الآية ٣٥ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٣٥ من سورة الإسراء

وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًۭا ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله [ تعالى : ( وأوفوا الكيل إذا كلتم ) أي من غير تطفيف ولا تبخسوا الناس أشياءهم ( وزنوا بالقسطاس ) قرئ بضم القاف وكسرها كالقرطاس وهو الميزان وقال مجاهد هو العدل بالرومية وقوله : ( المستقيم ) أي الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب ( ذلك خير ) أي لكم في معاشكم ومعادكم ولهذا قال : ( وأحسن تأويلا ) أي مآلا ومنقلبا في آخرتكم قال سعيد عن قتادة ( ذلك خير وأحسن تأويلا ) أي : خير ثوابا وعاقبة وأما ابن عباس كان يقول يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم هذا المكيال وهذا الميزان قال وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: (وَ) قضى أن (أوْفُوا الكَيْلَ) للناس (إِذَا كِلْتُمْ) لهم حقوقهم قِبَلَكم، ولا تبخَسُوهم (وَزِنُوا بالقِسْطاس المُسْتَقِيمِ) يقول: وقَضَى أن زنوا أيضا إذا وزنتم لهم بالميزان المستقيم، وهو العدل الذي لا اعوجاج فيه، ولا دَغَل، ولا خديعة.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى القسطاس، فقال بعضهم: هو القبان.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا الحسن بن ذكوان، عن الحسن (وَزِنُوا بالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ) قال: القَبَّان.

وقال آخرون: هو العدل بالرومية.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: القِسطاس: العدل بالرومية.

وقال آخرون: هو الميزان صغر أو كبر؛ وفيه لغتان: القِسطاس بكسر القاف، والقُسطاس بضمها، مثل القِرطاس والقُرطاس؛ وبالكسر يقرأ عامَّة قرّاء أهل الكوفة، وبالضمّ يقرأ عامه قرّاء أهل المدينة والبصرة، وقد قرأ به أيضا بعض قرّاء الكوفيين، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، لأنهما لغتان مشهورتان، وقراءتان مستفيضتان في قرّاء الأمصار.

وقوله (ذلكَ خَيْرٌ) يقول: إيفاؤكم أيها الناس من تكيلون له الكيل، ووزنكم بالعدل لمن توفون له (خَيْرٌ لَكُمْ) من بخسكم إياهم ذلك، وظلمكموهم فيه.

وقوله (وأحْسَنُ تَأْوِيلا) يقول: وأحسن مردودا عليكم وأولى إليه فيه فعلكم ذلك، لأن الله تبارك وتعالى يرضى بذلك عليكم، فيُحسن لكم عليه الجزاء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ) أي خير ثوابا وعاقبة.

وأخبرنا أن ابن عباس كان يقول: يا معشر الموالي، إنكم وَلِيتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم: هذا المِكيال، وهذا الميزان.

قال: وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا يَقْدِرُ رَجُلٌ على حَرَام ثُمَّ يَدَعُهُ، لَيْسَ بِهِ إِلا مَخافَةُ الله، إِلا أَبْدَلَهُ الله فِي عاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ ما هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذلكَ".

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (وأحْسَنُ تَأْوِيلا) قال: عاقبة وثوابا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وأوفوا الكيل إذا كلتم أي بالاعتدال في الأخذ والعطاء عند البيع والشراء .

وتقتضي هذه الآية أن الكيل على البائع ، وقد مضى في سورة [ يوسف ] فلا معنى للإعادة .وزنوا بالقسطاس المستقيم والقسطاس ( بضم القاف وكسرها ) : الميزان بلغة الروم ; قاله ابن عزيز .

وقال الزجاج : القسطاس : الميزان صغيرا كان أو كبيرا .

وقال مجاهد : القسطاس العدل ، وكان يقول : هي لغة رومية ، وكأن الناس قيل لهم : زنوا بمعدلة في وزنكم .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر " القسطاس " بضم القاف .

وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ( بكسر القاف ) وهما لغتان .الثانية : قوله تعالى : ذلك خير وأحسن تأويلا أي وفاء الكيل وإقامة الوزن خير عند ربك وأبرك .وأحسن تأويلا أي عاقبة .

قال الحسن : ذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس لديه إلا مخافة الله - تعالى - إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا أمر بالعدل وإيفاء المكاييل والموازين بالقسط من غير بخس ولا نقص.

ويؤخذ من عموم المعنى النهي عن كل غش في ثمن أو مثمن أو معقود عليه والأمر بالنصح والصدق في المعاملة.

{ ذَلِكَ خَيْرٌ } من عدمه { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } أي: أحسن عاقبة به يسلم العبد من التبعات وبه تنزل البركة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس ( قرأ حمزة والكسائي وحفص " بالقسطاس " بكسر القاف والباقون بضمه وهما لغتان وهو الميزان صغر أو كبر أي : بميزان العدل وقال الحسن : هو القبان قال مجاهد : هو رومي وقال غيره : هو عربي مأخوذ من القسط وهو العدل أي : زنوا بالعدل ( المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ( أي : عاقبة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأوْفوا الكيل» أتموه «إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم» الميزان السوي «ذلك خير وأحسن تأويلاً» مآلاً.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأتموا الكيل، ولا تنقصوه إذا كِلْتم لغيركم، وزِنوا بالميزان السوي، إن العدل في الكيل والوزن خير لكم في الدنيا، وأحسن عاقبة عند الله في الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أمر - سبحانه - بالوفاء بصفة عامة ، أتبع ذلك بالوفاء فى شئون البيع والشراء ، فقال - تعالى - : ( وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) .والقسطاس : الميزان الذى يوزن به فى حالتى البيع والشراء .قال صاحب الكشاف : قرئ ( بالقسطاس ) بكسر القاف وضمها .

.

قيل : كل ميزان صغر أو كبر من موازين الدراهم وغيرها .وقال الآلوسى ما ملخصه : وهذا اللفظ رومى معرب .

.

وقيل : عربى .

.

وعلى القول بأنه رومى معرب - وهو الصحيح - لا يقدح استعماله فى القرآن فى عربيته المذكورة فى قوله - تعالى - : ( إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ) لأنه بعد التعريب والسماع فى فصيح الكلام ، يصير عربيا ، فلا حاجة إلى إنكار تعريبه .

.

.وقوله : ( تأويلا ) من الأول - بفتح الهمزة وسكون الواو - بمعنى الرجوع .

يقال : آل هذا الأمر إلى كذا ، إذا رجع إليه .والمعنى : وأتموا أيها المؤمنون الكيل إذا كلتم لغيرم عند بيعكم لهم ما تريدون بيعه ، وزنوا لهم كذلك بالميزان المستقيم العادل ما تريدون وزنه لهم .وقيد - سبحانه - الأمر بوجوب إتمام الكيل والميزان فى حالة البيع ، لأنها الحالة التى يكون فيها التطفيف فى العادة ، إذ أن البائع هو الذى غالبا ما يطفف للمشترى فى المكيال والميزان ولا يعطيه حقه كاملا .قال - تعالى - : ( وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) أى : ذلك الذى أمرناكم به .

من وجوب إتمام المكيال والميزان عند التعامل ، خير لكم فى الدنيا ، لأنه يرغب الناس فى التعامل معكم ، أما فى الآخرة فهو أحسن عاقبة ومآلا ، لما يترتب عليه من الثواب الجزيل لكم من الله - عز وجل - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى أمر بخمسة أشياء أولاً، ثم أتبعه بالنهي عن ثلاثة أشياء وهي النهي عن الزنا، وعن القتل إلا بالحق، وعن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، ثم أتبعه بهذه الأوامر الثلاثة فالأول قوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ ﴾ .

واعلم أن كل عقد تقدم لأجل توثيق الأمر وتوكيده فهو عهد فقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ ﴾ نظير لقوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود  ﴾ فدخل في قوله: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ كل عقد من العقود كعقد البيع والشركة، وعقد اليمين والنذر، وعقد الصلح، وعقد النكاح.

وحاصل القول فيه: أن مقتضى هذه الآية أن كل عقد وعهد جرى بين إنسانين فإنه يجب عليهما الوفاء بمقتضى ذلك العقد والعهد، إلا إذا دل دليل منفصل على أنه لا يجب الوفاء به فمقتضاه الحكم بصحة كل بيع وقع التراضي به وبصحة كل شركة وقع التراضي بها، ويؤكد هذا النص بسائر الآيات الدالة على الوفاء بالعهود والعقود كقوله: ﴿ والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا  ﴾ وقوله: ﴿ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ  ﴾ وقوله عليه السلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيبة من نفسه».

وقوله: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد».

وقوله: «من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه».

فجميع هذه الآيات والأخبار دالة على أن الأصل في البيوعات والعهود والعقود الصحة ووجوب الالتزام.

إذا ثبت هذا فنقول: إن وجدنا نصاً أخص من هذه النصوص يدل على البطلان والفساد قضينا به تقديماً للخاص على العام، وإلا قضينا بالصحة في الكل، وأما تخصيص النص بالقياس فقد أبطلناه، وبهذا الطريق تصير أبواب المعاملات على طولها وأطنابها مضبوطة معلومة بهذه الآية الواحدة، ويكون المكلف آمن القلب مطمئن النفس في العمل، لأنه لما دلت هذه النصوص على صحتها فليس بعد بيان الله بيان، وتصير الشريعة مضبوطة معلومة.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ العهد كَانَ مسؤلا ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أن يراد صاحب العهد كان مسؤلاً فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله: ﴿ وَاسأَلِ القرية  ﴾ .

وثانيها: أن العهد كان مسؤلا أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به.

وثالثها: أن يكون هذا تخييلاً كأنه يقال للعهد لم نكثت وهلا وفي بك تبكيتاً للناكث كما يقال للموؤدة: ﴿ بِأَيّ ذَنبٍ قُتِلَتْ  ﴾ وكقوله: ﴿ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّيَ إلهين  ﴾ الآية فالمخاطبة لعيسى عليه السلام والإنكار على غيره.

النوع الثاني: من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ ﴾ والمقصود منه إتمام الكيل وذكر الوعيد الشديد في نقصانه في قوله: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ  ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ  وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ  ﴾ .

النوع الثالث: من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم ﴾ فالآية المتقدمة في إتمام الكيل، وهذه الآية في إتمام الوزن، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ  ﴾ .

واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل، والوزن قليل.

والوعيد الحاصل عليه شديد عظيم، فوجب على العاقل الاحتراز منه، وإنما عظم الوعيد فيه لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء، وقد يكون الإنسان غافلاً لا يهتدي إلى حفظ ماله، فالشارع بالغ في المنع من التطفيف والنقصان، سعياً في إبقاء الأموال على الملاك، ومنعاً من تلطيخ النفس بسرقة ذلك المقدار الحقير، والقسطاس في معنى الميزان إلا أنه في العرف أكبر منه، ولهذا اشتهر في ألسنة العامة أنه القبان.

وقيل أنه بلسان الروم أو السرياني.

والأصح أنه لغة العرب وهو مأخوذ من القسط، وهو الذي يحصل فيه الاستقامة والاعتدال، وبالجملة فمعناه المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الجانبين، وأجمعوا على جواز اللغتين فيه، ضم القاف وكسرها، فالكسر قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم والباقون بالضم.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك خَيْرٌ ﴾ أي الإيفاء بالتمام والكمال خير من التطفيف القليل من حيث أن الإنسان يتخلص بواسطته عن الذكر القبيح في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة: ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ والتأويل ما يؤل إليه الأمر كما قال في موضع آخر: ﴿ خَيْرٌ مَّرَدّاً  ﴾ ﴿ خَيْرٌ عُقْبًا  ﴾ ﴿ خَيْرٌ أَمَلاً  ﴾ وإنما حكم تعالى بأن عاقبة هذا الأمر أحسن العواقب، لأنه في الدنيا إذا اشتهر بالاحتراز عن التطفيف عول الناس عليه ومالت القلوب إليه وحصل له الاستغناء في الزمان القليل، وكم قد رأينا من الفقراء لما اشتهروا عند الناس بالأمانة والاحتراز عن الخيانة أقبلت القلوب عليهم وحصلت الأموال الكثيرة لهم في المدة القليلة.

وأما في الآخرة فالفوز بالثواب العظيم والخلاص من العقاب الأليم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ ﴿ بالقسطاس ﴾ بالضم والكسر، وهو القرسطون.

وقيل: كل ميزان صغر أو كبر من موازين الدراهم وغيرها ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ وأحسن عاقبة، وهو تفعيل، من آل إذا رجع، وهو ما يؤول إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ ﴾ ولا تَبْخَسُوا فِيهِ ﴿ وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴾ بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وهو رُومِيٌّ عُرِّبَ ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ، لِأنَّ العَجَمِيَّ إذا اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ وأجْرَتْهُ مَجْرى كَلامِهِمْ في الإعْرابِ والتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ ونَحْوِها صارَ عَرَبِيًّا.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِكَسْرِ القافِ هُنا وفي « الشُّعَراءِ» .

﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ وأحْسَنُ عاقِبَةً تَفْعِيلٌ مِن آلَ إذا رَجَعَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ} بكسر القاف حمزة وعلي وحفص وهو كل ميزان صغير أو كبير من موازين الدراهم وغيرها وقيل هو القرسطون أي القبان {الْمُسْتَقِيمِ} المعتدل {ذَلِكَ خَيْرٌ} في الدنيا {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} عاقبة وهو تفعيل من آل إذا رجع وهو ما يؤل إليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأوْفُوا الكَيْلَ ﴾ أتِمُّوهُ ولا تُخْسِرُوهُ ﴿ إذا كِلْتُمْ ﴾ أيْ: وقْتَ كَيْلِكم لِلْمُشْتَرِينَ، وتَقْيِيدُ الأمْرِ بِهِ لِما أنَّ التَّطْفِيفَ يَكُونُ هُناكَ، وأمّا وقْتَ الِاكْتِيالِ عَلى النّاسِ فَلا حاجَةَ إلى الأمْرِ بِالتَّعْدِيلِ قالَ تَعالى: ﴿ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ الآيَةَ.

﴿ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ ﴾ هو القَبّانُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ ويُقالُ لَهُ القَرَسْطُونُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو المِيزانُ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا مِن مَوازِينِ الدَّراهِمِ وغَيْرِها، وقالَ اللَّيْثُ: هو أقْوَمُ المَوازِينِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ العَدْلُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ الحَدِيدُ وهو رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ كَما قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ لِفَقْدِ مادَّتِهِ في العَرَبِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ ورُوِيَ القَوْلُ بِتَعْرِيبِهِ وأنَّهُ المِيزانُ في اللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وجَماعَةٍ، وقِيلَ: هو مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ: القِسْطُ وهو العَدْلُ، وطاسَ وهو كِفَّةُ المِيزانِ لَكِنَّهُ حُذِفَ أحَدُ الطّاءَيْنِ لِأنَّ التَّرْكِيبَ مَحَلُّ تَخْفِيفٍ، وهو كَما تَرى، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ وهو الصَّحِيحُ لا يَقْدَحُ اسْتِعْمالُهُ في القُرْآنِ في عَرَبِيَّتِهِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ لِأنَّهُ بَعْدَ التَّعْرِيبِ والسَّماعِ في فَصِيحِ الكَلامِ يَصِيرُ عَرَبِيًّا فَلا حاجَةَ إلى إنْكارِ تَعْرِيبِهِ أوِ ادِّعاءِ التَّغْلِيبِ أوْ أنَّ المُرادَ عَرَبِيُّ الأُسْلُوبِ.

وقَدْ قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ بِكَسْرِ القافِ والباقُونَ بِضَمِّها، وقَدْ تُبْدَلُ السِّينُ الأُولى صادًا كَما أُبْدِلَتِ الصّادُ سِينًا في الصِّراطِ ﴿ المُسْتَقِيمِ ﴾ أيِ العَدْلَ السَّوِيَّ، وهو يَبْعُدُ تَفْسِيرُ القِسْطاسِ بِالعَدْلِ، ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بِاسْتِقامَتِهِ عَنِ الأمْرِ بِإيفاءِ الوَزْنِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِما أنَّ عِنْدَ اسْتِقامَتِهِ لا يُتَصَوَّرُ الجَوْرُ غالِبًا بِخِلافِ الكَيْلِ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ التَّطْفِيفُ مَعَ اسْتِقامَةِ الآلَةِ كَما أنَّ الِاكْتِفاءَ بِإيفاءِ الكَيْلِ عَنِ الأمْرِ بِتَعْدِيلِهِ لِما أنَّ إيفاءَهُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ تَعْدِيلِ المِكْيالِ وقَدْ أمَرَ بِتَقْوِيمِهِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ: إيفاءُ الكَيْلِ والوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴿ خَيْرٌ ﴾ في الدُّنْيا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِرَغْبَةِ النّاسِ في مُعامَلَةِ فاعِلِهِ وجَلْبِ الثَّناءِ الجَمِيلِ عَلَيْهِ ﴿ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ أيْ عاقِبَةً لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، والتَّأْوِيلُ تَفْعِيلٌ مِن آلَ إذا رَجَعَ وأصْلُهُ رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى الغايَةِ المُرادَةِ مِنهُ عِلْمًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ ﴾ أوْ فِعْلًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾ وقَوْلِ الشّاعِرِ: ولِلنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْنِ تَأْوِيلُ وقِيلَ: المُرادُ ذَلِكَ خَيْرٌ في نَفْسِهِ لِأنَّهُ أمانَةٌ وهي صِفَةُ كَمالٍ وأحْسَنُ عاقِبَةً في الدُّنْيا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِمَيْلِ القُلُوبِ والرَّغْبَةِ في المُعامَلَةِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ بَيْنَ النّاسِ ويُفْضِي ذَلِكَ إلى الغِنى وفي الآخِرَةِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْخَلاصِ مِنَ العَذابِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ، وقِيلَ: أحْسَنُ تَأْوِيلًا أيْ أحْسَنُ مَعْنًى وتَرْجَمَةً، ثُمَّ إنَّ إيفاءَ الكَيْلِ والوَزْنِ واجِبٌ إجْماعًا ونَقْصُ ذَلِكَ مِنَ الكَبائِرِ مُطْلَقًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ الوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِفاعِلِهِ الوارِدُ في الآياتِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ ولا فَرْقَ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، نَعَمْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ التَّطْفِيفَ بِالشَّيْءِ التّافِهِ الَّذِي يُسامِحُ بِهِ أكْثَرُ النّاسِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ صَغِيرَةً، فَإنْ قُلْتَ: ذَكَرُوا في الغَصْبِ أنَّ غَصْبَ ما دُونَ رُبْعِ دِينارٍ لا يَكُونُ كَبِيرَةً وقَضِيَّتُهُ أنْ يَكُونَ التَّطْفِيفُ كَذَلِكَ قُلْتُ: قِيلَ ذَلِكَ مُشْكِلٌ فَلا يُقاسُ عَلَيْهِ بَلْ حُكِيَ الإجْماعُ عَلى خِلافِهِ.

وقالَ الأذْرُعِيُّ: إنَّهُ تَحْدِيدٌ لا مُسْتَنَدَ لَهُ.

انْتَهى، وعَلى التَّنْزِيلِ فَقَدْ يُفَرَّقُ بِأنَّ الغَصْبَ لَيْسَ مِمّا يَدْعُو قَلِيلُهُ إلى كَثِيرِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والغَلَبَةِ بِخِلافِ التَّطْفِيفِ فَتَعَيَّنَ التَّنْفِيرُ عَنْهُ بِأنَّ كُلًّا مِن قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ كَبِيرَةٌ؛ أخْذًا مِمّا قالُوهُ في شُرْبِ القَطْرَةِ مِنَ الخَمْرِ مِن أنَّهُ كَبِيرَةٌ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ فِيها مَفْسَدَةُ الخَمْرِ؛ لِأنَّ قَلِيلَهُ يَدْعُو إلى كَثِيرِهِ، ومِثْلُ التَّطْفِيفِ في الكَيْلِ والوَزْنِ النَّقْصُ في الذَّرْعِ ولا يَكادُ يَسْلَمُ كَيّالٌ أوْ وزّانٌ أوْ ذَرّاعٌ في هَذِهِ الأعْصارِ مِن نَقْصٍ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي: إلا على وجه التجارة لينمو مال اليتيم بالأرباح، أو ينمو على وجه المضاربة حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ يعني: حتى يَبْلُغَ ويتم خلقه.

وقال القتبي: أشد الرجل، غير أشد اليتيم، وإن كان لفظهما واحداً، لأن قوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ [الأحقاف: 25] إنّما هو الاكتهال، وذلك ثلاثون سنة.

وأشد الغلام أن يشتد خلقه، وذلك ثمان عشرة سنة.

وقال مقاتل: هذه الآية منسوخة بقوله: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [البقرة: 220] .

ثم قال: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ يعني: العهد الذي بينكم وبين الله تعالى، والعهد الذي بينكم وبين الناس إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا يعني: إن ناقض العهد يسأل عنه يوم القيامة.

ثم قال عز وجل: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ لغيركم وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ أي: بالميزان العدل بلغة الروم.

قرأ حمزة والكسائي بِالْقِسْطاسِ بكسر القاف، والباقون بالضم، وهما لغتان يعني: الميزان.

ويقال: هو القبان.

ذلِكَ خَيْرٌ أي: الوفاء بجميع ما أمركم الله به، ونهاكم عنه، خير من البخس والنقصان.

وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي: عاقبة ومرجعاً في الآخرة.

وقال: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يقول: لا تقل ما لم تعلم، فتقول: علمت ولم تعلم، ورأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، أي: كأنك تقفو الأمور.

يقال: قفوت أثره، والقائف: الذي يعرف الآثار ويتبعها.

ثم حذرهم فقال: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا أي: يسأل العبد عن أعضائه يوم القيامة، فيشهدن عليه.

ويقال: معناه صاحب السمع والبصر والفؤاد يسأل يوم القيامة عن السمع والبصر والفؤاد.

ويقال: معنى قوله: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: لا تقل ما لم تعلم، ولا تسمع اللغو، ولا تنظر إلى الحرام، ولا تحكم على الظن كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا يعني: عن الكلام باللسان، والتسمع بالسمع، والتبصر بالبصر على وجه الإضمار، وهو من جوامع الكلم.

ثم قال: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً يعني: بالتكبر والفخر إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ يعني: لن تدخل الْأَرْضِ ولن تجاوزها وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا يريد: أنه ليس للعاجز أن يمدح نفسه، ويستكبر.

كُلُّ ذلِكَ أي: كل ما أمرتك به، ونهيتك عنه كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ أي ترك ذلك سيئة ومعصية عند الله مَكْرُوهاً أي: منكراً.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو، ونافع، سَيِّئَةً بنصب الهاء مع التنوين، يعني: خطيئة.

ومعناه: ما ذكر في هذه الآية تركه كان معصية وسيئة.

وقرأ الباقون سَيِّئُهُ بضم الهاء على معنى الإضافة، قال أبو عبيدة: وبهذه القراءة نقرأ، وحجته قراءة أُبَيّ، كان يقرأ سَيِّئَاتِهِ على معنى الإضافة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويحتمل أنْ يكون التأويلُ مصدر تأولَّ، أي: يتأول عليكم الخَيْر في جميع أموركم، إِذا أحسنتم الكيلَ والوَزْن.

وقال ص: تَأْوِيلًا أي: عاقبة انتهى.

وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨)

وقوله سبحانه: وَلا تَقْفُ معناه لا تقُلْ ولا تتَّبع، واللفظة تستعملُ في القَذْف ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ لاَ نَقْفُوا أُمَّنَا، وَلاَ نَنْتِفى مِنْ أَبِينَا» ، وأصل «١» هذه اللفظة من اتباع الأثر، تقول: قَفَوْتُ الأَثَرَ، وحكى الطبريُّ «٢» عن فرقةٍ أنها قالَتْ: قَفَا وقَافَ، مثل عَثَا وعَاث، فمعنى الآية: ولا تتبع لسانَكَ من القول ما لا عِلْمَ لك به، وبالجملة: فهذه الآية تنهى عن قول الزور والقذفِ وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة والمُرْدِيَة.

إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا عبَّر عن هذه الحواسِّ ب أُولئِكَ.

لأن لها إدراكاً وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالَةُ مَنْ يعقل.

ت: قال ص: وما توهمه ابنُ عطية أُولئِكَ تختصُّ بمن يعقل ليس كذلك إِذ لا خلاف بين النحاة في جواز إطلاق «أولاء» و «أولئك» على مَنْ لا يعقل.

ت: وقد نقل ع «٣» الجَوَازَ عن الزَّجَّاجِ وفي ألفِيَّةِ ابْنِ مالك: [الرجز] وبأولى أشر لجمع مطلقا «٤» ...

فقال ولده بدر الدين: أي سواءٌ كان مذكَّراً أو مؤنَّثاً، وأكثر ما يستعمل فيمن يعقل، وقد يجيء/ لغيره كقوله: [الكامل]

ذُمَّ المَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ...

والعَيْشَ بَعْدَ أُوَلئِكَ الأَيَّامِ «١»

وقد حكى «٢» ع البيْتَ، وقال: الرواية فيه «الأقوامِ» ، واللَّه أعلم انتهى.

والضمير في عَنْهُ يعودُ على ما ليس للإِنسان به عِلْم، ويكون المعنى: إِن اللَّه تعالى يَسْأَل سَمْعَ الإِنسان وبَصَره وفُؤَاده عمَّا قال مما لاَ عْلَم له به، فيقع تكذيبه مِنْ جوارحه، وتلك غايةُ الخزْي، ويحتمل أنْ يعود على كُلُّ التي هي السمْعُ والبصر والفؤاد، والمعنى: إن اللَّه تعالى يسأل الإِنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده.

قال صاحبُ «الكَلِمِ الفَارِقِيَّة» : لا تَدَعْ جَدْوَلَ سمِعْكَ يجرى فيه أُجَاج الباطل فيلهب باطنك بنار الحِرْص على العاجل، السَّمْعُ قُمْعٌ تغور فيه المعاني المَسْمُوعة إِلى قرار وعاء القَلْب، فإنْ كانَتْ شريفةً لطيفةً، شرَّفَتْه ولطَّفَتْه وهذَّبَتْه وزكَّتْه، وإِن كانَتْ رذيلةً دنيَّةً، رذَّلَتْه وخبَّثَتْه، وكذلك البصَرُ منْفُذٌ مِنْ منافذ القلب، فالحواسّ الخمس كالجداول والرواضع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأنْعامِ: ١٥٢ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا بِالعَهْدِ ﴾ وهو عامٌّ فِيما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ.

قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ فَهو مِنَ العَهْدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ مَسْؤُولا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مَسْؤُولًا عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: أتِمُّوهُ ولا تَبْخَسُوا مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ ﴾ فِيهِ خَمْسُ لُغاتٍ: أحَدُها: ( قُسْطاسٌ ) بِضَمِّ القافِ وسِينَيْنِ، وهَذِهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبِي عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هاهُنا وفي ( الشُّعَراءِ: ١٨٢ ) .

والثّانِيَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّ القافَ مَكْسُورَةٌ، وهَذِهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ.

قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.

والثّالِثَةُ: ( قُصْطاصٌ ) بِصادَيْنِ.

والرّابِعَةُ: ( قُصْطاسٌ ) بِصادٍّ قَبْلَ الطّاءِ وسِينٍ بَعْدَها، وهاتانِ مَرْوِيَّتانِ عَنْ حَمْزَةَ.

والخامِسَةُ: ( قِسْطانُ ) بِالنُّونِ.

قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ، قالَ: القِسْطاسُ: المِيزانُ، رُومِيٌّ مُعْرَّبٌ، ويُقالُ: قِسْطاسٌ وقُسْطاسٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ ؛ أيْ: ذَلِكَ الوَفاءُ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ وأقْرَبُ إلَيْهِ، ﴿ وَأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ ؛ أيْ: عاقِبَةً في الجَزاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أصَّلُ " تَقْفُ " مِنَ القِيافَةِ، وهي تَتَبُّعُ الأثَرَ، وفِيهِ لُغَتانِ: قَفا يَقْفُو، وقافٍ يَقُوفُ، وأكْثَرُ القُرّاءِ يَجْعَلُونَها مِن ( قَفَوْتُ )، فَيُحَرِّكُ الفاءَ إلى الواوِ ويَجْزِمُ القافَ، كَما تَقُولُ: لا تَدْعُ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ: ( لا تَقُفْ )، مِثْلُ: تَقُلْ، والعَرَبُ تَقُولُ: قُفْتُ أثَرَهُ، وقَفَوْتُ، ومِثْلُهُ: عاثَ وعْثًا، وقاعَ الجَمَلُ النّاقَةَ، وقَعاها: إذا رَكِبَها.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ القافِ مِن قافَ يَقُوفُ، فَكَأنَّهُ مَقْلُوبٌ مِن قَفا يَقْفُو، والمَعْنى واحِدٌ، تَقُولُ: قَفَوْتُ الشَّيْءَ أقَفُوهُ قَفْوًا: إذا تَبِعْتَ أثَرَهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ وَلا تَقْفُ ﴾ ؛ أيْ: لا تُتْبِعْهُ الظُّنُونَ والحَدْسَ، وهو مِنَ القَفاءِ مَأْخُوذٌ، كَأنَّكَ تَقْفُو الأُمُورَ؛ أيْ: تَكُونُ في أقْفائِها وأواخِرِها تَتَعَقَّبُها، والقائِفُ: الَّذِي يَعْرِفُ الآَثارَ ويَتْبَعُها، فَكَأنَّهُ مَقْلُوبٌ عَنِ القافِي.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَرْمِ أحَدًا بِما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا تَقُلْ: رَأيْتُ، ولَمْ تَرَ، ولا سَمِعْتُ، ولَمْ تَسْمَعْ، رَواهُ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، رَواهُ عَطاءٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ: " كُلُّ "، ثُمَّ قالَ: " كانَ "؛ لِأنَّ كُلًّا في لَفْظِ الواحِدِ، وإنَّما قالَ: " أُولَئِكَ " لِغَيْرِ النّاسِ؛ لِأنَّ كُلَّ جَمْعٌ أشَرْتُ إلَيْهِ مِنَ النّاسِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المَواتِ، تُشِيرُ إلَيْهِ بِلَفْظِ " أُولَئِكَ "، قالَ جَرِيرٌ: ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللَّوى والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ إلى الجَوارِحِ المَذْكُورَةِ، يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما إذا اسْتَعْمَلَها، وفي هَذا زَجْرٌ عَنِ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ، والِاسْتِماعُ إلى ما يَحْرُمُ، والعَزْمُ عَلى ما لا يَجُوزُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا ﴾ ﴿ وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ ﴿ وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عنهُ مَسْؤُولا ﴾ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْأوصِياءِ الَّذِينَ هم مُعَدُّونَ لِقُرْبِ مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ هي لِمَن تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ مِن غَيْرِ وصِيٍّ، و"اليَتِيمُ": الفَرْدُ مِنَ الأبْناءِ، واليُتْمُ: الِانْفِرادُ، يُقالُ: يَتَمَ الصَبِيُّ يَيْتَمُ إذا فَقَدَ أباهُ.

قالَ ابْنُ السِكِّيتِ: اليُتْمُ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأبِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمِّ.

وفي كِتابِ الماوَرْدِي: أنَّ اليُتْمَ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأُمِّ أيْضًا، وجَمْعُ اليَتِيمِ أيْتامٌ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وشَهِيدٍ وأشْهادٍ، ويُجْمَعُ يَتامى كَأسِيرٍ وأسارى، كَأنَّها في الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى المَرْءِ غَلَبَةً،.

قالَ ابْنُ سِيدَهْ: وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ "يَتْمانِ" في "يَتِيمٍ"، وأنْشَدَ في ذَلِكَ.

فَبِتُّ أُشَوِّي صِبْيَتِي وحَلِيلَتِي ∗∗∗ طَرِيًّا وجَرْوُ الذِئْبِ يَتْمانُ جائِعُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَتامى"جَمْعُ "يَتْمانِ".

وفي الحَدِيثِ: « "لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ يُرِيدُ: إلّا بِأحْسَنِ الحالاتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ في الوَصِيِّ الغَنِيِّ، أنْ يُثَمِّرَ المالَ ويُحَوِّطَهُ، ولا يَحْبِسُ مِنهُ شَيْئًا عَلى جِهَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ.

هَذا هو الوَرَعُ، والأولى ألّا أنْ يَكُونَ يَشْتَغِلُ في مالِ اليَتِيمِ ويَشِحُّ عَلَيْهِ، فالفِقْهُ أنْ تَفْرِضَ لَهُ أُجْرَةً.

وأمّا الوَصِيُّ الفَقِيرُ الَّذِي يَشْغَلُهُ مالُ اليَتِيمِ عن مَعاشِهِ، فاخْتَلَفَ الناسُ في أكْلِهِ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ، كَيْفَ هُوَ؟

فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَتَسَلَّفُ مِنهُ، فَإذا أيْسَرَ رَدَّ فِيهِ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا يَشْرَبُ الماءَ مِن مالِ اليَتِيمِ، قِيلَ: فَما مَعْنى: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ  ﴾ ؟

قالَ: إنَّما ذَلِكَ لِخِدْمَتِهِ وغَسْلِ ثَوْبِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْرَبُ إلّا بِتِجارَةٍ ولا يَسْتَقْرِضُ مِنهُ، قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ  ﴾ مِن مالِ نَفْسِهِ.

وقالَ أبُو يُوسُفَ: لَعَلَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ  ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَأْكُلُ مِنهُ الشَرْبَةَ مِنَ اللَبَنِ، والطُرْفَةَ مِنَ الفاكِهَةِ، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَخْدِمُهُ، ويَلُوطُ الحَوْضَ، ويَجِدُّ النَخْلَ، ويَنْشُدُ الضالَّةَ، فَيَأْكُلُ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، ولا ناهِكَ في الحَلْبِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: يَأْكُلُ مِنهُ بِأطْرافِ أصابِعِهِ بُلْغَةً مِنَ العَيْشِ بِتَعَبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلتَّقَلُّلِ، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ: يَأْخُذُ مِنهُ أُجْرَةً بِقَدْرِ تَعَبِهِ، فَهَذِهِ كُلُّها تَدْخُلُ فِيما هو أحْسَنُ.

وكَمالُ تَفْسِيرِ هَذِهِ المَعانِي في سُورَةِ النِساءِ بِحَسَبِ ألْفاظِ تِلْكَ الآياتِ، وفي الخَبَرِ عن قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِما نَزَلَتْ شَقَّتْ عَلى المُسْلِمِينَ، وتَجَنَّبُوا الأكْلَ مَعَهم في صَحِيفَةٍ، فَنَزَلَتْ ﴿ وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ غايَةَ الإمْساكِ عن مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ ما بَعْدَ الغايَةِ قَدْ سَنَّتْهُ آيَةٌ أُخْرى، وما بَعْدُ هَذِهِ الغاياتِ أبَدًا مَوْقُوفٌ حَتّى يَقُومَ فِيهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، أو يَقْتَضِيَ ذَلِكَ الإنْصافَ في النازِلَةِ، ومِثْلُ هَذا «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "أنا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ  بِيَدِي، وبَعَثْتُ بِها، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلى رَسُولِ اللهِ  شَيْءٌ أحُلَّهُ اللهُ لَهُ حَتّى نَحَرَ الهَدْيَ".» و"الأشُدَّ": جَمْعُ (شَدَّ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ: قُواهُ في العَقْلِ والتَجْرِبَةِ والنَظَرِ لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ البُلُوغِ، فالأشُدَّ في مَذْهَبِ مالِكٍ إقْرانُ البُلُوغِ بِالِاحْتِلامِ أو ما يَقُومُ مَقامَهُ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، والرُشْدُ في المالِ.

واخْتُلِفَ، هَلْ مِن شُرُوطِ ذَلِكَ الرُشْدِ في الدِينِ عَلى قَوْلَيْنِ: فابْنُ القاسِمِ لا يُراعِيهِ إذا كانَ ضابِطًا لِمالِهِ، وراعاهُ غَيْرُهُ مِن بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الأشُدَّ هو البُلُوغُ فَقَطْ، فَلا حَجْرَ عِنْدِهِ عَلى بالِغٍ إلّا أنْ يَعْرِفَ مِنهُ السَفَهَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَسْتُ مِن هَذا التَقْيِيدِ في قَوْلِهِ عَلى ثِقَةٍ.

وقالَ أبُو إسْحاقٍ الزَجّاجُ: الأشُدُّ في قَوْلِهِ أنْ يَأْتِيَ عَلى الصَبِيِّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما أرادَ أنَّهُ بَعْضُ ما قِيلَ في حَدِّ البُلُوغِ لِمَن لا يَحْتَلِمُ، وأمّا أنْ يَكُونَ بالِغًا رَشِيدًا فَلا يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ حَتّى يَبْلُغَ هَذِهِ المُدَّةَ فَشَيْءٌ لا أحْفَظُ مَن يَقُولُهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوفُوا بِالعَهْدِ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ عَهْدٍ وعَقْدٍ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ رَبِّهِ، أو بَيْنَهُ وبَيْنَ المَخْلُوقِينَ في طاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا ﴾ أيْ: مَطْلُوبًا مِمَّنْ عُهِدَ إلَيْهِ أو عُوهِدَ، هَلْ وفّى بِهِ أمْ لا؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ ﴾ الآيَةُ.

أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أهْلَ التَجَرِ الوَزْنِ والكَيْلِ أنْ يُعْطُوا الحَقَّ في كَيْلِهِمْ ووَزْنِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ يَقِفُ في السُوقِ ويَقُولُ: يا مَعْشَرَ المَوالِي، إنَّكم وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ بِهِما هَلاكُ الناسِ قَبْلَكُمْ، هَذا المِكْيالُ وهَذا المِيزانُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ لا يُقالُ لَهُ: "أوفِ الكَيْلَ"، هَذا ظاهِرُ اللَفْظِ والسابِقُ مِنهُ، و"القِسْطاسُ" قالَ الحَسَنُ: هو القَبّانُ، ويُقالُ فِيهِ: القَفّانِ، وهو القاسَطُونَ، ويُقالُ القَرْطَسُونُ، وقِيلَ: القِسْطاسُ المِيزانُ صَغِيرًا كانَ أو كَبِيرًا، وقالَ مُجاهِدٌ: القِسْطاسُ: العَدْلُ، وكانَ يَقُولُ: هي لُغَةٌ رُومِيَّةٌ، فَكَأنَّ الناسَ قِيلَ لَهُمْ: زِنُوا بِمَعْدَلَةٍ في وزْنِكم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "القُسْطاسُ" بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "القِسْطاسُ"، وهُما لُغَتانِ، واللَفْظَةُ مِنهُ لِلْمُبالِغَةِ مِنَ القِسْطِ، والمُرادُ بِها في الآيَةِ جِنْسُ المَوازِينِ العَدْلَةِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: "إنَّما قَرَأ بِكَسْرِ القافِ أهْلُ الكُوفَةِ، وكُلُّ قِراءَةٍ لا تُجاوِزُ الكُوفَةَ إلى الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ فاقْرَأْ بِغَيْرِها".

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالقِصْطاسِ" بِالصادِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ مَذْهَبُ مُجاهِدٍ في هَذا وفي مِيزانِ القِيامَةِ، وكُلِّ ذَلِكَ، أنَّها اسْتِعاراتٌ لِلْعَدْلِ، وقَوْلُهُ: "مِيزانُ القِيامَةِ" مَرْدُودٌ، وعَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ.

وسَمِعْتُ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: رَأيْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ في جامِعِ عَمْرُو بْنِ العاصِ يَعِظُ الناسَ في الوَزْنِ، فَقالَ في جُمْلَةِ كَلامِهِ: إنَّ هَيْئَةَ اليَدِ بِالمِيزانِ عِظَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الأصابِعَ تَجِيءُ مِنها صُورَةُ المَكْتُوبَةِ: ألْفٌ ولا مانِ وهاءٌ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وعْظٌ جَمِيلٌ.

و"التَأْوِيلُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المَآلُ، قالَهُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "التَأْوِيلُ" مَصْدَرُ تَأوَّلَ، أيْ: يَتَأوَّلُ عَلَيْكُمُ الخَيْرُ في جَمِيعِ أُمُورِكم إذا أحْسَنْتُمْ في الكَيْلِ والوَزْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرَضُ مِنَ الكَيْلِ والوَزْنِ تَحَرِّي الحَقِّ، فَإنْ غُلِبَ الإنْسانُ بَعْدَ تَحَرِّيهِ لِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِن تَطْفِيفٍ شاذٍّ، لَمْ يَقْصِدْهُ، فَذَلِكَ نَزْرٌ مَوْضُوعٌ عنهُ إثْمُهُ، وذَلِكَ ما لا يَكُونُ الِانْفِكاكُ عنهُ في وُسْعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْفُ ﴾ مَعْناهُ: ولا تَقُلْ ولا تَتَّبِعْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنَّها لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في القَذْفِ والعِظَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "نَحْنُ بَنُو النَضْرِ لا نَقْفُو أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا"،» وتَقُولُ: فَلانٌ قِفْوَتِي، أيْ: مَوْضِعُ تُهْمَتِي، وتَقُولُ: "رُبَّ سامِعِ عِذْرَتِي ولَمْ يَسْمَعْ قِفْوَتَيْ" أيْ: ما رَمَيْتُ بِهِ، وهَذا مَثَلٌ لِلَّذِي يُفْشِي سِرَّهُ ويَعْتَذِرُ مِن ذَنْبٍ لَمْ يَسْمَعْهُ المُعْتَذَرُ إلَيْهِ.

وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ: ﴿ وَلا تَقْفُ ﴾ مَعْناهُ: ولا تَرْمِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: ومِثْلُ الدُمى شُمُّ العَرانِينِ ساكِنٌ ∗∗∗ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَياءُ لا يُشِعْنَ التَقافِيا وَقالَ الكُمَيْتُ: ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أقْفُو الحَواضِنَ إنْ قُفِينا وأصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ مِنَ اتِّباعِ الأثَرِ، تَقُولُ: قَفَوْتُ الأثَرَ، ويُشْبِهُ أنَّ هَذا مِنَ "القَفا"، ومِنهُ قافِيَةُ الشِعْرِ لِأنَّها تَقْفُو البَيْتَ، وتَقُولُ: "قُفْتُ الأثَرَ"، ومِن هَذا: هو القائِفُ، وتَقُولُ: "فُقْتُ الأثَرَ" بِتَقْدِيمِ الفاءِ عَلى القافِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن تَلَعُّبِ العَرَبِ في بَعْضِ الألْفاظِ، كَما قالُوا: "رَعَمْلِي" في "لَعَمْرِي"، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: قَفا وقافَ، مِثْلُ عَتا وعاتَ، فَمَعْنى الآيَةِ: ولا تَتَّبِعْ لِسانَكَ مِنَ القَوْلِ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ إلى أنَّ قَفا وقافَ مِثْلَ جَذَبَ وجَبَذَ، فَهَذِهِ الآيَةُ بِالجُمْلَةِ تَنْهى عن قَوْلِ الزُورِ والقَذْفِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الكاذِبَةِ الرَدِيئَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَقْفُ"، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ -فِيما حَكى الكِسائِيُّ -: "وَلا تَقُفْ" بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الفاءِ.

وقَرَأ الجَرّاحُ: "والفَوادَ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وأنْكَرَها أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ، وعَبَّرَ عَنِ "السَمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ" بِـ "أُولَئِكَ" لِأنَّها حَواسُّ لَها إدْراكٌ، وجَعَلَها في هَذِهِ الآيَةِ مَسْؤُولَةً، فَهي حالَةُ مَن يَعْقِلُ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عنها بِـ "أُولَئِكَ"، وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ  ﴾ : إنَّهُ إنَّما قالَ: "رَأيْتُهُمْ" في نُجُومٍ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَها بِالسُجُودِ وهو مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ عَبَّرَ عنها بِكِنايَةِ مَن يَعْقِلُ.

وحَكى الزَجّاجُ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَمّا يُعْقَلُ وعَمًّا لا يُعْقَلُ بِالإدْراكِ، وأنْشَدَ هو والطَبَرِيُّ: ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِوى ∗∗∗ ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ فَأمًّا حِكايَةُ أبِي إسْحاقٍ عَنِ اللُغَةِ فَأمْرٌ يُوقَفُ عِنْدَهُ، وأمّا البَيْتُ فالرِوايَةُ "الأقْوامُ"، والضَمِيرُ في "عنهُ" يَعُودُ عَلى ما لَيْسَ لِلْإنْسانِ بِهِ عِلْمٌ، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ سَمْعَ الإنْسانِ وبَصَرَهُ وفُؤادَهُ عَمّا قالَ مِمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَقَعُ تَكْذِيبُهُ مِن جَوارِحِهِ، وتِلْكَ غايَةُ الخِزْيِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "عنهُ" عَلى "كُلٌّ" الَّتِي هي لِلسَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ الإنْسانَ عَمّا حَواهُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وفُؤادُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ هَذِهِ كانَ الإنْسانُ عنهُ مَسْؤُولًا، أيْ عَمّا حَصَلَ لِهَؤُلاءِ مِنَ الإدْراكاتِ، ووَقَعَ مِنها مِنَ الخَطايا، فالتَقْدِيرُ "عن أعْمالِها مَسْؤُولًا"، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذان حكمان هما الثاني عشر والثالث عشر من الوصايا التي قضى الله بها.

وتقدم القول في نظيره في سورة الأنعام.

وزيادة الظرف في هذه الآية وهو ﴿ إذا كلتم ﴾ دون ذكر نظيره في آية الأنعام لما في (إذا) من معنى الشرطية فتقتضي تجدد ما تضمنه الأمر في جميع أزمنة حصول مضمون شرط (إذا) الظرفية الشرطية للتنبيه على عدم التسامح في شيء من نقص الكيل عند كل مباشرة له.

ذلك أن هذا خطاب للمسلمين بخلاف آية الأنعام فإن مضمونها تعريض بالمشركين في سوء شرائعهم وكانت هنا أجدر بالمبالغة في التشريع.

وفعل (كال) يدل على أن فاعله مباشرُ الكيل، فهو الذي يدفع الشيء المكيل، وهو بمنزلة البائع، ويقال للذي يقبض الشيء المكيل: مكتال.

وهو من أخوات باع وابتاع، وشرى واشترى، ورهن وارتهن، قال تعالى: ﴿ الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ﴾ [المطففين: 2، 3].

و القُسطاس بضم القاف في قراءة الجمهور.

وقرأه بالكسر حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.

وها لغتان فيه، وهو اسم للميزان أي آلة الوزن، واسم للعدل، قيل: هو معرب من الرومية مركب من كلمتين قسط، أي عدل، وطاس وهوَ كفة الميزان.

وفي صحيح البخاري} «وقال مجاهد: القُسطاس: العدل بالرومية».

ولعل كلمة قسط اختصار لقسطاس لأن غالب الكلمات الرومية تنتهي بحرف السين.

وأصله في الرومية مضموم الحرف الأول وإنما غيَّره العرب بالكسر على وجه الجواز لأنهم لا يتحرون في ضبط الكلمات الأعجمية.

ومن أمثالهم «أعجمي فالعَب به ما شئت».

ومعنى العدل والميزان صالحان هنا، لكن التي في الأنعام جاء فيها ﴿ بالقِسط ﴾ فهو العدل لأنها سيقت مساق التذكير للمشركين بما هم عليه من المفاسد فناسب أن يذكروا بالعدل ليعلموا أن ما يفعلونه ظلم.

والباء هنالك للملابسة.

وهذه الآية جاءت خطاباً للمسلمين فكانت أجدر باللفظ الصالح لمعنى آلة الوزن، لأن شأن التشريع بيان تحديد العمل مع كونه يومئ إلى معنى العدل على استعمال المشترك في معنييه.

فالباء هنا ظاهرة في معنى الاستعانة والآلة، ومفيدة للملابسة أيضاً.

والمستقيم: السوي، مشتق من القَوام بفتح القاف وهو اعتدال الذات.

يقال: قومته فاستقام.

ووصف الميزان به ظاهر.

وأما العدل فهو وصف له كاشف لأن العدل كله استقامة.

وجملة ﴿ ذلك خير ﴾ مستأنفة.

والإشارة إلى المذكور وهو الكيل والوزن المستفاد من فعلي ﴿ كلتم ﴾ و ﴿ زنوا ﴾ .

و ﴿ خير ﴾ تفضيل، أي خير من التطفيف، أي خير لكم.

فضل على التطفيف تفضيلاً لخير الآخرة الحاصل من ثواب الامتثال على خير الدنيا الحاصل من الاستفضال الذي يطففه المطفف، وهو أيضاً أفضل منه في الدنيا لأن انشراح النفس الحاصل للمرء من الإنصاف في الحق أفضل من الارتياح الحاصل له باستفضال شيء من المال.

والتأويل: تفعيل من الأول، وهو الرجوع.

يقال: أولَه إذا أرجعه، أي أحسن إرجاعاً، إذا أرجعه المتأمل إلى مراجعه وعواقبه، لأن الإنسان عند التأمل يكون كالمنتقل بماهية الشيء في مواقع الأحوال من الصلاح والفساد فإذا كانت الماهية صلاحاً استقر رأي المتأمل على ما فيها من الصلاح، فكأنه أرجعها بعد التطواف إلى مكانها الصالح بها وهو مقرها، فأطلق على استقرار الرأي بعد التأمل اسم التأويل على طريقة التمثيل، وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة.

ومعنى كون ذلك أحسنَ تأويلاً: أن النظر إذا جال في منافع التطفيف في الكيل والوزن وفي مضار الإيفاء فيهما ثم عاد فجال في مضار التطفيف ومنافع الإيفاء استقر وآل إلى أن الإيفاء بهما خير من التطفيف، لأن التطفيف يعود على المطفف باقتناء جزء قليل من المال ويكسبه الكراهية والذم عند الناس وغضب الله والسحتَ في ماله مع احتقار نفسه في نفسه، والإيفاء بعكس ذلك يكسبه ميل الناس إليه ورضَى الله عنه ورضاه عن نفسه والبركة في ماله فهو أحسن تأويلاً.

وتقدم ذكر التأويل بمعانيه في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ وإنَّما خَصَّ اليَتِيمَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ إلى ذَلِكَ أحْوَجُ، والطَّمَعُ في مالِهِ أكْثَرُ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حِفْظُ أُصُولِهِ وتَثْمِيرُ فُرُوعِهِ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: أنَّ الَّتِي هي أحْسَنُ التِّجارَةُ لَهُ بِمالِهِ.

﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ وفي الأشُدِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُوَّةُ.

الثّانِي: المُنْتَهى.

وَفي زَمانِهِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.

والثّانِي: الِاحْتِلامُ مَعَ سَلامَةِ العَقْلِ وإيناسِ الرُّشْدِ.

﴿ وَأوْفُوا بِالعَهْدِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها العُقُودُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بَيْنَ مُتَعاقِدِينَ يَلْزَمُهُمُ الوَفاءُ بِها، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.

الثّانِي: أنَّهُ العَهْدُ في الوَصِيَّةِ بِمالِ اليَتِيمِ يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أوْ نَهى فَهو مِنَ العَهْدِ الَّذِي يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ.

﴿ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العَهْدَ كانَ مَطْلُوبًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولًا عَنْهُ الَّذِي عَهِدَ بِهِ، فَيَكُونُ ناقِضُ العَهْدِ هو المَسْؤُولُ.

الثّالِثُ: أنَّ العَهْدَ نَفْسَهُ هو المَسْؤُولُ بِمَ نُقِضَتْ، كَما تُسْألُ المَوْءُودَةُ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ القَبّانُ.

قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ المِيزانُ صَغُرَ أوْ كَبُرَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

الثّالِثُ: هو العَدْلُ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رُومِيٌّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ القِسْطِ، قالَهُ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ.

﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أحْسَنُ باطِنًا فَيَكُونُ الخَيْرُ ما ظَهَرَ، وحُسْنُ التَّأْوِيلِ ما بَطَنَ.

الثّانِي: أحْسَنُ عاقِبَةً، تَأْوِيلُ الشَّيْءِ عاقِبَتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً ﴾ قال: يوم أنزلت هذه كان إنما يسأل عنه، ثم يدخل الجنة، فنزلت ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ﴾ [ آل عمران: 77] .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن العهد كان مسؤولاً ﴾ قال: يسأل الله ناقض العهد عن نقضه.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن العهد كان مسؤولاً ﴾ قال: لا يسأل عهده من أعطاه إياه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال: ثلاث تُؤدى إلى البر والفاجر، العهد يوفى إلى البر والفاجر، وقرأ ﴿ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: من نكث بيعة، كانت ستراً بينه وبين الجنة.

قال: وإنما تهلك هذه الأمة بنكثها عهودها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأوفوا الكيل إذا كلتم ﴾ يعني لغيركم ﴿ وزنوا بالقسطاس المستقيم ﴾ يعني الميزان.

وبلغة الروم الميزان القسطاس ﴿ ذلك خير ﴾ يعني وفاء الكيل والميزان خير من النقصان ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ عاقبة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك خير وأحسن تأويلاً ﴾ أي خير ثواباً وعاقبة.

وأخبرنا أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقول: يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين: بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال، وهذا الميزان.

قال: وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا يقدر رجل على حرام، ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك» .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ القسطاس ﴾ العدل بالرومية.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة ﴿ وزنوا بالقسطاس ﴾ قال: العدل.

وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وزنوا بالقسطاس ﴾ قال: القبان.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وزنوا بالقسطاس ﴾ قال: بالحديد والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ ﴾ ، أي: أتموه ولا تبخسوا منه، ﴿ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ﴾ قال الحسن: هو القَبَّان (١) (٢) وقال مجاهد: هو العدل، بالرومية (٣) وقال الليث: هو أقوم الموازين (٤) وقال أبو إسحاق: هو ميزان العدل؛ أيُّ ميزان كان من موازين الدراهم وغيرها (٥) [ذكر أبو (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا ﴾ الآية (١٠) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ قال عطاء: يريد أقرب إلى الله (١١) ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ قال: وأحسن عاقبة في الخير (١٢) (١) أخرجه "الطبري" 15/ 85 بلفظه، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 203 بلفظه، و"الثعلبي" 7/ 108 ب بلفظه، و"الماوردي" 3/ 242، و"الطوسي" 6/ 476، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 268.

القَبَّان: الذي يوزن به، وهو عربيٌّ أو معرب.

انظر (قبن) في "تهذيب اللغة" 3/ 2880، و"اللسان" 6/ 3523.

(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 497 بلفظه.

(٣) أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 122 بنصه، و"الطبري" 15/ 85 بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 154، بنحوه، و"تفسير الثعلبي" 7/ 108 ب بنصه، و"الماوردي" 3/ 242، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 476 بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 328 وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

واختُلف في أصل كلمة القسطاس: فقال الفخر الرازي 20/ 206: وقيل إنه بلسان الروم أو السرياني، والأصح أنه لغة العرب، وهو مأخوذ من القسط؛ وهو الذي يحصل فيه الاستقامة والاعتدال، وبالجملة فمعناه المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الجانبين، وقال الألوسي 15/ 72: وعلى القول بأنه رومي معرب وهو الصحيح، لا يقدح استعماله في القرآن في عربيته المذكورة في قوله: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا  ﴾ ؛ لأنه بعد التعريب والسماع في فصيح الكلام يصير عربيًا، فلا حاجة إلى إنكار تعريبه أو ادعاء التغليب أو أن المراد عربي الأسلوب.

(٤) انظر: "تفسير الألوسي" 15/ 72.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 238، بنصه.

(٦) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.

(٧) في (ش)، (ع): (جواب).

(٨) أي: (القُسْطاس) قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر.

انظر السبعة ص 380، و"المبسوط في القراءات" ص 228، و"حجة القراءات" ص 402، و"التيسير" ص 140، و"النشر" 2/ 307.

(٩) أي: (القِسْطاس) قرأ بها: حمزة والكسائي وحفص عن عاصم.

انظر المصادر السابقة.

(١٠) "الحجة للقراء" 5/ 101، بنحوه.

(١١) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 497.

(١٢) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 378، بنحوه، و"الطبري" 15/ 85، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 155، بنحوه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 45، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 329 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم ﴾ ذكر في [الأنعام: 152] قال بعضهم: لا تقربوا ولا تقتلوا معطوفان على ألا تعبدوا، والظاهر أنهما مجزومان بالنهي بدليل قوله بعدها: ولا تقفُ ولا تمشِ، ويصح أن تكون معطوفات على إذا جعلنا ألا تعبدوا مجزوماً على النهي وأن مفسرة ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ ﴾ عام في العهود مع الله ومع الناس ﴿ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معنى الطلب: أي يطلب الوفاء به والثاني: أن يكون المعنى يسأل عنه يوم القيامة، هل وفي به أم لا ﴿ وَزِنُواْ بالقسطاس ﴾ قيل: القسطاس الميزان، وقيل: العدل وقرئ بكسر القاف وهي لغة ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ أي أحسن عاقبة ومآلاً، وهو من آل إذا رجع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يبلغان ﴾ مثنى: حمزة وعلي وخلف ﴿ أف ﴾ بالجر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص ﴿ أف ﴾ بالفتح: ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر وسهل ويعقوب غير مجاهد والمفضل.

والباقون بالكسر.

﴿ تبصطها كل البصط ﴾ مثل: ﴿ بصطة ﴾ ﴿ خطأ ﴾ بفتحتين من غير مد: يزيد وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ خطأ ﴾ بالفتح ثم السكون: ابن مجاهد عن ابن ذكوان ﴿ خطاء ﴾ بالكسر والمد: ابن كثير.

الباقون بالكسر ثم السكون ﴿ فلا تسرف ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

﴿ بالقسطاس ﴾ مكسور القاف حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

وقرأ أبو نشيط والشموني غير النقاد بالصاد ﴿ سيئه ﴾ على إضافة سيء إلى ضمير ﴿ كل ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر وسهل.

الآخرون ﴿ سيئة ﴾ علم التأنيث.

الوقوف: ﴿ مخذولاً ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ، ط ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ صغيراً ﴾ ، ط ﴿ في نفوسكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ تبذيراً ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ، ﴿ ميسوراً ﴾ ه ﴿ محسوراً ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ، ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ إملاق ﴾ ط ﴿ وإياكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فاحشة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لأن الشرط في أمر قد يقع نادراً خارجاً عن النهي.

﴿ في القتل ﴾ ط ﴿ منصوراً ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ز ﴿ بالعهد ﴾ ج على تقدير فإن.

﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ط ﴿ تأويلا ﴾ ه ﴿ به علم ﴾ ط ﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ مرحاً ﴾ ج لاحتمال إضمار الفاء أو اللام ﴿ طولا ﴾ ه ﴿ مكروهاً ﴾ ه ﴿ الحكمة ﴾ ط ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ .

التفسير: لما أجمل أعمال البر في قوله: ﴿ وسعى لها سعيها وهو مؤمن ﴾ أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ والخطاب للنبي  في الظاهر ولكنه في الحقيقة عام للمكلفين، ويحسن أن يقال: إن الخطاب للإنسان كأنه قيل: يا أيها الإنسان لا تجعل أو القول مضمر أي قل لكل مكلف لا تجعل ومما يؤيد ذلك قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ فإن ذلك الخطاب لا يليق بالنبي  لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده.

وانتصب قوله: ﴿ فتقعد ﴾ على أنه جواب للنهي والفاء في التحقيق عاطفة والتقدير: لا يكن منك جعل فقعود.

وفيه وجوه منها.

أن المراد به المكث يقال: ما يصنع فلان فيقال هو قاعد بأسوأ حال أي ماكث سواء كان قائماً أو جالساً.

ومنها أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة.

ومنها أنه كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يبقى قاعداً عن الطلب.

ومنه أنه بمعنى الصيرورة من قولهم: "شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة" بمعنى صارت.

ولا ريب أن المشرك جامع على نفسه الذم والخذلان لأنه بشركه يضيف بعض النعم الحاصلة في حقه من الله إلى غيره فيستوجب الذم بالكفران ويستحق الخذلان من حيث إنه لما فوض أمره إلى الشريك المعدوم أو العاجز الناقص بقى بلا ناصر ومعين.

وأيضاً الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمثبت الشريك واقع في جانب النقصان فيورثه الذم والخذلان.

ولما ذكر ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال: ﴿ وقضى ربك ﴾ أي أمر أمراً جزماً وحكم حكماً قطعاً ﴿ ألا تعبدوا ﴾ أي بأن لا تعبدوا فـ"أن" ناصبة ويجوز أن تكون مفسرة، والفعل النهي معناه أي لا يعبدوا.

وقد روى الضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان الأصل في هذه الآية "ووصى ربك" وبه قرأ علي وعبد الله فالتصقت الواو بالصاد فقرىء: ﴿ وقضى ربك ﴾ ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء الله ممتنع.

وضعف هذا القول بأنه يوجب تجويز وقوع التحريف والتصحيف في القرآن.

أمر بعبادة نفسه ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين وتقدير الكلام بأن تحسنوا بالوالدين أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً، ولا يجوز أن يتعلق الباء في ﴿ بالوالدين ﴾ بالإحسان على ما ذهب إليه الواحدي، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته وقد مر في أوائل البقرة تفسير قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ وأنه لم يجعل الإحسان إليهما تالياً لعبادة الله.

يحكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للفقر والعمى والزمانة.

وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟

قال: اكتبوا عليه: هذا ما جناه أبي علي *** وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد: وتركت فيهم نعمة العدم التي *** سبقت وصدّت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة *** ترمى بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منَّة عليك أم والدك؟

فقال: الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعلمي حتى أرتعني في نور العلم، فأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد.

ومن هنا قيل: "خير الآباء من علمك".

وقال العقلاء: وهب أن الوالد في أول الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن اهتمامه بإيصال الخيرات إلى الولد ودفع الآفات عنه من أول دخول الولد في الوجود إلى أوان كبره بل إلى آخر عمره لا ينكر ولا يكفر، ولهذا نكر ﴿ إحساناً ﴾ أي أحسنوا إليهما إحساناً عظيماً كاملاً جزاء على وفور إحسانهما إليك، على أن البادىء بالبر لا يكافأ لأنه أسبق منه.

ثم فصل طرفاً من الإحسان المأمور به فقال: ﴿ أما يبلغن ﴾ هي "إن" الشرطية زيدت عليها "ما" الإبهامية لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت النون المشددة لزيادة التقرير والتأكيد كأنه قيل: إن هذا الشرط مما سيقع ألبتة عادة فليكن هذا الجزاء مرتباً عليه وإلا فالتقرير والتأكيد ليس يليق بالشرط الذي مبناه على تردد الحكم.

وقال النحويون: إن الشرط أشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت فلهذا صح دخول النون المؤكدة فيه.

من قرأ الفعل على التوحيد فقوله: ﴿ أحدهما أو كلاهما ﴾ فاعل له لكن الأول بالاستقلال والثاني بتبعية العطف، ومن قرأ على التنبيه فأحدهما يدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين، وكلاهما عطف علىالبدل فهو بدل مثله.

ولا يصح أن يكون توكيد للضمير معطوفاً على البدل لاستلزام العطف المشاركة دون المباينة.

﴿ وكلاهما ﴾ مفرد لفظاً مثنى معنى، وألفه عن واو عند الكوفيين وأصله كل المفيد للإحاطة فخفف بحذف إحدى اللامين وزيد ألف التثنية ليعرف أن المراد الإحاطة في المثنى لا في الجمع.

وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب أن يقال في الخفض والنصب "مررت بكلي الرجلين" بكسر الياء كقوله ﴿ طرفي النهار  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن  ﴾ قال في الكشاف: معنى ﴿ عندك ﴾ هو أن يكبرا ويعجزا وكانا كلاً على ولدهما لا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه.

وفي ﴿ أف ﴾ لغات: ضم الهمزة مع الحركات في الفاء الثلاث بالتنوين وبدونه.

وأف بكسرتين بلا تنوين.

وأفى ممالاً كبشرى، وأف كخذ، وأفة منونة وغير ممنونة وقد تتبع المنونة تفة فيقال: أفة وتفة وهي من أسماء الأفعال.

وفي تفسيرها وجوه: قال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها أي يقول: أف أف.

وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار.

يقال ذلك عند استقذار الشيء ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به.

وقيل: معنى "أف" القلة من الأفيف وهو الشيء القليل، وتف اتباع له نحو شيطان ليطان وحيث بيث وخبيث نبيث.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأف الضجر.

وقال القتيبي: أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاص عند تلك النفخة هو القائل أف، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم، قال الزجاج: معناه النتن وبه فسر مجاهد الآية أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تخر أو تبول.

وفي رواية أخرى عن مجاهد: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف أي لا تقل تضجرت أو أتضجر.

قال بعض الأصوليين: منع التأفيف يدل على المنع من سائر أنواع الأذية دلالة لفظية.

ومعنى الآية لا تتعرض لهما بنوع من أنواع الإيذاء والإيحاش كما أن قولك لا يملك فلا نقيراً ولا قطميراً يدل في العرف على أنه لا يملك شيئاً أصلاً، وقال الأكثرون منهم: إن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق المسكوت عنها بالمنصوص عليها فإما أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكثر القياسات، وإما أن يتساويا كقوله  : "من أعتق نصيباً من عبد حرم عليه الباقي" فإن الحكم في الأمة والعبد يتساويان.

وإما أن يكون الحكم في محل المسكوت أظهر وهو القياس الجلي ومثاله المنع من التأفيف فإنه مغاير للمنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً آخر عدواً له فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته.

فهذا معقول في الجملة إلا أن قرينة تعظيم الوالدين صيره من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى، فدل على المنع من جميع أنواع الإيذاء.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولا تنهرهما ﴾ والنهر والنهي أخوان يقال: نهره وانتهره وإذا استقبله بكلام يزجره.

﴿ وقل لهما ﴾ بدل التأفيف والنهر ﴿ قولاً كريماً ﴾ جميلاً مشتملاً على حسن الأدب ورعاية دقائق المروة والحياء والاحتشام.

وقال عمر بن الخطاب القول الكريم أن يقول له: "يا أبتاه" "يا أماه" دون أن يسميهما باسمهما.

وقول إبراهيم لأبيه آزر بالضم على النداء، تقديم لحق الله على حق الأبوين.

قالوا: ولا بأس به في الغيبة كما قالت عائشة: نحلني أبو بكر كذا، أو سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ﴿ واخفض لهما جناح الذل ﴾ ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين: الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحيه فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك.

والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع وترك الارتفاع.

وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: "حاتم الجود" فالأصل فيه الجناح الذليل أو الذلول.

والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحاً ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً كقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها.

فأثبت للشمال يداً ثم وضع زمام الريح في يد الشمال.

وقوله: ﴿ من الرحمة ﴾ في "من" معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ﴿ و ﴾ لكن ﴿ قل رب ارحمهما كما ربياني ﴾ ليس المراد رحمة مثل رحمتهما عليّ.

وأما الكاف فلاقتران الشيئين في الوجود أي كما وقع تلك فتقع هذه.

والتربية التنمية ربا الشيء إذا انتفخ وزاد.

قال بعض المفسرين: هذه الآية منسوخة بقوله  : ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ وقيل: مخصوصة لأن التخصيص أولى من النسخ، وقيل: لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو فله أن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.

ثم إن ظاهر الأمر للوجوب من غير تكرار فيكفي في العمر مرة واحدة ﴿ رب ارحمهما ﴾ وسئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه أفي كل يوم مرة أو في كل شهر أو في كل سنة؟

فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قد قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  ﴾ .

وكانوا يرون الصلاة عليه في التشهد.

وكما قال الله  : ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات  ﴾ فهم يذكرون في أدبار الصلاة.

قلت: ويشبه أن يدعو لهما أيضاً كلما ذكرهما أو ذكر شيئاً من إنعامهما.

وسئل أيضاً عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين، وعن النبي  : "رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما" وروى سعيد بن المسيب أن البارَّ لا يموت ميتة سوء.

وقال رجل لرسول الله  : إن أبويّ بلغا من الكبر أنّى، ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟

قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقائك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما.

وشكا رجل إلى رسول الله  أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي، وفقيراً وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي.

واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني ويبخل عليّ بماله، فبكى  وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع ذلك إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك.

مرتين.

وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها.

قال: لقد جازيتها.

قال: ما فعلت؟

قال: حججت بها على عاتقي.

قال: ما جازيتها.

وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه واحد منهما ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ الإناء منه إذا شرب بها.

ثم قال  : ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ أي بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ قاصدين الصلاح والبر إلى الوالدين ثم فرطت منكم بادرة في حقهما فأنبتم إلى الله واستغفرتم منها ﴿ وإنه كان للأوابين غفوراً ﴾ اللام للعهد كما روي عن سعيد بن جبير هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير، أو للجنس فيشمل كل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته عن أبي علي الجانويه النائب من جنايته لوروده على أثره.

ثم وصى بغير الأبوين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال: ﴿ وآت ذا القرى حقه ﴾ قيل: الخطاب لرسول الله  أمره أن يؤتى أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المالين.

والأظهر أنه خطاب لكل إنسان كل في قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ وأما الحق المأمور به للأقارب فهو إذا كانوا محارم كالأبوين والولد وكانوا فقراء عاجزين عن الكسب وكان الرجل موسراً أن ينفق عليهم بقدر الحاجة.

وعند الشافعي: لا ينفق إلا على الولد والوالدين وإن كانوا مياسير ولم يكونوا محارم كأبناء العم فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة على السراء والضراء.

وفي عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى دليل على أن المراد بالحق الحق المالي، وقد تقدم وصف المسكين وابن السبيل في "البقرة" وفي "التوبة".

ثم نهى عن التبذير وهو تفريق المال كما يفرق البذر وهو الإسراف المذموم.

كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتنفق أموالها في الفخر والسمعة كما ذكروا ذلك في أشعارها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإنفاق فيما يقرب إلى الله.

قال ابن مسعود: التبذير إنفاق المال في غير حقه.

وعن مجاهد: لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً.

ثم بالغ في تفظيع شأن التبذير قائلاً: ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ أي أمثالهم في الشرارة وأصدقاءهم من حيث إنهم يطيعونهم في الأمر بالإسراف، أوهم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد ﴿ وكان الشيطان لربه كفوراً ﴾ لأنه يستعمل قواه البدنية في المعاصي والإفساد والإضلال، وكذلك من رزقه الله مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفوراً لنعمة الله.

ثم علم أدباً حسناً في رد السائل إن أفضى الأمر إلى ذلك ضرورة فقال: ﴿ وإما تعرضن عنهم ﴾ وكان النبي  إذا سئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء.

والقول الميسور الرد بالطريق الأحسن.

وقيل: اللين السهل.

قال الكسائي: يسرت أيسر له القول أي لينته.

وقيل: القول المعروف كقوله: ﴿ قول معروف ومغفرة خير  ﴾ وذلك أن القول المتعارف لا يحتاج إلى تكلف.

وقيل: ادع لهم بأن يسهل الله عليهم أسباب الرزق أي دعاء فيه يسرة.

قال جار الله قوله: ﴿ ابتغاء رحمة ﴾ أما أن يتعلق بجواب الشرط متقدماً عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً ابتغاء رحمة من الله ﴿ ترجوها ﴾ بسبب رحمتك عليهم، وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجوا أن يفتح لك فردهم رداً جميلاً، فسمى الرزق رحمة وضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له.

فالفقد سبب الابتغاء فأطلق المسبب على السبب وجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم الإعطاء، فإن من أبى أن يعطى أعرض بوجهه، ولما ذكر أدب المنع ونهى عن التبذير صرح بأدب الإنفاق فقال: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ وهو مثل لغاية الإمساك بحيث يضيق على نفسه وأهله في سلوك سبيل الإنفاق ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ أي لا توسع في الإنفاق بحيث لا يبقى في يدك شيء.

وحين نهى عن طرفي التفريط والإفراط المذمومين بقي الخلق الفاضل المسمى بالجود وهو العدل والوسط، ثم بين غاية استعمال الطرفين قائلاً: ﴿ فتقعد ملوماً ﴾ عند الناس بالبخل ﴿ محسوراً ﴾ بالإسراف أي منقطعاً عن المقاصد بسبب الفقر.

فقير محسور منقطع عن السير.

ولا شك أن المال مطية الحوائج والآمال وكثيراً ما يلام الرجل على تضييع المال بالكلية وإبقاء الأهل والولد في الضر والمحنة.

وعن جابر: بينا رسول الله  جالس أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعاً فقال  : "من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا." فذهب إلى أمه فقالت له: قل إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك.

فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة فنزلت الآية.

وقيل: أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن فجاء عباس بن مرداس وأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع.

وما كان حصن ولا حابس، يفوقان مرادس في مجمع وما كنت دون أمرىء منهما، ومن تضع اليوم لا يرفع.

فقال  : " ياأبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل" فنزلت.

ثم إنه  سلى نبيه  بأن الذي يرهقه من الإضافة ليس لهوان منه على الله ولا لبخل به عليه ولكنه تاب لمشيئة الخالق الرازق فقال: ﴿ إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ أي يضيق ﴿ أنه كان بعباده ﴾ وبمصالحهم ﴿ خبيراً بصيرا ﴾ فالتفاوت في الأرزاق ليس لأجل البخل ولكن لرعاية الصلاح.

ويمكن أن يكون مراد الآية أن البسط الكلي والقبض الكلي من شأن الرب الخبير والبصير وليس للعباد الاقتصاد.

ويحتمل أن يراد أنه  مع غاية قدرته وسعة جوده يراعي أوسط الحالين.

فلا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته وتخلقوا بأخلاقه.

وفي الآية دلالة على أنه هو المتكفل بأرزاق العباد فلذلك قال بعده: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ وأيضاً لما علم كيفية البر بالوالدين أراد أن يعلم كيفية البر بالأولاد، فبر الآباء مكافأة وبر الأبناء ابتداء اصطناع.

وفيه نظام العالم وبقاء النوع الإنساني لأن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو لسوء الظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم.

والأول ضد التعظيم لأمر الله الثاني ضد الشفقة على خلق الله، ومن رغب عن محبة الوالد فكأنه رغب عن جزئه قال: ولد المرء منه جزء وما حا *** ل امرىء يودع الثرى منه جزءاً وكانوا يقتلون البنات لعجز عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على القتل والغارة.

وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر أكفاءها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديد، فبين الله  أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً فلهذا قال: ﴿ أولادكم ﴾ وبين أن الخوف من الفقر لا وجه له لأن الله هو الرزاق للكل، وكثيراً ما يكون لابن أخرق من البنت بعد البلوغ، وكلا الصنفين يشتركان في الإنفاق عليهما قبل البلوغ.

ولما نهى عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى مثل ذلك ولا أقل من اختلاط النسب فقال: ﴿ ولا تقربوا الزنا ﴾ وهذ آكد من أن يقال "لا تزنوا" ثم علل النهي بقوله: ﴿ إنه كان فاحشة ﴾ أي خصلة متزايدة في القبح ﴿ وساء سبيلاً ﴾ سبيله فاستدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بهذا التعليل في الأشياء لا تحسن ولا تقبح لذواتها بل لوجوه عائد إليها في أنفسها، وأن تكاليف العباد واقعة على وفق مصالحهم في المعاش والمعاد.

ومن مفاسد الزنا اختلاط الأنساب وتضييع الأولاد وإهمال تربيتهم؟

فإن الولد إذا لم يكن منسوباً إلى شخص معين لم يكن أحد بالتزام تربيته أولى من الآخرة كذا المرأة التي ولدته إذا لم يوجد سبب شرعي للزاني صارت هي به أولى بالرجل فلا يحصل الألف والمحبة، ولا يتم السكون والازدواج.

ويتواثب كل رجل على امرأة أراد بحسب شهوته ومقتضى طبعه، فتهيج بالفسوق الحروب بعد التشبه بالبهائم.

وأيضاً ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ولكن المقصود الكلي هو أن تكون شريكة له في ترتيب المنزل وإعداد مهماته والقيام بأمور الأولاد والعبيد، ولن تتم هذه المقاصد إلا إذا كانت مقصورة الهمة على رجل واحد منقطعة الطمع عن غيره.

وأيضاً الوطء يوجب الذل والعار ولهذا لا يرتكب إلا في الأماكن المستورة وفي الأوقات المعلومة.

فاقتصار المرأة على الواحد من الرجال سعي في تقليل ذلك العمل، وكفى في قبح الزنا مرتكبه من الرجال والنساء يستقذره كل عقل سليم وينحط بذلك عن درجة الاعتبار.

وقد زعم في التفسير الكبير أنه  وصف الزنا في آية أخرى بكونه مقتاً لأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة وهو وهم، لأن ذلك قد ورد في أول سورة النساء في نكاح منكوحات الأب قال: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً  ﴾ .

وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي به غيره في السهو.

ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف بالاحتياط في آخر عمره فقال: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ﴾ وفي التصريح بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر.

ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو التحريم لأنه ضرر، والأصل في المضار الحرمة، ولأن الإنسان خلق للاشتغال بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية، ولكن الحل إنما يثبت لأسباب عرضية فلهذا قال: ﴿ إلا بالحق ﴾ وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ﴾ أي تسلطاً على استيفاء القصاص.

فظاهر الآية دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوماً، وظاهر قوله  "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان؟

وقتل نفس بغير حق" يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعاً على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً ﴾ .

كلام مستأنف، والحديث بتمامه تفسير لقوله: ﴿ إلا بالحق ﴾ فلا يلزم التفريع المذكور.

ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع هو قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي: ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم  ﴾ هذا وقد أبدى الفقهاء أسباباً أخر منها: أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة، وكذا اللائط.

ومنها الساحر إذا قال: قتلت فلاناً بسحري.

وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة، والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا: الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر.

ثم إنه  أثبت لوليّ الدم سلطاناً.

ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيماذا فقيل: إنه قال: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل.

وقيل: معنى قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة استيفاء الدية بقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فمن عفى  ﴾ الآية.

فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بالعفو وأخذ الدية، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص.

وعن الشافعي أن التنوين في قوله: ﴿ مظلوماً ﴾ للتنكير فيدل على أن المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص، فيعلم منه أن المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك فإن ذنبه غير مغفور كالمشرك، ولأن النصارى قائلون بالتثليث وقد قال  : ﴿ اقتلوا المشركين  ﴾ فثبت أن الذمي غير كامل في المظلومية فلا يندرج في الآية.

وأيضاً ليس فيها دلالة على أن الحر يقتل بالعبد لأنها وإن كانت عامة إلا أن قوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد  ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

من قرأ ﴿ فلا تسرف ﴾ بالتاء الفوقانية فعلى خطاب الولي أو قاتل المظلوم، ومن قرأ على الغيبة فالضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية.

وعن مجاهد أن الضمير الأول للقاتل، أما الضمير في قوله: ﴿ إنه كان منصوراً ﴾ فإما للولي أي حسبه أن الله قد نصره بإيجاب القصاص فلا يستزاد عليه، أو نصره بمعونة السلطان والمؤمنين فلا يتبع ما وراء حقه، وإما للمظلوم فإن الله نصره في الدنيا بإيجاب القصاص على قاتله، وفي الآخرة بإعطاء الثواب.

وأما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.

ولما ذكر النهي عن إتلاف النفوس في المبادىء وفيما وراءها أتبعه النهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ﴾ بالطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي تثميره وإنماؤه.

وروى مجاهد عن ابن عباس: إذا احتاج الولي أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فلا شيء عليه ويتصرف الولي في مال اليتيم على الوجه المذكور ﴿ حتى يبلغ ﴾ اليتيم ﴿ أشده ﴾ بأن تكمل قواه العقلية والحسية كما مر في آخر "الأنعام" ﴿ وأوفوا بالعهد ﴾ يتناول كل عهد جري بين إنسانين على وفق الشرع وقانونه في المعاملات والمناكحات وغيرها إلا إذا دلّ دليل خاص على ضده.

﴿ إن العهد كان مسئولا ﴾ أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو هو على حذف المضاف والمراد أن صاحب العهد مسؤول أو هو تخييل كأنه يقال للعهد: لم نكثتتبكيتاً للناكث كقوله: ﴿ وإذا الموءودة سئلت  ﴾ ثم أمر بإيفاء الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن.

والقسطاس بضم القاف وكسرها هو القبان المسمى بالقرسطون.

وقيل: كل ميزان صغير أو كبير والأصح أنه لغة العرب من القسط النصيب المعدل، وقيل رومي أو سرياني ﴿ ذلك ﴾ الإيفاء والوزن المعدل ﴿ خير ﴾ من التطفيف ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ عاقبة من آل إذا رجع.

أما في الدنيا فلانة إذا اشتهر بالاحتراز عن الخيانة مالت القلوب إليه.

وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات، وأما في الآخرة فظاهر.

وقال الحكيم: إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد والعار فيه عظيم فيجب على العاقل أن يحترز عنه.

ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال: ﴿ ولا تقف ﴾ أي لا تتبع من قولك "فقوت فلاناً" أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنه يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوالهم في النسب.

والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور مخصوصة فقيل: نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات والنبوات والتحليل والتحريم والمعاد كقوله: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس  ﴾ ﴿ هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن  ﴾ وعن محمد بن الحنفية: المراد شهادة الزور.

ومثله عن ابن عباس: لا تشهد إلا رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك.

وقيل: أراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب.

وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه.

وقال قتادة: معناه لا تقل سمعت ورأيت وعملت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم.

وقيل: القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومن الحديث: "من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج" أي يتوب.

وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح والصديد.

احتج نفاة القياس بالآية زعماً منهم أن الحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم.

وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال  : ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار  ﴾ ولا ريب أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وإنه لا يفيد إلا الظن.

سلمنا لكن الظن وقع في الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به، وزيف بأنه لا دليل قاطعاً على وجوب العمل بالظن الغالب لأن ذلك الدليل ليس عقلياً بالاتفاق، ولا نقلياً لأنه إنما يكون قطعياً لو كان منقولاً نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض، ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم عليه - وهو هذه الآية - تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل بالظن وهو جائز.

وكذا الاجتهاد في القبلة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكذا الفصد والحجامة وسائر المعالجات، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمناً لتحل ذبيحته، أو الوارث لحصول التوارث، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين.

وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المعينة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة.

وقال  : نحن نحكم بالظاهر.

والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن.

فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية، وكل ما يفضي ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به.

وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد  أن التمسك بآيات القرآن جائز.

ورد بأن كون العالم المخصص حجة غير معلوم بالتواتر، ثم علل النهي بقوله: ﴿ إن السمع والبصر وكل أولئك ﴾ إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام.

﴿ كان عنه مسئولاً ﴾ قال في الكشاف: ﴿ عنه ﴾ في موضع الرفع بالفاعلية مثل ﴿ غير المغضوب عليهم  ﴾ وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه.

والصواب أن يقال: إنه فاعل ﴿ مسئولاً ﴾ المحذوف والثاني مفسر له.

وكيف يسأل عن هذه الجوارح؟

قيل: يسأل صاحبهما عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب.

وقيل: إنه  ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها.

﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ نصب على الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح.

وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع من التأكيد مثل "أتاني ركضاً" ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر.

﴿ إنك لن تخرق الأرض ﴾ لن تثقبها بشدة وطأتك ﴿ ولن تبلغ الجبال طولاً ﴾ مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول، أو تمييز، أو مفعول له، أو مصدر من معنى تبلغ.

بيّن ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض، وحال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال، فلا يليق به أن يتكبر.

وبوجه آخر كأنه قيل له: إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من تحتك، فلا تفعل فعل المقتدر القوي.

وقيل: إنه مثل ومعناه: كما أنك لن تخرق الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولاً فكذلك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك وفيه يأس للإِنسان من بلوغ إرادته.

﴿ كل ذلك كان سيئه ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئاً فإنه مكروه عند الله.

ويمكن أن يراد بسيىء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط.

ومن قرأ ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث فقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى المنهيات خاصة.وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ وقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى ما نهى عنه في قوله: ﴿ ولا تقف ﴾ ﴿ ولا تمش ﴾ وإنما قال: ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث مع قوله: ﴿ مكروهاً ﴾ على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب والإثم.

قالت المعتزلة: الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن المنهيات لا تكون مرادة لله  لأنها مكروهة عنده.

وإذا لم تكن مرادة لم تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال.

أجابت الأشاعرة بأن المراد من كراهتها كونها منهياً عنها، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن كونها سيئة يدل على كونها منهية.

وأجيب بأنه لابأس بالتكرار لأجل التأكيد ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من قوله: ﴿ لا تجعل ﴾ إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً ﴿ مما أوحى إليك ربك من الحكمة ﴾ سمي حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه.

روي عن ابن عباس أنها كانت في ألواح موسى  .

وباصطلاح الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

لا ريب أن الأمر بالتوحيد رأس الحكمة النظرية وسائر التكاليف مشتملة على أصول مكارم الأخلاق وهي الحكمة العملية، ولقد جعل الله  فاتحة هذه التكاليف النهي عن الشرك وكذا خاتمتها لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن فقده لم ينفعه شيء من العلوم وإن بذ فيها الأقران والأكفاء وحك بيافوخه السماء.

وقد راعى في هذا التكرار دقيقة فرتب على الأول كونه مذموماً مخذولاً وذلك إشارة إلى حال المشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى في جهنم ملوماً مدحوراً وأنها حاله في الآخرة.

وفي القعود هناك والإلقاء ههنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة والله أعلم بمراده.

وقد يفرق بين الذم واللوم فيقال: الذم هو أن يذكر أن الفعل الذي قدم عليه قبيح منكر، واللوم هو أن يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت من هذا العمل إلاَّ إلحاق الضرر بنفسك.

ويفرق بين المخذول والمدحور بأن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت.

والمدحور والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة.

ثم أنكر على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله فقال: ﴿ أفأصفاكم ﴾ أي أفخصكم ﴿ ربكم ﴾ على وجه الخلوص والصفاء ﴿ بالبنين ﴾ الذين هم أفضل الأولاد ﴿ واتخذ من الملائكة ﴾ أولاداً ﴿ إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً ﴾ بإضافة الأولاد إلى من لا يصح له الولد لقدمه وتنزهه عن صفات الأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون ما تكرهون وهذا خلاف معقولكم وعادتكم فإن العبيد لا يؤثرون بالأجود والأصفى والسادة بالأدون والأردأ، ثم بجعلكم الملائكة الذين هم أعلى خلق الله على الإطلاق أو التقييد على المذهبين أخس الصنفين وهو الإناث.

التأويل: خاطب نبيه  ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلها آخر ﴾ من الدنيا والآخرة، ثم شرف أمته بتبعيته قائلاً: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه ﴾ وإنما قال: ﴿ ربك ﴾ لأنه أصل في التربية والأمة تبع له، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله ﴿ وبالوالدين ﴾ والد الروح ووالدة البدن.

والإحسان بهما أن يراقبهما في العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه ﴿ أما يبلغن عندك ﴾ يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات تجلي صفا الألوهية، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز ﴿ ولا تنهرهما ﴾ عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل تولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً للتجلي والخلافة ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ من الاستعداد ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ مستعدين للخلافة ﴿ فإنه كان للأوابين ﴾ الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيداً بنفسه ﴿ غفوراً ﴾ سائراً بأنوار جماله.

ثم أخبر عن أداب الخلافة قائلاً ﴿ وآت ذا القربى ﴾ وهو النفس حقه فإن لنفسك عليك حقاً من غير إسراف وتقتير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: إنّ من عادة العرب أنهم كانوا يقتلون البنات ويقتلون البنين؛ إذا صاروا بحيث لا ينتفعون بهم، ويقتلون الآباء والأمهات؛ إذا بلغوا أرذل العمر؛ فنهى الله أهل الإسلام عن الاستنان بسنتهم، وأمر أن يبرّوا الآباء والأمّهات إذا بلغوا ذلك المبلغ، وهو ما قال: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

وفي قتل ما كانوا يقتلون من البنات قطع التناسل والتوالد الذي كان المقصود من إنشاء هذا العالم؛ ذلك إذ المقصود من إنشاء العالم هذا الذي ذكرنا، وفي قتل البنات قطع ذلك وذهاب المقصود من إنشائه، ثم قال: ﴿ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ﴾ .

أي: هم لا يأكلون من أرزاقكم؛ بل لكل منكم رزق على حدة، ليس في بقائهم نقصان في رزقكم ولا في فنائهم زيادة؛ بل كلٌّ يأكل رزقه، أو لا ترون أنّه قد أنشأ لهم رزقاً لا شركة لكم فيه، وهو ما أنشأ لهم من اللّبن في الضرع، ولا تنتفعون أنتم به؟!

فظهر أن كلاًّ يأكل رزقه، لا يُدْخِل بعضٌ في رزق بعضٍ نقصاناً.

ثم قال: ﴿ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ \[أي: إن قتلهم في العقول كان خطأ كبيراً\]، لما ذكرنا أن في قتلهم قطع ما به قصد في إنشاء هذا العالم وفنائه، أو يقول: ﴿ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ : في الأمم الخالية.

ويشبه أن يكون خطاب ما خاطب هؤلاء الآيات: من قتل الأولاد، والزنى، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك ما تقدم وما تأخر؛ لوجهين: أحدهما: ما كان للعرب أفعال وعادات السوء ممّا يخرج على السفه والقبح في العقل، خارجة عن الحكمة تنهاهم عن ذلك.

والثاني: ذكر هذا ونهى؛ لما علم أنه قد يكون في خلقه من يفعل ذلك خشية ما ذكر، ويحملهم ذلك على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ .

أي: في العقل كان وقت ما كان فاحشة؛ لأن في إباحة الزنى ذهاب المعارف التي بها يوصل إلى الحكمة والعلم، أو كان فاحشة في الحكمة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ  ﴾ : دل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ  ﴾ - على أن هنالك فحشاء قبل الأمر في الحكمة أو في العقل، حتى قال: ﴿ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ  ﴾ ؛ إذ لو لم يكن - لكان قال: لا يأمر، حسب، وفي إباحة قتل الأنفس ذهاب ما به قصد من إنشاء العالم.

أخبر - عز وجل -: [في قتل الأولاد أنه] ﴿ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ ، وهو ما يعظم في العقل، وذكر في الزنى فاحشة، وهو ما يفحش في العقل والحكمة، وذكر في قتل النفس الإسراف، وقال: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، والإسراف هو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل له.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ﴾ ، أي: لا تزنوا؛ فإنه كان فاحشة، ويحتمل: لا تقربوا الأسباب التي بها يوصل إلى الزنى.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ .

والحق ما روي عن رسول الله  أنه قال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ فِي ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِسْلاَمٍ، أَوْ زِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بغَيْرِ حَقٍّ" حرم الله قتل النفس بغير حق؛ إذ في إباحته ذهاب ما قصد من إنشاء [هذا] العالم، وفي التحريم حياة الأنفس، وفي إباحة الزنى ذهاب المعارف وجهالتها، وفي تحريمه: حياة المعارف وإبقاؤها.

والوصول إلى الحكمة والعلوم التي يطلب بعضهم من بعض؛ إذ لا يعرف أهل الحكمة من غيرهم؛ ففي ذلك ذهاب العلوم والحكمة.

وفي القتل على الدّين - إذا استبدله - حياة الدّين؛ لأن من تفكر قتل نفسه إذا ترك الدّين - أعني دين الإسلام - ورجع عنه، لم يترك دينه الإسلام، ومن تفكر رجمه بالزنى - امتنع عن الزنى وتركه، ومن تفكر أنه يُقْتَل إذا قَتَلَ غيرَهُ - امتنع عن قتله؛ ولذلك قال: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ .

فإن قيل - في المرأة إذا ارتدت عن الإسلام -: إنها لا تقتل.

قيل: لأنه ليس في قتلها حياة الدّين؛ لأن النساء أتباع للرجال في الدين؛ لأنهنّ يسلمن بإسلام أزواجهن ويصرن ذمة بذمة الأزواج؛ فإذا كان كذلك - فليس في قتلهن حياة؛ ألا ترى أنه روى أنه فلاناً أسلم وأسلم معه كذا وكذا نسوة؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : والحق ما ذكرنا، وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ يحتمل بالإسلام، أو بالذمّة بإعطاء الجزية، وإلا بالحق: ما ذكرنا.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ .

قيل: سلطاناً، أي: تسلطاً وقهراً.

وقال بعضهم: سلطاناً، أي: حجة على القتل فيما يستوجب به القصاص.

ثم ذكر أنه جعل لولي القتيل سلطاناً، ولم يذكر أي وليّ؛ فيشبه أن يكون المراد من الولي الذي يخلف الميت في التركة، وهم الورثة؛ إذ هو حقٌّ كغيره من الحقوق؛ فذلك إلى الورثة، فعلى ذلك حق الدم، فكأنه قال: ومن قتل مظلوماً قد جعلنا لورثته سلطاناً، أي: حجة فيما يستوجب.

وفي ظاهر هذه الآية دلالة أن للواحد من الورثة القيام باستيفاء الدم؛ إذ لو كان للكل الاستيفاء لدخل في ذلك الإسراف الذي ذكر: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ؛ إذ لو ضرّ به كل الورثة لصار في ذلك مثله، وقد منعوا عن ذلك، فإذا كان ما ذكرنا كان في ذلك دلالة لقول أبي حنيفة - رحمه الله ، حيث قال -: إن الورثة إذا كان بعضهم صغاراً وبعضهم كباراً كان للكبار أن يقوموا بالاستيفاء دون أن ينتظروا بلوغ الصغار، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ .

قال بعضهم: لا يقتل غير قاتل؛ وذلك إذ كان من عادة العرب قتل غير القاتل.

وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ [أي: لا يجاوز الحد الذي جعل له في القصاص من المثلة والقطع والجراحات.

وقال بعضهم: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، أي: في القتل] الأول؛ حيث قتل نفساً بغير حق، فذلك إسراف؛ كما قال: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ هذا يحتمل أن يكون خاطب به ولي القتيل فقال: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، أي: لا يُجاوز الحدّ الذي جعل له؛ على ما روي: "إذَا قَتَلْتَ فَاَحْسِنِ القَتْلَ" ، والثاني خاطب به القاتل: يقول له لا تقتل؛ فإنه إسراف، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ .

قال بعضهم: إن المقتول كان منصوراً بالولي ينصره الولي؛ بقوله: ﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ .

ويحتمل منصوراً بالمسلمين، أي: على المسلمين وغيرهم دفع ذلك القتل عنه؛ هذا على تأويل من يتأول في قوله: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ - قَتْلَ غير قاتل وليه، أو يزيد في جراحاته، ويمثل مثلاً بقول: احذروا ذلك؛ فإن على المسلمين دفع ذلك عنه، أو كان منصوراً في الآخرة.

وفي ظاهر هذه الآية دلالة أن القصاص واجب بين الأحرار والعبيد، وبين أهل الإسلام وأهل الذمة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ ؛ فكانت أنفس أهل الذمة والعبيد داخلة في هذه الآية؛ لأنها محرمة وفيه ما ذكرنا أن للكبير من الورثة قتله، وإن كان فيهم صغار.

وروي أن الحسن بن علي -  - قتل قاتل أبيه فلاناً، وفي الورثة صغار لم يدركوا يومئذ.

ويحتمل أن يكون ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ في ظاهر هذا: أن القاتل هو كان منصوراً، [ثم إنه قال: ﴿ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ ] ولم يقل: هو منصور، فجائز أن يقول: ﴿ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ ، قبل: قتل هذا إذا كان على المسلمين مضرة، فلما قتل كان غير منصور، إلا أن يقال: إن الولي صار منصوراً، وذلك جائز.

وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ﴾ : يحتمل النهي عن نفس الزنى، ويحتمل أسباب الزنى: من نحو القُبْلة، والمسّ، وغيره؛ على ما ذكر: "العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، واليدانِ تَزْنِيانِ، والْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلكَ كُلَّه أو يُكَذِّبُ" وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .

قوله: ﴿ أَحْسَنُ ﴾ : هو أفعل، فإن كان في الأشكال فهو على غاية الحسن، وإن كان في الجوهرين فهو على طلب الحسن؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ  ﴾ أي: اتبعوا ما هو طاعة؛ كأنه قال: ولا تقربوا مال اليتيم إلا ما هو خير له وحسن، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ  ﴾ ، يقول: لا تأكلوا إسرافاً وبداراً، ولكن اقربوا ما هو خير له.

وإن كان على طلب الغاية من الحسن، فهو ما قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا قرب مال اليتيم لمنفعة نفسه فلا يقربه إلا لمنفعة حاضرة لليتيم، لا يقرب ماله لمنفعة مرجوة، وإذا قرب مال اليتيم لليتيم فإنه يجوز أن يقربه لمنفعة مرجوة له، وإن لم يكن فيه منفعة حاضرة، وقدر ذكرنا تأويله وما فيه من الدلالة بقول أبي حنيفة - رحمه الله - فيما تقدم في سورة الأنعام.

ثم من الناس من احتج بهذه الآية لقول أبي حنيفة حيث قال: إن للوصي أنْ يبيع مال اليتيم من نفسه إذا كان خيراً له؛ لأن له أن يبيع من غيره بمثل قيمته؛ فدلّ أن ذكر الخير له إذا كان يبيع من نفسه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ : كأنه على الإضمار، أي: لا تقربوا مال اليتيم إلا بالوجوه التي هي أحسن له وأنفع، وهو الحفظ له وطلب الربح والنماء، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ .

أي: حتى يستحكم عقله، ويستتم تدبيره في ماله وأمره؛ فعند ذلك يكون الأمر إليه، وليس فيه أنه لا يكون بعد ذلك الأمر إلى الوصي إن كان؛ ولكن بإذنه يبيع ويشتري.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ .

يحتمل أن يكون قوله: ﴿ بِالْعَهْدِ ﴾ - العهود والمواثيق التي بين الناس أمروا بوفاء ذلك، ويحتمل الأمر بوفاء العهد ما ذكر في هذه الآيات من الأمر والنهي: من نحو ما قال: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً  ﴾ إلى هذا الموضع، أي: وأوفوا بذلك كله؛ فإن ذلك كله كان مسئولاً يُسْأل عنه: وفاءً كان ذلك أو نقضاً.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ ، أي: ناقض العهد كان مسئولاً، ثم إن العهد على وجوه: أحدها: عهد خِلْقة، أو العهد الذي أخذ عليهم على ألسن الرسل أو العهد الذي يجري بين الناس؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ ﴾ .

أمر بتوفير الكيل إذا كالوا والوزن إذا وزنوا لهم، وإيفاء حقوقهم، وهو ما قال: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ  ﴾ إن من عادتهم إذا كالوا أو وزنوا يبخسون الناس أشياءهم، ولم يوفروا حقوقهم؛ فنهاهم عن ذلك، وأوعدهم بالوعيد الشديد، وهو قوله: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ  ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ  وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ  ﴾ : ذِكْرُ تخصيص للكيلي والوزني من بين سائر الأشياء يحتمل وجهين: أحدهما: لما بهما يجري عامّة معاملة الناس؛ فأمرهم بإيفاء ذلك.

والثاني: لخوف الربا؛ لأن الكيلي والوزني هما اللذان يكونان دَيْناً في الذمة؛ فإذا أخذ شيء منهما أخذ عما كان ديناً في الذمّة، فإن نقص أو زاد فيكون ربا؛ لذلك خصّ، وإن كان غيره من الأشياء يؤمر بالإيفاء والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴾ .

قال بعضهم: القسطاس: حرف أخذ من الكتب السالفة ليس بمعرفة، وقال بعضهم: هو العدل، أي: زنوا بالعدل، وقال بعضهم: هو الميزان؛ كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ  ﴾ ، وقال بعضهم: ﴿ بِٱلقِسْطَاسِ ﴾ : القبان؛ فكيفما كان ففيه ما ذكرنا: من الأمر بتوفير الكيل والوزن، والإيفاء لحقوقهم، والنهي عن البخس والنقصان.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ ﴾ - ما ذكر من توفير الكيل والوزن وإيفاء الحقوق - خير في الدنيا؛ لما فيه أمن لهم من الناس.

﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ ، أي: أحسن عاقبة في الآخرة، ويحتمل قوله ذلك - ما ذكر في هذه الآيات من أولها إلى آخرها: إذا عملوا بها خيرٌ لهم في الدنيا وأحسن تأويلاً، أي: عاقبة.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ .

قيل: لا تقف، أي: لا تقل، وقيل: لا تَرْمِ، وقيل: لا تتبع؛ فكيفما كان - ففيه النهي عن القول والرمي فيما لاعلم له به، ولا ترم ما ليس لك به علم، ولا تقل ما ليس لك به علم.

﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ كُلُّ أُولـٰئِكَ ﴾ يعني: السّمع والبصر والفؤاد - يُسْأل عما عمل صاحبه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ...

﴾ الآية [يس: 65]، وقوْله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم  ﴾ تُسْأَل هؤلاء عما عمل صاحبها؛ فيشهدون عليه.

وقال بعضهم: هو عن كل أولئك كان مسئولاً، أي: يسأل المرء عما استعمل هذه الجوارح؟

وأنه: فيم استعملها؟

وقال بعضهم، قوله: ﴿ أُولـٰئِكَ ﴾ : يعني الخلائق جميعاً، ﴿ عَنْهُ ﴾ : يعني عما ذكر من السمع والبصر والفؤاد، ﴿ مَسْؤُولاً ﴾ .

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ، يقول: لا تقل: رأيتُ، ولم تر، وسمعتُ، ولم تسمع، وعلمتُ، ولم تعلم.

ومنهم من قال: في شهادة الزور؛ فإن احتج محتج بهذا في إبطال القياس والاجتهاد؛ فيقول: إذا قاس الرجل فقد قال ما ليس له به علم، لكن ليس كذا؛ لأن أصحاب رسول الله  قد تكلموا في الحوادث بآرائهم، وشاوروا في أمورهم، وولى أبو بكر عمر - رضوان الله عليهما - الخلافة بغير نصّ من الرسول عليها، وجعلها عمر شورى بينهم، ولم يُرْوَ ذلك عن النبي  ، ولا نقول: إنهم فعلوا ذلك بغير علم، ولا: قالوا ما لم يعلموا؛ فدلّ ما ذكرنا أن معنى قول الله -  -: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ - ليس يدخل فيه الاجتهاد في الأحكام، وتشبيهه الفرع الحادث بالأصل المنصوص عليه، والله أعلم.

وقال القتبي: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ ، أي: يتناهى في الثبات إلى حال الرجال، ويقال: ثماني عشرة سنة، وقال: أَشُدُّ اليتيمِ غير أشدّ الرجل في قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً  ﴾ ، والأشد ما ذكرنا من استحكام عقله وتدبيره إلى ألا يؤخذ بالنقصان، وهو إذا جاوز أربعين يأخذ في النقصان، وإلى أربعين يكون على الزيادة والنماء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ ﴾ ، أي: لا تقف ما ليس لك به علم بأسباب العلم، وهو ما ذكر من السمع والبصر، وجائز أن يكون: ﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ : يسأل عن شكر هذه الأشياء، أو يسأل عما امتحن بهذه الأشياء.

وفي قوله: ﴿ وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴾ - دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه أمر بإيفاء الكيل والوزن، ولا يقدر على ذلك إلا باجتهاد الكائل والوازن؛ لأن كيل الرجل يزيد على كيل غيره وينقص، وربما كال الرجل الشيء ثم يعيد كيله هو بنفسه فيزيد أو ينقص، ولا يكاد يستوي الكيلان وإن كانا من رجل واحد، وإنما يكلف الاجتهاد في كيله وترك التعمد للزيادة أو النقصان [فيه]؛ فإذا فعل ذلك فقد وفر الكيل وأدى الواجب، وهذا عندنا أصل الاجتهاد والاستحسان؛ لأن الكائل إنما يجتهد في توفيته الحق، ولا يعلم يقيناً أنه وفى ما كان عليه من الكيل الذي سمياه في العقد؛ فعلى ذلك الاستحسان إنما هو اجتهاد العالم في اختيار أحسن ما يقدر عليه إذا لم يكن للحادثة أصل يردها عليه ويشبهها به، والله أعلم.

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ .

ليس النهي عن المشي نفسه؛ إنما النهي للمشي المرح، ثم النهي عن الشيء يوجب ضدّه، وكذلك الأمر، ثمّ إن النهي عن الشيء يوجب الأمر بضده؛ [والأمر بالشيء يوجب النهي بضده] وهاهنا نهي عن المرح؛ فيكون أمراً بما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً  ﴾ ، وقال بعضهم: مرحاً: بطراً وأَشَراً، وقيل: متعظماً متكبراً بالخُيَلاء.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً ﴾ .

قال بعضهم: ذكر خرق الأرض وبلوغ الجبال طولاً؛ لأن من الخلائق من يخرق الأرض ويدخلها، ويبلغ طول الجبال، وهم الملائكة، ثم لم يتكبّروا على الله ولا تعظموا عليه ولا على رسوله؛ بل خضعوا له؛ فمن لم يبلغ في القوة والشدّة ذلك - أحرى أن يخضع له ويتواضع ولا يتكبر.

ويحتمل أن يكون ذكر هذا؛ لما أنهم كانوا يسعون في إطفاء هذا الدين، وقهر رسول الله  ، فيقول: كما لم يتهيأ لكم خرق الأرض وبلوغ الجبال طولاً - لم يتهيأ لكم إطفاء دين الله، وقهر رسوله، وهو ما ذكر: ﴿ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ  ﴾ ، أو يذكر هذا يقول: إنك لن تبلغ بكبرك وعظمتك مرتبة الرؤساء والقادة ومنزلتهم، على هذا التمثيل يحتمل أن يخرج، والله أعلم.

أو يقول: إنك لن تخرق الأرض، أي: لا تقدر أن تخرق [الأرض]؛ فتستخرج ما فيها من الكنوز والمنافع؛ فتنتفع بها، ولا تقدر أن تبلغ الجبال طولاً؛ فتنتفع بما في رءوس الجبال من المنافع، وكيف تتكبر وتمرح على غيرك، وهو مثلك في القوّة والشدّة.

وأصل الكبر أن من عرف نفسه على ما هي عليه من الأحداث والآفات وأنواع الحوائج - لم يتكبّر على مثله، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ كُلُّ ذٰلِكَ ﴾ .

أي: كل ما أمر الله به ونهى عنه في هؤلاء الآيات.

﴿ كَانَ سَيِّئُهُ ﴾ .

بالعقل.

﴿ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ﴾ : مسخوطاً، وفيه دلالة أن الأمر الّذي أمر في هذه الآيات ونهاهم عنه - لم يكن أمر أدب ولا نهي أدب، ولكن أمر حتم وحكم؛ حيث ذكر أن ذلك عند ربك: ﴿ مَكْرُوهاً ﴾ ؛ إذ لو كان أدباً لم يكره أي شيء ما ذكر في مكروه عند ربّك، وهو كقوله: ﴿ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ  ﴾ ، أي: يسمعون [الكل؛ فيتبعون أحسنه]، ويتركون غيره؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ﴾ .

أي: ذلك الذي أمر الله به ونهى عنه في هؤلاء الآيات من الحكمة - ليس من السفه، أي: ما أمر فيها هو حكمة وما نهى عنه [إنما نهى عنه؛ لأنه سفه].

وقال بعضهم: الحكمة - هاهنا - القرآن، قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، أي ذلك الذي أوحى إليك هو حكمة، وقال بعضهم: الحكمة: الإصابة، أي: ذلك الذي أوحى إليك صواب.

وقوْله: ﴿ ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ﴾ ، أي: ما ذكر في هذه الآيات وأمر به ونهى عنه - هو من الحكمة، والحكمة: هي وضع الشيء موضعه، [يقول: حكمه: وضَع الشيء موضعه، لا] وضَع الشيء غير موضعه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ﴾ .

معلوم أن رسول الله لا يجعل معه إلهاً آخر؛ إذ عصمه واختاره لرسالته، لكنّه ذكر هذا ليعلم أنه لو كان منه ذلك فيفعل به ما ذكر؛ فمن هو دونه أحق أن يفعل به ما ذكر، وهو ما قال في الملائكة: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 29].

أنه عصمهم حتى أخبر أنهم: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ ؛ فمن لم يكن معصوماً - لم يوصف أنه لا يسبق بالقول؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً ﴾ : عند الله، أو عند نفسك، أو عند الخلق.

﴿ مَّدْحُوراً ﴾ : مبعداً مطروداً من رحمته في النار، أو: خاطب به رسوله، وأراد به غيره؛ على ما ذكرنا في غير موضع، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأتموا الكيل إذا كلتم لغيركم ولا تخسروه، وزنوا بالميزان العدل الذي لا ينقص شيئًا ولا يبخسه، وذلك الإيفاء للكيل والوزن خير لكم في الدنيا والآخرة، وأحسن عاقبة من التطفيف بنقص المكاييل والموازين.

<div class="verse-tafsir" id="91.6zn2L"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده