الآية ٩٨ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٩٨ من سورة الإسراء

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًا ٩٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٨ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٨ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : هذا الذي جازيناهم به ، من البعث على العمى والبكم والصمم ، جزاؤهم الذي يستحقونه ؛ لأنهم كذبوا ) بآياتنا ) أي بأدلتنا وحججنا ، واستبعدوا وقوع البعث ) وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا ) بالية نخرة ) أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ) أي : بعد ما صرنا إلى ما صرنا إليه من البلى والهلاك ، والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية ؟

فاحتج تعالى عليهم ، ونبههم على قدرته على ذلك ، بأنه خلق السماوات والأرض ، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك كما قال : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) [ غافر : 57 ] وقال ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ) [ الأحقاف : 33 ] وقال ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) [ يس : 81 ، 83 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصفنا من فعلنا يوم القيامة بهؤلاء المشركين، ما ذكرت أنا نفعل بهم من حشرهم على وجوههم عميا وبكما وصما، وإصلائنا إياهم النار على ما بيَّنا من حالتهم فيها ثوابهم بكفرهم في الدنيا بآياتنا، يعني بأدلته وحججه، وهم رسله الذين دعوهم إلى عبادته، وإفرادهم إياه بالألوهة دون الأوثان والأصنام، وبقولهم إذا أُمروا بالإيمان بالميعاد، وبثواب الله وعقابه في الآخرة ( أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا ) بالية ( وَرُفَاتًا ) قد صرنا ترابا( أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ) يقولون: نُبعث بعد ذلك خلقا جديدا .

كما ابتدأناه أوّل مرّة في الدنيا استنكارا منهم لذلك، واستعظاما وتعجبا من أن يكون ذلك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديداذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا أي ذلك العذاب جزاء كفرهم .وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أي ترابا .أئنا لمبعوثون خلقا جديدا فأنكروا البعث

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا } أي: لا يكون هذا لأنه في غاية البعد عن عقولهم الفاسدة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ) فأجابهم الله تعالى فقال : ( أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا» منكرين للبعث «أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذا الذي وُصِف من العذاب عقاب للمشركين؛ بسبب كفرهم بآيات الله وحججه، وتكذيبهم رسله الذين دَعَوْهم إلى عبادته، وقولهم استنكارًا - إذا أُمروا بالتصديق بالبعث -: أإذا متنا وصِرْنا عظامًا بالية وأجزاءً متفتتة نُبعث بعد ذلك خَلْقًا جديدًا؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - عز وجل - : ( ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ) بيان للأسباب التى أفضت بهم إلى تلك العاقبة السيئة .أى : ذلك الذى نزل بهم من العذاب الشديد ، المتمثل فى حشرهم على وجوههم وفى اشتعال النار بهم ، سببه أنهم كفروا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وقالوا بإنكار وجهالة : أئذا كنا عظامًا نخرة ، ورفاتا أى وصارت أجسادنا تشبه التراب فى تفتتها وتكسرها ، أئنا بعد ذلك لمعادون إلى الحياة ومبعوثون على هيئة خلق جديد .فالآية الكريمة تحكى تصميمهم على الكفر ، وإنكارهم للبعث والحساب إنكارًا لا مزيد عليه ، لذا كانت عقوبتهم شنيعة ، وعذابهم أليمًا .

فقد سلط الله - تعالى - عليهم النار تأكل أجزاءهم ، وكلما سكن لهيبها ، أعادها الله - تعالى - ملتهبة مشتعلة على جلود أخرى لهم ، كما قال - تعالى -( إِنَّ الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب .

.

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة وأردفها بالوعيد الإجمالي وهو قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا  ﴾ ذكر بعده الوعيد الشديد على سبيل التفصيل، أما قوله: ﴿ مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ ﴾ فالمقصود تسلية الرسول وهو أن الذين سبق لهم حكم الله بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال واستحال أن يوجد من يصرفهم عن ذلك الضلال، واحتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم في الهدى والضلال والمعتزلة حملوا هذا الإضلال تارة على الإضلال عن طريق الجنة وتارة على منع الألطاف وتارة على التخلية وعدم التعرض له بالمنع وهذه المباحث قد ذكرناها مراراً فلا فائدة في الإعادة، أما قوله تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ﴾ فإن قيل كيف يمكنهم المشي على وجوههم قلنا الجواب من وجهين: الأول: إنهم يسحبون على وجوههم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ  ﴾ .

الثاني: روى أبو هريرة قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟

قال: إن الذي يمشيهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، قال حكماء الإسلام الكفار أرواحهم شديدة التعلق بالدنيا ولذاتها وليس لها تعلق بعالم الأبرار وحضرة الإله سبحانه وتعالى فلما كانت وجوه قلوبهم وأرواحهم متوجهة إلى الدنيا لا جرم كان حشرهم على وجوههم، وأما قوله: ﴿ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ﴾ فاعلم أن واحداً قال لابن عباس رضي الله عنه: أليس أنه تعالى يقول: ﴿ وَرَأَى المجرمون النار  ﴾ وقال: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً  ﴾ وقال: ﴿ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً  ﴾ وقال: ﴿ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا  ﴾ وقال حكاية عن الكفار: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ويسمعون ويتكلمون فكيف قال هاهنا: ﴿ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ﴾ أجاب ابن عباس وتلامذته عنه من وجوه: الأول: قال ابن عباس عمياً لا يرون شيئاً يسرهم صماً لا يسمعون شيئاً يسرهم بكماً لا ينطقون بحجة.

الثاني: قال في رواية عطاء عمياً عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه بكماً عن مخاطبة الله ومخاطبة الملائكة المقربين صماً عن ثناء الله تعالى على أوليائه.

الثالث: قال مقاتل إنه حين يقال لهم: ﴿ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ  ﴾ يصيرون عمياً بكماً صماً، أما قبل ذلك فهم يرون ويسمعون وينطقون.

الرابع: أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف ولولا ذلك لما قدروا على أن يطالعوا كتبهم ولا أن يسمعوا إلزام حجة الله عليهم إلا أنهم إذا أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار جعلهم الله عمياً وبكماً وصماً.

والجواب: أن الآيات السابقة تدل على أنهم في النار يبصرون ويسمعون ويصيحون، أما قوله تعالى: ﴿ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ فظاهر، وأما قوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: قال الواحدي الخبو سكون النار، يقال: خبت النار تخبوا إذا سكن لهبها ومعنى خبت سكنت وطفئت يقال في مصدره الخبو وأخبأها المخبئ إخباء أي أخمدها ثم قال: ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ قال ابن قتيبة زدناهم سعيراً أي تلهباً.

البحث الثاني: لقائل أن يقول إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب وقوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ يدل على أن العذاب يخف في ذلك الوقت قلنا كلما خبت يقتضي سكون لهب النار، أما لا يدل هذا على أنه يخف العذاب في ذلك الوقت.

البحث الثالث: قوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ ظاهره يقتضي وجوب أن تكون الحالة الثانية أزيد من الحالة الأولى وإذا كان كذلك كانت الحالة الأولى بالنسبة إلى الحالة الثانية تخفيفاً.

والجواب: الزيادة حصلت في الحالة الأولى أخف من حصولها في الحالة الثانية فكان العذاب شديداً ويحتمل أن يقال لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في أوقاته غير مشعور به نعوذ بالله منه ولما ذكر تعالى أنواع هذا الوعيد قال: ﴿ ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ ﴾ والباء في قوله: ﴿ بأنهم كفروا ﴾ باء السببية وهو حجة لمن يقول العمل علة الجزاء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَن يَهْدِ الله ﴾ ومن يوفقه ويلطف به ﴿ فَهُوَ المهتدى ﴾ لأنه لا يلطف إلا بمن عرف أن اللطف ينفع فيه ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ﴾ ومن يخذل ﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء ﴾ أنصاراً ﴿ على وُجُوهِهِمْ ﴾ كقوله: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ ﴾ [القمر: 48] .

وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يمشون على وجوههم قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم» ﴿ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ﴾ كما كانوا في الدنيا، لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق، ويتصامّون عن استماعه، فهم في الآخرة كذلك: لا يبصرون ما يقرّ أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم.

ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.

ويجوز أن يحشروا مؤقي الحواس من الموقف إلى النار بعد الحساب، فقد أخبر عنهم في موضع آخر أنهم يقرؤن ويتكلمون ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ كما أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن لهبها، بدلوا غيرها، فرجعت ملتهبة مستعرة، كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها ثم يعيدها، ولا يزالون على الإفناء والإعادة، ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث؛ ولأنه أدخل في الانتقام من الجاحد، وقد دل على ذلك بقوله ﴿ ذَلِكَ جَزَاؤُهُم ﴾ إلى قوله ﴿ أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ﴾ يَهْدُونَهُ.

﴿ وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ يُسْحَبُونَ عَلَيْها أوْ يَمْشُونَ بِها.

رُوِيَ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ  كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ قالَ: إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» ﴿ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ لا يُبْصِرُونَ ما يُقِرُّ أعْيُنَهم ولا يَسْمَعُونَ ما يُلِذُّ مَسامِعَهم ولا يَنْطِقُونَ بِما يُقْبَلُ مِنهم، لِأنَّهم في دُنْياهم لَمْ يَسْتَبْصِرُوا بِالآياتِ والعِبَرِ وتَصامُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وأبَوْا أنْ يَنْطِقُوا بِالصِّدْقِ، ويَجُوزَ أنْ يُحْشُرُوا بَعْدَ الحِسابِ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ مُؤَفِّي القُوى والحَواسِّ.

﴿ مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ ﴾ سَكَنَ لَهَبُها بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهم ولُحُومَهم.

﴿ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ تَوَقُّدًا بِأنْ نُبَدِّلَ جُلُودَهم ولُحُومَهم فَتَعُودُ مُلْتَهِبَةً مُسْتَعِرَةً، كَأنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِالإعادَةِ بَعْدَ الإفْناءِ جَزاهُمُ اللَّهُ بِأنْ لا يَزالُوا عَلى الإعادَةِ والإفْناءِ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ لِأنَّ الإشارَةَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عَذابِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوآ أَئذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} أي ذلك العذاب بسبب أنهم كذبوا بالإعادة بعد الإفناء فجعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها ثم يعيدها لا يزالون على ذلك ليزيد في تحسرهم على تكذيبهم البعث

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ العَذابُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا أوْ إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن حَشْرِهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا إلَخْ، والمَفْهُومُ مِمّا ذَكَرْنا مُنْدَرِجٌ فِيهِ.

﴿ جَزاؤُهم بِأنَّهُمْ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿ كَفَرُوا بِآياتِنا ﴾ القُرْآنِيَّةِ والآفاقِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الإعادَةِ دَلالَةً واضِحَةً أوْ عَلى صِحَّةِ ما أرْسَلْناكَ بِهِ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ ما ذُكِرَ، ( وذَلِكَ ) مُبْتَدَأٌ وجَزاؤُهم خَبَرُهُ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وحُوِّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿ جَزاؤُهُمْ ﴾ مُبْتَدَأً ثانِيًا والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ: ﴿ جَزاؤُهُمْ ﴾ بَدَلًا مِن ذَلِكَ أوْ بَيانًا والخَبَرُ هو الظَّرْفُ، وقِيلَ: ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿ وقالُوا ﴾ مُنْكِرِينَ أشَدَّ الإنْكارِ ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا ﴾ هو في الأصْلِ كَما قالَ الرّاغِبُ كالفُتاتِ ما تَكَسَّرَ وتَفَرَّقَ مِنَ التِّبْنِ والمُرادُ هُنا بالِينَ مُتَفَرِّقِينَ ﴿ أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ أيْ: لَمَبْعُوثُونَ بَعْثًا جَدِيدًا وإمّا حالٌ أيْ مَخْلُوقِينَ مُسْتَأْنَفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، أي: من يكرمه الله تعالى بالإسلام ويوفقه، فَهُوَ على الهدى والصواب.

قرأ نافع وأبو عمرو الْمُهْتَدِي بالياء عند الوصل، وقرأ الباقون بغير ياء.

وَمَنْ يُضْلِلْ، أي يخذله عن دينه، فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ، أي يهدونهم من الضلالة.

وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ، أي نبعثهم يوم القيامة ونسوقهم منكبين على وجوههم، يسحبون عليها عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا عن الهدى، ويقال: في ذلك الوقت يكونون عمياً وبكماً وصماً كما وصفهم.

مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، أي: مصيرهم إلى جهنم كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً يقول: كلما سكن لهبها ولم تجد شيئاً تأكله، زِدْناهُمْ سَعِيراً، أي وقوداً، وأعيدوا خلقاً جديداً.

قال مقاتل: أن النار إذا أكلتهم فلم تبق منهم غير عظام وصاروا فحماً، سكنت النار فهو الخبو.

يقال: أخبت النار إذا سكن اللهب، وإذا بقي في جمرها شيء، ويقال: خمدت وانطفأت ثم بدلوا جلوداً غيرها، فتشتعل وتسعر عليهم، فذلك قوله تعالى: زِدْناهُمْ سَعِيراً وقال أهل اللغة: وإذا لم يبق من جمرها شيء، يقال همدت.

ثم قال تعالى: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ، أي ذلك العذاب عقوبتهم وجزاء أعمالهم.

بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا، أي بمحمد  والقرآن وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً، أي ترابا.

أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً بعد الموت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

علوًّا، ويحتمل أن يريد السماء المعروفَة، وهو أظهر.

ت: وذكر ع «١» هنا كلماتٍ الواجبُ طرحها، ولهذا أعرضت عنها، وتَرْقى معناه تصعد، ويروى أن قائل هذه المقالة هو عبدُ اللَّهِ بْنُ أبي أميَّةِ، ويروى أن جماعتهم طلبَتْ هذه النْحوَ منه، فأمره عزَّ وجلَّ أن يقول: سُبْحانَ رَبِّي، أي: تنزيهاً له من الإِتيان إِليكم مع الملائكةِ قبيلاً، ومن اقتراحِي أنا عليه هذه الأشياءَ، وهل أنا إِلا بشر، إِنما عليَّ البلاغ المبين فقطْ.

وقوله: مُطْمَئِنِّينَ، أي: وادعين فيها مقيمين.

قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨)

وقوله سبحانه: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ روي أن من تقدَّم الآن ذكرهم من قريش، قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في آخر قولهم: فَلْتَجِىءْ مَعَكَ بطائفةٍ من الملائكة تَشْهَدُ لك بِصِدْقك في نبوَّتك، وروي أنهم قالوا: فمن يشهدُ لك؟

ففي ذلك نزلَتِ الآية، أي: اللَّه يشهد بيني وبينكم، ثم أخبر سبحانه أنه يحشرهم على الوُجُوه حقيقةً، وفي هذا المعنى حديثٌ، «قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَمْشِي الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟

قال: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ في الدُّنْيَا عَلَى رِجْلَيْنِ قَادِراً عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ/ في الآخِرَةِ عَلَى وَجهِهِ «٢» ؟» قال قتادة: بَلَى، وَعِزَّةِ رَبِّنا «٣» .

ت: وهذا الحديثُ قد خرَّجه الترمذيُّ من طريق أبي هريرة، قال: قال رسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَة عَلَى ثَلاَثَةِ أَصْنَافٍ: ركبانا، ومشاة، وعلى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ في الوَصْلِ، وحَذَفاها في الوَقْفِ.

وأثْبَتَها يَعْقُوبُ في الوَقْفِ، وحَذَفَها الأكْثَرُونَ في الحالَتَيْنِ.

﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن يُرِدِ اللَّهُ هُداهُ ﴿ فَهُوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ﴾ يَهْدُونَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُمَشِّيهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ، وشاهِدُهُ ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " صَحِيحَيْهِما " مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللهِ  : كَيْفَ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟

قالَ: " إنَّ الَّذِي أمْشاهُ عَلى رِجْلَيْهِ في الدُّنْيا، قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيهِ عَلى وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ» " .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ونَحْشُرُهم مَسْحُوبِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: نَحْشُرُهم مُسْرِعِينَ مُبادِرِينَ، فَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ عَنِ الإسْراعِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ مَرَّ القَوْمُ عَلى وُجُوهِهِمْ: إذا أسْرَعُوا، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمْيًا لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ، وبُكْمًا لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، وصُمًّا لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ في رِوايَةٍ: عُمْيًا عَنِ النَّظَرِ إلى ما جُعِلَ لِأوْلِيائِهِ، وبُكْمًا عَنْ مُخاطَبَةِ اللَّهِ، وصُمًّا عَمّا مَدَحَ بِهِ أوْلِياءَهُ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ هَذا الحَشْرَ في بَعْضِ أحْوالِ القِيامَةِ بَعْدَ الحَشْرِ الأوَّلِ.

قالَ مُقاتِلٌ: هَذا يَكُونُ حِينَ يُقالُ لَهُمْ: ﴿ اخْسَئُوا فِيها  ﴾ ، فَيَصِيرُونَ عُمْيًا بُكْمًا صُمًّا، لا يَرَوْنَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما خَبَتْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: سَكَنَتْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ أنَّها تَأْكُلُهُمْ، فَإذا لَمْ تُبْقِ مِنهم شَيْئًا وصارُوا فَحْمًا ولَمْ تَجِدْ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، سَكَنَتْ، فَيُعادُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، فَتَعُودُ لَهم.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَبَتِ النّارُ: إذا سَكَنَ لَهَبُها، فاللَّهَبُ يَسْكُنُ، والجَمْرُ يَعْمَلُ، فَإنْ سَكَنَ اللَّهَبُ، ولَمْ يُطْفَإ الجَمْرُ، قِيلَ: خَمَدَتْ تَخْمُدُ خُمُودًا، فَإنْ طُفِئَتْ ولَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ، قِيلَ: هَمَدَتْ تَهْمَدُ هُمُودًا.

ومَعْنى ﴿ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ : نارًا تَتَسَعَّرُ؛ أيْ: تَتَلَهَّبُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الإسْراءِ: ٤٩ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: عَلى أنْ يَخْلُقَهم مَرَّةً ثانِيَةً، وأرادَ بِـ " مِثْلَهم " إيّاهُمْ، وذَلِكَ أنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ مُساوٍ لَهُ، فَجازَ أنْ يُعَبِّرَ بِهِ عَنْ نَفْسِ الشَّيْءِ، يُقالُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ هَذا؛ أيْ: أنْتَ، ومَثَلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ  ﴾ .

وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " مِثْلَهم "، ثُمَّ قالَ: ﴿ وَجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ يَعْنِي: أجَلَ البَعْثِ، ﴿ فَأبى الظّالِمُونَ إلا كُفُورًا ﴾ ؛ أيْ: جُحُودًا بِذَلِكَ الأجَلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ تَمْلِكُونَ أنْتُمْ، قالَ المُتَلَمِّسُ: ولَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي نَصَبْتُ لَهم فَوْقَ العَرانَيْنَ مَيْسَمًا المَعْنى: لَوْ أرادَ غَيْرُ أخْوالِي.

وَفِي هَذِهِ الخَزائِنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ الأرْزاقِ.

والثّانِي: خَزائِنُ النِّعَمِ، فَيَخْرُجُ في الرَّحْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ.

والثّانِي: النِّعْمَةُ.

وتَحْرِيرُ الكَلامِ: لَوْ مَلَكْتُمْ ما يَمْلِكُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأمْسَكْتُمْ عَنِ الإنْفاقِ خَشْيَةَ الفاقَةِ.

﴿ وَكانَ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ، ﴿ قَتُورًا ﴾ ؛ أيْ: بَخِيلًا مُمْسِكًا، يُقالُ: قَتَرَ يَقْتُرُ، وقَتَرَ يَقْتِرُ: إذا قَصَّرَ في الإنْفاقِ.

وقالَ الماوَرْدِيُّ: لَوْ مَلَكَ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ مِن خَزائِنِ اللَّهِ تَعالى، لَما جادَ كَجُودِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لا بُدَّ أنْ يُمْسِكَ مِنهُ لِنَفَقَتِهِ ومَنفَعَتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَخافُ الفَقْرَ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ في جُودِهِ عَنِ الحالَيْنِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ إنْكارَ فِرْعَوْنَ آَياتِ مُوسى، تَشْبِيهًا بِحالِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ ﴾ وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى المُعْجِزاتِ والدَّلالاتِ، ثُمَّ اتَّفَقَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى سَبْعِ آَياتٍ مِنها، وهِيَ: يَدُهُ، والعَصا، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقَمْلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، واخْتَلَفُوا في الآَيَتَيْنِ الآَخِرَتَيْنِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُما لِسانُهُ والبَحْرُ الَّذِي فُلِقَ لَهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، يَعْنِي بِلِسانِهِ: أنَّهُ كانَ فِيهِ عُقْدَةٌ فَحَلَّها اللَّهُ تَعالى لَهُ.

والثّانِي: البَحْرُ والجَبَلُ الَّذِي نَتَقَ فَوْقَهُمْ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: السُّنُونُ ونَقْصُ الثَّمَراتِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: السُّنُونُ ونَقْصُ الثَّمَراتِ آَيَةٌ واحِدَةٌ.

والرّابِعُ: البَحْرُ والمَوْتُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ ووَهْبٌ.

والخامِسُ: الحَجَرُ والبَحْرُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والسّادِسُ: لِسانُهُ وإلْقاءُ العَصا مَرَّتَيْنِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والسّابِعُ: البَحْرُ والسُّنُونُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والثّامِنُ: ذَكَرَهُ [ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ ] مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا، فَذَكَرَ السَّبْعَ الآَياتِ الأُولى، إلّا أنَّهُ جَعَلَ مَكانَ يَدِهِ البَحْرَ، وزادَ الطَّمْسَةَ والحَجَرَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها آَياتُ الكِتابِ، رَوى أبُو داوُدَ السِّجِسْتانِيُّ مِن حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ، «أنَّ يَهُودِيًّا قالَ لِصاحِبِهِ: تَعال حَتّى نَسْألَ هَذا النَّبِيَّ، فَقالَ الآَخَرُ: لا تَقُلْ: إنَّهُ نَبِيٌّ، فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَ ذَلِكَ، صارَتْ لَهُ أرْبَعَةُ أعْيُنٍ؛ فَأتَياهُ، فَسَألاهُ عَنْ تِسْعِ آَياتٍ بَيِّناتٍ، فَقالَ: " لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وَلا تَزْنُوا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِالبَرِيءِ إلى السُّلْطانِ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَسْحَرُوا، ولا تَقْذِفُوا المُحْصَناتِ، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةً يَهُودُ ألّا تَعْدُوا في السَّبْتِ "، قالَ: فَقَبَّلا يَدَهُ، وقالا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ.» <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أولِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ رُوِيَ أنَّ المَلَأ مِن قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  المَقالاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، مِن عَرْضِ المُلْكِ عَلَيْهِ والغِنى وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالُوا لَهُ في آخِرِ قَوْلِهِمْ: فَلْتَجِئْ مَعَكَ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ تَشْهَدُ لَكَ بِصِدْقِكَ في نُبُوَّتِكَ.

قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: فَمَن يَشْهَدُ لَكَ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى أقْوالِهِمْ إنَّما هو طَلَبُ شَهادَةٍ دُونَ أنْ يَذْكُرُوها، فَفي ذَلِكَ نَزَلَتِ الآيَةُ، أيِ: اللهُ يَشْهَدُ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ، الَّذِي لَهُ الخَبَرُ والبَصَرُ بِجَمِيعِنا، صادِقَنا وكاذِبِنا.

ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ إلى خَلْقِ اللهِ واخْتِراعِهِ الهُدى والضَلالَ في قُلُوبِ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ بِيَدِي مِن أمْرِكم أكْثَرُ مِنَ التَبْلِيغِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أولِياءَ مِن دُونِهِ ﴾ وعِيدٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم يُحْشَرُونَ عَلى الوُجُوهِ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، وهَذا قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هي اسْتِعاراتٌ، إمّا لِأنَّهم مِنَ الحَيْرَةِ والهَمِّ والذُهُولِ يُشْبِهُونَ أصْحابَ هَذِهِ الصِفاتِ، وإمّا مِن حَيْثُ لا يَرَوْنَ ما يَسُرُّهُمْ، ولا يَسْمَعُونَ، ولا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ.

وقِيلَ: هي حَقِيقَةٌ كُلُّها، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، ثُمَّ يَرُدُّ اللهُ تَعالى إلَيْهِمْ أبْصارَهم وسَمْعَهم ونُطْقَهُمْ، فَعِنْدَ رَدِّ ذَلِكَ إلَيْهِمْ يَرَوْنَ النارَ، ويَسْمَعُونَ زَفِيرَها، ويَتَكَلَّمُونَ بِكُلِّ ما حُكِيَ عنهم في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ لِلْمُنْصَرِفِ عن أمْرٍ خائِفًا مَهْمُومًا: انْصَرَفَ عَلى وجْهِهِ، ويُقالُ لِلْبَعِيرِ: كَأنَّما يَمْشِي عَلى وجْهِهِ، ومَن قالَ ذَلِكَ في الآيَةِ حَقِيقَةً قالَ: أقْدَرَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى النَقْلَةِ عَلى الوُجُوهِ، كَما أقْدَرَهم في الدُنْيا عَلى النَقْلَةِ عَلى الأقْدامِ، وفي هَذا المَعْنى حَدِيثٌ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَمْشِي الكافِرُ عَلى وجْهِهِ؟

قالَ: "ألَيْسَ الَّذِي أمْشاهُ في الدُنْيا عَلى رَجُلَيْنِ قادِرًا أنْ يُمَشِّيَهُ في الآخِرَةِ عَلى وجْهِهِ"؟» قالَ قَتادَةُ: بَلى وعِزَّةِ رَبِّنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما خَبَتْ ﴾ أيْ: كُلَّما فَرَغَتْ مِن إحْراقِهِمْ، فَيَسْكُنُ اللهِيبُ القائِمُ عَلَيْهِمْ قَدْرَ ما يُعادَوْنَ ثُمَّ يَثُورُ، فَتِلْكَ زِيادَةُ السَعِيرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالزِيادَةُ في حَيِّزِهِمْ، وأمّا جَهَنَّمُ فَعَلى حالِها مِنَ الشِدَّةِ لا يُصِيبُها فُتُورٌ.

و"خَبَتِ النارُ" مَعْناهُ: سَكَنَ اللهَبُ والجَمْرُ عَلى حالِهِ، و"خَمَدَتْ" مَعْناهُ: سَكَنَ الجَمْرُ وضَعُفَ، و"هَمَدَتْ" مَعْناهُ: طُفِيَتْ جُمْلَةً، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: لِمَنِ النارُ قُبَيْلَ الصُبْـ ∗∗∗ ـحِ عِنْدَ البَيْتِ ما تَخْبُو إذا ما أُخْمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗....

عَلَيْها المَندَلُ الرَطْبُ؟

ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: وسْطُهُ كاليَراعِ أو سُرُجِ المِجْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـدَلِ حِينًا يَخْبُو وحِينًا يُنِيرُ وَمِنهُ قَوْلُ القَطامِيِّ: فَيَخْبُو ساعَةً ويَهُبُّ ساعًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهُمْ ﴾ ، الآيَةُ إشارَةٌ إلى الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ بِجَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يَعُمُّ الدَلائِلَ والحُجَجَ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ويَعُمُّ آياتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ وما تُضَمَّنُ مِن خَبَرٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ.

ثُمَّ عَظُمَ عَلَيْهِمْ أمْرُ إنْكارِ البَعْثِ، وخَصَّهُ بِالذِكْرِ مَعَ كَوْنِهِ في عُمُومِ الكُفْرِ بِآياتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِ التَعْظِيمُ لَهُ، والتَنْبِيهُ عَلى خَطارَةِ الكُفْرِ في إنْكارِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في الاِسْتِفْهامَيْنِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

و"الرُفاتُ": بَقِيَّةُ الشَيْءِ الَّتِي قَدْ أصارَها البِلى إلى حال التُرابِ، و"البَعْثُ": تَحْرِيكُ الشَيْءِ الساكِنِ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم هو عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ لِلْمُحالِ بِزَعْمِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني لأن العقاب الفظيع المحكي يثير في نفوس السامعين السؤال عن سبب تركب هذه الهيئة من تلك الصورة المفظعة، فالجواب بأن ذلك بِسبب الكفر بالآيات وإنكار المعاد.

فالإشارة إلى ما تقدم من قوله: ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ﴾ [الإسراء: 97] إلى آخر الآية بتأويل: المذكور.

والجزاء: العوض عن عمل.

والباء في بأنهم كفروا} للسببية.

والظاهر أن جملة ﴿ وقالوا أإذا كنا عظاما ﴾ الخ.

عطف على جملة ﴿ بأنهم كفروا ﴾ .

فذكر وجه اجتماع تلك العقوبات لهم، وذُكر سببان: أحدهما: الكفر بالآيات ويندرج فيه صنوف من الجرائم تفصيلاً وجمعاً تناسبها العقوبة التي في قوله: ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم ﴾ [الإسراء: 97].

وثانيهما: } إنكارهم البعث بقولهم: ﴿ أإذا كنا عظاما ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقا جديداً ﴾ المناسب له أن يُعاقبوا عقاباً يناسب ما أنكروه من تجدد الحياة بعد المصير رفاتاً، فإن رفات الإحراق أشد اضمحلالاً من رفات العظام في التراب.

والاستفهام في حكاية قولهم: ﴿ أإذا كنا عظاماً ﴾ وقوله: ﴿ أئنا لمبعوثون ﴾ إنكاري.

وتقدم اختلاف القراء في إثبات الهمزتين في قوله: ﴿ أإذا ﴾ وفي إثباتها في قوله: ﴿ أإذا لمبعوثون ﴾ في نظير هذه الآية من هذه السورة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ الأرْضِ الأرْزاقُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: خَزائِنُ النِّعَمِ، وهَذا أعَمُّ.

﴿ إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الفَقْرِ، والإنْفاقُ الفَقْرُ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ لَوْ مَلَكَ أحَدُ المَخْلُوقِينَ خَزائِنَ اللَّهِ تَعالى لَما جادَ بِها كَجُودِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُمْسِكَ مِنها لِنَفَقَتِهِ وما يَعُودُ بِمَنفَعَتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ يَخافُ الفَقْرَ ويَخْشى العَدَمَ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَتَعالى في جُودِهِ عَنْ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ.

﴿ وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُقْتِرًا، قالَهُ قُطْرُبٌ والأخْفَشُ.

الثّانِي: بَخِيلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

واخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّها عامَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وأبو نعيم في المعرفة، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أنس رضي الله عنه قال: «قيل: يا رسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟

قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم» .

واخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ الذين يحشرون على وجوههم ﴾ [ الفرقان: 34] الآية.

فقالوا: يا نبي الله وكيف يمشون على وجوههم؟

قال: أرأيت الذي أمشاهم على أقدامهم؟

أليس قادراً على أن يمشيهم على وجوههم؟؟...» .

وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم.

قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟

قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم.

أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك» .

وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه تلا هذه الاية ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً ﴾ فقال: حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن مردويه والحاكم، عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تحشرون رجالاً وركباناً، وتجرون على وجوهكم ههنا، ونحى بيده نحو الشام» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عمياً ﴾ قال: لا يرون شيئاً يسرهم ﴿ وبكماً ﴾ قال: لا ينطقون بحجة ﴿ وصماً ﴾ قال: لا يسمعون شيئاً يسرهم.

وأخرج البخاري في تاريخه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تغبطن فاجراً بنعمة، فإن من ورائه طالباً حثيثاً» وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً ﴾ .

وأخرج البيهقي في الشعب، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا خضرة حلوة؛ من اكتسب فيها مالاً من غير حله وأنفقه في غير حله، أحلّه دار الهوان.

ورُبَّ متخوض في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة.

يقول الله: ﴿ كلما خبت زدناهم سعيراً ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مأواهم جهنم ﴾ يعني، أنهم وقودها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كلما خبت ﴾ قال: سكنت.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلما خبت زدناهم سعيراً ﴾ .

قال: كلما طفئت أسعرت وأوقدت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كلما خبت زدناهم سعيراً ﴾ قال: كلما أحرقتهم سعر بهم حطباً، فإذا أحرقتهم فلم يبق منهم شيء صارت حمراء تتوهج.

فذلك خبؤها، فإذا بدلوا خلقاً جديداً عاودتهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلما خبت زدناهم سعيراً ﴾ يقول: كلما احترقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ كلما خبت ﴾ قال: الخبء، الذي يطفأ مرة ويشعل أخرى.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: وتخبو النار عن أدنى أذاهم ** وأضرمها إذا ابتردوا سعيراً وأخرج ابن الأنباري عن أبي صالح في قوله: ﴿ كلما خبت ﴾ قال: معناه كلما حميت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ ﴾ هذه الآية مفسرة في هذه السورة [[عند آية [98].]] <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عظاما ﴾ استبعاد للحشر وقد تقدم معنى الرفات والكلام في الاستفهامين ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله ﴾ الآية احتجاج على الحشر، فإن السموات والأرض أكبر من الإنسان، فكما قدر الله على خلقها؛ فأولى وأحرى أن يقدر على إعادة جسد الإنسان بعد فنائه، والرؤية في الآية، رؤية قلب ﴿ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ القيامة أو أجل الموت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تفجر ﴾ من الفجر: يعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف سوى المفضل وابن الغالب.

الآخرون من التفجير تكثيراً للفعل وإن كان الفاعل والمفعول مفرداً ﴿ حتى تنزل ﴾ بالتخفيف: أبو عمرو ويعقوب.

الآخرون بالتشديد ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: أبو جعفر ونافع وعاصم وابن ذكوان.

الباقون بالإسكان ﴿ قال سبحان ﴾ بلفظ الماضي: ابن كثير وابن عامر الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ هو المهتدي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الباقون بحذف الياء ﴿ ربي إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ خبت زدناهم ﴾ بإدغام التاء في الزاي: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.

﴿ لقد علمت ﴾ بضم التاء، على التكلم: عليّ.

الآخرون بالفتح على الخطاب ﴿ قل ادعو ﴾ بكسر اللام للساكنين: عاصم وحمزة وسهل ويعقوب وعباس: الآخرون بضمها للإتباع ﴿ أو ادعوا ﴾ بكسر الواو: عاصم وحمزة وسهل.

الباقون بالضم ﴿ أيامّاً ﴾ حمزة ورويس يقفان على ﴿ أيا ﴾ ثم يبتدئان ﴿ ما تدعوا ﴾ ويسمى هذا الوقف وقف البيان.

الباقون على كلمة واحدة.

الوقوف: ﴿ ينبوعاً ﴾ ه لا ﴿ تفجيراً ﴾ ه لا ﴿ قبيلاً ﴾ ه لا ﴿ في السماء ﴾ ط لابتداء النفي بعد طول القصة.

وقيل: الأصح الوصل لأن قوله: ﴿ ولن نؤمن لرقيك ﴾ من كلامهم ﴿ نقرؤه ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ المهتد ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع التضاد ﴿ من دونه ﴾ لا لأن الواو لا يحتمل الاستئناف ﴿ وصماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ الإنفاق ﴾ ط ﴿ قتوراً ﴾ ه ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ بصائر ﴾ ط للابتداء بأن مع اتحاد القائل ﴿ مثبوراً ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ لفيفياً ﴾ ، ط لانقطاع النظام والمعنى.

﴿ نزل ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ ونذيراً ﴾ ، احترازاً من إيهام العطف ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ أولا تؤمنوا ﴾ ط ﴿ سجداً ﴾ ، لا ﴿ لمفعولاً ﴾ ه ﴿ خشوعاً ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط لتصدير الشرط ﴿ الحسنى ﴾ ج لانقطاع نظم الشرط إلى النهي مع اتحاد المراد.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ تكبيراً ﴾ ه.

التفسير: ليس من شرط كون النبي صادقاً تواتر المعجزات وتتالي الآيات، لأن فتح هذا الباب يوجب نقيض المقصود وهو أن لا تثبت نبوته أبداً، ولكن المعجز الواحد يكفي في صدق النبي، واقتراح الزيادة من جملة العناد فلا جرم لما بين الله  إعجاز القرآن حكى مقترحات المعاندين بياناً لتصميمهم على الكفر.

قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أرسلوا إلى رسول الله  - وهم جلوس عند الكعبة - فأتاهم فقالوا: يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر لنا ينبوعاً نزرع فيها.

فقال: لا أقدر عليه.

فقال قائل منهم: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً.

فقال عبد الله ابن أمية المخزومي - وأمه عمة رسول الله  - لا والذي يحلف به لا أؤمن بك حتى تتخذ سلماً فتصعد عليه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة فيشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أم لا.

فأنزل الله هذه الآيات.

ولنشرع في تفسير اللغات.

فقوله: ﴿ ينبوعاً ﴾ أي عيناً غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب من عب الماء.

وقوله: ﴿ أو تكون لك جنة ﴾ معناه هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك.

وقوله: ﴿ كما زعمت ﴾ إشارة إلى قوله  : ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء  ﴾ أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله: ﴿ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً  ﴾ أي أجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب واسقطها علينا.

وقال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا.

وقيل: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل.

قال في الكشاف: الكسف بسكون السين وفتحها جمع "كسفة" بالسكون كسدرة وسدر وسدر.

وقال أبو علي: الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون.

واشتقاقه - على ما قال أبو زيد - من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته.

وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل: أو تسقطها طبقاً علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين.

ومعنى ﴿ قبيلاً ﴾ كفيلاً بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً فاختصر، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر.

وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه  لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم: ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  ﴾ وقال ابن عباس: أراد فوجاً بعد فوج.

وقال الليث: كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله  ﴾ .

قوله: ﴿ بيت من زخرف ﴾ قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله "أو يكون لك بيت من ذهب".

وقال الزجاج: هو الزينة ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب.

﴿ أو ترقى في السماء ﴾ أي في معارجها فحذف المضاف.

يقال: رقي في السلم وفي الدرجة.

والمصدر "رقى" وأصله "فعول" كقعود ﴿ و ﴾ معنى ﴿ لن نؤمن لرقيك ﴾ لن نؤمن لك لأجل رقيك ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً ﴾ من السماء فيه تصديقك.

قال الرسول: متعجباً من اقتراحاتهم أو تنزيهاً لله من تحكماتهم أو من قولهم: ﴿ أو تأتي بالله ﴾ ﴿ سبحان ربي هل كنت ﴾ أي لست ﴿ إلا بشراً رسولاً ﴾ فإن طلبتم هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسي فالبشر لا يقدر على أمثال ذلك فكيف أقدر أنا عليها؟

وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة.

ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال: ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا ﴾ أي الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ﴿ إذ جاءهم الهدي ﴾ وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة ﴿ إلا أن قالوا ﴾ منكرين ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ ثم أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ﴾ على الأقدام كما يمشي الإنس ﴿ مطمئنين ﴾ ساكنين فيها ﴿ لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم.

فكأنه اعتبر لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: أحدهما كون سكان الأرض ملائكة، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ بشراً ﴾ و ﴿ ملكاً ﴾ منصوبين على الحال من ﴿ رسولاً ﴾ بل زعم أن المعنى له أجوب، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفاً بحالة البشرية لا الملكية، وإذا كان أحد الصنفين المقابلين حالاً لزم أن يكون الآخر كذلك.

ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلاً: ﴿ قل كفى بالله ﴾ الآية.

وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله  له على الصدق.

فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها؟

علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال: ﴿ ومن يهد الله ﴾ الآية.

وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر "الأعراف" وغيره.

وقوه: ﴿ فهو المهتد ﴾ حمل على اللفظ وقوله: ﴿ فلن تجد ﴾ حمل على المعنى.

والخطاب في ﴿ لن تجد ﴾ إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب.

والأولياء الأنصار، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله: ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم  ﴾ وإما بمعنى المشي عليها كما روي أنه  سئل عن ذلك فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" وقيل لابن عباس: قد أخبر الله  عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال: ﴿ رأى المجرمون النار ﴾ ﴿ دعوا هنالك ثبوراً ﴾ ﴿ سمعوا لها ﴾ الجمع بين ذاك تغيظاً وزفيراً فكيف وبين قوله: ﴿ عمياً وبكماً وصماً ﴾ ؟

فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم.

وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكم عن مخاطبة الله، ومخاطبة الملائكة المقربين، صم عن ثناء الله على أوليائه، وقال مقاتل: هذه الأحوال بعد قوله  لهم: ﴿ اخسئووا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار.

وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به ﴿ كلما خبت ﴾ أي سكن لهبها.

خبت النار تخبوا خبواً وأخباها غيرها أي أخمدها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ قال ابن قتيبة: أي تسعراً وهو التهلب.

ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع بينه وبين قوله: ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب، أو يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به، ويحتمل أن يقال: المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتعسر.

وقال في الكشاف: لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها.

ثم يعيدها.

وفيه زيادة في تحسرهم وفي الانتقام منهم.

ومما يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ ذلك جزاؤهم ﴾ الآية.

ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال: ﴿ أو لم يروا ﴾ الآية.

وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون منها أقدر، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء.

ومن قال: أراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاتعراض عليه كقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ أي يبعثهم.

وحين بيّن أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتاً معلوماً ما عنده فقال: ﴿ وجعل لهم ﴾ أي لبعثهم ﴿ أجلاً لا ريب فيه ﴾ قال جار الله: قوله: ﴿ وجعل ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أو لم يروا ﴾ والمعنى قد علموا بدليل العقل أنه قادر على خلق أمثالهم وجعل لهم.

وأقول: يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه على خلقه التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلاً أن يملكوا خزائن هن بصدد الفناء والنفاد.

قال النحويون: كلمة "لو" حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشي لانتفاء غيره.

والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا الذوات.

وأيضاً إنها ههنا بمعنى "إن" الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من تقدير فعل بعدها، فأصل الكلام: لو تملكون تملكون مرتين: فأضمر "تملك" إضماراً على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلاً لسقوط ما كان يتصل هو به فـ ﴿ أنتم ﴾ فاعل الفعل المضمر ﴿ تملكون ﴾ تفسيره.

وقال علماء البيان: فائدة هذا التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل الفاعل كما في قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني.

لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي لو حرة لطمتني وقوله: ﴿ خشية الإنفاق ﴾ أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم ﴿ وكان الإنسان قتوراً ﴾ أي بخيلاً شحيحاً، والقتر والإقتار والتقتير والتقصير في الإنفاق.

وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه الشح إذ كان باقياً على طبعه لأنه خلق محتاجاً إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة.

ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذاً الأصل في الإنسان هو البخل والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي طلباً للثناء أو الثواب.

وقيل: المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ﴾ بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها.

ثم قال: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات ﴾ فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم، فليس عدم الاستجابة إلى ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصحلة أو لعدم استتباع الغاية لعلمنا بإصراركم والختم على قلوبكم، عن ابن عباس: أن الآيات التسع هن: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل.

وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات.

مكان الحجر والبحر والطور.

وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها: حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم.

فقال له عمر: لا يكون الفقيه إلا هكذا.

أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة.

وعن صفوان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالا: إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك" قال الإمام فخر الدين الرازي: هو أجود ما قيل في الآيات التسع.

وأقول: عد الأحكام من الآيات البينات فيه بعد، اللَّهم إلا أن يقال: النهي عن مساوىء الأخلاق والعادات من جملة علامات النبوة.

قال بعد العلماء: أجابهم النبي  بتسع وزاد واحدة تختص بهم.

وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر: "ولا تقذفوا محصنة" وشك شعبة في أنه  : "ولا تقذفوا محصنة" أو قال: "تولوا الفرار" .

وقيل: إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم.

إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه.

هكذا قال الأصوليون، ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة.

والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلاً فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر الصادق.

أما قوله: ﴿ فاسأل بني إسرائيل ﴾ فالخطاب فيه للنبي  والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت.

والمسؤولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه.

وقوله: ﴿ إذا جاءهم ﴾ يتعلق بـ ﴿ آتينا ﴾ .

وينتصب بإضمار "اذكر"، أو هو للتعليل.

والمراد فاسألهم يخبروك لأنه جاءهم أي جاء أباهم.

ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله.

وقيل: هو بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء.

وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه أعطى علم السحر.

ومن قرأ "علمت" بضم التاء فظاهر لأن موسى كان علماً بصحة الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض، فأراد أني لا أشك في أمري بسبب تشكك مكذب مثلك.

ومن قرأ بفتحها فالمراد تبين أن كفر فرعون كفر جحود وعناد كقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً  ﴾ .

وقوله للآيات: ﴿ هؤلاء ﴾ كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام *** ومعنى ﴿ بصائر ﴾ بينات مكشوفات وانتصابها على الحال كأنه أشار بقوله: ﴿ ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ إلى أنها أفعال خالقة للعادة، وبقوله: ﴿ بصائر ﴾ إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم حد المعجز بمجموع القيدين.

ثم قارع موسى ظن فرعون بظنه فقال: ﴿ إني لأظنك يا فرعون مثبوراً ﴾ قال الفراء: أي ملعوناً محبوساً عن الخير من قولهم "ما ثبرك عن هذا" أي ما منعك وصرفك.

وقال مجاهد وقتادة، أي هالكاً من الثبور الهلاك.

ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلاً وثبوراً وحسرة وندامة، ولهذا قال: ﴿ فأراد ﴾ أي فرعون ﴿ أن يستفزهم من الأرض ﴾ أي يستخف موسى وقومه من بسيط الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أبو بالنفي والإخراج.

والحاصل أن فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانه تحقيقاً لقوله: ﴿ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله  ﴾ ثم أخبر عن المعاد قائلاً ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وهو قيام الساعة ﴿ جئنا بكم ﴾ يعني معشر المكلفين كلهم ﴿ لفيفاً ﴾ جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة، وذلك لأجل الحكم والجزاء والفصل والقضاء.

ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره فقال: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ التقديم للتخصيص أي ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه.

قال جار الله: أي ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين.

وقال آخرون: الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق، ولا ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام، وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد، وعلى أصول الأديان والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل، وكل هذه الأمور تدل على المعنى المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور.

قال أبو علي الفارسي: بالباء في الموضعين بمعنى "مع" كما في قولك "خرج بسلاحه" أي أنزل القرآن مع الحق ونزل هو مع الحق.

ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى "على" كما في قولك "نزلت بزيد" فيكون الحق عبارة عن محمد  لأن القرآن نزل به أي عليه ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ بالجنة ﴿ ونذيراً ﴾ من النار ليس إليك وراء هذين شيء من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه.

ثم إن القوم كأنهم من تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ وقرآناً ﴾ وهو منصوب بفعل يفسره ﴿ فرقناه ﴾ أي جعلنا نزوله مفرقاً منجماً.

وعن ابن عباس أنه قرأه مشدداً وقال: إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب.

وقال أبو عبيدة: التخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقاً.

فالفرق يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام.

وأقول: إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله وبين آخره، فرأى التشديد أولى.

ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين المدة بدليل قوله: ﴿ لتقرأه على الناس على مكث ﴾ بضم الميم أي على مهل وتؤدة ولقوله: ﴿ ونزلناه تنزيلاً ﴾ أي على حسب المصالح والحوادث.

ثم خاطب نبيه  بأن يقول للمقترحين ﴿ آمنوا به أو لا تؤمنوا ﴾ وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان.

قال جار الله: قوله: ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله ﴾ إما أن يكون تعليلاً لقل على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن.

قال مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد  خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام، وفي قوله: ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ دون أن يقول "يسجدون" مبالغة من وجهين: أحدهما إنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن.

فقال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من وجهه الذقن.

قلت: هذا تصحيح للمعنى ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة.

وقال غيره.

المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله  فربما سقط على الأرض مغشياً عليه.

وثانيهما أنه لم يقل "يخرون على الأذقان" كما هو ظاهر وإنما قال ﴿ للأذقان ﴾ لأن اللام للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم.

ثم حكى أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين ﴿ سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ﴾ بإنزال القرآن وبعثة محمد  في كتبنا ﴿ لمفعولاً ﴾ أي منجراً "وإن" مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان، ثم ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم باكين، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل قوله ﴿ ويزيدهم ﴾ أي القرآن ﴿ خشوعاً ﴾ لين قلب ورطوبة عين، ثم أرد أن يعلمهم كيفية الخشوع والدعاء فقال: ﴿ قل ادعوا ﴾ عن ابن عباس: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن.

فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر.

وقيل: أن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت.

قال جار الله: الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين.

تقول: دعوته زيداً ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول: دعوت زيداً و "أو" للتخيير والمعنى على السبب الأول سموه بهذا الاسم أو بهذا، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا ﴿ أياماً تدعوا ﴾ يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه "وما" صلة زيدت لتأكيد الإبهام.

والضمير "في ﴿ فله ﴾ لا يرجع إلى أحد الاسمين ولكن إلى مسماهما، وكان أصل الكلام أن يقال: فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع موضعه.

قوله: ﴿ فله الأسماء الحسنى ﴾ .

لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان.

ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر "الأعراف".

ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومنه يقال: خفت صوته خفوتاً إذا انقطع كلامه أو ضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله  كان يرفع صوته لعله أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعالها فهو ألح تأمل.

مصححه بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم ﴿ ولا تخافت بها ﴾ فلا تسمع أصحابك ﴿ وابتغ بين ذلك ﴾ الذي ذكر من الجهر المخافتة ﴿ سبيلاً ﴾ وسطاً، وروي أن النبي  طاف بالليل دور الصحابة فكان أبو بكر يخفي صوته في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي.

وكان عمر يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان.

فأمر النبي  أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض قليلاً فنزلت الآية على حسب ذلك.

وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها.

وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد أن الصلاة ههنا الدعاء.

وقد يروى هذا مرفوعاً قال الحسن: لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها، وأيضاً في الجهر إسماع غيره الذنوب وهو الموجب للتغيير والتوبيخ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية  ﴾ قال جار الله: ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة.

ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية التحميد بقوله: ﴿ وقل الحمد لله ﴾ الآية قال في الكشاف: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟

وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد، وأقول: الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد، فالوالد مركب وكل مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد، وأيضاً الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ومصالح تمدنه، وكل من كان كذلك كان عاجزاً بالنظر إلى ذاته، فلا يتم فيضانه فلا يستحق الحمد على الإطلاق، وهكذا حكم من كان له ولي من الذل أي اتخذ حبيباً من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة، أو الولي بمعنى الناصر أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.

وأيضاً قد يمنعه الشريك من إصابه الخير إلى أوليائه، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجاً إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه.

أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجلّ أقسام الشكر.

قال الإمام فخر الدين الرازي: التكبير أنواع منها: تكبير الله في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه.

ومنها تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال.

ومنها تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر.

قال: سمعت أن الأستاذ أبا إسحق الإسفرايني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني.

فلما رآه قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء.

فقال الأستاذ: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.

ومنها تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون العدالة وقضية الاستقامة.

ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا التعظيم، وكان النبي  إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية والله أعلم.

التأويل: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات.

﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ تعجبوا من كون البشر رسولاً حين ظن أن الملك أعلى حالاً من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة ﴿ مأواهم جهنم ﴾ الحرص والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ باشتعال طلب شهوة أخرى ﴿ تسع آيات بينات ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الحق: والدين المعروف بداية أرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن كقوله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ {آل عمران: 103] ﴿ وبالحق نزل ﴾ التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه ﴿ إن الذين أوتوا العلم من ﴾ قبل نزوله في الأزل ﴿ إذا يتلى عليهم ﴾ في الأزل عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ للإجابة يقولون "بلى" ﴿ ويخرون للأذقان ﴾ في عالم الصورة يبكون.

فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد.

ثم بين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴾ أي كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسناً وهو الدعاء بالإخلاص ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ رياء وسمعة ﴿ ولا تخافت بها ﴾ أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله  أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ أي: إذ جاءهم الرسول بالهدى ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، لكن هذا على الإياس عن إيمانهم، إنهم لا يؤمنون إلا عند معاينتهم بأس الله، والإيمان في ذلك الوقت لا يقبل ولا ينفعهم.

وأما قوله: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ، فيخرج هذا القول منهم مخرج الاحتجاج: لو شاء الله أن نؤمن لأنزل ملائكة كقوله: ﴿ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً  ﴾ .

ففيه يوضح الشبهة لهم أن يقولوا: هو بشر [ونحن بشر] فليس هذا أولى بالرسالة إلينا من أن نكون نحن رسلاً إليه، فذلك موضع الشبهة، فأجابهم لذلك لما استنكروا واستبعدوا بعث الرسول إليهم من جوهرهم وجنسهم، فقال: ﴿ قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ ﴾ أي: مقيمين ساكنين فيها ﴿ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً ﴾ ؛ ثم اختلف فيه.

قال بعضهم: ﴿ لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ ﴾ ، أي: لو كان سكان الأرض ملائكة، فبعث إليهم رسولاً منهم أكان لهم أن يقولوا: أَبَعَثَ اللهُ مَلَكاً رَّسُولاً، أي: أبعث الله إلينا من جوهرنا؟!

أي: ليس لهم أن يقولوا ذلك؛ فعلى ذلك إذا كان سكانها البشر ليس لهم أن يقولوا: أبعث الله إلينا من جوهرنا رسولاً.

والثاني: لو كانت الأرض مكان الملائكة، وهم سكانها، لكان لكم أن تقولوا: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ من غير جوهرنا، فأمّا إذا كانت الأرض مكان البشر، وهم سكانها، فليس لهم أن ينكروا بعث الرسول منهم ومن جوهرهم؛ لأنهم لا يعرفون الملائكة، ولا من كان من غير جوهرهم، ويعرفون من كان من جوهرهم، فبعث الرسول من جوهرهم أولى بهم من غير جوهرهم.

أو يقول: لو كان في الأرض ملائكة وبشر، فعرفوا الملائكة، لكان لهم أن يسألوا رسولاً من الملائكة لما عرفوهم، فأمّا إذا كان سكان الأرض ليسوا إلا بشراً فليس لهم أن يقولوا ذلك؛ لأنهم لم يعرفوا قوى الملائكة، ولا قوى الجن، وقد عرفوا قوى البشر فيعرفون الآيات والحجج من التمويهات إذ عرفوا قواهم ولم يعرفوا قوى الملائكة والجنّ؛ فلا يعرفون ما أقاموا أنها آيات وحجج، أو كان ذلك بقواهم، ويعرفون ذلك من البشر إذا خرجت من احتمال وسعهم وقواهم.

وبعد فإنهم قد أقروا برسالة البشر؛ لأنهم لا يعرفون الملائكة إلا بخبر من البشر أنه ملك؛ إذ لم يكن [لهم خلطة معهم] ليعرفوهم؛ وإنما يعرفونهم بخبر من البشر: أنه ملك؛ فليس لهم أن ينكروا رسالة البشر.

وأصله ما قال: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً  ﴾ ؛ لما ذكرنا أنهم لا يعرفون الملائكة، ومَن كان من غير جوهرهم؛ فلا بدّ من أن يكون رجلاً، فكان في ذلك تلبيس عليهم على ما أخبر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: كفى بما أقام الله من الآيات والحجج على رسالتي وأني رسول إليكم؛ إذ كان ذلك [في قول كان] من أولئك الكفرة من إنكار الرسالة.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون على الإياس من إيمانهم كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا...

﴾ ، الآية [الشورى: 15].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ .

يذكر هذا - والله أعلم - بأنه - عن علم بإجابتهم وردّهم - بعثه إليهم رسولاً لا عن جهل بأحوالهم، وليس فيما يعلم أنهم يردون، ولا يجيبون رسله خروج عن الحكمة؛ لأنه ليس في إجابتهم منفعة للرسل، ولا في ردّهم ضرر له، وإنما المنفعة في الإجابة لهم، وفي الردّ الضرر عليهم؛ لذلك لم يكن في بعث الرسل على علم منه بالردّ خروجاً عن الحكمة [وفي الشاهد كان خروجاً عن الحكمة؛ لأن]؛ في الشاهد إنما يبعث الرسول لمنفعة تتأمّل وتصل إليه أو دفع ضرر عنه، فإذا علم أنه يرد رسالته، ولا يجيب، كان في بعث الرسول إليه بعد علمه بالردّ خروج من الحكمة.

أو يخرج قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ على الوعيد، وكذلك أمثاله.

وإن احتج علينا بعض المعتزلة بقوله: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ ، يقولون له: منعنا القضاء والقدر؛ إذ من قولهم: إن ما يفعل الإنسان من فعل أو معصية أو طاعة، فإنما يفعل بقضائه وتقديره؛ فيكون لهم الاحتجاج عليه بأن يقولوا: منعنا قضاؤك وتقديرك.

لكن هذا فاسد؛ لأنهم لا يفعلون هم ما يفعلون عند وقت فعلهم لأن الله -  - قضى ذلك وقدر، ولو جاز لهم [هذا] الاحتجاج لأنه كذلك قضى وقدر، فإذا كانوا هم عند أنفسهم لا يفعلون ما يفعلون؛ لأنه كذلك قضى وقدر، لم يكن لهم الاحتجاج عليه بذلك؛ لأن القضاء والقدر، لم يضطرهم إلى ذلك، ولا قهرهم عليه، بل كان غيره ممكناً لهم؛ لذلك لم يكن لهم الاحتجاج [عليه بذلك؛ لأن القضاء] بهذا أعني بالقضاء والقدر، لكان لهم الاحتجاج عليه - أيضاً - بالعلم؛ إذ لا شك أنه علم ذلك منهم، فإذا لم يكن الاحتجاج عليه بما علم منهم ذلك؛ إذ لا يقدرون أن يفعلوا غير الذي علم منهم، فعلى ذلك لم يكن الاحتجاج عليه بالقضاء والقدر [لأن القضاء والقدر] لما علم أنه يختار ذلك ويؤثره على ضدّه لجاز ذلك لهم بالعلم ونحوه، دلّ أن ذلك ليس بشيء لما قضى ذلك عليهم وقدر، وإذا كانوا هم عند أنفسهم لا يفعلون وقت فعلهم؛ لما كذلك قضى عليهم؛ فلم يكن الاحتجاج لهم عليه بذلك؛ إذ القضاء والقدر لم يمنعهم عن ذلك لما لا يضطرون على ذلك، وإنما قضى ذلك لما علم أنهم يفعلون ويختارون ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا، وكذلك كل من قضى في الشاهد على آخر إنما يقضي؛ لما سبق منه العلم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ﴾ .

أي: من وفقه لقبول ما كان من الهدى وعصمه عما وسوس إليه الشيطان، فهو المهتدي عند الله وعند من عقل الهدى، ﴿ وَمَن يُضْلِلْ ﴾ ، أي: من خذله ولم يعصمه حتى يقبل من الشيطان ما جاء من وساوسه هو ضال.

﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ ﴾ .

يحتمل: لن تجد لهم أولياء من دونه يهدونهم لدينهم ويوفقونهم.

أو لن تجد لهم أولياء ينصرونهم من دونه، ويدفعون عنهم ما نزل بهم من العذاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ .

قال الحسن: يحاسبون حتى يعلموا سوء صنيعهم الذي صنعوا في الدنيا، ثم يحشرون إلى جهنم ما ذكر عمياً وبكماً وصمّاً، أو كلام نحو هذا.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ما ذكر في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ...

﴾ الآية [الزمر: 24]، إنما يتقي بوجهه؛ لما تكون أيديهم مغلولة إلى أعناقهم، وقوله: ﴿ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أسماهم: عمياً وبكماً وصمّاً لذهاب منافع هذه الحواس ولذاتها في الآخرة، ليس على حقيقة ذهابها، لكن حال بينهم وبين الانتفاع بها ما ذكر لهم: ﴿ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ...

﴾ الآية [الزمر: 16]، فتلك الظلل تحول بينهم وبين رؤية الأشياء.

وسماهم في الدنيا: عمياً وبكماً وصمّاً ليس على حقيقة ذهاب أعينها، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الحواس في الدنيا، ولم يستعملوها فيما أمروا باستعمالها - نفى ذلك عنهم، فعلى ذلك في الآخرة.

ويحتمل على حقيقة ذهاب أعين هذه الحواس؛ عقوبة لما لم يستعملوها في الدنيا لما له خلقت، كقوله: ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ .

أي: مقامهم جهنم، وإليها يأوون.

وقوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ [اختلف فيه: قال الحسن: قوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ ﴾ ، أي: كلما خبا لهبها، وسكن ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ] قال: يخمد لهبها من غير أن يذهب وجع ما أصابهم، ثم يزداد لهم سعيراً.

[و] قال بعضهم: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ ، أي: نضجت جلودهم، وسكنت النار ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ، أي: نعود بنار على ما كانت، وجعلت تلتهب، وتستعر؛ كقوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: وذلك أن النار إذا أكلتهم فلم يبق منهم غير العظام وصاروا فحماً، سكنت النار؛ فهو الخبت، ثم بدلوا جلوداً غيرها، فتكون وقوداً لها، والله أعلم، وكله واحد.

وقال بعضهم: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ ، أي: كلما أحرقتهم النار، فصاروا رماداً، خلقوا لها خلقاً جديداً، فتعاودهم النار فتحرقهم، وذلك قوله: ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ، وهو قول الله: ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ  ﴾ لا تبقي منهم شيئاً إذا أخذت حتى تحرقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ جَزَآؤُهُم ﴾ .

أي: ذلك الذي ذكر جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا، وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً، ثم قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ .

أي: أو لم يعتبروا، ولم ينظروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم.

هذا الاعتبار يحتمل وجهين: أحدهما: أنكم تقرّون: أن الله هو خالق السماوات والأرض، وخالقكم، فخلق السماوات والأرض على الابتداء، وخلق سائر الخلائق على الابتداء بلا احتذاء، تقدم وسبق - أعظم وأكبر من خلق من دونه، فمن قدر على إنشاء ذلك، فهو على إنشاء أمثالكم وإعادتكم أقدر، وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من ابتدائه.

والثاني: تعلمون أنه خلق السماوات والأرض، وخلقكم أيضاً، فلم يخلقهما للفناء خاصة؛ إذ خلق الشيء للفناء خاصة لا لعاقبة عبث ولعب؛ فدلّ أنه خلقكم، وخلق السماوات والأرض؛ لعاقبة، وهي البعث.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أنه كائن لا محالة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ جواباً لما استعجلوا من العذاب، فقال: وجعل لهم أجلاً لا يتقدم عنه ولا يتأخر.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

الموت الذي به تنقضي آجالهم، لكنه لم يخلقهم للموت خاصّة ولكن للعاقبة، وهو ما ذكرنا.

وقال القتبي: "خبت" أي: سكنت: [يقال: خبت] إذا سكن لهبها تخبو، فإذا سكن لهبها ولم يطفأ الجمر، قلت: خمدت تخمد خموداً، فإذ طفئت، ولم يبق منها شيء، قيل: همدت تهمد هموداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ .

أي: ناراً تتسعر، أي: تتلهب.

وقال أبو عوسجة: "السعير": النار، يقال: سعرت النار: إذا أوقدتها، ويقال: نار مسعورة، أي: موقدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً ﴾ .

أي: كفراً بالبعث، [و] "الظالمون" هاهنا هم الكافرون، ولو قال: فأبى الكافرون إلا ظلموا، ما كان واحداً.

وقوله عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ ﴾ .

تحتمل الآية وجوهاً: قال بعضهم: هي صلة ما تقدم من أسئلتهم، وهو قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً  أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً  أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا  ﴾ .

كانوا يسألون هذه الأشياء على التعنت والعناد والاستهزاء، فأخبر أنّه وإن أعطاهم ما سألوا لا ينفقون، بل يمسكون عن الإنفاق، ومن سنته: أنه إذا أعطاهم ما سألوا على السؤال، فتركوا الإيمان به والوفاء -: أنهم يهلكون، فأخبر أنهم يسألون سؤال تعنت، لا سؤال ما يتوسعون بها.

وفي الآية إثبات الرسالة؛ وهو ما بين من بخلهم وإمساكهم عن الإنفاق.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ ﴾ في قوم خاص يعلم الله أنهم لو أعطوا ما سألوا لفعلوا ما ذكر، لا في كل منهم، وهو كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ...

﴾ الآية [البقرة: 6]، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ﴾ الآية [الأنعام: 111]، كان في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون فعلى ذلك الأوّل.

ويحتمل أن تكون الآية في قوم ضمنوا آية الإنفاق والتوسيع، وعاهدوا الله على ذلك إن وسع عليهم، فأخبر أنهم لا يوفون ما عاهدوه وضمنوا؛ كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ الآية [التوبة: 75].

ويحتمل أن يكون هذا إخباراً منه عن طبع الخلق وعادتهم: وذلك أنهم إذا استكثروا من الأموال وجمعوا يزداد لهم بذلك حرص على جمعها، وبخل على التوسيع والإنفاق ما لم يكن قبل الجمع والاستكثار، هذا [هو] المعروف في الناس، فأخبر أنهم يمسكون عن الإنفاق والتوسيع إذا ملكوا ما ذكر على ما طبع الإنسان بالبخل والتضييق عند الاستكثار ما لم يكن قبل ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا صفة كل كافر، وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  ﴾ و ﴿ مَنُوعاً  ﴾ يكون عادتهم البخل والجزع عند المصائب.

وجائز أن يكون هذا صفة كل إنسان في الابتداء هكذا يكون، ثم بالامتحان والتجربة، يكونون أسخياء صابرين.

أو يكون يخبر أنهم لو ملكوا وأعطوا جميع ما يرزقون في عمرهم على التفاريق بدفعة واحدة مجموعاً، لأمسكوا عن الإنفاق؛ خشية الفقر في آخر عمرهم؛ إذ لا يعلمون إلى ما ينتهون من آجالهم؛ فيحملهم ذلك على البخل والإمساك.

أو يذكر لما أنه جبلهم، وأنشأهم على الإمساك والمنع في الابتداء، وإن لم تكن حاجة لهم إلى ذلك: ترى الصبيان والصغار من الأولاد يمنعون ما في أيديهم عن غيرهم وإن لم يكن لهم حاجة إلى ذلك، هذا معروف فيهم، وإنما جبلهم وأنشأهم هكذا؛ ليمتحنهم بالجود والتوسيع، والبخل والتضييق، وإلا كانوا في أصل خلقتهم وابتداء إنشائها على ما ذكر أشحة بخلاء وهو [ما أخبر] ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  ﴾ و ﴿ جَزُوعاً  ﴾ ، و ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً  ﴾ أنشأهم جزوعين عن الألم والمصائب غير صابرين عليها، وكذلك أنشأهم عجولين لا يصبرون على أمر واحد، ولا حال واحد.

ثم امتحنهم على الصبر، وترك الجزع والعجلة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً ﴾ أي: طمعاً بخيلاً ممسكاً مضيقاً، والله أعلم.

ثم ترك ذلك بالامتحان واعتياد ذلك، وخلافه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك العذاب الذي يلقونه هو جزاؤهم بسبب كفرهم بآياتنا المنزلة على رسولنا، وبقولهم استبعادًا للبعث: أإذا متنا وصرنا عظامًا بالية، وأجزاء مُفَتتة أنبعث بعد ذلك خلقًا جديدًا؟

<div class="verse-tafsir" id="91.j1lN2"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله