الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٩٧ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 107 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٧ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن تصرفه في خلقه ، ونفوذ حكمه ، وأنه لا معقب له ، بأنه من يهده فلا مضل له ) ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ) أي : يهدونهم ، كما قال : ( من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) [ الكهف : 17 ] .
وقوله : ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ) قال الإمام أحمد : حدثنا ابن نمير ، حدثنا إسماعيل عن نفيع قال : سمعت أنس بن مالك يقول : قيل : يا رسول الله ، كيف يحشر الناس على وجوههم ؟
قال : " الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " .
وأخرجاه في الصحيحين .
وقال الإمام أحمد أيضا : [ حدثنا يزيد ] ، حدثنا الوليد بن جميع القرشي ، عن أبيه ، حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة ، عن حذيفة بن أسيد قال : قام أبو ذر فقال : يا بني غفار ، قولوا ولا تحلفوا ، فإن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج : فوج راكبين طاعمين كاسين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار .
فقال قائل منهم : هذان قد عرفناهما ، فما بال الذين يمشون ويسعون ؟
قال : يلقي الله - عز وجل - الآفة على الظهر حتى لا يبقى ظهر ، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة ، فيعطيها بالشارف ذات القتب ، فلا يقدر عليها .
وقوله : ( عميا ) أي : لا يبصرون ) وبكما ) يعني : لا ينطقون ) وصما ) : لا يسمعون .
وهذا يكون في حال دون حال جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكما وعميا وصما عن الحق فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه ) مأواهم ) أي : منقلبهم ومصيرهم ) جهنم كلما خبت ) قال ابن عباس : سكنت .
وقال مجاهد : طفئت ) زدناهم سعيرا ) أي : لهبا ووهجا وجمرا ، كما قال : ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) [ النبإ : 30 ] .
يقول تعالى ذكره: ومن يهد الله يا محمد للإيمان به، ولتصديقك وتصديق ما جئت به من عند ربك، فوفَّقه لذلك، فهو المهتد الرشيد المصيب الحقّ، لا من هداه غيره، فإن الهداية بيده.( وَمَنْ يُضْلِلِ ) يقول: ومن يضلله الله عن الحقّ، فيخذله عن إصابته، ولم يوفقه للإيمان بالله وتصديق رسوله، فلن تجد لهم يا محمد أولياء ينصرونهم من دون الله، إذا أراد الله عقوبتهم والاستنقاذ منهم.
( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) يقول: ونجمعهم بموقف القيامة من بعد تفرقهم في القبور عند قيام الساعة ( عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا ) وهو جمع أبكم ، ويعني بالبكم: الخُرْس.
كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( وَبُكْما ) قال: الخرس ( وَصُمًّا ) وهو جمع أصم.
فإن قال قائل: وكيف وصف الله هؤلاء بأنهم يحشرون عميا وبكما وسما، وقد قال وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا فأخبر أنهم يرون، وقال إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا فأخبر أنهم يسمعون وينطقون؟
قيل: جائز أن يكون ما وصفهم الله به من العَمى والبكم والصمم يكون صفتهم في حال حشرهم إلى موقف القيامة، ثم يجعل لهم أسماع وأبصار ومنطق في أحوال أُخَر غير حال الحشر، ويجوز أن يكون ذلك، كما روي عن ابن عباس في الخبر الذي حدثنيه عليّ بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ) ثم قال وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا وقال سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وقال دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا أما قوله ( عُمْيا ) فلا يرون شيئا يسرّهم.
وقوله ( بُكْما ) لا ينطقون بحجة ، وقوله ( صُمًّا ) لا يسمعون شيئا يسرّهم ، وقوله ( مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ) يقول جلّ ثناؤه: ومصيرهم إلى جهنم، وفيها مساكنهم، وهم وَقُودها.
كما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ) يعني إنهم وقودها.
وقوله ( كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) يعني بقوله خبت : لانت وسكنت، كما قال عديّ بن زيد العبادي في وصف مزنة: وَسْـطُهُ كـالْيَرَاعِ أوْ سُـرُجِ المِجْـدَلِ حِينًـــا يَخْــبُو وحِينًــا يُنِــيرُ (1) يعني بقوله: يخبو السرج: أنها تلين وتضعف أحيانا، وتقوى وتنير أخرى، ومنه قول القطامي: فَيَخْبو ساعَةً ويَهُبُّ ساعا (2) وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في العبارة عن تأويله.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ( كُلَّمَا خَبَتْ ) قال: سكنت.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ( كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) يقول: كلما أحرقتهم تسعر بهم حطبا، فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئا صارت جمرا تتوهَّج، فذلك خُبُوُّها، فإذا بدّلوا خلقا جديدا عاودتهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن ، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن مجاهد حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس ( كُلَّمَا خَبَتْ ) قال: خبوّها أنها تَسَعَّر بهم حطبا، فإذا أحرقتهم، فلم يبق منهم شيء صارت جمرا تتوهج، فإذا بُدِّلوا خلقا جديدا عاودتهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) يقول: كلما احترقت جلودهم بُدّلوا جلودا غيرها، ليذوقوا العذاب.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) قال: كلما لان منها شيء.
حُدثت عن مروان، عن جويبر، عن الضحاك ( كُلَّمَا خَبَتْ ) قال : سكنت.
وقوله ( زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) يقول: زدنا هؤلاء الكفار سعيرا ، وذلك إسعار النار عليهم والتهابها فيهم وتأججها بعد خبوّها، في أجسامهم.
------------------ الهوامش : (1) البيت لعدي بن زيد العبادي (شعراء النصرانية ص 455) وهو مما كتب به إلى النعمان، وهو من غرر قصائده.
واليراع: فراشة إذا طارت في الليل لم يشك من يعرفها أنها شرارة طائرة عن نار.
قال الجاحظ: نار اليراعة قيل هي نار حباحب، وهي شبيهة بنار البرق.
قال: واليراعة طائر صغير إن طار بالليل كان كأنه شهاب قذف، أو مصباح يطير.
والمجدل، بكسر الميم: القصر المشرف، لوثاقة بنائه وجمعه مجادل.
وخبت النار والحرب والحدة تخبو خبوا (على فعل) وخبوا (على فعول): سكنت وطفئت، وخمد لهبها.
وقوله تعالى: (كلما خبت زدناهم سعيرا): قيل معناه: سكن لهبها، وقيل معناه: كلما تمنوا أن تخبو، وأرادوا أن تخبو.
(انظر اللسان: يرع، وجدل، وخبا).
(2) هذا عجز بيت للقطامي.
وصدره * وكنـا كـالحريق أصـاب غابـا * (انظر ديوانه طبع ليدن سنة 1902 ص 39) قال: يخبو: يسكن.
ويهب: يهيج.
وساع: جمع ساعة.
وفي (اللسان: سرع) الساعة: جزء من الليل والنهار.
والجمع: ساعات وساع.
قال القطام * وكنــا كـالحريق لـذي كفـاح * ...
البيت.
قال ابن بري: المشهور في صدر هذا البي * كنــا كـالحريق أصـاب غابـا * وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة (1: 391) "كلما خبت زدناهم سعيرا" أي تأججا.
وخبت سكنت.
وأنشد عجز البيت، ثم قال: ولم يذكرها هنا جلودهم، فيكون الخبو لها.
قوله تعالى : ومن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا[ ص: 299 ] قوله تعالى : ومن يهد الله فهو المهتدي أي لو هداهم الله لاهتدوا .ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه أي لا يهديهم أحد .ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم فيه وجهان : [ أحدهما ] أن ذلك عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم ; من قول العرب : قدم القوم على وجوههم إذا أسرعوا .
[ الثاني ] أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه .
وهذا هو الصحيح ; لحديث أنس أن رجلا قال : يا رسول الله ، الذين يحشرون على وجوههم ، أيحشر الكافر على وجهه ؟
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أليس الذي أمشاه على الرجلين قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة : قال قتادة حين بلغه : بلى وعزة ربنا .
أخرجه البخاري ومسلم .
وحسبك .عميا وبكما وصما قال ابن عباس والحسن : أي عمي عما يسرهم ، بكم عن التكلم بحجة ، صم عما ينفعهم ; وعلى هذا القول حواسهم باقية على ما كانت عليه .
وقيل : إنهم يحشرون على الصفة التي وصفهم الله بها ; ليكون ذلك زيادة في عذابهم ، ثم يخلق ذلك لهم في النار ، فأبصروا ; لقوله تعالي : ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ، وتكلموا ، لقوله - تعالى - : دعوا هنالك ثبورا ، وسمعوا ; لقوله - تعالى - : سمعوا لها تغيظا وزفيرا .
وقال مقاتل بن سليمان : إذا قيل لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون صاروا عميا لا يبصرون صما لا يسمعون بكما لا يفقهون .
وقيل : عموا حين دخلوا النار لشدة سوادها ، وانقطع كلامهم حين قيل لهم : اخسئوا فيها ولا تكلمون .
وذهب الزفير والشهيق بسمعهم فلم يسمعوا شيئا .مأواهم جهنم أي مستقرهم ومقامهم .كلما خبت أي سكنت ; عن الضحاك وغيره .
مجاهد طفئت .
يقال : خبت النار تخبو خبوا أي طفئت ، وأخبيتها أنا .زدناهم سعيرا أي نارا تتلهب .
وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم ولا تخفيف عنهم من عذابهم .
وقيل : إذا أرادت أن تخبو .
كقوله : وإذا قرأت القرآن .
يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال، فمن يهده، فييسره لليسرى ويجنبه العسرى، فهو المهتدي على الحقيقة، ومن يضلله، فيخذله، ويكله إلى نفسه، فلا هادي له من دون الله، وليس له ولي ينصره من عذاب الله، حين يحشرهم الله على وجوههم خزيًا عميًا وبكمًا، لا يبصرون ولا ينطقون.
{ مَأْوَاهُمْ } أي: مقرهم ودارهم { جَهَنَّمُ } التي جمعت كل هم وغم وعذاب.{ كُلَّمَا خَبَتْ } أي: تهيأت للانطفاء { زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } أي: سعرناها بهم لا يفتر عنهم العذاب، ولا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولم يظلمهم الله تعالى، بل جازاهم بما كفروا بآياته وأنكروا البعث الذي أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب وعجزوا ربهم وأنكروا تمام قدرته
قوله عز وجل : ( ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ) يهدونهم ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ) أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا الحسن بن شجاع الصوفي المعروف بابن الموصلي أنبأنا أبو بكر بن الهيثم حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا حسين بن محمد حدثنا سفيان عن قتادة عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه " .
وجاء في الحديث : " إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك " .
( عميا وبكما وصما ) فإن قيل : كيف وصفهم بأنهم عمي وبكم وصم وقد قال : " ورأى المجرمون النار " ( الكهف - 53 ) وقال : " دعوا هنالك ثبورا " ( الفرقان - 13 ) وقال : " سمعوا لها تغيظا وزفيرا " ( الفرقان - 12 ) أثبت الرؤية والكلام والسمع؟
قيل : يحشرون على ما وصفهم الله ثم تعاد إليهم هذه الأشياء .
وجواب آخر قال ابن عباس : عميا لا يرون ما يسرهم بكما لا ينطقون بحجة صما لا يسمعون شيئا يسرهم .
وقال الحسن : هذا حين يساقون إلى الموقف إلى أن يدخلوا النار .
وقال مقاتل : هذا حين يقال لهم : " اخسئوا فيها ولا تكلمون " ( المؤمنون - 108 ) فيصيرون بأجمعهم عميا وبكما وصما لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون ( مأواهم جهنم كلما خبت ) قال ابن عباس : كلما سكنت .
أي سكن لهيبها وقال مجاهد : طفئت وقال قتادة : ضعفت وقيل : هو الهدو من غير أن يوجد نقصان في ألم الكفار لأن الله تعالى قال : " لا يفتر عنهم " ( الزخرف - 75 ) وقيل " كلما خبت " أي : أرادت أن تخبو ( زدناهم سعيرا ) أي : وقودا .
وقيل : المراد من قوله : ( كلما خبت ) أي : نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا فيها إلى ما كانوا عليه وزيد في تسعير النار لتحرقهم .
«ومن يهد اللهُ فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء» يهدونهم «من دونه ونحشرهم يوم القيامة» ماشين «على وجوههم عميا وبكما وصمّا مأواهم جهنم كلما خبت» سكن لهبها «زدناهم سعيرا» تلهبا واشتعالاً.
ومن يهده الله فهو المهتدي إلى الحق، ومن يضلله فيخذلْه ويَكِلْه إلى نفسه فلا هادي له من دون الله، وهؤلاء الضُّلال يبعثهم الله يوم القيامة، ويحشرهم على وجوههم، وهم لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون، مصيرهم إلى نار جهنم الملتهبة، كلما سكن لهيبها، وخمدت نارها، زدناهم نارًا ملتهبة متأججة.
وقوله - سبحانه - : ( وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ ) كلام مستأنف منه - تعالى - لبيان نفاذ قدرته ومشيئته .أى : ومن يهده الله - تعالى - إلى طريق الحق ، فهو الفائز بالسعادة ، المهدى إلى كل مطلوب حسن ، ( ومن يضلل ) أى : ومن يرد الله - تعالى - إضلاله ( فَلَن تَجِدَ لَهُمْ ) أيها الرسول الكريم ( أولياء ) أى : نصراء ينصرونهم ويهدونهم إلى طريق الحق ( من دونه ) عز وجل ، إذ أن الله - تعالى - وحده هو الخالق للهداية والضلالة ، على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته .وجاء قوله - تعالى - ( فهو المهتد ) بصيغة الإِفراد حملا على لفظ ( من ) فى قوله ( وَمَن يَهْدِ الله ) وجاء قوله : ( فَلَن تَجِدَ لَهُمْ ) بصيغة الجمع حملا على معناها فى قوله : ( ومن يضلل ) .قالوا : ووجه المناسبة فى ذلك - والله أعلم - أنه لما كان الهدى شيئًا واحدًا غير متشعب السبل ، ناسبه الإِفراد ، ولما كان الضلال له طرق متشعبة ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) ناسبه الجمع .ثم بين - سبحانه - الصورة الشنيعة التى يحشر عليها الضالون يوم القيامة فقال : ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً .
.
) .والحشر : الجمع .
يقال : حشرت الجند حشرًا .
أى جمعتهم .
وقوله : ( على وجوههم ) حال من الضمير المنصوب فى نحشرهم .
وقوله : ( عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ) أحوال من الضمير المستكن فى قوله ( على وجوههم ) .
أى : نجمع هؤلاء الضالين يوم القيامة ، حين يقومون من قبورهم ، ونجعلهم - بقدرتنا - يمشون على وجوههم ، أو يسحبون عليها ، إهانة لهم وتعذيبًا ، ويكونون فى هذه الحالة عميا لا يبصرون ، وبكما لا ينطقون ، وصما لا يسمعون .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ ) إما مشيا ، بأن يزحفوا منكبين عليها .
ويشهد له ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال : " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يحشر الناس على وجوههم؟
فقال : " الذى أمشاهم على أرجلهم ، قادر على أن يمشيهم على وجوههم " " .وإما سحبا بأن تجرهم الملائكة منكبين عليها ، كقوله - تعالى - : ( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ) ويشهد له ما أخرجه أحمد والنسائى والحاكم - وصححه - " عن أبى ذر ، أنه تلا هذه الآية .
( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ ) فقال : حدثنى الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم " .وجائز أن يكون الأمران فى حالين : الأول : عند جمعهم وقبل دخولهم النار ، والثانى عند دخولهم فيها ..
.ثم قال : وزعم بعضهم أن الكلام على المجاز ، وذلك كما يقال للمنصرف عن أمر وهو خائب مهموم : انصرف على وجهه .
.
وإياك أن تلتفت إلى - هذا الزعم - أو إلى تأويل نطقت السنة النبوية بخلافه ، ولا تعبأ بقوم يفعلون ذلك .فإن قيل : كيف نوفق بين هذه الآية التى تثبت لهؤلاء الضالين يوم حشرهم العمى والبكم والصمم ، وبين آيات أخرى تثبت لهم فى هذا اليوم الرؤية والكلام والسمع ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَرَأَى المجرمون النار .
.
) وكما فى قوله - سبحانه - : ( دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ) وكما فى قوله - عز وجل - : ( سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ) فالجواب : أن المراد فى الآية هنا أنهم يحشرون عميا لا يرون ما يسرهم ، وبكما لا ينطقون بحجة تنفعهم ، وصمًا لا يسمعون ما يرضيهم .
.أو أنهم يحشرون كذلك ، ثم تعاد لهم حواسهم بعد ذلك عند الحساب وعند دخولهم النار .أو أنهم عندما يحشرون يوم القيامة ، ويرون ما يرون من أهوال ، تكون أحوالهم كأحوال العمى الصم البكم ، لعظم حيرتهم ، وشدة خوفهم ، وفرط ذهولهم .ثم بين - سبحانه - مآلهم بعد الحشر والحساب فقال : ( مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ) .ومعنى : ( خبت ) هدأت وسكن لهيبها .
يقال : خبت النار تخبو إذا هدأ لهيبها .أى : أن هؤلاء المجرمين مأواهم ومسكنهم ومقرهم جهنم ، كلما سكن لهيب جهنم وهدأ ، بأن أكلت جلودهم ولحومهم ، زدناهم توقدا ، بأن تبدل جلودهم ولحومهم بجلود ولحوم أخرى ، فتعود النار كحالتها الأولى ملتهبة مستعرة .وخبو النار وسكونها لا ينقص شيئًا من عذابهم ، وعلى ذلك فلا تعارض بين هذه الآية وبين قوله - عز وجل - ( خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ) وفى هذه الآية ما فيها من عذاب للكافرين تقشعر من هوله الأبدان ، وترتجف من تصويره النفوس والقلوب ، نسأل الله - تعالى - بفضله ورحمته أن يجنبنا هذا المصير المؤلم .
اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة وأردفها بالوعيد الإجمالي وهو قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ ذكر بعده الوعيد الشديد على سبيل التفصيل، أما قوله: ﴿ مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ ﴾ فالمقصود تسلية الرسول وهو أن الذين سبق لهم حكم الله بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال واستحال أن يوجد من يصرفهم عن ذلك الضلال، واحتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم في الهدى والضلال والمعتزلة حملوا هذا الإضلال تارة على الإضلال عن طريق الجنة وتارة على منع الألطاف وتارة على التخلية وعدم التعرض له بالمنع وهذه المباحث قد ذكرناها مراراً فلا فائدة في الإعادة، أما قوله تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ﴾ فإن قيل كيف يمكنهم المشي على وجوههم قلنا الجواب من وجهين: الأول: إنهم يسحبون على وجوههم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ ﴾ .
الثاني: روى أبو هريرة قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟
قال: إن الذي يمشيهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، قال حكماء الإسلام الكفار أرواحهم شديدة التعلق بالدنيا ولذاتها وليس لها تعلق بعالم الأبرار وحضرة الإله سبحانه وتعالى فلما كانت وجوه قلوبهم وأرواحهم متوجهة إلى الدنيا لا جرم كان حشرهم على وجوههم، وأما قوله: ﴿ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ﴾ فاعلم أن واحداً قال لابن عباس رضي الله عنه: أليس أنه تعالى يقول: ﴿ وَرَأَى المجرمون النار ﴾ وقال: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ وقال: ﴿ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ وقال: ﴿ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا ﴾ وقال حكاية عن الكفار: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ويسمعون ويتكلمون فكيف قال هاهنا: ﴿ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ﴾ أجاب ابن عباس وتلامذته عنه من وجوه: الأول: قال ابن عباس عمياً لا يرون شيئاً يسرهم صماً لا يسمعون شيئاً يسرهم بكماً لا ينطقون بحجة.
الثاني: قال في رواية عطاء عمياً عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه بكماً عن مخاطبة الله ومخاطبة الملائكة المقربين صماً عن ثناء الله تعالى على أوليائه.
الثالث: قال مقاتل إنه حين يقال لهم: ﴿ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ ﴾ يصيرون عمياً بكماً صماً، أما قبل ذلك فهم يرون ويسمعون وينطقون.
الرابع: أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف ولولا ذلك لما قدروا على أن يطالعوا كتبهم ولا أن يسمعوا إلزام حجة الله عليهم إلا أنهم إذا أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار جعلهم الله عمياً وبكماً وصماً.
والجواب: أن الآيات السابقة تدل على أنهم في النار يبصرون ويسمعون ويصيحون، أما قوله تعالى: ﴿ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ فظاهر، وأما قوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: قال الواحدي الخبو سكون النار، يقال: خبت النار تخبوا إذا سكن لهبها ومعنى خبت سكنت وطفئت يقال في مصدره الخبو وأخبأها المخبئ إخباء أي أخمدها ثم قال: ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ قال ابن قتيبة زدناهم سعيراً أي تلهباً.
البحث الثاني: لقائل أن يقول إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب وقوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ يدل على أن العذاب يخف في ذلك الوقت قلنا كلما خبت يقتضي سكون لهب النار، أما لا يدل هذا على أنه يخف العذاب في ذلك الوقت.
البحث الثالث: قوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ ظاهره يقتضي وجوب أن تكون الحالة الثانية أزيد من الحالة الأولى وإذا كان كذلك كانت الحالة الأولى بالنسبة إلى الحالة الثانية تخفيفاً.
والجواب: الزيادة حصلت في الحالة الأولى أخف من حصولها في الحالة الثانية فكان العذاب شديداً ويحتمل أن يقال لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في أوقاته غير مشعور به نعوذ بالله منه ولما ذكر تعالى أنواع هذا الوعيد قال: ﴿ ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ ﴾ والباء في قوله: ﴿ بأنهم كفروا ﴾ باء السببية وهو حجة لمن يقول العمل علة الجزاء، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَهْدِ الله ﴾ ومن يوفقه ويلطف به ﴿ فَهُوَ المهتدى ﴾ لأنه لا يلطف إلا بمن عرف أن اللطف ينفع فيه ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ﴾ ومن يخذل ﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء ﴾ أنصاراً ﴿ على وُجُوهِهِمْ ﴾ كقوله: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ ﴾ [القمر: 48] .
وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يمشون على وجوههم قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم» ﴿ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ﴾ كما كانوا في الدنيا، لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق، ويتصامّون عن استماعه، فهم في الآخرة كذلك: لا يبصرون ما يقرّ أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم.
ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.
ويجوز أن يحشروا مؤقي الحواس من الموقف إلى النار بعد الحساب، فقد أخبر عنهم في موضع آخر أنهم يقرؤن ويتكلمون ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ كما أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن لهبها، بدلوا غيرها، فرجعت ملتهبة مستعرة، كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها ثم يعيدها، ولا يزالون على الإفناء والإعادة، ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث؛ ولأنه أدخل في الانتقام من الجاحد، وقد دل على ذلك بقوله ﴿ ذَلِكَ جَزَاؤُهُم ﴾ إلى قوله ﴿ أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ﴾ يَهْدُونَهُ.
﴿ وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ يُسْحَبُونَ عَلَيْها أوْ يَمْشُونَ بِها.
رُوِيَ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ قالَ: إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» ﴿ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ لا يُبْصِرُونَ ما يُقِرُّ أعْيُنَهم ولا يَسْمَعُونَ ما يُلِذُّ مَسامِعَهم ولا يَنْطِقُونَ بِما يُقْبَلُ مِنهم، لِأنَّهم في دُنْياهم لَمْ يَسْتَبْصِرُوا بِالآياتِ والعِبَرِ وتَصامُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وأبَوْا أنْ يَنْطِقُوا بِالصِّدْقِ، ويَجُوزَ أنْ يُحْشُرُوا بَعْدَ الحِسابِ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ مُؤَفِّي القُوى والحَواسِّ.
﴿ مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ ﴾ سَكَنَ لَهَبُها بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهم ولُحُومَهم.
﴿ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ تَوَقُّدًا بِأنْ نُبَدِّلَ جُلُودَهم ولُحُومَهم فَتَعُودُ مُلْتَهِبَةً مُسْتَعِرَةً، كَأنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِالإعادَةِ بَعْدَ الإفْناءِ جَزاهُمُ اللَّهُ بِأنْ لا يَزالُوا عَلى الإعادَةِ والإفْناءِ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ لِأنَّ الإشارَةَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عَذابِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)
{وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} وبالياء يعقوب وسهل وافقهما أبو عمرو ومدني في الوصل أي من وفقه الله لقبول ما كان من الهدى
فهو المهتدي عند الله {وَمَنْ يُضْلِلْ} أي ومن يخذله ولم يعصمه حتى قبل وساوس الشيطان {فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ} أي أنصاراً {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ على وُجُوهِهِمْ} أي يسحبون عليها كقوله يوم يسحبون في النار على وجوههم وقيل لرسول الله عليه السلام كيف يمشون على وجوههم قال إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوهم {عُمْياً وَبُكْماً وَصُمَّاً} كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ويتصامون عن استماعه فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما يقر عينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ} طفىء لهبها {زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} توقدا
﴿ ومَن يَهْدِ اللَّهُ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ ( قُلْ ) يَفْصِلُ ما أشارَ إلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن مُجازاةِ العِبادِ لِما أنَّ عِلْمَهُ تَعالى في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى المُجازاةِ؛ أيْ: مَن يَهْدِ اللَّهُ تَعالى إلى الحَقِّ ﴿ فَهُوَ المُهْتَدِ ﴾ إلَيْهِ وإلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ أوِ المُهْتَدِي إلى كُلِّ مَطْلُوبٍ، والأكْثَرُونَ حَذَفُوا ياءَ المُهْتَدِي ﴿ ومَن يُضْلِلْ ﴾ يَخْلُقْ فِيهِ الضَّلالَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ وقُبْحِ اسْتِعْدادِهِ كَهَؤُلاءِ المُعانِدِينَ ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ ﴾ أيْ: أنْصارًا ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ عَزَّ وجَلَّ يَهْدُونَهم إلى طَرِيقِ الحَقِّ أوْ إلى طَرِيقٍ يُوصِلُهم إلى مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ أوْ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ ضَلالُهم عَلى مَعْنى: لَنْ تَجِدَ لِأحَدٍ مِنهم ولِيًّا عَلى ما يَقْتَضِيهِ قَضِيَّةُ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ مِنَ انْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ عَلى ما هو المَشْهُورُ وقِيلَ: قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْلِياءَ ﴾ مُبالَغَةً؛ لِأنَّ الأوْلِياءَ إذا لَمْ تَنْفَعْهم فَكَيْفَ الوَلِيُّ الواحِدُ، وضَمِيرُ ( لَهم ) عائِدٌ عَلى «مَن» بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما أنَّ (هُوَ) عائِدٌ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ فَلِذا أُفْرِدَ الضَّمِيرُ تارَةً وجُمِعَ أُخْرى.
وفِي إيثارِ الإفْرادِ والجَمْعِ فِيما أُوثِرا فِيهِ تَلْوِيحٌ بِوَحْدَةِ طَرِيقِ الحَقِّ وقِلَّةِ سالِكِيهِ وتَعَدُّدِ سُبُلِ الضَّلالِ وكَثْرَةِ الضَّلالِ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها الحَمْلُ عَلى المَعْنى ابْتِداءً مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَهُ الحَمْلُ عَلى اللَّفْظِ وهي قَلِيلَةٌ في القُرْآنِ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ فَإنَّهُ حُمِلَ فِيها الضَّمِيرُ عَلى اللَّفْظِ أوَّلًا إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُضْلِلْ ﴾ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ مُفْرَدٌ إذْ تَقْدِيرُهُ يُضْلِلْهُ عَلى الأصْلِ وهو راجِعٌ إلى لَفْظِ «مَن» فَلا يُقالُ إنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَمْلٌ عَلى اللَّفْظِ ثُمَّ قالَ: وأغْرَبُ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ إنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ الحَمْلَ عَلى اللَّفْظِ قَدْ تَقَدَّمَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (مَن يَهْدِ اللَّهُ) وإنْ كانَ في جُمْلَةٍ أُخْرى اه.
وفِيهِ أنَّ وجْهَهُ جَعْلُ أبِي حَيّانَ مِن مَفْعُولِ ﴿ يُضْلِلْ ﴾ كَما نَصَّ عَلَيْهِ في البَحْرِ وكَذا نَصَّ عَلى أنَّها في الجُمْلَةِ الأُولى مَفْعُولُ «يَهْدِ» وحِينَئِذٍ لَيْسَ هُناكَ ضَمِيرُ مُفْرَدٍ مَحْذُوفٌ كَما لا يَخْفى فَتَفَطَّنْ، وجُوِّزَ كَوْنُ الجُمْلَتَيْنِ داخِلَتَيْنِ في حَيِّزِ ( قُلْ ) لِمَجِيءِ ومَن بِالواوِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَحْشُرُهُمْ ﴾ أوْفَقُ بِالأوَّلِ وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِلْإيذانِ لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الحَشْرِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي يُجْعَلُ حِكايَةً لِما قالَهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ حِينَ يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ ﴿ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ أيْ: كائِنِينَ عَلَيْها إمّا مَشْيًا بِأنْ يَزْحَفُونَ مُنْكَبِّينَ عَلَيْها ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النّاسُ عَلى وُجُوهِهِمْ؟
قالَ: الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ».
والمُرادُ كَيْفَ يُحْشَرُ هَذا الجِنْسَ عَلى الوَجْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ وغَيْرِهِمْ يُحْشَرُ عَلى وجْهٍ آخَرَ.
فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: صِنْفٍ مُشاةٍ -أيْ عَلى العادَةِ- وصِنْفٍ رُكْبانٍ، وصِنْفٍ عَلى وُجُوهِهِمْ.
قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ؟
قالَ: إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ، إنَّهم يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وشَوْكٍ، وإمّا سَحْبًا بِأنْ تَجُرَّهُمُ المَلائِكَةُ مُنْكَبِّينَ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ ».
ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ إلَخْ فَقالَ: حَدَّثَنِي الصّادِقُ المَصْدُوقُ «أنَّ النّاسَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أفْواجٍ: فَوْجٍ طاعِمِينَ كاسِينَ راكِبِينَ، وفَوْجٍ يَمْشُونَ ويَسْعَوْنَ، وفَوْجٍ تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ عَلى وُجُوهِهِمْ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««إنَّكم تُحْشَرُونَ رِجالًا ورُكْبانًا وتُجَرُّونَ عَلى وُجُوهِكُمْ»».
ولْيُطْلَبْ وجْهُ الجَمْعِ فَإنْ لَمْ يُوجَدْ فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما شَهِدَ لَهُ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ، ولا تُعَيِّنُ الآيَةُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ .
الثّانِي لِأنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا لِأنَّها في حالِهِمْ بَعْدَ دُخُولِ النّارِ وما هُنا في حالِهِمْ قَبْلُ فَتَغايَرا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الكَلامَ عَلى المَجازِ؛ وذَلِكَ كَما يُقالُ لِلْمُنْصَرِفِ خائِبًا عَنْ أمْرٍ مَهْمُومًا: انْصَرَفَ عَلى وجْهِهِ، فالمُرادُ: ونَجُرُّهم يَوْمَ القِيامَةِ مَهْمُومِينَ خائِبِينَ، وكَأنَّ الدّاعِيَ لِهَذا الِارْتِكابِ أنَّهُ قَدْ رَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ حَمْلَ الأحْوالِ الآنِيَّةِ عَلى المَجازِ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ جَمِيعُ الأحْوالِ عَلى طِرازٍ واحِدٍ ولا يَخْفى عَلَيْكَ، فَإيّاكَ أنْ تَلْتَفِتَ إلى تَأْوِيلٍ نَطَقَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ بِخِلافِهِ ولا تَعْبَأْ بِقَوْمٍ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ﴿ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ أحْوالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ حالًا أوَّلًا، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّها أحْوالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في الحالِ السّابِقَةِ، والأوَّلُ أبْعَدُ عَنِ القِيلِ والقالِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ذَلِكَ بَدَلًا مِن تِلْكَ الحالِ وهو كَما تَرى.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ المُرادِ مِمّا ذُكِرَ حَقِيقَتُهُ ويَكُونُ ذَلِكَ في مَبْدَأِ الأمْرِ ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ أبْصارَهم ونُطْقَهم وسَمْعَهم فَيَرَوْنَ النّارَ ويَسْمَعُونَ زَفِيرَها ويَنْطِقُونَ بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
نَعَمْ قَدْ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ في البَيِّنِ، وقِيلَ: هو عَلى المَجازِ عَلى مَعْنى أنَّهم لِفَرْطِ الحَيْرَةِ والذُّهُولِ يُشْبِهُونَ أصْحابَ هَذِهِ الصِّفاتِ أوْ عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهم ولا يَسْمَعُونَ كَذَلِكَ ولا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ كَما أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا لا يَسْتَبْصِرُونَ ولا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ ولا يَسْمَعُونَهُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ فَنُزِّلَ ما يَقُولُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ ويُبْصِرُونَهُ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ بَعْضَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى سَلْبِ بَعْضِ القُوى عَنْهم لِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، وقِيلَ: عُمْيًا عَنِ النَّظَرِ إلى ما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لِأوْلِيائِهِ، بُكْمًا عَنِ الكَلامِ مَعَهُ سُبْحانَهُ، صُمًّا عَمّا مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أوْلِياءَهُ، وقِيلَ: يَحْصُلُ لَهم ذَلِكَ حَقِيقَةً بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى لَهُمْ: ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ﴾ وعَلى هَذا تَكُونُ الأحْوالُ مُقَدَّرَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَأْواهُمْ ﴾ أيْ: مُسْتَقَرُّهم ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ حالًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ يُحْتَمَلُ أيْضًا الِاسْتِئْنافُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن جَهَنَّمَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وجَعَلَ العامِلَ في الحالِ مَعْنى المَأْوى، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: هو حالٌ مِنها لِأنَّها تُوضَعُ مُتَلَظٍّ ومُتَسَعِّرٌ ولَوْلا ذَلِكَ ما جُعِلَ حالًا مِنها.
وجَوَّزَ جَعْلَهُ حالًا مِمّا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ الأُولى مِنهُ، لَكِنْ بَعْدَ اعْتِبارِها في النَّظْمِ، والرّابِطُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ فِي: «زِدْناهُمْ» وهو كَما تَرى، والِاسْتِئْنافُ أقَلُّ مُؤْنَةً، والخَبْوُ وكَذا الخُبُوُّ بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدٍ وهُما مَصْدَرا خَبَتِ النّارُ؛ سُكُونُ اللَّهَبِ.
قالَ في البَحْرِ: يُقالُ: خَبَتِ النّارُ تَخْبُو إذا سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ إذا سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ إذا طَفِئَتْ جُمْلَةً، وقالَ الرّاغِبُ: خَبَتِ النّارُ سَكَنَ لَهَبُها وصارَ عَلَيْها خِباءٌ مِن رَمادٍ أيْ غِشاءٍ، وفي القامُوسِ تَفْسِيرُ خَبَتْ بِسَكَنَتْ وطَفِئَتْ وتَفْسِيرُ طَفِئَتْ بِذَهَبَ لَهَبُها وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما في البَحْرِ والأكْثَرُونَ عَلى ما فِيهِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ مِن تَفْسِيرِ «خَبَتْ» في الآيَةِ بِحَمِيَتْ وهو خِلافُ المَشْهُورِ والمَأْثُورِ، والسَّعِيرُ اللَّهَبُ، والمَعْنى: كُلَّما سَكَنَ لَهَبُها بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهم ولُحُومَهم ولَمْ يَبْقَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ النّارُ وتَحْرِقُهُ زِدْناهم لَهَبًا وتَوَقُّدًا بِأنْ أعَدْناهم عَلى ما كانُوا فاسْتَعَرَتِ النّارُ بِهِمْ وتَوَقَّدَتْ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ الكَفَرَةَ وقُودُ النّارِ، فَإذا أحْرَقَتْهم فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ صارَتْ جَمْرًا تَتَوَهَّجُ فَذَلِكَ خَبْوُها فَإذا بُدِّلُوا خَلْقًا جَدِيدًا عاوَدَتْهُمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى إنْكارِهِمُ الإعادَةَ بَعْدَ الإفْناءِ بِتَكَرُّرِها مَرَّةً بَعْدَ الأُخْرى لِيَرَوْها عِيانًا حَيْثُ لَمْ يَرَوْها بُرْهانًا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما بَعْدُ.
واسْتُشْكِلَ ما ذُكِرَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّارَ لا تَتَجاوَزُ عَنْ إنْضاجِهِمْ إلى إحْراقِهِمْ وإفْنائِهِمْ فَيُعارِضُ ذَلِكَ، وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ تَبْدِيلَهم جُلُودًا غَيْرَها بِإحْراقِها وإفْنائِها وخَلْقِ غَيْرِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم أحْرَقْناها وأفْنَيْناها وخَلَقْنا لَهم غَيْرَها، وبَعْضٌ بِأنَّ المُرادَ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم كَمالُ النُّضْجِ بِأنْ يَبْلُغَ شَيُّها إلى حَدِّ لَوْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ لا يُحِسُّ صاحِبُها بِالعَذابِ وهو مَرْتَبَةُ الِاحْتِراقِ بَدَّلْناهم إلَخْ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ ، وقالَ الخَفاجِيُّ: أُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ لِجُلُودِهِمْ تارَةً النُّضْجُ وتارَةً الإفْناءُ أوْ كُلٌّ مِنهُما في حَقِّ قَوْمٍ عَلى أنَّهُ لا سَدَّ لِبابِ المَجازِ بِأنْ يُجْعَلَ النُّضْجُ عِبارَةً عَنْ مُطْلَقِ تَأْثِيرِ النّارِ؛ إذْ لا يَحْصُلُ في ابْتِداءِ الدُّخُولِ غَيْرُ الإحْراقِ دُونَ النُّضْجِ اه.
ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ بِأنْ يُجْعَلَ النُّضْجُ: عِبارَةً عَنْ مُطْلَقِ تَأْثِيرِ النّارِ مِنَ المُساهَلَةِ، وفي قَوْلِهِ: إذْ لا يَحْصُلُ إلَخْ...
مَنعٌ ظاهِرٌ، وذُكِرَ أنَّهُ أُورِدَ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ أنَّ كَلِمَةَ كُلَّما تُنافِيهِ وفِيهِ بَحْثٌ فَتَأمَّلْ، ورُبَّما يُتَوَهَّمُ أنَّ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ﴾ تَعارُضًا لِأنَّ الخَبْوَ يَسْتَلْزِمُ التَّخْفِيفَ وهو مَدْفُوعٌ بِأنَّ الخَبْوَ سُكُونُ اللَّهَبِ كَما سَمِعْتَ، واسْتِلْزامُهُ تَخْفِيفَ عَذابِ النّارِ مَمْنُوعٌ، عَلى أنّا لَوْ سَلَّمْنا الِاسْتِلْزامَ، فالعَذابُ الَّذِي لا يُخَفَّفُ لَيْسَ مُنْحَصِرًا بِالعَذابِ بِالنّارِ والإيلامِ بِحَرّاراتِها وحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُ أنْ يُعَوَّضَ ما فاتَ مِنهُ بِسُكُونِ اللَّهَبِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.
وذَكَرَ الإمامُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ الحالَةَ الثّانِيَةَ أزْيَدُ مِنَ الحالَةِ الأُولى فَتَكُونُ الحالَةُ الأُولى تَخْفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ، وأجابَ بِأنَّهُ حَصَلَ في الحالَةِ الأُولى خَوْفُ حُصُولِ الثّانِيَةِ، فَكانَ العَذابُ شَدِيدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لَمّا عَظُمَ العَذابُ صارَ التَّفاوُتُ الحاصِلُ في أثْنائِهِ غَيْرَ مَشْعُورٍ بِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ اه.
وقَدْ يُقالُ: لَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِنَ ازْدِيادِ تَوَقُّدِهِمْ ولَعَلَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ ازْدِيادَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ: كُلَّما أُحْرِقُوا أُعِيدُوا إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِما عَبَّرَ لِلْمُبالَغَةِ، ويُشِيرُ إلى كَوْنِ المُرادِ بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ زِدْناهُمْ ﴾ دُونَ زِدْناها فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، أي: من يكرمه الله تعالى بالإسلام ويوفقه، فَهُوَ على الهدى والصواب.
قرأ نافع وأبو عمرو الْمُهْتَدِي بالياء عند الوصل، وقرأ الباقون بغير ياء.
وَمَنْ يُضْلِلْ، أي يخذله عن دينه، فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ، أي يهدونهم من الضلالة.
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ، أي نبعثهم يوم القيامة ونسوقهم منكبين على وجوههم، يسحبون عليها عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا عن الهدى، ويقال: في ذلك الوقت يكونون عمياً وبكماً وصماً كما وصفهم.
مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، أي: مصيرهم إلى جهنم كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً يقول: كلما سكن لهبها ولم تجد شيئاً تأكله، زِدْناهُمْ سَعِيراً، أي وقوداً، وأعيدوا خلقاً جديداً.
قال مقاتل: أن النار إذا أكلتهم فلم تبق منهم غير عظام وصاروا فحماً، سكنت النار فهو الخبو.
يقال: أخبت النار إذا سكن اللهب، وإذا بقي في جمرها شيء، ويقال: خمدت وانطفأت ثم بدلوا جلوداً غيرها، فتشتعل وتسعر عليهم، فذلك قوله تعالى: زِدْناهُمْ سَعِيراً وقال أهل اللغة: وإذا لم يبق من جمرها شيء، يقال همدت.
ثم قال تعالى: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ، أي ذلك العذاب عقوبتهم وجزاء أعمالهم.
بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا، أي بمحمد والقرآن وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً، أي ترابا.
أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً بعد الموت.
<div class="verse-tafsir"
علوًّا، ويحتمل أن يريد السماء المعروفَة، وهو أظهر.
ت: وذكر ع «١» هنا كلماتٍ الواجبُ طرحها، ولهذا أعرضت عنها، وتَرْقى معناه تصعد، ويروى أن قائل هذه المقالة هو عبدُ اللَّهِ بْنُ أبي أميَّةِ، ويروى أن جماعتهم طلبَتْ هذه النْحوَ منه، فأمره عزَّ وجلَّ أن يقول: سُبْحانَ رَبِّي، أي: تنزيهاً له من الإِتيان إِليكم مع الملائكةِ قبيلاً، ومن اقتراحِي أنا عليه هذه الأشياءَ، وهل أنا إِلا بشر، إِنما عليَّ البلاغ المبين فقطْ.
وقوله: مُطْمَئِنِّينَ، أي: وادعين فيها مقيمين.
قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨)
وقوله سبحانه: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ روي أن من تقدَّم الآن ذكرهم من قريش، قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في آخر قولهم: فَلْتَجِىءْ مَعَكَ بطائفةٍ من الملائكة تَشْهَدُ لك بِصِدْقك في نبوَّتك، وروي أنهم قالوا: فمن يشهدُ لك؟
ففي ذلك نزلَتِ الآية، أي: اللَّه يشهد بيني وبينكم، ثم أخبر سبحانه أنه يحشرهم على الوُجُوه حقيقةً، وفي هذا المعنى حديثٌ، «قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَمْشِي الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟
قال: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ في الدُّنْيَا عَلَى رِجْلَيْنِ قَادِراً عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ/ في الآخِرَةِ عَلَى وَجهِهِ «٢» ؟» قال قتادة: بَلَى، وَعِزَّةِ رَبِّنا «٣» .
ت: وهذا الحديثُ قد خرَّجه الترمذيُّ من طريق أبي هريرة، قال: قال رسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَة عَلَى ثَلاَثَةِ أَصْنَافٍ: ركبانا، ومشاة، وعلى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ في الوَصْلِ، وحَذَفاها في الوَقْفِ.
وأثْبَتَها يَعْقُوبُ في الوَقْفِ، وحَذَفَها الأكْثَرُونَ في الحالَتَيْنِ.
﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن يُرِدِ اللَّهُ هُداهُ ﴿ فَهُوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ﴾ يَهْدُونَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُمَشِّيهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ، وشاهِدُهُ ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " صَحِيحَيْهِما " مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللهِ : كَيْفَ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟
قالَ: " إنَّ الَّذِي أمْشاهُ عَلى رِجْلَيْهِ في الدُّنْيا، قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيهِ عَلى وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ» " .
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ونَحْشُرُهم مَسْحُوبِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: نَحْشُرُهم مُسْرِعِينَ مُبادِرِينَ، فَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ عَنِ الإسْراعِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ مَرَّ القَوْمُ عَلى وُجُوهِهِمْ: إذا أسْرَعُوا، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمْيًا لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ، وبُكْمًا لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، وصُمًّا لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ في رِوايَةٍ: عُمْيًا عَنِ النَّظَرِ إلى ما جُعِلَ لِأوْلِيائِهِ، وبُكْمًا عَنْ مُخاطَبَةِ اللَّهِ، وصُمًّا عَمّا مَدَحَ بِهِ أوْلِياءَهُ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ هَذا الحَشْرَ في بَعْضِ أحْوالِ القِيامَةِ بَعْدَ الحَشْرِ الأوَّلِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هَذا يَكُونُ حِينَ يُقالُ لَهُمْ: ﴿ اخْسَئُوا فِيها ﴾ ، فَيَصِيرُونَ عُمْيًا بُكْمًا صُمًّا، لا يَرَوْنَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما خَبَتْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: سَكَنَتْ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ أنَّها تَأْكُلُهُمْ، فَإذا لَمْ تُبْقِ مِنهم شَيْئًا وصارُوا فَحْمًا ولَمْ تَجِدْ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، سَكَنَتْ، فَيُعادُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، فَتَعُودُ لَهم.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَبَتِ النّارُ: إذا سَكَنَ لَهَبُها، فاللَّهَبُ يَسْكُنُ، والجَمْرُ يَعْمَلُ، فَإنْ سَكَنَ اللَّهَبُ، ولَمْ يُطْفَإ الجَمْرُ، قِيلَ: خَمَدَتْ تَخْمُدُ خُمُودًا، فَإنْ طُفِئَتْ ولَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ، قِيلَ: هَمَدَتْ تَهْمَدُ هُمُودًا.
ومَعْنى ﴿ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ : نارًا تَتَسَعَّرُ؛ أيْ: تَتَلَهَّبُ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الإسْراءِ: ٤٩ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: عَلى أنْ يَخْلُقَهم مَرَّةً ثانِيَةً، وأرادَ بِـ " مِثْلَهم " إيّاهُمْ، وذَلِكَ أنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ مُساوٍ لَهُ، فَجازَ أنْ يُعَبِّرَ بِهِ عَنْ نَفْسِ الشَّيْءِ، يُقالُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ هَذا؛ أيْ: أنْتَ، ومَثَلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ ﴾ .
وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " مِثْلَهم "، ثُمَّ قالَ: ﴿ وَجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ يَعْنِي: أجَلَ البَعْثِ، ﴿ فَأبى الظّالِمُونَ إلا كُفُورًا ﴾ ؛ أيْ: جُحُودًا بِذَلِكَ الأجَلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ تَمْلِكُونَ أنْتُمْ، قالَ المُتَلَمِّسُ: ولَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي نَصَبْتُ لَهم فَوْقَ العَرانَيْنَ مَيْسَمًا المَعْنى: لَوْ أرادَ غَيْرُ أخْوالِي.
وَفِي هَذِهِ الخَزائِنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ الأرْزاقِ.
والثّانِي: خَزائِنُ النِّعَمِ، فَيَخْرُجُ في الرَّحْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ.
والثّانِي: النِّعْمَةُ.
وتَحْرِيرُ الكَلامِ: لَوْ مَلَكْتُمْ ما يَمْلِكُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأمْسَكْتُمْ عَنِ الإنْفاقِ خَشْيَةَ الفاقَةِ.
﴿ وَكانَ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ، ﴿ قَتُورًا ﴾ ؛ أيْ: بَخِيلًا مُمْسِكًا، يُقالُ: قَتَرَ يَقْتُرُ، وقَتَرَ يَقْتِرُ: إذا قَصَّرَ في الإنْفاقِ.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: لَوْ مَلَكَ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ مِن خَزائِنِ اللَّهِ تَعالى، لَما جادَ كَجُودِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لا بُدَّ أنْ يُمْسِكَ مِنهُ لِنَفَقَتِهِ ومَنفَعَتِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ يَخافُ الفَقْرَ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ في جُودِهِ عَنِ الحالَيْنِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ إنْكارَ فِرْعَوْنَ آَياتِ مُوسى، تَشْبِيهًا بِحالِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ ﴾ وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى المُعْجِزاتِ والدَّلالاتِ، ثُمَّ اتَّفَقَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى سَبْعِ آَياتٍ مِنها، وهِيَ: يَدُهُ، والعَصا، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقَمْلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، واخْتَلَفُوا في الآَيَتَيْنِ الآَخِرَتَيْنِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُما لِسانُهُ والبَحْرُ الَّذِي فُلِقَ لَهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، يَعْنِي بِلِسانِهِ: أنَّهُ كانَ فِيهِ عُقْدَةٌ فَحَلَّها اللَّهُ تَعالى لَهُ.
والثّانِي: البَحْرُ والجَبَلُ الَّذِي نَتَقَ فَوْقَهُمْ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: السُّنُونُ ونَقْصُ الثَّمَراتِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: السُّنُونُ ونَقْصُ الثَّمَراتِ آَيَةٌ واحِدَةٌ.
والرّابِعُ: البَحْرُ والمَوْتُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ ووَهْبٌ.
والخامِسُ: الحَجَرُ والبَحْرُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والسّادِسُ: لِسانُهُ وإلْقاءُ العَصا مَرَّتَيْنِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والسّابِعُ: البَحْرُ والسُّنُونُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والثّامِنُ: ذَكَرَهُ [ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ ] مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا، فَذَكَرَ السَّبْعَ الآَياتِ الأُولى، إلّا أنَّهُ جَعَلَ مَكانَ يَدِهِ البَحْرَ، وزادَ الطَّمْسَةَ والحَجَرَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ ﴾ .
والثّانِي: أنَّها آَياتُ الكِتابِ، رَوى أبُو داوُدَ السِّجِسْتانِيُّ مِن حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ، «أنَّ يَهُودِيًّا قالَ لِصاحِبِهِ: تَعال حَتّى نَسْألَ هَذا النَّبِيَّ، فَقالَ الآَخَرُ: لا تَقُلْ: إنَّهُ نَبِيٌّ، فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَ ذَلِكَ، صارَتْ لَهُ أرْبَعَةُ أعْيُنٍ؛ فَأتَياهُ، فَسَألاهُ عَنْ تِسْعِ آَياتٍ بَيِّناتٍ، فَقالَ: " لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وَلا تَزْنُوا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِالبَرِيءِ إلى السُّلْطانِ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَسْحَرُوا، ولا تَقْذِفُوا المُحْصَناتِ، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةً يَهُودُ ألّا تَعْدُوا في السَّبْتِ "، قالَ: فَقَبَّلا يَدَهُ، وقالا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ.» <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أولِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ رُوِيَ أنَّ المَلَأ مِن قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ المَقالاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، مِن عَرْضِ المُلْكِ عَلَيْهِ والغِنى وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالُوا لَهُ في آخِرِ قَوْلِهِمْ: فَلْتَجِئْ مَعَكَ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ تَشْهَدُ لَكَ بِصِدْقِكَ في نُبُوَّتِكَ.
قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: فَمَن يَشْهَدُ لَكَ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى أقْوالِهِمْ إنَّما هو طَلَبُ شَهادَةٍ دُونَ أنْ يَذْكُرُوها، فَفي ذَلِكَ نَزَلَتِ الآيَةُ، أيِ: اللهُ يَشْهَدُ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ، الَّذِي لَهُ الخَبَرُ والبَصَرُ بِجَمِيعِنا، صادِقَنا وكاذِبِنا.
ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ إلى خَلْقِ اللهِ واخْتِراعِهِ الهُدى والضَلالَ في قُلُوبِ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ بِيَدِي مِن أمْرِكم أكْثَرُ مِنَ التَبْلِيغِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أولِياءَ مِن دُونِهِ ﴾ وعِيدٌ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم يُحْشَرُونَ عَلى الوُجُوهِ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، وهَذا قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هي اسْتِعاراتٌ، إمّا لِأنَّهم مِنَ الحَيْرَةِ والهَمِّ والذُهُولِ يُشْبِهُونَ أصْحابَ هَذِهِ الصِفاتِ، وإمّا مِن حَيْثُ لا يَرَوْنَ ما يَسُرُّهُمْ، ولا يَسْمَعُونَ، ولا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ.
وقِيلَ: هي حَقِيقَةٌ كُلُّها، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، ثُمَّ يَرُدُّ اللهُ تَعالى إلَيْهِمْ أبْصارَهم وسَمْعَهم ونُطْقَهُمْ، فَعِنْدَ رَدِّ ذَلِكَ إلَيْهِمْ يَرَوْنَ النارَ، ويَسْمَعُونَ زَفِيرَها، ويَتَكَلَّمُونَ بِكُلِّ ما حُكِيَ عنهم في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ لِلْمُنْصَرِفِ عن أمْرٍ خائِفًا مَهْمُومًا: انْصَرَفَ عَلى وجْهِهِ، ويُقالُ لِلْبَعِيرِ: كَأنَّما يَمْشِي عَلى وجْهِهِ، ومَن قالَ ذَلِكَ في الآيَةِ حَقِيقَةً قالَ: أقْدَرَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى النَقْلَةِ عَلى الوُجُوهِ، كَما أقْدَرَهم في الدُنْيا عَلى النَقْلَةِ عَلى الأقْدامِ، وفي هَذا المَعْنى حَدِيثٌ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَمْشِي الكافِرُ عَلى وجْهِهِ؟
قالَ: "ألَيْسَ الَّذِي أمْشاهُ في الدُنْيا عَلى رَجُلَيْنِ قادِرًا أنْ يُمَشِّيَهُ في الآخِرَةِ عَلى وجْهِهِ"؟» قالَ قَتادَةُ: بَلى وعِزَّةِ رَبِّنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما خَبَتْ ﴾ أيْ: كُلَّما فَرَغَتْ مِن إحْراقِهِمْ، فَيَسْكُنُ اللهِيبُ القائِمُ عَلَيْهِمْ قَدْرَ ما يُعادَوْنَ ثُمَّ يَثُورُ، فَتِلْكَ زِيادَةُ السَعِيرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالزِيادَةُ في حَيِّزِهِمْ، وأمّا جَهَنَّمُ فَعَلى حالِها مِنَ الشِدَّةِ لا يُصِيبُها فُتُورٌ.
و"خَبَتِ النارُ" مَعْناهُ: سَكَنَ اللهَبُ والجَمْرُ عَلى حالِهِ، و"خَمَدَتْ" مَعْناهُ: سَكَنَ الجَمْرُ وضَعُفَ، و"هَمَدَتْ" مَعْناهُ: طُفِيَتْ جُمْلَةً، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: لِمَنِ النارُ قُبَيْلَ الصُبْـ ∗∗∗ ـحِ عِنْدَ البَيْتِ ما تَخْبُو إذا ما أُخْمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗....
عَلَيْها المَندَلُ الرَطْبُ؟
ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: وسْطُهُ كاليَراعِ أو سُرُجِ المِجْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـدَلِ حِينًا يَخْبُو وحِينًا يُنِيرُ وَمِنهُ قَوْلُ القَطامِيِّ: فَيَخْبُو ساعَةً ويَهُبُّ ساعًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهُمْ ﴾ ، الآيَةُ إشارَةٌ إلى الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ بِجَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يَعُمُّ الدَلائِلَ والحُجَجَ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ويَعُمُّ آياتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ وما تُضَمَّنُ مِن خَبَرٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ.
ثُمَّ عَظُمَ عَلَيْهِمْ أمْرُ إنْكارِ البَعْثِ، وخَصَّهُ بِالذِكْرِ مَعَ كَوْنِهِ في عُمُومِ الكُفْرِ بِآياتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِ التَعْظِيمُ لَهُ، والتَنْبِيهُ عَلى خَطارَةِ الكُفْرِ في إنْكارِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في الاِسْتِفْهامَيْنِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
و"الرُفاتُ": بَقِيَّةُ الشَيْءِ الَّتِي قَدْ أصارَها البِلى إلى حال التُرابِ، و"البَعْثُ": تَحْرِيكُ الشَيْءِ الساكِنِ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم هو عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ لِلْمُحالِ بِزَعْمِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ ﴾ يجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ﴾ [الإسراء: 94] جمعاً بين المانع الظاهر المعتاد من الهدى وبين المانع الحقيقي وهو حرمان التوفيق من الله تعالى، فمن أصَرّ على الكفر مع وضوح الدليل لذوي العقول فذلك لأن الله تعالى لم يوفقه.
وأسباب الحرمان غضب الله على من لا يُلقِي عقله لتلقي الحق ويتخذُ هواه رائداً له في مواقف الجد.
ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة ﴿ قل كفى باللَّه شهيداً بيني وبينكم ﴾ [الإسراء: 96] ارتقاء في التسلية، أي لا يحزنك عدم اهتدائهم فإن الله حرمهم الاهتداء لما أخذوا بالعناد قبل التدبر في حقيقة الرسالة.
والمراد بالهُدى الهدى إلى الإيمان بما جاء به الرسول.
والتعريف في المهتد } تعريف العهد الذهني، فالمعرف مساوٍ للنكرة، فكأنه قيل: فهو مهتدٍ.
وفائدة الإخبار عنه بأنه مهتد التوطئة إلى ذكر مقابله وهو ﴿ ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء ﴾ ، كما يقال من عَرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا فُلان.
ويجوز أن تجعل التعريف في قوله: ﴿ المهتد ﴾ تعريف الجنس فيفيد قصر الهداية على الذي هداه الله قصراً إضافياً، أي دون من تريد أنتَ هداه وأضله الله.
ولا يحتمل أن يكون المعنى على القصر الادعائي الذي هو بمعنى الكمال لأن الهدى المراد هنا هدي واحد وهو الهدي إلى الإيمان.
وحُذفت ياء ﴿ المهتد ﴾ في رسم المصحف لأنهم وقفوا عليها بدون ياء على لغة من يقف على الاسم المنقوص غيرِ المنون بحذف الياء، وهي لغة فصيحة غير جارية على القياس ولكنها أوثرت من جهة التخفيف لثقل صيغة اسم الفاعل مع ثقل حرف العلة في آخر الكلمة.
ورسمت بدون ياء لأن شأن أواخر الكلم أن ترسم بمراعاة حال الوقف.
وأما في حال النطق في الوصل فقرأها نافع وأبو عَمرو بإثبات الياء في الوصل وهو الوجه، ولذلك كتبوا الياء في مصاحفهم باللون الأحمر وجعلوها أدق من بقية الحروف المرسومة في المصحف تفرقة بينها وبين ما رسمه الصحابة كتّاب المصحف.
والباقون حذفوا الياء في النطققِ في الوصل إجراء للوصل مجرى الوقف.
وذلك وإن كان نادراً في غير الشعر إلا أن الفصحاء يُجرون الفواصل مجرى القوافي، واعتبروا الفاصلة كل جملة ثم بها الكلام، كما دل عليه تمثيل سيبويه في كتابه الفاصلة بقوله تعالى: ﴿ والليل إذا يسر ﴾ [الفجر: 4] وقوله: ﴿ قال ذلك ما كنا نبغ ﴾ [الكهف: 64].
وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ﴾ في سورة [الرعد: 9].
والخطاب في فلن تجد لهم أولياء من دونه} للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن هذا الكلام مسوق لتسليته على عدم استجابتهم له، فنفي وجدان الأولياء كناية عن نفي وجود الأولياء لهم لأنهم لو كانوا موجودين لوجدهم هو وعرفهم.
والأولياء: الأنصار، أي لن تجد لهم أنصاراً يخلصونهم من جزاء الضلال وهو العذاب.
ويجوز أن يكون الأولياء بمعنى متولي شأنهم، أي لن تجد لهم من يُصلح حالهم فينقلهم من الضلال كقوله تعالى: ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ [البقرة: 257].
وجُمع الأولياء باعتبار مقابلة الجمع بالجمع، أي لن تجد لكل واحد ولياً ولا لجماعته ولياً، كما يقال: ركب القوم دوابهم.
ومن دونه} أي غيره.
ذكر المقصود من نفي الولي أو المَئال له بذكر صورة عقابهم بقوله: ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ﴾ الآية.
والحشر: جمع الناس من مواضع متفرقة إلى مكان واحد.
ولما كان ذلك يستدعي مشيهم عدي الحشر بحرف (على) لتضمينه معنى (يمشون.
وقد فهم الناس ذلك من الآية فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم كيف يمشون على وجوههم؟
فقال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم.
والمقصود من ذلك الجمعُ بين التشويه والتعذيب لأن الوجه أرق تحملاً لصلابة الأرض من الرجل.
وهذا جزاء مناسب للجرم، لأنهم روّجوا الضلالة في صورة الحق ووسموا الحق بسمات الضلال فكان جزاؤهم أن حولت وجوههم أعضاءَ مشي عِوضاً عن الأرجل.
ثم كانوا ﴿ عميا وبكما ﴾ جزاء أقوالهم الباطلة على الرسول وعلى القرآن، و ﴿ صمّاً ﴾ جزاء امتناعهم من سماع الحق، كما قال تعالى عنهم: ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ [فصّلت: 5].
وقال عنهم: ﴿ قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ﴾ [طه: 125- 126]، وقال عنهم: ﴿ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ﴾ [الإسراء: 72] أي من كان أعمى عن الحق فهو في الحشر يكون محروماً من متعة النظر.
وهذه حالتهم عند الحشر.
والمأوى محل الأوِيِّ، أي النزول بالمأوى.
أي المنزل والمقر.
وخبت النار خُبُوّاً وخَبْواً.
نقص لهيبها.
والسعير: لهب النار، وهو مشتق من سعّر النارَ إذا هيج وقودها.
وقد جرى الوصف فيه على التذكير تبعاً لتذكير اللهب.
والمعنى: زدناهم لهباً فيها.
وفي قوله: كلما خبت زدناهم سعيراً } إشكال لأن نار جهنم لا تخبو.
وقد قال تعالى: ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ﴾ [البقرة: 86].
فعن ابن عباس: أن الكفرة وقود للنار قال تعالى: ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ [البقرة: 24] فإذا أحرقتهم النار زال اللهب الذي كان متصاعداً من أجسامهم فلا يلبثون أن يعادوا كما كانوا فيعود الالتهاب لهم.
فالخُبُوّ وازدياد الاشتعال بالنسبة إلى أجسادهم لا في أصل نار جهنم.
ولهذه النكتة سلط فعل زدناهم} على ضمير المشركين للدلالة على أن ازدياد السعير كان فيهم، فكأنه قيل: كلما خبت فيهم زدناهم سعيراً، ولم يقل: زدناها سعيراً.
وعندي: أن معنى الآية جارٍ على طريق التهكّم وبادئ الإطماع المسفر عن خيبة، لأنه جعل ازدياد السعير مقترناً بكل زمان من أزمنة الخبُوّ، كما تفيده كلمة (كلما) التي هي بمعنى كل زمان.
وهذا في ظاهره إطماع بحصول خبو لورود لفظ الخبو في الظاهر، ولكنه يؤول إلى يأس منه إذ يدل على دوام سعيرها في كل الأزمان، لاقتران ازدياد سعيرها بكل أزمان خبوها.
فهذا الكلام من قبيل التمليح، وهو من قبيل قوله تعالى: ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ [الأعراف: 40]، وقول إياس القاضي للخصم الذي سأله: على من قَضيت؟
فقال: على ابن أخت خالك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ﴾ مَعْناهُ مَن يَحْكُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِدايَتِهِ فَهو المُهْتَدِي بِإخْلاصِهِ وطاعَتِهِ.
﴿ وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومَن يَحْكم بِضَلالِهِ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ في هِدايَتِهِ.
الثّانِي: ومَن يَقْضِ اللَّهُ تَعالى بِعُقُوبَتِهِ لَمْ يُوجَدْ لَهُ ناصِرٌ يَمْنَعُهُ مِن عِقابِهِ.
﴿ وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ الإسْراعِ بِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: قَدِمَ القَوْمُ عَلى وُجُوهِهِمْ إذا أسْرَعُوا.
الثّانِي: أنَّهم يُسْحَبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ كَمَن يَفْعَلُ في الدُّنْيا بِمَن يُبالِغُ في هَوانِهِ وتَعْذِيبِهِ.
﴿ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم حُشِرُوا في النّارِ عُمْيَ الأبْصارِ بُكْمَ الألْسُنِ صُمَّ الأسْماعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذابِهِمْ، ثُمَّ أبْصَرُوا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ﴾ وتَكَلَّمُوا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا ﴾ وسَمِعُوا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا ﴾ .
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: بَلْ إذا قالَ لَهُمُ ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ﴾ صارُوا عُمْيًا لا يُبْصِرُونَ، صُمًّا لا يَسْمَعُونَ، بُكْمًا لا يَفْقَهُونَ.
الثّانِي: أنَّ حَواسَّهم عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ، ومَعْناهُ عُمْيٌ عَمّا يَسُرُّهم، بُكْمٌ عَنِ التَّكَلُّمِ بِما يَنْفَعُهم، صُمٌّ عَمّا يُمَتِّعُهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
﴿ مَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ يَعْنِي مُسْتَقَرُّهم جَهَنَّمُ.
﴿ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كُلَّما طُفِئَتْ أُوقِدَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: كُلَّما سَكَنَ التِهابُها زِدْناهم سَعِيرًا والتِهابًا، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الشّاعِرُ: وكُنّا كالحَرِيقِ أصابَ غابًا فَيَخْبُو ساعَةً ويَهُبُّ ساعا وَسُكُونُ التِهابِها مِن غَيْرِ نُقْصانٍ في آلامِهِمْ ولا تَخْفِيفٍ مِن عَذابِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وأبو نعيم في المعرفة، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أنس رضي الله عنه قال: «قيل: يا رسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟
قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم» .
واخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ الذين يحشرون على وجوههم ﴾ [ الفرقان: 34] الآية.
فقالوا: يا نبي الله وكيف يمشون على وجوههم؟
قال: أرأيت الذي أمشاهم على أقدامهم؟
أليس قادراً على أن يمشيهم على وجوههم؟؟...» .
وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم.
قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟
قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم.
أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك» .
وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه تلا هذه الاية ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً ﴾ فقال: حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن مردويه والحاكم، عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تحشرون رجالاً وركباناً، وتجرون على وجوهكم ههنا، ونحى بيده نحو الشام» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عمياً ﴾ قال: لا يرون شيئاً يسرهم ﴿ وبكماً ﴾ قال: لا ينطقون بحجة ﴿ وصماً ﴾ قال: لا يسمعون شيئاً يسرهم.
وأخرج البخاري في تاريخه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تغبطن فاجراً بنعمة، فإن من ورائه طالباً حثيثاً» وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً ﴾ .
وأخرج البيهقي في الشعب، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا خضرة حلوة؛ من اكتسب فيها مالاً من غير حله وأنفقه في غير حله، أحلّه دار الهوان.
ورُبَّ متخوض في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة.
يقول الله: ﴿ كلما خبت زدناهم سعيراً ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مأواهم جهنم ﴾ يعني، أنهم وقودها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كلما خبت ﴾ قال: سكنت.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلما خبت زدناهم سعيراً ﴾ .
قال: كلما طفئت أسعرت وأوقدت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كلما خبت زدناهم سعيراً ﴾ قال: كلما أحرقتهم سعر بهم حطباً، فإذا أحرقتهم فلم يبق منهم شيء صارت حمراء تتوهج.
فذلك خبؤها، فإذا بدلوا خلقاً جديداً عاودتهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلما خبت زدناهم سعيراً ﴾ يقول: كلما احترقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ كلما خبت ﴾ قال: الخبء، الذي يطفأ مرة ويشعل أخرى.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: وتخبو النار عن أدنى أذاهم ** وأضرمها إذا ابتردوا سعيراً وأخرج ابن الأنباري عن أبي صالح في قوله: ﴿ كلما خبت ﴾ قال: معناه كلما حميت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ ﴾ قال ابن عباس: من يرد الله هُدَاه (١) ﴿ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ﴾ ، ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ ﴾ قال: ومن يخذل، ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ : يهدونهم من دون الله، ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ﴾ ، في حديث أبي هريرة، قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم، قال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم، إنهم يتقون (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ﴾ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، ثم قال: ﴿ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ ﴾ ، وقال: ﴿ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا ﴾ ، وقال: ﴿ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴾ ، فكيف قال في هذه الآية: ﴿ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ﴾ ، ثم أجاب ابن عباس: فقال عميًا لا يرون شيئًا يسرهم، صُمًّا لا يسمعون شيئًا يسرهم، بكمًا لا ينطقون بحجة (٤) وقال في روايهَ عطاء: يريد عُميًا عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، وبكمًا عن مخاطبة الله تعالى، وصُمًّا عما مدح الله به أولياءه (٥) وقال مقاتل: هذا حين يقال لهم: ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ ، فيصيرون عميًا بكمًا صمًا لا يرون ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك (٦) وقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ الخبو: سكون النار، يقال: خبت النار تخبو إذا سكن لهيبها، ومعنى خبت سَكَنت وطَفِئت، ويقال في مصدره: الخبؤ، وأخبأها المخبئ، أي أخمدها (٧) قال الكميت: مؤجِّج نيرانِ المكارم لا المُخْبي (٨) ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ قال ابن عباس: سُعِّر العذابُ عليهم بأشد مما كان (٩) (١٠) (١) ورد في "الوسيط" 2/ 552، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 90.
(٢) في (ش): (يتقوه).
(٣) جزء من حديث طرفه: "بحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ..
" أخرجه الترمذي (3142) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة بني إسرائيل بنصه عن أبي هريرة وحسنه، و"الطبري" بنصه دون الزيادة بين التنصيص، وورد في "تفسير الثعلبى" 7/ 121 ب، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 368 وزاد نسبته إلى ابن مردويه وأبي داود والبيهقي في البعث -لم أجده فيهما، وللحديث شاهد من طريق أنس بن مالك - - دون الزيادة بين التنصيص- أخرجه: أحمد 3/ 167 ، والبخاري (4760) كتاب: التفسير، سورة الفرقان 4/ 1784، ومسلم (2806) كتاب: الجنة والنار، باب.
صفات المنافقين، يحشر الكافر على وجهه 4/ 2161، والحاكم: التفسير، الفرقان 2/ 402.
(٤) أخرجه "الطبري" 15/ 168بنصه (صحيحة)، وورد بنحوه مختصرًا في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 197، و"تفسير الثعلبي" 7/ 121 ب، و"الماوردي" 3/ 275، و"الطوسي" 6/ 524، بنحوه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 61، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 368 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٥) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 90، و"الفخر الرازي" 21/ 61، و"أبي حيان" 6/ 82 بلانسبة.
(٦) "تفسير مقاتل" 1/ 220 أ، بنحوه.
(٧) انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 177، و"تهذيب اللغة" (خبأ) 1/ 97، و"المحيط في اللغة" (خبو) 4/ 427، و"اللسان" (خبا) 2/ 1098.
(٨) صدره: ومنّا ضرارٌ وابْنَماهُ وحاجبٌ= ومنا لقيط ....
مؤرث نيران ....
وورد في "مجاز القرآن" 1/ 391، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 175، و"الأزهية" ص 24، و"اللسان" (خبا) 2/ 1098، وبلا نسبة في "جمهرة اللغة" 3/ 1308، (ابنماه): تثنية ابن، حيث زادوا في (ابن) ميمًا للتوكيد وألحقوها الإعراب، وحركوا النون بحركتها، فقالوا: جاءني ابنُمٌ، ورأيت ابنَمًا، ومررتُ بابنِمٍ، وقالوا في الجمع: هؤلاء ابنُمونَ، (المخبي): الذي يطفئ النار؛ يقال: خبت النار والحرب، تخبو خبوًا وخُبُوًا: سكنت وطفئت وخمد لهبها، وهي خابية، وأخْبيتها أنا: أخمدتها.
(٩) أخرج "الطبري" 15/ 168 بمعناه من طريق العوفي (ضعيفة)، وابن الأنباري في "الأضداد" ص 176 - بمعناه من طريق ابن جريج "صحيحة"، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 369 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(١٠) "الغريب" لابن قتيبة 1/ 262، بنصه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ قيل: هي استعارة بمعنى أنهم يوم القيامة حيارى، وقيل: هي حقيقة، وأنهم يكونون عمياً وبكماً وصماً حين قيامهم من قبورهم ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ معناه في اللغة سكن لهبها، والمراد هنا: كلما أكلت لحومهم فسكن لهبها بدلوا أجساداً أخر، ثم صارت ملتهبة أكثر مما كانت.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تفجر ﴾ من الفجر: يعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف سوى المفضل وابن الغالب.
الآخرون من التفجير تكثيراً للفعل وإن كان الفاعل والمفعول مفرداً ﴿ حتى تنزل ﴾ بالتخفيف: أبو عمرو ويعقوب.
الآخرون بالتشديد ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: أبو جعفر ونافع وعاصم وابن ذكوان.
الباقون بالإسكان ﴿ قال سبحان ﴾ بلفظ الماضي: ابن كثير وابن عامر الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ هو المهتدي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.
الباقون بحذف الياء ﴿ ربي إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ خبت زدناهم ﴾ بإدغام التاء في الزاي: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.
﴿ لقد علمت ﴾ بضم التاء، على التكلم: عليّ.
الآخرون بالفتح على الخطاب ﴿ قل ادعو ﴾ بكسر اللام للساكنين: عاصم وحمزة وسهل ويعقوب وعباس: الآخرون بضمها للإتباع ﴿ أو ادعوا ﴾ بكسر الواو: عاصم وحمزة وسهل.
الباقون بالضم ﴿ أيامّاً ﴾ حمزة ورويس يقفان على ﴿ أيا ﴾ ثم يبتدئان ﴿ ما تدعوا ﴾ ويسمى هذا الوقف وقف البيان.
الباقون على كلمة واحدة.
الوقوف: ﴿ ينبوعاً ﴾ ه لا ﴿ تفجيراً ﴾ ه لا ﴿ قبيلاً ﴾ ه لا ﴿ في السماء ﴾ ط لابتداء النفي بعد طول القصة.
وقيل: الأصح الوصل لأن قوله: ﴿ ولن نؤمن لرقيك ﴾ من كلامهم ﴿ نقرؤه ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ المهتد ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع التضاد ﴿ من دونه ﴾ لا لأن الواو لا يحتمل الاستئناف ﴿ وصماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ الإنفاق ﴾ ط ﴿ قتوراً ﴾ ه ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ بصائر ﴾ ط للابتداء بأن مع اتحاد القائل ﴿ مثبوراً ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ لفيفياً ﴾ ، ط لانقطاع النظام والمعنى.
﴿ نزل ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ ونذيراً ﴾ ، احترازاً من إيهام العطف ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ أولا تؤمنوا ﴾ ط ﴿ سجداً ﴾ ، لا ﴿ لمفعولاً ﴾ ه ﴿ خشوعاً ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط لتصدير الشرط ﴿ الحسنى ﴾ ج لانقطاع نظم الشرط إلى النهي مع اتحاد المراد.
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ تكبيراً ﴾ ه.
التفسير: ليس من شرط كون النبي صادقاً تواتر المعجزات وتتالي الآيات، لأن فتح هذا الباب يوجب نقيض المقصود وهو أن لا تثبت نبوته أبداً، ولكن المعجز الواحد يكفي في صدق النبي، واقتراح الزيادة من جملة العناد فلا جرم لما بين الله إعجاز القرآن حكى مقترحات المعاندين بياناً لتصميمهم على الكفر.
قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أرسلوا إلى رسول الله - وهم جلوس عند الكعبة - فأتاهم فقالوا: يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر لنا ينبوعاً نزرع فيها.
فقال: لا أقدر عليه.
فقال قائل منهم: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا.
فقال: لا أقدر عليه.
فقيل له: أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا.
فقال: لا أقدر عليه.
فقيل له: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً.
فقال عبد الله ابن أمية المخزومي - وأمه عمة رسول الله - لا والذي يحلف به لا أؤمن بك حتى تتخذ سلماً فتصعد عليه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة فيشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أم لا.
فأنزل الله هذه الآيات.
ولنشرع في تفسير اللغات.
فقوله: ﴿ ينبوعاً ﴾ أي عيناً غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب من عب الماء.
وقوله: ﴿ أو تكون لك جنة ﴾ معناه هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك.
وقوله: ﴿ كما زعمت ﴾ إشارة إلى قوله : ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء ﴾ أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله: ﴿ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ﴾ أي أجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب واسقطها علينا.
وقال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا.
وقيل: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل.
قال في الكشاف: الكسف بسكون السين وفتحها جمع "كسفة" بالسكون كسدرة وسدر وسدر.
وقال أبو علي: الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون.
واشتقاقه - على ما قال أبو زيد - من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته.
وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل: أو تسقطها طبقاً علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين.
ومعنى ﴿ قبيلاً ﴾ كفيلاً بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً فاختصر، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر.
وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم: ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ﴾ وقال ابن عباس: أراد فوجاً بعد فوج.
وقال الليث: كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ .
قوله: ﴿ بيت من زخرف ﴾ قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله "أو يكون لك بيت من ذهب".
وقال الزجاج: هو الزينة ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب.
﴿ أو ترقى في السماء ﴾ أي في معارجها فحذف المضاف.
يقال: رقي في السلم وفي الدرجة.
والمصدر "رقى" وأصله "فعول" كقعود ﴿ و ﴾ معنى ﴿ لن نؤمن لرقيك ﴾ لن نؤمن لك لأجل رقيك ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً ﴾ من السماء فيه تصديقك.
قال الرسول: متعجباً من اقتراحاتهم أو تنزيهاً لله من تحكماتهم أو من قولهم: ﴿ أو تأتي بالله ﴾ ﴿ سبحان ربي هل كنت ﴾ أي لست ﴿ إلا بشراً رسولاً ﴾ فإن طلبتم هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسي فالبشر لا يقدر على أمثال ذلك فكيف أقدر أنا عليها؟
وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة.
ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال: ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا ﴾ أي الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ﴿ إذ جاءهم الهدي ﴾ وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة ﴿ إلا أن قالوا ﴾ منكرين ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ ثم أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ﴾ على الأقدام كما يمشي الإنس ﴿ مطمئنين ﴾ ساكنين فيها ﴿ لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم.
فكأنه اعتبر لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: أحدهما كون سكان الأرض ملائكة، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة.
وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ بشراً ﴾ و ﴿ ملكاً ﴾ منصوبين على الحال من ﴿ رسولاً ﴾ بل زعم أن المعنى له أجوب، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفاً بحالة البشرية لا الملكية، وإذا كان أحد الصنفين المقابلين حالاً لزم أن يكون الآخر كذلك.
ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلاً: ﴿ قل كفى بالله ﴾ الآية.
وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله له على الصدق.
فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها؟
علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك.
ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال: ﴿ ومن يهد الله ﴾ الآية.
وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر "الأعراف" وغيره.
وقوه: ﴿ فهو المهتد ﴾ حمل على اللفظ وقوله: ﴿ فلن تجد ﴾ حمل على المعنى.
والخطاب في ﴿ لن تجد ﴾ إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب.
والأولياء الأنصار، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله: ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم ﴾ وإما بمعنى المشي عليها كما روي أنه سئل عن ذلك فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" وقيل لابن عباس: قد أخبر الله عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال: ﴿ رأى المجرمون النار ﴾ ﴿ دعوا هنالك ثبوراً ﴾ ﴿ سمعوا لها ﴾ الجمع بين ذاك تغيظاً وزفيراً فكيف وبين قوله: ﴿ عمياً وبكماً وصماً ﴾ ؟
فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم.
وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكم عن مخاطبة الله، ومخاطبة الملائكة المقربين، صم عن ثناء الله على أوليائه، وقال مقاتل: هذه الأحوال بعد قوله لهم: ﴿ اخسئووا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار.
وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به ﴿ كلما خبت ﴾ أي سكن لهبها.
خبت النار تخبوا خبواً وأخباها غيرها أي أخمدها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ قال ابن قتيبة: أي تسعراً وهو التهلب.
ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع بينه وبين قوله: ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب، أو يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به، ويحتمل أن يقال: المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتعسر.
وقال في الكشاف: لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها.
ثم يعيدها.
وفيه زيادة في تحسرهم وفي الانتقام منهم.
ومما يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ ذلك جزاؤهم ﴾ الآية.
ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال: ﴿ أو لم يروا ﴾ الآية.
وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون منها أقدر، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء.
ومن قال: أراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاتعراض عليه كقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ أي يبعثهم.
وحين بيّن أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتاً معلوماً ما عنده فقال: ﴿ وجعل لهم ﴾ أي لبعثهم ﴿ أجلاً لا ريب فيه ﴾ قال جار الله: قوله: ﴿ وجعل ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أو لم يروا ﴾ والمعنى قد علموا بدليل العقل أنه قادر على خلق أمثالهم وجعل لهم.
وأقول: يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه على خلقه التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلاً أن يملكوا خزائن هن بصدد الفناء والنفاد.
قال النحويون: كلمة "لو" حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشي لانتفاء غيره.
والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا الذوات.
وأيضاً إنها ههنا بمعنى "إن" الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من تقدير فعل بعدها، فأصل الكلام: لو تملكون تملكون مرتين: فأضمر "تملك" إضماراً على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلاً لسقوط ما كان يتصل هو به فـ ﴿ أنتم ﴾ فاعل الفعل المضمر ﴿ تملكون ﴾ تفسيره.
وقال علماء البيان: فائدة هذا التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل الفاعل كما في قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني.
لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي لو حرة لطمتني وقوله: ﴿ خشية الإنفاق ﴾ أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم ﴿ وكان الإنسان قتوراً ﴾ أي بخيلاً شحيحاً، والقتر والإقتار والتقتير والتقصير في الإنفاق.
وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه الشح إذ كان باقياً على طبعه لأنه خلق محتاجاً إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة.
ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذاً الأصل في الإنسان هو البخل والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي طلباً للثناء أو الثواب.
وقيل: المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ﴾ بين الله أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها.
ثم قال: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات ﴾ فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم، فليس عدم الاستجابة إلى ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصحلة أو لعدم استتباع الغاية لعلمنا بإصراركم والختم على قلوبكم، عن ابن عباس: أن الآيات التسع هن: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل.
وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات.
مكان الحجر والبحر والطور.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها: حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم.
فقال له عمر: لا يكون الفقيه إلا هكذا.
أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة.
وعن صفوان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله عن ذلك فقال: "أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالا: إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك" قال الإمام فخر الدين الرازي: هو أجود ما قيل في الآيات التسع.
وأقول: عد الأحكام من الآيات البينات فيه بعد، اللَّهم إلا أن يقال: النهي عن مساوىء الأخلاق والعادات من جملة علامات النبوة.
قال بعد العلماء: أجابهم النبي بتسع وزاد واحدة تختص بهم.
وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر: "ولا تقذفوا محصنة" وشك شعبة في أنه : "ولا تقذفوا محصنة" أو قال: "تولوا الفرار" .
وقيل: إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم.
إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه.
هكذا قال الأصوليون، ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة.
والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلاً فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر الصادق.
أما قوله: ﴿ فاسأل بني إسرائيل ﴾ فالخطاب فيه للنبي والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت.
والمسؤولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه.
وقوله: ﴿ إذا جاءهم ﴾ يتعلق بـ ﴿ آتينا ﴾ .
وينتصب بإضمار "اذكر"، أو هو للتعليل.
والمراد فاسألهم يخبروك لأنه جاءهم أي جاء أباهم.
ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله.
وقيل: هو بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء.
وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه أعطى علم السحر.
ومن قرأ "علمت" بضم التاء فظاهر لأن موسى كان علماً بصحة الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض، فأراد أني لا أشك في أمري بسبب تشكك مكذب مثلك.
ومن قرأ بفتحها فالمراد تبين أن كفر فرعون كفر جحود وعناد كقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ .
وقوله للآيات: ﴿ هؤلاء ﴾ كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام *** ومعنى ﴿ بصائر ﴾ بينات مكشوفات وانتصابها على الحال كأنه أشار بقوله: ﴿ ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ إلى أنها أفعال خالقة للعادة، وبقوله: ﴿ بصائر ﴾ إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم حد المعجز بمجموع القيدين.
ثم قارع موسى ظن فرعون بظنه فقال: ﴿ إني لأظنك يا فرعون مثبوراً ﴾ قال الفراء: أي ملعوناً محبوساً عن الخير من قولهم "ما ثبرك عن هذا" أي ما منعك وصرفك.
وقال مجاهد وقتادة، أي هالكاً من الثبور الهلاك.
ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلاً وثبوراً وحسرة وندامة، ولهذا قال: ﴿ فأراد ﴾ أي فرعون ﴿ أن يستفزهم من الأرض ﴾ أي يستخف موسى وقومه من بسيط الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أبو بالنفي والإخراج.
والحاصل أن فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانه تحقيقاً لقوله: ﴿ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ﴾ ثم أخبر عن المعاد قائلاً ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وهو قيام الساعة ﴿ جئنا بكم ﴾ يعني معشر المكلفين كلهم ﴿ لفيفاً ﴾ جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة، وذلك لأجل الحكم والجزاء والفصل والقضاء.
ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره فقال: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ التقديم للتخصيص أي ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه.
قال جار الله: أي ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين.
وقال آخرون: الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق، ولا ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام، وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد، وعلى أصول الأديان والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل، وكل هذه الأمور تدل على المعنى المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور.
قال أبو علي الفارسي: بالباء في الموضعين بمعنى "مع" كما في قولك "خرج بسلاحه" أي أنزل القرآن مع الحق ونزل هو مع الحق.
ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى "على" كما في قولك "نزلت بزيد" فيكون الحق عبارة عن محمد لأن القرآن نزل به أي عليه ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ بالجنة ﴿ ونذيراً ﴾ من النار ليس إليك وراء هذين شيء من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه.
ثم إن القوم كأنهم من تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ وقرآناً ﴾ وهو منصوب بفعل يفسره ﴿ فرقناه ﴾ أي جعلنا نزوله مفرقاً منجماً.
وعن ابن عباس أنه قرأه مشدداً وقال: إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب.
وقال أبو عبيدة: التخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقاً.
فالفرق يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام.
وأقول: إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله وبين آخره، فرأى التشديد أولى.
ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين المدة بدليل قوله: ﴿ لتقرأه على الناس على مكث ﴾ بضم الميم أي على مهل وتؤدة ولقوله: ﴿ ونزلناه تنزيلاً ﴾ أي على حسب المصالح والحوادث.
ثم خاطب نبيه بأن يقول للمقترحين ﴿ آمنوا به أو لا تؤمنوا ﴾ وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان.
قال جار الله: قوله: ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله ﴾ إما أن يكون تعليلاً لقل على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن.
قال مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام، وفي قوله: ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ دون أن يقول "يسجدون" مبالغة من وجهين: أحدهما إنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن.
فقال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من وجهه الذقن.
قلت: هذا تصحيح للمعنى ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة.
وقال غيره.
المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله فربما سقط على الأرض مغشياً عليه.
وثانيهما أنه لم يقل "يخرون على الأذقان" كما هو ظاهر وإنما قال ﴿ للأذقان ﴾ لأن اللام للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم.
ثم حكى أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين ﴿ سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ﴾ بإنزال القرآن وبعثة محمد في كتبنا ﴿ لمفعولاً ﴾ أي منجراً "وإن" مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان، ثم ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم باكين، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل قوله ﴿ ويزيدهم ﴾ أي القرآن ﴿ خشوعاً ﴾ لين قلب ورطوبة عين، ثم أرد أن يعلمهم كيفية الخشوع والدعاء فقال: ﴿ قل ادعوا ﴾ عن ابن عباس: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن.
فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر.
وقيل: أن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت.
قال جار الله: الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين.
تقول: دعوته زيداً ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول: دعوت زيداً و "أو" للتخيير والمعنى على السبب الأول سموه بهذا الاسم أو بهذا، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا ﴿ أياماً تدعوا ﴾ يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه "وما" صلة زيدت لتأكيد الإبهام.
والضمير "في ﴿ فله ﴾ لا يرجع إلى أحد الاسمين ولكن إلى مسماهما، وكان أصل الكلام أن يقال: فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع موضعه.
قوله: ﴿ فله الأسماء الحسنى ﴾ .
لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان.
ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر "الأعراف".
ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومنه يقال: خفت صوته خفوتاً إذا انقطع كلامه أو ضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله كان يرفع صوته لعله أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعالها فهو ألح تأمل.
مصححه بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم ﴿ ولا تخافت بها ﴾ فلا تسمع أصحابك ﴿ وابتغ بين ذلك ﴾ الذي ذكر من الجهر المخافتة ﴿ سبيلاً ﴾ وسطاً، وروي أن النبي طاف بالليل دور الصحابة فكان أبو بكر يخفي صوته في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي.
وكان عمر يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان.
فأمر النبي أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض قليلاً فنزلت الآية على حسب ذلك.
وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها.
وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد أن الصلاة ههنا الدعاء.
وقد يروى هذا مرفوعاً قال الحسن: لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها، وأيضاً في الجهر إسماع غيره الذنوب وهو الموجب للتغيير والتوبيخ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ قال جار الله: ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة.
ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية التحميد بقوله: ﴿ وقل الحمد لله ﴾ الآية قال في الكشاف: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟
وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد، وأقول: الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد، فالوالد مركب وكل مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد، وأيضاً الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ومصالح تمدنه، وكل من كان كذلك كان عاجزاً بالنظر إلى ذاته، فلا يتم فيضانه فلا يستحق الحمد على الإطلاق، وهكذا حكم من كان له ولي من الذل أي اتخذ حبيباً من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة، أو الولي بمعنى الناصر أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.
وأيضاً قد يمنعه الشريك من إصابه الخير إلى أوليائه، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجاً إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه.
أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجلّ أقسام الشكر.
قال الإمام فخر الدين الرازي: التكبير أنواع منها: تكبير الله في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه.
ومنها تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال.
ومنها تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر.
قال: سمعت أن الأستاذ أبا إسحق الإسفرايني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني.
فلما رآه قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
فقال الأستاذ: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.
ومنها تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون العدالة وقضية الاستقامة.
ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا التعظيم، وكان النبي إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية والله أعلم.
التأويل: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات.
﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ تعجبوا من كون البشر رسولاً حين ظن أن الملك أعلى حالاً من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة ﴿ مأواهم جهنم ﴾ الحرص والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ باشتعال طلب شهوة أخرى ﴿ تسع آيات بينات ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الحق: والدين المعروف بداية أرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن كقوله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ {آل عمران: 103] ﴿ وبالحق نزل ﴾ التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه ﴿ إن الذين أوتوا العلم من ﴾ قبل نزوله في الأزل ﴿ إذا يتلى عليهم ﴾ في الأزل عند خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ للإجابة يقولون "بلى" ﴿ ويخرون للأذقان ﴾ في عالم الصورة يبكون.
فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد.
ثم بين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴾ أي كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسناً وهو الدعاء بالإخلاص ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ رياء وسمعة ﴿ ولا تخافت بها ﴾ أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ أي: إذ جاءهم الرسول بالهدى ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، لكن هذا على الإياس عن إيمانهم، إنهم لا يؤمنون إلا عند معاينتهم بأس الله، والإيمان في ذلك الوقت لا يقبل ولا ينفعهم.
وأما قوله: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ، فيخرج هذا القول منهم مخرج الاحتجاج: لو شاء الله أن نؤمن لأنزل ملائكة كقوله: ﴿ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً ﴾ .
ففيه يوضح الشبهة لهم أن يقولوا: هو بشر [ونحن بشر] فليس هذا أولى بالرسالة إلينا من أن نكون نحن رسلاً إليه، فذلك موضع الشبهة، فأجابهم لذلك لما استنكروا واستبعدوا بعث الرسول إليهم من جوهرهم وجنسهم، فقال: ﴿ قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ ﴾ أي: مقيمين ساكنين فيها ﴿ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً ﴾ ؛ ثم اختلف فيه.
قال بعضهم: ﴿ لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ ﴾ ، أي: لو كان سكان الأرض ملائكة، فبعث إليهم رسولاً منهم أكان لهم أن يقولوا: أَبَعَثَ اللهُ مَلَكاً رَّسُولاً، أي: أبعث الله إلينا من جوهرنا؟!
أي: ليس لهم أن يقولوا ذلك؛ فعلى ذلك إذا كان سكانها البشر ليس لهم أن يقولوا: أبعث الله إلينا من جوهرنا رسولاً.
والثاني: لو كانت الأرض مكان الملائكة، وهم سكانها، لكان لكم أن تقولوا: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ من غير جوهرنا، فأمّا إذا كانت الأرض مكان البشر، وهم سكانها، فليس لهم أن ينكروا بعث الرسول منهم ومن جوهرهم؛ لأنهم لا يعرفون الملائكة، ولا من كان من غير جوهرهم، ويعرفون من كان من جوهرهم، فبعث الرسول من جوهرهم أولى بهم من غير جوهرهم.
أو يقول: لو كان في الأرض ملائكة وبشر، فعرفوا الملائكة، لكان لهم أن يسألوا رسولاً من الملائكة لما عرفوهم، فأمّا إذا كان سكان الأرض ليسوا إلا بشراً فليس لهم أن يقولوا ذلك؛ لأنهم لم يعرفوا قوى الملائكة، ولا قوى الجن، وقد عرفوا قوى البشر فيعرفون الآيات والحجج من التمويهات إذ عرفوا قواهم ولم يعرفوا قوى الملائكة والجنّ؛ فلا يعرفون ما أقاموا أنها آيات وحجج، أو كان ذلك بقواهم، ويعرفون ذلك من البشر إذا خرجت من احتمال وسعهم وقواهم.
وبعد فإنهم قد أقروا برسالة البشر؛ لأنهم لا يعرفون الملائكة إلا بخبر من البشر أنه ملك؛ إذ لم يكن [لهم خلطة معهم] ليعرفوهم؛ وإنما يعرفونهم بخبر من البشر: أنه ملك؛ فليس لهم أن ينكروا رسالة البشر.
وأصله ما قال: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً ﴾ ؛ لما ذكرنا أنهم لا يعرفون الملائكة، ومَن كان من غير جوهرهم؛ فلا بدّ من أن يكون رجلاً، فكان في ذلك تلبيس عليهم على ما أخبر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: كفى بما أقام الله من الآيات والحجج على رسالتي وأني رسول إليكم؛ إذ كان ذلك [في قول كان] من أولئك الكفرة من إنكار الرسالة.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون على الإياس من إيمانهم كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا...
﴾ ، الآية [الشورى: 15].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ .
يذكر هذا - والله أعلم - بأنه - عن علم بإجابتهم وردّهم - بعثه إليهم رسولاً لا عن جهل بأحوالهم، وليس فيما يعلم أنهم يردون، ولا يجيبون رسله خروج عن الحكمة؛ لأنه ليس في إجابتهم منفعة للرسل، ولا في ردّهم ضرر له، وإنما المنفعة في الإجابة لهم، وفي الردّ الضرر عليهم؛ لذلك لم يكن في بعث الرسل على علم منه بالردّ خروجاً عن الحكمة [وفي الشاهد كان خروجاً عن الحكمة؛ لأن]؛ في الشاهد إنما يبعث الرسول لمنفعة تتأمّل وتصل إليه أو دفع ضرر عنه، فإذا علم أنه يرد رسالته، ولا يجيب، كان في بعث الرسول إليه بعد علمه بالردّ خروج من الحكمة.
أو يخرج قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ على الوعيد، وكذلك أمثاله.
وإن احتج علينا بعض المعتزلة بقوله: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ ، يقولون له: منعنا القضاء والقدر؛ إذ من قولهم: إن ما يفعل الإنسان من فعل أو معصية أو طاعة، فإنما يفعل بقضائه وتقديره؛ فيكون لهم الاحتجاج عليه بأن يقولوا: منعنا قضاؤك وتقديرك.
لكن هذا فاسد؛ لأنهم لا يفعلون هم ما يفعلون عند وقت فعلهم لأن الله - - قضى ذلك وقدر، ولو جاز لهم [هذا] الاحتجاج لأنه كذلك قضى وقدر، فإذا كانوا هم عند أنفسهم لا يفعلون ما يفعلون؛ لأنه كذلك قضى وقدر، لم يكن لهم الاحتجاج عليه بذلك؛ لأن القضاء والقدر، لم يضطرهم إلى ذلك، ولا قهرهم عليه، بل كان غيره ممكناً لهم؛ لذلك لم يكن لهم الاحتجاج [عليه بذلك؛ لأن القضاء] بهذا أعني بالقضاء والقدر، لكان لهم الاحتجاج عليه - أيضاً - بالعلم؛ إذ لا شك أنه علم ذلك منهم، فإذا لم يكن الاحتجاج عليه بما علم منهم ذلك؛ إذ لا يقدرون أن يفعلوا غير الذي علم منهم، فعلى ذلك لم يكن الاحتجاج عليه بالقضاء والقدر [لأن القضاء والقدر] لما علم أنه يختار ذلك ويؤثره على ضدّه لجاز ذلك لهم بالعلم ونحوه، دلّ أن ذلك ليس بشيء لما قضى ذلك عليهم وقدر، وإذا كانوا هم عند أنفسهم لا يفعلون وقت فعلهم؛ لما كذلك قضى عليهم؛ فلم يكن الاحتجاج لهم عليه بذلك؛ إذ القضاء والقدر لم يمنعهم عن ذلك لما لا يضطرون على ذلك، وإنما قضى ذلك لما علم أنهم يفعلون ويختارون ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا، وكذلك كل من قضى في الشاهد على آخر إنما يقضي؛ لما سبق منه العلم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ﴾ .
أي: من وفقه لقبول ما كان من الهدى وعصمه عما وسوس إليه الشيطان، فهو المهتدي عند الله وعند من عقل الهدى، ﴿ وَمَن يُضْلِلْ ﴾ ، أي: من خذله ولم يعصمه حتى يقبل من الشيطان ما جاء من وساوسه هو ضال.
﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ ﴾ .
يحتمل: لن تجد لهم أولياء من دونه يهدونهم لدينهم ويوفقونهم.
أو لن تجد لهم أولياء ينصرونهم من دونه، ويدفعون عنهم ما نزل بهم من العذاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ .
قال الحسن: يحاسبون حتى يعلموا سوء صنيعهم الذي صنعوا في الدنيا، ثم يحشرون إلى جهنم ما ذكر عمياً وبكماً وصمّاً، أو كلام نحو هذا.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ما ذكر في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ...
﴾ الآية [الزمر: 24]، إنما يتقي بوجهه؛ لما تكون أيديهم مغلولة إلى أعناقهم، وقوله: ﴿ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أسماهم: عمياً وبكماً وصمّاً لذهاب منافع هذه الحواس ولذاتها في الآخرة، ليس على حقيقة ذهابها، لكن حال بينهم وبين الانتفاع بها ما ذكر لهم: ﴿ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ...
﴾ الآية [الزمر: 16]، فتلك الظلل تحول بينهم وبين رؤية الأشياء.
وسماهم في الدنيا: عمياً وبكماً وصمّاً ليس على حقيقة ذهاب أعينها، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الحواس في الدنيا، ولم يستعملوها فيما أمروا باستعمالها - نفى ذلك عنهم، فعلى ذلك في الآخرة.
ويحتمل على حقيقة ذهاب أعين هذه الحواس؛ عقوبة لما لم يستعملوها في الدنيا لما له خلقت، كقوله: ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ .
أي: مقامهم جهنم، وإليها يأوون.
وقوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ [اختلف فيه: قال الحسن: قوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ ﴾ ، أي: كلما خبا لهبها، وسكن ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ] قال: يخمد لهبها من غير أن يذهب وجع ما أصابهم، ثم يزداد لهم سعيراً.
[و] قال بعضهم: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ ، أي: نضجت جلودهم، وسكنت النار ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ، أي: نعود بنار على ما كانت، وجعلت تلتهب، وتستعر؛ كقوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: وذلك أن النار إذا أكلتهم فلم يبق منهم غير العظام وصاروا فحماً، سكنت النار؛ فهو الخبت، ثم بدلوا جلوداً غيرها، فتكون وقوداً لها، والله أعلم، وكله واحد.
وقال بعضهم: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ ، أي: كلما أحرقتهم النار، فصاروا رماداً، خلقوا لها خلقاً جديداً، فتعاودهم النار فتحرقهم، وذلك قوله: ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ، وهو قول الله: ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ﴾ لا تبقي منهم شيئاً إذا أخذت حتى تحرقهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ جَزَآؤُهُم ﴾ .
أي: ذلك الذي ذكر جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا، وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً، ثم قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ .
أي: أو لم يعتبروا، ولم ينظروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم.
هذا الاعتبار يحتمل وجهين: أحدهما: أنكم تقرّون: أن الله هو خالق السماوات والأرض، وخالقكم، فخلق السماوات والأرض على الابتداء، وخلق سائر الخلائق على الابتداء بلا احتذاء، تقدم وسبق - أعظم وأكبر من خلق من دونه، فمن قدر على إنشاء ذلك، فهو على إنشاء أمثالكم وإعادتكم أقدر، وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من ابتدائه.
والثاني: تعلمون أنه خلق السماوات والأرض، وخلقكم أيضاً، فلم يخلقهما للفناء خاصة؛ إذ خلق الشيء للفناء خاصة لا لعاقبة عبث ولعب؛ فدلّ أنه خلقكم، وخلق السماوات والأرض؛ لعاقبة، وهي البعث.
وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أنه كائن لا محالة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ جواباً لما استعجلوا من العذاب، فقال: وجعل لهم أجلاً لا يتقدم عنه ولا يتأخر.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
الموت الذي به تنقضي آجالهم، لكنه لم يخلقهم للموت خاصّة ولكن للعاقبة، وهو ما ذكرنا.
وقال القتبي: "خبت" أي: سكنت: [يقال: خبت] إذا سكن لهبها تخبو، فإذا سكن لهبها ولم يطفأ الجمر، قلت: خمدت تخمد خموداً، فإذ طفئت، ولم يبق منها شيء، قيل: همدت تهمد هموداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ .
أي: ناراً تتسعر، أي: تتلهب.
وقال أبو عوسجة: "السعير": النار، يقال: سعرت النار: إذا أوقدتها، ويقال: نار مسعورة، أي: موقدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً ﴾ .
أي: كفراً بالبعث، [و] "الظالمون" هاهنا هم الكافرون، ولو قال: فأبى الكافرون إلا ظلموا، ما كان واحداً.
وقوله عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ ﴾ .
تحتمل الآية وجوهاً: قال بعضهم: هي صلة ما تقدم من أسئلتهم، وهو قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ .
كانوا يسألون هذه الأشياء على التعنت والعناد والاستهزاء، فأخبر أنّه وإن أعطاهم ما سألوا لا ينفقون، بل يمسكون عن الإنفاق، ومن سنته: أنه إذا أعطاهم ما سألوا على السؤال، فتركوا الإيمان به والوفاء -: أنهم يهلكون، فأخبر أنهم يسألون سؤال تعنت، لا سؤال ما يتوسعون بها.
وفي الآية إثبات الرسالة؛ وهو ما بين من بخلهم وإمساكهم عن الإنفاق.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ ﴾ في قوم خاص يعلم الله أنهم لو أعطوا ما سألوا لفعلوا ما ذكر، لا في كل منهم، وهو كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ...
﴾ الآية [البقرة: 6]، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ﴾ الآية [الأنعام: 111]، كان في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون فعلى ذلك الأوّل.
ويحتمل أن تكون الآية في قوم ضمنوا آية الإنفاق والتوسيع، وعاهدوا الله على ذلك إن وسع عليهم، فأخبر أنهم لا يوفون ما عاهدوه وضمنوا؛ كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ الآية [التوبة: 75].
ويحتمل أن يكون هذا إخباراً منه عن طبع الخلق وعادتهم: وذلك أنهم إذا استكثروا من الأموال وجمعوا يزداد لهم بذلك حرص على جمعها، وبخل على التوسيع والإنفاق ما لم يكن قبل الجمع والاستكثار، هذا [هو] المعروف في الناس، فأخبر أنهم يمسكون عن الإنفاق والتوسيع إذا ملكوا ما ذكر على ما طبع الإنسان بالبخل والتضييق عند الاستكثار ما لم يكن قبل ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا صفة كل كافر، وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾ و ﴿ مَنُوعاً ﴾ يكون عادتهم البخل والجزع عند المصائب.
وجائز أن يكون هذا صفة كل إنسان في الابتداء هكذا يكون، ثم بالامتحان والتجربة، يكونون أسخياء صابرين.
أو يكون يخبر أنهم لو ملكوا وأعطوا جميع ما يرزقون في عمرهم على التفاريق بدفعة واحدة مجموعاً، لأمسكوا عن الإنفاق؛ خشية الفقر في آخر عمرهم؛ إذ لا يعلمون إلى ما ينتهون من آجالهم؛ فيحملهم ذلك على البخل والإمساك.
أو يذكر لما أنه جبلهم، وأنشأهم على الإمساك والمنع في الابتداء، وإن لم تكن حاجة لهم إلى ذلك: ترى الصبيان والصغار من الأولاد يمنعون ما في أيديهم عن غيرهم وإن لم يكن لهم حاجة إلى ذلك، هذا معروف فيهم، وإنما جبلهم وأنشأهم هكذا؛ ليمتحنهم بالجود والتوسيع، والبخل والتضييق، وإلا كانوا في أصل خلقتهم وابتداء إنشائها على ما ذكر أشحة بخلاء وهو [ما أخبر] ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾ و ﴿ جَزُوعاً ﴾ ، و ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾ أنشأهم جزوعين عن الألم والمصائب غير صابرين عليها، وكذلك أنشأهم عجولين لا يصبرون على أمر واحد، ولا حال واحد.
ثم امتحنهم على الصبر، وترك الجزع والعجلة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً ﴾ أي: طمعاً بخيلاً ممسكاً مضيقاً، والله أعلم.
ثم ترك ذلك بالامتحان واعتياد ذلك، وخلافه.
<div class="verse-tafsir"
ومن يوفقه الله للهداية فهو المهتدي حقًّا، ومن يخذله عنها ويضلّه فلن تجد -أيها الرسول- لهم أولياء يهدونهم إلى الحق، ويدفعون عنهم الضر، ويجلبون لهم النفع، ونحشرهم يوم القيامة يُسْحبون على وجوههم لا يبصرون ولا ينطقون ولا يسمعون، منزلهم الذي يأوون إليه جهنم، كلما سكن لهيبها زدناهم اشتعالًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.1vYZJ"