج سعيد وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي، عن معاوية بن جابر، عن أبيه قال: أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم أستشيره في الجهاد، فقال: «ألك والدة؟
قال نعم.
قال: اذهب فالزمها فإن الجنة عند رجليها» .
وأخرج عبد الرزاق، عن طلحة رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا رسول الله، إني أريد الغزو، وقد جئت إليك أستشيرك؟
فقال: هل لك من أم؟
قال: نعم.
قال: فالزمها فإن الجنة عند رجليها، ثم الثانية، ثم الثالثة» كمثل ذلك.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي، عن أنس رضي الله عنه «أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، فقال: هل بقي أحد من والديك؟
قال: أمي، قال: فاتق الله فيها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد، فإذا دعتك أمك فاتق الله وبرّها» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لنومك على السرير بين والديك تضحكهما ويضحكانك أفضل من جهادك بالسيف في سبيل الله» .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي، عن خداش بن سلامة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أوصي امرأ بأمه ثلاث مرار، وأوصي امرأ بأبيه مرتين، وأوصي امرأً بمولاه الذي يليه، وإن كان عليه منه أذى يؤذيه.
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الوالد وسط أبواب الجنة، فاحفظ ذلك الباب، أو ضَيِّعْهُ» .
وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أراني في الجنة، فبينا أنا فيها إذ سمعت صوت رجل بالقرآن، فقلت: من هذا؟
قالوا: حارثة بن النعمان، كذلك البر كذلك البر» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم نمت فرأيتني في الجنة، فسمعت قارئاً، يقرأ، فقلت من هذا؟
قالوا: حارثة بن النعمان، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كذلك البر كذلك البر كذلك البر قال: وكان أبر الناس بأمه» .
وأخرج البيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مر رجل له جسم- يعني خلقاً- فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله!
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- «لعله يكد على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله.
لعله يكد على صبية صغار، فهو في سبيل الله.
لعله يكد على نفسه ليغنيها عن الناس، فهو في سبيل الله» .
وأخرج البيهقي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يمد الله في عمره، ويزيد في رزقه، فليبر والديه وليصل رحمه» .
وأخرج البيهقي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من ولد بار ينظر إلى والديه نظرة رحمة، إلا كتب الله له بكل نظرة حجة مبرورة قالوا: وإن نظر كل يوم مائة مرة؟
قال: نعم.
الله أكبر وأطيب» .
وأخرج البيهقي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نظر الولد إلى والده- يعني- فسرّ به، كان للولد عتق نسمة قيل: يا رسول الله، وإن نظر ثلاثمائة وستين نظرة؟
قال:الله أكبر من ذلك» .
وأخرج البيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: النظر إلى الوالد عبادة، والنظر إلى الكعبة عبادة، والنظر إلى المصحف عبادة، والنظر إلى أخيك؛ حباً له في الله عبادة.
وأخرج البيهقي وضعفه، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قبل بين عيني أمه كان له ستراً من النار» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك والدان قال: لا.
قال: ألك خالة؟
قال: نعم.
قال: فبرها إذن» .
وأخرج البيهقي عن أم أيمن رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بعض أهل بيته فقال: «لا تشرك بالله وإن عذبت وإن حرقت، وأطع ربك ووالديك وإن أمراك أن تخرج من كل شيء فاخرج، ولا تترك الصلاة متعمداً؛ فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله، إياك والخمر، فإنها مفتاح كل شر، وإياك والمعصية؛ فإنها تسخط الله، لا تنازِعَنَّ الأمر أهله؛ وإن رأيت أنه لك، لا تفر من الزحف؛ وإن أصاب الناس موت، وأنت فيهم فأثبت، أنفق على أهلك من طولك، ولا ترفع عصاك عنهم وأخفهم في الله عز وجل» .
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي، عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: كنا عند النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال رجل: «يا رسول الله، هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟
قال: نعم.
خصال أربع: الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وانفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما» .
وأخرج البخاري في الأدب ومسلم وأبو داود والترمذي وابن حبان والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه بعد أن يولي الأب» .
وأخرج البخاري في الأدب، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: والذي بعث محمداً بالحق، إنه لفي كتاب الله، لا تقطع من كان يصل أباك، فتطفئ بذلك نورك.
وأخرج الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لرجل من العرب كان يصحبه- يقال له عفير- يا عفير، كيف سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الودّ؟
قال: سمعته يقول: «الودّ يتوارث، والعداوة كذلك» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والحاكم والبيهقي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة عاق، ولا ولد زنا، ولا مدمن خمر، ولا منان» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة عاق والديه، ولا منان، ولا ولد زنية، ولا مدمن خمر، ولا قاطع رحم، ولا من أتى ذات رحم» .
وأخرج البيهقي وضعفه، عن طلق بن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أدركت والدي أو أحدهما وأنا في صلاة العشاء، وقد قرأت فيها بفاتحة الكتاب، فنادى يا محمد، لأجبتهما لبيك» .
وأخرج البيهقي وضعفه من طريق الليث بن سعد حدثني يزيد بن حوشب الفهري، عن أبيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو كان جريج الراهب فقيهاً عالماً، لعلم أن إجابته أمه أفضل من عبادته ربه» .
وأخرج البيهقي عن مكحول قال: إذا دعتك والدتك وأنت في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه حتى تفرغ من صلاتك.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن المنكدر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه» .
وأخرج أحمد والبيهقي، عن أبي مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك، فأبعده الله وأسحقه» .
وأخرج أحمد والبيهقي، عن سهل بن معاذ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من العباد عباد لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولا يطهرهم قيل: من أولئك يا رسول الله؟
قال:المتبرئ من والديه رغبة عنهما، والمتبرئ من ولده، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم» .
وأخرج البيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً، أو قتله نبي، أو قتل أحد والديه، والمصوّرون، وعالم لم ينتفع بعلمه» .
وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي والبيهقي والطبراني والخرائطي في مساوئ الأخلاق من طريق بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه عن جده أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة، إلا عقوق الوالدين، فإنه يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات، ومن رايا رايا الله به، ومن سمع سمع الله به» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي، عن طاوس رضي الله عنه قال: إن من السنة أن توقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد.
قال: ويقال أن من الجفاء: أن يدعو الرجل والده باسمه.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي، عن كعب رضي الله عنه أنه سئل عن العقوق ما تجدونه في كتاب الله عقوق الوالدين؟
قال: إذا أقسم عليه لم يبره، وإذا سأله لم يعطه، وإذا ائتمنه خان، فذلك العقوق.
وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات: دعاء الوالد على ولده، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن محمد بن النعمان يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برّاً» .
وأخرج البيهقي، عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو لهما من بعدهما، فيكتبه الله من البارين» .
وأخرج البيهقي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد يموت والداه أو أحدهما، وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله بارّاً» .
وأخرج البيهقي عن الأوزاعي رضي الله عنه قال: بلغني أن من عق والديه في حياتهما ثم قضى ديناً إن كان عليهما واستغفر لهما ولم يستسب لهما كتب بارّاً، ومن بر والديه في حياتهما ثم لم يقض ديناً إذا كان عليهما ولم يستغفر لهما واستسب لهما كتب عاقاً.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح مطيعاً لله في والديه أصبح له بابان مفتوحان من الجنة، وإن كان واحداً فواحداً، ومن أمسى عاصياً لله في والديه أصبح له بابان مفتوحان من النار، وإن كان واحداً فواحداً» قال رجل: وإن ظلماه؟
قال: «وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه» .
وأخرج البيهقي، عن المنكدر بن محمد بن المنكدر رضي الله عنه قال: كان أبي يبيت على السطح يروح على أمه، وعمي يصلي إلى الصباح، فقال له أبي ما يسرني أن ليلتي بليلتك.
وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد والبيهقي، عن عبد الله بن المبارك قال: قال محمد بن المنكدر، بات عمر أخي يصلي، وبت أغمز رجل أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته.
وأخرج ابن سعد، عن محمد بن المنكدر: أنه كان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه: يا أمه، قومي فضعي قدمك على خدي.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي، عن طاوس قال: كان رجل له أربعة بنين فمرض فقال أحدهم: إما أن تمرضوه، وليس لكم من ميراثه شيء، وأما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء، قالوا: بل مرضه وليس لك من ميراثه شيء، فمرضه حتى مات ولم يأخذ من ماله شيئاً، فأتي في النوم فقيل له: ائت مكان كذا وكذا، فخذ منه مائة دينار، فقال في نومه أفيها بركة؟
قالوا: لا.
فأصبح فذكر ذلك لامرأته، فقالت له خذها، فإن من بركتها: أن تكتسي منها وتعيش بها، فأبى، فلما أمسى أتي في النوم فقيل له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه عشرة دنانير، فقال: فيها بركة؟
قالوا: لا: فأصبح فذكر ذلك لامرأته، فقالت له مثل ذلك، فأبى أن يأخذها، فأتي في النوم في الليلة الثالثة: أن ائت مكان كذا وكذا فخذ منه ديناراً، فقال: أفيه بركة؟
قالوا: نعم.
فذهب فأخذ الدينار، ثم خرج به إلى السوق، فإذا هو برجل يحمل حوتين، فقال بكم هذان، فقال بدينار، فأخذهما منه بالدينار، ثم انطلق بهما، فلما دخل بيته شق الحوتين فوجد في بطن كل واحد منهما درة لم ير الناس مثلها، فبعث الملك بدرة ليشتريها، فلم توجد إلا عنده، فباعها بوقر ثلاثين بغلاً ذهباً، فلما رآها الملك قال: ما تصلح هذه إلا بأخت، فاطلبوا مثلها وإن أضعفتم.
قال: فجاؤوا فقالوا: عندك أختها نعطيك ضعف ما أعطيناك؟
قال: أو تفعلون؟
قالوا: نعم.
فأعطاهم أختها بضعف ما أخذوا الأولى.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي، عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال: لما قدم أبو موسى وأبو عامر على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فبايعوه وأسلموا.
قال: «ما فعلت امرأة منكم تدعى كذا وكذا؟
قالوا تركناها في أهلها.
قال: فإنها قد غفر لها.
قالوا: بم يا رسول الله؟
قال: ببرها والدتها قال: كانت لها أم عجوز كبيرة، فجاءهم النذير: إن العدو يريد أن يغير عليكم الليلة، فارتحلوا ليلحقوا بعظيم قومهم، ولم يكن معها ما تحتمل عليه، فعمدت إلى أمها، فجعلت تحملها على ظهرها، فإذا أعيت وضعتها، ثم ألصقت بطنها ببطن أمها، وجعلت رجليها تحت رجلي أمها من الرمضاء حتى نجت» .
وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما نحن مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ طلع شاب فقلنا: لو كان هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالتنا.
فقال: وما في سبيل الله، إلا من قتل، ومن سعى على والديه، فهو في سبيل الله، ومن سعى على عياله، فهو في سبيل الله، ومن سعى على نفسه يغنيها فهو في سبيل الله تعالى» .
وأخرج الحاكم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، «أي الناس أعظم حقاً على المرأة.
قال: زوجها.
قلت: فأي الناس أعظم حقاً على الرجل.
قال: أمه» .
وأخرج الحاكم عن علي رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله من ذبح لغير الله، ثم تولى غير مولاه، ولعن الله العاق لوالديه، ولعن الله من نقض منار الأرض» .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم، وبروا آبائكم تبركم أبناؤكم، ومن أتاه أخوه متنصلاً فليقبل ذلك منه محقاً كان أو مبطلاً، فإن لم يفعل لم يرد على الحوض» .
وأخرج الحاكم، عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: «بروا آباءكم» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إن رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «قد هاجرت من الشرك- ولكنه الجهاد- هل لك أحد باليمن؟
قال: أبواي قال: أذنا لك؟
قال: لا.
قال: فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك مجاهد، وإلاّ، فبرّهما» .
وأخرج أحمد في الزهد، عن وهب بن منبه رضي الله عنه أن موسى- عليه الصلاة والسلام- سأل ربه عز وجل فقال: يا رب، بم تأمرني؟
قال: «بأن لا تشرك بي شيئاً» قال: وبم؟
قال: «وتبر والدتك» قال: وبم؟
قال: وبوالدتك قال: وبم؟
قال: بوالدتك؟
قال وهب رضي الله عنه: إن البر بالوالدين يزيد في العمر، والبر بالوالدة ينبت الأصل.
وأخرج أحمد في الزهد، عن عمرو بن ميمون رضي الله عنه قال: رأى موسى عليه السلام رجلاً عند العرش، فغبطه بمكانه، فسأل عنه فقالوا: نخبرك بعمله، لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يمشي بالنميمة، ولا يعق والديه.
قال: «أي رب، ومن يعق والديه» ؟
قال: «يستسب لهما حتى يسبا» .
وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن رجلاً أتاه فقال: إن امرأتي بنت عمي وإني أحبها، وإن والدتي تأمرني أن أطلقها، فقال: لا آمرك أن تطلقها، ولا آمرك أن تعصي والدتك، ولكن أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سمعته يقول: «إن الوالدة أوسط باب من أبواب الجنة» فإن شئت فأمسك وإن شئت فدع.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن رضي الله عنه قال: للأم ثلثا البر وللأب الثلث.
وأخرج أحمد وابن ماجة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر ولا مكذب بقدر» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بر الوالدين يجزئ من الجهاد» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قيل له: ما حق الوالد على الولد؟
قال: لو خرجت من أهلك ومالك ما أديت حقهما.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد، عن علي بن أبي طالب قال: إذا مالت الأفياء، وراحت الأرواح، فاطلبوا الحوائج إلى الله، فإنها ساعة الأوّابين، وقرأ ﴿ فإنه كان للأوّابين غفوراً ﴾ .
وأخرج هناد، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإنه كان للأوّابين غفوراً ﴾ قال: الأوّاب الذي يذنب، ثم يستغفر، ثم يذنب، ثم يستغفر، ثم يذنب ثم يستغفر.
وأخرج هناد، عن عبيد بن عمير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإنه كان للأوّابين غفوراً ﴾ قال: الأوّاب الذي يتذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر منها.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ قال عروة بن الزبير في هذه الآية: يكون لهما ذلولًا، لا يمتنع من شيء أحَبَّاه (١) وقال عطاء عن ابن عباس: لا يريدان منك أمرًا إلا أجبتهما إليه.
وقال مقاتل: أَلِنْ لهما جانبك واخضع لهما، ولا تستصعب عليهما (٢) والخفض في اللغة ضد الرفع، والجناح هاهنا استعارة، وخفض الجناح: عبارة عن السكون، ويريد هاهنا تَرْكَ التعصب والإباء عليهم، والانقياد لهما، وأضاف الجناح إلى الذُّل؛ لأنه أراد تذَلَّلْ لهما، كما قال أبو إسحاق: أَلِنْ لهما جانبك مُتَذَلِّلًا لهما (٣) وقال عطاء بن أبي رباح في هذه الآية: لا ترفع يدك عليهما (٤) ﴿ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ قال الزجاج: أي من مبالغتك في الرحمة لهما (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا ﴾ الآية.
قال قتادة: هكذا علمتم وبهذا أمرتم فخذوا بتعليم الله وأدبه (٦) ﴿ رَبِّ ارْحَمْهُمَا ﴾ : مثل تربيتهما إياي صغيرًا؛ أي مثل رحمتهما [إياي في صغري حتى ربياني، ولكنْ ذكرت التربية لأنها (٧) (٨) ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا ﴾ : لرحمتهما (٩) (١٠) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ثم أنزل الله بعد هذا قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ (١١) ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا ﴾ (منسوخ؛ لا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين (١٢) (١٣) وذهب قوم إلى تخصيص قوله: ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا ﴾ ؛ يعنون أن هذا في الوالدين المسلمين (١٤) ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ قال: ثم استثنى فقال: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية.
فجعل النهي عن استغفار المشركين -وإن كانوا أقارب- استثناءً عن قوله: ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا ﴾ : في المعنى (١٥) (١٦) وقال سفيان، وسئل كم يدعو لوالديه: في اليوم مرةً أو في الشهر أو في السنة؟
قال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في دبر الصلوات؛ كما أن الله تعالى قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ﴾ الآية [الأحزاب: 56]، وكانوا يرون أن التشهد يجزي من الصلاة على النبيّ - -، وكما أن الله قال: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ ، فهم يكبرون في دبر الصلوات (١٧) (١) أخرجه البخاري (8) "الأدب المفرد": باب لين الكلام لوالديه، بنحوه، وابن أبي شيبة 5/ 220 - بنحوه، و"الطبري" 15/ 66، بنحوه من عدة طرق، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 141، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 265 بنصه، و"الثعلبي" 7/ 107 أ، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 310 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره الألباني في "صحيح الأدب المفرد" رقم (8) ص 15.
(٢) "تفسير مقاتل" 1/ 214 أ، بمعناه.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235، بنصه.
(٤) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 141 بنصه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 265، بنحوه، و"الدر المنثور" 4/ 310، ونسبته إلى ابن جرير -لم أجده- وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235، بنصه.
(٦) أخرجه "الطبري" 15/ 67، بنصه.
(٧) في (أ)، (د): (أنها)، والصحيح المثبت؛ لأنها تعليل.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من: (ش)، (ع).
(٩) في (ش): (كرحمتهما)، ومطموسة في (ع).
(١٠) أي الكاف في قوله: ﴿ كَمَا رَبَّيَانِي ﴾ ، وقد قدَّر المحذوف الحوفي بقوله: ارحمهما رحمةً مثلَ تربيتهما لي، ووردت أقوال أخرى في الكاف وفي تقدير المحذوف.
انظر: "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 269، و"الدر المصون" 7/ 344.
(١١) أخرجه "الطبري" 15/ 67 بنصه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 311 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(١٢) ورد في "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 490، بنحوه، انظر: "غرائب التفسير" 1/ 625 ذكره واستغربه ورده ورجح عدم النسخ، و"تفسير القرطبي" 10/ 244، == و"أبي حيان" 6/ 28، و"الدر المنثور" 4/ 311 وعزاه إلى ابن المنذر والنحاس وابن الأنباري في المصاحف، وروي النسخ عن ابن عباس كذلك، انظر: "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 337، و"تفسير البغوي" 5/ 86، و"ابن عطية" 9/ 58، و"ابن الجوزي" 5/ 26، و"القرطبي" 10/ 244.
(١٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).
(١٤) ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 15/ 68، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 490، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 337.
(١٥) ورد في "الناسخ والمنسوخ" للهروي ص 283، بنحوه.
(١٦) وهذا القول هو الراجح، وأولى من دعوى النسخ؛ لإمكان الجمع بين الدليلين، ومتى أمكن الجمع فهو أولى من القول بالنسخ؛ لأن في النسخ إبطال أحد الدليلين، وفي القول بالتخصيص جمع بينهما، وعليه فالآية محكمة غير منسوخة.
انظر: "الإيضاح" لمكي ص 338.
(١٧) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 192، بنصه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقضى رَبُّكَ ﴾ أي حكم وألزم وأوجب، أو أمر ويدل على ذلك ما في مصحف ابن مسعود: ﴿ ووصى ربك ﴾ ﴿ أَلاَّ تعبدوا ﴾ أن مفسرة أو مصدرية على تقدير: بأن لا تعبدوا ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما المؤكدة وجوابها فلا تقل لهما أف، والمعنى الوصية ببر الوالدين إذا كبرا أو كبر أحدهما وإنما خص حاله الكبر؛ لأنهما حينئذ أحوج إلى البر والقيام بحقوقهما، لضعفهما ومعنى عندك: أي في بيتك وتحت كنفك ﴿ أُفٍّ ﴾ حيث وقعت اسم فعل، معناها قول مكروه، يقال عند الضجر ونحوه، وإنما المراد بها أقل كلمة مكروهة تصدر من الإنسان، فنهى الله تعالى أن يقال ذلك للوالدين، فأولى وأحرى ألا يقال لهما ما فوق ذلك، ويجوز في أفّ الكسر والفتح والضم، وهي حركات بناء، وأما تنوينها فهو للتنكير ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ من الانتهار وهو الإغلاظ في القول ﴿ واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة ﴾ استعارة في معنى التواضع لهما والرفق بهما، فهو كقوله: ﴿ واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: 88] وأضافه إلى الذل مبالغة في المعنى كأنه قال: الجناح الذليل، ومن في قوله من الرحمة للتعليل أي من أجل إفراط الرحمة لهما والشفقة عليهما ﴿ لِلأَوَّابِينَ ﴾ قيل: معناه الصالحين، وقيل: المسبّحين، وهو مشتق من الأية بمعنى الرجوع، فحقيقته الراجعين إلى الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يبلغان ﴾ مثنى: حمزة وعلي وخلف ﴿ أف ﴾ بالجر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص ﴿ أف ﴾ بالفتح: ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر وسهل ويعقوب غير مجاهد والمفضل.
والباقون بالكسر.
﴿ تبصطها كل البصط ﴾ مثل: ﴿ بصطة ﴾ ﴿ خطأ ﴾ بفتحتين من غير مد: يزيد وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ خطأ ﴾ بالفتح ثم السكون: ابن مجاهد عن ابن ذكوان ﴿ خطاء ﴾ بالكسر والمد: ابن كثير.
الباقون بالكسر ثم السكون ﴿ فلا تسرف ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
﴿ بالقسطاس ﴾ مكسور القاف حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.
وقرأ أبو نشيط والشموني غير النقاد بالصاد ﴿ سيئه ﴾ على إضافة سيء إلى ضمير ﴿ كل ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر وسهل.
الآخرون ﴿ سيئة ﴾ علم التأنيث.
الوقوف: ﴿ مخذولاً ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ، ط ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ صغيراً ﴾ ، ط ﴿ في نفوسكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ تبذيراً ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ، ﴿ ميسوراً ﴾ ه ﴿ محسوراً ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ، ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ إملاق ﴾ ط ﴿ وإياكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فاحشة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لأن الشرط في أمر قد يقع نادراً خارجاً عن النهي.
﴿ في القتل ﴾ ط ﴿ منصوراً ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ز ﴿ بالعهد ﴾ ج على تقدير فإن.
﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ط ﴿ تأويلا ﴾ ه ﴿ به علم ﴾ ط ﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ مرحاً ﴾ ج لاحتمال إضمار الفاء أو اللام ﴿ طولا ﴾ ه ﴿ مكروهاً ﴾ ه ﴿ الحكمة ﴾ ط ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ .
التفسير: لما أجمل أعمال البر في قوله: ﴿ وسعى لها سعيها وهو مؤمن ﴾ أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ والخطاب للنبي في الظاهر ولكنه في الحقيقة عام للمكلفين، ويحسن أن يقال: إن الخطاب للإنسان كأنه قيل: يا أيها الإنسان لا تجعل أو القول مضمر أي قل لكل مكلف لا تجعل ومما يؤيد ذلك قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ فإن ذلك الخطاب لا يليق بالنبي لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده.
وانتصب قوله: ﴿ فتقعد ﴾ على أنه جواب للنهي والفاء في التحقيق عاطفة والتقدير: لا يكن منك جعل فقعود.
وفيه وجوه منها.
أن المراد به المكث يقال: ما يصنع فلان فيقال هو قاعد بأسوأ حال أي ماكث سواء كان قائماً أو جالساً.
ومنها أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة.
ومنها أنه كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يبقى قاعداً عن الطلب.
ومنه أنه بمعنى الصيرورة من قولهم: "شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة" بمعنى صارت.
ولا ريب أن المشرك جامع على نفسه الذم والخذلان لأنه بشركه يضيف بعض النعم الحاصلة في حقه من الله إلى غيره فيستوجب الذم بالكفران ويستحق الخذلان من حيث إنه لما فوض أمره إلى الشريك المعدوم أو العاجز الناقص بقى بلا ناصر ومعين.
وأيضاً الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمثبت الشريك واقع في جانب النقصان فيورثه الذم والخذلان.
ولما ذكر ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال: ﴿ وقضى ربك ﴾ أي أمر أمراً جزماً وحكم حكماً قطعاً ﴿ ألا تعبدوا ﴾ أي بأن لا تعبدوا فـ"أن" ناصبة ويجوز أن تكون مفسرة، والفعل النهي معناه أي لا يعبدوا.
وقد روى الضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان الأصل في هذه الآية "ووصى ربك" وبه قرأ علي وعبد الله فالتصقت الواو بالصاد فقرىء: ﴿ وقضى ربك ﴾ ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء الله ممتنع.
وضعف هذا القول بأنه يوجب تجويز وقوع التحريف والتصحيف في القرآن.
أمر بعبادة نفسه ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين وتقدير الكلام بأن تحسنوا بالوالدين أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً، ولا يجوز أن يتعلق الباء في ﴿ بالوالدين ﴾ بالإحسان على ما ذهب إليه الواحدي، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته وقد مر في أوائل البقرة تفسير قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ وأنه لم يجعل الإحسان إليهما تالياً لعبادة الله.
يحكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للفقر والعمى والزمانة.
وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟
قال: اكتبوا عليه: هذا ما جناه أبي علي *** وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد: وتركت فيهم نعمة العدم التي *** سبقت وصدّت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة *** ترمى بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منَّة عليك أم والدك؟
فقال: الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعلمي حتى أرتعني في نور العلم، فأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد.
ومن هنا قيل: "خير الآباء من علمك".
وقال العقلاء: وهب أن الوالد في أول الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن اهتمامه بإيصال الخيرات إلى الولد ودفع الآفات عنه من أول دخول الولد في الوجود إلى أوان كبره بل إلى آخر عمره لا ينكر ولا يكفر، ولهذا نكر ﴿ إحساناً ﴾ أي أحسنوا إليهما إحساناً عظيماً كاملاً جزاء على وفور إحسانهما إليك، على أن البادىء بالبر لا يكافأ لأنه أسبق منه.
ثم فصل طرفاً من الإحسان المأمور به فقال: ﴿ أما يبلغن ﴾ هي "إن" الشرطية زيدت عليها "ما" الإبهامية لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت النون المشددة لزيادة التقرير والتأكيد كأنه قيل: إن هذا الشرط مما سيقع ألبتة عادة فليكن هذا الجزاء مرتباً عليه وإلا فالتقرير والتأكيد ليس يليق بالشرط الذي مبناه على تردد الحكم.
وقال النحويون: إن الشرط أشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت فلهذا صح دخول النون المؤكدة فيه.
من قرأ الفعل على التوحيد فقوله: ﴿ أحدهما أو كلاهما ﴾ فاعل له لكن الأول بالاستقلال والثاني بتبعية العطف، ومن قرأ على التنبيه فأحدهما يدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين، وكلاهما عطف علىالبدل فهو بدل مثله.
ولا يصح أن يكون توكيد للضمير معطوفاً على البدل لاستلزام العطف المشاركة دون المباينة.
﴿ وكلاهما ﴾ مفرد لفظاً مثنى معنى، وألفه عن واو عند الكوفيين وأصله كل المفيد للإحاطة فخفف بحذف إحدى اللامين وزيد ألف التثنية ليعرف أن المراد الإحاطة في المثنى لا في الجمع.
وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب أن يقال في الخفض والنصب "مررت بكلي الرجلين" بكسر الياء كقوله ﴿ طرفي النهار ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ قال في الكشاف: معنى ﴿ عندك ﴾ هو أن يكبرا ويعجزا وكانا كلاً على ولدهما لا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه.
وفي ﴿ أف ﴾ لغات: ضم الهمزة مع الحركات في الفاء الثلاث بالتنوين وبدونه.
وأف بكسرتين بلا تنوين.
وأفى ممالاً كبشرى، وأف كخذ، وأفة منونة وغير ممنونة وقد تتبع المنونة تفة فيقال: أفة وتفة وهي من أسماء الأفعال.
وفي تفسيرها وجوه: قال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها أي يقول: أف أف.
وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار.
يقال ذلك عند استقذار الشيء ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به.
وقيل: معنى "أف" القلة من الأفيف وهو الشيء القليل، وتف اتباع له نحو شيطان ليطان وحيث بيث وخبيث نبيث.
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأف الضجر.
وقال القتيبي: أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاص عند تلك النفخة هو القائل أف، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم، قال الزجاج: معناه النتن وبه فسر مجاهد الآية أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تخر أو تبول.
وفي رواية أخرى عن مجاهد: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف أي لا تقل تضجرت أو أتضجر.
قال بعض الأصوليين: منع التأفيف يدل على المنع من سائر أنواع الأذية دلالة لفظية.
ومعنى الآية لا تتعرض لهما بنوع من أنواع الإيذاء والإيحاش كما أن قولك لا يملك فلا نقيراً ولا قطميراً يدل في العرف على أنه لا يملك شيئاً أصلاً، وقال الأكثرون منهم: إن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق المسكوت عنها بالمنصوص عليها فإما أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكثر القياسات، وإما أن يتساويا كقوله : "من أعتق نصيباً من عبد حرم عليه الباقي" فإن الحكم في الأمة والعبد يتساويان.
وإما أن يكون الحكم في محل المسكوت أظهر وهو القياس الجلي ومثاله المنع من التأفيف فإنه مغاير للمنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً آخر عدواً له فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته.
فهذا معقول في الجملة إلا أن قرينة تعظيم الوالدين صيره من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى، فدل على المنع من جميع أنواع الإيذاء.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولا تنهرهما ﴾ والنهر والنهي أخوان يقال: نهره وانتهره وإذا استقبله بكلام يزجره.
﴿ وقل لهما ﴾ بدل التأفيف والنهر ﴿ قولاً كريماً ﴾ جميلاً مشتملاً على حسن الأدب ورعاية دقائق المروة والحياء والاحتشام.
وقال عمر بن الخطاب القول الكريم أن يقول له: "يا أبتاه" "يا أماه" دون أن يسميهما باسمهما.
وقول إبراهيم لأبيه آزر بالضم على النداء، تقديم لحق الله على حق الأبوين.
قالوا: ولا بأس به في الغيبة كما قالت عائشة: نحلني أبو بكر كذا، أو سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ﴿ واخفض لهما جناح الذل ﴾ ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين: الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحيه فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك.
والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع وترك الارتفاع.
وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: "حاتم الجود" فالأصل فيه الجناح الذليل أو الذلول.
والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحاً ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً كقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها.
فأثبت للشمال يداً ثم وضع زمام الريح في يد الشمال.
وقوله: ﴿ من الرحمة ﴾ في "من" معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ﴿ و ﴾ لكن ﴿ قل رب ارحمهما كما ربياني ﴾ ليس المراد رحمة مثل رحمتهما عليّ.
وأما الكاف فلاقتران الشيئين في الوجود أي كما وقع تلك فتقع هذه.
والتربية التنمية ربا الشيء إذا انتفخ وزاد.
قال بعض المفسرين: هذه الآية منسوخة بقوله : ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ وقيل: مخصوصة لأن التخصيص أولى من النسخ، وقيل: لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو فله أن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.
ثم إن ظاهر الأمر للوجوب من غير تكرار فيكفي في العمر مرة واحدة ﴿ رب ارحمهما ﴾ وسئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه أفي كل يوم مرة أو في كل شهر أو في كل سنة؟
فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قد قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ﴾ .
وكانوا يرون الصلاة عليه في التشهد.
وكما قال الله : ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ فهم يذكرون في أدبار الصلاة.
قلت: ويشبه أن يدعو لهما أيضاً كلما ذكرهما أو ذكر شيئاً من إنعامهما.
وسئل أيضاً عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين، وعن النبي : "رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما" وروى سعيد بن المسيب أن البارَّ لا يموت ميتة سوء.
وقال رجل لرسول الله : إن أبويّ بلغا من الكبر أنّى، ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟
قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقائك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما.
وشكا رجل إلى رسول الله أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي، وفقيراً وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي.
واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني ويبخل عليّ بماله، فبكى وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع ذلك إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك.
مرتين.
وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر.
قال: إنها سيئة الخلق.
قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين.
قال: إنها سيئة الخلق.
قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها.
قال: لقد جازيتها.
قال: ما فعلت؟
قال: حججت بها على عاتقي.
قال: ما جازيتها.
وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه واحد منهما ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ الإناء منه إذا شرب بها.
ثم قال : ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ أي بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ قاصدين الصلاح والبر إلى الوالدين ثم فرطت منكم بادرة في حقهما فأنبتم إلى الله واستغفرتم منها ﴿ وإنه كان للأوابين غفوراً ﴾ اللام للعهد كما روي عن سعيد بن جبير هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير، أو للجنس فيشمل كل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته عن أبي علي الجانويه النائب من جنايته لوروده على أثره.
ثم وصى بغير الأبوين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال: ﴿ وآت ذا القرى حقه ﴾ قيل: الخطاب لرسول الله أمره أن يؤتى أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المالين.
والأظهر أنه خطاب لكل إنسان كل في قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ وأما الحق المأمور به للأقارب فهو إذا كانوا محارم كالأبوين والولد وكانوا فقراء عاجزين عن الكسب وكان الرجل موسراً أن ينفق عليهم بقدر الحاجة.
وعند الشافعي: لا ينفق إلا على الولد والوالدين وإن كانوا مياسير ولم يكونوا محارم كأبناء العم فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة على السراء والضراء.
وفي عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى دليل على أن المراد بالحق الحق المالي، وقد تقدم وصف المسكين وابن السبيل في "البقرة" وفي "التوبة".
ثم نهى عن التبذير وهو تفريق المال كما يفرق البذر وهو الإسراف المذموم.
كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتنفق أموالها في الفخر والسمعة كما ذكروا ذلك في أشعارها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإنفاق فيما يقرب إلى الله.
قال ابن مسعود: التبذير إنفاق المال في غير حقه.
وعن مجاهد: لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً.
ثم بالغ في تفظيع شأن التبذير قائلاً: ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ أي أمثالهم في الشرارة وأصدقاءهم من حيث إنهم يطيعونهم في الأمر بالإسراف، أوهم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد ﴿ وكان الشيطان لربه كفوراً ﴾ لأنه يستعمل قواه البدنية في المعاصي والإفساد والإضلال، وكذلك من رزقه الله مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفوراً لنعمة الله.
ثم علم أدباً حسناً في رد السائل إن أفضى الأمر إلى ذلك ضرورة فقال: ﴿ وإما تعرضن عنهم ﴾ وكان النبي إذا سئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء.
والقول الميسور الرد بالطريق الأحسن.
وقيل: اللين السهل.
قال الكسائي: يسرت أيسر له القول أي لينته.
وقيل: القول المعروف كقوله: ﴿ قول معروف ومغفرة خير ﴾ وذلك أن القول المتعارف لا يحتاج إلى تكلف.
وقيل: ادع لهم بأن يسهل الله عليهم أسباب الرزق أي دعاء فيه يسرة.
قال جار الله قوله: ﴿ ابتغاء رحمة ﴾ أما أن يتعلق بجواب الشرط متقدماً عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً ابتغاء رحمة من الله ﴿ ترجوها ﴾ بسبب رحمتك عليهم، وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجوا أن يفتح لك فردهم رداً جميلاً، فسمى الرزق رحمة وضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له.
فالفقد سبب الابتغاء فأطلق المسبب على السبب وجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم الإعطاء، فإن من أبى أن يعطى أعرض بوجهه، ولما ذكر أدب المنع ونهى عن التبذير صرح بأدب الإنفاق فقال: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ وهو مثل لغاية الإمساك بحيث يضيق على نفسه وأهله في سلوك سبيل الإنفاق ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ أي لا توسع في الإنفاق بحيث لا يبقى في يدك شيء.
وحين نهى عن طرفي التفريط والإفراط المذمومين بقي الخلق الفاضل المسمى بالجود وهو العدل والوسط، ثم بين غاية استعمال الطرفين قائلاً: ﴿ فتقعد ملوماً ﴾ عند الناس بالبخل ﴿ محسوراً ﴾ بالإسراف أي منقطعاً عن المقاصد بسبب الفقر.
فقير محسور منقطع عن السير.
ولا شك أن المال مطية الحوائج والآمال وكثيراً ما يلام الرجل على تضييع المال بالكلية وإبقاء الأهل والولد في الضر والمحنة.
وعن جابر: بينا رسول الله جالس أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعاً فقال : "من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا." فذهب إلى أمه فقالت له: قل إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك.
فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة فنزلت الآية.
وقيل: أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن فجاء عباس بن مرداس وأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع.
وما كان حصن ولا حابس، يفوقان مرادس في مجمع وما كنت دون أمرىء منهما، ومن تضع اليوم لا يرفع.
فقال : " ياأبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل" فنزلت.
ثم إنه سلى نبيه بأن الذي يرهقه من الإضافة ليس لهوان منه على الله ولا لبخل به عليه ولكنه تاب لمشيئة الخالق الرازق فقال: ﴿ إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ أي يضيق ﴿ أنه كان بعباده ﴾ وبمصالحهم ﴿ خبيراً بصيرا ﴾ فالتفاوت في الأرزاق ليس لأجل البخل ولكن لرعاية الصلاح.
ويمكن أن يكون مراد الآية أن البسط الكلي والقبض الكلي من شأن الرب الخبير والبصير وليس للعباد الاقتصاد.
ويحتمل أن يراد أنه مع غاية قدرته وسعة جوده يراعي أوسط الحالين.
فلا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته وتخلقوا بأخلاقه.
وفي الآية دلالة على أنه هو المتكفل بأرزاق العباد فلذلك قال بعده: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ وأيضاً لما علم كيفية البر بالوالدين أراد أن يعلم كيفية البر بالأولاد، فبر الآباء مكافأة وبر الأبناء ابتداء اصطناع.
وفيه نظام العالم وبقاء النوع الإنساني لأن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو لسوء الظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم.
والأول ضد التعظيم لأمر الله الثاني ضد الشفقة على خلق الله، ومن رغب عن محبة الوالد فكأنه رغب عن جزئه قال: ولد المرء منه جزء وما حا *** ل امرىء يودع الثرى منه جزءاً وكانوا يقتلون البنات لعجز عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على القتل والغارة.
وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر أكفاءها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديد، فبين الله أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً فلهذا قال: ﴿ أولادكم ﴾ وبين أن الخوف من الفقر لا وجه له لأن الله هو الرزاق للكل، وكثيراً ما يكون لابن أخرق من البنت بعد البلوغ، وكلا الصنفين يشتركان في الإنفاق عليهما قبل البلوغ.
ولما نهى عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى مثل ذلك ولا أقل من اختلاط النسب فقال: ﴿ ولا تقربوا الزنا ﴾ وهذ آكد من أن يقال "لا تزنوا" ثم علل النهي بقوله: ﴿ إنه كان فاحشة ﴾ أي خصلة متزايدة في القبح ﴿ وساء سبيلاً ﴾ سبيله فاستدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بهذا التعليل في الأشياء لا تحسن ولا تقبح لذواتها بل لوجوه عائد إليها في أنفسها، وأن تكاليف العباد واقعة على وفق مصالحهم في المعاش والمعاد.
ومن مفاسد الزنا اختلاط الأنساب وتضييع الأولاد وإهمال تربيتهم؟
فإن الولد إذا لم يكن منسوباً إلى شخص معين لم يكن أحد بالتزام تربيته أولى من الآخرة كذا المرأة التي ولدته إذا لم يوجد سبب شرعي للزاني صارت هي به أولى بالرجل فلا يحصل الألف والمحبة، ولا يتم السكون والازدواج.
ويتواثب كل رجل على امرأة أراد بحسب شهوته ومقتضى طبعه، فتهيج بالفسوق الحروب بعد التشبه بالبهائم.
وأيضاً ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ولكن المقصود الكلي هو أن تكون شريكة له في ترتيب المنزل وإعداد مهماته والقيام بأمور الأولاد والعبيد، ولن تتم هذه المقاصد إلا إذا كانت مقصورة الهمة على رجل واحد منقطعة الطمع عن غيره.
وأيضاً الوطء يوجب الذل والعار ولهذا لا يرتكب إلا في الأماكن المستورة وفي الأوقات المعلومة.
فاقتصار المرأة على الواحد من الرجال سعي في تقليل ذلك العمل، وكفى في قبح الزنا مرتكبه من الرجال والنساء يستقذره كل عقل سليم وينحط بذلك عن درجة الاعتبار.
وقد زعم في التفسير الكبير أنه وصف الزنا في آية أخرى بكونه مقتاً لأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة وهو وهم، لأن ذلك قد ورد في أول سورة النساء في نكاح منكوحات الأب قال: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً ﴾ .
وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي به غيره في السهو.
ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف بالاحتياط في آخر عمره فقال: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ﴾ وفي التصريح بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر.
ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو التحريم لأنه ضرر، والأصل في المضار الحرمة، ولأن الإنسان خلق للاشتغال بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية، ولكن الحل إنما يثبت لأسباب عرضية فلهذا قال: ﴿ إلا بالحق ﴾ وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ﴾ أي تسلطاً على استيفاء القصاص.
فظاهر الآية دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوماً، وظاهر قوله "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان؟
وقتل نفس بغير حق" يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعاً على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.
ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً ﴾ .
كلام مستأنف، والحديث بتمامه تفسير لقوله: ﴿ إلا بالحق ﴾ فلا يلزم التفريع المذكور.
ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع هو قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي: ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ هذا وقد أبدى الفقهاء أسباباً أخر منها: أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة، وكذا اللائط.
ومنها الساحر إذا قال: قتلت فلاناً بسحري.
وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة، والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا: الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر.
ثم إنه أثبت لوليّ الدم سلطاناً.
ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيماذا فقيل: إنه قال: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل.
وقيل: معنى قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة استيفاء الدية بقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فمن عفى ﴾ الآية.
فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بالعفو وأخذ الدية، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص.
وعن الشافعي أن التنوين في قوله: ﴿ مظلوماً ﴾ للتنكير فيدل على أن المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص، فيعلم منه أن المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك فإن ذنبه غير مغفور كالمشرك، ولأن النصارى قائلون بالتثليث وقد قال : ﴿ اقتلوا المشركين ﴾ فثبت أن الذمي غير كامل في المظلومية فلا يندرج في الآية.
وأيضاً ليس فيها دلالة على أن الحر يقتل بالعبد لأنها وإن كانت عامة إلا أن قوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.
من قرأ ﴿ فلا تسرف ﴾ بالتاء الفوقانية فعلى خطاب الولي أو قاتل المظلوم، ومن قرأ على الغيبة فالضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية.
وعن مجاهد أن الضمير الأول للقاتل، أما الضمير في قوله: ﴿ إنه كان منصوراً ﴾ فإما للولي أي حسبه أن الله قد نصره بإيجاب القصاص فلا يستزاد عليه، أو نصره بمعونة السلطان والمؤمنين فلا يتبع ما وراء حقه، وإما للمظلوم فإن الله نصره في الدنيا بإيجاب القصاص على قاتله، وفي الآخرة بإعطاء الثواب.
وأما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.
ولما ذكر النهي عن إتلاف النفوس في المبادىء وفيما وراءها أتبعه النهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ﴾ بالطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي تثميره وإنماؤه.
وروى مجاهد عن ابن عباس: إذا احتاج الولي أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فلا شيء عليه ويتصرف الولي في مال اليتيم على الوجه المذكور ﴿ حتى يبلغ ﴾ اليتيم ﴿ أشده ﴾ بأن تكمل قواه العقلية والحسية كما مر في آخر "الأنعام" ﴿ وأوفوا بالعهد ﴾ يتناول كل عهد جري بين إنسانين على وفق الشرع وقانونه في المعاملات والمناكحات وغيرها إلا إذا دلّ دليل خاص على ضده.
﴿ إن العهد كان مسئولا ﴾ أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو هو على حذف المضاف والمراد أن صاحب العهد مسؤول أو هو تخييل كأنه يقال للعهد: لم نكثتتبكيتاً للناكث كقوله: ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ ثم أمر بإيفاء الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن.
والقسطاس بضم القاف وكسرها هو القبان المسمى بالقرسطون.
وقيل: كل ميزان صغير أو كبير والأصح أنه لغة العرب من القسط النصيب المعدل، وقيل رومي أو سرياني ﴿ ذلك ﴾ الإيفاء والوزن المعدل ﴿ خير ﴾ من التطفيف ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ عاقبة من آل إذا رجع.
أما في الدنيا فلانة إذا اشتهر بالاحتراز عن الخيانة مالت القلوب إليه.
وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات، وأما في الآخرة فظاهر.
وقال الحكيم: إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد والعار فيه عظيم فيجب على العاقل أن يحترز عنه.
ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال: ﴿ ولا تقف ﴾ أي لا تتبع من قولك "فقوت فلاناً" أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنه يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوالهم في النسب.
والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور مخصوصة فقيل: نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات والنبوات والتحليل والتحريم والمعاد كقوله: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ﴾ ﴿ هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ﴾ وعن محمد بن الحنفية: المراد شهادة الزور.
ومثله عن ابن عباس: لا تشهد إلا رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك.
وقيل: أراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب.
وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه.
وقال قتادة: معناه لا تقل سمعت ورأيت وعملت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم.
وقيل: القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومن الحديث: "من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج" أي يتوب.
وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح والصديد.
احتج نفاة القياس بالآية زعماً منهم أن الحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم.
وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال : ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ﴾ ولا ريب أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وإنه لا يفيد إلا الظن.
سلمنا لكن الظن وقع في الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به، وزيف بأنه لا دليل قاطعاً على وجوب العمل بالظن الغالب لأن ذلك الدليل ليس عقلياً بالاتفاق، ولا نقلياً لأنه إنما يكون قطعياً لو كان منقولاً نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض، ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم عليه - وهو هذه الآية - تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل بالظن وهو جائز.
وكذا الاجتهاد في القبلة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكذا الفصد والحجامة وسائر المعالجات، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمناً لتحل ذبيحته، أو الوارث لحصول التوارث، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين.
وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المعينة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة.
وقال : نحن نحكم بالظاهر.
والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن.
فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية، وكل ما يفضي ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به.
وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد أن التمسك بآيات القرآن جائز.
ورد بأن كون العالم المخصص حجة غير معلوم بالتواتر، ثم علل النهي بقوله: ﴿ إن السمع والبصر وكل أولئك ﴾ إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام.
﴿ كان عنه مسئولاً ﴾ قال في الكشاف: ﴿ عنه ﴾ في موضع الرفع بالفاعلية مثل ﴿ غير المغضوب عليهم ﴾ وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه.
والصواب أن يقال: إنه فاعل ﴿ مسئولاً ﴾ المحذوف والثاني مفسر له.
وكيف يسأل عن هذه الجوارح؟
قيل: يسأل صاحبهما عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب.
وقيل: إنه ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها.
﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ نصب على الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح.
وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع من التأكيد مثل "أتاني ركضاً" ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر.
﴿ إنك لن تخرق الأرض ﴾ لن تثقبها بشدة وطأتك ﴿ ولن تبلغ الجبال طولاً ﴾ مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول، أو تمييز، أو مفعول له، أو مصدر من معنى تبلغ.
بيّن ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض، وحال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال، فلا يليق به أن يتكبر.
وبوجه آخر كأنه قيل له: إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من تحتك، فلا تفعل فعل المقتدر القوي.
وقيل: إنه مثل ومعناه: كما أنك لن تخرق الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولاً فكذلك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك وفيه يأس للإِنسان من بلوغ إرادته.
﴿ كل ذلك كان سيئه ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئاً فإنه مكروه عند الله.
ويمكن أن يراد بسيىء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط.
ومن قرأ ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث فقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى المنهيات خاصة.وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ وقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى ما نهى عنه في قوله: ﴿ ولا تقف ﴾ ﴿ ولا تمش ﴾ وإنما قال: ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث مع قوله: ﴿ مكروهاً ﴾ على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب والإثم.
قالت المعتزلة: الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن المنهيات لا تكون مرادة لله لأنها مكروهة عنده.
وإذا لم تكن مرادة لم تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال.
أجابت الأشاعرة بأن المراد من كراهتها كونها منهياً عنها، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن كونها سيئة يدل على كونها منهية.
وأجيب بأنه لابأس بالتكرار لأجل التأكيد ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من قوله: ﴿ لا تجعل ﴾ إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً ﴿ مما أوحى إليك ربك من الحكمة ﴾ سمي حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه.
روي عن ابن عباس أنها كانت في ألواح موسى .
وباصطلاح الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به.
لا ريب أن الأمر بالتوحيد رأس الحكمة النظرية وسائر التكاليف مشتملة على أصول مكارم الأخلاق وهي الحكمة العملية، ولقد جعل الله فاتحة هذه التكاليف النهي عن الشرك وكذا خاتمتها لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن فقده لم ينفعه شيء من العلوم وإن بذ فيها الأقران والأكفاء وحك بيافوخه السماء.
وقد راعى في هذا التكرار دقيقة فرتب على الأول كونه مذموماً مخذولاً وذلك إشارة إلى حال المشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى في جهنم ملوماً مدحوراً وأنها حاله في الآخرة.
وفي القعود هناك والإلقاء ههنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة والله أعلم بمراده.
وقد يفرق بين الذم واللوم فيقال: الذم هو أن يذكر أن الفعل الذي قدم عليه قبيح منكر، واللوم هو أن يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت من هذا العمل إلاَّ إلحاق الضرر بنفسك.
ويفرق بين المخذول والمدحور بأن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت.
والمدحور والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة.
ثم أنكر على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله فقال: ﴿ أفأصفاكم ﴾ أي أفخصكم ﴿ ربكم ﴾ على وجه الخلوص والصفاء ﴿ بالبنين ﴾ الذين هم أفضل الأولاد ﴿ واتخذ من الملائكة ﴾ أولاداً ﴿ إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً ﴾ بإضافة الأولاد إلى من لا يصح له الولد لقدمه وتنزهه عن صفات الأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون ما تكرهون وهذا خلاف معقولكم وعادتكم فإن العبيد لا يؤثرون بالأجود والأصفى والسادة بالأدون والأردأ، ثم بجعلكم الملائكة الذين هم أعلى خلق الله على الإطلاق أو التقييد على المذهبين أخس الصنفين وهو الإناث.
التأويل: خاطب نبيه ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلها آخر ﴾ من الدنيا والآخرة، ثم شرف أمته بتبعيته قائلاً: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه ﴾ وإنما قال: ﴿ ربك ﴾ لأنه أصل في التربية والأمة تبع له، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله ﴿ وبالوالدين ﴾ والد الروح ووالدة البدن.
والإحسان بهما أن يراقبهما في العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه ﴿ أما يبلغن عندك ﴾ يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات تجلي صفا الألوهية، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز ﴿ ولا تنهرهما ﴾ عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل تولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً للتجلي والخلافة ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ من الاستعداد ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ مستعدين للخلافة ﴿ فإنه كان للأوابين ﴾ الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيداً بنفسه ﴿ غفوراً ﴾ سائراً بأنوار جماله.
ثم أخبر عن أداب الخلافة قائلاً ﴿ وآت ذا القربى ﴾ وهو النفس حقه فإن لنفسك عليك حقاً من غير إسراف وتقتير.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجلّ -: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَقَضَىٰ ﴾ : حكم، وقال بعضهم: ﴿ وَقَضَىٰ ﴾ - هاهنا -: أمر، أي: أمر ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وقال بعضهم: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ ﴾ ، أي: وصّى ربّك، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبيّ - ما - أنهما كانا يقرآن: (ووصى ربّك)، وقال بعضهم: (وعهد ربك).
وقال القتبي: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ ﴾ ، أي: حتم ربّك، وهو من الفرض والإلزام، أي: فرض ربك وألزم ألا تعبدوا إلا إياه، وكذلك "حكم" ربك وهو أشبه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ : دل قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أن قوله: ﴿ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ - معناه، أي: فرض الله ورسوله وحكماً أمراً.
ثم قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ : فرض وحتم وحكم وأمر ألا تعبدوا إلا إياه، إلا الإله المعبود الحق المستحق للعبادة والربوبية، لا تعبدوا دونه أحداً، وقد أبان لنا أنه هو الإله والربّ المستحق للعبادة والألوهية والربوبية، لا الذين تعبدون من دونه من الأوثان والأصنام بوجوه ثلاثة: أحدها: عجز العقول وجهالتها عن درك كيفية العقول وما بينها؛ لأن العقول لا تعرف كيفية أنفسها ولا ماهيتها، وتعرف محاسن الأشياء ومقابحها؛ فقد عَرَفَتِ الألوهية لله، وحسن العبادة له، وقبحها لغيره.
والثاني: ما يوجد في جميع الخلائق من آثار ألوهيّته وربوبيته، وجعل العبادة له شكراً له؛ وعلى ذلك جعل في كل جارحة من جوارح الإنسان عبادة؛ شكراً له لما فيها من آثار ألوهيته.
والثالث: السمع، أنبأنا أن لا معبود إلا الله، ولا ألوهيّة لسواه دونه؛ فذلك معنى ما فرض على خلقه وأمرهم ألا يعبدوا إلا إياه، وتأويل حكم ربّك ألا تعبدوا إلا إياه؛ لما أنشأ في خلقه كل أحد آثار وحدانيته، وشهادة ربوبيته استحقاق العبادة له، فذلك تأويل من قال: قضى، أي: حكم.
وأما تأويل من قال: قضى، أي: أمر ربك وكلف ألا تعبدوا إلا إياه - يكون فيه أمر بالعبادة له، والنهي عن عبادة غيره؛ كأنه قال: أمر ربك أن اعبدوه، ونهاكم أن تعبدوا غيره، ثم الفرق بين الطاعة والعبادة: يجوز أن يطاع غيره، ولا يجوز أن يعبد غيره؛ لأن الطاعة هي الائتمار؛ كقوله: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ ، أي: ائتمروا، وأما العبادة هي الاستسلام والخضوع له والشكر له، ولا يجوز ذلك لغيره سوى الله، أو أن يكون في العبادة معنى لا يدرك، كمعنى الرحمن؛ لا يدرك، حيث لم يجوّز تسمية غيره به؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: وبالوالدين إحساناً.
كأنه قال: وفرض عليكم - أيضاً - وحكم إحسان الوالدين، [أو أمركم بإحسان الوالدين] ثم الإحسان في عرف الناس هو الفعل الذي ليس عليه، إنما هو فضل ومعروف يصنعه إلى غيره، هذا هو الإحسان في العرف واللغة، لكن المراد بالإحسان إلى الوالدين هو الشكر، لا ما ذكرنا من الإحسان المعروف عند الناس، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ ، لأن الشكر هو المكافأة والجزاء لما أنعم وصنع من المعروف؛ فهو، والله أعلم.
وإن ذكر الإحسان في هذا وفي غيره من الآيات، وهو قوله: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ ، وغيرها من الآيات - فالمراد منه، والله أعلم: الشكر لهما؛ لما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ ، والشكر هو المكافأة: أمره أن يكافئ لهما ويجازي بعض ما كان منهما إليه من التربية، والبر، والعطف عليه، والوقاية من كل سوء ومكروه: في البطن، وبعد ما خرج من البطن حتى كان يؤثرانه على أنفسهما [في السرور، ويجعلان أنفسهما وقاية له من كل سوء ومحذور، فأمر الولد أن يشكر لوالديه؛ جزاء ومكافأة لما كان منهما مما ذكر.
وهذا ذكر في الحال التي عجزا هما عن القيام لأمر أنفسهما] والحوائج لهما، وذلك - والله أعلم - لأنهما إذا كانا قويين، قادرين لحوائج أنفسهما ومنافعهما يبران ولدهما، ويحسنان إليه؛ فيحمل برّهما وإحسانهما إليه على الطاعة لهما في البرّ، والإحسان إليهما على المجازاة، وهكذا المعروف عند الناس أنه إذا بر بعضهم بعضاً يبعث ذلك على المكافأة؛ ليدوم ذلك عليهم وألا ينقطع؛ لذلك ذكر - والله أعلم - الإحسان إلى الوالدين في الحال التي هي حال ضعف وعجز؛ حيث قال: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ .
ثم أمره أن يذكر الحال التي هو عليها، وهو حال طفوليته وصغره: أن كيف ربّياه، وبراه، وعطفا عليه، ولانا له - قولاً وفعلاً - حتى لم يستقذرا منه شيئاً مما يستقذر الناس بعضهم من بعض، ولم يبعدهما عنه ما يبعد الخلق بعضهم من بعض من أنواع الأذى والخبث؟!
فأمره أن يعاملهما إذا بلغا الحال التي كان هو عليها: من الجهل والضعف، والعجز عن القيام بالحوائج على ما كان هو، وبلغا المبلغ الذي يستقذر منهما ويبعد عنهما، أي: لا يستقذر هو منهما، ولا يبعد عنهما؛ كما لم يستقذرا هما منه، ولا ينهرهما عند السّؤال والحاجة إليه؛ كما لم يفعلا هما [له]؛ بل يلين لهما ويذل كما لانا هما له وخضعا، وهو ما قال: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ...
﴾ الآية [النحل: 70]، وقال في آية أخرى: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ﴾ أخبر أنه يرد من بعد القوة والعلم إلى الحال التي كانوا عليها وهو حال الضعف والجهل؛ حيث قال: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ...
﴾ الآية [النحل: 78]، وقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ...
﴾ الآية [الروم: 54].
فقال: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ ﴾ : هو كناية عن إظهار الكراهة لهما في الوجه، ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ ، أي: لا تُعنِّفْهما في القول والكلام على ما لم يفعلا هما بك.
وقال بعضهم: (أف) المراد به: هو (أف) لا غير، ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ ، أي: لا تعنفهما، ولا تخشن، لكنه ذكر أول حال الاستثقال والكراهة منه وآخرها، أي: لا تقل لهما (أف) على ما يستثقل الناس شيئاً ويكرهون في أول حال يرون شيئاً مستثقلاً مكروهاً - يقولون: أف، أي: لا تقل أف؛ لئلا يحمل ذلك على العنف والخشونة والنهر؛ وعلى هذا المعنى قالوا في قوله: ﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ...
﴾ الآية [النور: 30]، قال بعضهم: يغضوا من أبصارهم وليحفظوا فروجهم؛ لأن النظر بالبصر يحمله على الزنى في الفرج؛ ومنه يكون بدء الفجور.
وقال بعضهم قوله: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ : ذكر أوّل حال وآخرها؛ ليمتنعوا عن كل ذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ : ذكر أوّل الحال وآخرها.
والثاني: أي: لا تظهر في وجهك من الكراهة والاستثقال ليحمل ذلك على العنف والانتهار.
فإن كان تأويل قوله: ﴿ أُفٍّ ﴾ - (أف) لا غير، ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في قوله: إذا نفخ المصلي في موضع سجوده، فهو كلام يقطع صلاته؛ حيث قال: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ ﴾ ، أي: لا تتكلم به، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾ .
حيث نهاه أن يقول لهما: أف، ونهاه أن ينهرهما؛ فإذا امتنع عن الأفّ والنهر كان بعد ذلك قولاً ليّناً لطيفاً.
قال أبو عوسجة: يقال: نهرته وانتهرته، وهو الخشن من الكلام شبه الوعيد.
وقال أبو بكر الكَيْساني: الكريم: هو الذي يُولِي على آخَرَ نعمه، ويهنيه بترك الأذى والمنّ؛ كقوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ ﴾ ، وقال غيره: في وصف السخي، فقال: الذي يبذل ما احتوى عليه لمن احتاج إليه، وقطع طمعه عما احتوى عليه غيره عند حاجته إليه.
ويشبه أن يكون الكريم قريباً منه.
فإن قيل: إن الوالدين كالمجبولين المطبوعين على البرّ لأولادهما، والشفقة عليهم، ولا كذلك الأولاد؛ فكيف يشبه بر من كان مجبولاً به مطبوعاً عليه - برّ من لم يكن ذلك بطبعه.
قيل: لذلك ذكر هذا في الولد دون الوالدين، وأمرهم بذلك؛ لأن ما يفعل الوالدان من البرّ والإحسان إلى الولد يفعلان بطبع، والولد لا؛ لذلك كان ما ذكر والله أعلم.
ولهذا ما لم يجعل ولم يشرع قتل الوالد بولده؛ إذ [ليس] القصاص حياة بينهم، وشرع قتل الولد بوالديه؛ إذ في الوالدين من الشفقة والرحمة ما يمنع قتل الولد، وليس في الولد ذلك؛ فجعل في قتل الولد والديه القصاص، ولم يجعل في قتل الوالدين ولدهما؛ فعلى ذلك هذا في البرّ والإحسان.
فإن قيل: ما الحكمة فيما قرن الله من شكر والديه شكره في غير آية من القرآن: ﴿ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ .
قيل: لأنه بهما كان نماؤه من أول حاله إلى آخر ما انتهى إليه من التغذية والتربية والوقاية من كل سوء والحفظ من كل آفة وشر.
وفي الآية دليل لقول أبي حنيفة؛ حيث قال في المكاتب: إذا اشترى والده أو أمّه صار مكاتباً، وإذا اشترى أخاه أو ذا رحم محرم منه - لم يصر مكاتباً؛ لأن الأب والأم يصيران كذلك بحق الجزاء والشكر؛ فعليه ذلك، وأمّا الأخ وغيره من المحارم بحق المعروف؛ فملكه لا يحتمل ذلك.
والخطاب من الله - وإن كان مع رسوله - فالمراد منه غيره؛ لأن رسول الله معلوم أنه لم يدرك والديه في الوقت الذي أرسل إليه وخاطبه بما خاطب؛ دلّ أنه أراد بالخطاب غيره - كل محتملٍ [منه] ذلك وموهوم منه - وأمره أن يعاملهما بالمعاملة التي ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ ﴾ .
يحتمل أن يكون الجناح كناية عن اليدين؛ لأن اليدين في الإنسان بموضع الجناح للطائر، وجناح الطائر يداه؛ فكأنه قال: اخفض واخضع لهما بيديك كما أمره أن يخضع لهما بلسانه بقوله: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾ ، أي: اخضع لهما قولاً وفعلاً.
ويحتمل أن يكون الجناح كناية عن النفس، أي: اخضع لهما بجميع النفس والجوارح، وقوله: ﴿ ٱلذُّلِّ ﴾ : يحتمل أن يكون المراد من الذل: الذل نفسه، أي: كن لهما كالمستعين المحتاج إليهما لا كالمعين لهما قاضي الحاجة، ولكن ذليلاً كالمستعين من الآخر رافع الحاجة إليه.
ويحتمل أن يكون الذلّ كناية عن الرحمة التي تكون في القلب، أي: اخضع لهما برحمة القلب والجوارح جميعاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، أي: رحماء على المؤمنين أشداء على الكافرين؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ﴾ .
وذكر مقابل الذل في تلك الآية - الرحمة في هذا، ومقابل العزة - الشدة؟!
فعلى ذلك يحتمل أن يكون قوله: جناح الذل كناية عن الرحمة؛ فيكون معناه: أن اخضع لهما بالظاهر والباطن جميعاً على ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾ ، ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ فيكون - والله أعلم - كأنه قال: رب ارحمهما كما رحماني وربياني صغيراً.
وقول أهل التأويل: إن هذا منسوخ نسخه قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ...
﴾ الآية [التوبة: 113] - بعيد؛ وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين والكافرين؛ فالرحمة التي ذكر: تكون في الكافرين سؤال الهداية لهم وجعلهم أهلاً للرحمة والمغفرة؛ وذلك جائز كقول نوح لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ ، أي: استهدوا ربكم؛ فيهديكم فيغفر لكم ما كان منكم؛ إنه كان لم يزل غفاراً؛ إذ لا يحتمل أن يأمرهم بالاستغفار ويعدهم بالمغفرة على الحال التي هم عليها، وكذلك استغفار إبراهيم لأبيه.
أو أن تكون من الرحمة التي يتراحم بعضهم [بعضاً، والشفقة] التي تكون بين الناس كما يتراحم الصغار والضعفاء، ثم مثل هذه المعاملة التي أمر الولد أن يعامل أبويه يلزم المؤمنين من جهة الدين ومكارم الأخلاق أن يعاملهم الناس بعضهم بعضاً، غير أن هذا فيما بين الناس ليس بفرض لازم، وذلك [فرض] لازم؛ لأنها بحق الشكر والجزاء لهما بما كان منهما إليه من البرّ والإحسان، وحق التربية والتعظيم حقهما وجليل قدرهما وخصوصيتهما، وهو كما يقال لرسوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وإلا فقد وصف المؤمنين بتراحم بعضهم على بعض؛ على ما ذكر: ﴿ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، وأمرهم بذلك.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ من أسرار المحبة لهما والبر والكرامة.
وقال [بعضهم]: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ ، أي: أعلم ما تفعله نفوسكم، وهو كما قال عيسى - -: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ ، أي: تعلم ما تفعله نفسي، ولا أعلم ما في نفسك من التدبير والتقدير؛ فعلى ذلك هذا.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ - صلةَ قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ...
﴾ الآية، أي: ربكم أعلم بما في ضميركم: من الاستقذار إياهما، والاستثقال، والكراهة إذا بلغا المبلغ الذي ذكر، ولكن لا تظهر ذلك لهما ولا يوافق ظاهرك باطنك.
أو أن يقول: ربكم أعلم بما في نفوسكم [ولا يعلم غيره ما في نفوسكم؛ فلا تراءون الناس بما في قلوبكم]؛ ولا تصرفوا ما في ضميركم إلى من لا يعلم ذلك؛ يخاطب الكل على الابتداء ألا يجعل ما في قلبه لغيره؛ بل يخلص له، أو أن يكون قوله: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ ، أي: ما تفعله أنفسكم وتدبّرها.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ ﴾ .
أي: تصيروا صالحين؛ لأن قوله: ﴿ تَكُونُواْ ﴾ إنما هو في حادث الوقت.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ﴾ .
يشبه أن يكون قوله: ﴿ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ ﴾ صلة قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ، و ﴿ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ﴾ أي: لم يزل غفوراً للأوابين ولمن يشاء.
ثم اختلف في الأواب: قال بعضهم: الأوّاب: الرجّاع التواب، وهو قول أبي عوسجة.
قال القتبي: الأوّاب: التائب مرة بعد مرة، وهو من: آب يئوب، أي: رجع، وهما واحد.
وقال بعضهم: الأواب: المطيع، وقيل: المسبح ونحوه.
وقال أبو عوسجة في قوله: ﴿ وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ ﴾ ، أي: لِنْ لهما وارفق بهما؛ ذكر برّ اللسان للوالدين ولطفه إياهما قولاً وفعلاً، وليس في ظاهر الآية ذكر البر بالمال والإنفاق عليهما؛ فيشبه أن يكون ذلك داخلاً في قوله: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ ، أو لم يذكر ذلك؛ لما أن المال للولد مال لهما؛ ألا ترى إلى ما روي عن جابر بن عبد الله قال: "جاء رجل إلى النبي ومعه أبوه فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً، وإن لي أباً وله مال، وإن إبي يريد أن يأخذ مالي؛ فقال النبي : أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" أو لاَ ترى - أيضاً - أنه أضاف بيوت الولد إليهما؛ حيث قال: ﴿ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ ﴾ ؛ قوله: ﴿ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ - معناه: بيوت أبنائكم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ﴾ : إنه صلاة الضحى، ويروى في ذلك خبر: روى زيد بن أرقم قال: خرج النبي على قوم وهم يصلون الضحى؛ فقال: "صَلاَةُ الأَوَّابِينَ، إِذَا رَمَضَتِ الفِصَالُ" ، وفي خبر آخر عن أبي هريرة - - قال: أمرني رسول الله بثلاث: "أمرني أن أصوم ثلاثاً في كل شهر، وألا أنام إلا على وتر، وأن أصلي ركعتي الضحى، فإنها صلاة الأوابين" ، وقد يروى أحاديث كثيرة في الحث على صلاة الضحى وفعلها، وأنه صلى هو: ركعتين، وأربعاً، وستّاً، وثمانياً - ما يكثر ذكرها ويطول، ومن صلاها فإنما صلاها على سبيل التطوع، ليس على سبيل اللزوم الواجب والسّنة المؤكدة؛ لأن النبي صلاها مرة وتركها مرة؛ فكان كصلاة الليل يدرك فاعلها الفضل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .
كأن الآية هي صلة قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ ، أي: وقضى - أيضاً - أن تؤتي ذا القربى حقه ومن ذكر، أي: فرض، وحتم، وحكم؛ على اختلاف ما قالوا، وهو كقوله: ﴿ وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً...
﴾ الآية [النساء: 36] أمر - عزّ وجلّ - ببر الوالدين، والشكر لهما، وصلة ذي القربى، فريضة، ومن ذكر.
ثم اختلفوا في قوله: ﴿ حَقَّهُ ﴾ : قال بعضهم: ذلك الحق فريضة، وهو الزكاة؛ حيث جعل تلك صلة ما هو فرض، وهو الشكر لله، وجعل العبادة له وشكر الوالدين؛ جزاء لما كان منهما إليه، وقد ذكرنا أن ذلك فرض لازم؛ فعلى ذلك صلة هؤلاء؛ إذ صلتهم فريضة؛ لما جاء من المواعيد الشديدة في قطع الرحم، والترغيب في صلتهم.
ومنهم من قال: ذلك الحق نفل؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ﴾ ، فلا يحتمل ما ذكر من الإعراض عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها في الفرض، دل أنّه في النفل، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ﴾ .
قال بعضهم: التبذير والإسراف: واحد، وهو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل في الإنفاق والحقوق، والمجاوزة: عن المحق، إلى غير المحق.
روي عن ابن مسعود "أنه سئل عن التبذير؛ فقال: إنفاق المال في غير حقه" .
وكذلك قول ابن عباس، .
وقال بعضهم: التبذير هو الإنفاق فيما لا ينتفع به.
ويحتمل ما ذكرنا أنه يترك الإنفاق على المحق وهم ذوو القربى؛ وينفق على الأجنبيين.
وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ ﴾ .
أي: كانوا أولياء الشياطين.
﴿ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾ .
أي: كفوراً لنعم ربه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ﴾ .
عن الحسن قال: كان النبي يُسأل فيقول: "ماَ لاَلِ مُحمدٍ - وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ - إِلا صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ" فأنزل الله : ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾ ، أي: عِدْهم أن سوف يأتي بالرزق.
عن ابن عباس - - قال في قوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ : إذا سألوك، وليس عندك شيء انتظرت من الله رزقاً يأتيك، ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾ : يكون - إن شاء الله - شبه العِدَة.
وأمثال هذا قالوه.
ويحتمل قوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ : إعراض الوجه، ويحتمل إعراض الإجابة؛ فذلك يكون بالاستثقال والاستخفاف، ولما ليس عنده شيء يعطيهم ثانياً، لكن لا نعرف أن الإعراض كان للاستثقال والاستخفاف، أو لما ليس عنده ما يعطيهم؛ فأمر أن يبين لهم أن الإعراض [عنهم] ليس للاستثقال والاستخفاف، وكذلك ترك الإجابة لهم، ولكن لما ليس عنده شيء؛ ليعلموا أنّ الأعراض عنهم ليس للاستخفاف ولا للاستثقال؛ ولكن لما ليس عنده ما يعطيهم، أو يطلب ما يعطيهم، وهو ما قال: ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾ .
أجمع أهل التأويل أن هذا الإعراض هو السؤال؛ لأنه كان يعرض عنهم لابتغاء ما يعطيهم، فذلك الإعراض يرجع منفعته إلى السؤال.
ثم اختلفوا في قوله: ﴿ مَّيْسُوراً ﴾ : قال بعضهم: عِدْهم عِدَةً حسنة: إذا كان ذلك أعطيناك.
وقال بعضهم: أي: عدهم خيراً.
وقال بعضهم: قل لهم قولاً ليناً وسهلاً.
وقال أبو عوسجة: ﴿ مَّيْسُوراً ﴾ ، أي: حسناً، وهو من التيسير، ونحو ذلك قالوا، أي: اردد عليهم ردّاً حسناً؛ ليقع عندهم أن الإعراض لما ليس عنده شيء لا لوجه آخر والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ﴾ .
في الإنفاق إذا كان عندك.
﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ .
فيلومك من رجاك؛ ولكن كما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ...
﴾ الآية [الفرقان: 67] أمر الله أن ينفقوا نفقة ليس فيها سرف ولا إقتار، وهو قول ابن عباس - - وغيره.
وقال بعضهم: لا تمسك عن النفقة فيما أمرك ربك به من الحق، ولا تبسطها كل البسط فيما نهاك عنه؛ فتقعد كذا.
وقال بعضهم: هذا نهي عن البخل والسّرف، فلئن كان هذا نهياً عن البخل كان قوله: ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ نهياً عن الجود، ولا يحتمل أن ينهى أحد عن البخل والجود؛ لأنهما غريزتان طبعيّتان، ولا ينهى أحد عما كان سبيله الطبع والغريزة، ولكن ما ذكرنا - والله أعلم - من كف اليد وقبضها عن الإنفاق في الحق و [ذي] الحق، وبسطها في غير الحق وذي الحق.
وقال أبو بكر الأصم: دل قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ﴾ أن قول اليهود: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ : أنهم لم يريدوا حقيقة اليد، ولكن التضييق والتقتير، وكذلك لم يرد بقوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ - حقيقة بسط اليد، ولكن أراد التوسيع في الرزق والتكثير؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ .
ثم يحتمل الخطاب في هذه الآيات الوجوه الثلاثة التي ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أحدها: أنه خاطب رسوله بذلك كله، وشارك فيه قومه، وفي القرآن كثير أنه خاطب رسوله بأشياء فيشرك قومه في ذلك.
والثاني: خاطب كلاًّ في نفسه نحو ما ذكرنا في قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ ﴾ \[الانفطار 6، الانشقاق: 6\]، و ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ ﴾ و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ﴾ ونحوه من الخطابات، خاطب كل أحد في نفسه؛ إذ لا يحتمل أن يخاطب في: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ رسول الله خاصة، ولا يخاطب غيره؛ بل الخطاب به كل الناس وكل إنسان.
والثالث: خاطب رسوله على إرادة غيره على سبيل الخصوصية له، نحو ما يخاطب ملوك الأرض خواصهم وأعقلهم من رعيتهم؛ على إرادة ذلك الخطاب غير المخاطبين؛ فعلى ذلك يحتمل هذا، أو أن يكون خاطب بقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ﴾ غيره ممّن يمسك، ويخاطب بقوله: ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ رسول الله؛ لأن رسول الله لا يحتمل أن يكون ما ذكر، وقد يحتمل البسط؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ مَلُوماً ﴾ : عند نفسك وعند الناس، تلوم نفسك بأنك: لم أنفقت؟!
وعند الناس: لمَّا لَمْ تجد ما تنفق عليهم؛ وعند الله - أيضاً - إذا أنفقت في غير حق.
﴿ مَّحْسُوراً ﴾ : قال القتبي: أي: تحسرك العطية وتقطعك، كما يحسر السفرُ البعيرَ فيبقى منقطعاً: وقال أبو عوسجة: هو من الحسرة، وهي الندامة، يقال: حسر الرجل فهو محسور، وقال: التبذير: الفساد، و ﴿ مَلُوماً ﴾ ، أي: ملوماً محزوناً.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ .
أي: هو يوسع الرزق على من يوسع، وهو يقتّر ويضيّق على من يضيق ويقتر، أي: ذلك إلى الله لا إلى الخلق؛ ليقطعوا الرجاء من الخلق، ويروا ذلك من الله لا يرون من غيره.
والثاني: ذكر هذا؛ ليدوم الفضل لمن ذكر الفضل، ويتبين لهم حيث قال: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ .
ومن الناس من قال بأن قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ صلة قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ ، يقول - والله أعلم - إنك إن منعته وحرمته، وكان في تقدير الله التوسيع عليه والبسط - لم يضره منعك ولا حرمانك، ولو وسعت عليه وبسطت، وكان في تقديره التضييق والتقتير لم ينفعه بسطك ولا توسيعك؛ ليعلموا أن التوسيع والبسط، والتضييق والمنع من الله، أو ذكر ليقطعوا الرجاء من الخلق ويطمعوا في رحمته وفضله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ .
أي: عالماً بأعمالهم، بصيراً بمصالحهم وما لهم وما عليهم، أو أن يكون الخبير والبصير واحداً، أو ذكر هذا؛ ليعلم أنه على علم بما يكون - منهم أنشأهم -: من الخلاف لأمره والردّ والتكذيب لرسله، ولم يخرج فعله وإنشاؤه إياهم على علم بما يكون منهم عن الحكمة؛ لأنه لا منفعة له في طاعتهم إياه وائتمارهم، ولا مضرة ولا منفعة في خلافهم إياه؛ بل المضرة والمنفعة في ذلك راجعة إليهم؛ لذلك كان إنشاؤه إياهم على علم بما يكون منهم حكمة، ومن ملوك الأرض سفهاء وجهلاء؛ لأن ما يرسلون من الرسل، ويعملون من الأعمال، ويسعون لمنافع أنفسهم، ولدفع مضارّهم؛ فإذا فعلوا شيئاً يضرهم - على علم منهم بالضرر - كان ذلك سفها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وتواضع لهما ذلًّا ورحمة بهما، وقل: يا رب، ارحمهما رحمة لأجل تربيتهما إياي في صغري.
<div class="verse-tafsir" id="91.kQk04"