الآية ٨١ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٨١ من سورة الإسراء

وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًۭا ٨١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 125 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨١ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨١ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) تهديد ووعيد لكفار قريش ؛ فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به ، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع .

وزهق باطلهم ، أي اضمحل وهلك ، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) [ الأنبياء : 18 ] .

وقال البخاري : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أبي معمر ، عن عبد الله بن مسعود قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب ، فجعل يطعنها بعود في يده ، ويقول : ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) ، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد " .

وكذا رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به .

[ وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري عن ابن أبي نجيح ] .

وكذا رواه الحافظ أبو يعلى : حدثنا زهير ، حدثنا شبابة ، حدثنا المغيرة ، حدثنا أبو الزبير ، عن جابر رضي الله عنه ، قال : دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما يعبدون من دون الله .

فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها ، وقال : " جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وقل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين كادوا أن يستفزوك من الأرض ليخرجوك منها( جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ) .

واختلف أهل التأويل في معنى الحقّ الذي أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يُعْلم المشركين أنه قد جاء، والباطل الذي أمره أن يعلمهم أنه قد زَهَق، فقال بعضهم: الحقّ: هو القرآن في هذا الموضع، والباطل: هو الشيطان.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ ) قال: الحقّ: القرآن ( وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ ) قال: القرآن ( وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ) قال: هلك الباطل وهو الشيطان.

وقال آخرون: بل عُنِي بالحقّ جهاد المشركين وبالباطل الشرك.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ ) قال: دنا القتال ( وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ) قال: الشرك وما هم فيه.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثُمائة وستون صنما، فجعل يطعنها ويقول ( جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أمر الله تبارك وتعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يخبر المشركين أن الحقّ قد جاء، وهو كلّ ما كان لله فيه رضا وطاعة، وأن الباطل قد زهق: يقول: وذهب كلّ ما كان لا رضا لله فيه ولا طاعة مما هو له معصية وللشيطان طاعة، وذلك أن الحقّ هو كلّ ما خالف طاعة إبليس، وأن الباطل: هو كلّ ما وافق طاعته، ولم يخصص الله عز ذكره بالخبر عن بعض طاعاته، ولا ذهاب بعض معاصيه، بل عمّ الخير عن مجيء جميع الحقّ، وذهاب جميع الباطل، وبذلك جاء القرآن والتنـزيل، وعلى ذلك قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشرك بالله، أعني على إقامة جميع الحقّ، وإبطال جميع الباطل.

وأما قوله عزّ وجلّ( وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ) فإن معناه: ذهب الباطل، من قولهم: زَهَقت نفسه: إذا خرجت وأزهقتها أنا ؛ ومن قولهم: أزهق السهم: إذا جاوز الغرض فاستمرّ على جهته، يقال منه: زهق الباطل، يزهَق زُهوقا، وأزهقه الله: أي أذهبه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) يقول: ذاهبا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [ ص: 282 ] فيه ثلاث مسائل : الأولى : روى البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال : دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يطعنها بمخصرة في يده - وربما قال بعود - ويقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا .

جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد لفظ الترمذي .

وقال : هذا حديث حسن صحيح .

وكذا في حديث مسلم ( نصبا ) .

وفي رواية ( صنما ) .

قال علماؤنا : إنما كانت بهذا العدد لأنهم كانوا يعظمون في يوم صنما ويخصون أعظمها بيومين .

وقوله : فجعل يطعنها بعود في يده يقال إنها كانت مثبتة بالرصاص وأنه كلما طعن منها صنما في وجهه خر لقفاه ، أو في قفاه خر لوجهه .

وكان يقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا حكاه أبو عمر والقاضي عياض .

وقال القشيري : فما بقي منها صنم إلا خر لوجهه ، ثم أمر بها فكسرت .الثانية : في هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم ، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله ، وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله - تعالى - .

قال ابن المنذر : وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها ، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه .

ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص ، إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقرا أو قطعا فيجوز بيعها والشراء بها .

قال المهلب : وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة ; إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال .

وقد تقدم حرق ابن عمر - رضي الله عنه - .

وقد هم النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة .

وهذا أصل في [ ص: 283 ] العقوبة في المال مع قوله - عليه السلام - في الناقة التي لعنتها صاحبتها : دعوها فإنها ملعونة فأزال ملكها عنها تأديبا لصاحبتها ، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به .

وقد أراق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لبنا شيب بماء على صاحبه .الثالثة : ما ذكرنا من تفسير الآية ينظر إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - : والله لينزلن عيسى ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها الحديث .

خرجه الصحيحان .

ومن هذا الباب هتك النبي - صلى الله عليه وسلم - الستر الذي فيه الصور ، وذلك أيضا دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي كما ذكرنا .

وهذا كله يوجب المنع من اتخاذها ويوجب التغيير على صاحبها .

إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم ; وحسبك !

وسيأتي هذا المعنى في [ النمل ] إن شاء الله - تعالى - .قوله - تعالى - : وقل جاء الحق أي الإسلام .

وقيل : القرآن ; قال مجاهد .

وقيل : الجهاد .

وزهق الباطل قيل الشرك .

وقيل الشيطان ; قاله مجاهد .

والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة ، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه .

وزهق الباطل : بطل الباطل .

ومن هذا زهوق النفس وهو بطلانها .

يقال زهقت نفسه تزهق زهوقا ، وأزهقتها .إن الباطل كان زهوقا أي لا بقاء له والحق الذي يثبت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ } والحق هو ما أوحاه الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فأمره الله أن يقول ويعلن، قد جاء الحق الذي لا يقوم له شيء، وزهق الباطل أي: اضمحل وتلاشى.

{ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } أي: هذا وصف الباطل، ولكنه قد يكون له صولة وروجان إذا لم يقابله الحق فعند مجيء الحق يضمحل الباطل، فلا يبقى له حراك.

ولهذا لا يروج الباطل إلا في الأزمان والأمكنه الخالية من العلم بآيات الله وبيناته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وقل جاء الحق ) يعني القرآن ( وزهق الباطل ) أي : الشيطان قال قتادة وقال السدي : " الحق " : الإسلام و " الباطل " : الشرك وقيل : " الحق " : عبادة الله و " الباطل " : عبادة الأصنام .

( إن الباطل كان زهوقا ) ذاهبا يقال : زهقت نفسه أي خرجت .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا صدقة بن الفضل حدثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود [ في يده ] ويقول : " جاء الحق وزهق الباطل " " جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(وقل) عند دخولك مكة (جاء الحق) الإسلام (وزهق الباطل) بطل الكفر (إن الباطل كان زهوقا) مضمحلاً زائلاً "" وقد دخلها صلى الله عليه وسلم وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ذلك حتى سقطت "" رواه الشيخان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقل -أيها الرسول- للمشركين: جاء الإسلام وذهب الشرك، إن الباطل لا بقاء له ولا ثبات، والحق هو الثابت الباقي الذي لا يزول.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بشره - سبحانه - بأن النصر له آت لا ريب فيه فقال - تعالى - ( وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً ) .والحق فى لغة العرب : الشئ الثابت الذى ليس بزائل ولا مضمحل .

والباطل على النقيض منه .والمراد بالحق هنا : حقائق الإِسلام وتعاليمه التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه - عز وجل - .والمراد بالباطل : الشرك والمعاصى التى ما أنزل الله بها من سلطان ، والمراد بزهوقه : ذهابه وزواله .

يقال : فلان زهقت روحه ، إذا خرجت من جسده وفارق الحياة .أى : وقل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الشكر لربك ، والاعتراف له بالنعمة ، والاستبشار بنصره ، قل : جاء الحق الذى أرسلنى به الله - تعالى - وظهر على كل ما يخالفه من شرك وكفر ، وزهق الباطل ، واضمحل وجوده وزالت دولته ، إن الباطل كان زهوقاً ، أى : كان غير مستقر وغير ثابت فى كل وقت .

كما قال - تعالى - : ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بالحق عَلاَّمُ الغيوب قُلْ جَآءَ الحق وَمَا يُبْدِىءُ الباطل وَمَا يُعِيدُ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في النظم وجوه: الأول: أنه تعالى لما قرر أمر الالهيات والمعاد والنبوات أردفها بذكر الأمر بالطاعات بعد الإيمان وأشرف الطاعات بعد الإيمان الصلاة فلهذا السبب أمر بها.

الثاني: أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض  ﴾ أمره تعالى بالإقبال على عبادته لكي ينصره عليهم فكأنه قيل له لا تبال بسعيهم في إخراجك من بلدتك ولا تلتفت إليهم واشتغل بعبادة الله تعالى وداوم على أداء الصلوات فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرهم عنك ويجعل يدك فوق أيديهم ودينك غالباً على أديانهم ونظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاء اليل فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ النهار لَعَلَّكَ ترضى  ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ  فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ  وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ  ﴾ والوجه الثالث: في تقرير النظم أن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء عزم صلى الله عليه وسلم على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد وما النصرة والدولة إلا بتأييده ونصرته فداوم على الصلوات وارجع إلى مقرك ومسكنك وإذا دخلته ورجعت إليه فقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي في هذا البلد سلطاناً نصيراً في تقرير دينك وإظهار شرعك، والله أعلم.

المسألة الثانية: اختلف أهل اللغة والمفسرون في معنى دلوك الشمس على قولين.

أحدهما: أن دلوكها غروبها وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة، فنقل الواحدي في البسيط عن علي عليه السلام أنه قال: دلوك الشمس غروبها.

وروى زر بن حبيش أن عبد الله بن مسعود قال: دلوك الشمس غروبها، وروى سعيد بن جبير هذا القول عن ابن عباس وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة من المتأخرين.

والقول الثاني: أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين واحتج القائلون بهذا القول على صحته بوجوه.

الحجة الأولى: روى الواحدي في البسيط عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا حين دلكت الشمس.

الحجة الثانية: روى صاحب الكشاف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر» الحجة الثالثة: قال أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة، وقيل لها إذا أفلت دالكة لأنها في الحالتين زائلة.

هكذا قاله الأزهري وقال القفال: أصل الدلوك الميل، يقال: مالت الشمس للزوال، ويقال: مالت للغروب، إذا عرفت هذا فنقول: وجب أن يكون المراد من الدلوك هاهنا الزوال عن كبد السماء وذلك لأنه تعالى علق إقامة الصلاة بالدلوك، والدلوك عبارة عن الميل والزوال، فوجب أن يقال إنه أول ما حصل الميل والزوال تعلق به هذا الحكم فلما حصل هذا المعنى حال ميلها من كبد السماء وجب أن يتعلق به وجوب الصلاة وذلك يدل على أن المراد من الدلوك في هذه الآية ميلها عن كبد السماء وهذه حجة قوية في هذا الباب استنبطتها بناء على ما اتفق عليه أهل اللغة: أن الدلوك عبارة عن الميل والزوال، والله أعلم.

الحجة الرابعة: قال الأزهري الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النهار، والمعنى ﴿ أَقِمِ الصلاة ﴾ أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل وعلى هذا التقدير فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم قال: ﴿ أَقِمِ الصلاة ﴾ فإذا حملنا الدلوك على الزوال دخلت الصلوات الخمس في هذه الآية، وإن حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات وهي المغرب والعشاء والفجر وحمل كلام الله تعالى على ما يكون أكثر فائدة أولى فوجب أن يكون المراد من الدلوك الزوال، واحتج الفراء على قوله الدلوك هو الغروب بقول الشاعر: هذا مقام قدمي رباح *** وقفت حتى دلكت براح وبراح اسم الشمس أي حتى غابت، واحتج ابن قتيبة بقول ذي الرمة: مصابيح ليست باللواتي يقودها *** نجوم ولا أفلاكهن الدوالك واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لأن عندنا الدلوك عبارة عن الميل والتغير وهذا المعنى حاصل في الغروب فكان الغروب نوعاً من أنواع الدلوك فكان وقوع لفظ الدلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزوال كما أن وقوع لفظ الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس ومنهم من احتج أيضاً على صحة هذا القول بأن الدلوك اشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها وهذا إنما يصح في الوقت الذي يمكن النظر إليها ومعلوم أنها عند كونها في وسط السماء لا يمكن النظر إليها، أما عند قربها من الغروب فيمكن النظر إليها (و) عندما ينظر الإنسان إليها في ذلك الوقت يدلك عينيه، فثبت أن لفظ الدلوك مختص بالغروب.

والجواب أن الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السماء أتم فهذا الذي ذكرته بأن يدل على أن الدلوك عبارة عن الزوال من وسط السماء أولى، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال الواحدي: اللام في قوله لدلوك الشمس لام الأجل والسبب وذلك لأن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس فيجب على المصلي إقامتها لأجل دلوك الشمس.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ إلى غسق الليل ﴾ غسق الليل سواده وظلمته قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً، والغسق: الاسم، بفتح السين.

وقال النضر بن شميل: غسق الليل دخول أوله، وأتيته حين غسق الليل، أي حين يختلط ويسد المناظر، وأصل هذا الحرف من السيلان يقال: غسقت العين تغسق.

وهو هملان العين بالماء، والغاسق السائل، ومن هذا يقال لما يسيل من أهل النار: الغساق، فمعنى غسق الليل أي انصب بظلامه، وذلك أن الظلمة كأنها تنصب على العالم، وأما قول المفسرين، قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما غسق الليل؟

قال أوله حين يدخل.

وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس ما الغسق: قال دخول الليل بظلمته، وقال الأزهري: غسق الليل عند غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة واشتدادها، يقال: غسقت العين إذا امتلأت دمعاً، وغسقت الجراحة إذا امتلأت دماً، قال لأنا لو حملنا الغسق على هذا المعنى دخلت الصلوات الأربع فيه وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولو حملنا الغسق على ظهور أول الظلمة لم يدخل فيه إلا الظهر والمغرب فوجب أن يكون الأول أولى، واعلم أنه يتفرع على هذين القولين بحث شريف فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات وقت الزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتاً للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر ولا يجوز فوجب أن يكون الجمع جائزاً بعذر السفر وعذر المطر وغيره، أما إن فسرنا الغسق بالظلمة المتراكمة فنقول الظلمة المتراكمة إنما تحصل عند غيبوبة الشفق الأبيض وكلمة إلى لانتهاء الغاية والحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية فوجب جواز إقامة الصلوات كلها قبل غيبوبة الشفق الأبيض وهذا إنما يصح إذا قلنا إنها تجب عند غيبوبة الشفق الأحمر، والله أعلم.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ وقرآن الفجر ﴾ أجمعوا على أن المراد منه صلاة الصبح وانتصابه بالعطف على الصلاة في قوله أقم الصلاة والتقدير أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر وفيه فوائد.

الأولى: أن هذه الآية تدل على أن الصلاة لا تتم إلا بالقراءة.

الفائدة الثانية: أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير أقم قرآن الفجر فوجب أن تتعلق القراءة بحصول الفجر وفي أول طلوع الصبح قد حصل الفجر لأن الفجر سمى فجراً لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح وظاهر الأمر للوجوب فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أول طلوعه إلا أنا أجمعنا على أن هذا الوجوب غير حاصل، فوجب أن يبقى الندب لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع من الترك فإذا منع مانع من تحقق الوجوب وجب أن يرتفع المنع من الترك وأن يبقى أصل الرجحان حتى تنقل مخالفة الدليل فثبت أن هذه الآية تقتضي أن إقامة الفجر في أول الوقت أفضل وهذا يدل على صحة مذهب الشافعي في أن التغليس أفضل من التنوير، والله أعلم.

الفائدة الثالثة: أن الفقهاء بينوا أن السنة أن تكون القراءة في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات فالمقصود من قوله: ﴿ وقرآن الفجر ﴾ الحث على أن تطويل القراءة في هذه الصلاة مطلوب لأن التخصيص بالذكر يدل على كونه أكمل من غيره.

الفائدة الرابعة: أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً.

قال الجمهور: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة وقبل أن تعرج ملائكة الليل فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك وتقول ملائكة النهار ربنا أتينا عبادك وهم يصلون فيقول الله تعالى للملائكة اشهدوا أني قد غفرت لهم.

وأقول هذا أيضاً دليل قوي في أن التغليس أفضل من التنوير لأن الإنسان إذا شرع فيها من أول الصبح ففي ذلك الوقت الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرين ثم إذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضرت ملائكة النهار فبهذا الطريق تحضر في هذه الصلاة ملائكة الليل وملائكة النهار أما إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك ما بقيت الظلمة فلم يبق في ذلك الوقت أحد من ملائكة الليل فلا يحصل المعنى المذكور فثبت أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ دليل قوي على أن التغليس أفضل وعندي في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ احتمال آخر وذلك لأنه كلما كانت الحوادث الحادثة أعظم وأكمل كان الاستدلال بها على كمال قدرة الله تعالى أكمل فالإنسان إذا شرع في أداء صلاة الصبح من أول هذا الوقت كانت الظلمة القوية باقية في العالم، فإذا امتدت القراءة في أثناء هذا الوقت ينقلب العالم من الظلمة إلى الضوء والظلمة مناسبة للموت والعدم، والضوء مناسب للحياة والوجود.

وعلى هذا التقدير فالإنسان لما قام من منامه فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة ومن العدم إلى الوجود ثم إنه مع ذلك يشاهد في أثناء صلاته انقلاب كلية هذا العالم من الظلمة إلى الضوء ومن الموت إلى الحياة ومن السكون إلى الحركة ومن العدم إلى الوجود.

وهذه الحالة حالة عجيبة تشهد العقول والأرواح بأنه لا يقدر على هذا التقليب والتحويل والتبديل إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقوة الغير المتناهية وحينئذ يستنير العقل بنور هذه المعرفة وينفتح على العقل والروح أبواب المكاشفات الروحانية الإلهية فتصير الصلاة التي هي عبارة عن أعمال الجوارح مشهوداً عليها بهذه المكاشفات الإلهية المقدسة ولذلك فكل من له ذوق سليم وطبع مستقيم إذا قام من منامه وأدى صلاة الصبح في أول الوقت واعتبر اختلاف أحوال العالم من الظلمة الحاصلة إلى النور ومن السكون إلى الحركة فإنه يجد في قلبه روحاً وراحة ومزيداً في نور المعرفة وقوة اليقين فهذا هو المراد من قوله: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ وظهر أن هذا الاعتبار لا يحصل إلا عند أداء صلاة الفجر على سبيل التغليس فهذا ما خطر بالبال والله أعلم بمراده.

وفي الآية احتمال ثالث وهو أن يكون المراد من قوله: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ الترغيب في أن تؤدي هذه الصلاة بالجماعة ويكون المعنى كونه مشهوداً بالجماعة الكثيرة ومزيد التحقيق فيه أنا بينا أن تأثير هذه الصلاة في تصفية القلب وفي تنويره أكثر من تأثير سائر الصلوات فإذا حضر جمع من المسلمين في المسجد لأداء هذه العبادة استنار قلب كل واحد منهم ثم بسبب ذلك الاجتماع كأنه ينعكس نور معرفة الله تعالى ونور طاعته في ذلك الوقت من قلب كل واحد إلى قلب الآخر فتصير أرواحهم كالمرايا المشرقة المتقابلة إذا وقعت عليها أنوار الشمس فإنه ينعكس النور من كل واحدة من تلك المرايا إلى الأخرى فكذا في هذه الصورة ولهذا السبب فإن كل من له ذوق سليم وأدى هذه الصلاة في هذا الوقت بالجماعة وجد من قلبه فسحة ونوراً وراحة.

الفائدة الخامسة: قوله: ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ يحتمل أن يكون السبب في كونه مشهوداً هو أن الإنسان لما نام طول الليل فصار كالغافل في هذه المدة عن مراقبة أحوال الدنيا فزالت صورة الحوادث الجسمانية عن لوح خياله وفكره وعقله وصارت هذه الألواح كألواح سطرت فيها نقوش فاسدة ثم غسلت وأزيلت تلك النقوش عنها، ففي أول وقت القيام من المنام صارت ألواح عقله وفكره وخياله مطهرة عن النقوش الفاسدة الباطلة.

فإذا تسارع الإنسان في ذلك الوقت إلى عبادة الله تعالى وقراءة الكلمات الدالة على تنزيهه والإقدام على الأفعال الدالة على تعظيم الله تعالى انتقش في لوح عقله وفكره وخياله هذه النقوش الطاهرة المقدسة، ثم إن حصول هذه النقوش يمنع من استحكام النقوش الفاسدة، وهي النقوش المتولدة من الميل إلى الدنيا وشهواتها فبهذا الطريق يترشح الميل إلى معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته ويضعف الميل إلى الدنيا وشهواتها.

إذا عرفت هذا فنقول هذه الحكمة إنما تحصل إذا شرع الإنسان في الصلاة من أول قيامه من النوم عند التغليس.

وذلك يدل على المقصود واعلم أن أكثر الخلق وقعوا في أمراض القلوب وهي حب الدنيا والحرص والحسد والتفاخر والتكاثر وهذه الدنيا مثل دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى والأنبياء كالأطباء الحاذقين والمريض ربما قد قوي مرضه فلا يعود إلى الصحة إلا بمعالجات قوية وربما كان المريض جاهلاً فلا ينقاد للطبيب ويخالفه في أكثر الأمر، إلا أن الطبيب إذا كان مشفقاً حاذقاً فإنه يسعى في إزالة ذلك المرض بكل طريق يقدر عليه فإن لم يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله وتخفيفه.

إذا عرفت هذا فنقول: مرض حب الدنيا مستولٍ على الخلق ولا علاج له إلا بالدعوة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق على النفوس، وقل من يقبله وينقاد له.

لا جرم (أن) الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا المرض وحمل الخلق على الشروع في الطاعة والعبودية من أول وقت القيام من النوم مما ينفع في إزالة هذا المرض من الوجه الذي قررناه فوجب أن يكون مشروعاً، والله أعلم بأسرار كلامه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما أمر بالصلوات الخمس على سبيل الرمز والإشارة أردفه بالحث على صلاة الليل وفيه مباحث: البحث الأول: التهجد عبارة عن صلاة الليل فقوله: ﴿ فتهجد به ﴾ أي بالقرآن كما قال: ﴿ قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ إلى قوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا  نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا  أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا  ﴾ .

البحث الثاني: قال الواحدي الهجود في اللغة النوم وهو معروف كثير في الشعر يقال: أهجدته وهجدته أي أنمته ومنه قول لبيد: هجدنا فقد طال السرى *** كأنه قال: نومنا فإن السرى قد طال علينا حتى غلبنا النوم وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة الهاجد النائم والهاجد المصلي بالليل وروى ثعلب عن ابن الأعرابي مثل هذا القول كأنه قال هجد الرجل إذا صلى من الليل وهجد إذا نام بالليل فعند هؤلاء هذا اللفظ من الأضداد وأما الأزهري فإنه توسط في تفسير هذا اللفظ وقال المعروف في كلام العرب أن الهاجد هو النائم ثم رأينا أن في الشرع يقال لمن قام من النوم إلى الصلاة إنه متهجد فوجب أن يحمل هذا على أنه سمي متهجداً لالقائه الهجود عن نفسه كما قيل للعابد متحنث لإلقائه الحنث عن نفسه وهو الإثم.

ويقال فلان رجل متحرج ومتأثم ومتحوب أي يلقي الحرج والإثم والحوب عن نفسه.

وأقول فيه احتمال آخر وهو أن الإنسان إنما يترك لذة النوم ويتحمل مشقة القيام إلى الصلاة ليطيب رقاده وهجوده عند الموت فلما كان غرضه من ترك هذا الهجود أن يصل إلى الهجود اللذيذ عند الموت كان هذا القيام طلباً لذلك الهجود فسمي تهجداً لهذا السبب.

وفيه وجه ثالث: وهو ما روي أن الحجاج بن عمرو المازني قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد إنما التهجد الصلاة بعد الرقاد ثم صلاة أخرى بعد رقدة ثم صلاة أخرى بعد رقدة هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذا عرفت هذا فنقول كلما صلى الإنسان طلب هجوداً ورقاداً فلا يبعد أنه سمي تهجداً لهذا السبب.

البحث الثالث: قوله: ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ وَمِنَ اليل ﴾ لابد له من متعلق والفاء في قوله: ﴿ فَتَهَجَّدْ ﴾ لابد له من معطوف عليه والتقدير قم من الليل أي في بعض الليل فتهجد به وقوله: ﴿ بِهِ ﴾ أي بالقرآن والمراد منه الصلاة المشتملة على القرآن.

البحث الرابع: معنى النافلة في اللغة ما كان زيادة على الأصل ذكرناه في قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال  ﴾ ومعناها أيضاً في هذه الآية الزيادة وفي تفسير كونها زيادة قولان مبنيان على أن صلاة الليل هل كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا فمن الناس من قال إنها كانت واجبة عليه ثم نسخت فصارت نافلة، أي تطوعاً وزيادة على الفرائض، وذكر مجاهد والسدي في تفسير كونها (نافلة) وجهاً حسناً قالا إنه تعالى غفر للنبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة فإنه لا يكون تأثيرها في كفارة الذنوب ألبتة بل يكون تأثيرها في زيادة الدرجات وكثرة الثواب وكان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب فلهذا سميت نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوباً محتاجة إلى الكفارات فهذه الطاعة محتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات فثبت أن هذه الطاعات إنما تكون زوائد ونوافل في حق النبي صلى الله عليه وسلم لا في حق غيره فلهذا السبب قال: ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ يعني أنها زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك وتقريره ما ذكرناه.

وأما الذين قالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا معنى كونها نافلة له على التخصيص أنها فريضة عليك زائدة على الصلوات الخمس خصصت بها من بين أمتك ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله فتهجد أمر وصيغة الأمر للوجوب فوجب كون هذا التهجد واجباً فلو حملنا قوله نافلة لك على عدم الوجوب لزم التعارض وهو خلاف الأصل فوجب أن يكون معنى كونها نافلة له ما ذكرناه من كون وجوبها زائداً على وجوب الصلوات الخمس، والله أعلم.

البحث الخامس: قوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل وَقُرْءانَ الفجر ﴾ وإن كان ظاهر الأمر فيه مختصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه في المعنى عام في حق الأمة والدليل عليه أنه قال ومن الليل فتهجد به نافلة لك فبين أن الأمر بالتهجد مخصوص بالرسول وهذا يدل على أن الأمر بالصلاة الخمس غير مخصوص بالرسول عليه السلام وإلا لم يكن لتقييد الأمر بالتهجد بهذا القيد فائدة أصلاً، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ اتفق المفسرون على أن كلمة عسى من الله واجب قال أهل المعاني لأن لفظة عسى تفيد الأطماع ومن أطمع إنساناً في شيء ثم حرمه كان عاراً والله تعالى أكرم من أن يطمع أحداً في شيء ثم لا يعطيه ذلك.

وقوله: ﴿ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: في انتصاب قوله محموداً وجهان.

الأول: أن يكون انتصابه على الحال من قوله يبعثك أي يبعثك محموداً.

والثاني: أن يكون نعتاً للمقام وهو ظاهر.

البحث الثاني: في تفسير المقام المحمود أقوال: الأول: أنه الشفاعة قال الواحدي أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي وأقول اللفظ مشعر به وذلك لأن الإنسان إنما يصير محموداً إذا حمده حامد والحمد إنما يكون على الانعام فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاماً أنعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليم الشرع لأن ذلك كان حاصلاً في الحال وقوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ تطميع وتطميع الإنسان في الشيء الذي وعده في الحال محال فوجب أن يكون ذلك الانعام الذي لأجله يصير محموداً إنعاماً سيصل منه حصل له بعد ذلك إلى الناس وما ذاك إلا شفاعته عند الله فدل هذا على أن لفظ الآية وهو قوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ يدل على هذا المعنى وأيضاً التنكير في قوله مقاماً محموداً يدل على أنه يحصل للنبي عليه السلام في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل ومن المعلم أن حمد الإنسان على سعيه في التخليص عن العقاب أعظم من حمده في السعي في زيادة من الثواب لا حاجة به إليها لأن احتياج الإنسان إلى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به إلى تحصيلها وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ هو الشفاعة في إسقاط العقاب على ما هو مذهب أهل السنة ولما ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعاراً قوياً ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى وجب حل اللفظ عليه ومما يؤكد هذا الوجه الدعاء المشهور وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون واتفق الناس على أن المراد منه الشفاعة.

والقول الثاني: قال حذيفة، يجمع الناس في صعيد فلا تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «لبيك وسعديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجاً منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت» فهذا هو المراد من قوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ وأقول القول الأول أولى لأن سعيه في الشفاعة يفيده إقدام الناس على حمده فيصير محموداً وأما ذكر هذا الدعاء فلا يفيد إلا الثواب أما الحمد فلا فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى يحمده على هذا القول قلنا لأن الحمد في اللغة مختص بالثناء المذكور في مقابلة الأنعام فقط فإن ورد لفظ الحمد في غير هذا المعنى فعلى سبيل المجاز.

القول الثالث: المراد مقام تحمد عاقبته وهذا أيضاً ضعيف للوجه الذي ذكرناه في القول الثاني.

القول الرابع: قال الواحدي روى عن ابن مسعود أنه قال: يقعد الله محمداً على العرش وعن مجاهد أنه قال يجلسه معه على العرش، ثم قال الواحدي وهذا قول رذل موحش فظيع ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه: الأول: أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث ويقال بعث الله الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد.

والثاني: أنه تعالى قال مقاماً محموداً ولم يقل مقعداً والمقام موضع القيام لا موضع القعود.

والثالث: لو كان تعالى جالساً على العرش بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة والسلام لكان محدوداً متناهياً ومن كان كذلك فهو محدث.

والرابع: يقال إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بها مزيد شرف ورتبة.

والخامس: أنه إذا قيل السلطان بعث فلاناً فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين، والله أعلم ثم قال تعالى: ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أنا ذكرنا في تفسير قوله: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض  ﴾ قولين: أحدهما: المراد منه سعي كفار مكة في إخراجه منها.

والثاني: المراد منه أن اليهود قالوا له الأولى لك أن تخرج من المدينة إلى الشام ثم إنه تعالى قال له: أقم الصلاة واشتغل بعبادة الله تعالى ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهال فإنه تعالى ناصرك ومعينك ثم عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة فإن فسرنا تلك الآية أن المراد منها أن كفار مكة أرادوا إخراجه من مكة كان معنى هذه الآية أنه تعالى أمره بالهجرة إلى المدينة وقال له: ﴿ رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ وهو المدينة ﴿ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ وهو مكة.

وهذا قول الحسن وقتادة وإن فسرنا تلك الآية بأن المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذهاب إلى الشام فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثم أمره الله بأن يرجع إليها كان المراد أنه عليه الصلاة والسلام عند العود إلى المدينة قال: ﴿ رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ وهو المدينة ﴿ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ يعني أخرجني منها إلى مكة مخرج صدق أي افتحها لي.

والقول الثاني: في تفسير هذه الآية وهو أكمل مما سبق أن المراد ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى ﴾ في الصلاة ﴿ وَأَخْرِجْنِى ﴾ منها مع الصدق والإخلاص وحضور ذكرك والقيام بلوازم شكرك.

والقول الثالث: وهو أكمل مما سبق أن المراد: ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى ﴾ - في القيام بمهمات أداء دينك وشريعتك- ﴿ وَأَخْرِجْنِى ﴾ منها بعد الفراغ منها إخراجاً لا يبقى علي منها تبعة ربقية.

والقول الرابع: وهو أعلى مما سبق: ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى ﴾ في بحار دلائل توحيدك وتنزيهك وقدسك ثم أخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول ومن التأمل في آثار حدوث المحدثات إلى الاستغراق في معرفة الأحد الفرد المنزه عن التكثيرات والتغيرات.

والقول الخامس: أدخلني في كل ما تدخلني فيه مع الصدق في عبوديتك والاستغراق بمعرفتك وأخرجني عن كل ما تخرجني عنه مع الصدق في العبودية والمعرفة والمحبة والمقصود منه أن يكون صدق العبودية حاصلاً في كل دخول وخروج وحركة وسكون.

والقول السادس: أدخلني القبر مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق.

البحث الثاني: مدخل بضم الميم مصدر كالإدخال يقال أدخلته مدخلاً كما قال: ﴿ وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً  ﴾ ومعنى إضافة المدخل والمخرج إلى الصدق مدحهما كأنه سأل الله تعالى إدخالاً حسناً وإخراجاً حسناً لا يرى فيهما ما يكره ثم قال تعالى: ﴿ واجعل لّى مِن لَّدُنْكَ سلطانا نَّصِيرًا ﴾ أي حجة بينة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني.

وبالجملة فقد سأل الله تعالى أن يرزقه التقوية على من خالفه بالحجة وبالقهر والقدرة، وقد أجاب الله تعالى دعاءه وأعلمه بأنه يعصمه من الناس فقال: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  ﴾ وقال: ﴿ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون  ﴾ وقال: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ  ﴾ ولما سأل الله النصرة بين الله له أنه أجاب دعاءه فقال: ﴿ وَقُلْ جَاء الحق ﴾ وهو دينه وشرعه ﴿ وَزَهَقَ الباطل ﴾ وهو كل ما سواه من الأديان والشرائع، وزهق بطل واضمحل، وأصله من زهقت نفسه تزهق أي هلكت، وعن ابن مسعود: أنه دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود في يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل فجعل الصنم ينكب على وجهه.

وقوله: ﴿ إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا ﴾ يعني أن الباطل وإن اتفقت له دولة وصولة إلا أنها الا تبقى بل تزول على أسرع الوجوه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان حول البيت ثلاثمائة وستون صنماً ضم كل قوم بحيالهم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانت لقبائل العرب يحجون إليها وينحرون لها، فشكا البيت إلى الله عز وجل فقال: أي رب، حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك، فأوحى الله إلى البيت: إني سأحدث لك نوبة جديدة، فأملأك خدوداً سجداً، يدفون إليك دفيف النسور، يحنون إليك حنين الطير إلى بيضها.

لهم عجيج حولك بالتلبية.

ولما نزلت هذه الآية يوم الفتح قال جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ مخصرتك ثم ألقها، فجعل يأتي صنماً صنماً وهو ينكت بالمخصرة في عينه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر فقال: يا علي، ارم به، فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد صلى الله عليه وسلم.

وشكاية البيت والوحي إليه: تمثيل وتخييل ﴿ وَزَهَقَ الباطل ﴾ ذهب وهلك، من قولهم: زهقت نفسه، إذا خرجت.

والحق: الإسلام.

والباطل: الشرك ﴿ كَانَ زَهُوقًا ﴾ كان مضمحلاً غير ثابت في كل وقت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي ﴾ أيْ في القَبْرِ.

﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ إدْخالًا مُرْضِيًا.

﴿ وَأخْرِجْنِي ﴾ أيْ مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ.

﴿ مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ إخْراجًا مُلْقًى بِالكَرامَةِ.

وقِيلَ المُرادُ إدْخالُ المَدِينَةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ.

وقِيلَ إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقِيلَ إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا.

وقِيلَ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا حَقَّهُ.

وقِيلَ إدْخالُهُ في كُلِّ ما يُلابِسُهُ مِن مَكانٍ أوْ أمْرٍ وإخْراجُهُ مِنهُ.

وَقُرِئَ « مَدْخَلَ» و « مَخْرَجَ» بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى أدْخَلَنِي فَأدْخَلَ دُخُولًا وأخْرَجَنِي فَأخْرَجَ خُرُوجًا.

﴿ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ حُجَّةً تَنْصُرُنِي عَلى مَن خالَفَنِي أوْ مَلِكًا يَنْصُرُ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ، فاسْتَجابَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ ﴾ ، ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ ﴾ .

﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ ﴾ الإسْلامُ ﴿ وَزَهَقَ الباطِلُ ﴾ وذَهَبَ وهَلَكَ الشِّرْكُ مِن زَهَقَ رُوحُهُ إذا خَرَجَ.

﴿ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا ﴾ مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وفِيها ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ في عَيْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنها فَيَقُولُ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ، فَيَنْكَبُّ لِوَجْهِهِ حَتّى ألْقى جَمِيعَها وبَقِيَ صَنَمُ خُزاعَةَ فَوْقَ الكَعْبَةِ وكانَ مِن صُفْرٍ فَقالَ: يا عَلِيُّ ارْمِ بِهِ فَصَعَدَ فَرَمى بِهِ فَكَسَرَهُ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقُلْ جَاء الحق} الإسلام {وَزَهَقَ} وذهب وهلك {الباطل} الشرك أو جاء القرآن وهلك الشيطان {إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا} كان مضمحلاً في كل أوان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقُلْ جاءَ الحَقُّ ﴾ الإسْلامُ والدِّينُ الثّابِتُ الرّاسِخُ.

والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ( قُلْ ) أوَّلًا واحْتِمالُ أنَّها مِن مَقُولِ القَوْلِ الأوَّلِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِجابَةِ في غايَةِ البُعْدِ.

﴿ وزَهَقَ الباطِلُ ﴾ أيْ: زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يُثْبِتِ الشِّرْكَ والكُفْرَ وتَسْوِيلاتِ الشَّيْطانِ، مِن زَهَقَتْ نَفْسُهُ إذا خَرَجَتْ مِنَ الأسَفِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ الحَقَّ القُرْآنُ، والباطِلَ الشَّيْطانُ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الأوَّلَ الجِهادُ، والثّانِيَ الشِّرْكُ، وعَنْ مُقاتِلٍ: الحَقُّ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى، والباطِلُ عِبادَةُ الشَّيْطانِ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْنا.

﴿ إنَّ الباطِلَ ﴾ كائِنًا ما كانَ ﴿ كانَ زَهُوقًا ﴾ مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ الآنَ أوْ فِيما بَعْدُ أوْ مُطْلَقًا لِكَوْنِهِ كَأنْ لَمْ يَكُنْ، وصِيغَةُ فَعُولٍ لِلْمُبالَغَةِ.

أخْرَجَ الشَّيْخانِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ  مَكَّةَ وحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وثَلاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ: ﴿ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلُ كانَ زَهُوقًا ﴾ ، ﴿ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ ﴾ ».

وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ في الصَّغِيرِ والبَيْهَقِيِّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ  جاءَ ومَعَهُ قَضِيبٌ فَجَعَلَ يَهْوِي بِهِ إلى كُلِّ صَنَمٍ مِنها فَيَخِرُّ لِوَجْهِهِ فَيَقُولُ: ﴿ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلُ كانَ زَهُوقًا ﴾ حَتّى مَرَّ عَلَيْها كُلِّها».

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ، يعني: قم بالليل بعد النوم، والتهجد: القيام بعد النوم روى شهر بن حوشب، عن أبي أمامة أنه قال: «كانت النافلة لرسول الله  خاصة» ، وقال مجاهد: «لم تكن النافلة إلا للنبي  ، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» ويقال: نافِلَةً لَكَ، أي فضلاً لك، ويقال: خاصة لك عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قال مقاتل: يعني: إن الشفاعة لأصحاب الأعراف يحمده الخلق كلهم، ويقال: إخراج قوم من النار.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، عن عطية العوفي قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله  يقول في قوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قال: «يُخْرِجُ الله أقْوَاماً مِنَ النَّارِ مِنْ أهْلِ الإيمانِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ  ، فذلك المَقَامُ المَحْمُودُ، فَيُؤْتَى بِهِمْ نَهَراً يُقَالُ لَهُ الحَيَوَانُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهِ، فَيُنْبَتُونَ كَمَا ينبتُ التَّقَاريرُ.

ثم يُخْرَجُونَ فَيُدْخَلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمَّوْنَ فيها الجهنّميّون، ثم يطلبونَ إلى الله تعالى أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُمْ هذا الاسم، فيذهب به عَنْهُمْ» (١) وروي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: «يجتمع الأولون والآخرون يوم القيامة في صعيد واحد، ينفذهم البصر ويسمعهم المنادي، فيقول: يا محمد، فيقول: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ» .

وهو المقام المحمود، ويغبطه به الأولون والآخرون.

ثم قال تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، أي: قال هذا حين أمره الله بالرجوع إلى المدينة أي أدخلني في المدينة إدخال صدق.

وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، يعني: من المدينة إلى مكة إخراج صدق، ويقال: أَدْخِلْنِي في الدين مُدْخَلَ صِدْقٍ، أي ثبتني على الدين وَأَخْرِجْنِي، أي احفظني من الكفر، ويقال: أخرجني من الدنيا إخراج صدق، وأدخلني في الجنة.

ويقال: أدخلني بعز وشرف وإظهار الإسلام.

ويقال: أدخلني في القبر مدخل صدق وأخرجني من القبر مخرج صدق، وقال مجاهد: أدخلني في النبوة والرسالة مدخل صدق الجنة، وقال السدي: أدخلني المدينة وأخرجني من مكة، وعن أبي صالح: أدخلني في الإسلام وارفعني في الإسلام.

وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ، أي: من عندك سُلْطاناً نَصِيراً، أي ملكاً مانعاً لا زوال فيه، ولا يرد قولي ويقال: حجة ثابتة ظاهرة.

قوله عز وجل: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ، ظهر الإسلام والقرآن، وَزَهَقَ الْباطِلُ يقول: وهلك الشرك وأهله.

إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً، يعني: إنّ الشرك كان هالكاً لم يكن له قرار ولا دوام.

روي عن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبيّ  مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: 81] جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ وذكر أن النبيّ  كان يقول ذلك والصنم ينكب لوجهه.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 326 إلى الترمذي وحسنه وابن جرير، وابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١)

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ «مِنْ» للتبعيض، التقدير: ووقتاً مِنَ الليلِ، أيَّ: قم وقتاً، والضمير في «به» عائدٌ على هذا المقدَّر، ويحتملُ أن يعود على القرآن، و «تهجَّد» معناه:

اطرح الهجودَ عَنْك، «والهُجُود» : النوم، المعنى: ووقتاً من الليل اسهر به في صلاةٍ وقراءة، وقال علقمة وغيره: التهجُّد بعد نومة «١» ، وقال الحَجَّاج بن عمرو: إِنما التهجُّد بعد رقدة «٢» ، وقال الحسن: التهجُّد ما كان بعد العشاء الآخرة «٣» .

وقوله: نافِلَةً لَكَ قال ابن عباس: معناه: زيادةً لك في الفَرْضٍ، قال: وكان قيامُ الليل فرضا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٤» ، وقال مجاهد: إنما هي نافلة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأنه مغفورٌ له، والناس يحطُّون بمثل ذلك خطاياهم، يعني: ويجبرون بها فرائضهم حَسْبما/ ورد في الحديثِ «٥» ، قال صاحب «المدخل» ، وهو أبو عبد الله بن الحَاجِّ وقد قالوا: إِنَّ مَنْ كان يتفلَّت منه القرآن، فليقُمْ به في الليْلَ، فإن ذلك يثبته له ببركة امتثال السُّنَّة سِيَمَا الثُّلُثُ الأخير من الليلِ لما ورد في ذلك من البركَات والخَيْرَات، وفي قيامِ اللَّيْلِ من الفوائد جملةٌ، فلا ينبغي لطالب العلْم أنْ يفوته منْها شَيْءٌ.

فمنها: أنه يحطُّ الذنوب كما يحطُّ الريحُ العاصف الورق اليابس من الشجرة.

الثاني: أنه ينوِّر القلب.

الثالث: أنه يحسِّن الوجه.

الرابع: أنه يذهب الكسل، وينشِّط البدن.

الخامس: أن موضعه تراه الملائكَة من السماء كما يتراءى الكوكب الدُّرِّيُّ لنا في السماءِ، وقد روى الترمذيُّ عن أبي أمامة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «عَلْيُكُمْ بِقَيِامِ اللَّيْلِ، فإِنَّهُ مِنْ دأْبِ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلى اللَّهِ تعالى، ومَنْهَاةٌ عَنِ الآثَامِ، وتَكْفِيرٌ للسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ للِدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ» «١» وروى أبو داودَ في «سُنَنِهِ» عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آياتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، ومَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، ومَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةِ، كُتِبَ مِنَ المُقَنْطِرِين» انتهى «٢» من «المدخل» .

وقوله سبحانه: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً: عِدَةٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه، وهو أمر الشَّفاعة الذي يتدافعه الأنبياء حتى ينتهي إليه صلّى الله عليه وسلّم، والحديث بطوله في البخاريِّ ومسلمٍ.

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه «٣» » : واختلف في وَجْهِ كوْنِ قيامِ الليْلِ سَبَباً للمقامِ المْحُمودِ على قَوْلين للعلماء:

أحدهما: أن البارِي تعالى يجعلُ ما يشاء مِنْ فضله سبباً لفضله من غير معرفة لنا

بَوْجهِ الحكمة.

الثاني: أنَّ قيام الليل فيه الخَلْوَة بالباري تعالى، والمناجاة معه دون الناسِ، فيعطى الخَلْوة به ومناجاتَه في القيامةِ، فيكون مقاماً محموداً، ويتفاضل فيه الخَلْق بحسب درجاتهم، وأجلّهم فيه درجة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فيعطى من المحامدِ ما لم يعطَ أحدٌ، ويَشْفَعُ فَيُشَفَّع.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ...

الآية: ظاهر الآية: والأحْسَنُ أن يكون دعا عليه السلام في أن يحسِّن اللَّه حالته في كلِّ ما يتناول من الأمور ويحاولُ من الأسفار والأعمال، وينتظر من تصرُّف المقادير في المَوْت والحياة، فهي على أتمِّ عمومٍ، معناه: ربِّ، أصْلِحْ لي وِرْدِي في كلِّ الأمور، وَصَدَري.

وذهب المفسِّرون إِلى تخصيص اللفْظِ، فقال ابن عبَّاس وغيره: أدْخِلْنِي المدينة، وأخرجني من مكَّة «١» ، وقال ابن عباس أيضاً: الإِدخال بالمَوْت في القبرِ، والإِخراج:

البعث «٢» ، وقيل غير هذا، وما قدَّمت من العموم التَّامِّ الذي يتناول هذا كلَّه أصوبُ، «والصِّدق» هنا صفة تقتضي رفْعَ المذامِّ واستيعاب المَدْح، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً قال مجاهدٌ: يعني حجَّةً تنصرني بها على الكفَّار «٣» .

وقوله سبحانه: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ ...

الآية: قال قتادة: الْحَقُّ القُرآن، والْباطِلُ الشيطان «٤» .

وقالت فرقة: الْحَقُّ: الإيمان، والْباطِلُ: الكُفْران، وقيل غير هذا، والصواب تعميمُ اللفظ بالغايةِ المُمْكنة فيكون التفسيرُ: جَاءَ الشرع بجميع ما انطوى فيه، وزَهَق الكُفْر بجميع ما انطوى فيه، وهذه الآية نزَلْت بمكَّة، وكان يستشهد بها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَوْمَ فتحِ مكَّة وقْتَ طعنه الأصنام وسقوطَها لطعنه إياها بالمخصرة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ ﴾ ؛ أيْ: أدِّها ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ ؛ أيْ: عِنْدَ دَلُوكِها.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ( اللّامِ ) قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى ( في ) .

والثّانِي: أنَّها مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ .

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دَلُوكُها: مِن عِنْدِ زَوالِها إلى أنْ تَغِيبَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَيْلُها وقْتَ الظَّهِيرَةِ دُلُوكٌ، ومَيْلُها لِلْغُرُوبِ دُلُوكٌ.

وقالَ الأزْهَرِيُّ: مَعْنى ( الدُّلُوكِ ) في كَلامِ العَرَبِ: الزَّوالُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ: دالِكَةٌ، وإذا أفْلَتْ: دالِكَةٌ؛ لِأنَّها في الحالَيْنِ زائِلَةٌ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالدُّلُوكِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ زَوالُها نِصْفَ النَّهارِ.

«رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: دَعَوْتُ رَسُولَ اللهِ  ومَن شاءَ مِن أصْحابِهِ فَطَعِمُوا عِنْدِي، ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ  وقالَ: " اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حَيْثُ دَلَكَتِ الشَّمْسُ "»؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وأبِي بَرْزَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ، وهو اخْتِيارُ الأزْهَرِيِّ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: لِتَكُونَ الآَيَةُ جامِعَةً لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أقِمِ الصَّلاةَ مِن وقْتِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ، فَيَدْخُلُ فِيها الأُولى، والعَصْرُ، وصَلاتا غَسَقِ اللَّيْلِ، وهُما العِشاءانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ ، فَهَذِهِ خَمْسُ صَلَواتٍ.

والثّانِي: أنَّهُ غُرُوبُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقَوْلَيْنِ، قالَ الفَرّاءُ: ورَأيْتُ العَرَبَ تَذْهَبُ في الدُّلُوكِ إلى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: دَلَكَ النَّجْمُ: إذا غابَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: مَصابِيحٌ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها نُجُومٌ ولا بِالأفِلاتِ الدَّوالِكِ وَتَقُولُ في الشَّمْسِ: دَلَكَتْ بَراحٍ، يُرِيدُونَ: غَرَبَتْ، والنّاظِرُ قَدْ وضَعَ كَفَّهُ عَلى حاجِبِهِ يَنْظُرُ إلَيْها، قالَ الشّاعِرُ: والشَّمْسُ قَدْ كادَتْ تَكُونُ دَنَفًا ∗∗∗ أدْفَعُها بِالرّاحِ كَيْ تَزَحْلَفا فَشَبَّهَها بِالمَرِيضِ [ في ] الدَّنَفِ؛ لِأنَّها قَدْ هَمَّتْ بِالغُرُوبِ كَما قارَبَ الدَّنِفَ المَوْتُ، وإنَّما يَنْظُرُ إلَيْها مِن تَحْتِ الكَفِّ، لِيَعْلَمَ كَمْ بَقِيَ لَها إلى أنْ تَغِيبَ، ويَتَوَقّى الشُّعاعَ بِكَفِّهِ.

فَعَلى هَذا المُرادِ بِهَذِهِ الصَّلاةِ: المَغْرِبُ، فَأمّا غَسَقُ اللَّيْلِ فَظَلامُهُ.

وَفِي المُرادِ بِالصَّلاةِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَسَقِ اللَّيْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: العِشاءُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: المَغْرِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ وقْتِ المَغْرِبِ، أنَّهُ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ.

والثّالِثُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ المَعْنى: وأقِمْ قِراءَةَ الفَجْرِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: صَلاةُ الفَجْرِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذا فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِقِراءَةٍ، حِينَ سُمِّيَتِ الصَّلاةُ قُرْآَنًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  ، قالَ: " «تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَصَلِّ بِالقُرْآَنِ.

قالَ مُجاهِدٌ، وعَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ: التَّهَجُّدُ بَعْدَ النَّوْمِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَهَجَّدْتُ: سَهِرَتُ، وهَجَدْتُ: نِمْتُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّهَجُّدُ هاهُنا بِمَعْنى: التَّيَقُّظِ والسَّهَرِ، واللُّغَوِيُّونَ يَقُولُونَ: هو مِن حُرُوفِ الأضْدادِ، يُقالُ لِلنّائِمِ: هاجِدٌ ومُتَهَجِّدٌ، وكَذَلِكَ لِلسّاهِرِ قالَ النّابِغَةُ: ولَوْ أنَّها عَرَضَتْ لِأشْمَطَ راهِبٍ ∗∗∗ عَبْدِ الإلَهِ صَرُورَةٍ مُتَهَجِّدِ لَرَنا لِبَهْجَتِها وحُسْنِ حَدِيثِها ∗∗∗ ولِخالِهِ رُشْدًا وإنْ لَمْ يَرْشُدِ يَعْنِي بِالمُتَهَجِّدِ: السّاهِرَ، وقالَ لَبِيدُ: قالَ هَجَدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى ∗∗∗ [ وقَدَرْنا إنْ خُنّا الدَّهْرَ غَفَلَ ] أيْ: نَوَّمَنا.

وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُتَهَجِّدُ: القائِمُ إلى الصَّلاةِ مِنَ النَّوْمِ.

وقِيلَ لَهُ: مُتَهَجِّدٌ؛ لِإلْقائِهِ الهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ، كَما يُقالُ: تَحَرَّجَ وتَأثَّمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نافِلَةً لَكَ ﴾ النّافِلَةُ في اللُّغَةِ: ما كانَ زائِدًا عَلى الأصْلِ.

وَفِي مَعْنى هَذِهِ الزِّيادَةِ في حَقِّهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ فِيما فُرِضَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَرِيضَةٌ عَلَيْكَ، وكانَ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِ قِيامُ اللَّيْلِ، هَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والثّانِي: أنَّها زائِدَةٌ عَلى الفَرْضِ ولَيْسَتْ فَرْضًا، فالمَعْنى: تُطَوُّعًا وفَضِيلَةً.

قالَ أبُو أُمامَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: إنَّما النّافِلَةُ لِلنَّبِيِّ  خاصَّةً.

قالَ مُجاهِدٌ: وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَما زادَ عَلى فَرْضِهِ فَهو نافِلَةٌ لَهُ وفَضِيلَةٌ، وهو لِغَيْرِهِ كَفّارَةٌ.

وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ فَرْضًا عَلَيْهِ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ رُخِّصَ لَهُ في تَرْكِها، فَصارَتْ نافِلَةً.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في هَذا قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: يُقارِبُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ، فَقالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا تَنَفَّلَ لا يَقْدِرُ لَهُ أنْ يَكُونَ بِذَلِكَ ماحِيًا لِلذُّنُوبِ؛ لِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنَبِهِ وما تَأخَّرَ، وغَيْرُهُ إذا تَنَفَّلَ كانَ راجِيًا ومُقَدِّرًا مَحْوَ السَّيِّئاتِ عَنْهُ بِالتَّنَفُّلِ، فالنّافِلَةُ لِرَسُولِ اللهِ  زِيادَةٌ عَلى الحاجَةِ، وهي لِغَيْرِهِ مُفْتَقَرٌ إلَيْها، ومَأْمُولٌ بِها دَفْعَ المَكْرُوهِ.

والثّانِي: أنَّ النّافِلَةَ لِلنَّبِيِّ  وأُمَّتَهُ، والمَعْنى: ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدُوا بِهِ نافِلَةً لَكُمْ، فَخُوطِبَ النَّبِيُّ  بِخِطابِ أُمَّتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ " ﴾ : " عَسى " مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، ومَعْنى " يَبْعَثُكَ ": يُقِيمُكَ " مَقامًا مَحْمُودًا " وهو الَّذِي يَحْمَدُهُ لِأجْلِهِ جَمِيعُ أهْلِ المَوْقِفِ.

وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّفاعَةُ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عُمَرَ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنُ، وهي رِوايَةُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: يُجْلِسُهُ عَلى العَرْشِ يَوْمَ القِيامَةِ.

رَوى أبُو وائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ، وقالَ: يُقْعِدُهُ عَلى العَرْشِ، وكَذَلِكَ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ المِيمِ في ( مُدْخَلِ ) وَ( مُخْرَجَ ) .

قالَ الزَّجّاجُ: المُدْخَلُ بِضَمِّ المِيمِ: مَصْدَرُ أدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا، ومَن قالَ: مُدْخَلُ صِدْقٍ، فَهو عَلى أدْخَلْتُهُ، فَدَخَلَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وكَذَلِكَ شَرَحَ ( مُخْرَجَ ) مِثْلَهُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا المُدْخَلِ والمُخْرَجِ أحَدَ عَشْرَ قَوْلًا: أحَدُها: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِن مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ.

رَوى أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  بِمَكَّةَ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآَيَةُ.» وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أدْخِلْنِي القَبْرَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنهُ مُخْرَجَ صِدْقٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ، وأخْرِجْنِي إلى مَكَّةَ، يَعْنِي: لِفَتْحِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أدْخِلْنِي مَكَّةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنها مُخْرَجَ صِدْقٍ، فَخَرَجَ مِنها آَمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ، ودَخَلَها ظاهِرًا عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، قالَهُالضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ الجَنَّةِ، وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، رَواهُ قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ.

والسّادِسُ: أدْخِلْنِي في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وأخْرِجْنِي مِنها مُخْرَجَ صِدْقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، يَعْنِي: أخْرِجْنِي مِمّا يَجِبُ عَلَيَّ فِيها.

والسّابِعُ: أدْخِلْنِي في الإسْلامِ وأخْرِجْنِي مِنهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، يَعْنِي: مِن أداءِ ما وجَبَ عَلَيَّ فِيهِ إذا جاءَ المَوْتُ.

والثّامِنُ: أدْخِلْنِي في طاعَتِكَ وأخْرِجْنِي مِنها؛ أيْ: سالِمًا غَيْرَ مُقَصِّرٍ في أدائِها، قالَهُ عَطاءٌ.

والتّاسِعُ: أدْخِلْنِي الغارَ وأخْرِجْنِي مِنهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ.

والعاشِرُ: أدْخِلْنِي في الدِّينِ وأخْرِجْنِي مِنَ الدُّنْيا وأنا عَلى الحَقِّ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والحادِي عَشَرَ: أدْخِلْنِي مَكَّةَ وأخْرِجْنِي إلى حُنَيْنٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَأمّا إضافَةُ الصِّدْقِ إلى المَدْخَلِ والمُخْرِجِ، فَهو مَدْحٌ لَهُما.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في سُورَةِ ( يُونُسَ: ٢ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن عِنْدِكَ ﴿ سُلْطانًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّسَلُّطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ الحُجَّةُ البَيِّنَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: المَلِكُ العَزِيزُ الَّذِي يُقْهَرُ بِهِ العُصاةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَوْلُهُ: ﴿ نَصِيرًا ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُنَصِّرًا، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ ناصِرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ: الإسْلامُ، والباطِلُ: الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الحَقَّ: القُرْآَنُ، والباطِلُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ الحَقَّ: الجِهادُ، والباطِلُ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: الحَقُّ: عِبادَةُ اللَّهِ، والباطِلُ: عِبادَةُ الأصْنامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

ومَعْنى " زَهَقَ ": بَطَلَ واضْمَحَلَّ، وكُلُّ شَيْءٍ هَلَكَ وبَطَلَ فَقَدْ زَهَقَ، وزَهَقَتْ نَفْسُهُ: تَلَفَتْ.

وَرَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ رَسُولُ اللهِ  دَخْلَ مَكَّةَ وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، فَجَعَلَ يَطْعَنُها ويَقُولُ: " جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا "» .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قُلْتُمْ: إنَّ " زَهَقَ " بِمَعْنى بَطَلَ، والباطِلُ مَوْجُودٌ مَعْمُولٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِهِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن بُطْلانِهِ وهَلَكَتِهِ: وُضُوحُ عَيْبِهِ، فَيَكُونُ هالِكًا عِنْدَ المُتَدَبِّرِ النّاظِرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلُ كانَ زَهُوقًا ﴾ ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَرُّ كانَ يَئُوسًا ﴾ ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ والأحْسَنُ فِيها أنْ يَكُونَ دُعاءً في أنْ يُحْسِنَ اللهُ حالَتَهُ في كُلِّ ما يَتَناوَلُ مِنَ الأُمُورِ، ويُحاوِلُ مِنَ الأسْفارِ والأعْمالِ، ويَنْتَظِرُ مِن تَصَرُّفِ المَقادِيرِ في المَوْتِ والحَياةِ، فَهي عَلى أتَمَّ عُمُومٍ، مَعْناها: رَبِّ أصْلَحِ لِي وِرْدِي في كُلِّ الأُمُورِ وصَدْرِي، وذَهَبَ المُفَسِّرُونَ إلى أنَّها في غَرَضٍ مَخْصُوصٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: أرادَ: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ وأخْرِجْنِي مِن مَكَّةَ، وتَقَدَّمَ في هَذا التَأْوِيلِ المُتَأخِّرِ في الوُقُوعِ، فَإنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في القَوْلِ لِأنَّ الإخْراجَ مِن مَكَّةَ هو المُتَقَدِّمُ، اللهُمَّ إنَّ مَكانَ الدُخُولِ والفِرارِ هو الأهَمُّ.

وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ: أدْخِلْنِي في أمْرِ تَبْلِيغِ الشَرْعِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ بِالإعْدادِ التامِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإدْخالُ بِالمَوْتِ في القَبْرِ، والإخْراجِ البَعْثُ.

وما قَدَّمْتُ مِنَ العُمُومِ التامِّ الَّذِي يَتَناوَلُ هَذا كُلَّهُ أصْوَبُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُدْخَلَ" و "مُخْرَجَ" بِضَمِّ المِيمِ، فَهو جَرى عَلى: أدْخِلْنِي وأخْرِجْنِي.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وقَتادَةُ، وحَمِيدٌ: "مَدْخَلَ" و"مَخْرَجَ" بِفَتْحِ المِيمِ، فَهو غَيْرُ جارٍ عَلى: أدْخِلْنِي، ولَكِنَّ التَقْدِيرَ: "أدْخَلَنِي فَأدْخُلُ مَدْخَلَ"، لِأنَّهُ إنَّما يَجْرِي عَلى دَخَلَ، و"الصِدْقُ" هُنا صِفَةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ، كَما تَقُولُ: "رَجُلُ صِدْقٍ" أيْ: جامِعٌ لِلْمَحاسِنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: حُجَّةً، يُرِيدُ: تَنْصُرُنِي بِبَيانِها عَلى الكُفّارِ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: يُرِيدُ: مَنَعَةً ورِياسَةً وسَيْفًا يَنْصُرُ دِينَ اللهِ تَعالى، فَطَلَبَ رَسُولُ اللهِ  ذَلِكَ بِأمْرِ اللهِ إيّاهُ بِهِ رَغْبَةً في نَصْرِ الدِينِ، فَرُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ أنْجَزَ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ ﴾ الآيَةَ.

قالَ قَتادَةُ: "الحَقُّ": القُرْآنُ، و"الباطِلُ": الشَيْطانُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحَقُّ" الإيمانُ، و"الباطِلُ": الكُفْرُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الحَقُّ: الجِهادُ، و"الباطِلُ": الشِرْكُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والصَوابُ تَعْمِيمُ اللَفْظِ بِالغايَةِ المُمْكِنَةِ، فَيَكُونُ التَعْبِيرُ: جاءَ الشَرْعُ بِجَمِيعِ ما انْطَوى فِيهِ، وزَهَقَ الكُفْرُ بِجَمِيعِ ما انْطَوى فِيهِ، و"الباطِلُ": كُلُّ ما لا تُنالُ بِهِ غايَةٌ نافِعَةٌ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كانَ زَهُوقًا ﴾ ، لَيْسَتْ "كانَ" إشارَةً إلى زَمَنٍ مَضى، بَلِ المَعْنى: كانَ وهو يَكُونُ، وهَذا كَقَوْلِكِ: كانَ اللهُ عالِمًا قادِرًا، ونَحْوَ هَذا.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ، وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ، حَسْبَما في السِيرَةِ لِابْنِ هِشامٍ وفي غَيْرِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُنَزِّلُ" بِالنُونِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَيُنْزِلُ" بِالياءِ خَفِيفَةً، ورَواها المَرُوزِيُّ عن حَفْصٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ القُرْآنِ ﴾ ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِنَ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قالَ ونُنَزِّلُ ما فِيهِ شِفاءٌ مِنَ "القُرْآنِ"، وأنْكَرَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ تَحَفَّظَ مِن أنْ يَلْزَمَهُ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ يَلْزَمُهُ هَذا، بَلْ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ بِحَسْبِ أنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ" شَيْئًا شَيْئًا ما فِيهِ كُلُّهُ شِفاءٌ.

واسْتِعارَتُهُ الشِفاءَ لِلْقُرْآنِ هو بِحَسْبَ إزالَتِهِ لِلرَّيْبِ، وكَشْفِهِ غِطاءَ القَلْبِ لِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدالَّةِ عَلى اللهِ تَعالى، المُقَرِّرَةِ لِشَرْعِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشِفاءِ نَفْعُهُ مِنَ الأمْراضِ بِالرُقى والتَعْوِيذِ ونَحْوِهِ، وكَوْنُهُ رَحْمَةً ظاهِرَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِمْ عَمًى؛ إذْ هم مُعَرَّضُونَ بِحالَةِ مَن لا يَفْهَمُ ولا يُلَقَّنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ ﴾ الآيَةَ.

"الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ لا يُرادُ بِهِ العُمُومُ، وإنَّما يُرادُ بِهِ بَعْضُهُ وهُمُ الكَفَرَةُ، وهَذا كَما تَقُولُ عِنْدَ غَضَبٍ: "لا خَيْرَ في الأصْدِقاءِ ولا أمانَةَ في الناسِ"، فَأنْتَ تُعَمِّمُ مُبالِغَةً، ومُرادُكَ البَعْضُ، وهَذا بِحَسْبِ ذِكْرِ الظالِمِينَ والخَسارِ في الآيَةِ، قِيلَ: فاتَّصَلَ ذِكْرُ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ عامّا لِلْجِنْسِ، عَلى مَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ الذَمِيمَ في سَجِيَّتِهِ، فالكافِرُ يُبالِغُ في الإعْراضِ، والعاصِي يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنهُ.

وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  في مُؤْمِنٍ: « "فَأعْرَضَ فَأعْرَضَ اللهُ عنهُ".» ومَعْنى "أعْرَضَ" ولّانا عُرْضَهُ، "وَنَأى" أيْ: بَعُدَ، وهَذِهِ، وهَذا اسْتِعارَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ يَفْعَلُ أفْعالَ المُعْرِضِ النائِي في تَرْكِهِ الإيمانَ بِاللهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَناءَ"، ومَعْناهُ: نَهَضَ مُتَباعِدًا، هَذا قَوْلُ طائِفَةٍ، وقالَ أُخْرى: هو قَلْبُ الهَمْزَةِ بَعْدَ الألْفِ مِن "نَأى" بِعَيْنِهِ، وهي لُغَةٌ كَرَأى وراءَ، ونَحْوَ هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ رامٍ: حَتّى إذا ما التَأمَتْ مَفاصِلُهُ ∗∗∗ وناءَ في شِقِّ الشِمالِ كاهِلُهُ أيْ: نَهَضَ مُتَوَرِّكًا عَلى شِمالِهِ.

والَّذِي عِنْدِي أنَّ "ناءَ" و"نَأى" فِعْلانِ مُتَبايِنانِ.

وناءَ بِجانِبِهِ عِبارَةٌ عَنِ التَحَيُّرِ والِاسْتِبْدادِ، و"ناءَ" عِبارَةٌ عَنِ البُعْدِ والفِراقِ.

ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَعالى الكَفَرَةَ بِأنَّهم إذا مَسَّهم شَرٌّ مِن مَرَضٍ أو مُصِيبَةٍ في مالٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ يَئِسُوا مِن حَيْثُ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، ولا يَرْجُونَ تَصَرُّفَ أقْدارِهِ.

ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ ، أيْ: طَرِيقَتُهُ وبِحَسْبِ نِيَّتِهِ ومَذْهَبِهِ الَّذِي يُشْبِهُهُ.

وهو شَكْلٌ لَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ "الإنْسانَ" أوَّلًا لَمْ يُرَدْ بِهِ العُمُومُ، أيْ أنَّ الكُفّارَ بِهَذِهِ الصِفاتِ، والمُؤْمِنُونَ بِخِلافِها، وكُلٌّ مِنهم يَعْمَلُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، والرَبُّ تَعالى أعْلَمُ بِالمُهْتَدِي.

وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى طَبِيعَتِهِ، وقالَ أيْضًا: مَعْناهُ: عَلى حِدَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: عَلى ناحِيَتِهِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: عَلى حِدَتِهِ وعَلى ما يَنْوِي، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: عَلى دِينِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأرْجَحُ هَذِهِ العِباراتِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا ﴾ تَوَعُّدٌ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقب تلقينه الدعاءَ بسداد أعماله وتأييده فيها بأن لقنه هذا الإعلان المنبئ بحصول إجابة الدعوة المُلْهَمَة بإبراز وعده بظهور أمره في صورة الخبر عن شيء مضى.

ولما كانت دعوة الرسول هي لإقامة الحق وإبطاللِ الباطل كان الوعد بظهور الحق وعداً بظهور أمر الرسول وفوزه على أعدائه، واستحفظه الله هذه الكلمة الجليلة إلى أن ألقاها يوم فتح مكة على مسامع من كانوا أعداءه فإنه لما دخل الكعبة ووجد فيها وحولها الأصنام جعل يشير إليها بقضيب ويقول: ﴿ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾ فتسقط تلك الأنصاب على وجوهها.

ومجيء الحق مستعمل مجازاً في إدراك الناس إياه وعملهم به وانتصار القائم به على معاضديه تشبيهاً للشيء الظاهر بالشيء الذي كان غايباً فورد جائياً.

و ﴿ زهَق ﴾ اضمحل بعد وجوده.

ومصدره الزُهوق والزَهَق.

وزهوق الباطل مجاز في تركه أصحابه فكأنه كان مقيماً بينهم ففارقهم.

والمعنى: استقر وشاع الحق الذي يدعو إليه النبي وانقضى الباطل الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنه.

وجملة ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ تذييل للجملة التي قبله لما فيه من عموم يشمل كل باطل في كل زمان.

وإذا كان هذا شأن الباطل كان الثبات والانتصار شأن الحق لأنه ضد الباطل فإذا انتفى الباطل ثبت الحق.

وبهذا كانت الجملة تذييلاً لجميع ما تضمنته الجملة التي قبلها.

والمعنى: ظهر الحق في هذه الأمة وانقضى الباطل فيها، وذلك شأن الباطل فيما مضى من الشرائع أنه لا ثبات له.

ودل فعل ﴿ كان ﴾ على أن الزهوق شنشنة الباطل، وشأنه في كل زمان أنه يظهر ثم يضمحل، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ في صدر سورة [يونس: 2].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مُدْخَلَ الصِّدْقِ دُخُولُهُ إلى المَدِينَةِ حِينَ هاجَرَ إلَيْها، ومُخْرَجَ صِدْقٍ بِخُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ حِينَ هاجَرَ مِنها، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ إلى الجَنَّةِ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ فِيما أرْسَلَتْنِي بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ مُخْرَجَ صِدْقٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الرّابِعُ: أدْخْلِنِي في الإسْلامِ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنَ الدُّنْيا مُخْرَجَ صِدْقٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الخامِسُ: أدْخِلْنِي مَكَّةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مِنها مُخْرَجَ صِدْقٍ آمِنًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

السّادِسُ: أدْخِلْنِي في قَبْرِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنهُ مُخْرَجَ صِدْقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّابِعُ: أدْخِلْنِي فِيما أمَرْتَنِي بِهِ مِن طاعَتِكَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِمّا نَهَيْتَنِي عَنْهُ مِن مَعاصِيكَ مُخْرَجَ صِدْقٍ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

والصِّدْقُ ها هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاحِ وحُسْنِ العاقِبَةِ.

﴿ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُلكًا عَزِيزًا أقْهَرُ بِهِ العُصاةَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: حُجَّةً بَيِّنَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ السُّلْطَةَ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ القُلُوبِ بِاللِّينِ وبَيْنَ قَهْرِ الأبْدانِ بِالسَّيْفِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ هو القُرْآنُ، والباطِلَ هو الشَّيْطانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ الحَقَّ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى والباطِلَ عِبادَةُ الأصْنامِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

الثّالِثُ: أنَّ الحَقَّ الجِهادُ، والباطِلَ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا ﴾ أيْ ذاهِبًا هالِكًا، قالَ الشّاعِرُ: ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها إقْدامُهُ قَهْرًا لَهُ لَمْ يَزْهَقِ وَحَكى قَتادَةُ «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا دَخَلَ الكَعْبَةَ ورَأى فِيها التَّصاوِيرَ أمَرَ بِثَوْبٍ فَبُلَّ بِالماءِ وجَعَلَ يَضْرِبُ بِهِ تِلْكَ التَّصاوِيرَ ويَمْحُوها ويَقُولُ ﴿ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا ﴾ » <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾ ﴿ وجاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ﴾ [ سبأ: 49] .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر، عن جابر رضي الله عنه قال: «دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها وقال: ﴿ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾ » .

وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فشد لهم إبليس أقدامها بالرصاص، فجاء ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم منها فيخرّ لوجهه فيقول: ﴿ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾ حتى مر عليها كلها» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ قال: ذاهباً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقل جاء الحق ﴾ قال: القرآن ﴿ وزهق الباطل ﴾ قال: هلك، وهو الشيطان.

وفي قوله: ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ﴾ قال: الله تعالى جعل هذا القرآن ﴿ شفاء ورحمة للمؤمنين ﴾ إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ﴿ ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ﴾ لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه.

وأخرج ابن عساكر عن أويس القرني رضي الله عنه قال: لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضاء الله الذي قضى ﴿ شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾ قال المفسرون في شى ﴿ وَزَهَقَ ﴾ : بطل واضمحل (١) (٢) ﴿ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾ : خرج إلى الهلاك، قال الليث: وكل شيء هلك وبطل فقد زهق (٣) واختلفوا في معنى الحق والباطل هاهنا؛ فقال السدي: الحق: الإسلام، والباطل: الشرك (٤) وقال قتادة: الحق: القرآن، والباطل: الشيطان (٥) وقال ابن جريج: الحق: الجهاد والقتال، والباطل: الشرك وما هم فيه (٦) قال ابن عباس (٧)  - إذا دخل مكة أن يقف على الأصنام التي كانوا يعبدونها ويقول: ﴿ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾ .

وروي عن ابن مسعود أنه دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون نُصُبًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾ ، فجعل الصنم ينكب لوجهه (٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ قال ابن عباس: يريد كل ما كان من الشيطان كان خارجًا من الحق (٩) (١) ورد في "تهذيب اللغة" (زهق) 2/ 1571 بنصه، و"تفسير هود الهواري" 2/ 438 - بمعناه، و"الطوسي" 6/ 512، بنحوه.

(٢) انظر (زهق) في "المحيط في اللغة" 3/ 338، و"الصحاح" 4/ 1493، و"مجمل اللغة" 1/ 443، و"اللسان" 3/ 1879.

(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (زهق) 2/ 1571، بنصه.

(٤) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 أبنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 122، بنصه.

(٥) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 389، بنصه، و"الطبري" 15/ 152 بنصه، وورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 186، و"الثعلبي" 7/ 119 أ، و"الماوردي" 3/ 267، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 360 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٦) أخرجه "الطبري" 15/ 152 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 أمقتصرًا على معنى الحق بنصه، والماوردي 3/ 267، بنصه.

(٧) في (أ)، (د)، (ش): (قال الله تعالى)، والصواب المثبت من (ع) (٨) أخرجه بنحوه: "عبد الرزاق" 2/ 388، وابن أبي شيبة 7/ 403، عن جابر؛ والبخاري (4720) كتاب: التفسير، باب: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ ﴾ ، ومسلم (1781) كتاب: الجهاد، باب: إزالة الأصنام من حول الكعبة، والترمذي (3138): التفسير، الإسراء، والنسائي في تفسيره 1/ 665، و"الطبري" 15/ 152، و"البغوي" 3/ 133، وورد بنصه تقريبًا في "تفسير السمرقندي" 2/ 281 ، و"الثعلبي" 7/ 119 أ، و"الطوسي" 6/ 512، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 360 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(٩) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 537، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل ﴾ الحق الإيمان والباطل الكفر ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ ﴾ من للتبعيض، أو لبيان الجنس، والمراد بالشفاء أنه يشفى القلوب من الريبة والجهل، ويحتمل أن يريد نفعه من الأمراض بالرقيا به والتعويذ ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان ﴾ الآية: المراد بالإنسان هنا الجنس، لأن ذلك من سجية الإنسان، وقيل: إنما يراد الكافر لأنه هو الذي يعرض عن الله ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ أي بعُد، وذلك تأكيد وبيان للإعراض، وقرأ ابن عامر ناءٍ وهو بمعنى واحد ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ ﴾ أي مذهبه وطريقته التي تشاكله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خلفك ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد.

الآخرون ﴿ خلافك ﴾ بكسر الخاء بالألف ﴿ وننزل من ﴾ مخففاً: أبو عمرو ويعقوب الياقوت بالتشديد وياء تحتانية ﴿ وناء بجانبه ﴾ مثل "ناع": يزيد وابن ذكوان ﴿ ونأى ﴾ يفتح النون وإمالة الهمزة مثل "رمى".

حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف والعجلي وخلف لنفسه.

الباقون بفتحتين كرمى.

الوقوف: ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه لا لتعلق "إذا" ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ وقرآن ﴾ ه ﴿ الفجر ﴾ ط ﴿ مشهوداً ﴾ ه ﴿ نافلة لك ﴾ قف والوصل أولى لأن "عسى" وعد على التهجد ﴿ محموداً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ وزهق الباطل ﴾ ط ﴿ زهوقاً ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من صلة "ما" ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج لعطف حملتي الظرف ﴿ بؤساً ﴾ ه ﴿ شاكلته ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ عن الروح ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ز لعطف المتفقين معنى المختلفين لفظاً ﴿ كفوراً ﴾ ه.

التفسير: لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء.

عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي  : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب، لا نعشر - أي لا تؤخذ عشور أموالنا - ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد، وكل رباً لنا فهو لنا، وكل رباً علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك؟

فقل: إن الله أمرني به وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب: اكتب "ولا يجبون" والكاتب ينظر إلى رسول الله.

فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً.

فقالوا: لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً.

وقال عمر: أما ترون رسول الله  أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله الآية.

وهذه القصة وقعت بعد الهجرة فلهذا قال المفسرون إنها ليست بمكية.

وروي أن قريشاً قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت.

وقال الحسن: إن الكفار أخذوا رسول الله  بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها، ولو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك.

فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم.

وعن سعيد بن جبير أنه  كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون: لا ندعك حتى تستلم بآلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية فنزلت.

قال القفال: من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله  بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: لو عبدت آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون  ﴾ وقوله: ﴿ ودّوا لو تدهن فيدهنون  ﴾ وتارة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت ﴿ ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا  ﴾ وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم  ﴾ وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ويزيلوه عن منهجه.

فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجوداً لكان للآية محمل صحيح.

والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين.

وأصل الفتنة الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك ﴿ وإذا لاتخذوك ﴾ أي لو اتبعت مرادهم لاتخذوك ﴿ خليلاً ﴾ ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ لولا تثبيتنا وعصمتنا لك ﴿ لقد كدت تركن إليهم ﴾ لقاربت أن تميل إلى مرادهم ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ أي ركوناً قليلاً.

قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم.

قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي  : "اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين." ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال: ﴿ إذا لأذقناك ﴾ أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك ﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله.

وقال صاحب الكشاف: المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار.

والعذاب يوصف بالضعف كقوله: ﴿ فزده عذابا ضعفاً في النار  ﴾ بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات.

وقال التفسير الكبير: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة.

والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا عقوبتهم أعظم نظير ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث: " "من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ﴿ ثم لا تجد لك علينا نصيراً ﴾ يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا.

واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها.

والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي  .

وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق.

وقالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده.

وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله  عقيب ذلك.

ثم ذكر طرفاً آخر من مكايدهم فقال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى ﴿ ليستفزونك ﴾ ليزعجونك كما مر في قوله: ﴿ واستفزز  ﴾ والأرض إما أرض مكة، كما قال قتادة ومجاهد ويرد عليه أن "كاد" للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك  ﴾ ويمكن أن يقال: إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه، فأطلق الإخراج على إرادة الإخراج مجوزاً يؤيده قوله: ﴿ وإذا لا يلبثون ﴾ وهو معطوف على ﴿ يستفزونك ﴾ أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ذلك على عدم وقوع الإخراج.

ومن جوز وقوع الإخراج قال: المراد بعدم اللبث أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل.

واما أرض المدينة على ما روي عن ابن عباس أن رسول الله  لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك.

وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله  على أميال من المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع.

وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضاً مدنية، والخلاف في معنى الخلف كما مر في قوله: ﴿ بمقعدهم خلاف رسول الله  ﴾ وقرىء: ﴿ وإذا لا يلبثوا ﴾ بحذف النون على إعمال "إذن" فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ .

ثم بين أن عادته  جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم ﴿ فقال سنة من قد أرسلنا ﴾ وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ﴿ ولا تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة.

وقال أهل النظم: لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة.

وأيضاً لما قال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها  ﴾ ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها.

وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر.

وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه  قال: " أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر." قالوا: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء.

وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس.

وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت ﴿ إلى غسق الليل ﴾ أي ظلمته.

قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً أي أظلم، والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال: غسقت العين إذا هملت وكأن الظلام انهمل على الدنيا وتراكم.

وهذا عند سيبويه الشفق الأبيض، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب الشفق الأحمر لأن المحدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية.

وهذا الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية، وعلى أن الآية يجب أن تشمل جميع الصلوات، وللخصم المنع في المقامين.

ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية للشيء ببعض أجزائه، ومثله تسمية الصلاة ركوعاً وسجوداً وقنوتاً.

قال جار الله: إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن.

قلت: أجزاء الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات فلا يتم هذ الاعتراض.

وفي الآية مسائل: الأولى: استدل بعض الشيعة بها على جواز الجميع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً.

وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم إبقاؤها على الجواز الأصلي.

الثاني: استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من التنوير لوجوه منها: أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير: أقم قرآن الفجر.

وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل.

والفجر انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل.

ومنها أنه خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت، ومنها أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً فقيل: أي يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة.

وقال أكثر المفسرين: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار.

وقيل: إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل.

فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار.

ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك لك، وتقول ملائكة النهار: ربنا لقينا عبادك وهم يصلون.

فيقول الله لملائكته: اشهدوا فإني قد غفرت لهم.

والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد.

ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدىء بها وقت التنوير.

قال أهل التحقيق: إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيره الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق، فيزداد بصيرة وإيقاناً ومعرفة وإيماناً، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة.

وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها، فيزداد كل منهم نورية وبهاء.

فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ مشهوداً ﴾ إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة.

ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس.

ثم حث على قيام الليل فقال: ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هذا من الأضداد لأنه يقال: هجد الرجل إذا نام وهجد أيضاً إذا صلى من الليل، وبوسط الأزهري فقال: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه "تأثم" "وتحرج" وإذا ألقى الإثم والحرج عن نفسه.

فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه.

وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجداً.

وربما يقال: سمي تهجداً لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله  ولداود كما جاء في الحديث: "أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثه ويقوم سدسه" قال جار الله: معنى ﴿ ومن الليل ﴾ وعليك بعض الليل ﴿ فتهجد به ﴾ وقال في التفسير الكبير: تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول "الأنفال".

ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي  .

زعم أن معناها كونها فريضة له زائدة على الصلوات الخمس، أو المراد أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعاً زائدة على الفرائض.

ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله: ﴿ فتهجد ﴾ وبين قوله ﴿ نافلة ﴾ تعارض، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه.

ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ﴿ نافلة ﴾ قرينة صارفة للوجوب إلى الندب.

وعن مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وإنما تكون مؤثرة في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي: إن هذه الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير السيئات ومن تقييد التهجد بقوله: ﴿ نافلة لك ﴾ يعلم أن قوله: ﴿ أقم الصلاة ﴾ عام له ولكل أمته وإن كان ظاهره خطاباً معه.

ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك ﴾ ولا ريب أن "عسى" من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف: انتصب ﴿ مقاماً محموداً ﴾ على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود، وقيل: إنه مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.

والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة، أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في إيصال الثواب إليه، ويؤيده رواية أبي هريرة عن النبي  : "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي." وأما ما روى عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس في صعيد واحد ولا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد فيقول: لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.

فليس بقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب حمداً له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاعة فيرجع إلى الأول.

وقيل: أراد مقاماً تحمد عاقبته.

وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه على العرش وزيف بلزوم التحيز له  .

قوله: ﴿ مدخل صدق ﴾ و ﴿ مخرج صدق ﴾ مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو "حاتم الجود" أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره.

قال الحسن وقتادة: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، وقيل: إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء وعزم رسول الله  على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ومسكنك.

﴿ وقل رب أدخلني ﴾ في المدينة ﴿ مدخل صدق وأخرجني ﴾ منها إلى مكة ﴿ مخرج صدق ﴾ أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عوداً إلى الواقعة المذكورة في قوله ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان.

وقيل: أراد إدخاله مكة ظاهراً عليها الفتح وإخراجه منها آمناً من المشركين.

وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً.

وقيل: إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوّة، وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط.

وقيل: أراد رب أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول.

وقال صاحب الكشاف: أدخلني القبر إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث ملقى بالكرامة.

يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث ﴿ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ حجة ظاهرة تنصرني بها جميع من خالفني أو ملكاً وعزاً ناصراً للإسلام وذويه.

ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله: ﴿ وقل جاء الحق ﴾ أي الإسلام ﴿ وزهق الباطل ﴾ اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ غير ثابت في كل وقت وإن اتفقت له دولة وصولة كانت كنار العرفج.

عن ابن مسعود أن النبي  دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً لقبائل العرب.

صنم كل - قوم بحيالهم - فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل.

فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة - وكان من قوارير صفر - فقال: يا علي ارم به.

فحمله رسول الله  حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد فلا جرم كذبهم الله وصدق نبيه بقوله: ﴿ وننزل من القرآن ﴾ "من" للبيان كقوله: ﴿ من الأوثان  ﴾ أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء.

وهو هذا القرآن أو بعض هذا الجنس.

وقيل: زائدة ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن الأمراض الجسمانية أيضاً لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء للمرض كما قال  : "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" .

ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة المقرّبين بل إلى جناب رب العالمين، ولما كان قبول القابل شرطاً في ظهور الأثر من الفاعل فلا جرم ﴿ لا يزيد ﴾ القرآن ﴿ الظالمين ﴾ الذي وضعوا التكذيب مقام التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان ﴿ إلا خساراً ﴾ لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظاً وحنقاً ويدعوهم ذلك إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جراً إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم.

ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال: ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان ﴾ أي على هذا الجنس بالصحة والغنى.

وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة.

وفي التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول ﴿ أعرض ونأى بجانبه ﴾ النأي البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحيته.

والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين.

ومن قرأ ﴿ ناء ﴾ فإما من النوء بمعنى النهوض مستثقلاً.

وإما مقلوب كقولهم: "راء" في رأى.

﴿ وإذا مسه الشر ﴾ من مرض أو فقر ﴿ كان يؤساً ﴾ شديد اليأس من روح الله.

والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ أي كل واحد من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي جبل عليها من قولهم "طريق ذو شواكل" وهي الطرق التي تتشعب منه.

﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ﴾ لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس مختلفة بالماهيات، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة أبدانها، كما أن الشمس تعقد الملك وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه.

ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية الروح فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً عن ثلاث: عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح.

فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالثة فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في التوراة، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي.

فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح إذا قال: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على سؤالهم.

ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها: أن الروح ليس أعلى شأناً من الله  ، وإذا كانت معرفة الله  .

ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح: ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي  أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته؟

وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد مضى النبي  وما يعلم الروح.

ومنها أن جعل الحكاية دليلاً على النبوة غير معقول.

ونحن نتقصى عن المسألة فنقول: السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونة متحيزاً أو غير متحيز، أو قديماً أو حادثاً أو باقياً بعد البدن أو فانياً، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته.

وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة.

وقوله  : ﴿ وسألونك عن الروح ﴾ ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، فيكون قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله: ﴿ كن فيكون  ﴾ لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب.

وقال في آخر سورة يس ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون  ﴾ ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه.

ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركاً للباري  في الحقيقة، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات.

وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفاً على الزمان لم يكن حاصلاً بمجرد الأمر والمفروض خلافه.

ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ﴾ وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم، فإذا نسب معلومه إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام  ﴾ ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي  ﴾ كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.

وقال بعض المفسرين: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي  : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً  ﴾ فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ يدل على أن الروح حادث لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل.

قال  : ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ أي فعله وقال: ﴿ ولما جاء أمرنا  ﴾ أي فعلنا.

وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات.

ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله  : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث.

ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات.

وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله  بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله.

وقيل: هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله  : ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً  ﴾ ونقل عن علي  أن له سبعين ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله  بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطيرمع الملائكة يوم القيامة ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل.

وأمثال هذه الروايات مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلاً عليه.

وقال الحسن وقتادة: هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي؟

فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أن نزوله بأمر الرب كقوله: ﴿ ما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ وقال مجاهد: الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس، وليسوا بالناس.

وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي تتوفر دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر.

واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا، فما ظنك بما هو الأبعد!

ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله "أنا" فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً، أو جسماً هو هذه البنية، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً.

أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل.

والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء  ﴾ ، ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي  ﴾ ﴿ النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً ﴾ {الزمر: 46] وكقوله  : "أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وقوله في خطبة طويلة: حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي" توجب مغايرة النفس للبدن، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي، فعلم أن لا عبرة بالبنية، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره، فعلم أن المتلذذ والمتألم شيء آخر سوى العضوين، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئاً من الأعضاء.

أما إن قيل: الإنسان جسم هو في داخل البدن.

فاعلم أن أحداً من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولكن منهم من قال: إنه الجسم الذي غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم الموت.

ومنهم من قال: إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي في القلب، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: اختلطت بهذه الأرواح القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان.

ومنهم من قال: إذا تكوّن بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق والتمزق، نفوذاً يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد.

وهذا النفوذ هو المراد بقوله: ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك الأجسام فيها، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت.

قلت: أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في السمسم فمسلم، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى أن الإنسان جسم خارج عن البدن، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن الأطباء، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة، أن الإنسانية عبارة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف.

ومن شيوخ المعتزلة من قال: الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة.

ومنهم من قال: إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه.

والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام - كالشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الشيخ المفيد  ، ومن الكرامية جماعة، ومن الفلاسفة الإلهيين كلهم - أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلاً ميتاً، واستدلوا على هذا المطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولزم اجتماع المثلين.

وأيضاً لم يكن جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس.

وأيضاً التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود، وإن كان صفة لزم التسلسل، وإذا كان التحيز عين ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم منتفٍ وعورض بأنه لو كان الإنسان جَوهراً مجرداً لكان كل من عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك.

وأجيب بالفرق بين التحيز - وهو صفة ثبوتية - وبين التجرد وهو صفة سلبية، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل واحداً بقوله: "أنا واحد" بالبديهة، ولأن الغضب مثلاً حالة نفسانية تحدث عند محاولة دفع المنافي مشروطاً بالشعور بكون الشيء منافياً.

فالذي يغضب لا بد أن يكون هو بعينه مدركاً، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصبابه إليه يمنعه من الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها.

فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعاً للآخر، وأيضاً شيئاً فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة، وقد يكون سبباً للغضب، فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب.

وأيضاً النفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن المتحرك بالإرادة هو بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار، وهو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخّيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة آلات مختلفة وقوى متغايرة.

وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة البدن كان للكل أثر واحد، ولو كانت جزءاً من أجزاء البدن كانت قوة سارية في جميع أجزاء البدن، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل البدن ولكل جزء من أجزائه.

ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلاً امتنع أن يقبل حينئذ شكل التربيع ولا كذلك حال النفس، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما عداها ولذلك يزداد الإنسان فهماً وذكاء بازدياد العلوم.

وأيضاً كثرة الأفكار توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة، فحيث سئل رسول الله  عن الروح كان الأنسب أن يقول: إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره.

والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور.

قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ﴾ قلت: في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال: إنه لما كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة، وكان فيه بيان كمال علمه  ونقصان علم الإنسان، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره ﴿ إلاَّ رحمة من ربك ﴾ استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ﴿ إن فضله ﴾ بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا ﴿ كان عليك كبيراً ﴾ وفيه أن نعمة القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه.

واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لأن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع.

ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة.

فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق؟

وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟

فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً.

ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية.

على أنه  قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله: ﴿ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين  ﴾ وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله  .

قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال.

وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها.

ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ رددنا وكررنا ﴿ للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ "من كل" معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح.

﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم يرضوا ﴿ إلا كفوراً ﴾ وجحوداً.

قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة حين قال: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا  ﴾ لتقدم ذكرهم في السورة.

وذكرهم في "الكهف" إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله: ﴿ في هذا القرآن ﴾ كما قدمه في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ وأما في "الكهف" فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها.

وقد أوحاها الله  إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر.

التأويل: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ أي من عمى قلوبهم ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ بالقول الثابت وهو قول "لا إله إلا الله" إلى أن بلغت حقيقة "لا إله إلا الله" ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة.

﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك.

وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق.

﴿ سنة من قد أرسلنا ﴾ أي جرت عادة الله  بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به.

ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال: ﴿ أقم الصلاة ﴾ أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً.

﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ بشواهد الحق بل الحق مشهود له.

ثم ﴿ أدخلني مدخل صدق ﴾ يعني السير في الله بالله ﴿ وأخرجني مخرج صدق ﴾ من حولي وأنانيتي ﴿ واجعل لي من لدنك ﴾ لا من لدن غيرك.

وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله: ﴿ وسعى لها سعيها  ﴾ .

"روي أن رجلاً جاء إلى النبي  يعرض حاجة فقال  : ما تريد؟

فقال: مرافقتك في الجنة.

فقال  : أو غير ذلك؟

فقال الرجل: بلى مرافقتك في الجنة.

فقال النبي  : فأعني على نفسك بكثرة السجود" ﴿ جاء الحق ﴾ من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وزهق الباطل ﴾ وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب إن الأحاديث من سلمى تسليني *** ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ قال العارفون: لله  عالمان: عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة.

والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه  قال: "أول ما خلق الله جوهرة" - وفي رواية - "درّة فنظر إليها فذابت" "أول ما خلق الله اللوح" "أول ما خلق الله روحي" وفي رواية "نوري" "وأول ما خلق الله العقل" "وأول ما خلق الله القلم" وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي.

فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي  .

فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل.

ثم قال له: أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين.

وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له "أمي".

وقد ورد في الحديث: "آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة" ولما كان الروح خليفة الله  اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح.

ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن ﴾ الآية.

وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله  لكنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً.

وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل الأمر بإقامة الصلاة: الأمر بالدوام عليها واللزوم بها، أي: الزم بها وأدها.

أو اسم التمام والكمال، أي: أتممها وأكملها بالشرائط التي أمرت بها.

ويحتمل قوله: ﴿ أَقِمِ ﴾ : فعلها، ولم يفهم من قوله: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ الانتصاب على ما ينصب الشيء ويقام به؛ فدلّ أنه لا يفهم من الخطاب ظاهره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، أي: إلى ظلمة الليل ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ ، أي: صلاة الفجر، فيقول [بعض] الناس: في هذه الآية بيان أوقات الصلوات الخمس جميعاً؛ لأنه ذكر أول ما يجب من الصلاة وهي الظهر إلى ما ينتهي وهي الفجر؛ فعلى هذا التأويل ﴿ إِلَىٰ ﴾ لا تكون غاية، ولكن تكون كأنه قال: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، والله أعلم.

[وقوله - عز وجل -: ﴿ لِدُلُوكِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: دلوك الشمس: زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، أي: إلى ظلمة الليل].

ومنهم من يقول: فيه ذكر صلوات النهار؛ لأنه ذكر دلوك الشمس، وهو زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، وغسق الليل هو بدوّ ظلمة الليل.

فيدخل فيه الظهر والعصر؛ فعلى تأويل هذا يكون حرف ﴿ إِلَىٰ ﴾ غاية لا تدخل صلاة الليل فيه.

ثم تخصيص الخطاب لرسول الله  والأمر له بإقامة الصلاة يكون كأنه قال: (أقم لهم الصلاة)، فإن كان هذا، ففيه دلالة صحة صلاة القوم بصلاة الإمام، وتعلق صلاتهم بصلاة الإمام حيث قال: (أقم لهم الصلاة)، ولو كان كل أحد يقيم صلاة نفسه، لكان لا يقول: (أقم لهم الصلاة)، ولكن يقول (صل الصلاة)؛ فدلّ أنه على ما ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: أقم الصلاة للذي تدلك له الشمس [أي: تسجد] كقوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ...

﴾ الآية [النحل: 48].

والثاني: أقم الصلاة للوقت الذي يتلو دلوك الشمس الصلاة [وأقم قراءة الصلاة].

ثم تخصيص الفجر لما ذكر حيث قال: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ ، التخصيص لقرآن الفجر لأنه مشهود، والفرضية بها بقوله: أقم قرآن الصلاة على ما ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ \[أي: لم يزل في علم الله كان مشهوداً، أو صار مشهوداً\]، ثم قال: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ : وهي صلاة الفجر، وإنما ذكر صلوات النهار فدخل صلوات الليل بقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ ، لكنهم يقولون: إن التهجد بعد النوم، وقد يكره النوم قبل فعل المغرب والعشاء فلا يصح هذا.

ومنهم من يقول: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ غروبها، وهو قول عبد الله بن مسعود وغيره.

وقال بعضهم: فيه ذكر صلوات الليل؛ لأنه ذكر بدوّ ظلمة الليل، وذلك بالغروب، وقرآن الفجر وهو آخر ما ينتهي ظلمة الليل؛ لأنه يبقي ظلمة الليل إلى وقت الفراغ من الفجر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: القرآن يكون كناية عن صلاة الفجر، كأنه قال: أقم الصلاة لدلوك الشمس، وأقم - أيضاً - صلاة الفجر؛ لأنه نسق على الأول، ويحتمل قوله: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ ، أي: قراءة الفجر، أي: أقم قراءة الفجر.

ويجوز أن يقال: (القرآن) مكان (القراءة)، كقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ  ﴾ ، أي: قراءته.

ثم من الناس من احتج بفرضية القراءة في الصلاة بهذا؛ لأنه نسق على الأول على ما ذكرنا كأنه [قال] (أقم القراءة).

ومنهم من يقول: إنما حث على قراءة الفجر دون غيرها من الصلوات لما طول القراءة فيها لتقصيره عن الأربع؛ لأنه لم يجعل غيرها من الصلوات ركعتين فحث على قراءتها لهذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، أي: حرس الليل وحرس النهار، وعلى ذلك رويت الآثار عن رسول الله  وعن الصحابة.

وقوله: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ : أي: قراءة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، على هذا حمله أهل التأويل، وعلى ذلك رويت الأخبار، وإلا جاز أن يقال فيه [بوجه] آخر: وهو أن تشهده القلوب والسمع والعقول؛ لأن ذلك الوقت هو وقت الفراغ عن جميع الأشغال والموانع التي تشغل عن الاستماع والفهم عنه ما لا يكون ذلك الفراغ لغيرها من الصلوات من صلاة المغرب والعشاء؛ لأنها بقرب من الأشغال والحوائج، ألا ترى أن الجهر بالقراءة إنما جعل في الأوقات التي هي أوقات الفراغ عن الاشتغال: وهي المغرب والعشاء، ثم وقت الفجر هو أخلى وقت عن غيره؛ لأنه بعد فراغ النوم، وقبل هجوم وقت التقلب، فالقراءة فيها والقلوب أشهد لها، لكن أهل التأويل صرفوا ذلك إلى ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ .

قال بعضهم: النافلة: الغنيمة، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ  ﴾ ، أي: الغنائم، وقوله - عز وجل -: ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ ، أي: غنيمة لك تغنم بها غنائم أو كلام نحو هذا.

وقال الحسن: قوله: ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ : أي: خالصة لك، وخلوصها له وهو ألا يغفل هو عن شيء منها في حال من الأحوال، وغيره من الناس يغفلون فيها عن أشياء.

وقال بعضهم: ذكر أنه نافلة له؛ لأنه كان مغفوراً له فما يعمل يكون له نافلة، وأما غيره فإن ما يعمل من الخيرات يكون كفارة لذنوبهم فلا يكون لهم نافلة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ .

قال: ﴿ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ ، تحمد عاقبته بالتهجد، أي: يبعثك ربك مقاماً تحمد أنت تلك العاقبة جزاء بتهجدك في الدنيا.

وقال بعضهم: ﴿ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ ما يحمده كل الخلائق الأولون والآخرون.

وقال بعضهم: ﴿ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ هو مقام الشفاعة، والله أعلم، أي: تشفع لأمتك وأهل العصيان منهم.

وجائز أن يكون هو صلة قوله - ما تقدم من قوله: ﴿ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً  ﴾ ، وما ذكر من المواعيد لما سمع هذا وقرع سمعه أخافه ذلك وأفزعه؛ فنزل قوله: ﴿ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ إن عبدت الله وأطعته في جميع أموره ونواهيه، وأقمت له الصلاة والصيام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ : ظاهر هذا الخطاب يكون لرسول الله  حيث أمره أن يدعو بما ذكر، وقد عرف هو ما أمره من الدعاء بقوله: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ، فلا حاجة تقع لنا إلى أن نطلب المراد من ذلك، إلا أن يكون لغير في ذلك اشتراك، فعند ذلك يتكلف فيه ويطلب المراد منه.

وقد تكلم أهل التأويل في ذلك.

قال بعضهم: قوله: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ ، كان النبي  بمكة ثم أمر بالهجرة منها إلى المدينة وأمر أن يدعو بهذا الدعاء: (رب أدخلني في المدينة مدخل صدق آمنا على زعم اليهود، وأخرجني من المدينة إلى مكة مخرج صدق على زعم كفار مكة ظاهراً عليهم)؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ عليهم ففعل الله ذلك له وأجابه، وقد ذكرنا في غير موضع أن حرف (السلطان) يتوجه إلى وجوه ثلاثة: يكون مرة عبارة عن حجة قاهرة غالبة.

ويكون عبارة عن ولاية نافذة غالبة.

ويكون عبارة عن اليد الغالبة الظاهرة أيضاً، وقد كان - بحمد الله ومنته - لرسول الله على الكفرة ذلك كله.

وقال بعضهم: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ في مكة؛ ليعلم أهل مكة أني قد بلغت الرسالة ﴿ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ؛ ليعلم يهود المدينة أني نصرت وبلغت ما أمرت به.

وقال الحسن: أخرجني من مكة مخرج صدق.

وأدخلني في الجنة مدخل صدق.

وقال بعضهم: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ فيما حملتني من الرسالة والنبوة، وما أمرتني به لأؤديها على ما أمرتني، وأبلغ الرسالة إلى الخلق على ما كلفتني، ﴿ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ، أي: أخرجني مما كلفتني سالماً لا تبعة علي، أو كلام نحوه.

وأصله: كأنه أمره أن يسأل ربه الصدق في جميع أفعاله وأقواله؛ وفي جميع ما يعبده به من الدخول في أمر أو الخروج منه؛ إذ لا يخلو العبد من هذين: من الدخول في أمر والخروج منه، سأله الصدق في كل حال وكل دخول وكل خروج.

وقال مجاهد: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ في الرسالة والنبوة، وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ .

قال بعضهم: حجة منه، وقد أقامها على الكفرة.

وقال بعضهم: ﴿ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ ، أي: اجعل في قلوب الناس هيبة، ليهابوني، وقد كان من الهيبة بحيث هابوه من مسيرة شهرين.

وقال بعضهم: هو السلطان الذي ينصرون به الدين، ويقيمون الحدود والأحكام ونحوه.

وقيل: السلطان: هو إقامة الحدود والأحكام والشرائع، وهو تفسير الولاية؛ لأنه بالولاية ما يقيمها، وهو ما ذكرنا: أن الولاية إقامة الأحكام.

ثم قيل في الصدق والإخلاص: قال بعضهم: الإخلاص: هو ألا يجعل الشخص بقلبه نصيباً لأحد سواه، والصدق وإن جعل لا يجد لذلك لذة، الصدق عندنا أن يجعل الفضل في جميع أفعاله لله لا يجعل لنفسه شيئاً من الفضل، وعلى ذلك يلزمه الشكر لربّه في جميع خيراته.

وعن الحسن قال: لما مكر كفار مكة برسول الله  ؛ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، فأراد الله بقاء أهل مكة، فأمر نبيه أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة، وعلمه ما يقول، فأنزل الله: ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ ؛ وعده الله لينزعن ملك فارس والروم ويجعله لأمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ وهو الإسلام.

وقيل: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ : القرآن.

وقيل: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: محمد.

أو يقول: جاءت آثار الحق فذهب الباطل وآثاره.

أو جاءت حجج الحق وبراهينه وذهبت شبه الباطل وتمويهاته، والحق: يحتمل ما ذكرنا من الإسلام ورسول الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ذهب وبطل غيره من الأديان، وغيره من المذاهب، وعبادة الأصنام ونحو ذلك.

قالوا: وأصله: أن الناس كانوا في حيرة وتيه قبل بعث الرسول؛ لما كانوا فقدوا دين الله وسبيله منذ كان رفع عيسى من الأرض إلى السماء لا يجدون سبيل الله، ولا يهتدون إلى شيء، حيارى، حزانى حتى بعث الله محمداً، ليدعوهم إلى دين الله، ويبين لهم سبيله الذي كان يتمسك به الأنبياء من قبله، ويخرجهم من تلك الحيرة التي كانوا فيه، ففعل  ؛ فذلك الذي قال الله  : ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ الذي [كانوا] فقدوه فسرُّوا بذلك، ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ذهب واضمحل، ﴿ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ ، أي: ذاهباً مضمحلاً، لا يجدي خيراً، ولا يعقب لأهله نفعاً، والحق هو الذي يعقب ويجدي نفعاً لأهله.

ثم قوله: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ لم يفهم أهل الخطاب بمجيء الحق: الانتقال من مكان إلى مكان، ولا بذهاب الباطل على ما يفهم من مجيء فلان وذهاب فلان، بل فهموا من مجيء الحق ظهوره وعلوه، وفهموا من زهوق الباطل وذهابه: فناه واضمحلاله وتلاشيه، وعلى ذلك لم يفهموا من مجيء الأعراض ما فهموا من مجيء الأجسام والأجساد؛ فعلى ذلك لا يجب أن يفهموا من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ : الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك لا يفهم من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ استواء الخلق، ولا من نزوله: نزول الخلق؛ على ما لم يفهم مما أضيف إلى الأعراض من الأفعال ما فهموا من الأجساد والأجسام، بل فهموا [من الله غير الذي فهموا من الآخر]؛ فعلى ذلك لا يفهم مما أضيف إلى الله  ما يفهم مما أضيف إلى الخلق، بل يتعالى عن أن يشبه الخلق أو يشبهه الخلق في معنى من المعاني، أو في وجه من الوجوه، بل هو كما وصف نفسه؛ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ  ﴾ وتعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ ﴾ ، كأن الآية نزلت في ابتداء الأمر، حيث قال: ﴿ وَنُنَزِّلُ ﴾ ولم يقل: (ونزلنا من القرآن ما هو شفاء).

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ ﴾ : نفس القرآن، وهو ما ذكرنا.

ويحتمل المواعيد التي في القرآن من وقائع تكون عليهم، وكأن في ذلك شفاء للمؤمنين، كقوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 14].

أو نقول بأنه يجوز (نفعل) بمعنى (فعلنا)، وذلك كثير في القرآن.

ثم قوله: ﴿ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: شفاء للمستشفين في الدنيا، ورحمة لمن تمسك به في الآخرة، فيه شفاء لمن استشفاه في الدنيا، ورحمة في الآخرة لمن تمسّك به، وعمى وخسار وظلمة لمن أعرض عنه، ونظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء [والاستثقال]، وأما من نظر إليه بعين التعظيم والإجلال فهو له شفاء ورحمة وإن كان القرآن نفسه شفاء ونوراً، وهكذا في الشاهد أن من أبصر شيئاً إنما يبصر بنور البصر وبنور الهواء بارتفاع ما يستر النورين جميعاً؛ لأنه إذا كان عمى البصر لم يبصر شيئاً، وإن كان نور الهواء متجلياً وكذلك لا يبصر إذا كان نور البصر متجلياً، بعد أن سترت الظلمة نور الهواء.

فإن كان ما ذكرنا أنه لا يبصر في الشاهد شيئاً إلا بنورين: نور البصر، ونور الهواء، فالكافر لم يبصر نور القرآن وشفاءه؛ لما سترت الظلمة نور قلبه، والمؤمن أبصر نوره وشفاءه بنور إيمانه، وهكذا الأدوية؛ فإنها لا تجدي نفعاً وإن كانت نافعة شافية في أنفسها إلا بقبول الطبيعة؛ لأن الطبع إذا لم يقبلها وإن كانت نافعة شافية - لم تنفع صاحبها، ولم تكن له شفاء، وصارت كأنها في الأصل كانت ضارة غير شافية؛ فعلى ذلك القرآن - وإن كان في نفسه شفاء ونوراً - ضار للكافر عمى وخساراً، كأن لا شفاء فيه ولا رحمة لما سترت ظلمة الكفر نوره فصار كالزائد رجساً وطغياناً ونفوراً، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: جاء الإسلام، وتحقق ما وعد الله به من نصره، وذهب الشرك والكفر، إن الباطل ذاهب مُتَلاشٍ لا يثبت أمام الحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.DgkBP"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله