الآية ٧٩ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٧٩ من سورة الإسراء

وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةًۭ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا ٧٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 245 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٩ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٩ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) أمر له بقيام الليل بعد المكتوبة ، كما ورد في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة ؟

قال : " صلاة الليل " .

ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل ، فإن التهجد : ما كان بعد نوم ؛ قاله علقمة ، والأسود وإبراهيم النخعي ، وغير واحد وهو المعروف في لغة العرب .

وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان يتهجد بعد نومه ، عن ابن عباس ، وعائشة ، وغير واحد من الصحابة ، رضي الله عنهم ، كما هو مبسوط في موضعه ، ولله الحمد والمنة .

وقال الحسن البصري : هو ما كان بعد العشاء .

ويحمل على ما بعد النوم .

واختلف في معنى قوله : ( نافلة لك ) فقيل : معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك ، فجعلوا قيام الليل واجبا في حقه دون الأمة .

رواه العوفي عن ابن عباس ، وهو أحد قولي العلماء ، وأحد قولي الشافعي ، رحمه الله ، واختاره ابن جرير .

وقيل : إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص ؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وغيره من أمته إنما يكفر عنه صلواته النوافل الذنوب التي عليه ؛ قاله مجاهد ، وهو في المسند عن أبي أمامة الباهلي ، رضي الله عنه .

وقوله : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) أي : افعل هذا الذي أمرتك به ، لنقيمك يوم القيامة مقاما يحسدك فيه الخلائق كلهم وخالقهم ، تبارك وتعالى .

قال ابن جرير : قال أكثر أهل التأويل : ذلك هو المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس ، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم .

ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة قال : يجمع الناس في صعيد واحد ، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ، حفاة عراة كما خلقوا قياما ، لا تكلم نفس إلا بإذنه ، ينادى : يا محمد ، فيقول : " لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، والشر ليس إليك ، والمهدي من هديت ، وعبدك بين يديك ، وبك وإليك ، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك ، تباركت وتعاليت ، سبحانك رب البيت " .

فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله عز وجل .

ثم رواه عن بندار ، عن غندر ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، به .

وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر والثوري ، عن أبي إسحاق ، به .

وقال ابن عباس : هذا المقام المحمود مقام الشفاعة .

وكذا قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد .

وقاله الحسن البصري .

وقال قتادة : هو أول من تنشق عنه الأرض ، وأول شافع ، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال الله : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) قلت : لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما تشريفات [ يوم القيامة ] لا يشركه فيها أحد ، وتشريفات لا يساويه فيها أحد ؛ فهو أول من تنشق عنه الأرض ويبعث راكبا إلى المحشر ، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه ، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردا منه ، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق ، وذلك بعدما يسأل الناس آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ، فكل يقول : " لست لها " حتى يأتوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول : " أنا لها ، أنا لها " كما سنذكر ذلك مفصلا في هذا الموضع ، إن شاء الله تعالى .

ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار ، فيردون عنها .

وهو أول الأنبياء يقضى بين أمته ، وأولهم إجازة على الصراط بأمته .

وهو أول شفيع في الجنة ، كما ثبت في صحيح مسلم .

وفي حديث الصور : إن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته وهو أول داخل إليها وأمته قبل الأمم كلهم .

ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم .

وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة ، لا تليق إلا له .

وإذا أذن الله تعالى في الشفاعة للعصاة شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون ، فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا الله ، ولا يشفع أحد مثله ولا يساويه في ذلك .

وقد بسطت ذلك مستقصى في آخر كتاب " السيرة " في باب الخصائص ، ولله الحمد والمنة .

ولنذكر الآن الأحاديث الواردة في المقام المحمود ، وبالله المستعان : قال البخاري : حدثنا إسماعيل بن أبان ، حدثنا أبو الأحوص ، عن آدم بن علي ، سمعت ابن عمر [ يقول ] : إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا ، كل أمة تتبع نبيها ، يقولون : يا فلان اشفع ، يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذلك يوم يبعثه الله مقاما محمودا .

ورواه حمزة بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال ابن جرير : حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا شعيب بن الليث ، حدثني الليث ، عن عبيد الله بن أبي جعفر أنه قال : سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر يقول : سمعت عبد الله بن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن ، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ، فيقول : لست صاحب ذلك ، ثم بموسى فيقول كذلك ، ثم بمحمد فيشفع بين الخلق ، فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة ، فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا " .

[ يحمده أهل الجنة كلهم ] .

وهكذا رواه البخاري في " الزكاة " عن يحيى بن بكير ، وعبد الله بن صالح ، كلاهما عن الليث بن سعد ، به ، وزاد " فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا ، يحمده أهل الجمع كلهم " .

قال البخاري : وحدثنا علي بن عياش ، حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، حلت له شفاعتي يوم القيامة " .

انفرد به دون مسلم .

حديث أبي : وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر الأزدي ، حدثنا زهير بن محمد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبي بن كعب ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان يوم القيامة ، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم ، وصاحب شفاعتهم غير فخر " .

وأخرجه الترمذي ، من حديث أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي ، وقال : " حسن صحيح " .

وابن ماجه من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل به .

وقد قدمنا في حديث : " أبي بن كعب " في قراءة القرآن على سبعة أحرف ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره : " فقلت : اللهم ، اغفر لأمتي ، اللهم اغفر لأمتي ، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق ، حتى إبراهيم عليه السلام " .

حديث أنس بن مالك : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، حدثنا قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يجتمع المؤمنون يوم القيامة ، فيلهمون ذلك فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا ، فأراحنا من مكاننا هذا .

فيأتون آدم فيقولون : يا آدم ، أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا .

فيقول لهم آدم : لست هناكم ، ويذكر ذنبه الذي أصاب ، فيستحيي ربه - عز وجل - من ذلك ، ويقول : ولكن ائتوا نوحا ، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض .

فيأتون نوحا فيقول : لست هناكم ، ويذكر خطيئة سؤاله ربه ما ليس له به علم ، فيستحيي ربه من ذلك ، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن .

فيأتونه فيقول : لست هناكم ، ولكن ائتوا موسى ، عبدا كلمه الله ، وأعطاه التوراة .

فيأتون موسى فيقول : لست هناكم ، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس فيستحيي ربه من ذلك ، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته وروحه ، فيأتون عيسى فيقول : لست هناكم ، ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني " .

قال الحسن هذا الحرف : " فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين " .

قال أنس : " حتى أستأذن على ربي ، فإذا رأيت ربي وقعت له - أو : خررت - ساجدا لربي ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني " .

قال : " ثم يقال : ارفع محمد ، قل يسمع ، واشفع تشفع ، وسل تعطه .

فأرفع رأسي ، فأحمده بتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأدخلهم الجنة " : " ثم أعود إليه الثانية ، فإذا رأيت ربي وقعت - أو : خررت - ساجدا لربي ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني .

ثم يقال : ارفع محمد ، قل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع .

فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأدخلهم الجنة ، ثم أعود في الثالثة ؛ فإذا رأيت ربي وقعت - أو : خررت - ساجدا لربي ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال : ارفع محمد ، قل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع .

فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة .

ثم أعود الرابعة فأقول : يا رب ، ما بقي إلا من حبسه القرآن " .

فحدثنا أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فيخرج من النار من قال : " لا إله إلا الله " وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، ثم يخرج من النار من قال : " لا إله إلا الله " وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ثم يخرج من النار من قال : " لا إله إلا الله " وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة " .

أخرجاه [ في الصحيح ] من حديث سعيد ، به وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس بطوله .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا حرب بن ميمون أبو الخطاب الأنصاري ، عن النضر بن أنس ، عن أنس قال : حدثني نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط ، إذ جاءني عيسى ، عليه السلام ، فقال : هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون - أو قال : يجتمعون إليك - ويدعون الله أن يفرق بين جميع الأمم إلى حيث يشاء الله ، لغم ما هم فيه ، فالخلق ملجمون بالعرق ، فأما المؤمن فهو عليه كالزكمة ، وأما الكافر فيغشاه الموت ، فقال : انتظر حتى أرجع إليك .

فذهب نبي الله صلى الله عليه وسلم فقام تحت العرش ، فلقي ما لم يلق ملك مصطفى ولا نبي مرسل .

فأوحى الله - عز وجل - إلى جبريل : أن اذهب إلى محمد ، وقل له : ارفع رأسك ، وسل تعطه ، واشفع تشفع .

فشفعت في أمتي : أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنسانا واحدا .

فما زلت أتردد إلى ربي - عز وجل - فلا أقوم منه مقاما إلا شفعت ، حتى أعطاني الله من ذلك ، أن قال : يا محمد ، أدخل [ من أمتك ] من خلق الله - عز وجل - من شهد أن لا إله إلا الله يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك " .

حديث بريدة ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا الأسود بن عامر ، أخبرنا أبو إسرائيل ، عن الحارث بن حصيرة ، عن ابن بريدة ، عن أبيه : أنه دخل على معاوية ، فإذا رجل يتكلم ، فقال بريدة : يا معاوية ، تأذن لي في الكلام ؟

فقال : نعم - وهو يرى أنه يتكلم بمثل ما قال الآخر - فقال بريدة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة " .

قال : فترجوها أنت يا معاوية ، ولا يرجوها علي ، رضي الله عنه ؟

!

.

حديث ابن مسعود : قال الإمام أحمد : حدثنا عارم بن الفضل ، حدثنا سعيد بن زيد ، حدثنا علي بن الحكم البناني ، عن عثمان ، عن إبراهيم ، عن علقمة والأسود ، عن ابن مسعود قال : جاء ابنا مليكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا : إن أمنا [ كانت ] تكرم الزوج ، وتعطف على الولد - قال : وذكر الضيف - غير أنها كانت وأدت في الجاهلية ؟

فقال : " أمكما في النار " .

قال : فأدبرا والسوء يرى في وجوههما ، فأمر بهما فردا ، فرجعا والسرور يرى في وجوههما ؛ رجاء أن يكون قد حدث شيء ، فقال : " أمي مع أمكما " .

فقال رجل من المنافقين : وما يغني هذا عن أمه شيئا!

ونحن نطأ عقبيه .

فقال رجل من الأنصار - ولم أر رجلا قط أكثر سؤالا منه - : يا رسول الله ، هل وعدك ربك فيها أو فيهما ؟

.

قال : فظن أنه من شيء قد سمعه ، فقال : " ما شاء الله ربي وما أطمعني فيه ، وإني لأقوم المقام المحمود يوم القيامة " .

فقال الأنصاري : يا رسول الله ، وما ذاك المقام المحمود ؟

قال : " ذاك إذا جيء بكم حفاة عراة غرلا فيكون أول من يكسى إبراهيم ، عليه السلام ، فيقول : اكسوا خليلي .

فيؤتى بريطتين بيضاوين ، فيلبسهما ثم يقعده مستقبل العرش ، ثم أوتى بكسوتي فألبسها ، فأقوم عن يمينه مقاما لا يقومه أحد ، فيغبطني فيه الأولون والآخرون .

ويفتح نهر من الكوثر إلى الحوض " .

فقال المنافقون : إنه ما جرى ماء قط إلا على حال أو رضراض .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حاله المسك ، ورضراضه التوم " .

[ قال المنافق : لم أسمع كاليوم .

قلما جرى ماء قط على حال أو رضراض ، إلا كان له نبتة .

فقال الأنصاري : يا رسول الله ، هل له نبت ؟

قال " نعم ، قضبان الذهب " ] .

قال المنافق : لم أسمع كاليوم ، فإنه قلما ينبت قضيب إلا أورق ، وإلا كان له ثمر!

قال الأنصاري : يا رسول الله ، هل له ثمرة ؟

قال : " نعم ، ألوان الجوهر ، وماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، من شرب منه شربة لا يظمأ بعده ، ومن حرمه لم يرو بعده " .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن أبي الزعراء ، عن عبد الله قال : ثم يأذن الله - عز وجل - في الشفاعة ، فيقوم روح القدس جبريل ، ثم يقوم إبراهيم خليل الله ، ثم يقوم عيسى أو موسى - قال أبو الزعراء : لا أدري أيهما - قال : ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم رابعا ، فيشفع لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع ، وهو المقام المحمود الذي قال الله عز وجل : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) .

حديث كعب بن مالك ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، حدثنا محمد بن حرب ، حدثنا الزبيدي ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله [ بن كعب ] بن مالك ، عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يبعث الناس يوم القيامة ، فأكون أنا وأمتي على تل ، ويكسوني ربي - عز وجل - حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول ، فذلك المقام المحمود " .

حديث أبي الدرداء ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة ، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه ، فأنظر إلى ما بين يدي ، فأعرف أمتي من بين الأمم ، ومن خلفي مثل ذلك ، وعن يميني مثل ذلك ، وعن شمالي مثل ذلك " .

فقال رجل : يا رسول الله ، كيف تعرف أمتك من بين الأمم ، فيما بين نوح إلى أمتك ؟

قال : " هم غر محجلون ، من أثر الوضوء ، ليس أحد كذلك غيرهم ، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم ، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذريتهم " .

حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد ، رحمه الله : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا أبو حيان ، حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير ، عن أبي هريرة ، قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم ، فرفع إليه الذراع - وكانت تعجبه - فنهس منها نهسة ، ثم قال : " أنا سيد الناس يوم القيامة ، وهل تدرون مم ذاك ؟

يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون .

فيقول بعض الناس لبعض : [ ألا ترون إلى ما أنتم فيه ؟

ألا ترون إلى ما قد بلغكم ؟

ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم عز وجل ؟

فيقول بعض الناس لبعض ] : أبوكم آدم !

.

فيأتون آدم ، فيقولون : يا آدم ، أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ؛ فاشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟

ألا ترى ما قد بلغنا ؟

فيقول آدم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته ، نفسي ، نفسي ، نفسي!

اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى نوح .

فيأتون نوحا فيقولون : يا نوح ، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وسماك الله عبدا شكورا ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟

ألا ترى ما قد بلغنا ؟

فيقول نوح : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنه كانت لي دعوة على قومي ، نفسي ، نفسي ، نفسي!

اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى إبراهيم .

فيأتون إبراهيم فيقولون : يا إبراهيم ، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض ، [ اشفع لنا إلى ربك ] ألا ترى ما نحن فيه ؟

ألا ترى ما قد بلغنا ؟

فيقول : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، فذكر كذباته نفسي ، نفسي ، نفسي [ اذهبوا إلى غيري ] اذهبوا إلى موسى .

فيأتون موسى فيقولون : يا موسى ، أنت رسول الله ، اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟

ألا ترى ما قد بلغنا ؟

فيقول لهم موسى : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها ، نفسي ، نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى عيسى .

فيأتون عيسى فيقولون : يا عيسى ، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه - قال : هكذا هو - وكلمت الناس في المهد ، فاشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟

ألا ترى ما قد بلغنا ؟

فيقول لهم عيسى : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، ولم يذكر ذنبا ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى محمد .

فيأتوني فيقولون : يا محمد ، أنت رسول الله ، وخاتم الأنبياء ، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فاشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟

ألا ترى ما قد بلغنا ؟

فأقوم فآتي تحت العرش ، فأقع ساجدا لربي - عز وجل - ثم يفتح الله علي ، ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي .

فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، وسل تعطه ، واشفع تشفع .

فأقول : يا رب ، أمتي أمتي ، يا رب أمتي أمتي ، يا رب ، أمتي أمتي!

فيقال : يا محمد : أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب " .

ثم قال : " والذي نفس محمد بيده لما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر ، أو كما بين مكة وبصرى " .

أخرجاه في الصحيحين .

وقال مسلم ، رحمه الله : حدثنا الحكم بن موسى ، حدثنا هقل بن زياد ، عن الأوزاعي ، حدثني أبو عمار ، حدثني عبد الله بن فروخ ، حدثني أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع ، وأول مشفع " .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن داود بن يزيد الزعافري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) ، سئل عنها فقال : " هي الشفاعة " .

رواه الإمام أحمد عن وكيع وعن محمد بن عبيد ، عن داود ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) قال : " هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه " .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن علي بن الحسين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان يوم القيامة ، مد الله الأرض مد الأديم ، حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدمه .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فأكون أول من يدعى ، وجبريل عن يمين الرحمن ، والله ما رآه قبلها ، فأقول : رب ، إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي .

فيقول الله تبارك وتعالى : صدق ، ثم أشفع .

فأقول : يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض " ، قال : " فهو المقام المحمود " ، وهذا حديث مرسل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم ومن الليل فاسهر بعد نومة يا محمد بالقرآن، نافلة لك خالصة دون أمتك.

والتهجد: التيقظ والسهر بعد نومة من الليل.

وأما الهجود نفسه: فالنوم، كما قال الشاعر: ألا طَرَقَتْنـــا والرّفــاقُ هُجُــودُ فَبــاتَتْ بِعُــلاتِ النَّــوَالِ تَجُـودُ (5) وقال الحطيئة ألا طَـرَقَتْ هِنْـدُ الهُنُـودِ وَصُحْـبَتِي بِحَــوْرَانَ حَـورَانِ الجُـنُودِ هُجُـودُ (6) وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن مجاهد بن يزيد، عن أبي هلال، عن الأعرج أنه قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن رجل من الأنصار، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال: لأنظرنّ كيف يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ، فرفع رأسه إلى السماء، فتلا أربع آيات من آخر سورة آل عمران إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ حتى مرّ بالأربع، ثم أهوى إلى القربة، فأخذ سواكا فاستنّ به، ثم توضأ، ثم صلى، ثم نام، ثم استيقظ فصنع كصنعه أوّل مرّة، ويزعمون أنه التهجد الذي أمره الله.

حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن، قالا ثنا سعيد ، عن أبي إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن، عن علقمة والأسود أنهما قالا التهجد بعد نومة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، قال: التهجد: بعد نومة.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: ثني أبو إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة والأسود، بمثله.

حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: التهجد: بعد النوم.

حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن هشام، عن الحسن ، قال: التهجد: ما كان بعد العشاء الآخرة.

حُدثت عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن كثير بن العباس، عن الحجاج بن عمرو، قال: إنما التهجد بعد رقدة.

وأما قوله ( نَافِلَةً لَكَ ) فإنه يقول: نفلا لك عن فرائضك التي فرضتها عليك.

واختُلف في المعنى الذي من أجله خصّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع كون صلاة كلّ مصلّ بعد هجوده، إذا كان قبل هجوده قد كان أدّى فرائضه نافلة نفلا إذ كانت غير واجبة عليه، فقال بعضهم: معنى خصوصه بذلك: هو أنها كانت فريضة عليه، وهي لغيره تطوّع، وقيل له: أقمها نافلة لك: أي فضلا لك من الفرائض التي فرضتها عليك عما فرضت على غيرك.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ ) يعني بالنافلة أنها للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، أُمر بقيام الليل وكُتب عليه.

وقال آخرون: بل قيل ذلك له صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن فعله ذلك يكفِّر عنه شيئا من الذنوب، لأن الله تعالى كان قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر، فكان له نافلة فضل، فأما غيره فهو له كفارة، وليس هو له نافلة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: النافلة للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة من أجل أنه قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة، فهو نافلة من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها، فليست للناس نوافل.

وأولى القولين بالصواب في ذلك، القول الذي ذكرنا عن ابن عباس، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله تعالى قد خصه بما فرض عليه من قيام الليل، دون سائر أمته ، فأما ما ذكر عن مجاهد في ذلك، فقول لا معنى له، لأن رسول الله فيما ذُكِر عنه أكثر ما كان استغفارا لذنوبه بعد نـزول قول الله عزّ وجلّ عليه لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وذلك أن هذه السورة أنـزلت عليه بعد مُنْصَرَفه من الحديبية، وأنـزل عليه إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ عام قبض.

وقيل له فيها فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فكان يُعدُّ له صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد استغفار مائة مرّة ومعلوم أن الله لم يأمره أن يستغفر إلا لما يغفر له باستغفاره ذلك، فبين إذن وجه فساد ما قاله مجاهد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن شمر عن عطية، عن شهر، عن أبي أمامة، قال: إنما كانت النافلة للنبيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( نَافِلَةً لَكَ ) قال: تطوّعا وفضيلة لك.

وقوله ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) وعسى من الله واجبة، وإنما وجه قول أهل العلم: عسى من الله واجبة، لعلم المؤمنين أن الله لا يدع أن يفعل بعباده ما أطمعهم فيه من الجزاء على أعمالهم والعوض على طاعتهم إياه ليس من صفته الغرور، ولا شكّ أنه قد أطمع من قال ذلك له في نفعه، إذا هو تعاهده ولزمه، فإن لزم المقول له ذلك وتعاهده ثم لم ينفعه، ولا سبب يحول بينه وبين نفعه إياه مع الأطماع الذي تقدم منه لصاحبه على تعاهده إياه ولزومه ، فإنه لصاحبه غارّ بما كان من إخلافه إياه فيما كان أطمعه فيه بقوله الذي قال له.

وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير جائز أن يكون جلّ ثناؤه من صفته الغرور لعباده صحّ ووجب أن كلّ ما أطمعهم فيه من طمع على طاعته، أو على فعل من الأفعال، أو أمر أو نهى أمرهم به، أو نهاهم عنه، فإنه موف لهم به، وإنهم منه كالعدة التي لا يخلف الوفاء بها، قالوا: عسى ولعلّ من الله واجبة.

وتأويل الكلام: أقم الصلاة المفروضة يا محمد في هذه الأوقات التي أمرتك بإقامتها فيها، ومن الليل فتهجد فرضا فرضته عليك، لعل ربك أن يبعثك يوم القيامة مقاما تقوم فيه محمودا تحمده، وتغبط فيه.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم: ذلك هو المقام الذي هو يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدّة ذلك اليوم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زُفَر، عن حُذيفة، قال: يجمع الناس في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خُلقوا، قياما لا تكلَّم نفس إلا بإذنه، ينادى: يا محمد، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والشرّ ليس إليك، والمهديّ من هَدَيت، عبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تبارك وتعاليت، سبحانك ربّ هذا البيت ؛ فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله تعالى.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زُفر، عن حُذيفة، قال: يُجْمع الناس في صعيد واحد.

فلا تكَلَّم نفس، فأوّل ما يدعو محمد النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فيقوم محمد النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيقول: لبيك، ثم ذكر مثله.

حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد الرقي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كريب، عن أبيه عن ابن عباس، قوله ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) قال: المقام المحمود: مقام الشفاعة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله في قصة ذكرها، قال: ثم يؤمر بالصراط فيضرب على جسر جهنم، فيمرّ الناس بقدر أعمالهم ؛ يمرّ أولهم كالبرق، وكمرّ الريح، وكمرّ الطير، وكأسرع البهائم، ثم كذلك حتى يمرّ الرجل سعيا، ثم مشيا، حتى يجيء آخرهم يتلبَّط على بطنه، فيقول: ربّ لما أبطأت بي، فيقول : إني لم أبطأ بك، إنما أبطأ بك عملك، قال: ثم يأذن الله في الشفاعة، فيكون أوّل شافع يوم القيامة جبرائيل عليه السلام، روح القُدس، ثم إبراهيم خليل الرحمن، ثم موسى، أو عيسى قال أبو الزعراء: لا أدري أيهما قال، قال: ثم يقوم نبيّكم صلى الله عليه وسلم رابعا، فلا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي ذكر الله ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) .

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن في قول الله تعالى ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) قال: المقام المحمود: مقام الشفاعة يوم القيامة.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ( مَقَامًا مَحْمُودًا ) قال: شفاعة محمد يوم القيامة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال : ثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: هو الشفاعة، يشفعه الله في أمته، فهو المقام المحمود.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) وقد ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم خير بين أن يكون نبيّا عبدا، أو ملكا نبيّا، فأومأ إليه جبرائيل عليه السلام: أن تَوَاضَعْ، فاختار نبيّ الله أن يكون عبدا نبيّا، فأُعْطِي به نبيّ الله ثنتين: إنه أوّل من تنشقّ عنه الأرض، وأوّل شافع.

وكان أهل العلم يَرَوْن أنه المقام المحمود الذي قال الله تبارك وتعالى ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) شفاعة يوم القيامة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( مَقَامًا مَحْمُودًا ) قال : هي الشفاعة، يشفِّعه الله في أمته.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمر والثوريّ، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زُفَر، قال: سمعت حُذيفة يقول في قوله ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) قال: يجمع الله الناس في صعيد واحد حيث يُسْمعهم الداعي، فَيَنْفُذُهم البصر حُفاة عُراة، كما خُلِقوا سكوتا لا تكلَّم نفس إلا بإذنه، قال: فينادَى محمد، فيقول: لَبَّيك وسَعْديك، والخيرُ في يديك، والشرّ ليس إليك، والمهديّ من هَدَيت، وعبدُك بين يديك، ولك وإليك، لا ملْجَأَ ولا منجَى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك ربّ البيت، قال: فذلك المقامُ المحمودُ الذي ذكر الله ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زُفَر، قال حُذيفة: يجمع الله الناس في صعيد واحد، حيث يَنْفُذُهم البصر، ويُسْمعهم الداعي، حُفاة عُراة كما خُلقوا أوّل مرّة، ثم يقوم النبيّ صلى الله عليه وسلم فيقول: " لبيك وسعديك "، ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: هو المقام المحمود.

وقال آخرون: بل ذلك المقام المحمود الذي وعد الله نبيّه أن يبعثه إياه، هو أن يقاعده معه على عرشه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي، قال: ثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) قال: يُجْلسه معه على عرشه.

وأولى القولين في ذلك بالصواب ما صحّ به الخبر عن رسول الله.

وذلك ما حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن داود بن يزيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) سئل عنها، قال: " هِىَ الشَّفاعَةُ".

حدثنا عليّ بن حرب، قال: ثنا مَكّيّ بن إبراهيم، قال: ثنا داود بن يزيد الأوْدِيّ، عن أبيه، عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) قال: " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي".

حدثنا أبو عُتبة الحِمْصِيّ أحمد بن الفَرَج، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن الزُّبيديّ، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ فَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْرَاءَ ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي ، فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ ، فَذَاكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ".

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثني الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أنه قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الشَّمْسَ لتَدْنُو حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأذُنِ ، فَبَيْنَما هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَيَقُولُ لَسْتُ صَاحِبَ ذَلِكَ ثُمَّ بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَيَقُولُ كَذلكَ ، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ فَيَشْفَعُ بين الخلق حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْجنة فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا ".

حدثني أبو زيد عمر بن شَبَّة، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا سعيد بن زيد، عن عليّ بن الحكم، قال: ثني عثمان، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنِّي لأقُومُ المَقَامَ المَحْمُودَ" فقال رجل: يا رسول الله، وما ذلك المقام المحمود؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذَاكَ إِذَا جِيءَ بِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلام ، فَيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ ، فَيَلْبِسْهُمَا ، ثُمَّ يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ الْعَرْشِ ، ثُمَّ أُوتَى بِكِسْوَتِي فَأَلْبَسُهَا ، فَأَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ مَقَامًا لا يَقُومُهُ غَيْرِي يَغْبِطُنِي فِيهِ الأوَّلُونَ وَالآخِرُونَ ، ثُمَّ يُفْتَحُ نَهَرٌ مِنْ الْكَوْثَرِ إِلَى الْحَوْضِ " .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، عن عليّ بن الحسين، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إذَا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ مَدَّ الله الأرضَ مَدَّ الأدِيمِ حتى لا يَكُونَ لِبَشَر مِنَ النَّاسِ إلا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: فَأَكُونُ أوَّلَ مَنْ يُدْعَى وجَبْرَائِيل عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، والله ما رآهُ قَبْلَها، فَأَقُولُ: أيْ ربّ إنَّ هذَا أخْبَرَنِي أنَّك أرْسَلْتَهُ إليَّ، فَيَقُولُ الله عَزَّ وجَلَّ: صَدَقَ، ثُمَّ أَشْفَعُ، قال: فَهُوَ المَقامُ المَحْمُودُ".

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر ، عن الزهريّ، عن عليّ بن الحسين، قال : قال النبيّ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ"، فذكر نحوه، وزاد فيه: " ثُمَّ أشْفَعُ فَأَقُولُ: يا ربّ عِبادُكَ عَبَدُوكَ في أطْرافِ الأرْضِ، وَهُوَ المَقامُ المَحْمُودُ".

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال : ثنا إبراهيم بن طهمان، عن آدم، عن عليّ، قال: سمعت ابن عمر يقول: إن الناس يحشرون يوم القيامة، فيجىء مع كلّ نبيّ أمته، ثم يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الأمم هو وأمته، فيرقى هو وأمته على كَوم فوق الناس، فيقول: يا فلان اشفع، ويا فلان اشفع، ويا فلان اشفع، فما زال يردّها بعضهم على بعض (7) يرجع ذلك إليه، وهو المقام المحمود الذي وعده الله إياه.

حدثنا محمد بن عوف، قال: ثنا حَيْوة وربيع، قالا ثنا محمد بن حرب، عن الزبيديّ، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلّ ، فَيَكْسُونِي رَبِي عَزَّ وَجَلَّ حُلَّةً خَضْرَاءَ ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ ، فَذَاكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ".

وهذا وإن كان هو الصحيح من القول في تأويل قوله ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) لما ذكرنا من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مجاهد من أن الله يُقعد محمدا صلى الله عليه وسلم على عرشه، قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك.

فأما من جهة النظر، فإن جميع من ينتحل الإسلام إنما اختلفوا في معنى ذلك على أوجه ثلاثة: فقالت فرقة منهم: الله عزّ وجلّ بائن من خلقه كان قبل خلقه الأشياء، ثم خلق الأشياء فلم يماسَّها، وهو كما لم يزل، غير أن الأشياء التي خلقها، إذ لم يكن هو لها مماسا، وجب أن يكون لها مباينا، إذ لا فعال للأشياء إلا وهو مماسّ للأجسام أو مباين لها.

قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله عزّ وجلّ فاعل الأشياء، ولم يجز في قولهم: إنه يوصف بأنه مماسّ للأشياء، وجب بزعمهم أنه لها مباين، فعلى مذهب هؤلاء سواء أقعد محمدا صلى الله عليه وسلم على عرشه، أو على الأرض إذ كان من قولهم إن بينونته من عرشه، وبينونته من أرضه بمعنى واحد في أنه بائن منهما كليهما، غير مماسّ لواحد منهما.

وقالت فرقة أخرى: كان الله تعالى ذكره قبل خلقه الأشياء، لا شيء يماسه، ولا شيء يباينه، ثم خلق الأشياء فأقامها بقدرته، وهو كما لم يزل قبل خلقه الأشياء لا شيء يماسه ولا شيء يباينه، فعلى قول هؤلاء أيضا سواء أقعد محمدا صلى الله عليه وسلم على عرشه، أو على أرضه، إذ كان سواء على قولهم عرشه وأرضه في أنه لا مماس ولا مباين لهذا، كما أنه لا مماس ولا مباين لهذه.

وقالت فرقة أخرى: كان الله عزّ ذكره قبل خلقه الأشياء لا شيء ولا شيء يماسه، ولا شيء يباينه، ثم أحدث الأشياء وخلقها، فخلق لنفسه عرشا استوى عليه جالسا، وصار له مماسا، كما أنه قد كان قبل خلقه الأشياء لا شيء يرزقه رزقا، ولا شيء يحرمه ذلك، ثم خلق الأشياء فرزق هذا وحرم هذا، وأعطى هذا، ومنع هذا، قالوا: فكذلك كان قبل خلقه الأشياء يماسه ولا يباينه، وخلق الأشياء فماس العرش بجلوسه عليه دون سائر خلقه، فهو مماس ما شاء من خلقه، ومباين ما شاء منه، فعلى مذهب هؤلاء أيضا سواء أقعد محمدا على عرشه، أو أقعده على منبر من نور، إذ كان من قولهم: إن جلوس الربّ على عرشه، ليس بجلوس يشغل جميع العرش، ولا في إقعاد محمد صلى الله عليه وسلم موجبا له صفة الربوبية، ولا مخرجه من صفة العبودية لربه، كما أن مباينة محمد صلى الله عليه وسلم ما كان مباينا له من الأشياء غير موجبة له صفة الربوبية، ولا مخرجته من صفة العبودية لربه من أجل أنه موصوف بأنه له مباين، كما أن الله عزّ وجلّ موصوف على قول قائل هذه المقالة بأنه مباين لها، هو مباين له.

قالوا: فإذا كان معنى مباين ومباين لا يوجب لمحمد صلى الله عليه وسلم الخروج من صفة العبودة والدخول في معنى الربوبية، فكذلك لا يوجب له ذلك قعوده على عرش الرحمن، فقد تبين إذا بما قلنا أنه غير محال في قول أحد ممن ينتحل الإسلام ما قاله مجاهد من أن الله تبارك وتعالى يقعد محمدا على عرشه.

فإن قال قائل: فإنا لا ننكر إقعاد الله محمدا على عرشه، وإنما ننكر إقعاده (8) .

حدثني عباس بن عبد العظيم، قال: ثنا يحيى بن كثير، عن الجريريّ، عن سيف السَّدُوسيّ، عن عبد الله بن سلام، قال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على كرسيّ الربّ بين يدي الربّ تبارك وتعالى ، وإنما ينكر إقعاده إياه معه ، قيل: أفجائز عندك أن يقعده عليه لا معه.

فإن أجاز ذلك صار إلى الإقرار بأنه إما معه، أو إلى أنه يقعده، والله للعرش مباين، أو لا مماسّ ولا مباين، وبأيّ ذلك قال كان منه دخولا في بعض ما كان ينكره وإن قال ذلك غير جائز كان منه خروجا من قول جميع الفرق التي حكينا قولهم، وذلك فراق لقول جميع من ينتحل الإسلام، إذ كان لا قول في ذلك إلا الأقوال الثلاثة التي حكيناها، وغير محال في قول منها ما قال مجاهد في ذلك.

------------------ الهوامش : (5) البيت لم أقف على قائله.

وهجود: يجوز أن يكون مصدر هجد يهجد هجودا إذا نام، ويكون المراد منه: والرفاق ذوو هجود أو والرفاق هاجدون، فيكون بمعنى المشتق.

ويجوز أن يكون هجود جمعا لهاجد بلا تأويل، كعقود جمع قاعد، وجلوس جمع جالس وحضور جمع حاضر.

والعلات: جمع علة اسم للمرة من العل، وهو السقي الثاني بعد الأول.

والنوال: ما يعطيه الحبيب حبيبه من ثمرة الحب.

(6) البيت للحطيئة (ديوانه طبعة الحميدية ص 103).

وقال شارحه: كل كورة من كور الشام: جند.

وهجود: جمع هاجد، وهو النائم، ومثله قعود: جمع قاعد.

ومحل الشاهد أن الهجود في الآية معناه: النوم، كما في بيت الحطيئة.

مصدر هجد يهجد هجودا إذا نام.

ويكون المصدر في معنى المشتق، أو يكون على معنى: والرفاق "ذوو هجود" ثم حذف المضاف، وأقيم المصدر مقامه.

(7) لعله حتى يرجع.

(8) لعل هذه الجملة قد سقطت بقيتها في هذا الموضع.

وستجيء نظيرتها تامة في السطر الثالث بعدها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا فيه ست مسائل : الأولى : قوله تعالى : ومن الليل فتهجد به من للتبعيض .

والفاء في قوله فتهجد ناسقة على مضمر ، أي قم فتهجد .به أي بالقرآن .

والتهجد من الهجود وهو من الأضداد .

يقال : هجد نام ، وهجد سهر ; على الضد .

قال الشاعر :ألا زارت وأهل منى هجود وليت خيالها بمنى يعودآخر :ألا طرقتنا والرفاق هجود فباتت بعلات النوال تجوديعني نياما .

وهجد وتهجد بمعنى .

وهجدته أي أنمته ، وهجدته أي أيقظته .

والتهجد التيقظ بعد رقدة ، فصار اسما للصلاة ; لأنه ينتبه لها .

فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم .

قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم .

وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله أنه قد تهجد !

إنما التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة .

كذلك [ ص: 277 ] كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : الهجود النوم .

يقال : تهجد الرجل إذا سهر ، وألقى الهجود وهو النوم .

ويسمى من قام إلى الصلاة متهجدا ; لأن المتهجد هو الذي يلقي الهجود الذي هو النوم عن نفسه .

وهذا الفعل جار مجرى تحوب وتحرج وتأثم وتحنث وتقذر وتنجس ; إذا ألقى ذلك عن نفسه .

ومثله قوله - تعالى - : فظلتم تفكهون معناه تندمون ; أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم ، وهي انبساط النفوس وسرورها .

يقال : رجل فكه إذا كان كثير السرور والضحك .

والمعنى في الآية : ووقتا من الليل اسهر به في صلاة وقراءة .الثانية : قوله تعالى : نافلة لك أي كرامة لك ; قاله مقاتل .

واختلف العلماء في تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذكر دون أمته ; فقيل : كانت صلاة الليل فريضة عليه لقوله : نافلة لك أي فريضة زائدة على الفريضة الموظفة على الأمة .قلت : وفي هذا التأويل بعد لوجهين : أحدهما - تسمية الفرض بالنفل ، وذلك مجاز لا حقيقة .

الثاني - قوله - صلى الله عليه وسلم - : خمس صلوات فرضهن الله على العباد وقوله - تعالى - : ( هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي ) وهذا نص ، فكيف يقال افترض عليه صلاة زائدة على الخمس ، هذا ما لا يصح ; وإن كان قد روي عنه - عليه السلام - : ثلاث علي فريضة ولأمتي تطوع : قيام الليل والوتر والسواك .

وقيل : كانت صلاة الليل تطوعا منه وكانت في الابتداء واجبة على الكل ، ثم نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة ; كما قالت عائشة ، على ما يأتي مبينا في سورة [ المزمل ] إن شاء الله - تعالى - .

وعلى هذا يكون الأمر بالتنفل على جهة الندب ويكون الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ; لأنه مغفور له .

فهو إذا تطوع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادة في الدرجات .

وغيره من الأمة تطوعهم كفارات وتدارك لخلل يقع في الفرض ; قال معناه مجاهد وغيره .

وقيل : عطية ; لأن العبد لا ينال من السعادة عطاء أفضل من التوفيق في العبادة .الثالثة : قوله تعالى : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال :[ ص: 278 ] [ الأول ] وهو أصحها - الشفاعة للناس يوم القيامة ; قاله حذيفة بن اليمان .

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال : إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها تقول : يا فلان اشفع ، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود .

وفي صحيح مسلم عن أنس قال حدثنا محمد - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لذريتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم - عليه السلام - فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى - عليه السلام - فإنه روح الله وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فأوتى فأقول أنا لها .

.

.

وذكر الحديث .

وروى الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا سئل عنها قال : هي الشفاعة قال : هذا حديث حسن صحيح .الرابعة : إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء - عليهم السلام - ، حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف ليعجل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم ، وهي الخاصة به - صلى الله عليه وسلم - ; ولأجل ذلك قال : أنا سيد ولد آدم ولا فخر .

قال النقاش : لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث شفاعات : العامة ، وشفاعة في السبق إلى الجنة ، وشفاعة في أهل الكبائر .

ابن عطية : والمشهور أنهما شفاعتان فقط : العامة ، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار .

وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء .

وقال القاضي أبو الفضل عياض : شفاعات نبينا - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة خمس شفاعات : العامة .

والثانية في إدخال قوم الجنة دون حساب .

الثالثة في قوم من موحدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيها نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، ومن شاء الله أن يشفع ويدخلون الجنة .

وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة : الخوارج والمعتزلة ، فمنعتها على أصولهم الفاسدة ، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح .

الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فيخرجون بشفاعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم المؤمنين .

الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها ، وهذه لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأول .[ ص: 279 ] الخامسة : قال القاضي عياض : وعرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح لشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ورغبتهم فيها ، وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال : إنه يكره أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ; لأنها لا تكون إلا للمذنبين ، فإنها قد تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات .

ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتد بعمله مشفق أن يكون من الهالكين ، ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة ; لأنها لأصحاب الذنوب أيضا ، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف .

روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، حلت له شفاعتي يوم القيامة .[ القول الثاني ] أن المقام المحمود إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة .قلت : وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأول ; فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي آدم فمن سواه إلا تحت لوائي " الحديث .[ القول الثالث ] ما حكاه الطبري عن فرقة ، منها مجاهد ، أنها قالت : المقام المحمود هو أن يجلس الله - تعالى - محمدا - صلى الله عليه وسلم - معه على كرسيه ; وروت في ذلك حديثا .

وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول ، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى ، وفيه بعد .

ولا ينكر مع ذلك أن يروى ، والعلم يتأوله .

وذكر النقاش عن أبي داود السجستاني أنه قال : من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم ، ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا ، من أنكر جوازه على تأويله .

قال أبو عمر ومجاهد : وإن كان أحد الأئمة يتأول القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم : أحدهما هذا والثاني في تأويل قوله - تعالى - : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة تنتظر الثواب ; ليس من النظر .[ ص: 280 ] قلت : ذكره هذا في الباب ابن شهاب في حديث التنزيل .

وروي عن مجاهد أيضا في هذه الآية قال : يجلسه على العرش .

وهذا تأويل غير مستحيل ; لأن الله - تعالى - كان قبل خلقه الأشياء كلها والعرش - قائما بذاته ، ثم خلق الأشياء من غير حاجة إليها ، بل إظهارا لقدرته وحكمته ، وليعرف وجوده وتوحيده وكمال قدرته وعلمه بكل أفعاله المحكمة ، وخلق لنفسه عرشا استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماسا ، أو كان العرش له مكانا .

قيل : هو الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزمان ; فعلى هذا القول سواء في الجواز أقعد محمد على العرش أو على الأرض ; لأن استواء الله - تعالى - على العرش ليس بمعنى الانتقال والزوال وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش ، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كيف .

وليس إقعاده محمدا على العرش موجبا له صفة الربوبية أو مخرجا له عن صفة العبودية ، بل هو رفع لمحله وتشريف له على خلقه .

وأما قوله في الإخبار : ( معه فهو بمنزلة قوله : إن الذين عند ربك ، و رب ابن لي عندك بيتا في الجنة .

وإن الله لمع المحسنين ونحو ذلك .

كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة ، لا إلى المكان .[ الرابع ] إخراجه من النار بشفاعته من يخرج ; قاله جابر بن عبد الله .

ذكره مسلم .

وقد ذكرناه في ( كتاب التذكرة ) والله الموفق .السادسة : اختلف العلماء في كون القيام بالليل سببا للمقام المحمود على قولين : أحدهما : أن البارئ - تعالى - يجعل ما شاء من فعله سببا لفضله من غير معرفة بوجه الحكمة فيه ، أو بمعرفة وجه الحكمة .

الثاني : أن قيام الليل فيه الخلوة مع البارئ والمناجاة دون الناس ، فأعطي الخلوة به ومناجاته في قيامه وهو المقام المحمود .

ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم ، فأجلهم فيه درجة محمد - صلى الله عليه وسلم - ; فإنه يعطى ما لا يعطى أحد ويشفع ما لا يشفع أحد .

وعسى من الله - عز وجل - واجبة .

ومقاما نصب على الظرف .

أي في مقام أو إلى مقام .

وذكر الطبري عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي .

فالمقام الموضع الذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة كالمقامات بين يدي الملوك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ } أي: صل به في سائر أوقاته.

{ نَافِلَةً لَكَ } أي: لتكون صلاة الليل زيادة لك في علو القدر، ورفع الدرجات، بخلاف غيرك، فإنها تكون كفارة لسيئاته.

ويحتمل أن يكون المعنى: أن الصلوات الخمس فرض عليك وعلى المؤمنين، بخلاف صلاة الليل، فإنها فرض عليك بالخصوص، ولكرامتك على الله، أن جعل وظيفتك أكثر من غيرك، وليكثر ثوابك، وتنال بذلك المقام المحمود، وهو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، مقام الشفاعة العظمى، حين يتشفع الخلائق بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، وكلهم يعتذر ويتأخر عنها، حتى يستشفعوا بسيد ولد آدم، ليرحمهم الله من هول الموقف وكربه، فيشفع عند ربه فيشفعه، ويقيمه مقامًا يغبطه به الأولون والآخرون، وتكون له المنة على جميع الخلق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ومن الليل فتهجد به ) أي : قم بعد نومك والتهجد لا يكون إلا بعد النوم يقال : تهجد إذا قام بعدما نام وهجد إذا نام .

والمراد من الآية : قيام الليل للصلاة .

وكانت صلاة الليل فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم في الابتداء وعلى الأمة لقوله تعالى : " يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا " ( المزمل - 1 ) ثم نزل التخفيف فصار الوجوب منسوخا في حق الأمة بالصلوات الخمس وبقي الاستحباب قال الله تعالى : " فاقرءوا ما تيسر منه " ( المزمل - 20 ) وبقي الوجوب في حق النبي صلى الله عليه وسلم .

وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث هن علي فريضة وهن سنة لكم : الوتر [ والسواك ] وقيام الليل " .

قوله عز وجل : ( نافلة لك ) أي : زيادة لك يريد : فضيلة زائدة على سائر الفرائض فرضها الله عليك .

وذهب قوم إلى أن الوجوب صار منسوخا في حقه كما في حق الأمة فصارت نافلة وهو قول مجاهد وقتادة لأن الله تعالى قال : " نافلة لك " ولم يقل عليك .

فإن قيل : فما معنى التخصيص وهي زيادة في حق كافة المسلمين كما في حقه صلى الله عليه وسلم؟

قيل : التخصيص من حيث إن نوافل العباد كفارة لذنوبهم والنبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت نوافله لا تعمل في كفارة الذنوب فتبقى له زيادة في رفع الدرجات .

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا قتيبة وبشر بن معاذ قالا حدثنا أبو عوانة عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه فقيل له : أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

قال : " أفلا أكون عبدا شكورا " .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكرة عن أبيه عن عبد الله بن قيس بن مخرمة أنه أخبره عن زيد بن خالد الجهني أنه قال : " لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة فتوسدت عتبته أو فسطاطه فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما [ ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ] ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة رضي الله عنها : كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟

قال : فقالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا .

قالت عائشة فقلت : يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟

فقال : " يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي " .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرايني أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق أخبرنا يونس بن هارون بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس وابن أبي ذئب وعمر بن الحارث أن ابن شهاب أخبرهم عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بواحدة فيسجد السجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر وتبين له الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة فيخرج " وبعضهم يزيد على بعض .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحمن بن منيب أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل مصليا إلا رأيناه ولا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه وقال : كان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر منه شيئا ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئا .

قوله عز وجل : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) عسى من الله تعالى واجب لأنه لا يدع أن يعطي عباده أو يفعل بهم ما أطمعهم فيه .

والمقام المحمود هو : مقام الشفاعة لأمته لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون : أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه أخبرنا عبد الله بن يزيد المقري أخبرنا حياة عن كعب عن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا علي بن عباس حدثنا سعيد بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة " .

أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحيم بن منيب أخبرنا يعلى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم - إن شاء الله - من مات لا يشرك بالله شيئا " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل قال : وقال حجاج بن منهال حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهتموا بذلك فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون : أنت آدم أبو الناس خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا فيقول : لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب وأكله من الشجرة وقد نهي عنها ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض .

فيأتون نوحا فيقول : لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب ، سؤاله ربه بغير علم ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن قال فيأتون إبراهيم فيقول : إني لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجيا .

قال : فيأتون موسى فيقول إني لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب بقتل النفس ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته .

فيأتون عيسى فيقول : لست هناكم ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .

قال : فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول : ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأخرجهم فأدخلهم الجنة .

قال قتادة : وسمعته أيضا يقول : فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ، ثم أعود فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول : ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة [ ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة " ] .

قال قتادة : وقد سمعته أيضا يقول : " فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن " - أي وجب عليه الخلود - قال : ثم تلا هذه الآية : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) [ قال : " وهذا المقام المحمود ] الذي وعده نبيكم صلى الله عليه وسلم " .

وبهذا الإسناد قال : حدثنا [ محمد بن إسماعيل حدثنا ] سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال الغزي قال : ذهبنا إلى أنس بن مالك فذكر حديث الشفاعة بمعناه وقال : " فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال : يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع [ وسل تعطه ] واشفع تشفع فأقول : يا رب أمتي أمتي فيقول : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا وذكر مثله فيقال : " انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من الإيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا وذكر مثله ثم يقال : انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأنطلق فأفعل .

فلما خرجنا من عند أنس مررنا بالحسن فسلمنا عليه فحدثناه بالحديث إلى هذا الموضع فقال : هيه فقلنا : لم يزدنا على هذا فقال : لقد حدثني وهو [ يومئذ جميع ] منذ عشرين سنة كما حدثكم ثم قال : ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال : يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا ربي أتأذن في من قال لا إله إلا الله؟

فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله " .

وروي عن عبد الله بن عمر قال : " إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم [ فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم " .

وأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد ] بن مامويه حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان حدثنا محمد بن حمويه حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا منصور بن أبي الأسود حدثنا الليث عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا أولهم خروجا [ إذا بعثوا ] وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا [ وأنا مبشرهم إذا أيسوا ] الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي ولواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف علي ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور " .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني الحكم بن موسى حدثنا معقل بن زياد عن الأوزاعي حدثني أبو عمار حدثني عبد الله بن فروخ حدثني أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع " والأخبار في الشفاعة كثيرة وأول من أنكرها عمرو بن عبيد وهو مبتدع باتفاق أهل السنة .

وروي عن يزيد بن صهيب الفقير قال : كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج وكنت رجلا شابا فخرجنا في عصابة نريد أن نحج فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الجهنميين فقلت له : يا صاحب رسول الله ما هذا الذي يحدثون والله عز وجل يقول : " إنك من تدخل النار فقد أخزيته " ( آل عمران - 192 ) و " كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها " ( السجدة - 20 ) ؟

فقال لي : يا فتى تقرأ القرآن؟

قلت : نعم قال : هل سمعت بمقام محمد المحمود الذي يبعثه الله فيه؟

قلت : نعم قال : فإنه مقام محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار [ ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه ] وأن قوما يخرجون من النار بعدما يكونون فيها قال : فرجعنا وقلنا أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

.

وروي عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله عز وجل اتخذ إبراهيم خليلا وإن صاحبكم حبيب الله وأكرم الخلق على الله " ثم قرأ : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) [ قال : يقعد على العرش ] .

[ وعن مجاهد في قوله تعالى : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) قال : يجلسه على العرش ] .

وعن عبد الله بن سلام قال : يقعده على الكرسي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن الليل فتهجد» فصلِّ «به» بالقرآن «نافلة لك» فريضة زائدة لك دون أمتك أو فضيلة على الصلوات المفروضة «عسى أن يبعثك» يقيمك «ربك» في الآخرة «مقاما محمودا» يحمدك فيه الأولون والآخرون وهو مقام الشفاعة في فصل القضاء، ونزل لما أمر بالهجرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقم -أيها النبي- من نومك بعض الليل، فاقرأ القرآن في صلاة الليل؛ لتكون صلاة الليل زيادة لك في علو القدر ورفع الدرجات، عسى أن يبعثك الله شافعًا للناس يوم القيامة؛ ليرحمهم الله مما يكونون فيه، وتقوم مقامًا يحمدك فيه الأولون والآخرون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ) إرشاد إلى عبادة أخرى من العبادات التى تطهر القلب ، وتسمو بالنفس إلى مراقى الفلاح ، وتعينها على التغلب على الهموم والآلام .والجار والمجرور ( ومن الليل ) متعلق بقوله ( فتهجد ) أى .

تهجد بالقرآن بعض الليل .

أو متعلق بمحذوف تقديره : وقم قومة من الليل فتهجد ، و ( من ) للتبعيض .قال الجمل : " والمعروف فى كلام العرب أن الهجوة عبارة عن النوم بالليل .

يقال : هجد فلان ، إذا نام بالليل .ثم لما رأينا فى عرف الشرع أنه يقال لمن انتبه بالليل من نومه وقام إلى الصلاة أنه متهجد ، وجب أن يقال : سمى ذلك متهجدا من حيث أنه ألقى الهجود .

فالتهجد ترك الهجود وهو النوم .

.

.

" .والضمير فى ( به ) يعود إلى القرآن الكريم ، المذكور فى قوله - تعالى - ( وقرآن الفجر ) ، إلا أنه ذكر فى الآية السابقة بمعنى الصلاة ، وذكر هنا بمعناه المشهور ، ففى الكلام ما يسمى فى البلاغة بالاستخدام .والنافلة : الزيادة على الفريضة ، والجمع نوافل .

يقال : تنفل فلان على أصحابه ، إذا أخذ زيادة عنهم .أى : واجعل - أيها الرسول الكريم - جانبًا من الليل ، تقوم فيه ، لتصلى صلاة زائدة على الصلوات الخمس التى فرضها الله - تعالى - عليك وعلى أمتك .قال - تعالى - : ( ياأيها المزمل قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً ) قالوا : وقيام الليل كان واجبًا فى حقه صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة ، زيادة على الصلاة المفروضة .أخرج البيهقي فى سننه عن عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث هن على فرائض ، وهن لكم سنة : الوتر ، والسلوك ، وقيام الليل " .ومن العلماء من يرى أن قيام الليل كان مندوبًا فى حقه صلى الله عليه وسلم كما هو الشأن فى أمته ، ومعنى ( نافلة لك ) أى : زيادة فى رفع درجاتك ، فإن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، أما غيرك فقد شرعنا له النافلة تكفيرًا لخطاياه .وقوله - عز وجل - : ( عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ) بيان لما يترتب على أدائه للصلوات بخشوع وخضوع ، من سمو فى المكانة ، ورفعة فى الدرجة .وكلمة عسى فى كلام العرب تفيد التوقع ، أما فى كلام الله - تعالى - فتفيد الوجوب والقطع .قال الجمل : " اتفق المفسرون على أن كلمة ( عسى ) من الله - تعالى - تدخل فيما هو قطعى الوقوع ، لأن لفظ عسى يفيد الإِطماع ، ومن أطمع إنسانا فى شئ ، ثم حرمه ، كان عارا عليه والله - تعالى - أكرم من أن يطمع أحدًا ثم لا يعطيه ما أطمعه فيه " .أى : داوم أيها الرسول الكريم على عبادة الله وطاعته لنبعثك يوم القيامة ونقيمك مقامًا محمودًا ، ومكانًا عاليًا ، يحمدك فيه الخلائق كلهم .والمراد بالمقام المحمود هنا ، هو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة .

ليريح الناس من الكرب الشديد ، فى موقف الحساب .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث فى هذا منها : ما أخرجه البخارى عن ابن عمر قال : إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا - جمع جثوة كخطوة وخطا - أى جماعات - كل أمة تتبع نبيها ، يقولون : يا فلان اشفع ، يا فلان اشفع ، حتى تنتهى الشفاعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فذلك يوم يبعثه الله مقاما محمودًا " .وروى الإِمام أحمد والترمذي عن أبى بن كعب عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان يوم القيامة ، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم .

وصاحب شفاعتهم غير فخر " ." وروى ابن جرير عن أبى هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله - تعالى - : ( عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ) فقال : " هو المقام الذى أشفع لأمتى فيه " " .وقال الآلوسى : والمراد بذلك المقام ، مقام الشفاعة العظمى فى فصل القضاء حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخارى وغيره عن ابن عمر قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن ، فبينما هم كذلك ، استغاثوا بآدم ، فيقول : لست بصاحب ذلك ، ثم موسى فيقول كذلك .

ثم محمد فيشفع فيقضى الله - تعالى - بين الخلق ، فيمشى صلى الله عليه وسلم حتى يأخذ بحلقة باب الجنة ، فيومئذ يبعثه الله - تعالى - مقامًا محمودًا ، يحمده أهل الجمع كلهم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في النظم وجوه: الأول: أنه تعالى لما قرر أمر الالهيات والمعاد والنبوات أردفها بذكر الأمر بالطاعات بعد الإيمان وأشرف الطاعات بعد الإيمان الصلاة فلهذا السبب أمر بها.

الثاني: أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض  ﴾ أمره تعالى بالإقبال على عبادته لكي ينصره عليهم فكأنه قيل له لا تبال بسعيهم في إخراجك من بلدتك ولا تلتفت إليهم واشتغل بعبادة الله تعالى وداوم على أداء الصلوات فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرهم عنك ويجعل يدك فوق أيديهم ودينك غالباً على أديانهم ونظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاء اليل فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ النهار لَعَلَّكَ ترضى  ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ  فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ  وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ  ﴾ والوجه الثالث: في تقرير النظم أن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء عزم صلى الله عليه وسلم على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد وما النصرة والدولة إلا بتأييده ونصرته فداوم على الصلوات وارجع إلى مقرك ومسكنك وإذا دخلته ورجعت إليه فقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي في هذا البلد سلطاناً نصيراً في تقرير دينك وإظهار شرعك، والله أعلم.

المسألة الثانية: اختلف أهل اللغة والمفسرون في معنى دلوك الشمس على قولين.

أحدهما: أن دلوكها غروبها وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة، فنقل الواحدي في البسيط عن علي عليه السلام أنه قال: دلوك الشمس غروبها.

وروى زر بن حبيش أن عبد الله بن مسعود قال: دلوك الشمس غروبها، وروى سعيد بن جبير هذا القول عن ابن عباس وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة من المتأخرين.

والقول الثاني: أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين واحتج القائلون بهذا القول على صحته بوجوه.

الحجة الأولى: روى الواحدي في البسيط عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا حين دلكت الشمس.

الحجة الثانية: روى صاحب الكشاف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر» الحجة الثالثة: قال أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة، وقيل لها إذا أفلت دالكة لأنها في الحالتين زائلة.

هكذا قاله الأزهري وقال القفال: أصل الدلوك الميل، يقال: مالت الشمس للزوال، ويقال: مالت للغروب، إذا عرفت هذا فنقول: وجب أن يكون المراد من الدلوك هاهنا الزوال عن كبد السماء وذلك لأنه تعالى علق إقامة الصلاة بالدلوك، والدلوك عبارة عن الميل والزوال، فوجب أن يقال إنه أول ما حصل الميل والزوال تعلق به هذا الحكم فلما حصل هذا المعنى حال ميلها من كبد السماء وجب أن يتعلق به وجوب الصلاة وذلك يدل على أن المراد من الدلوك في هذه الآية ميلها عن كبد السماء وهذه حجة قوية في هذا الباب استنبطتها بناء على ما اتفق عليه أهل اللغة: أن الدلوك عبارة عن الميل والزوال، والله أعلم.

الحجة الرابعة: قال الأزهري الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النهار، والمعنى ﴿ أَقِمِ الصلاة ﴾ أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل وعلى هذا التقدير فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم قال: ﴿ أَقِمِ الصلاة ﴾ فإذا حملنا الدلوك على الزوال دخلت الصلوات الخمس في هذه الآية، وإن حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات وهي المغرب والعشاء والفجر وحمل كلام الله تعالى على ما يكون أكثر فائدة أولى فوجب أن يكون المراد من الدلوك الزوال، واحتج الفراء على قوله الدلوك هو الغروب بقول الشاعر: هذا مقام قدمي رباح *** وقفت حتى دلكت براح وبراح اسم الشمس أي حتى غابت، واحتج ابن قتيبة بقول ذي الرمة: مصابيح ليست باللواتي يقودها *** نجوم ولا أفلاكهن الدوالك واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لأن عندنا الدلوك عبارة عن الميل والتغير وهذا المعنى حاصل في الغروب فكان الغروب نوعاً من أنواع الدلوك فكان وقوع لفظ الدلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزوال كما أن وقوع لفظ الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس ومنهم من احتج أيضاً على صحة هذا القول بأن الدلوك اشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها وهذا إنما يصح في الوقت الذي يمكن النظر إليها ومعلوم أنها عند كونها في وسط السماء لا يمكن النظر إليها، أما عند قربها من الغروب فيمكن النظر إليها (و) عندما ينظر الإنسان إليها في ذلك الوقت يدلك عينيه، فثبت أن لفظ الدلوك مختص بالغروب.

والجواب أن الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السماء أتم فهذا الذي ذكرته بأن يدل على أن الدلوك عبارة عن الزوال من وسط السماء أولى، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال الواحدي: اللام في قوله لدلوك الشمس لام الأجل والسبب وذلك لأن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس فيجب على المصلي إقامتها لأجل دلوك الشمس.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ إلى غسق الليل ﴾ غسق الليل سواده وظلمته قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً، والغسق: الاسم، بفتح السين.

وقال النضر بن شميل: غسق الليل دخول أوله، وأتيته حين غسق الليل، أي حين يختلط ويسد المناظر، وأصل هذا الحرف من السيلان يقال: غسقت العين تغسق.

وهو هملان العين بالماء، والغاسق السائل، ومن هذا يقال لما يسيل من أهل النار: الغساق، فمعنى غسق الليل أي انصب بظلامه، وذلك أن الظلمة كأنها تنصب على العالم، وأما قول المفسرين، قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما غسق الليل؟

قال أوله حين يدخل.

وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس ما الغسق: قال دخول الليل بظلمته، وقال الأزهري: غسق الليل عند غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة واشتدادها، يقال: غسقت العين إذا امتلأت دمعاً، وغسقت الجراحة إذا امتلأت دماً، قال لأنا لو حملنا الغسق على هذا المعنى دخلت الصلوات الأربع فيه وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولو حملنا الغسق على ظهور أول الظلمة لم يدخل فيه إلا الظهر والمغرب فوجب أن يكون الأول أولى، واعلم أنه يتفرع على هذين القولين بحث شريف فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات وقت الزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتاً للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر ولا يجوز فوجب أن يكون الجمع جائزاً بعذر السفر وعذر المطر وغيره، أما إن فسرنا الغسق بالظلمة المتراكمة فنقول الظلمة المتراكمة إنما تحصل عند غيبوبة الشفق الأبيض وكلمة إلى لانتهاء الغاية والحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية فوجب جواز إقامة الصلوات كلها قبل غيبوبة الشفق الأبيض وهذا إنما يصح إذا قلنا إنها تجب عند غيبوبة الشفق الأحمر، والله أعلم.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ وقرآن الفجر ﴾ أجمعوا على أن المراد منه صلاة الصبح وانتصابه بالعطف على الصلاة في قوله أقم الصلاة والتقدير أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر وفيه فوائد.

الأولى: أن هذه الآية تدل على أن الصلاة لا تتم إلا بالقراءة.

الفائدة الثانية: أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير أقم قرآن الفجر فوجب أن تتعلق القراءة بحصول الفجر وفي أول طلوع الصبح قد حصل الفجر لأن الفجر سمى فجراً لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح وظاهر الأمر للوجوب فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أول طلوعه إلا أنا أجمعنا على أن هذا الوجوب غير حاصل، فوجب أن يبقى الندب لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع من الترك فإذا منع مانع من تحقق الوجوب وجب أن يرتفع المنع من الترك وأن يبقى أصل الرجحان حتى تنقل مخالفة الدليل فثبت أن هذه الآية تقتضي أن إقامة الفجر في أول الوقت أفضل وهذا يدل على صحة مذهب الشافعي في أن التغليس أفضل من التنوير، والله أعلم.

الفائدة الثالثة: أن الفقهاء بينوا أن السنة أن تكون القراءة في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات فالمقصود من قوله: ﴿ وقرآن الفجر ﴾ الحث على أن تطويل القراءة في هذه الصلاة مطلوب لأن التخصيص بالذكر يدل على كونه أكمل من غيره.

الفائدة الرابعة: أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً.

قال الجمهور: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة وقبل أن تعرج ملائكة الليل فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك وتقول ملائكة النهار ربنا أتينا عبادك وهم يصلون فيقول الله تعالى للملائكة اشهدوا أني قد غفرت لهم.

وأقول هذا أيضاً دليل قوي في أن التغليس أفضل من التنوير لأن الإنسان إذا شرع فيها من أول الصبح ففي ذلك الوقت الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرين ثم إذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضرت ملائكة النهار فبهذا الطريق تحضر في هذه الصلاة ملائكة الليل وملائكة النهار أما إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك ما بقيت الظلمة فلم يبق في ذلك الوقت أحد من ملائكة الليل فلا يحصل المعنى المذكور فثبت أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ دليل قوي على أن التغليس أفضل وعندي في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ احتمال آخر وذلك لأنه كلما كانت الحوادث الحادثة أعظم وأكمل كان الاستدلال بها على كمال قدرة الله تعالى أكمل فالإنسان إذا شرع في أداء صلاة الصبح من أول هذا الوقت كانت الظلمة القوية باقية في العالم، فإذا امتدت القراءة في أثناء هذا الوقت ينقلب العالم من الظلمة إلى الضوء والظلمة مناسبة للموت والعدم، والضوء مناسب للحياة والوجود.

وعلى هذا التقدير فالإنسان لما قام من منامه فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة ومن العدم إلى الوجود ثم إنه مع ذلك يشاهد في أثناء صلاته انقلاب كلية هذا العالم من الظلمة إلى الضوء ومن الموت إلى الحياة ومن السكون إلى الحركة ومن العدم إلى الوجود.

وهذه الحالة حالة عجيبة تشهد العقول والأرواح بأنه لا يقدر على هذا التقليب والتحويل والتبديل إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقوة الغير المتناهية وحينئذ يستنير العقل بنور هذه المعرفة وينفتح على العقل والروح أبواب المكاشفات الروحانية الإلهية فتصير الصلاة التي هي عبارة عن أعمال الجوارح مشهوداً عليها بهذه المكاشفات الإلهية المقدسة ولذلك فكل من له ذوق سليم وطبع مستقيم إذا قام من منامه وأدى صلاة الصبح في أول الوقت واعتبر اختلاف أحوال العالم من الظلمة الحاصلة إلى النور ومن السكون إلى الحركة فإنه يجد في قلبه روحاً وراحة ومزيداً في نور المعرفة وقوة اليقين فهذا هو المراد من قوله: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ وظهر أن هذا الاعتبار لا يحصل إلا عند أداء صلاة الفجر على سبيل التغليس فهذا ما خطر بالبال والله أعلم بمراده.

وفي الآية احتمال ثالث وهو أن يكون المراد من قوله: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ الترغيب في أن تؤدي هذه الصلاة بالجماعة ويكون المعنى كونه مشهوداً بالجماعة الكثيرة ومزيد التحقيق فيه أنا بينا أن تأثير هذه الصلاة في تصفية القلب وفي تنويره أكثر من تأثير سائر الصلوات فإذا حضر جمع من المسلمين في المسجد لأداء هذه العبادة استنار قلب كل واحد منهم ثم بسبب ذلك الاجتماع كأنه ينعكس نور معرفة الله تعالى ونور طاعته في ذلك الوقت من قلب كل واحد إلى قلب الآخر فتصير أرواحهم كالمرايا المشرقة المتقابلة إذا وقعت عليها أنوار الشمس فإنه ينعكس النور من كل واحدة من تلك المرايا إلى الأخرى فكذا في هذه الصورة ولهذا السبب فإن كل من له ذوق سليم وأدى هذه الصلاة في هذا الوقت بالجماعة وجد من قلبه فسحة ونوراً وراحة.

الفائدة الخامسة: قوله: ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ يحتمل أن يكون السبب في كونه مشهوداً هو أن الإنسان لما نام طول الليل فصار كالغافل في هذه المدة عن مراقبة أحوال الدنيا فزالت صورة الحوادث الجسمانية عن لوح خياله وفكره وعقله وصارت هذه الألواح كألواح سطرت فيها نقوش فاسدة ثم غسلت وأزيلت تلك النقوش عنها، ففي أول وقت القيام من المنام صارت ألواح عقله وفكره وخياله مطهرة عن النقوش الفاسدة الباطلة.

فإذا تسارع الإنسان في ذلك الوقت إلى عبادة الله تعالى وقراءة الكلمات الدالة على تنزيهه والإقدام على الأفعال الدالة على تعظيم الله تعالى انتقش في لوح عقله وفكره وخياله هذه النقوش الطاهرة المقدسة، ثم إن حصول هذه النقوش يمنع من استحكام النقوش الفاسدة، وهي النقوش المتولدة من الميل إلى الدنيا وشهواتها فبهذا الطريق يترشح الميل إلى معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته ويضعف الميل إلى الدنيا وشهواتها.

إذا عرفت هذا فنقول هذه الحكمة إنما تحصل إذا شرع الإنسان في الصلاة من أول قيامه من النوم عند التغليس.

وذلك يدل على المقصود واعلم أن أكثر الخلق وقعوا في أمراض القلوب وهي حب الدنيا والحرص والحسد والتفاخر والتكاثر وهذه الدنيا مثل دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى والأنبياء كالأطباء الحاذقين والمريض ربما قد قوي مرضه فلا يعود إلى الصحة إلا بمعالجات قوية وربما كان المريض جاهلاً فلا ينقاد للطبيب ويخالفه في أكثر الأمر، إلا أن الطبيب إذا كان مشفقاً حاذقاً فإنه يسعى في إزالة ذلك المرض بكل طريق يقدر عليه فإن لم يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله وتخفيفه.

إذا عرفت هذا فنقول: مرض حب الدنيا مستولٍ على الخلق ولا علاج له إلا بالدعوة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق على النفوس، وقل من يقبله وينقاد له.

لا جرم (أن) الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا المرض وحمل الخلق على الشروع في الطاعة والعبودية من أول وقت القيام من النوم مما ينفع في إزالة هذا المرض من الوجه الذي قررناه فوجب أن يكون مشروعاً، والله أعلم بأسرار كلامه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما أمر بالصلوات الخمس على سبيل الرمز والإشارة أردفه بالحث على صلاة الليل وفيه مباحث: البحث الأول: التهجد عبارة عن صلاة الليل فقوله: ﴿ فتهجد به ﴾ أي بالقرآن كما قال: ﴿ قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ إلى قوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا  نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا  أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا  ﴾ .

البحث الثاني: قال الواحدي الهجود في اللغة النوم وهو معروف كثير في الشعر يقال: أهجدته وهجدته أي أنمته ومنه قول لبيد: هجدنا فقد طال السرى *** كأنه قال: نومنا فإن السرى قد طال علينا حتى غلبنا النوم وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة الهاجد النائم والهاجد المصلي بالليل وروى ثعلب عن ابن الأعرابي مثل هذا القول كأنه قال هجد الرجل إذا صلى من الليل وهجد إذا نام بالليل فعند هؤلاء هذا اللفظ من الأضداد وأما الأزهري فإنه توسط في تفسير هذا اللفظ وقال المعروف في كلام العرب أن الهاجد هو النائم ثم رأينا أن في الشرع يقال لمن قام من النوم إلى الصلاة إنه متهجد فوجب أن يحمل هذا على أنه سمي متهجداً لالقائه الهجود عن نفسه كما قيل للعابد متحنث لإلقائه الحنث عن نفسه وهو الإثم.

ويقال فلان رجل متحرج ومتأثم ومتحوب أي يلقي الحرج والإثم والحوب عن نفسه.

وأقول فيه احتمال آخر وهو أن الإنسان إنما يترك لذة النوم ويتحمل مشقة القيام إلى الصلاة ليطيب رقاده وهجوده عند الموت فلما كان غرضه من ترك هذا الهجود أن يصل إلى الهجود اللذيذ عند الموت كان هذا القيام طلباً لذلك الهجود فسمي تهجداً لهذا السبب.

وفيه وجه ثالث: وهو ما روي أن الحجاج بن عمرو المازني قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد إنما التهجد الصلاة بعد الرقاد ثم صلاة أخرى بعد رقدة ثم صلاة أخرى بعد رقدة هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذا عرفت هذا فنقول كلما صلى الإنسان طلب هجوداً ورقاداً فلا يبعد أنه سمي تهجداً لهذا السبب.

البحث الثالث: قوله: ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ وَمِنَ اليل ﴾ لابد له من متعلق والفاء في قوله: ﴿ فَتَهَجَّدْ ﴾ لابد له من معطوف عليه والتقدير قم من الليل أي في بعض الليل فتهجد به وقوله: ﴿ بِهِ ﴾ أي بالقرآن والمراد منه الصلاة المشتملة على القرآن.

البحث الرابع: معنى النافلة في اللغة ما كان زيادة على الأصل ذكرناه في قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال  ﴾ ومعناها أيضاً في هذه الآية الزيادة وفي تفسير كونها زيادة قولان مبنيان على أن صلاة الليل هل كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا فمن الناس من قال إنها كانت واجبة عليه ثم نسخت فصارت نافلة، أي تطوعاً وزيادة على الفرائض، وذكر مجاهد والسدي في تفسير كونها (نافلة) وجهاً حسناً قالا إنه تعالى غفر للنبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة فإنه لا يكون تأثيرها في كفارة الذنوب ألبتة بل يكون تأثيرها في زيادة الدرجات وكثرة الثواب وكان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب فلهذا سميت نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوباً محتاجة إلى الكفارات فهذه الطاعة محتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات فثبت أن هذه الطاعات إنما تكون زوائد ونوافل في حق النبي صلى الله عليه وسلم لا في حق غيره فلهذا السبب قال: ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ يعني أنها زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك وتقريره ما ذكرناه.

وأما الذين قالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا معنى كونها نافلة له على التخصيص أنها فريضة عليك زائدة على الصلوات الخمس خصصت بها من بين أمتك ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله فتهجد أمر وصيغة الأمر للوجوب فوجب كون هذا التهجد واجباً فلو حملنا قوله نافلة لك على عدم الوجوب لزم التعارض وهو خلاف الأصل فوجب أن يكون معنى كونها نافلة له ما ذكرناه من كون وجوبها زائداً على وجوب الصلوات الخمس، والله أعلم.

البحث الخامس: قوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل وَقُرْءانَ الفجر ﴾ وإن كان ظاهر الأمر فيه مختصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه في المعنى عام في حق الأمة والدليل عليه أنه قال ومن الليل فتهجد به نافلة لك فبين أن الأمر بالتهجد مخصوص بالرسول وهذا يدل على أن الأمر بالصلاة الخمس غير مخصوص بالرسول عليه السلام وإلا لم يكن لتقييد الأمر بالتهجد بهذا القيد فائدة أصلاً، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ اتفق المفسرون على أن كلمة عسى من الله واجب قال أهل المعاني لأن لفظة عسى تفيد الأطماع ومن أطمع إنساناً في شيء ثم حرمه كان عاراً والله تعالى أكرم من أن يطمع أحداً في شيء ثم لا يعطيه ذلك.

وقوله: ﴿ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: في انتصاب قوله محموداً وجهان.

الأول: أن يكون انتصابه على الحال من قوله يبعثك أي يبعثك محموداً.

والثاني: أن يكون نعتاً للمقام وهو ظاهر.

البحث الثاني: في تفسير المقام المحمود أقوال: الأول: أنه الشفاعة قال الواحدي أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي وأقول اللفظ مشعر به وذلك لأن الإنسان إنما يصير محموداً إذا حمده حامد والحمد إنما يكون على الانعام فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاماً أنعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليم الشرع لأن ذلك كان حاصلاً في الحال وقوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ تطميع وتطميع الإنسان في الشيء الذي وعده في الحال محال فوجب أن يكون ذلك الانعام الذي لأجله يصير محموداً إنعاماً سيصل منه حصل له بعد ذلك إلى الناس وما ذاك إلا شفاعته عند الله فدل هذا على أن لفظ الآية وهو قوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ يدل على هذا المعنى وأيضاً التنكير في قوله مقاماً محموداً يدل على أنه يحصل للنبي عليه السلام في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل ومن المعلم أن حمد الإنسان على سعيه في التخليص عن العقاب أعظم من حمده في السعي في زيادة من الثواب لا حاجة به إليها لأن احتياج الإنسان إلى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به إلى تحصيلها وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ هو الشفاعة في إسقاط العقاب على ما هو مذهب أهل السنة ولما ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعاراً قوياً ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى وجب حل اللفظ عليه ومما يؤكد هذا الوجه الدعاء المشهور وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون واتفق الناس على أن المراد منه الشفاعة.

والقول الثاني: قال حذيفة، يجمع الناس في صعيد فلا تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «لبيك وسعديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجاً منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت» فهذا هو المراد من قوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ وأقول القول الأول أولى لأن سعيه في الشفاعة يفيده إقدام الناس على حمده فيصير محموداً وأما ذكر هذا الدعاء فلا يفيد إلا الثواب أما الحمد فلا فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى يحمده على هذا القول قلنا لأن الحمد في اللغة مختص بالثناء المذكور في مقابلة الأنعام فقط فإن ورد لفظ الحمد في غير هذا المعنى فعلى سبيل المجاز.

القول الثالث: المراد مقام تحمد عاقبته وهذا أيضاً ضعيف للوجه الذي ذكرناه في القول الثاني.

القول الرابع: قال الواحدي روى عن ابن مسعود أنه قال: يقعد الله محمداً على العرش وعن مجاهد أنه قال يجلسه معه على العرش، ثم قال الواحدي وهذا قول رذل موحش فظيع ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه: الأول: أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث ويقال بعث الله الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد.

والثاني: أنه تعالى قال مقاماً محموداً ولم يقل مقعداً والمقام موضع القيام لا موضع القعود.

والثالث: لو كان تعالى جالساً على العرش بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة والسلام لكان محدوداً متناهياً ومن كان كذلك فهو محدث.

والرابع: يقال إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بها مزيد شرف ورتبة.

والخامس: أنه إذا قيل السلطان بعث فلاناً فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين، والله أعلم ثم قال تعالى: ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أنا ذكرنا في تفسير قوله: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض  ﴾ قولين: أحدهما: المراد منه سعي كفار مكة في إخراجه منها.

والثاني: المراد منه أن اليهود قالوا له الأولى لك أن تخرج من المدينة إلى الشام ثم إنه تعالى قال له: أقم الصلاة واشتغل بعبادة الله تعالى ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهال فإنه تعالى ناصرك ومعينك ثم عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة فإن فسرنا تلك الآية أن المراد منها أن كفار مكة أرادوا إخراجه من مكة كان معنى هذه الآية أنه تعالى أمره بالهجرة إلى المدينة وقال له: ﴿ رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ وهو المدينة ﴿ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ وهو مكة.

وهذا قول الحسن وقتادة وإن فسرنا تلك الآية بأن المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذهاب إلى الشام فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثم أمره الله بأن يرجع إليها كان المراد أنه عليه الصلاة والسلام عند العود إلى المدينة قال: ﴿ رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ وهو المدينة ﴿ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ يعني أخرجني منها إلى مكة مخرج صدق أي افتحها لي.

والقول الثاني: في تفسير هذه الآية وهو أكمل مما سبق أن المراد ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى ﴾ في الصلاة ﴿ وَأَخْرِجْنِى ﴾ منها مع الصدق والإخلاص وحضور ذكرك والقيام بلوازم شكرك.

والقول الثالث: وهو أكمل مما سبق أن المراد: ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى ﴾ - في القيام بمهمات أداء دينك وشريعتك- ﴿ وَأَخْرِجْنِى ﴾ منها بعد الفراغ منها إخراجاً لا يبقى علي منها تبعة ربقية.

والقول الرابع: وهو أعلى مما سبق: ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى ﴾ في بحار دلائل توحيدك وتنزيهك وقدسك ثم أخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول ومن التأمل في آثار حدوث المحدثات إلى الاستغراق في معرفة الأحد الفرد المنزه عن التكثيرات والتغيرات.

والقول الخامس: أدخلني في كل ما تدخلني فيه مع الصدق في عبوديتك والاستغراق بمعرفتك وأخرجني عن كل ما تخرجني عنه مع الصدق في العبودية والمعرفة والمحبة والمقصود منه أن يكون صدق العبودية حاصلاً في كل دخول وخروج وحركة وسكون.

والقول السادس: أدخلني القبر مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق.

البحث الثاني: مدخل بضم الميم مصدر كالإدخال يقال أدخلته مدخلاً كما قال: ﴿ وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً  ﴾ ومعنى إضافة المدخل والمخرج إلى الصدق مدحهما كأنه سأل الله تعالى إدخالاً حسناً وإخراجاً حسناً لا يرى فيهما ما يكره ثم قال تعالى: ﴿ واجعل لّى مِن لَّدُنْكَ سلطانا نَّصِيرًا ﴾ أي حجة بينة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني.

وبالجملة فقد سأل الله تعالى أن يرزقه التقوية على من خالفه بالحجة وبالقهر والقدرة، وقد أجاب الله تعالى دعاءه وأعلمه بأنه يعصمه من الناس فقال: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  ﴾ وقال: ﴿ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون  ﴾ وقال: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ  ﴾ ولما سأل الله النصرة بين الله له أنه أجاب دعاءه فقال: ﴿ وَقُلْ جَاء الحق ﴾ وهو دينه وشرعه ﴿ وَزَهَقَ الباطل ﴾ وهو كل ما سواه من الأديان والشرائع، وزهق بطل واضمحل، وأصله من زهقت نفسه تزهق أي هلكت، وعن ابن مسعود: أنه دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود في يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل فجعل الصنم ينكب على وجهه.

وقوله: ﴿ إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا ﴾ يعني أن الباطل وإن اتفقت له دولة وصولة إلا أنها الا تبقى بل تزول على أسرع الوجوه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

دلكت الشمس: غربت.

وقيل: زالت.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس.

فصلى بي الظهر» واشتقاقه من الدلك، لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها، فإن كان الدلوك الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس، وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر.

والغسق: الظلمة، وهو وقت صلاة العشاء ﴿ وَقُرْءَانَ الفجر ﴾ صلاة الفجر، سميت قرآناً وهو القراءة، لأنها ركن، كما سميت ركوعاً وسجوداً وقنوتاً.

وهي حجة على ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن ﴿ مَشْهُودًا ﴾ يشهده ملائكة الليل والنهار، ينزل هؤلاء، ويصعد هؤلاء؛ فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، أو يشهده الكثير من المصلين في العادة.

أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة.

ويجوز أن يكون ﴿ وَقُرْءَانَ الفجر ﴾ حثاً على طول القراءة في صلاة الفجر، لكونها مكثوراً عليها، ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب؛ ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة ﴿ وَمِنَ اليل ﴾ وعليك بعض الليل ﴿ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ والتهجد ترك الهجود للصلاة، ونحو التأثم والتحرّج.

ويقال أيضاً في النوم: تهجد ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس، وضع نافلة موضع تهجداً؛ لأن التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد.

والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة فريضة عليك خاصة دون غيرك، لأنه تطوع لهم ﴿ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ نصب على الظرف، أي: عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً.

أو ضمن يبعثك معنى يقيمك.

ويجوز أن يكون حالا بمعنى أن يبعثك ذا مقام محمود.

ومعنى المقام المحمود: المقام الذي يحمده القائم فيه، وكل من رآه وعرفه وهو مطلق في كل ما يجب الحمد من أنواع الكرامات، وقيل: المراد الشفاعة، وهي نوع واحد مما يتناوله.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق: تسأل فتعطى، وتشفع فتشفع، ليس أحد إلا تحت لوائك.

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمّتي» وعن حذيفة: يجمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلم نفس، فأوّل مدعوّ محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «لبيك وسعديك والشرّ ليس إليك، والمهديّ من هديت، وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت» قال: فهذا قوله ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ وبَعْضَ اللَّيْلِ فاتْرُكِ الهُجُودَ لِلصَّلاةِ والضَّمِيرُ لِلْـ ﴿ قُرْآنَ ﴾ .

﴿ نافِلَةً لَكَ ﴾ فَرِيضَةً زائِدَةً لَكَ عَلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ، أوْ فَضِيلَةً لَكَ لِاخْتِصاصِ وُجُوبِهِ بِكَ.

﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ مَقامًا يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ وكُلُّ مَن عَرَفَهُ، وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ مَقامٍ يَتَضَمَّنُ كَرامَةً والمَشْهُورُ أنَّهُ مَقامُ الشَّفاعَةِ.

لِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «هُوَ المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» ولِإشْعارِهِ بِأنَّ النّاسَ يَحْمَدُونَهُ لِقِيامِهِ فِيهِ وما ذاكَ إلّا مَقامُ الشَّفاعَةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أيْ فَيُقِيمُكَ مَقامًا أوْ بِتَضْمِينِ ﴿ يَبْعَثَكَ ﴾ مَعْناهُ، أوِ الحالُ بِمَعْنى أنْ يَبْعَثَكَ ذا مَقامٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)

{ومن الليل} وعليك بعض الليل {فَتَهَجَّدْ} والتهجد ترك الهجود للصلاة ويقال في النوم أيضاً تهجد {بِهِ} بالقرآن {نَافِلَةً لَّكَ} عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس وضع نافلة موضع تهجداً لأن التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة غنيمة لك أو فريضة عليك خاصة دون غيرك لأنه تطوع لهم {عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} نصب على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً أو ضمن يبعثك معنى يقيمك وهو مقام الشفاعة عند الجمهور ويدل عليه الأخبار أو هو مقام يعطى فيه لواء الحمد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِنَ اللَّيْلِ ﴾ قِيلَ: أيْ وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ مِن بابِ الإغْراءِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ وأبِي البَقاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المُغْرى بِهِ لا يَكُونُ حَرْفًا، ولا يُجْدِي نَفْعًا كَوْنُ مَن لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَجْعَلُها اسْمًا، ألا تَرى إجْماعَ النُّحاةِ عَلى أنَّ واوَ مَعَ حَرْفٌ وإنْ قُدِّرَتْ بِمَعَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِذَلِكَ قائِلًا بِاسْمِيَّةِ «مِن» في مِثْلِ ذَلِكَ كَما قالُوا بِاسْمِيَّةِ الكافِ في نَحْوِ: ﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ وعَنْ في نَحْوِ «مِن عَنْ يَمِينِي تارَةً وشِمالِي» وعَلى نَحْوِ مِن عَلَيْهِ، وكَذا القائِلُ بِأنَّ ذَلِكَ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُقَدَّرٍ؛ أيْ: وقُمْ بَعْضَ اللَّيْلِ، واخْتارَ الحُوفِيُّ أنَّ «مِن» مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ أيْ: واسْهَرْ مِنَ اللَّيْلِ فالفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ إمّا عاطِفَةٌ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ أوْ مُفَسِّرَةٌ بِناءً عَلى أنَّهُ مِن أُسْلُوبِ: ﴿ وإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ وفي الكَشْفِ أنَّ الإغْراءَ هو الظّاهِرُ هاهُنا بِخِلافِهِ فِيما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ النَّصْبَ عَلى التَّفْسِيرِ والصِّلاتِ مُخْتَلِفَةٌ لا يَتَّضِحُ كُلَّ الِاتِّضاحِ، ومَعْنى الإغْراءِ مِنَ السّابِقِ واللّاحِقِ تَتَعاضَدُ الأدِلَّةُ عَلَيْهِ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والتَّهَجُّدُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ اللَّيْثِ الِاسْتِيقاظُ مِنَ النَّوْمِ لِلصَّلاةِ ويُطْلَقُ عَلى نَفْسِ الصَّلاةِ بَعْدَ القِيامِ مِنَ النَّوْمِ لَيْلًا يُقالُ: تَهَجَّدَ أيْ صَلّى في اللَّيْلِ بَعْدَ الِاسْتِيقاظِ وكَذا هَجَدَ وهَذا يَقْتَضِي سابِقِيَّةَ النَّوْمِ في تَحَقُّقِ التَّهَجُّدِ فَلَوْ لَمْ يَنَمْ وصَلّى ما شاءَ لا يُقالُ لَهُ تَهَجَّدَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ والأسْوَدِ وعَلْقَمَةَ وغَيْرِهِمْ، وقالَ المُبَرِّدُ: هو السَّهَرُ لِلصَّلاةِ أوْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: السَّهَرُ لِلطّاعَةِ وظاهِرُهُ عَدَمُ اشْتِراطِ سابِقِيَّةِ النَّوْمِ في تَحَقُّقِهِ، والمَشْهُورُ أنَّ ذَلِكَ يُسَمّى قِيامًا وما بَعْدَ النَّوْمِ يُسَمّى تَهَجُّدًا، وأغْرَبَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو المازِنِيُّ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أيَحْسَبُ أحَدُكم إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلّى حَتّى يُصْبِحَ أنَّهُ قَدْ تَهَجَّدَ؛ إنَّما التَّهَجُّدُ الصَّلاةُ بَعْدَ الرُّقادِ، ثُمَّ صَلاةٌ أُخْرى بَعْدَ رَقْدَةٍ، ثُمَّ صَلاةٌ أُخْرى بَعْدَ رَقْدَةٍ، هَكَذا كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ  وأنا أقُولُ: إنَّ تَخَلُّلَ النَّوْمِ بَيْنَ الصَّلَواتِ جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن رِوايَةِ حُصَيْنٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ، وهي مِمّا اسْتَدْرَكَها اَلدّارَقُطْنِيُّ عَلى مُسْلِمٍ لِاضْطِرابِها؛ فَقَدْ قالَ: ورُوِيَ عَنْهُ عَلى سَبْعَةِ أوْجُهٍ وخالَفَ فِيهِ الجُمْهُورُ؛ يَعْنِي الخَبَرَ الَّذِي فِيهِ تَخَلُّلُ النَّوْمِ، والكَثِيرُ مِنَ الرِّواياتِ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فَلْيُحْفَظْ.

واشْتُرِطَ أنْ لا تَكُونَ الصَّلاةُ إحْدى الخَمْسِ فَلَوْ نامَ عَنِ العِشاءِ ثُمَّ قامَ فَصَلّاها لا يُسَمّى مُتَهَجِّدًا ولا ضَرَرَ في كَوْنِها واجِبَةً كَأنْ نامَ عَنِ الوَتَرِ ثُمَّ قامَ إلَيْها، وفي القامُوسِ: الهُجُودُ النَّوْمُ كالتَّهَجُّدِ، وتَهَجَّدَ اسْتَيْقَظَ كَهَجَدَ ضِدٌّ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هَجَدَ الرَّجُلُ صَلّى مِنَ اللَّيْلِ وهَجَدَ نامَ بِاللَّيْلِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهاجِدُ النّائِمُ والمُصَلِّي، وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّهُ يُقالُ: هَجَدْتُهُ إذا أنَمْتُهُ، وعَلَيْهِ قَوْلُ لَبِيَدٍ: قُلْتُ: هَجَدْنا فَقالَ طالَ السُّرى ونُقِلَ عَنِ ابْنِ بَرْزَخٍ أنَّهُ يُقالُ: هَجَدْتُهُ إذا أيْقَظْتَهُ، ومَصْدَرُ هَذا التَّهْجِيدُ، وصَرَّحَ في القامُوسِ بِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ أيْضًا.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَعْرُوفَ في كَلامِ العَرَبِ كَوْنُ الهُجُودِ بِمَعْنى النَّوْمِ، وفُسِّرَ التَّهَجُّدُ بِتَرْكِ الهُجُودِ؛ أيِ النَّوْمِ عَلى أنَّ التَّفَعُّلَ لِلسَّلْبِ كالتَّأثُّمِ والتَّحَنُّثِ وهو مَأْخَذُ مَن فَسَّرَهُ بِالِاسْتِيقاظِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّفَعُّلَ لِلتَّكَلُّفِ أيْ تَكَلُّفِ الهُجُودِ بِمَعْنى اليَقَظَةِ، ورُجِّحَ هَذا بِأنَّ مَجِيءَ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ أكْثَرُ مِن مَجِيئِهِ لِلسَّلْبِ.

وعُورِضَ بِأنَّ اسْتِعْمالَ الهُجُودِ في اليَقَظَةِ مُخْتَلِفٌ في ثُبُوتِهِ وإنْ ثَبَتَ فَهو أقَلُّ مِنَ اسْتِعْمالِهِ في النَّوْمِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ في «بِهِ» لِلْقُرْآنِ مِن حَيْثُ هو لا بِقَيْدِ إضافَتِهِ إلى الفَجْرِ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَطْوِيلِ القِراءَةِ في صَلاةِ التَّهَجُّدِ، وقَدْ صَرَّحَ العُلَماءُ بِنَدْبِ ذَلِكَ.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: ««صَلَّيْتُ وراءَ النَّبِيِّ  ذاتَ لَيْلَةٍ فافْتَتَحَ البَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المِائَةِ، ثُمَّ مَضى فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِها في رَكْعَةٍ فَمَضى فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِها ثُمَّ افْتَتَحَ النِّساءَ فَقَرَأها، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرانَ فَقَرَأها، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إذا مَرَّ بِآيَةِ تَسْبِيحٍ سَبَّحَ»».

الخَبَرَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْبَعْضِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنَ اللَّيْلِ ﴾ والباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ؛ أيْ: فَتَهَجَّدْ في ذَلِكَ البَعْضِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عائِدٌ عَلى الوَقْتِ المُقَدَّرِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ أيْ: قُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ فِيهِ ﴿ نافِلَةً لَكَ ﴾ فَرِيضَةً زائِدَةً عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ المَفْرُوضَةِ خاصَّةً بِكَ دُونَ الأُمَّةِ، ولَعَلَّهُ الوَجْهُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِها عَنْ ذِكْرِ صَلاةِ الفَجْرِ مَعَ تَقَدُّمِ وقْتَها عَلى وقْتِها، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ ما أمَرَ بِهِ  فَأُمَّتُهُ مَأْمُورُونَ بِهِ أيْضًا إلّا أنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِصاصِ كَما هُنا، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ؛ يَعْنِي خاصَّةً لِلنَّبِيِّ  : أُمِرَ بِقِيامِ اللَّيْلِ وكُتِبَ عَلَيْهِ لَكِنْ صَحَّحَ النُّونَ أنَّهُ نُسِخَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَرْضِيَّةُ التَّهَجُّدِ، ونَقَلَهُ أبُو حامِدٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ وقالُوا: إنَّهُ الصَّحِيحُ.

وقِيلَ: الخِطابُ في «لَكِ» لَهُ  ، والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ عَلى حَدِّ الخِطابِ في ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ ﴾ فِيما سَبَقَ؛ أيْ: فَرِيضَةً زائِدَةً عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ لِنَفْعِكُمْ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى فَرْضِيَّةِ التَّهَجُّدِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلى أُمَّتِهِ، لَكِنْ نُسِخَ ذَلِكَ في حَقِّ الأُمَّةِ وبَقِيَ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: نُسِخَ قِيامُ اللَّيْلِ إلّا عَنِ النَّبِيِّ  ، أوْ ونُسِخَ في حَقِّهِ  أيْضًا بِناءً عَلى الصَّحِيحِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنّافِلَةِ الفَضِيلَةُ؛ إمّا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فُضِّلَ عَلى أُمَّتِهِ بِوُجُوبِها وإنْ نُسِخَ بَعْدُ، أوْ لِأنَّها فَضِيلَةٌ لَهُ  وزِيادَةٌ في دَرَجاتِهِ ولَيْسَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مُكَفِّرَةً لِلذُّنُوبِ «وسادَّةً» لِلْخَلَلِ الواقِعِ في الفَرائِضِ كَما أنَّها وسائِرَ النَّوافِلِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وفَرائِضُهُ وسائِرُ تَعَبُّداتِهِ واقِعَةٌ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ.

وقَدْ أخْرَجَ هَذا الأخِيرَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ، واسْتَحْسَنَهُ الإمامُ، وضَعَّفَهُ الطَّبَرِيُّ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ عُمُومَ الخِطابِ كَما سَمِعْتَ آنِفًا إلّا أنَّهُ حَمَلَ «نافِلَةً» عَلى «تَطَوُّعًا» ولَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا، ورُبَّما يَخْتَلِجُ في بَعْضِ الأذْهانِ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ عَنْ أبِي البَقاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مَن رُسُلِنا ﴾ مِن أنَّهُ بِتَقْدِيرِ: اتَّبِعْ سُنَّةَ؛ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ ﴾ إلَخْ بَيانًا لِلِاتِّباعِ المَأْمُورِ بِهِ، وهو مُتَضَمِّنٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ، وقَدْ كانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُصَلُّونَها عَلى ما يَدُلُّ قَوْلُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في خَبَرِ تَعْلِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَيْفِيَّةَ الصَّلاةِ بَعْدَ صِلاتِهِ الخَمْسَ: هَذا وقْتُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا يُصَلُّونَها، غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّها لَمْ تَجْتَمِعْ لِغَيْرِ نَبِيِّنا  وهو الصَّحِيحُ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ أنَّهُ وقْتُهم عَلى الإجْمالِ وإنِ اخْتُصَّ مَنِ اخْتُصَّ مِنهم بِوَقْتٍ، حَيْثُ ورَدَ أنَّ الصُّبْحَ لِآدَمَ، والظُّهْرَ لِداوُدَ، وفي رِوايَةٍ لِإبْراهِيمَ، والعَصْرَ لِسُلَيْمانَ، وفي رِوايَةٍ لِيُونُسَ، والمَغْرِبَ لِيَعْقُوبَ، وفي رِوايَةٍ لِعِيسى، والعِشاءَ لِيُونُسَ، وفي رِوايَةٍ لِمُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ بَلْ هو أنْسَبُ بِالأمْرِ بِاتِّباعِ سُنَّةِ جَمِيعِهِمْ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الإمامُ عَلى أنَّهُ  أفْضَلُ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ مِن جِهَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِالِاقْتِداءِ بِهَدْيِ جَمِيعِهِمْ وامْتَثَلَ ذَلِكَ فَكانَ عِنْدَهُ مِنَ الهُدى ما عِنْدَ الجَمِيعِ فَيَكُونُ أفْضَلَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: مَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ نافِلَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ زائِدٌ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ خاصٌّ بِهِ  دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المَأْمُورِ بِاتِّباعِ سُنَّتِهِمْ، وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ويُعَوَّلَ عَلَيْهِ بَلِ اللّائِقُ بِهِ أنْ يُجْعَلَ مِن قَبِيلِ حَدِيثِ النَّفْسِ وتَخَيُّلِها بَحْرًا مِن مِسْكِ مَوْجِهِ الذَّهَبُ؛ فَإنَّ فَسادَهُ تَأْصِيلًا وتَفْرِيعًا مِمّا لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ وأقَلُّ اطِّلاعٍ، واللَّهُ تَعالى العاصِمُ مِنَ الزَّلَلِ والحافِظُ مِنَ الخَطَأِ والخَطَلِ، وانْتِصابُ ( نافِلَةً ) إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِتَقْدِيرِ تَنَفَّلْ، وقَدَّرَ الحُوفِيُّ نَفَّلْناكَ أوْ بِجَعْلِ تَهَجَّدْ بِمَعْنى تَنَفَّلْ أوْ بِجَعْلِ «نافِلَةً» بِمَعْنى تَهَجُّدًا، فَإنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ زائِدَةٌ، وإمّا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى القُرْآنِ أيْ حالَ كَوْنِهِ صَلاةَ نافِلَةٍ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وإمّا عَلى المَفْعُولِ لِتَهَجَّدْ كَما جَوَّزَهُ الحُوفِيُّ إذا كانَ بِمَعْنى صَلِّ، وجَعْلُ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِلْبَعْضِ المَفْهُومِ، أوْ لِلْوَقْتِ المُقَدَّرِ؛ أيْ: فَصَلِّ فِيهِ نافِلَةً لَكَ.

﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ ﴾ الَّذِي يُبَلِّغُكَ إلى كَمالِكَ اللّائِقِ بِكَ مِن بَعْدِ المَوْتِ الأكْبَرِ لَمّا انْبَعَثْتَ مِنَ المَوْتِ الأصْغَرِ بِالصَّلاةِ والعِبادَةِ، فالمَعْنى عَلى التَّعْلِيلِ والتَّهْوِينِ لِمَشَقَّةِ قِيامِ اللَّيْلِ حَتّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ: أنَّ عَسى بِمَعْنى كَيْ، وهو وهْمٌ؛ بَلْ هي كَما قالَ أهْلُ المَعانِي لِلْإطْماعِ، ولَمّا كانَ إطْماعُ الكَرِيمِ إنْسانًا بِشَيْءٍ ثُمَّ حِرْمانُهُ مِنهُ غُرُورًا واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أجَلُّ وأكْرَمُ مِن أنْ يَغُرَّ أحَدًا فَيُطْمِعُهُ في شَيْءٍ ثُمَّ لا يُعْطِيهِ قالُوا: هي لِلْوُجُوبِ مِنهُ تَعالى مَجْدُهُ عَلى مَعْنى أنَّ المَطْمَعَ بِهِ يَكُونُ ولا بُدَّ لِلْوَعْدِ، وقِيلَ: هي عَلى بابِها لِلتَّرَجِّي لَكِنْ يُصْرَفُ إلى المُخاطَبِ أيْ: لِتَكُنْ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ ﴿ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ وهي تامَّةٌ و ﴿ أنْ يَبْعَثَكَ ﴾ فاعِلُها، و( رَبُّكَ ) فاعِلُهُ و ﴿ مَقامًا ﴾ كَما قالَ جَمْعٌ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلِ الإقامَةِ أوْ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ المَذْكُورِ ذَلِكَ، أيْ: عَسى أنْ يَبْعَثَكَ فَيُقِيمَكَ مَقامًا أيْ في مَقامٍ، أوْ يُقِيمَكَ في مَقامٍ مَحْمُودٍ باعِثًا إذْ لا يَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ في مِثْلِ هَذا الظَّرْفِ إلّا فِعْلٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ، واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ كَوْنَهُ مَعْمُولًا لِيَبْعَثَكَ، وهو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ لِأنَّ نَبْعَثُ بِمَعْنى نُقِيمُ؛ تَقُولُ: أُقِيمَ مِن قَبْرِهِ، وبُعِثَ مِن قَبْرِهِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ كَوْنَهُ حالًا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: نَبْعَثُكَ ذا مَقامٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِيَبْعَثَكَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى نُعْطِيكَ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ عَسى ناقِصَةً و«رَبُّكَ» الفاعِلُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَنْتَصِبَ ﴿ مَقامًا ﴾ بِمَحْذُوفٍ لا يَبْعَثُ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ، وتَنْكِيرُ «مَقامًا» لِلتَّعْظِيمِ، والمُرادُ بِذَلِكَ المَقامِ مَقامُ الشَّفاعَةِ العُظْمى في فَصْلِ القَضاءِ حَيْثُ لا أحَدَ إلّا وهو تَحْتَ لِوائِهِ  .

فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: إنَّ الشَّمْسَ لَتَدْنُو حَتّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ اسْتَغاثُوا بِآدَمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصاحِبِ ذَلِكَ، ثُمَّ مُوسى فَيَقُولُ كَذَلِكَ، ثُمَّ مُحَمَّدٍ فَيَشْفَعُ فَيَقْضِي اللَّهُ تَعالى بَيْنَ الخَلْقِ فَيَمْشِي حَتّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ بابِ الجَنَّةِ فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ تَعالى مَقامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ»».

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ ولا فَخْرَ، وبِيَدِي لِواءُ الحَمْدِ ولا فَخْرَ، وما مِن نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَن سِواهُ إلّا تَحْتَ لِوائِي وأنا أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ ولا فَخْرَ فَيَفْزَعُ النّاسُ ثَلاثَ فَزَعاتٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أنْتَ أبُونا فاشْفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: إنِّي أذْنَبْتُ ذَنْبًا أُهْبِطْتُ مِنهُ إلى الأرْضِ، ولَكِنِ ائْتُوا نُوحًا فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: إنِّي دَعَوْتُ عَلى أهْلِ الأرْضِ دَعْوَةً فَأُهْلِكُوا ولَكِنِ اذْهَبُوا إلى إبْراهِيمَ، فَيَأْتُونَ إبْراهِيمَ فَيَقُولُ: ائْتُوا مُوسى فَيَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا ولَكِنِ ائْتُوا عِيسى، فَيَقُولُ: إنِّي عُبِدْتُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا فَيَأْتُونِي فَأنْطَلِقُ مَعَهم فَآخُذُ بِحَلْقَةِ بابِ الجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُها فَيُقالُ: مَن هَذا؟

فَأقُولُ: مُحَمَّدٌ فَيَفْتَحُونَ لِي ويَقُولُونَ: مَرْحَبًا، فَأخِرُّ ساجِدًا فَيُلْهِمُنِي اللَّهُ تَعالى مِنَ الثَّناءِ والحَمْدِ والمَجْدِ فَيُقالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وقُلْ يُسْمَعْ لِقَوْلِكَ فَهو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ ».

وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْجُدُ أرْبَعَ سَجَداتٍ؛ أيْ كَسُجُودِ الصَّلاةِ كَما هو الظّاهِرُ تَحْتَ العَرْشِ فَيُجابُ لِما فَزِعُوا إلَيْهِ، وذَكَرَ الغَزالِيُّ في الدُّرَّةِ الفاخِرَةِ أنَّ بَيْنَ إتْيانِهِمْ نَبِيًّا وإتْيانِهِمْ ما بَعْدَهُ ألْفَ سَنَةٍ ولا أصْلَ لَهُ كَما قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، وقِيلَ: هو مَقامُ الشَّفاعَةِ لِأُمَّتِهِ  لِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَقامِ المَحْمُودِ في الآيَةِ فَقالَ: «هُوَ المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي»».

وأجابَ مَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المَقامَ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ أوَّلًا لِأُمَّتِي.

فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ في الشَّفاعَةِ فِيهِ: فَزِعَ النّاسُ إلى آدَمَ ونُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ واعْتِذارُ كُلٍّ مِنهم ما عَدا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَنْبٍ أنَّهُ  قالَ: ««فَيَأْتُونِي - يَعْنِي النّاسَ - بَعْدَ مَن عَلِمْتُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ، أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وخاتَمُ الأنْبِياءِ، وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ، اشْفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فَأنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ فَأقَعُ ساجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ مِن مَحامِدِهِ وحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلى أحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ يُقالُ: يا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهُ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأرْفَعُ رَأْسِي فَأقُولُ: أُمَّتِي يا رَبِّ، فَيُقالُ: يا مُحَمَّدُ، أدْخِلْ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البابِ الأيْمَنِ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ وهم شُرَكاءُ النّاسِ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأبْوابِ»».

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَهُ بِمَقامِ الشَّفاعَةِ في مَوْقِفِ الحَشْرِ حَيْثُ يَعْتَرِفُ الجَمِيعُ بِالعَجْزِ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ عامَّةً كالشَّفاعَةِ لِفَصْلِ القَضاءِ أوْ خاصَّةً كالشَّفاعَةِ لِبَعْضِ عُصاةِ أُمَّتِهِ  في العَفْوِ عَنْهُمْ، والِاقْتِصارُ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ في بَعْضِ الأخْبارِ لِنُكْتَةٍ اقْتَضاها الحالُ ولِكُلِّ مَقامٍ مُقالٌ، وحَمْلُ هَذا الشَّفاعَةِ لِلْأُمَّةِ في خَبَرِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَقَدِّمِ عَلى الشَّفاعَةِ لِبَعْضِ عُصاتِهِمْ في المَوْقِفِ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النّارَ وإلّا فَلَوْ أُرِيدَ الشَّفاعَةُ لَهم بَعْدَ الحِسابِ ودُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلِ النّارِ النّارَ كَما رُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ لَمْ يَتَيَسَّرِ الجَمْعُ بَيْنَ الرِّواياتِ إلّا بِأنْ يُقالَ: المَقامُ المَحْمُودُ هو مَقامُ الشَّفاعَةِ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في المَوْقِفِ عامَّةً وخاصَّةً وأنْ تَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ ويَكُونَ الِاقْتِصارُ لِنُكْتَةٍ، وقَدْ جاءَ تَفْسِيرُهُ بِمَقامِ الشَّفاعَةِ مُطْلَقًا.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ  عَنِ المَقامِ المَحْمُودِ فَقالَ: هو الشَّفاعَةُ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: «المَقامُ المَحْمُودُ الشَّفاعَةُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ الشَّفاعَةُ مِن حَيْثُ هي وإنْ شارَكَهُ فِيها  غَيْرُهُ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَعْضِ المُؤْمِنِينَ إلّا أنَّ الشَّفاعَةَ الكامِلَةَ والأنْواعَ الفاضِلَةَ لا تَثْبُتُ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ أوْصَلَ بَعْضُهُمُ الشَّفاعَةَ المُخْتَصَّةَ بِهِ  إلى عَشْرٍ، وذَكَرَهُ بَعْضُ شُرّاحِ البُخارِيِّ فَلْيُراجَعْ، ووُصِفَ المَقامُ بِأنَّهُ مَحْمُودٌ عَلى ما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ أنَّ النَّبِيَّ  يُحْمَدُ فِيهِ عَلى إنْعامِهِ الواصِلِ إلى الخاصِّ والعامِّ مِن أصْنافِ الأنامِ.

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «يُجْمَعُ النّاسُ في صَعِيدٍ واحِدٍ يَسْمَعُهُمُ الدّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، حُفاةً عُراةً كَما خُلِقُوا قِيامًا لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَيُنادِي: يا مُحَمَّدُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ في يَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ، وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وبِكَ وإلَيْكَ لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ».

فَهَذا المَقامُ المَحْمُودُ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يُجْلِسُهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَشْفَعُ لِأُمَّتِهِ فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: المَقامُ المَحْمُودُ أنْ يُجْلِسَهُ مَعَهُ عَلى عَرْشِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَمْدَ عَلى أكْثَرِ ما في هَذِهِ الرِّواياتِ مَجازٌ عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالثَّناءِ عَلى الإنْعامِ، وأمّا عِنْدَ مَن يَقُولُ بِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ فَلا مَجازَ، وتَعَقَّبَ الواحِدِيُّ القَوْلَ بِأنَّ المَقامَ المَحْمُودَ إجْلاسُهُ  عَزَّ وجَلَّ عَلى العَرْشِ بَعْدَ ذِكْرِ رِوايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِأنَّهُ قَوْلٌ رَذِلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ لا يَصِحُّ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِهِ مِن وُجُوهٍ، الأوَّلُ: أنَّ البَعْثَ ضِدُّ الإجْلاسِ؛ يُقالُ: بَعَثَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ إذا أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، وبَعَثْتُ البارِكَ والقاعِدَ فانْبَعَثَ فَتَفْسِيرُهُ بِهِ تَفْسِيرُ الضِّدِّ بِالضِّدِّ، الثّانِي: لَوْ كانَ جالِسًا سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا فَيَكُونُ مُحْدَثًا تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، الثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ مَقامًا ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مَقْعَدًا، والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا القُعُودِ، الرّابِعُ: أنَّ الحَمْقى والجُهّالَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ كُلَّهم يَجْلِسُونَ مَعَهُ تَعالى ويَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الدِّنْياوِيَّةِ فَلا مَزِيَّةَ لَهُ  بِإجْلاسِهِ مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ.

الخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ: بَعَثَ السُّلْطانُ فُلانًا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلى قَوْمٍ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِمْ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ انْتَهى.

وأبُو عُمَرَ لَمْ يَطَّلِعْ إلّا عَلى رِوايَةِ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ فَقالَ: إنَّ مُجاهِدًا وإنْ كانَ أحَدَ الأئِمَّةِ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ حَتّى قِيلَ: إذا جاءَكَ التَّأْوِيلُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ إلّا أنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، أحَدُهُما تَأْوِيلُ المَقامِ المَحْمُودِ بِهَذا الإجْلاسِ، والثّانِي تَأْوِيلُ: ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ بِانْتِظارِ الثَّوابِ.

وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ فَما زالَ أهْلُ العِلْمِ يُحَدِّثُونَ بِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ: مَن أنْكَرَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ فَهو مُتَّهَمٌ وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ  : ««يُجْلِسُنِي مَعَهُ»» عَلى رَفْعِ مَحَلِّهِ وتَشْرِيفِهِ عَلى خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً: ﴿ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو كِنايَةٌ عَنِ المَكانَةِ لا عَنِ المَكانِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمُجاهِدٍ ولا لِغَيْرِهِ أنْ يُفَسِّرَ المَقامَ المَحْمُودَ بِالإجْلاسِ عَلى العَرْشِ حَسْبَما سَمِعْتَ مِن غَيْرِ أنْ يُثْبِتَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الإجْلاسَ.

فِي خَبَرٍ كَخَبَرِ الدَّيْلَمِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ ﴾ إلَخْ...

يُجْلِسُنِي مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ»».

فَإنْ تَمَسَّكَ المُفَسِّرُ بِهَذا أوْ نَحْوِهِ لَمْ يُناظَرْ إلّا بِالطَّعْنِ في صِحَّتِهِ وبَعْدَ إثْباتِ الصِّحَّةِ لا مَجالَ لِلْمُؤَنِ إلّا التَّسْلِيمُ، وما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الصِّحَّةِ، فَكَمْ وكَمْ مِن حَدِيثٍ نَصُّوا عَلى صِحَّتِهِ ويَلْزَمُ مِن ظاهِرِهِ المُحالُ كَحَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ المُشْتَمِلِ عَلى رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ إتْيانِهِ إيّاهم في أدْنى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأوْهُ فِيها، وقَوْلِهِ تَعالى لَهُمْ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ ﴾ وقَوْلِهِمْ: نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنكَ حَتّى يَكْشِفَ لَهم عَنْ ساقٍ فَيَسْجُدُونَ ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهم وقَدْ تَحَوَّلَ في صُورَتِهِ الَّتِي رَأوْهُ فِيها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو في الصَّحِيحَيْنِ.

وحَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ عامِرٍ المُشْتَمِلُ عَلى قَوْلِهِ  : ««تَلْبَثُونَ ما لَبِثْتُمْ ثُمَّ يَتَوَفّى نَبِيُّكم ثُمَّ تَلْبَثُونَ ما لَبِثْتُمْ ثُمَّ تُبْعَثُ الصّائِحَةُ - لَعَمْرُ إلَهِكَ - لا تَدْعُ عَلى ظَهْرِها شَيْئًا إلّا ماتَ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ مَعَ رَبِّكَ عَزَّ وجَلَّ فَأصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ في الأرْضِ وخَلَتْ عَلَيْهِ البِلادُ»» الحَدِيثَ.

وقَدْ رَواهُ أئِمَّةُ السُّنَّةِ في كُتُبِهِمْ وتَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ وقابَلُوهُ بِالتَّسْلِيمِ والِانْقِيادِ إلى ما لا يُحْصى مِن هَذا القَبِيلِ، ومَذاهِبُ المُحَدِّثِينَ وأهْلِ الفِكْرِ مِنَ العُلَماءِ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ مِمّا لا تَخْفى، ومَتى أجْرَيْتَ هُناكَ فَلْتُجْرِ هُنا فالكُلُّ قَرِيبٌ مِن قَرِيبٍ.

والصُّوفِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ الظُّهُورَ فِيما يَشاءُ عَلى ما يَشاءُ وهو سُبْحانُهُ في حالِ ظُهُورِهِ باقٍ عَلى إطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ فَإنَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، ومَتى ظَهَرَ جَلَّ وعَلا في صُورَةٍ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أحْكامُها مِن حَيْثُ الظُّهُورُ فَيُوصَفُ عَزَّ مَجْدُهُ عِنْدَهم بِالجُلُوسِ ونَحْوِهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ ويَنْحَلُّ بِذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ إلّا أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما دُونَ إثْباتِهِ خَرْطُ القَتادِ، ويُرَدُّ عَلى ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في الوَجْهِ الثّالِثِ أنَّ المَقامَ وإنْ كانَ في الأصْلِ بِمَعْنى مَحَلِّ القِيامِ إلّا أنَّهُ شاعَ في مُطْلَقِ المَحَلِّ ويُطْلَقُ عَلى الرُّتْبَةِ والشَّرَفِ، وعَلى ما ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ إلّا تَفْسِيرُ المَقامِ المَحْمُودِ بِالإجْلاسِ لا تَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ نَعَمْ فِيهِ مُسامَحَةٌ، والمُرادُ أنَّ إحْلالَهُ في المَحَلِّ المَحْمُودِ هو إجْلاسُهُ عَلى العَرْشِ، وهَذا المَعْنى يَتَأتّى بِإبْقاءِ البَعْثِ عَلى مَعْناهُ، وتَقْدِيرِ فَيُقِيمُكَ بِمَعْنى فَيُحِلُّكَ، وبِتَفْسِيرِهِ بِالإقامَةِ بِمَعْنى الإحْلالِ، وقَدْ يُقالُ: لا مُسامَحَةَ والمُرادُ مِنَ المَقامِ الرُّتْبَةُ، والبَعْثُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الإعْطاءِ أيْ: عَسى يُعْطِيكَ رَبُّكَ رُتْبَةً مَحْمُودَةً وهي إجْلاسُهُ إيّاكَ عَلى عَرْشِهِ باعِثًا، وما ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الثّانِي حَقٌّ لَوْ أُرِيدَ مِنَ الجُلُوسِ عَلى العَرْشِ ظاهِرُهُ، إنْ أُرِيدَ مَعْنًى آخَرَ فَلا نُسَلِّمُ اللّازِمَ، وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وقَدْ أُوِّلَ الإجْلاسُ مَعَهُ عَلى رَفْعِ المَحَلِّ والتَّشْرِيفِ وهو مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ فَمَتى صَحَّ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ كُلَّهم يَجْلِسُونَ مَعَهُ آمَنّا بِهِ مَعَ إثْباتِ المَزِيَّةِ لِلرَّسُولِ  فانْدَفَعَ ما ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الرّابِعِ، ويَرِدُ عَلى ما في الوَجْهِ الخامِسِ أنَّ الإجْلاسَ مَعَهُ لَمْ يُفْهَمْ مِن مُجَرَّدِ البَعْثِ وما ادَّعى أحَدٌ ذَلِكَ فَكَوْنُ: بَعَثَ السُّلْطانُ فُلانًا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلى قَوْمٍ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِمْ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ لا يَضُرُّنا كَما لا يَخْفى عَلى مُنْصِفٍ.

وبِالجُمْلَةِ: كُلُّ ما قِيلَ أوْ يُقالُ لا يُصْغى إلَيْهِ إنْ صَحَّ التَّفْسِيرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، لَكِنْ يَبْقى حِينَئِذٍ أنَّهُ يَلْزَمُ التَّعارُضُ بَيْنَ ظَواهِرِ الرِّواياتِ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِالمَقامِ المَحْمُودِ ما يَنْتَظِمُ كُلَّ مَقامٍ يَتَضَمَّنُ كَرامَةً لَهُ  ، والِاقْتِصارُ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَلى بَعْضٍ لِنُكْتَةٍ نَحْوَ ما مَرَّ، ووَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مَحْمُودًا إمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ  يَحْمَدُ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِ أبْلَغَ الحَمْدِ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَن يُشاهِدُهُ يَحْمَدُهُ ولَمْ يُشْتَرَطْ أنْ يَكُونَ الحَمْدُ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ ويَدْخُلُ في هَذا كُلُّ مَقامٍ لَهُ  مَحْمُودٌ في الجَنَّةِ.

وكَذا يَدْخُلُ فِيهِ ما جَوَّزَ مُفْتِي الصُّوفِيَّةِ سَيِّدِي شِهابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ أنْ يَكُونَ المَقامُ المَحْمُودُ وهو إعْطاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَرْتَبَةً مِنَ العِلْمِ لَمْ تُعْطَ لِغَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ أصْلًا، فَإنَّهُ ذَكَرَ في رِسالَةٍ لَهُ في العَقائِدِ: أنَّ عِلْمَ عَوّامِ المُؤْمِنِينَ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ كَعِلْمِ عُلَمائِهِمْ في الدُّنْيا، ويَكُونُ عِلْمُ العُلَماءِ إذْ ذاكَ كَعِلْمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَكُونُ عِلْمُ الأنْبِياءِ كَعِلْمِ نَبِيِّنا  ويُعْطى نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ، ولَعَلَّهُ المَقامُ المَحْمُودُ ولَمْ أرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

ثُمَّ هَذا الِاخْتِلافُ في المَقامِ المَحْمُودِ هُنا لَمْ يَقَعْ فِيهِ في دُعاءِ الأذانِ بَلِ ادَّعى العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ أنَّهُ فِيهِ مَقامُ الشَّفاعَةِ العُظْمى لِفَصْلِ القَضاءِ اتِّفاقًا فَتَأمَّلْ في هَذا المَقامِ.

واللَّهُ تَعالى ولِيُّ الإنْعامِ والإفْهامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ، يعني: قم بالليل بعد النوم، والتهجد: القيام بعد النوم روى شهر بن حوشب، عن أبي أمامة أنه قال: «كانت النافلة لرسول الله  خاصة» ، وقال مجاهد: «لم تكن النافلة إلا للنبي  ، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» ويقال: نافِلَةً لَكَ، أي فضلاً لك، ويقال: خاصة لك عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قال مقاتل: يعني: إن الشفاعة لأصحاب الأعراف يحمده الخلق كلهم، ويقال: إخراج قوم من النار.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، عن عطية العوفي قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله  يقول في قوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قال: «يُخْرِجُ الله أقْوَاماً مِنَ النَّارِ مِنْ أهْلِ الإيمانِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ  ، فذلك المَقَامُ المَحْمُودُ، فَيُؤْتَى بِهِمْ نَهَراً يُقَالُ لَهُ الحَيَوَانُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهِ، فَيُنْبَتُونَ كَمَا ينبتُ التَّقَاريرُ.

ثم يُخْرَجُونَ فَيُدْخَلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمَّوْنَ فيها الجهنّميّون، ثم يطلبونَ إلى الله تعالى أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُمْ هذا الاسم، فيذهب به عَنْهُمْ» (١) وروي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: «يجتمع الأولون والآخرون يوم القيامة في صعيد واحد، ينفذهم البصر ويسمعهم المنادي، فيقول: يا محمد، فيقول: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ» .

وهو المقام المحمود، ويغبطه به الأولون والآخرون.

ثم قال تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، أي: قال هذا حين أمره الله بالرجوع إلى المدينة أي أدخلني في المدينة إدخال صدق.

وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، يعني: من المدينة إلى مكة إخراج صدق، ويقال: أَدْخِلْنِي في الدين مُدْخَلَ صِدْقٍ، أي ثبتني على الدين وَأَخْرِجْنِي، أي احفظني من الكفر، ويقال: أخرجني من الدنيا إخراج صدق، وأدخلني في الجنة.

ويقال: أدخلني بعز وشرف وإظهار الإسلام.

ويقال: أدخلني في القبر مدخل صدق وأخرجني من القبر مخرج صدق، وقال مجاهد: أدخلني في النبوة والرسالة مدخل صدق الجنة، وقال السدي: أدخلني المدينة وأخرجني من مكة، وعن أبي صالح: أدخلني في الإسلام وارفعني في الإسلام.

وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ، أي: من عندك سُلْطاناً نَصِيراً، أي ملكاً مانعاً لا زوال فيه، ولا يرد قولي ويقال: حجة ثابتة ظاهرة.

قوله عز وجل: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ، ظهر الإسلام والقرآن، وَزَهَقَ الْباطِلُ يقول: وهلك الشرك وأهله.

إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً، يعني: إنّ الشرك كان هالكاً لم يكن له قرار ولا دوام.

روي عن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبيّ  مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: 81] جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ وذكر أن النبيّ  كان يقول ذلك والصنم ينكب لوجهه.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 326 إلى الترمذي وحسنه وابن جرير، وابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١)

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ «مِنْ» للتبعيض، التقدير: ووقتاً مِنَ الليلِ، أيَّ: قم وقتاً، والضمير في «به» عائدٌ على هذا المقدَّر، ويحتملُ أن يعود على القرآن، و «تهجَّد» معناه:

اطرح الهجودَ عَنْك، «والهُجُود» : النوم، المعنى: ووقتاً من الليل اسهر به في صلاةٍ وقراءة، وقال علقمة وغيره: التهجُّد بعد نومة «١» ، وقال الحَجَّاج بن عمرو: إِنما التهجُّد بعد رقدة «٢» ، وقال الحسن: التهجُّد ما كان بعد العشاء الآخرة «٣» .

وقوله: نافِلَةً لَكَ قال ابن عباس: معناه: زيادةً لك في الفَرْضٍ، قال: وكان قيامُ الليل فرضا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٤» ، وقال مجاهد: إنما هي نافلة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأنه مغفورٌ له، والناس يحطُّون بمثل ذلك خطاياهم، يعني: ويجبرون بها فرائضهم حَسْبما/ ورد في الحديثِ «٥» ، قال صاحب «المدخل» ، وهو أبو عبد الله بن الحَاجِّ وقد قالوا: إِنَّ مَنْ كان يتفلَّت منه القرآن، فليقُمْ به في الليْلَ، فإن ذلك يثبته له ببركة امتثال السُّنَّة سِيَمَا الثُّلُثُ الأخير من الليلِ لما ورد في ذلك من البركَات والخَيْرَات، وفي قيامِ اللَّيْلِ من الفوائد جملةٌ، فلا ينبغي لطالب العلْم أنْ يفوته منْها شَيْءٌ.

فمنها: أنه يحطُّ الذنوب كما يحطُّ الريحُ العاصف الورق اليابس من الشجرة.

الثاني: أنه ينوِّر القلب.

الثالث: أنه يحسِّن الوجه.

الرابع: أنه يذهب الكسل، وينشِّط البدن.

الخامس: أن موضعه تراه الملائكَة من السماء كما يتراءى الكوكب الدُّرِّيُّ لنا في السماءِ، وقد روى الترمذيُّ عن أبي أمامة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «عَلْيُكُمْ بِقَيِامِ اللَّيْلِ، فإِنَّهُ مِنْ دأْبِ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلى اللَّهِ تعالى، ومَنْهَاةٌ عَنِ الآثَامِ، وتَكْفِيرٌ للسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ للِدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ» «١» وروى أبو داودَ في «سُنَنِهِ» عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آياتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، ومَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، ومَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةِ، كُتِبَ مِنَ المُقَنْطِرِين» انتهى «٢» من «المدخل» .

وقوله سبحانه: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً: عِدَةٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه، وهو أمر الشَّفاعة الذي يتدافعه الأنبياء حتى ينتهي إليه صلّى الله عليه وسلّم، والحديث بطوله في البخاريِّ ومسلمٍ.

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه «٣» » : واختلف في وَجْهِ كوْنِ قيامِ الليْلِ سَبَباً للمقامِ المْحُمودِ على قَوْلين للعلماء:

أحدهما: أن البارِي تعالى يجعلُ ما يشاء مِنْ فضله سبباً لفضله من غير معرفة لنا

بَوْجهِ الحكمة.

الثاني: أنَّ قيام الليل فيه الخَلْوَة بالباري تعالى، والمناجاة معه دون الناسِ، فيعطى الخَلْوة به ومناجاتَه في القيامةِ، فيكون مقاماً محموداً، ويتفاضل فيه الخَلْق بحسب درجاتهم، وأجلّهم فيه درجة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فيعطى من المحامدِ ما لم يعطَ أحدٌ، ويَشْفَعُ فَيُشَفَّع.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ...

الآية: ظاهر الآية: والأحْسَنُ أن يكون دعا عليه السلام في أن يحسِّن اللَّه حالته في كلِّ ما يتناول من الأمور ويحاولُ من الأسفار والأعمال، وينتظر من تصرُّف المقادير في المَوْت والحياة، فهي على أتمِّ عمومٍ، معناه: ربِّ، أصْلِحْ لي وِرْدِي في كلِّ الأمور، وَصَدَري.

وذهب المفسِّرون إِلى تخصيص اللفْظِ، فقال ابن عبَّاس وغيره: أدْخِلْنِي المدينة، وأخرجني من مكَّة «١» ، وقال ابن عباس أيضاً: الإِدخال بالمَوْت في القبرِ، والإِخراج:

البعث «٢» ، وقيل غير هذا، وما قدَّمت من العموم التَّامِّ الذي يتناول هذا كلَّه أصوبُ، «والصِّدق» هنا صفة تقتضي رفْعَ المذامِّ واستيعاب المَدْح، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً قال مجاهدٌ: يعني حجَّةً تنصرني بها على الكفَّار «٣» .

وقوله سبحانه: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ ...

الآية: قال قتادة: الْحَقُّ القُرآن، والْباطِلُ الشيطان «٤» .

وقالت فرقة: الْحَقُّ: الإيمان، والْباطِلُ: الكُفْران، وقيل غير هذا، والصواب تعميمُ اللفظ بالغايةِ المُمْكنة فيكون التفسيرُ: جَاءَ الشرع بجميع ما انطوى فيه، وزَهَق الكُفْر بجميع ما انطوى فيه، وهذه الآية نزَلْت بمكَّة، وكان يستشهد بها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَوْمَ فتحِ مكَّة وقْتَ طعنه الأصنام وسقوطَها لطعنه إياها بالمخصرة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ ﴾ ؛ أيْ: أدِّها ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ ؛ أيْ: عِنْدَ دَلُوكِها.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ( اللّامِ ) قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى ( في ) .

والثّانِي: أنَّها مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ .

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دَلُوكُها: مِن عِنْدِ زَوالِها إلى أنْ تَغِيبَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَيْلُها وقْتَ الظَّهِيرَةِ دُلُوكٌ، ومَيْلُها لِلْغُرُوبِ دُلُوكٌ.

وقالَ الأزْهَرِيُّ: مَعْنى ( الدُّلُوكِ ) في كَلامِ العَرَبِ: الزَّوالُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ: دالِكَةٌ، وإذا أفْلَتْ: دالِكَةٌ؛ لِأنَّها في الحالَيْنِ زائِلَةٌ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالدُّلُوكِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ زَوالُها نِصْفَ النَّهارِ.

«رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: دَعَوْتُ رَسُولَ اللهِ  ومَن شاءَ مِن أصْحابِهِ فَطَعِمُوا عِنْدِي، ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ  وقالَ: " اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حَيْثُ دَلَكَتِ الشَّمْسُ "»؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وأبِي بَرْزَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ، وهو اخْتِيارُ الأزْهَرِيِّ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: لِتَكُونَ الآَيَةُ جامِعَةً لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أقِمِ الصَّلاةَ مِن وقْتِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ، فَيَدْخُلُ فِيها الأُولى، والعَصْرُ، وصَلاتا غَسَقِ اللَّيْلِ، وهُما العِشاءانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ ، فَهَذِهِ خَمْسُ صَلَواتٍ.

والثّانِي: أنَّهُ غُرُوبُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقَوْلَيْنِ، قالَ الفَرّاءُ: ورَأيْتُ العَرَبَ تَذْهَبُ في الدُّلُوكِ إلى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: دَلَكَ النَّجْمُ: إذا غابَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: مَصابِيحٌ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها نُجُومٌ ولا بِالأفِلاتِ الدَّوالِكِ وَتَقُولُ في الشَّمْسِ: دَلَكَتْ بَراحٍ، يُرِيدُونَ: غَرَبَتْ، والنّاظِرُ قَدْ وضَعَ كَفَّهُ عَلى حاجِبِهِ يَنْظُرُ إلَيْها، قالَ الشّاعِرُ: والشَّمْسُ قَدْ كادَتْ تَكُونُ دَنَفًا ∗∗∗ أدْفَعُها بِالرّاحِ كَيْ تَزَحْلَفا فَشَبَّهَها بِالمَرِيضِ [ في ] الدَّنَفِ؛ لِأنَّها قَدْ هَمَّتْ بِالغُرُوبِ كَما قارَبَ الدَّنِفَ المَوْتُ، وإنَّما يَنْظُرُ إلَيْها مِن تَحْتِ الكَفِّ، لِيَعْلَمَ كَمْ بَقِيَ لَها إلى أنْ تَغِيبَ، ويَتَوَقّى الشُّعاعَ بِكَفِّهِ.

فَعَلى هَذا المُرادِ بِهَذِهِ الصَّلاةِ: المَغْرِبُ، فَأمّا غَسَقُ اللَّيْلِ فَظَلامُهُ.

وَفِي المُرادِ بِالصَّلاةِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَسَقِ اللَّيْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: العِشاءُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: المَغْرِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ وقْتِ المَغْرِبِ، أنَّهُ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ.

والثّالِثُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ المَعْنى: وأقِمْ قِراءَةَ الفَجْرِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: صَلاةُ الفَجْرِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذا فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِقِراءَةٍ، حِينَ سُمِّيَتِ الصَّلاةُ قُرْآَنًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  ، قالَ: " «تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَصَلِّ بِالقُرْآَنِ.

قالَ مُجاهِدٌ، وعَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ: التَّهَجُّدُ بَعْدَ النَّوْمِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَهَجَّدْتُ: سَهِرَتُ، وهَجَدْتُ: نِمْتُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّهَجُّدُ هاهُنا بِمَعْنى: التَّيَقُّظِ والسَّهَرِ، واللُّغَوِيُّونَ يَقُولُونَ: هو مِن حُرُوفِ الأضْدادِ، يُقالُ لِلنّائِمِ: هاجِدٌ ومُتَهَجِّدٌ، وكَذَلِكَ لِلسّاهِرِ قالَ النّابِغَةُ: ولَوْ أنَّها عَرَضَتْ لِأشْمَطَ راهِبٍ ∗∗∗ عَبْدِ الإلَهِ صَرُورَةٍ مُتَهَجِّدِ لَرَنا لِبَهْجَتِها وحُسْنِ حَدِيثِها ∗∗∗ ولِخالِهِ رُشْدًا وإنْ لَمْ يَرْشُدِ يَعْنِي بِالمُتَهَجِّدِ: السّاهِرَ، وقالَ لَبِيدُ: قالَ هَجَدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى ∗∗∗ [ وقَدَرْنا إنْ خُنّا الدَّهْرَ غَفَلَ ] أيْ: نَوَّمَنا.

وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُتَهَجِّدُ: القائِمُ إلى الصَّلاةِ مِنَ النَّوْمِ.

وقِيلَ لَهُ: مُتَهَجِّدٌ؛ لِإلْقائِهِ الهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ، كَما يُقالُ: تَحَرَّجَ وتَأثَّمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نافِلَةً لَكَ ﴾ النّافِلَةُ في اللُّغَةِ: ما كانَ زائِدًا عَلى الأصْلِ.

وَفِي مَعْنى هَذِهِ الزِّيادَةِ في حَقِّهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ فِيما فُرِضَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَرِيضَةٌ عَلَيْكَ، وكانَ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِ قِيامُ اللَّيْلِ، هَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والثّانِي: أنَّها زائِدَةٌ عَلى الفَرْضِ ولَيْسَتْ فَرْضًا، فالمَعْنى: تُطَوُّعًا وفَضِيلَةً.

قالَ أبُو أُمامَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: إنَّما النّافِلَةُ لِلنَّبِيِّ  خاصَّةً.

قالَ مُجاهِدٌ: وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَما زادَ عَلى فَرْضِهِ فَهو نافِلَةٌ لَهُ وفَضِيلَةٌ، وهو لِغَيْرِهِ كَفّارَةٌ.

وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ فَرْضًا عَلَيْهِ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ رُخِّصَ لَهُ في تَرْكِها، فَصارَتْ نافِلَةً.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في هَذا قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: يُقارِبُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ، فَقالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا تَنَفَّلَ لا يَقْدِرُ لَهُ أنْ يَكُونَ بِذَلِكَ ماحِيًا لِلذُّنُوبِ؛ لِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنَبِهِ وما تَأخَّرَ، وغَيْرُهُ إذا تَنَفَّلَ كانَ راجِيًا ومُقَدِّرًا مَحْوَ السَّيِّئاتِ عَنْهُ بِالتَّنَفُّلِ، فالنّافِلَةُ لِرَسُولِ اللهِ  زِيادَةٌ عَلى الحاجَةِ، وهي لِغَيْرِهِ مُفْتَقَرٌ إلَيْها، ومَأْمُولٌ بِها دَفْعَ المَكْرُوهِ.

والثّانِي: أنَّ النّافِلَةَ لِلنَّبِيِّ  وأُمَّتَهُ، والمَعْنى: ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدُوا بِهِ نافِلَةً لَكُمْ، فَخُوطِبَ النَّبِيُّ  بِخِطابِ أُمَّتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ " ﴾ : " عَسى " مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، ومَعْنى " يَبْعَثُكَ ": يُقِيمُكَ " مَقامًا مَحْمُودًا " وهو الَّذِي يَحْمَدُهُ لِأجْلِهِ جَمِيعُ أهْلِ المَوْقِفِ.

وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّفاعَةُ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عُمَرَ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنُ، وهي رِوايَةُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: يُجْلِسُهُ عَلى العَرْشِ يَوْمَ القِيامَةِ.

رَوى أبُو وائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ، وقالَ: يُقْعِدُهُ عَلى العَرْشِ، وكَذَلِكَ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ المِيمِ في ( مُدْخَلِ ) وَ( مُخْرَجَ ) .

قالَ الزَّجّاجُ: المُدْخَلُ بِضَمِّ المِيمِ: مَصْدَرُ أدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا، ومَن قالَ: مُدْخَلُ صِدْقٍ، فَهو عَلى أدْخَلْتُهُ، فَدَخَلَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وكَذَلِكَ شَرَحَ ( مُخْرَجَ ) مِثْلَهُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا المُدْخَلِ والمُخْرَجِ أحَدَ عَشْرَ قَوْلًا: أحَدُها: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِن مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ.

رَوى أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  بِمَكَّةَ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآَيَةُ.» وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أدْخِلْنِي القَبْرَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنهُ مُخْرَجَ صِدْقٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ، وأخْرِجْنِي إلى مَكَّةَ، يَعْنِي: لِفَتْحِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أدْخِلْنِي مَكَّةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنها مُخْرَجَ صِدْقٍ، فَخَرَجَ مِنها آَمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ، ودَخَلَها ظاهِرًا عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، قالَهُالضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ الجَنَّةِ، وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، رَواهُ قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ.

والسّادِسُ: أدْخِلْنِي في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وأخْرِجْنِي مِنها مُخْرَجَ صِدْقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، يَعْنِي: أخْرِجْنِي مِمّا يَجِبُ عَلَيَّ فِيها.

والسّابِعُ: أدْخِلْنِي في الإسْلامِ وأخْرِجْنِي مِنهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، يَعْنِي: مِن أداءِ ما وجَبَ عَلَيَّ فِيهِ إذا جاءَ المَوْتُ.

والثّامِنُ: أدْخِلْنِي في طاعَتِكَ وأخْرِجْنِي مِنها؛ أيْ: سالِمًا غَيْرَ مُقَصِّرٍ في أدائِها، قالَهُ عَطاءٌ.

والتّاسِعُ: أدْخِلْنِي الغارَ وأخْرِجْنِي مِنهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ.

والعاشِرُ: أدْخِلْنِي في الدِّينِ وأخْرِجْنِي مِنَ الدُّنْيا وأنا عَلى الحَقِّ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والحادِي عَشَرَ: أدْخِلْنِي مَكَّةَ وأخْرِجْنِي إلى حُنَيْنٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَأمّا إضافَةُ الصِّدْقِ إلى المَدْخَلِ والمُخْرِجِ، فَهو مَدْحٌ لَهُما.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في سُورَةِ ( يُونُسَ: ٢ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن عِنْدِكَ ﴿ سُلْطانًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّسَلُّطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ الحُجَّةُ البَيِّنَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: المَلِكُ العَزِيزُ الَّذِي يُقْهَرُ بِهِ العُصاةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَوْلُهُ: ﴿ نَصِيرًا ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُنَصِّرًا، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ ناصِرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ: الإسْلامُ، والباطِلُ: الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الحَقَّ: القُرْآَنُ، والباطِلُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ الحَقَّ: الجِهادُ، والباطِلُ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: الحَقُّ: عِبادَةُ اللَّهِ، والباطِلُ: عِبادَةُ الأصْنامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

ومَعْنى " زَهَقَ ": بَطَلَ واضْمَحَلَّ، وكُلُّ شَيْءٍ هَلَكَ وبَطَلَ فَقَدْ زَهَقَ، وزَهَقَتْ نَفْسُهُ: تَلَفَتْ.

وَرَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ رَسُولُ اللهِ  دَخْلَ مَكَّةَ وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، فَجَعَلَ يَطْعَنُها ويَقُولُ: " جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا "» .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قُلْتُمْ: إنَّ " زَهَقَ " بِمَعْنى بَطَلَ، والباطِلُ مَوْجُودٌ مَعْمُولٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِهِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن بُطْلانِهِ وهَلَكَتِهِ: وُضُوحُ عَيْبِهِ، فَيَكُونُ هالِكًا عِنْدَ المُتَدَبِّرِ النّاظِرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مَن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا ﴾ ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ إلى غَسَقِ اللَيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ قالَ حَضْرَمِيُّ: الضَمِيرُ في "كادُوا" لِيَهُودَ المَدِينَةِ وناحِيَتِها، كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّهم ذَهَبُوا إلى المَكْرِ بِرَسُولِ اللهِ  فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ لَيْسَتْ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وإنَّما أرْضُ الأنْبِياءِ بِالشامِ، ولَكِنَّكَ تَخافُ الرُومَ، فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا، فاخْرُجْ إلَيْها فَإنَّ اللهَ سَيَحْمِيكَ كَما حَمى غَيْرَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ رَسُولَهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُلْبِثْهم بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا.

وحَكى النِقاشُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَرَجَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ، وعَسْكَرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وأقامَ يَنْتَظِرُ أصْحابَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عَلَيْهِ فَرَجَعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، لَمْ يَقَعْ في سِيرَةٍ ولا في كِتابٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وذُو الحُلَيْفَةِ لَيْسَ في طَرِيقِ الشامِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في "كادُوا" هو لِقُرَيْشٍ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّ اسْتِفْزازَهم هو ما كانُوا أجْمَعُوا عَلَيْهِ في دارِ النَدْوَةِ مِن قَتْلِهِ، و"الأرْضُ" -عَلى هَذا- عامَّةٌ في الدُنْيا، كَأنَّهُ قالَ: يُخْرِجُوكَ مِنَ الدُنْيا، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ هي أرْضٌ مَخْصُوصَةٌ، إمّا مَكَّةُ وإمّا المَدِينَةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أو يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ  ﴾ ، وإمّا مَعْناهُ: مِنَ الأرْضِ الَّتِي بِها تَصَرُّفُهم وتَمَتُّعُهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: واسْتِفْزازُ قُرَيْشٍ هو ما كانُوا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن إخْراجِ رَسُولِ اللهِ  مِن مَكَّةَ، كَما ذَهَبُوا قَبْلُ إلى حَصْرِهِ في الشِعْبِ.

ووَقَعَ اسْتِفْزازُهم هَذا بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وضَيَّقُوا عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ واتَّبَعُوهُ إلى الغارِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ونَفَّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدَ في أنْ لَمْ يَلْبَثُوا خَلْفَهُ إلّا قَلِيلًا يَوْمَ بَدْرٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ إلى هَذا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنها؛ لِأنَّهُ لَمّا أرادَ اللهُ اسْتِبْقاءَ قُرَيْشٍ وألّا يَسْتَأْصِلَها أذِنَ لِرَسُولِ اللهِ  في الهِجْرَةِ، فَخَرَجَ مِنَ الأرْضِ بِإذْنِ اللهِ تَعالى لا بِقَهْرِ قُرَيْشٍ، واسْتُبْقِيَتْ قُرَيْشٌ يُسْلِمُ مِنها ومِن أعْقابِها مَن أسْلَمَ، قالَ: ولَوْ أخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ لَعُذِّبُوا، فَذَهَبَ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ الضَمِيرَ في "يَلْبَثُونَ" عامٌّ في جَمِيعِهِمْ.

وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذًا لا يَلْبَثُوا" بِحَذْفِ النُونِ وإعْمالِ "إذًا"، وسائِرُ القُرّاءِ ألْغَوْها وأثْبَتُوا النُونَ.

وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "يُلَبَّثُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الباءِ وفَتْحِ اللامِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عن يَعْقُوبَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الباءَ.

وقَرَأ عَطاءٌ: "بَعْدَكَ إلّا قَلِيلًا"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خَلْفَكَ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، الكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "خِلافَكَ"، والمَعْنى واحِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَقَبَ الرَذاذُ خِلافَها فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ  ﴾ ، عَلى بَعْضِ تَأْوِيلاتِهِ، أيْ: بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ  ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ قَدْ لَزِمَ حَذْفُ المُضافِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ في آياتِنا: "خِلافَ خُرُوجِكَ"، وفي بَيْتِ الشاعِرِ: "خِلافَ انْبِساطِ الشَمْسِ" أو نَحْوَهُ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: أصابُوا هَذِهِ الظُرُوفَ تُضافُ إلى الأسْماءِ الأعْيانِ الَّتِي لَيْسَتْ أحْداثًا، فَلَمْ يَسْتَحِبُّوا إضافَتَها إلى غَيْرِ ما جَرى عَلَيْهِ كَلامُهُمْ، كَما أنَّها لَمّا جَرَتْ مَنصُوبَةً في كَلامِهِمْ تَرَكُوها عَلى حالِها إذا وقَعَتْ في غَيْرِ مَوْقِعِ النَصْبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنّا مِنّا الصالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "سُنَّةَ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ الفِراءَ: نَصَبَهُ عَلى حَذْفِ الخافِضِ؛ لِأنَّ المَعْنى: "كَسُنَّةِ"، فَحَذَفَ الكافَ ونَصَبَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلْزَمُهُ عَلى هَذا أنْ لا يَقِفَ عَلى قَوْلِهِ: "قَلِيلًا".

ومَعْنى الآيَةِ الإخْبارُ أنَّ سُنَّةَ اللهِ تَعالى في الأُمَمِ الخالِيَةِ وعادَتَهُ أنَّها إذا أخْرَجَتْ نَبِيَّها مِن بَيْنِ أُظْهِرِها نالَها العَذابُ، واسْتَأْصَلَها الهَلاكُ، فَلَمْ تَلْبَثْ بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ.

فَقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو بُرْدَةِ، والحُسْنُ، والجُمْهُورُ: "دُلُوكُ الشَمْسِ": زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظَهْرِ والعَصْرِ، و"غَسَقِ اللَيْلِ" أُشِيرَ بِهِ إلى المَغْرِبِ والعَشاءِ، و"قُرْآنَ الفَجْرِ" أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُبْحِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- تَعُمُّ جَمِيعَ الصَلَواتِ" ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوكِ الشَمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظَهْرَ"،»«وَرَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ  خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَمْسُ، فَقالَ: "اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَمْسُ".» وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "دُلُوكُ الشَمْسِ": غُرُوبُها، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ.

و"غَسَقِ اللَيْلِ": اجْتِماعُ ظُلْمَتِهِ، فالإشارَةُ إلى العَتْمَةِ، و"قُرْآنَ الفَجْرِ": صَلاةُ الصُبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ -عَلى التَأْوِيلِ- إلى الظَهْرِ والعَصْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ لِعُمُومِهِ الصَلَواتِ، وهُما مِن جِهَةِ اللُغَةِ حُسْنانِ، وذَلِكَ أنَّ "الدُلُوكَ" هو المَيْلُ في اللُغَةِ، فَأوَّلُ الدُلُوكِ هو الزَوالُ، وآخِرُهُ هو المَغْرِبُ، ومِن وقْتِ الزَوالِ إلى الغُرُوبِ يُسَمّى دُلُوكًا، لِأنَّها في حالَةِ مَيْلٍ، فَذَكَرَ اللهُ الصَلَواتِ الَّتِي في حالَةِ الدُلُوكِ وعِنْدَهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الظَهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ المَغْرِبُ داخِلَةً في "غَسَقِ اللَيْلِ"، ومِنَ الدُلُوكِ الَّذِي هو المَيْلُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ لِلْحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: أيُدالِكُ الرَجُلُ امْرَأتَهُ؟

يُرِيدُ: أيَمِيلُ بِها إلى المُطْلِ في دَيْنِها؟

فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: نَعَمْ، إذا كانَ مُلْحِفًا، أيْ: عَدِيمًا، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَواتِي تَقُودُها ∗∗∗ ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَوالِكِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: هَذا مَكانُ قَدَمَيْ رَباحِ ∗∗∗ ∗∗∗ غَدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحِ وَيُرْوى "بِراحِ" بِكَسْرِ الباءِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأصْمَعِيُّ، وأبُو عَمْرٍو الشَيْبانِيُّ: مَعْناهُ: بِراحَةِ الناظِرِ يَسْتَكْفِ بِها أبَدًا لِيَنْظُرَ كَيْفَ مَيْلُها وما بَقِيَ لَها، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ الحَجّاجِ: والشَمْسُ قَدْ كادَتْ تَكُونُ دَنَفًا ∗∗∗ ∗∗∗ أدْفَعُها بِالراحِ كَيْ تَزَحْلَفا وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: "دَلَكَتْ بِراحِ، يَعْنِي: بِراحِ مَكانًا".

قالَ: فَإنْ كانَ هَذا مِن تَفْسِيرِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهو أعْلَمُ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ راوٍ فَأهْلُ الغَرِيبِ أعْلَمُ بِذَلِكَ.

ويُرْوى البَيْتُ الأوَّلُ: "غَدْوَةً حَتّى هَلَكَتْ بَراحِ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى وزْنِ قَطامِ وحِزامِ، وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ الشَمْسِ.

و"غَسَقُ اللَيْلِ": اجْتِماعُهُ وتَكاثُفُ ظُلْمَتِهِ، قالَ الشاعِرُ: آبَ هَذا اللَيْلُ إذْ غَسَقًا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَسَقُ اللَيْلِ: بَدْؤُهُ.

ونُصِبَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: واقْرَأْ قُرْآنَ، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَطْفًا عَلى "الصَلاةِ"، أيْ: وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، وعَبَّرَ عن صَلاةِ الصُبْحِ خاصَّةً بِالقُرْآنِ لِأنَّ القُرْآنَ هو عُظْمُها، إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُودٌ بِها.

ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ قَوْلُهُ: "قُرْآنَ" عَلى الإغْراءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ مَعْناهُ: يَشْهَدُهُ حَفَظَةُ النَهارِ وحَفَظَةُ اللَيْلِ مِنَ المَلائِكَةِ حَسْبَما ورَدَ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ"» الحَدِيثِ بِطُولِهِ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ.

وعَلى القَوْلِ بِذَلِكَ مَضى الجُمْهُورُ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا عَنِ ابْنِ عَسْكَرٍ، مِن طَرِيقِ أبِي الدَرْداءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَ مَشْهُودًا ﴾ ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: (يَشْهَدُهُ اللهُ ومَلائِكَتُهُ)، وذَكَرَ في ذَلِكَ الحَدِيثِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَيْلِ، ونَحْوَ هَذا مِمّا لَيْسَ بِقَوِيٍّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ ﴾ ، "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، والتَقْدِيرُ: ووَقْتًا مِنَ اللَيْلِ، أيْ: وأقِمْ وقْتًا مِنَ اللَيْلِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ مُطْلَقٌ، كَما هو الضَمِيرُ مُطْلَقٌ، لَكِنْ جَرى مُضافًا إلى الفَجْرِ.

و"تَهَجَّدْ" مَعْناهُ: اطْرَحِ الهُجُودَ عنكَ، والهُجُودُ: النَوْمُ، يُقالُ: هَجَدَ يَهْجُدُ -بِضَمِّ الجِيمِ- هُجُودًا إذا نامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا طَرَقَتْنا والرِفاقُ هُجُودٌ ∗∗∗ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعِلّاتِ النَوالِ تَجُودُ ومِنهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ: فَحَيّاكِ وُدٌّ ما هَداكِ لِفِتْيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وخُوصٍ بِأعْلى ذِي طُوالَةِ هُجَّدِ وهَذا الفِعْلُ جارٍ مَجْرى: تَحَرَّبَ وتَحَرَّجَ وتَأثَّمَ وتَحَنَّثَ، ومِثْلُهُ ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ  ﴾ ، فَمَعْناهُ: تَنْدَمُونَ، أيْ تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي انْبِساطُ النَفْسِ وسُرُورُها، يُقالُ: رَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ كَثِيرَ السُرُورِ والضَحِكِ، فالمَعْنى: ووَقْتًا مِنَ اللَيْلِ اسْهَرْ بِهِ في صَلاةٍ وقِراءَةٍ، وقالَ الأسْوَدُ، وعَلْقَمَةُ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ: التَهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ، وقالَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: إنَّما التَهَجُّدُ بَعْدَ رَقْدَةٍ، وقالَ الحَسَنُ: التَهَجُّدُ ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نافِلَةً لَكَ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: زِيادَةٌ لَكَ في الفَرْضِ، قالُوا: وكانَ قِيامُ اللَيْلِ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ هَذا عَلى جِهَةِ النَدْبِ في التَنَفُّلِ، ويَكُونُ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ، كَخِطابِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ ﴾ .

وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما هي نافِلَةٌ لِلنَّبِيِّ  ؛ لِأنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، والناسُ يَحُطُّونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ خَطاياهُمْ، وبَيَّنَ أنَّ النَبِيَّ  مُنْذُ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلُ مِنَ العَمَلِ، وقُرَبًا أشْرَفَ مِن نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ إمّا أنْ تُجْبَرَ بِها فَرائِضُهُمْ، وإمّا أنْ تُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهُمْ، وقَدْ يُتَصَوَّرُ مَن لا ذَنْبَ لَهُ يَنْتَفِلُ، فَيَكُونُ تَنَفُّلُهُ فَضْلًا، كَنَصْرانِيٍّ يُسَلِّمُ وصَبِيٍّ يَحْتَلِمُ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِرَسُولِهِ  ، وهو أمْرُ الشَفاعَةِ الَّذِي يَتَدافَعُهُ الأنْبِياءُ حَتّى يَنْتَهِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

والحَدِيثُ بِطُولِهِ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْناهُ، ولِأجْلِ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ الَّذِي لَهُ في مَرْضاةِ جَمِيعِ العالَمِ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ قالَ: « "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ".» و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، و"مَقامًا" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن غَرِيبِ حَدِيثِ الشَفاعَةِ اقْتِضابُهُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ صَدْرَ الحَدِيثِ يَقْتَضِي أنَّ النَبِيَّ  يُسْتَنْهَضُ لِلشَّفاعَةِ في أنْ يُحاسَبَ الناسُ، ويَنْطَلِقُونَ مِنَ المَوْقِفِ، فَيَذْهَبُ لِذَلِكَ، ويَنُصُّ بِأثَرِ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ شَفَعَ في إخْراجِ المُذْنِبِينَ مِنَ النارِ، فَمَعْناهُ الِاقْتِضابُ والِاخْتِصارُ؛ لِأنَّ الشَفاعَةَ في المُذْنِبِينَ لَمْ تَكُنْ إلّا بَعْدَ الحِسابِ والزَوالِ مِنَ المَوْقِفِ ودُخُولِ قَوْمٍ الجَنَّةَ ودُخُولِ قَوْمٍ النارَ، وهَذِهِ الشَفاعَةُ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ، بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « " المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ هَذا عَلى ما قُلْناهُ: لِأُمَّتِهِ وغَيْرِها، أو يُقالَ: كُلٌّ مِنهُما مَقامٌ مَحْمُودٌ.

وقالَ النَقّاشُ: لِرَسُولِ اللهِ  ثَلاثُ شَفاعاتٍ: العامَّةُ، وشَفاعَةٌ في السَبْقِ إلى الجَنَّةِ، وشَفاعَةٌ في أهْلِ الكَبائِرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَشْهُورُ أنَّهُما شَفاعَتانِ فَقَطْ.

حَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ مِنها مُجاهِدٌ أنَّها قالَتِ: المَقامُ المَحْمُودُ هو أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُجْلِسُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - مَعَهُ عَلى عَرْشِهِ، ورَوَتْ في ذَلِكَ حَدِيثًا، وعَضَّدَ الطَبَرِيُّ جَوازَ ذَلِكَ بِشَطَطٍ مِنَ القَوْلِ، وهو لا يَخْرُجُ إلّا عَلى تَلَطُّفٍ في المَعْنى، وفِيهِ بُعْدٌ، ولا يُنْكَرُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُرْوى، والعِلْمُ يَتَأوَّلُهُ.

وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي داوُدٍ السِجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدُنا مُتَّهَمٌ، ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يَتَحَدَّثُونَ بِهَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ وقرآن الفجر ﴾ [الإسراء: 78] فإنه في تقدير جملة لكونه معمولاً لفعل أقم [الإسراء: 78].

وقدم المجرور المتعلق ب تهجّدْ على متعلقه اهتماماً به وتحريضاً عليْه.

وبتقديمه اكتسب معنى الشرط والجزاء فجعل متعلقه بمنزلة الجزاء فأدخلت عليه فاء الجزاء.

وهذا مستعمل في الظروف والمجرورات المتقدمة على متعلقاتها، وهو استعمال فصيح.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ [المطففين: 26] وقول النبي: ففيهما فَجَاهِدْ، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ في سورة [براءة: 7].

وجَعل الزجاج والزمخشري قوله: ومن الليل } في معنى الإغراء بناءً على أن نصب ﴿ وقرآن الفجر ﴾ [الإسراء: 78] على الإغراء فيكون فتهجد } تفريعاً على الإغراء تفريع مفصل على مجمل، وتكون (من) اسماً بمعنى (بعض) كالتي في قوله: ﴿ من الذين هادوا يحرفون الكلم ﴾ [النساء: 46] وهو أيضاً حسن.

وضمير به} للقرآن المذكور في قوله: {وقرآن الفجر [الإسراء: 78] وإن كان المعاد مقيداً بكونه في الفجر والمذكورُ هنا مراداً مُطلقهُ، كقولك.

عندي درهم ونصفه، أي نصف درهم لا نصف الدرهم الذي عندك.

والباء للسببية.

والتهجد: الصلاة في أثناء الليل، وهو اسم مشتق من الهجود، وهو النوم.

فمادة التفعل فيه للإزالة مثل التحَرج والتأثم.

والنافلة: الزيادة من الأمر المحبوب.

واللام في لك } متلعقة ب ﴿ نافلة ﴾ وهي لام العلة، أي نافلة لأجلك.

وفي هذا دليل على أن الأمر بالتهجد خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم فالأمر للوجوب.

وبذلك انتظم في عداد الصلوات الواجبة فبعضها واجب عليه وعلى الأمة، وبعضها واجب عليه خاصة ويعلم منه أنه مرغب فيه كما صرحت به آية سورة [المزمل: 20] ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك ﴾ إلى قوله: ﴿ ما تيسر منه ﴾ وفي هذا الإيجاب عليه زيادة تشريف له، ولهذا أعقب بوعد أن يبعثه الله مقاماً محموداً.

فجملة عسى أن يبعثك } تعليل لتخصيصه بإيجاب التهجد عليه، والرجاء من الله تعالى وعد.

فالمعنى: ليبعثك ربك مقاماً محموداً.

والمقام: محل القيام.

والمراد به المكان المعدود لأمر عظيم، لأنه من شأنه أن يقوم الناس فيه ولا يجلسوا، وإلا فهو المجلس.

وانتصب ﴿ مقاماً ﴾ على الظرفية ل ﴿ يبعثك ﴾ .

ووصفُ المقام بالمحمود وصف مجازي.

والمحمود من يقوم فيه، أي يحمد أثره فيه، وذلك لغنائه عن أصحاب ذلك المقام، ولذلك فسر المقام المحمود بالشفاعة العظمى.

وفي «صحيح البخاري» عن ابن عمر " أن الناس يصيرون يوم القيامة جُثاً بضم الجيم وتخفيف المثلثة أي جماعات كل أمة تتبع نبيئها يقولون: يا فلان أشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود " وفي «جامع الترمذي» عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا قال: هي الشفاعة.

قال: هذا حديث حسن صحيح.

وقد ورد وصف الشفاعة في صحيح البخاري} مفصلاً.

وذلك مقام يحمده فيه كل أهل المحشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ أمّا دُلُوكُ الشَّمْسِ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ غُرُوبُها، وأنَّ الصَّلاةَ المَأْمُورُ بِها صَلاةُ المَغْرِبِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ زَيْدٍ، ورَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ زَوالُها، والصَّلاةُ المَأْمُورُ بِها صَلاةُ الظُّهْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ، وهو قَوْلُ أبِي بُرْدَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ لِرِوايَةِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوِكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ)» وقالَ الشّاعِرُ: هَذا مُقامُ قَدَمَيْ رَباحِ ∗∗∗ ذَيَّبَ حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ وَبَراحُ اسْمُ الشَّمْسِ، والباءُ الَّتِي فِيهِ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ إلى أنَّ الباءَ الَّتِي فِيها باءُ الجَرِّ، واسْمُ الشَّمْسِ راحُ.

فَمَن جَعَلَ الدُّلُوكَ اسْمًا لِغُرُوبِها فَلِأنَّ الإنْسانَ يُدَلِّكُ عَيْنَيْهِ بِراحَتِهِ لِتَبَيُّنِها، ومَن جَعَلَهُ اسْمًا لِزَوالِها فَلِأنَّهُ يُدَلِّكُ عَيْنَيْهِ بِراحَتِهِ لِشِدَّةِ شُعاعِها.

وَقِيلَ إنَّ أصْلَ الدُّلُوكِ في اللُّغَةِ هو المَيْلُ، والشَّمْسُ تَمِيلُ عِنْدَ زَوالِها وغُرُوبِها فَلِذَلِكَ انْطَلَقَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

وَأمّا ﴿ غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ظُهُورُ ظَلامِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ عِيسى، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهْيَ لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ الثّانِي: أنَّهُ دُنُوُّ اللَّيْلِ وإقْبالُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

قالَ الشّاعِرُ: إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ ...

...

...

وَفِي الصَّلاةِ المَأْمُورِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صَلاةُ المَغْرِبِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ.

الثّانِي: هي صَلاةُ العِشاءِ الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

ثُمَّ قالَ ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ في "قُرْآنَ" تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ القِراءَةَ في صَلاةِ الفَجْرِ، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.

الثّانِي: مَعْناهُ صَلاةُ الفَجْرِ، فَسَمّاها قُرْآنًا لِتَأْكِيدِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ.

﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ تَشْهَدَهُ بِالحُضُورِ إلَيْهِ في المَساجِدِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ ما رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ)» وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِن صَلاةِ اللَّيْلِ ولا مِن صَلاةِ النَّهارِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ ﴾ أمّا الهُجُودُ فَمِن أسْماءِ الأضْدادِ، ويَنْطَلِقُ عَلى النَّوْمِ وعَلى السَّهَرِ، وشاهِدُ انْطِلاقِهِ عَلى السَّهَرِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ألا زارَتْ وأهْلُ مِنًى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنًى يَعُودُ وَشاهِدُ انْطِلاقِهِ عَلى النَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعَلّاتِ النَّوالِ تَجُودُ أمّا التَّهَجُّدُ فَهو السَّهَرُ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: السَّهَرُ بِالتَّيَقُّظِ لِما يَنْفِي النَّوْمَ، سَواءٌ كانَ قَبْلَ النَّوْمِ أوْ بَعْدَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ السَّهَرُ بَعْدَ النَّوْمِ، قالَهُ الأسْوَدُ بْنُ عَلْقَمَةَ.

وَفي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: فَتَهَجَّدْ بِالقُرْآنِ وقِيامِ اللَّيْلِ نافِلَةً أيْ فَضْلًا وزِيادَةً عَلى الفَرْضِ.

وَفي تَخْصِيصِ النَّبِيِّ  بِأنَّها نافِلَةٌ لَهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَخْصِيصًا لَهُ بِالتَّرْغِيبِ فِيها والسَّبْقِ إلى حِيازَةِ فَضْلِها، لِاخْتِصاصِها بِكَرامَتِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الثّانِي: لِأنَّها فَضِيلَةٌ لَهُ، ولِغَيْرِهِ كَفّارَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: لِأنَّها عَلَيْهِ مَكْتُوبَةٌ ولِغَيْرِهِ مُسْتَحَبَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ الشَّفاعَةُ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ.

الثّانِي: أنَّهُ إجْلاسُهُ عَلى عَرْشِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ إعْطاؤُهُ لِواءَ الحَمْدِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا رابِعًا: أنْ يَكُونَ المَقامُ المَحْمُودُ شَهادَتَهُ عَلى أُمَّتِهِ بِما أجابُوهُ مِن تَصْدِيقٍ أوْ تَكْذِيبٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يسكنون الشام، فمالك والمدينة؟

فَهَمَّ أن يشخص فأنزل الله تعالى ﴿ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن حضرمي رضي الله عنه، أنه بلغه أن بعض اليهود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أرض الأنبياء أرض الشام، وإن هذه ليست بأرض الأنبياء.

فأنزل الله تعالى ﴿ وإن كادوا ليستفزونك...

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر، عن عبد الرحمن بن غنم رضي الله عنه: أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: «إن كنت نبياً فالْحَقْ بالشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة ﴿ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض...

﴾ إلى قوله: ﴿ تحويلاً ﴾ فأمره بالرجوع إلى المدينة وقال: فيها محياك وفيها مماتك وفيها تبعث.

وقال له جبريل عليه السلام: سل ربك...

فإن لكل نبي مسألة.

فقال: ما تأمرني أن أسأل؟

قال: ﴿ قل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ فهؤلاء نزلن عليه في رجعته من تبوك» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ﴾ قال: همّ أهل مكة بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وقد فعلوا بعد ذلك فأهلكهم الله تعالى يوم بدر، ولم يلبثوا بعده إلا قليلاً حتى أهلكهم الله يوم بدر، وكذلك كانت سنة الله تعالى في الرسل عليهم الصلاة والسلام إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذاً لا يلبثون خلافَكَ إلا قليلاً ﴾ قال: يعني بالقليل يوم أخذهم ببدر، فكان ذلك هو القليل الذي كان كثيراً بعده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: القليل ثمانية عشر شهراً.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دلوك الشمس: غروبها.

تقول العرب: إذا غربت الشمس: دلكت الشمس.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه قال: دلوكها، غروبها.

وأخرج ابن مردويه «عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ قال: لزوال الشمس» .

وأخرج البزار وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي بسند ضعيف، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ﴿ دلوك الشمس ﴾ زوالها.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ﴿ دلوك الشمس ﴾ زياغها بعد نصف النهار.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دلوكها، زوالها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لدلوك الشمس ﴾ قال: إذا فاء الفيء.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر» .

وأخرج ابن جرير عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن مردويه، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كنت أقود مولاي قيس بن السائب فيقول لي: أدلكت الشمس؟

فإذا قلت نعم، صلى الظهر.

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر عند دلوك الشمس.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلى غسق الليل ﴾ قال: العشاء الآخرة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ غسق الليل ﴾ اجتماع الليل وظلمته.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ﴿ غسق الليل ﴾ بدو الليل.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ إلى غسق الليل ﴾ قال: ما الغسق؟

قال: دخول الليل بظلمته.

قال فيه زهير بن أبي سلمى: ظلت تجوب يداها وهي لاهبة ** حتى إذا جنح الإظلام في الغسق وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ دلوك الشمس ﴾ حين تزيغ.

و ﴿ غسق الليل ﴾ غروب الشمس.

وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ﴿ دلوك الشمس ﴾ إذا زالت عن بطن السماء و ﴿ غسق الليل ﴾ غروب الشمس.

والله سبحانه أعلم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقرآن الفجر ﴾ قال: صلاة الصبح.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وقرآن الفجر ﴾ قال: صلاة الفجر.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ قال: تشهده الملائكة والجن.

وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع فيها.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر» ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤوا إن شئتم ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يتدارك الحرسان من ملائكة الله تعالى، حارس الليل وحارس النهار عند صلاة الصبح، اقرؤوا إن شئتم ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ ثم قال: تنزل ملائكة الليل وملائكة النهار.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير والطبراني وابن مردويه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ قال: «يشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار» .

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.

وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم عن أبيه قال: دخل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه المسجد لصلاة الفجر، فإذا قوم قد أسندوا ظهورهم إلى القبلة فقال: نحّوا عن القبلة...

لا تحولوا بين الملائكة وصلاتها، فإن هاتين الركعتين صلاة الملائكة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، عن علقمة والأسود رضي الله عنهما قال: التهجد بعد نومة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: نسخ قيام الليل إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ نافلة لك ﴾ يعني، خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم أمر بقيام الليل وكتب عليه.

وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في سننه، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث هن عليّ فرائض وهن لكم سنة: الوتر والسواك وقيام الليل» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر ومحمد بن نصر والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ نافة لك ﴾ قال: لم تكن النافلة لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، خاصة من أجل أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل مع المكتوب فهو نافلة له سوى المكتوب من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب فهي نوافل له وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوب في كفارة ذنوبهم فليس للناس نوافل، إنما هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه مثله.

وأخرج محمد بن نصر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ قال: لا تكون نافلة الليل إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ نافلة لك ﴾ قال: تطوّعاً وفضيلة لك.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن أبي أمامة رضي الله عنه في قوله: ﴿ نافلة لك ﴾ قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم نافلة ولكم فضيلة.

وفي لفظ إنما كانت النافلة خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الطيالسي وابن نصر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب في تاريخه، عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال: إذا توضأ الرجل المسلم فأحسن الوضوء، فإن قعد- قعد مغفوراً له، وإن قام يصلي كانت له فضيلة.

قيل له: نافلة؟

قال: إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم، كيف يكون له نافلة وهو يسعى في الخطايا والذنوب!؟

ولكن فضيلة.

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن جرير وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاء كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان، اشفع لنا.

حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ وسئل عنه قال: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي.

وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المقام المحمود، الشفاعة» .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: مقام الشفاعة.

وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود فقال: «هو الشفاعة» .

وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تَلٍّ، ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي أن أقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق علي بن حسين قال: أخبرني رجل من أهل العلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تمد الأرض يوم القيامة مدّ الأديم ولا يكون لبشر من بني آدم فيها إلا موضع قدمه، ثم أدعى أول الناس فأخر ساجداً، ثم يؤذن لي فأقول: يا رب، أخبرني هذا لجبريل وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه جبريل قط قبلها أنك أرسلته إلي.

وجبريل عليه السلام ساكت لا يتكلم حتى يقول الرب: صدقت...

ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول: أي رب، عبادك عبدوك في أطراف الأرض.

فذلك المقام المحمود» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه والبيهقي في البعث والخطيب في المتفق والمفترق، عن حذيفة رضي الله عنه قال: يجمع الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر حفاة عراة كما خلقوا قياماً، لا تكلم نفس إلا بإذنه ينادي: يا محمد، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك والشرّ لَيْسَ إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت.

فهذا المقام المحمود.

وأخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم عليه السلام فيقول: لَسْتُ بصاحب ذلك، ثم موسى عليه السلام فيقول: كذلك، ثم محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع، فيقضي الله بين الخلائق فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة» فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأقوم المقام المحمود.

قيل: وما المقام المحمود؟

قال: ذلك إذا جيء بكم حفاة عراة غرلاً، فيكون أول من يكسى إبراهيم عليه السلام، فيقول: اكسوا خليلي.

فيؤتى بريطتين بيضاوين فيلبسهما، ثم يقعد مستقبل العرش.

ثم أوتَى بكسوة فألبسها فأقوم عن يمينه مقاماً لا يقومه أحد، فيغبطني به الأولون والآخرون، ثم يفتح نهر من الكوثر إلى الحوض» .

وأخرج ابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ما المقام المحمود الذي ذكر لك ربك؟

قال: «يحشر الله الناس يوم القيامة عراة غرلاً، كهيئتكم يوم ولدتم...

هالهم الفزع الأكبر وكظمهم الكرب العظيم، وبلغ الرشح أفواههم وبلغ بهم الجهد والشدة، فأكون أول مدعى وأول معطى، ثم يدعى إبراهيم عليه السلام قد كسي ثوبين أبيضين من ثياب الجنة، ثم يؤمر فيجلس في قبل الكرسي.

ثم أقوم عن يمين العرش...

فما من الخلائق قائم غيري، فأتكلم فيسمعون وأشهد فيصدقون» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: «يجلسه على السرير» .

وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ- آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أوّل من تَنْشَقُّ عنه الأرض ولا فخر...

فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك.

فيقول: إني أذنبت ذنباً أهبطت منه إلى الأرض، ولكن ائتوا نوحاً.

فيأتون نوحاً فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم.

فيأتون إبراهيم فيقول: ائتوا موسى.

فيأتون موسى عليه الصلاة والسلام فيقول: إني قتلت نفساً، ولكن ائتوا عيسى.

فيأتون عيسى عليه السلام فيقول: إني عُبِدْتُ من دون الله، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم.

فيأتوني فأنطلق معهم فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها، فيقال: من هذا؟

فأقول: محمد.

فيفتحون لي ويقولون: مرحباً.

فأخرّ ساجداً فيلهمني الله عز وجل من الثناء والحمد والمجد، فيقال: ارفع رأسك...

سل تُعْطَ، واشفع تُشَفّعْ، وقل يسمع لقولك.

فهو المقام المحمود الذي قال الله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: يخرج الله قوماً من النار من أهل الإيمان والقبلة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك المقام المحمود.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه ذكر حديث الجهنّميّين فقيل له: ما هذا الذي تحدث والله تعالى يقول: ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ [ آل عمران: 192] ﴿ وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ [ السجدة: 20] فقال: هل تقرأ القرآن؟

قال: نعم.

قال: فهل سمعت فيه بالمقام المحمود؟

قال: نعم.

قال: فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم الذي يخرج الله به من يخرج.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يأذن الله تعالى في الشفاعة، فيقوم روح القدس جبريل عليه السلام، ثم يقوم إبراهيم خليل الله عليه الصلاة والسلام، ثم يقوم عيسى أو موسى عليهما السلام، ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم واقفاً ليشفع، لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله فاسألوه أن يبعثني المقام المحمود الذي وعدني» .

وأخرج البخاري عن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حَلّتْ له شفاعتي يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان رضي الله عنه قال: يقال له: سل تعطه- يعني النبي صلى الله عليه وسلم- واشفع تشفع، وادع تجب.

فيرفع رأسه فيقول: أمتي.

مرتين أو ثلاثاً، فقال سلمان رضي الله عنه: يشفع في كل من في قلبه مثقال حبة حنطة من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو مثقال حبة خردل من إيمان.

قال سلمان رضي الله عنه: فذلكم المقام المحمود.

وأخرج الديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «قيل: يا رسول الله، ما المقام المحمود؟

قال: ذلك يوم ينزل الله تعالى عن عرشه، فيئط كما يئط الرحل الجديد من تضايقه» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: يجلسه بينه وبين جبريل عليه السلام، ويشفع لأمته.

فذلك المقام المحمود.

وأخرج الديلمي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: يجلسني معه على السرير» .

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خيِّر بين أن يكون عبداً نبياً أو ملكاً نبياً، فأومأ إليه جبريل عليه السلام أن تواضع، فاختار أن يكون عبداً نبياً.

فأعطى به النبي صلى الله عليه وسلم ثنتين: أنه أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع.

فكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: يجلسه معه على عرشه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ ﴾ ، أصل معنى الهجود في اللغة النوم (١) هجِّدْنا فقد طال السُّرى [[وتمامه: قال هَجِّدْنا ...........

...

وقَدَرْنَا إن خَنَا الدَّهْرِ غَفَل "شرح ديوان لبيد" ص 182، وورد في: "الأضداد" لابن السِّكِّيت [ثلاثة كتب في الأضداد] ص 194، و"مجاز القرآن" 1/ 389، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 256، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 51، و"تهذيب اللغة" (هجد) 4/ 3716 ، و"الصحاح" (هجد) 2/ 55، و"تفسير الطوسي" 6/ 511، و"تفسير ابن الجوزي" 5/ 74، و"اللسان" (هجد) 4/ 4616 (خنا) 3/ 1283، (السُّري): سير الليل عامة، (قدرنا): أي وقدرنا على ورود الماء، وذلك إذا قربوا منه، (الخنى): الآفة والفساد، أي إن غفل عنا فساد الدهر فلم يعقنا، وقيل قدرنا: أي على التهجد، وقيل: على السير، والشاعر يصف نفسه بالجلد في السفر وكثرة السهر حتى تأذى رفيقه بذلك وقال له: خلنا ننام ونسحريح، قد قدرنا على ما نريد ووصلنا إلى ما نحب إن غفل عنا الدهر ولم يفسد علينا أمرنا.]] كأنه قال: نَوِّمْنَا فإن السُّرى قد طال علينا النوم، هذا هو الأصل، وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة: الهاجد النائم، والهاجد: المصلِّي بالليل (٢) وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: هجَّد الليلَ الرجلُ إذا صلى من الليل، وهَجَّد: إذا نام بالليل، قال: والمتهجد يكون مصليًا ويكون نائماً (٣) وروى عمرو عن أبيه قال: هَجد وهَجَّد: إذا قام مصلِّيًا، وهَجَد: إذا نام (٥) وقال ابن بُزُرْج: هَجّدْتُه: أيقظته (٦) (٧) (٨) (٩) قال ابن عباس في قوله: ﴿ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ فَصَلِّ بالقرآن (١٠) (١١) (١٢) قال الحجاج بن عمرو المازني (١٣) (١٤)  - (١٥) وقوله تعالى: ﴿ بِهِ ﴾ قالوا: بالقرآن نافلة لك، معنى النافلة في اللغة: ما كان زيادة على الأصل، ذكرنا هذا في قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾ ، ومعناها أيضًا في هذه الآية: الزيادة.

قال مجاهد: النافلة للنبيّ -  - خالصة؛ من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهي نافلة له، من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل له خاصة وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتهم فليس لهم نوافل (١٦) وقال السدي: نافلة لرسول الله -  - خاصة؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وليست لنا بنافلة لكثرة ذنوبنا إنما نعمل لكفاراتها (١٧) قال أبو أمامة: إنما النافلة للنبيّ -  - (١٨) وقال الحسن: لا تكون نافلة إلا للنبيّ -  - (١٩) وقال ابن عباس خاصة (٢٠)  - للدرجات لا للكفارات.

ولا يدل قوله: ﴿ نَافِلَةً ﴾ على أنها لم تكن واجبة عليه، فقد روى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ نَافِلَةً لَكَ ﴾ يريد فريضة عليك زائدة على الفرائض خُصِصتَ بها من بين أمتك (٢١) (٢٢) وذهب قوم إلى أن معنى النافلة: التطوع الذي يتبرع به الإنسان، وقالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة عليه ثم نُسخت عنه فصارت نافلة، أي تطوعًا وزيادة على الفرائض يتبرع بها، وهو قول قتادة والمبرد وعبد الله بن مسلم (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ ﴾ قال ابن عباس: عسى من الله واجب (٢٤) (٢٥) قال أهل المعاني: وإنما كان كذلك لأن معنى عسى في اللغة: التقريب والإطماع، ومَنْ أطمع إنسانًا في شيء ثم حَرَمَه كان غارًّا، والله أكرم من أن يُطمع أحدًا في شيء ثم لا يعطيه ذلك (٢٦) قوله تعالى: ﴿ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة (٢٧)  - في هذه الآية: "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي" (٢٨) قال ابن عباس: عسى من الله واجب، يريد أعطاك الله يوم القيامة مقامًا محمودًا يحمدك فيه الأولون والآخرون، تَشْرُف فيه على جميع الخلائق، وتَسأل فتُعطى وتَشفع فتُشَفَّع، ليس أحدٌ إلا تحت لوائك (٢٩) وروي عن مجاهد في تفسير قوله: ﴿ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ قال: يجلسه معه على العرش (٣٠) وروي عن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية: يقعده على العرش (٣١) ﴿ يَبْعَثُكُمْ ﴾ والبعث لا يكون بمعنى الإجلاس، ومن فَسَّر البعث بالإجلاس فقد فَسَّره بضد ما وُضع له؛ لأن البعث وضع للإثارة؛ يقال: بعثت المبارك والقاعد فانبعث، هذا هو الأصل، ثم يقال: بعث الله الميت، وبعث بمعنى أرسل راجع إلى هذا، لأنه يقيمه إلى ما يرسله إليه وله، ولأن الله تعالى قال: ﴿ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ ولم قل: مقعدًا، والمقام موضع القيام، يدل على هذا قوله: ﴿ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ ، وهو موضع قدميه في حال قيامه، وقول الشاعر: هذا مقام قدمي رباح (٣٢) وإذا فسد هذا الفساد الظاهر لم يُعتد به (٣٣) وفي القول الذي عليه الناس معنى قوله: ﴿ يَبْعَثَكَ ﴾ يقيمك في ذلك المقام، يدل على هذا ما رُوي في حديث الشفاعة: " ..

فأكون أول من يدعى وأول من ينادى فأقول: لبيك وسعديك ..

" الحديث [[أحاديث الشفاعة كثيرة وبعدة روايات في الصحيحين وغيرهما، لكني لم أقف على حديث بهذا اللفظ، وأقرب لفظ وجدته حديثان؛ أحدهما: موصول، والآخر: مرسل، أما الحديث الموصول، فعن حذيفة -  - قال: (يُجْمَعُ الناس في صعيد، فلا تكلم نفسٌ، فأول من يتكلم محمد -  - فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك ..

قال حذيفة: فذلك المقام المحمود) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 387، وابن أبي شيبة 6/ 323، 7/ 153، والنسائي في "تفسيره" 1/ 660، والبزار [البحر الزخار] 7/ 329، و"الطبري" 15/ 144، والحاكم: التفسير/ الإسراء 2/ 363 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة ووإفقه الذهبي، وأبو نعيم في "الحلية" 1/ 278، وأورده الهيثمي في "المجمع" 10/ 377 وقال: رواه البزار موقوفًا ورجاله رجال الصحيح، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 357 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والخطيب في المتفق والمفترق.

أما الحديث المرسل؛ فأخرجه "عبد الرزاق" 2/ 387، عن معمر عن الزهري عن علي بن الحسين، أن النبي قال: (إذا كان يوم القيامة مدّ الله الأرض مد الأديم ..

قال النبي -  - فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها ..) الحديث.]].

وانتصب قوله: ﴿ مَقَامًا ﴾ على الظرف؛ كأنه قيل في مقام.

وقوله تعالى: ﴿ مَحْمُودًا ﴾ يجوز أن يكون انتصابه على الحال مِنْ ﴿ يَبْعَثَكَ ﴾ ، أي: يبعثك محمودًا يحمدك فيه الخلق، وبجوز أن يكون نعتًا في اللفظ، وهو في المعنى لمحمد -  -، تقديره: مقامًا محمودًا فيه أنت، ويدل على هذا الوجه ما رُوي في الحديث: "وابعثه المقام المحمود حتى يغبطه به الأولون والآخرون" [[لم أجد حديثًا بهذا اللفظ، وأقرب لفظ لهذا الحديث ما ورد في فضل الدعاء عند النداء، وروايته: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -  - قال: "من قال حين يسمع == النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" أخرجه أحمد 3/ 354، والبخاري (614): الأذان، الدعاء عند النداء، والنسائي: الأذان، الدعاء عند الأذان 2/ 27، سنن البيهقي: الصلاة، ما يقول إذا فرغ من ذلك 1/ 410.]]، والمعنى: ابعثه المقام المحمود فيه هو.

(١) انظر: (هجد) في "المحيط في اللغة" 3/ 370، و"الصحاح" 2/ 555، و"اللسان" 8/ 4616.

(٢) ورد في "تهذيب اللغة" (هجد) 4/ 3716 ، بنصه.

(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (هجد) 4/ 3716، بنصه تقريبًا.

(٤) ورد في "تهذيب اللغة" (هجد) 4/ 3716 بلفظه، انظر: "تفسير الألوسي" 15/ 138.

(٥) في (أ)، (د): (الليل)، وهو خطأ ظاهر، والمثبت من (ش)، (ع) هو الصواب.

(٦) انظر: "ثلاثة كتب في الأضداد": للأصمعي ص 40، والسجستاني ص 123، وابن السكت ص 194، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 50.

(٧) "تهذيب اللغة" (هجد) 4/ 3716، بنصه.

(٨) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 74، بنصه.

(٩) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 74، بنصه.

(١٠) عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو حفص، ثقة، روى عن أبيه == وعلقمة، وعنه الأعمش وهارون بن عنترة، مات سنة (99 هـ)، انظر: "الجرح والتعديل" 5/ 209، و"الكاشف" 1/ 621 (3141)، و"تقريب التهذيب" (3803).

(١١) أخرجه "الطبري" 15/ 141 - 142 بنصه من طرق عنهم، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 183 بنصه عن علقمة والأسود، و"تفسير الجصاص" 7/ 203 بنصه عن الأسود وعلقمة، و"الثعلبي" 7/ 117 أبنصه، و"الطوسي" 6/ 511 بنصه عن الأسود وعلقمة، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 61، عنهم، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 355 وزاد نسبته إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن علقمة والأسود.

(١٢) الحجاج بن عمرو المازني الأنصاري الخزرجي -  -، له صحبة، روى عن النبي -  - حديثين؛ أحدهما في الحج والآخر في التهجد، وهو الذي ضرب مروان يوم الدار -يوم حصر عثمان -  - في داره- فأسقطه، وشهد صفين مع علي.

انظر: "الاستيعاب" 1/ 378، و"أسد الغابة" 1/ 692، و"الإصابة" 1/ 313، و"تقريب التهذيب" ص 153 (1132).

(١٣) ساقطة من (د).

(١٤) أخرجه "الطبري" 15/ 142 مختصرًا، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 207 بنصه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 142 و"الفخر الرزي" 21/ 30، و"القرطبي" 10/ 308، و"الألوسي" 15/ 138.

(١٥) أخرجه "الطبري" 15/ 143 بنصه، والبيهقي في "الدلائل" 5/ 487 بنصه تقريبًا، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 184، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 280 مختصرًا، و"الثعلبي" 7/ 117 أ، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 264 مختصرًا، و"الطوسي" 6/ 512 مختصرًا، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 356 وزاد نسبته إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر، ولم ير الطبري هذا القول، ورده وحكم عليه بالفساد، وقال: لا معنى له؛ لأن النبي -  فيما ذكر عنه- أكثر ما كان استغفارًا لذنوبه بعد نزول قول الله عز وجل: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ  ﴾ ، وكان يعد له في المجلس الواحد استغفار مئة مرة، ومعلوم أن الله لم يأمره أن يستغفر إلا لما يغفر له باستغفاره ذلك.

ا.

هـ.

نعم كان النبي -  - يكثر من الاستغفار، لكن لا على أنه استغفار من الذنوب كذنوبنا، بل كما قال: "إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" رواه مسلم (2702) كتاب: الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار، قال ابن الأثير: الغين: الغيم، أراد ما يغشاه من السّهو الذي لا يخلو منه بشر؛ لأن قلبه أبدًا كان مشغولًا بالله تعالى.

"النهاية" 3/ 403.

(١٦) انظر: تفسير الفخر الرازي" 21/ 30، بنحوه، و"أبي حيان" 6/ 71.

(١٧) أخرجه الطيالسي ص 155 بنصه تقريبًا، و"الطبري" 15/ 143 بنصه، والطبراني في "الكبير" 8/ 145، بنصه، والبيهقي في الشعب 3/ 28، بنصه، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 207 بنصه، و"السمرقندي" 2/ 280 - بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 356 وزاد نسبته إلى ابن نصر وابن مردويه.

(١٨) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 75، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 356 وعزاه إلى محمد بن نصر.

(١٩) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 117 أ- بلفظه، انظر: "تنوير المقباس" ص 304.

(٢٠) أخرجه "الطبري" 15/ 142، بنحوه من طريق العوفي (ضعيفة)، ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 117 أ، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 264 - مختصرًا، و"الطوسي" 6/ 511، بنحوه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 355 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.

(٢١) انظر: "تفسير الطبري" 15/ 142 - 143 ورجحه، و"هود الهواري" 2/ 437، و"الثعلبي" 7/ 117 أ، و"السمعاني" 3/ 269، و"البغوي" 5/ 115.

(٢٢) "الغريب" لابن قتيبة 1/ 261 قال: تطوعًا، وأخرجه "عبد الرزاق" 2/ 386، و"الطبري" 8/ 130، عن قتادة، قال: تطوعًا وفضيلة لك، وورد عن قتادة -كروابة الطبري- في "تفسير الجصاص" 3/ 207، و"الثعلبي" 7/ 117 أ، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 356 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر عن قتادة.

(٢٣) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 185، بنحوه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، انظر: "تنوير المقباس" ص 304، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 438 بنصه، وعزاه إلى ابن المنذر والبيهقي في سننه.

(٢٤) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 218 ب، و"الطبري" 143/ 15، و"هود الهواري" 2/ 437، و"الطوسي" 6/ 512.

(٢٥) ورد نحوه في "تفسير الطبري" 15/ 143، و"الثعلبي" 7/ 117 أ، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 31، و"الخازن" 3/ 175.

(٢٦) انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 369، و"تفسير مقاتل" 1/ 218 ب، و"عبد الرزاق" 2/ 386، و"الطبري" 8/ 131 - 132، و"هود الهواري" 2/ 437، و"الثعلبي" 7/ 117 أ، و"الماوردي" 3/ 265، و"الطوسي" 6/ 512، وأورده السيوطي في == "الدر المنثور" 4/ 356 - 359 بعدة روايات عن: ابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وكعب بن مالك وحذيفة وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وسلمان -  م-.

(٢٧) أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 323 بمعناه، وأحمد 2/ 441، 528 بنصه، والترمذي (3137) كتاب: التفسير، باب: ومنه سورة بني إسرائيل.

بمعناه وحسنه، و"الطبري" 15/ 146 بنصه، والبيهقي في "الدلائل" 5/ 484 - بمعناه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 185، بنصه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 356 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.

والحديث ضعيف- كما قال شاكر في "شرح المسند" 9/ 204 - لضعف داود الأَوْديّ الذي روى الحديث عن أبيه عن أبي هريرة، وقد ضعفه كثير من العلماء، انظر: ترجمته في "ميزان الاعتدال" 2/ 211، و"تهذيب التهذيب" 1/ 572.

(٢٨) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 534، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 372، و"تنوير المقباس" ص 304.

(٢٩) أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 308، بنحوه، و"الطبري" 15/ 145 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 118 أبنصه، و"الماوردي" 3/ 265، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 121، و"ابن الجوزي" 5/ 76، و"العلو" للذهبي ص 94.

(٣٠) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 118 أبنصه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 76، و"العلو" للذهبي ص 75.

(٣١) سبق.

(٣٢) لقد أجاد الواحدي -رحمه الله- في رد هذا القول، لكن الغريب أن الطبري -مع ترجيحه لقول الجمهور- لم يستنكر هذا القول، بل قال: إن ما قاله مجاهد قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله -  - ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك.

"تفسير الطبري" 15/ 147، ومعلوم أن عدم ورود الخبر عن المعصوم بذلك يكفي لإبطال هذا القول لا العكس، ولأن هذا الخبر غيبي عقدي فلا يثبت إلا بالخبر الصحيح ولا يجدي النظر في إثبات هذه القضية، لذلك لا محيد عن قول الجمهور في هذه القضية، وهو الذي أيّدته الأخبار الصحيحة، وكذلك الأخبار التي اعتمد عليها الطبري في تسويغ الجلوس لا تثبت؛ فقد ردها علماء الحديث، وفي مقدمتهم الذهبي، فقد أورده في "العلو" ص 75 من طريقين عن أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن ابن مسعود بنحوه، ثم قال: هذا حديث منكر لا يفرح به، وسلمة هذا متروك الحديث، وأشعث لم يلحق ابن مسعود، وذكر الذهبي للأثر شاهدًا بنحوه عن عبد الله بن سلام موقوفًا عيه، وقال: هذا كوقوف ولا == يثبت إسناده، وإنما هذا شيء قاله مجاهد.

كما أن له شاهدًا آخر من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في "الكبير" 12/ 61 - بنحوه، من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن ابن جبير عن ابن عباس، وأورده الهيثمي في "المجمع" 7/ 51 وقال: وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف إذا لم يتابع، وعطاء بن دينار قيل لم يسمع من سعيد بن جبير.

أما أثر مجاهد فقد أورده الذهبي في "العلو" ص 94 وقال: لهذا القول طرق خمسة، وأخرجه ابن جرير في تفسيره، وعمل فيه المروزي مصنفًا.

وفي سند الطبري ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط- كما في "ميزان الاعتدال" 3/ 420، وهذا الأثر مما أُنكر على مجاهد حتى قُرن في ترجمته، قال الذهبي في ترجمة مجاهد في "ميزان الاعتدال" 4/ 359: ومن أَنْكَر ما جاء عن مجاهد في التفسير في قوله: ﴿ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ قال: يُجلسه معه على العرش.

وقال ابن عبد البر: مجاهد وإن كان أحد الأئمة بالتأويل، فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم؛ أحدهما هذا القول، والثاني في تأويل ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ قال: معاه تنتظر الثواب.

انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 311، و"أبي حيان" 6/ 72، والشوكاني 3/ 360.

فالحديث باطل لا يثبت لا من جهة الخبر ولا النظر، والأغرب من قول الطبري تشبث بعض المحدثين بهذا الخبر والمبالغة في قبوله إلى حد الغلو، فقد ذكر الذهبي في "العلو" ص 100 - 101 - 117 - 118 أن بعض المحدثين قال: لو أن حالفًا حلف بالطلاق ثلاثًا أن الله يقعد محمدًا -  - على العرش واستفتاني، لقلت له: صدقت وبررت!

وعقب الذهبي قائلاً: فابصر -حفظك الله من الهوى- كيف آل الغلو بهذا المحدث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر ..

، وذكر النقاشر عن أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكرَ هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا.

انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 171، و"القرطبي" 10/ 311، و"أبي حيان" 6/ 72، و"تفسير الماوردي" 3/ 265 حاشية رقم (449)، و"سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (865) 2/ 255.

(٣٣) لم أجد حديثًا بهذا اللفظ، وأقرب لفظ لهذا الحديث ما ورد في فضل الدعاء عند النداء، وروايته: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -  - قال: "من قال حين يسمع == النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" أخرجه أحمد 3/ 354، والبخاري (614): الأذان، الدعاء عند النداء، والنسائي: الأذان، الدعاء عند الأذان 2/ 27، سنن البيهقي: الصلاة، ما يقول إذا فرغ من ذلك 1/ 410.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً ﴾ لما أمر بالفرائض أمر بعدها بالنوافل، ومن للتبعيض، والضمير في به للقرآن والتهجد والسهر هو ترك الهجود ومعنى الهجود: النوم فالتفعل هنا للخروج عن الشيء كالتحرج والتأثم: في الخروج عن الإثم والحرج ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ يعني الشفاعة يوم القيامة، وانتصب مقاماً على الظرف ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ الآية: المدخل: دخولة إلى المدينة، والمخرج خروجه من مكة، وقيل: المدخل في القبر، والمخرج إلى البعث، واختار ابن عطية أن يكون على العموم في جميع الأمور ﴿ سلطانا نَّصِيراً ﴾ قيل: معناه حجة تنصرني بها ويظهر بها صدقي، وقيل: قوة ورياسة تنصرني بها على الأعداء وهذا أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خلفك ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد.

الآخرون ﴿ خلافك ﴾ بكسر الخاء بالألف ﴿ وننزل من ﴾ مخففاً: أبو عمرو ويعقوب الياقوت بالتشديد وياء تحتانية ﴿ وناء بجانبه ﴾ مثل "ناع": يزيد وابن ذكوان ﴿ ونأى ﴾ يفتح النون وإمالة الهمزة مثل "رمى".

حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف والعجلي وخلف لنفسه.

الباقون بفتحتين كرمى.

الوقوف: ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه لا لتعلق "إذا" ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ وقرآن ﴾ ه ﴿ الفجر ﴾ ط ﴿ مشهوداً ﴾ ه ﴿ نافلة لك ﴾ قف والوصل أولى لأن "عسى" وعد على التهجد ﴿ محموداً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ وزهق الباطل ﴾ ط ﴿ زهوقاً ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من صلة "ما" ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج لعطف حملتي الظرف ﴿ بؤساً ﴾ ه ﴿ شاكلته ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ عن الروح ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ز لعطف المتفقين معنى المختلفين لفظاً ﴿ كفوراً ﴾ ه.

التفسير: لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء.

عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي  : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب، لا نعشر - أي لا تؤخذ عشور أموالنا - ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد، وكل رباً لنا فهو لنا، وكل رباً علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك؟

فقل: إن الله أمرني به وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب: اكتب "ولا يجبون" والكاتب ينظر إلى رسول الله.

فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً.

فقالوا: لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً.

وقال عمر: أما ترون رسول الله  أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله الآية.

وهذه القصة وقعت بعد الهجرة فلهذا قال المفسرون إنها ليست بمكية.

وروي أن قريشاً قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت.

وقال الحسن: إن الكفار أخذوا رسول الله  بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها، ولو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك.

فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم.

وعن سعيد بن جبير أنه  كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون: لا ندعك حتى تستلم بآلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية فنزلت.

قال القفال: من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله  بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: لو عبدت آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون  ﴾ وقوله: ﴿ ودّوا لو تدهن فيدهنون  ﴾ وتارة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت ﴿ ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا  ﴾ وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم  ﴾ وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ويزيلوه عن منهجه.

فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجوداً لكان للآية محمل صحيح.

والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين.

وأصل الفتنة الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك ﴿ وإذا لاتخذوك ﴾ أي لو اتبعت مرادهم لاتخذوك ﴿ خليلاً ﴾ ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ لولا تثبيتنا وعصمتنا لك ﴿ لقد كدت تركن إليهم ﴾ لقاربت أن تميل إلى مرادهم ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ أي ركوناً قليلاً.

قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم.

قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي  : "اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين." ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال: ﴿ إذا لأذقناك ﴾ أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك ﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله.

وقال صاحب الكشاف: المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار.

والعذاب يوصف بالضعف كقوله: ﴿ فزده عذابا ضعفاً في النار  ﴾ بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات.

وقال التفسير الكبير: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة.

والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا عقوبتهم أعظم نظير ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث: " "من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ﴿ ثم لا تجد لك علينا نصيراً ﴾ يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا.

واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها.

والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي  .

وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق.

وقالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده.

وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله  عقيب ذلك.

ثم ذكر طرفاً آخر من مكايدهم فقال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى ﴿ ليستفزونك ﴾ ليزعجونك كما مر في قوله: ﴿ واستفزز  ﴾ والأرض إما أرض مكة، كما قال قتادة ومجاهد ويرد عليه أن "كاد" للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك  ﴾ ويمكن أن يقال: إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه، فأطلق الإخراج على إرادة الإخراج مجوزاً يؤيده قوله: ﴿ وإذا لا يلبثون ﴾ وهو معطوف على ﴿ يستفزونك ﴾ أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ذلك على عدم وقوع الإخراج.

ومن جوز وقوع الإخراج قال: المراد بعدم اللبث أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل.

واما أرض المدينة على ما روي عن ابن عباس أن رسول الله  لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك.

وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله  على أميال من المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع.

وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضاً مدنية، والخلاف في معنى الخلف كما مر في قوله: ﴿ بمقعدهم خلاف رسول الله  ﴾ وقرىء: ﴿ وإذا لا يلبثوا ﴾ بحذف النون على إعمال "إذن" فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ .

ثم بين أن عادته  جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم ﴿ فقال سنة من قد أرسلنا ﴾ وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ﴿ ولا تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة.

وقال أهل النظم: لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة.

وأيضاً لما قال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها  ﴾ ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها.

وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر.

وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه  قال: " أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر." قالوا: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء.

وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس.

وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت ﴿ إلى غسق الليل ﴾ أي ظلمته.

قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً أي أظلم، والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال: غسقت العين إذا هملت وكأن الظلام انهمل على الدنيا وتراكم.

وهذا عند سيبويه الشفق الأبيض، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب الشفق الأحمر لأن المحدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية.

وهذا الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية، وعلى أن الآية يجب أن تشمل جميع الصلوات، وللخصم المنع في المقامين.

ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية للشيء ببعض أجزائه، ومثله تسمية الصلاة ركوعاً وسجوداً وقنوتاً.

قال جار الله: إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن.

قلت: أجزاء الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات فلا يتم هذ الاعتراض.

وفي الآية مسائل: الأولى: استدل بعض الشيعة بها على جواز الجميع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً.

وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم إبقاؤها على الجواز الأصلي.

الثاني: استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من التنوير لوجوه منها: أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير: أقم قرآن الفجر.

وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل.

والفجر انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل.

ومنها أنه خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت، ومنها أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً فقيل: أي يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة.

وقال أكثر المفسرين: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار.

وقيل: إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل.

فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار.

ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك لك، وتقول ملائكة النهار: ربنا لقينا عبادك وهم يصلون.

فيقول الله لملائكته: اشهدوا فإني قد غفرت لهم.

والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد.

ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدىء بها وقت التنوير.

قال أهل التحقيق: إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيره الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق، فيزداد بصيرة وإيقاناً ومعرفة وإيماناً، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة.

وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها، فيزداد كل منهم نورية وبهاء.

فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ مشهوداً ﴾ إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة.

ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس.

ثم حث على قيام الليل فقال: ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هذا من الأضداد لأنه يقال: هجد الرجل إذا نام وهجد أيضاً إذا صلى من الليل، وبوسط الأزهري فقال: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه "تأثم" "وتحرج" وإذا ألقى الإثم والحرج عن نفسه.

فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه.

وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجداً.

وربما يقال: سمي تهجداً لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله  ولداود كما جاء في الحديث: "أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثه ويقوم سدسه" قال جار الله: معنى ﴿ ومن الليل ﴾ وعليك بعض الليل ﴿ فتهجد به ﴾ وقال في التفسير الكبير: تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول "الأنفال".

ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي  .

زعم أن معناها كونها فريضة له زائدة على الصلوات الخمس، أو المراد أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعاً زائدة على الفرائض.

ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله: ﴿ فتهجد ﴾ وبين قوله ﴿ نافلة ﴾ تعارض، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه.

ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ﴿ نافلة ﴾ قرينة صارفة للوجوب إلى الندب.

وعن مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وإنما تكون مؤثرة في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي: إن هذه الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير السيئات ومن تقييد التهجد بقوله: ﴿ نافلة لك ﴾ يعلم أن قوله: ﴿ أقم الصلاة ﴾ عام له ولكل أمته وإن كان ظاهره خطاباً معه.

ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك ﴾ ولا ريب أن "عسى" من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف: انتصب ﴿ مقاماً محموداً ﴾ على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود، وقيل: إنه مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.

والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة، أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في إيصال الثواب إليه، ويؤيده رواية أبي هريرة عن النبي  : "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي." وأما ما روى عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس في صعيد واحد ولا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد فيقول: لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.

فليس بقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب حمداً له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاعة فيرجع إلى الأول.

وقيل: أراد مقاماً تحمد عاقبته.

وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه على العرش وزيف بلزوم التحيز له  .

قوله: ﴿ مدخل صدق ﴾ و ﴿ مخرج صدق ﴾ مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو "حاتم الجود" أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره.

قال الحسن وقتادة: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، وقيل: إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء وعزم رسول الله  على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ومسكنك.

﴿ وقل رب أدخلني ﴾ في المدينة ﴿ مدخل صدق وأخرجني ﴾ منها إلى مكة ﴿ مخرج صدق ﴾ أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عوداً إلى الواقعة المذكورة في قوله ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان.

وقيل: أراد إدخاله مكة ظاهراً عليها الفتح وإخراجه منها آمناً من المشركين.

وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً.

وقيل: إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوّة، وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط.

وقيل: أراد رب أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول.

وقال صاحب الكشاف: أدخلني القبر إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث ملقى بالكرامة.

يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث ﴿ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ حجة ظاهرة تنصرني بها جميع من خالفني أو ملكاً وعزاً ناصراً للإسلام وذويه.

ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله: ﴿ وقل جاء الحق ﴾ أي الإسلام ﴿ وزهق الباطل ﴾ اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ غير ثابت في كل وقت وإن اتفقت له دولة وصولة كانت كنار العرفج.

عن ابن مسعود أن النبي  دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً لقبائل العرب.

صنم كل - قوم بحيالهم - فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل.

فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة - وكان من قوارير صفر - فقال: يا علي ارم به.

فحمله رسول الله  حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد فلا جرم كذبهم الله وصدق نبيه بقوله: ﴿ وننزل من القرآن ﴾ "من" للبيان كقوله: ﴿ من الأوثان  ﴾ أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء.

وهو هذا القرآن أو بعض هذا الجنس.

وقيل: زائدة ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن الأمراض الجسمانية أيضاً لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء للمرض كما قال  : "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" .

ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة المقرّبين بل إلى جناب رب العالمين، ولما كان قبول القابل شرطاً في ظهور الأثر من الفاعل فلا جرم ﴿ لا يزيد ﴾ القرآن ﴿ الظالمين ﴾ الذي وضعوا التكذيب مقام التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان ﴿ إلا خساراً ﴾ لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظاً وحنقاً ويدعوهم ذلك إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جراً إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم.

ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال: ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان ﴾ أي على هذا الجنس بالصحة والغنى.

وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة.

وفي التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول ﴿ أعرض ونأى بجانبه ﴾ النأي البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحيته.

والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين.

ومن قرأ ﴿ ناء ﴾ فإما من النوء بمعنى النهوض مستثقلاً.

وإما مقلوب كقولهم: "راء" في رأى.

﴿ وإذا مسه الشر ﴾ من مرض أو فقر ﴿ كان يؤساً ﴾ شديد اليأس من روح الله.

والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ أي كل واحد من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي جبل عليها من قولهم "طريق ذو شواكل" وهي الطرق التي تتشعب منه.

﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ﴾ لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس مختلفة بالماهيات، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة أبدانها، كما أن الشمس تعقد الملك وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه.

ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية الروح فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً عن ثلاث: عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح.

فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالثة فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في التوراة، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي.

فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح إذا قال: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على سؤالهم.

ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها: أن الروح ليس أعلى شأناً من الله  ، وإذا كانت معرفة الله  .

ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح: ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي  أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته؟

وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد مضى النبي  وما يعلم الروح.

ومنها أن جعل الحكاية دليلاً على النبوة غير معقول.

ونحن نتقصى عن المسألة فنقول: السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونة متحيزاً أو غير متحيز، أو قديماً أو حادثاً أو باقياً بعد البدن أو فانياً، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته.

وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة.

وقوله  : ﴿ وسألونك عن الروح ﴾ ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، فيكون قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله: ﴿ كن فيكون  ﴾ لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب.

وقال في آخر سورة يس ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون  ﴾ ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه.

ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركاً للباري  في الحقيقة، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات.

وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفاً على الزمان لم يكن حاصلاً بمجرد الأمر والمفروض خلافه.

ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ﴾ وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم، فإذا نسب معلومه إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام  ﴾ ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي  ﴾ كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.

وقال بعض المفسرين: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي  : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً  ﴾ فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ يدل على أن الروح حادث لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل.

قال  : ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ أي فعله وقال: ﴿ ولما جاء أمرنا  ﴾ أي فعلنا.

وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات.

ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله  : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث.

ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات.

وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله  بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله.

وقيل: هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله  : ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً  ﴾ ونقل عن علي  أن له سبعين ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله  بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطيرمع الملائكة يوم القيامة ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل.

وأمثال هذه الروايات مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلاً عليه.

وقال الحسن وقتادة: هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي؟

فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أن نزوله بأمر الرب كقوله: ﴿ ما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ وقال مجاهد: الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس، وليسوا بالناس.

وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي تتوفر دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر.

واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا، فما ظنك بما هو الأبعد!

ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله "أنا" فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً، أو جسماً هو هذه البنية، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً.

أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل.

والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء  ﴾ ، ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي  ﴾ ﴿ النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً ﴾ {الزمر: 46] وكقوله  : "أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وقوله في خطبة طويلة: حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي" توجب مغايرة النفس للبدن، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي، فعلم أن لا عبرة بالبنية، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره، فعلم أن المتلذذ والمتألم شيء آخر سوى العضوين، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئاً من الأعضاء.

أما إن قيل: الإنسان جسم هو في داخل البدن.

فاعلم أن أحداً من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولكن منهم من قال: إنه الجسم الذي غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم الموت.

ومنهم من قال: إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي في القلب، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: اختلطت بهذه الأرواح القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان.

ومنهم من قال: إذا تكوّن بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق والتمزق، نفوذاً يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد.

وهذا النفوذ هو المراد بقوله: ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك الأجسام فيها، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت.

قلت: أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في السمسم فمسلم، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى أن الإنسان جسم خارج عن البدن، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن الأطباء، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة، أن الإنسانية عبارة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف.

ومن شيوخ المعتزلة من قال: الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة.

ومنهم من قال: إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه.

والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام - كالشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الشيخ المفيد  ، ومن الكرامية جماعة، ومن الفلاسفة الإلهيين كلهم - أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلاً ميتاً، واستدلوا على هذا المطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولزم اجتماع المثلين.

وأيضاً لم يكن جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس.

وأيضاً التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود، وإن كان صفة لزم التسلسل، وإذا كان التحيز عين ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم منتفٍ وعورض بأنه لو كان الإنسان جَوهراً مجرداً لكان كل من عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك.

وأجيب بالفرق بين التحيز - وهو صفة ثبوتية - وبين التجرد وهو صفة سلبية، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل واحداً بقوله: "أنا واحد" بالبديهة، ولأن الغضب مثلاً حالة نفسانية تحدث عند محاولة دفع المنافي مشروطاً بالشعور بكون الشيء منافياً.

فالذي يغضب لا بد أن يكون هو بعينه مدركاً، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصبابه إليه يمنعه من الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها.

فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعاً للآخر، وأيضاً شيئاً فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة، وقد يكون سبباً للغضب، فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب.

وأيضاً النفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن المتحرك بالإرادة هو بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار، وهو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخّيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة آلات مختلفة وقوى متغايرة.

وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة البدن كان للكل أثر واحد، ولو كانت جزءاً من أجزاء البدن كانت قوة سارية في جميع أجزاء البدن، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل البدن ولكل جزء من أجزائه.

ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلاً امتنع أن يقبل حينئذ شكل التربيع ولا كذلك حال النفس، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما عداها ولذلك يزداد الإنسان فهماً وذكاء بازدياد العلوم.

وأيضاً كثرة الأفكار توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة، فحيث سئل رسول الله  عن الروح كان الأنسب أن يقول: إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره.

والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور.

قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ﴾ قلت: في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال: إنه لما كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة، وكان فيه بيان كمال علمه  ونقصان علم الإنسان، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره ﴿ إلاَّ رحمة من ربك ﴾ استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ﴿ إن فضله ﴾ بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا ﴿ كان عليك كبيراً ﴾ وفيه أن نعمة القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه.

واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لأن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع.

ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة.

فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق؟

وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟

فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً.

ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية.

على أنه  قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله: ﴿ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين  ﴾ وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله  .

قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال.

وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها.

ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ رددنا وكررنا ﴿ للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ "من كل" معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح.

﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم يرضوا ﴿ إلا كفوراً ﴾ وجحوداً.

قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة حين قال: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا  ﴾ لتقدم ذكرهم في السورة.

وذكرهم في "الكهف" إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله: ﴿ في هذا القرآن ﴾ كما قدمه في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ وأما في "الكهف" فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها.

وقد أوحاها الله  إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر.

التأويل: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ أي من عمى قلوبهم ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ بالقول الثابت وهو قول "لا إله إلا الله" إلى أن بلغت حقيقة "لا إله إلا الله" ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة.

﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك.

وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق.

﴿ سنة من قد أرسلنا ﴾ أي جرت عادة الله  بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به.

ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال: ﴿ أقم الصلاة ﴾ أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً.

﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ بشواهد الحق بل الحق مشهود له.

ثم ﴿ أدخلني مدخل صدق ﴾ يعني السير في الله بالله ﴿ وأخرجني مخرج صدق ﴾ من حولي وأنانيتي ﴿ واجعل لي من لدنك ﴾ لا من لدن غيرك.

وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله: ﴿ وسعى لها سعيها  ﴾ .

"روي أن رجلاً جاء إلى النبي  يعرض حاجة فقال  : ما تريد؟

فقال: مرافقتك في الجنة.

فقال  : أو غير ذلك؟

فقال الرجل: بلى مرافقتك في الجنة.

فقال النبي  : فأعني على نفسك بكثرة السجود" ﴿ جاء الحق ﴾ من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وزهق الباطل ﴾ وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب إن الأحاديث من سلمى تسليني *** ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ قال العارفون: لله  عالمان: عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة.

والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه  قال: "أول ما خلق الله جوهرة" - وفي رواية - "درّة فنظر إليها فذابت" "أول ما خلق الله اللوح" "أول ما خلق الله روحي" وفي رواية "نوري" "وأول ما خلق الله العقل" "وأول ما خلق الله القلم" وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي.

فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي  .

فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل.

ثم قال له: أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين.

وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له "أمي".

وقد ورد في الحديث: "آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة" ولما كان الروح خليفة الله  اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح.

ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن ﴾ الآية.

وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله  لكنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً.

وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل الأمر بإقامة الصلاة: الأمر بالدوام عليها واللزوم بها، أي: الزم بها وأدها.

أو اسم التمام والكمال، أي: أتممها وأكملها بالشرائط التي أمرت بها.

ويحتمل قوله: ﴿ أَقِمِ ﴾ : فعلها، ولم يفهم من قوله: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ الانتصاب على ما ينصب الشيء ويقام به؛ فدلّ أنه لا يفهم من الخطاب ظاهره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، أي: إلى ظلمة الليل ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ ، أي: صلاة الفجر، فيقول [بعض] الناس: في هذه الآية بيان أوقات الصلوات الخمس جميعاً؛ لأنه ذكر أول ما يجب من الصلاة وهي الظهر إلى ما ينتهي وهي الفجر؛ فعلى هذا التأويل ﴿ إِلَىٰ ﴾ لا تكون غاية، ولكن تكون كأنه قال: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، والله أعلم.

[وقوله - عز وجل -: ﴿ لِدُلُوكِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: دلوك الشمس: زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، أي: إلى ظلمة الليل].

ومنهم من يقول: فيه ذكر صلوات النهار؛ لأنه ذكر دلوك الشمس، وهو زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، وغسق الليل هو بدوّ ظلمة الليل.

فيدخل فيه الظهر والعصر؛ فعلى تأويل هذا يكون حرف ﴿ إِلَىٰ ﴾ غاية لا تدخل صلاة الليل فيه.

ثم تخصيص الخطاب لرسول الله  والأمر له بإقامة الصلاة يكون كأنه قال: (أقم لهم الصلاة)، فإن كان هذا، ففيه دلالة صحة صلاة القوم بصلاة الإمام، وتعلق صلاتهم بصلاة الإمام حيث قال: (أقم لهم الصلاة)، ولو كان كل أحد يقيم صلاة نفسه، لكان لا يقول: (أقم لهم الصلاة)، ولكن يقول (صل الصلاة)؛ فدلّ أنه على ما ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: أقم الصلاة للذي تدلك له الشمس [أي: تسجد] كقوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ...

﴾ الآية [النحل: 48].

والثاني: أقم الصلاة للوقت الذي يتلو دلوك الشمس الصلاة [وأقم قراءة الصلاة].

ثم تخصيص الفجر لما ذكر حيث قال: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ ، التخصيص لقرآن الفجر لأنه مشهود، والفرضية بها بقوله: أقم قرآن الصلاة على ما ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ \[أي: لم يزل في علم الله كان مشهوداً، أو صار مشهوداً\]، ثم قال: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ : وهي صلاة الفجر، وإنما ذكر صلوات النهار فدخل صلوات الليل بقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ ، لكنهم يقولون: إن التهجد بعد النوم، وقد يكره النوم قبل فعل المغرب والعشاء فلا يصح هذا.

ومنهم من يقول: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ غروبها، وهو قول عبد الله بن مسعود وغيره.

وقال بعضهم: فيه ذكر صلوات الليل؛ لأنه ذكر بدوّ ظلمة الليل، وذلك بالغروب، وقرآن الفجر وهو آخر ما ينتهي ظلمة الليل؛ لأنه يبقي ظلمة الليل إلى وقت الفراغ من الفجر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: القرآن يكون كناية عن صلاة الفجر، كأنه قال: أقم الصلاة لدلوك الشمس، وأقم - أيضاً - صلاة الفجر؛ لأنه نسق على الأول، ويحتمل قوله: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ ، أي: قراءة الفجر، أي: أقم قراءة الفجر.

ويجوز أن يقال: (القرآن) مكان (القراءة)، كقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ  ﴾ ، أي: قراءته.

ثم من الناس من احتج بفرضية القراءة في الصلاة بهذا؛ لأنه نسق على الأول على ما ذكرنا كأنه [قال] (أقم القراءة).

ومنهم من يقول: إنما حث على قراءة الفجر دون غيرها من الصلوات لما طول القراءة فيها لتقصيره عن الأربع؛ لأنه لم يجعل غيرها من الصلوات ركعتين فحث على قراءتها لهذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، أي: حرس الليل وحرس النهار، وعلى ذلك رويت الآثار عن رسول الله  وعن الصحابة.

وقوله: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ : أي: قراءة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، على هذا حمله أهل التأويل، وعلى ذلك رويت الأخبار، وإلا جاز أن يقال فيه [بوجه] آخر: وهو أن تشهده القلوب والسمع والعقول؛ لأن ذلك الوقت هو وقت الفراغ عن جميع الأشغال والموانع التي تشغل عن الاستماع والفهم عنه ما لا يكون ذلك الفراغ لغيرها من الصلوات من صلاة المغرب والعشاء؛ لأنها بقرب من الأشغال والحوائج، ألا ترى أن الجهر بالقراءة إنما جعل في الأوقات التي هي أوقات الفراغ عن الاشتغال: وهي المغرب والعشاء، ثم وقت الفجر هو أخلى وقت عن غيره؛ لأنه بعد فراغ النوم، وقبل هجوم وقت التقلب، فالقراءة فيها والقلوب أشهد لها، لكن أهل التأويل صرفوا ذلك إلى ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ .

قال بعضهم: النافلة: الغنيمة، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ  ﴾ ، أي: الغنائم، وقوله - عز وجل -: ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ ، أي: غنيمة لك تغنم بها غنائم أو كلام نحو هذا.

وقال الحسن: قوله: ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ : أي: خالصة لك، وخلوصها له وهو ألا يغفل هو عن شيء منها في حال من الأحوال، وغيره من الناس يغفلون فيها عن أشياء.

وقال بعضهم: ذكر أنه نافلة له؛ لأنه كان مغفوراً له فما يعمل يكون له نافلة، وأما غيره فإن ما يعمل من الخيرات يكون كفارة لذنوبهم فلا يكون لهم نافلة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ .

قال: ﴿ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ ، تحمد عاقبته بالتهجد، أي: يبعثك ربك مقاماً تحمد أنت تلك العاقبة جزاء بتهجدك في الدنيا.

وقال بعضهم: ﴿ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ ما يحمده كل الخلائق الأولون والآخرون.

وقال بعضهم: ﴿ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ هو مقام الشفاعة، والله أعلم، أي: تشفع لأمتك وأهل العصيان منهم.

وجائز أن يكون هو صلة قوله - ما تقدم من قوله: ﴿ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً  ﴾ ، وما ذكر من المواعيد لما سمع هذا وقرع سمعه أخافه ذلك وأفزعه؛ فنزل قوله: ﴿ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ إن عبدت الله وأطعته في جميع أموره ونواهيه، وأقمت له الصلاة والصيام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ : ظاهر هذا الخطاب يكون لرسول الله  حيث أمره أن يدعو بما ذكر، وقد عرف هو ما أمره من الدعاء بقوله: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ، فلا حاجة تقع لنا إلى أن نطلب المراد من ذلك، إلا أن يكون لغير في ذلك اشتراك، فعند ذلك يتكلف فيه ويطلب المراد منه.

وقد تكلم أهل التأويل في ذلك.

قال بعضهم: قوله: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ ، كان النبي  بمكة ثم أمر بالهجرة منها إلى المدينة وأمر أن يدعو بهذا الدعاء: (رب أدخلني في المدينة مدخل صدق آمنا على زعم اليهود، وأخرجني من المدينة إلى مكة مخرج صدق على زعم كفار مكة ظاهراً عليهم)؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ عليهم ففعل الله ذلك له وأجابه، وقد ذكرنا في غير موضع أن حرف (السلطان) يتوجه إلى وجوه ثلاثة: يكون مرة عبارة عن حجة قاهرة غالبة.

ويكون عبارة عن ولاية نافذة غالبة.

ويكون عبارة عن اليد الغالبة الظاهرة أيضاً، وقد كان - بحمد الله ومنته - لرسول الله على الكفرة ذلك كله.

وقال بعضهم: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ في مكة؛ ليعلم أهل مكة أني قد بلغت الرسالة ﴿ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ؛ ليعلم يهود المدينة أني نصرت وبلغت ما أمرت به.

وقال الحسن: أخرجني من مكة مخرج صدق.

وأدخلني في الجنة مدخل صدق.

وقال بعضهم: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ فيما حملتني من الرسالة والنبوة، وما أمرتني به لأؤديها على ما أمرتني، وأبلغ الرسالة إلى الخلق على ما كلفتني، ﴿ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ، أي: أخرجني مما كلفتني سالماً لا تبعة علي، أو كلام نحوه.

وأصله: كأنه أمره أن يسأل ربه الصدق في جميع أفعاله وأقواله؛ وفي جميع ما يعبده به من الدخول في أمر أو الخروج منه؛ إذ لا يخلو العبد من هذين: من الدخول في أمر والخروج منه، سأله الصدق في كل حال وكل دخول وكل خروج.

وقال مجاهد: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ في الرسالة والنبوة، وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ .

قال بعضهم: حجة منه، وقد أقامها على الكفرة.

وقال بعضهم: ﴿ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ ، أي: اجعل في قلوب الناس هيبة، ليهابوني، وقد كان من الهيبة بحيث هابوه من مسيرة شهرين.

وقال بعضهم: هو السلطان الذي ينصرون به الدين، ويقيمون الحدود والأحكام ونحوه.

وقيل: السلطان: هو إقامة الحدود والأحكام والشرائع، وهو تفسير الولاية؛ لأنه بالولاية ما يقيمها، وهو ما ذكرنا: أن الولاية إقامة الأحكام.

ثم قيل في الصدق والإخلاص: قال بعضهم: الإخلاص: هو ألا يجعل الشخص بقلبه نصيباً لأحد سواه، والصدق وإن جعل لا يجد لذلك لذة، الصدق عندنا أن يجعل الفضل في جميع أفعاله لله لا يجعل لنفسه شيئاً من الفضل، وعلى ذلك يلزمه الشكر لربّه في جميع خيراته.

وعن الحسن قال: لما مكر كفار مكة برسول الله  ؛ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، فأراد الله بقاء أهل مكة، فأمر نبيه أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة، وعلمه ما يقول، فأنزل الله: ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ ؛ وعده الله لينزعن ملك فارس والروم ويجعله لأمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ وهو الإسلام.

وقيل: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ : القرآن.

وقيل: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: محمد.

أو يقول: جاءت آثار الحق فذهب الباطل وآثاره.

أو جاءت حجج الحق وبراهينه وذهبت شبه الباطل وتمويهاته، والحق: يحتمل ما ذكرنا من الإسلام ورسول الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ذهب وبطل غيره من الأديان، وغيره من المذاهب، وعبادة الأصنام ونحو ذلك.

قالوا: وأصله: أن الناس كانوا في حيرة وتيه قبل بعث الرسول؛ لما كانوا فقدوا دين الله وسبيله منذ كان رفع عيسى من الأرض إلى السماء لا يجدون سبيل الله، ولا يهتدون إلى شيء، حيارى، حزانى حتى بعث الله محمداً، ليدعوهم إلى دين الله، ويبين لهم سبيله الذي كان يتمسك به الأنبياء من قبله، ويخرجهم من تلك الحيرة التي كانوا فيه، ففعل  ؛ فذلك الذي قال الله  : ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ الذي [كانوا] فقدوه فسرُّوا بذلك، ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ذهب واضمحل، ﴿ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ ، أي: ذاهباً مضمحلاً، لا يجدي خيراً، ولا يعقب لأهله نفعاً، والحق هو الذي يعقب ويجدي نفعاً لأهله.

ثم قوله: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ لم يفهم أهل الخطاب بمجيء الحق: الانتقال من مكان إلى مكان، ولا بذهاب الباطل على ما يفهم من مجيء فلان وذهاب فلان، بل فهموا من مجيء الحق ظهوره وعلوه، وفهموا من زهوق الباطل وذهابه: فناه واضمحلاله وتلاشيه، وعلى ذلك لم يفهموا من مجيء الأعراض ما فهموا من مجيء الأجسام والأجساد؛ فعلى ذلك لا يجب أن يفهموا من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ : الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك لا يفهم من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ استواء الخلق، ولا من نزوله: نزول الخلق؛ على ما لم يفهم مما أضيف إلى الأعراض من الأفعال ما فهموا من الأجساد والأجسام، بل فهموا [من الله غير الذي فهموا من الآخر]؛ فعلى ذلك لا يفهم مما أضيف إلى الله  ما يفهم مما أضيف إلى الخلق، بل يتعالى عن أن يشبه الخلق أو يشبهه الخلق في معنى من المعاني، أو في وجه من الوجوه، بل هو كما وصف نفسه؛ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ  ﴾ وتعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ ﴾ ، كأن الآية نزلت في ابتداء الأمر، حيث قال: ﴿ وَنُنَزِّلُ ﴾ ولم يقل: (ونزلنا من القرآن ما هو شفاء).

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ ﴾ : نفس القرآن، وهو ما ذكرنا.

ويحتمل المواعيد التي في القرآن من وقائع تكون عليهم، وكأن في ذلك شفاء للمؤمنين، كقوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 14].

أو نقول بأنه يجوز (نفعل) بمعنى (فعلنا)، وذلك كثير في القرآن.

ثم قوله: ﴿ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: شفاء للمستشفين في الدنيا، ورحمة لمن تمسك به في الآخرة، فيه شفاء لمن استشفاه في الدنيا، ورحمة في الآخرة لمن تمسّك به، وعمى وخسار وظلمة لمن أعرض عنه، ونظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء [والاستثقال]، وأما من نظر إليه بعين التعظيم والإجلال فهو له شفاء ورحمة وإن كان القرآن نفسه شفاء ونوراً، وهكذا في الشاهد أن من أبصر شيئاً إنما يبصر بنور البصر وبنور الهواء بارتفاع ما يستر النورين جميعاً؛ لأنه إذا كان عمى البصر لم يبصر شيئاً، وإن كان نور الهواء متجلياً وكذلك لا يبصر إذا كان نور البصر متجلياً، بعد أن سترت الظلمة نور الهواء.

فإن كان ما ذكرنا أنه لا يبصر في الشاهد شيئاً إلا بنورين: نور البصر، ونور الهواء، فالكافر لم يبصر نور القرآن وشفاءه؛ لما سترت الظلمة نور قلبه، والمؤمن أبصر نوره وشفاءه بنور إيمانه، وهكذا الأدوية؛ فإنها لا تجدي نفعاً وإن كانت نافعة شافية في أنفسها إلا بقبول الطبيعة؛ لأن الطبع إذا لم يقبلها وإن كانت نافعة شافية - لم تنفع صاحبها، ولم تكن له شفاء، وصارت كأنها في الأصل كانت ضارة غير شافية؛ فعلى ذلك القرآن - وإن كان في نفسه شفاء ونوراً - ضار للكافر عمى وخساراً، كأن لا شفاء فيه ولا رحمة لما سترت ظلمة الكفر نوره فصار كالزائد رجساً وطغياناً ونفوراً، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن الليل فقم -أيها الرسول- وصلِّ بعضًا منه لتكون صلاتك زيادة لك في رفع درجاتك، متحريًا أن يبعثك ربك يوم القيامة شافعًا للناس مما هم فيه من أهوال يوم القيامة، ويكون لك مقام الشفاعة العظمى الذي يحمده الأولون والآخرون.

<div class="verse-tafsir" id="91.5Zagj"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله