الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ١١٠ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 122 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٠ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
روى الطبراني من طريق هشام بن عمار ، عن إسماعيل بن عياش ، عن عمرو بن قيس الكوفي ، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان أنه قال : هذه آخر آية أنزلت .
يقول لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : ( قل ) لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم : ( إنما أنا بشر مثلكم ) فمن زعم أني كاذب ، فليأت بمثل ما جئت به ، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي ، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف ، وخبر ذي القرنين ، مما هو مطابق في نفس الأمر ، لولا ما أطلعني الله عليه ، وأنا أخبركم ) أنما إلهكم ) الذي أدعوكم إلى عبادته ، ( إله واحد ) لا شريك له ، ( فمن كان يرجو لقاء ربه ) أي : ثوابه وجزاءه الصالح ، ( فليعمل عملا صالحا ) ، ما كان موافقا لشرع الله ) ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له ، وهذان ركنا العمل المتقبل .
لا بد أن يكون خالصا لله ، صوابا على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن طاوس قال : قال رجل : يا رسول الله ، إني أقف المواقف أريد وجه الله ، وأحب أن يرى موطني .
فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا .
حتى نزلت هذه الآية : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) .
وهكذا أرسل هذا مجاهد ، وغير واحد .
وقال الأعمش : حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم ، عن شهر بن حوشب قال : جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال : أنبئني عما أسألك عنه : أرأيت رجلا يصلي ، يبتغي وجه الله ، ويحب أن يحمد ، ويصوم ويبتغي وجه الله ، ويحب أن يحمد ، ويتصدق ويبتغي وجه الله ، ويحب أن يحمد ، ويحج ويبتغي وجه الله ، ويحب أن يحمد ، فقال عبادة : ليس له شيء ، إن الله تعالى يقول : " أنا خير شريك ، فمن كان له معي شريك فهو له كله ، لا حاجة لي فيه " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ، ثنا كثير بن زيد ، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، عن جده قال : كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنبيت عنده ، تكون له الحاجة ، أو يطرقه أمر من الليل ، فيبعثنا .
فكثر المحتسبون وأهل النوب ، فكنا نتحدث ، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما هذه النجوى ؟
ألم أنهكم عن النجوى .
قال : فقلنا : تبنا إلى الله ، أي نبي الله ، إنما كنا في ذكر المسيح ، وفرقنا منه ، فقال : " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي ؟
" قال : قلنا : بلى .
قال : " الشرك الخفي ، أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا عبد الحميد - يعني ابن بهرام - قال : قال شهر بن حوشب : قال ابن غنم : لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء ، لقينا عبادة بن الصامت ، فأخذ يميني بشماله ، وشمال أبي الدرداء بيمينه ، فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى ، والله أعلم بما نتناجى به ، فقال عبادة بن الصامت : إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما ، لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين - يعني من وسط - قرأ القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فأعاده وأبدأه ، وأحل حلاله وحرم حرامه ، ونزل عند منازله ، لا يحور فيكم إلا كما يحور رأس الحمار الميت .
قال : فبينما نحن كذلك ، إذ طلع شداد بن أوس - رضي الله عنه - وعوف بن مالك ، فجلسا إلينا ، فقال شداد : إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من الشهوة الخفية والشرك " .
فقال عبادة بن الصامت ، وأبو الدرداء : اللهم غفرا .
أولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب .
وأما الشهوة الخفية فقد عرفناها ، هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها ، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد ؟
فقال شداد : أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل ، أو يصوم لرجل ، أو تصدق له ، أترون أنه قد أشرك ؟
قالوا : نعم ، والله إنه من صلى لرجل أو صام له أو تصدق له ، لقد أشرك .
فقال شداد : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من صلى يرائي فقد أشرك ، ومن صام يرائي فقد أشرك ، ومن تصدق يرائي فقد أشرك ؟
" فقال عوف بن مالك عند ذلك : أفلا يعمد الله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله ، فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به ؟
فقال شداد عن ذلك : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يقول : أنا خير قسيم لمن أشرك بي ، من أشرك بي شيئا فإن حشده عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به ، وأنا عنه غني " .
طريق أخرى لبعضه : قال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني عبد الواحد بن زياد ، أخبرنا عبادة بن نسي ، عن شداد بن أوس - رضي الله عنه - أنه بكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟
قال : شيء سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله فذكرته فأبكاني ، سمعت رسول الله يقول : " أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية " .
قلت : يا رسول الله ، أتشرك أمتك من بعدك ؟
قال : " نعم ، أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ، ولا حجرا ولا وثنا ، ولكن يراءون بأعمالهم ، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه .
ورواه ابن ماجه من حديث الحسن بن ذكوان ، عن عبادة بن نسي ، به .
وعبادة فيه ضعف وفي سماعه من شداد نظر .
حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا الحسين بن علي بن جعفر الأحمر ، حدثنا علي بن ثابت ، حدثنا قيس بن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله يوم القيامة : أنا خير شريك ، من أشرك بي أحدا فهو له كله " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، سمعت العلاء يحدث عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يرويه عن ربه - عز وجل - أنه قال : " أنا خير الشركاء ، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري ، فأنا منه بريء ، وهو للذي أشرك " .
تفرد به من هذا الوجه .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا ليث ، عن يزيد - يعني ابن الهاد - عن عمرو ، عن محمود بن لبيد ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " .
قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟
قال : " الرياء ، يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا ، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكر أخبرنا عبد الحميد - يعني ابن جعفر - أخبرني أبي ، عن زياد بن ميناء ، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري - وكان من الصحابة - أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه ، نادى مناد : من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا ، فليطلب ثوابه من عند غير الله ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك " .
وأخرجه الترمذي وابن ماجه ، من حديث محمد بن بكر وهو البرساني ، به حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن عبد الملك ، حدثنا بكار ، حدثني أبي - يعني عبد العزيز بن أبي بكرة - عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سمع سمع الله به ، ومن راءى راءى الله به " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا معاوية ، حدثنا شيبان ، عن فراس ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من يرائي يرائي الله به ، ومن يسمع يسمع الله به " .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، حدثني عمرو بن مرة ، قال : سمعت رجلا في بيت أبي عبيدة ; أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من سمع الناس بعمله سمع الله به ، سامع خلقه وصغره وحقره " قال : فذرفت عينا عبد الله .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا عمرو بن يحيى الأيلي ، حدثنا الحارث بن غسان ، حدثنا أبو عمران الجوني ، عن أنس ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله - عز وجل - يوم القيامة في صحف مختومة ، فيقول الله : ألقوا هذا ، واقبلوا هذا ، فتقول الملائكة : يا رب ، والله ما رأينا منه إلا خيرا .
فيقول : إن عمله كان لغير وجهي ، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي " .
ثم قال الحارث بن غسان : روى عنه جماعة وهو بصري ليس به بأس وقال ابن وهب : حدثني يزيد بن عياض ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن عبد الله بن قيس الخزاعي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قام رياء وسمعة ، لم يزل في مقت الله حتى يجلس " .
وقال أبو يعلى : حدثنا محمد بن أبي بكر ، حدثنا محمد بن دينار ، عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص ، عن عوف بن مالك ، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو ، فتلك استهانة استهان بها ربه ، عز وجل " .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا ابن عياش ، حدثنا عمرو بن قيس الكندي ; أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) وقال : إنها آخر آية نزلت من القرآن .
وهذا أثر مشكل ، فإن هذه الآية هي آخر سورة الكهف .
والكهف كلها مكية ، ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها ما تنسخها ولا يغير حكمها بل هي مثبتة محكمة ، فاشتبه ذلك على بعض الرواة ، فروى بالمعنى على ما فهمه ، والله أعلم .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، حدثنا النضر بن شميل ، حدثنا أبو قرة ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ في ليلة : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) ، كان له من نور ، من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة " .
غريب جدا .
آخر تفسير سورة الكهف ولله الحمد .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المشركين يا محمد: إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم لا علم لي إلا ما علمني الله وإن الله يوحي إليّ أن معبودكم الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، معبود واحد لا ثاني له، ولا شريك ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ) يقول: فمن يخاف ربه يوم لقائه، ويراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته ( فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا ) يقول: فليخلص له العبادة، وليفرد له الربوبية.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الربيع بن أبي راشد، عن سعيد بن جبير ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ) قال: ثواب ربه.
وقوله ( وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) يقول: ولا يجعل له شريكًا في عبادته إياه، وإنما يكون جاعلا له شريكًا بعبادته إذا راءى بعمله الذي ظاهره أنه لله وهو مريد به غيره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عمرو بن عبيد، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ( وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) (5) حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان ( وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) قال: لا يرائي.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن طاوس، قال: جاء رجل، فقال: يا نبيّ الله إني أحبّ الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى موطني ويرى مكاني، فأنـزل الله عزّ وجلّ: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )" حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ومسلم بن خالد الزنجي عن صدقة بن يسار، قال: " جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه، وزاد فيه: وإني أعمل العمل وأتصدّق وأحبّ أن يراه الناس " وسائر الحديث نحوه.
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، قال: ثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم، عن شهر بن حوشب، قال: " جاء رجل إلى عُبادة بن الصامت، فسأله فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله ويحبّ أن يُحْمَد ويصوم ويبتغي وجه الله ويحبّ أن يُحْمَد، فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله، لا حاجة لي فيه ".
حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السَّكوني، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا ابن عياش، قال: ثنا عمرو بن قيس الكندي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) وقال: إنها آخر آية نـزلت من القرآن .
آخر تفسير سورة الكهف
قوله تعالى : قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أي لا أعلم إلا ما يعلمني الله - تعالى - ، وعلم الله - تعالى - لا يحصى ، وإنما أمرت بأن أبلغكم بأنه لا إله إلا الله .فمن كان يرجو لقاء ربه أي يرجو رؤيته وثوابه ويخشى عقابه .فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا قال ابن عباس : نزلت في جندب بن زهير العامري قال : يا رسول الله إني أعمل العمل لله - تعالى - ، وأريد وجه الله - تعالى - ، إلا أنه إذا اطلع عليه سرني ; فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه فنزلت الآية .
وقال طاوس قال رجل : يا رسول الله !
إني أحب الجهاد في سبيل الله - تعالى - وأحب أن يرى مكاني فنزلت هذه الآية .
وقال مجاهد : جاء رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله !
إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله - تعالى - فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به ، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يقل شيئا ، فأنزل الله - تعالى - فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا .قلت : والكل مراد ، والآية تعم ذلك كله وغيره من الأعمال .
وقد تقدم في سورة " هود " حديث أبي هريرة الصحيح في الثلاثة الذين يقضى عليهم أول الناس .
وقد تقدم في سورة " النساء " الكلام على الرياء ، وذكرنا من الأخبار هناك ما فيه كفاية .
وقال الماوردي وقال جميع أهل التأويل : معنى قوله - تعالى - : ولا يشرك بعبادة ربه أحدا إنه لا يرائي بعمله أحدا .
وروى الترمذي الحكيم - رحمه الله تعالى - في ( نوادر الأصول ) قال : حدثنا أبي [ ص: 440 ] - رحمه الله تعالى - قال : حدثنا مكي بن إبراهيم قال : حدثنا عبد الواحد بن زيد عن عبادة بن نسي قال : أتيت شداد بن أوس في مصلاه وهو يبكي ، فقلت : ما الذي أبكاك يا أبا عبد الرحمن ؟
قال : حديث سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما ، إذ رأيت بوجهه أمرا ساءني فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما الذي أرى بوجهك ؟
قال : أمرا أتخوفه على أمتي من بعدي قلت : ما هو يا رسول الله ؟
قال : الشرك والشهوة الخفية قلت : يا رسول الله !
وتشرك أمتك من بعدك ؟
قال : يا شداد أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ولكنهم يراءون بأعمالهم قلت : والرياء شرك هو ؟
قال : نعم .
قلت : فما الشهوة الخفية ؟
قال : يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوات الدنيا فيفطر قال عبد الواحد : فلقيت الحسن ، فقلت : يا أبا سعيد !
أخبرني عن الرياء أشرك هو ؟
قال : نعم ; أما تقرأ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا .
وروى إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن أبي بكر قال حدثنا المعتمر بن سليمان عن ليث عن شهر بن حوشب قال : كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس جالسين ، فقالا : إنا نتخوف على هذه الأمة من الشرك والشهوة الخفية ، فأما الشهوة الخفية فمن قبل النساء .
وقالا : سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك ومن صام صياما يرائي به فقد أشرك ثم تلا فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا .قلت : وقد جاء تفسير الشهوة الخفية بخلاف هذا ، وقد ذكرناه في " النساء " .
وقال سهل بن عبد الله : وسئل الحسن عن الإخلاص والرياء فقال : من الإخلاص أن تحب أن تكتم حسناتك ولا تحب أن تكتم سيئاتك ، فإن أظهر الله عليك حسناتك تقول هذا من فضلك وإحسانك ، وليس هذا من فعلي ولا من صنيعي ، وتذكر قوله - تعالى - : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا .
والذين يؤتون ما آتوا الآية ; يؤتون الإخلاص ، وهم يخافون ألا يقبل منهم ; وأما الرياء فطلب حظ النفس من [ ص: 441 ] عملها في الدنيا ; قيل لها : كيف يكون هذا ؟
قال : من طلب بعمل بينه وبين الله - تعالى - سوى وجه الله - تعالى - والدار الآخرة فهو رياء .
وقال علماؤنا - رضي الله تعالى عنهم - : وقد يفضي الرياء بصاحبه إلى استهزاء الناس به ; كما يحكى أن طاهر بن الحسين قال لأبي عبد الله المروزي : منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله ؟
قال : دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم ; فقال يا أبا عبد الله سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين .
وحكى الأصمعي أن أعرابيا صلى فأطال وإلى جانبه قوم ، فقالوا : ما أحسن صلاتك ؟
!
فقال : وأنا مع ذلك صائم .
أين هذا من قول الأشعث بن قيس وقد صلى فخفف ، فقيل له إنك خففت ، فقال : إنه لم يخالطها رياء ; فخلص من تنقصهم بنفي الرياء عن نفسه ، والتصنع من صلاته ; وقد تقدم في " النساء " دواء الرياء من قول لقمان ; وأنه كتمان العمل ، وروى الترمذي الحكيم حدثنا أبي - رحمه الله تعالى - قال : أنبأنا الحماني قال : أنبأنا جرير عن ليث عن شيخ عن معقل بن يسار قال : قال أبو بكر وشهد به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشرك ، قال : هو فيكم أخفى من دبيب النمل وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره تقول اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم تقولها ثلاث مرات .
وقال عمر بن قيس الكندي سمعت معاوية تلا هذه الآية على المنبر فمن كان يرجو لقاء ربه فقال : إنها لآخر آية نزلت من السماء .
وقال عمر قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أوحي إلي أنه من قرأ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا رفع له نور ما بين عدن إلى مكة حشوه الملائكة يصلون عليه ويستغفرون له .
وقال معاذ بن جبل قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء وعن ابن عباس أنه قال له رجل : إني أضمر أن أقوم ساعة من الليل فيغلبني النوم ، فقال : إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل فاقرأ إذا أخذت مضجعك قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي إلى آخر السورة فإن الله [ ص: 442 ] - تعالى - يوقظك متى شئت من الليل ; ذكر هذه الفضائل الثعلبي - رضي الله تعالى عنه - .
وفي مسند الدارمي أبي محمد أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن عبدة عن زر بن حبيش قال من قرأ آخر سورة الكهف لساعة يريد أن يقوم من الليل قامها ; قال عبدة فجربناه فوجدناه كذلك قال ابن العربي : كان شيخنا الطرطوشي الأكبر يقول : لا تذهب بكم الأزمان في مصاولة الأقران ، ومواصلة الإخوان ; وقد ختم - سبحانه وتعالى - البيان بقوله : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا .
أي: { قُلْ ْ} يا محمد للكفار وغيرهم: { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ْ} أي: لست بإله، ولا لي شركة في الملك، ولا علم بالغيب، ولا عندي خزائن الله، { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ْ} عبد من عبيد ربي، { يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ْ} أي: فضلت عليكم بالوحي، الذي يوحيه الله إلي، الذي أجله الإخبار لكم: أنما إلهكم إله واحد، أي: لا شريك له، ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة غيره، وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه، وينيلكم ثوابه، ويدفع عنكم عقابه.
ولهذا قال: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ْ} وهو الموافق لشرع الله، من واجب ومستحب، { وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ْ} أي: لا يرائي بعمله بل يعمله خالصا لوجه الله تعالى، فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة، هو الذي ينال ما يرجو ويطلب، وأما من عدا ذلك، فإنه خاسر في دنياه وأخراه، وقد فاته القرب من مولاه، ونيل رضاه.
آخر تفسير سورة الكهف، ولله الحمد.
قوله عز وجل : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ) قال ابن عباس : علم الله رسوله التواضع؛ لئلا يزهو على خلقه ، فأمره أن يقر فيقول : إني آدمي مثلكم ، إلا أني خصصت بالوحي وأكرمني الله به ، يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد لا شريك له ( فمن كان يرجو لقاء ربه ) أي : يخاف المصير إليه .
وقيل : يأمل رؤية ربه .
فالرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعا ، قال الشاعر : ولا كل ما ترجو من الخير كائن ولا كل ما ترجو من الشر واقع فجمع بين المعنيين .
( فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) أي : لا يرائي بعمله .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنبأنا أبو نعيم أخبرنا سفيان عن سلمة هو ابن كهيل قال : سمعت جندبا يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من سمع ، سمع الله به .
ومن يرائي يرائي الله به " .
وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " ، قالوا : يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟
قال : " الرياء " .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنبأنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أبي حدثنا شعيب قال : حدثنا الليث عن أبي الهاد عن عمرو عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تبارك وتعالى يقول : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء ، هو للذي عمله " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا حفص بن عمر حدثنا همام عن قتادة حدثنا سالم بن أبي الجعد الغطفاني عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال " .
وأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أبو منصور السمعاني حدثنا أبو جعفر الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا أبو الأسود حدثنا ابن لهيعة عن زياد عن سهل هو ابن معاذ عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قدميه إلى رأسه ، ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء " .
«قل إنما أنا بشر» آدمي «مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد» أن المكفوفة بما باقية على مصدريتها والمعنى: يوحى إليَّ وحدانية الإله «فمن كان يرجو» يأمل «لقاء ربه» بالبعث والجزاء «فليعمل عملاً صالحا ولا يشرك بعبادة ربه» أي فيها بأن يرائي «أحدا».
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ من ربي أنما إلهكم إله واحد، فمَن كان يخاف عذاب ربه ويرجو ثوابه يوم لقائه، فليعمل عملا صالحًا لربه موافقًا لشرعه، ولا يشرك في العبادة معه أحدًا غيره.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بأمر آخر منه - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس ، مبيناً لهم حقيقة أمرك ، بعد أن بينت لهم عدم تناهى كلمات ربك .قل لهم : إنما أنا بشر مثلكم أوجدنى الله - تعالى - بقدرته من أب وأم كما أوجدكم .
وينتهى نسبى ونسبكم إلى آدم الذى خلقه الله - تعالى - من تراب .ولكن الله - عز وجل - اختصنى بوحيه وبرسالته - وهو أعلم حيث يجعل رسالته - وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم ورازقكم ومميتكم ، هو إله واحد لا شريك له لا فى ذاته ، ولا فى أسمائه ، ولا فى صفاته .فعليكم أن تخلصوا له العبادة والطاعة ، وأن تستجيبوا لما آمركم به ، ولما أنهاكم عنه ، فإنى مبلغ عنه ما كلفنى به .فالآية الكريمة وإن كانت تثبت للرسول صلى الله عليه وسلم صفة البشرية وتنفى عنه أن يكون ملكا أو غير بشر .
.
إلا أنها تثبت له - أيضا - أن الله - تعالى - قد فضله على غيره من البشر بالوحى إليه ، وبتكليفه بتبليغ ما أمره الله - تعالى - بتبليغه للعالمين .
كما قال - سبحانه - ( وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) وكما قال - عز وجل - : ( قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ولا أَعْلَمُ الغيب ولا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ ) ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتلك الجملة الجامعة لكل خير فقال : ( فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس : إنما أنا واحد مثلكم فى البشرية إلا أن الله - تعالى - قد خصنى واصطفانى عليكم برسالته ووحيه ، وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم إله واحد .
فمن كان منكم يرجو لقاء الله - تعالى - ويأمل فى ثوابه ورؤية وجهه الكريم ، والظفر بجنته ورضاه ، فليعمل عملا صالحا ، بأن يكون هذا العمل خالصاً لوجه الله - تعالى - ومطابقاً لما جئت به من عنده - عز وجل - ولا يشرك بعبادة ربه أحدا من خلقه سواء أكان هذا المخلوق نبياً أم ملكا أم غير ذلك من خلقه - تعالى - .وقد حمل بعض العلماء الشرك هنا على الرياء فى العمل ، فيكون المعنى : " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً ، ولا يرائى الناس فى عمله ، لأن العمل الذى يصاحبه الرياء هو نوع من أنواع الشرك بالله تعالى " .والذى يبدو لنا أن حمل الشرك هنا على ظاهره أولى ، بحيث يشمل الإِشراك الجلى كعبادة غير الله - تعالى - والإِشراك الخفى كالرياء وما يشبهه .أى : ولا يعبد ربه رياء وسمعة ، ولا يصرف شيئا من حقوق خالقه لأحد من خلقه ، لأنه - سبحانه - يقول : ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً )وقد ساق الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لقوله - تعالى - ( فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ) .ومن هذه الأحاديث ما رواه ابن أبى حاتم ، من حديث معمر ، عن عبد الكريم الجزرى ، عن طاووس قال : قال رجل يا رسول الله ، إنى أقف المواقف أريد وجه الله ، وأحب أن يرى موطنى ، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت هذه الآية : ( فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ) .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص الأولين نبه على كمال حال القرآن فقال: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى ﴾ والمداد اسم لما تمد به الدواة من الحبر ولما يمد به السراج من السليط، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وكان البحر مداداً لها والمراد بالبحر الجنس لنفد قبل أن تنفد الكلمات، تقرير الكلام أن البحار كيفما فرضت في الاتساع والعظمة فهي متناهية ومعلومات الله غير متناهية والمتناهي لا يفي ألبتة بغير المتناهي، قرأ حمزة والكسائي ينفد بالياء لتقدم الفعل على الجمع والباقون بالتاء لتأنيث كلمات، وروي أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ثم تقرأون: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ فنزلت هذه الآية يعني أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.
المسألة الثانية: احتج المخالفون على الطعن في قول أصحابنا أن كلام الله تعالى واحد بهذه الآية، وقالوا: إنها صريحة في إثبات كلمات الله تعالى وأصحابنا حملوا الكلمات على متعلقات علم الله تعالى، قال الجبائي: وأيضاً قوله: ﴿ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى ﴾ يدل على أن كلمات الله تعالى قد تنفد في الجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه، وأيضاً قال: ﴿ ولَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مِدَاداً ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يجيء بمثل كلامه والذي يجاء به يكون محدثاً والذي يكون المحدث مثلاً له فهو أيضاً محدث وجواب أصحابنا أن المراد منه الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية، واعلم أنه تعالى لما بين كمال كلام الله أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يسلك طريقة التواضع فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ ﴾ أي لا امتياز بيني وبينكم في شيء من الصفات إلا أن الله تعالى أوحى إلي أنه لا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد، والآية تدل على مطلوبين: الأول: أن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر وهي قوله: ﴿ أَنَّمَا إلهكم إله واحد ﴾ .
والثاني: أن كون الإله تعالى: ﴿ إلها واحدا ﴾ يمكن إثباته بالدلائل السمعية، وقد قررنا هذين المطلوبين في سائر السور بالوجوه القوية، ثم قال: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ ﴾ والرجاء هو ظن المنافع الواصلة إليه والخوف ظن المضار الواصلة إليه، وأصحابنا حملوا لقاء الرب على رؤيته والمعتزلة حملوه على لقاء ثواب الله وهذه المناظرة قد تقدمت والعجب أنه تعالى أورد في آخر هذه السورة ما يدل على حصول رؤية الله في ثلاث آيات: أولها: قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً ﴾ .
وثالثها: قوله: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ ﴾ ولا بيان أقوى من ذلك ثم قال: ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا ﴾ أي من حصل له رجاء لقاء الله فليشتغل بالعمل الصالح، ولما كان العمل الصالح قد يؤتي به لله وقد يؤتى به للرياء والسمعة لا جرم اعتبر فيه قيدان: أن يؤتى به لله، وأن يكون مبرأ عن جهات الشرك، فقال: ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا ﴾ .
قيل: نزلت هذه الآية في جندب بن زهير قال- لرسول الله صلى الله عليه وسلم:- إني أعمل العمل لله تعالى فإذا اطلع عليه أحد سرني، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبل ما شورك فيه».
وروي أيضاً أنه قال له: لك أجران أجر السر وأجر العلانية فالرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة، والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدى به، والمقام الأول مقام المبتدئين، والمقام الثاني مقام الكاملين والحمد صلى الله عليه وسلم رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ ﴾ فمن كان يؤمل حسن لقاء ربه، وأن يلقاه لقاء رضا وقبول.
وقد فسرنا اللقاء.
أو: أفمن كان يخاف سوء لقائه.
والمراد بالنهي عن الإشراك بالعبادة: أن لا يرائي بعمله، وأن لا يبتغي به إلاّ وجه ربه خالصاً لا يخلط به غيره.
وقيل: نزلت في جندب بن زهير، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أعمل العمل لله، فإذا اطلع عليه سرّني، فقال: (إنّ الله لا يقبل ما شورك فيه).
وروي أنه قال: «لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية» وذلك إذا قصد أن يقتدى به.
وعنه صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء» وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء» وعنه صلى الله عليه وسلم: «من قرأ عند مضجعه: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ ﴾ كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم، وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ» والله أعلم.
﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ لا أدَّعِي الإحاطَةَ عَلى كَلِماتِهِ.
﴿ يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ وإنَّما تَمَيَّزْتُ عَنْكم بِذَلِكَ.
﴿ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ ﴾ يُؤَمِّلُ حُسْنَ لِقائِهِ أوْ يَخافُ سُوءَ لِقائِهِ.
﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ﴾ يَرْتَضِيهِ اللَّهُ.
﴿ وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا ﴾ بِأنْ يُرائِيَهُ أوْ يَطْلُبَ مِنهُ أجْرًا.
رُوِيَ «أنَّ جُنْدُبَ بْنَ زُهَيْرٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : إنِّي لَأعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ فَإذا أُطْلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي فَقالَ: « إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ ما شُورِكَ فِيهِ» .
فَنَزَلَتْ تَصْدِيقًا لَهُ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « اتَّقُوا الشِّرْكَ الأصْغَرَ» قالُوا وما الشِّرْكُ الأصْغَرُ قالَ « الرِّياءُ» .» والآيَةُ جامِعَةٌ لِخُلاصَتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ وهُما التَّوْحِيدُ والإخْلاصُ في الطّاعَةِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ «مَن قَرَأها عِنْدَ مَضْجَعِهِ كانَ لَهُ نُورًا في مَضْجَعِهِ يَتَلَأْلَأُ إلى مَكَّةَ حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلائِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتّى يَقُومَ، فَإنْ كانَ مَضْجَعُهُ بِمَكَّةَ كانَ لَهُ نُورًا يَتَلَأْلَأُ مِن مَضْجَعِهِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلائِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ مِن آخِرِها كانَتْ لَهُ نُورًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، ومَن قَرَأها كُلَّها كانَتْ لَهُ نُورًا مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ» .
{قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ} فمن كان يأمل حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضاً وقبول أو فمن كان يخاف سوء لقاء ربه والمراد باللقاء القدوم عليه وقيل رؤيته كما هو حقيقة اللفظ والرجاء على هذا مجرى على حقيقته {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا} خالصاً لا يريد به إلا وجه ربه ولا يخلط به غيره وعن يحيى بن معاذ هو مالا يستحي منه {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا} هو نهي عن الشرك أو عن الرياء قال صلى الله عليه وسلم اتقوا الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر قال الرياء قال صلى الله عليه وسلم عليه وسلم من قرأ سورة الكهف فهو معصوم ثمانية أيام من كل فتنة تكون فإن يخرج الدجال في تلك الثمانية عصمه الله من فتنة الدجال ومن قرأ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إليَّ إلى آخرها عند مضجعه كان له نورا يتلألأ
من مضجعه إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم عن مضجعه وإن كان مضعجه بمكة فتلاها كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه ويستغفرون له حتى يستيقظ
مريم (٤ - ١)
سورة مريم
سورة مريم عليها السلام مكية وهي ثمان أو تسع وتسعون آية مدني وشامي
بسم الله الرحمن الرحيم
(قُلْ) بَعْدَ أنْ بَيَّنْتَ شَأْنَ كَلِماتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ لا أدَّعِي الإحاطَةَ بِكَلِماتِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ يُوحى إلَيَّ ﴾ مِن تِلْكَ الكَلِماتِ ﴿ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ وإنَّما تَمَيَّزْتُ عَنْكم بِذَلِكَ، وأنَّ المَفْتُوحَةَ وإنْ كَفَتْ بِما في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ القائِمِ مَقامَ فاعِلِ (يُوحى) والِاقْتِصارُ عَلى ما ذُكِرَ لِأنَّهُ مَلاكُ الأمْرِ، والقَصْرُ في المَوْضِعَيْنِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِإفادَةِ إنَّما بِالكَسْرِ وأنَّما بِالفَتْحِ الحَصْرُ مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ قَصْرَ قَلْبٍ، والمَقْصُورُ عَلَيْهِ في الأوَّلِ (أنا) والمَقْصُورُ البَشَرِيَّةُ مِثْلُ المُخاطَبِينَ، وهو عَلى ما قِيلَ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِهِمْ لِاقْتِراحِهِمْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَكُونُ مِن بَشَرٍ مِثْلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ خِلافَهُ أوْ عَلى تَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن ذُكِرَ لِزَعْمِهِمْ أنَّ الرِّسالَةَ الَّتِي يَدَّعِيها مُبَرْهَنَةٌ بِالبَراهِينِ السّاطِعَةِ تُنافِي ذَلِكَ، وقِيلَ إنَّ المَقْصُودَ بِأنْ يَقْصُرَ عَلَيْهِ الإيحاءُ إلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى إيحاءِ ذَلِكَ إلَيْهِ لا يَتَجاوَزُهُ إلى عَدَمِ الإيحاءِ كَما يَزْعُمُونَ، والمَقْصُورُ الثّانِي (إلَهُكُمْ) أيْ: مَعْبُودُكُمُ الحَقُّ والمَقْصُورُ عَلَيْهِ الوَحْدانِيَّةُ المُعَبَّرُ عَنْها بِإلَهٍ واحِدٍ أيْ لا يَتَجاوَزُ مَعْبُودُكم بِالحَقِّ تِلْكَ الصِّفَةَ الَّتِي هي الوَحْدانِيَّةُ أيِ الوَحْدَةُ في الأُلُوهِيَّةِ إلى صِفَةٍ أُخْرى كالتَّعَدُّدِ فِيها الَّذِي تَعْتَقِدُونَهُ أيُّها المُشْرِكُونَ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القَصْرَ في الثّانِي مِن قَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قَصْرُ أفْرادٍ وأنَّ المَقْصُورَ الأُلُوهِيَّةُ مَصْدَرُ إلَهِكم والمَقْصُورَ عَلَيْهِ هو اللَّهُ تَعالى المُعَبَّرُ عَنْهُ بِإلَهٍ واحِدٍ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ والعُدُولِ عَمّا هو الألْيَقُ.
ومِمّا يُوَضِّحُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَوْ قِيلَ إنَّما إلَهُكم واحِدٌ لَمْ يَكُنْ إلّا مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ فَزِيادَةُ إلَهٍ لِلتَّوْطِئَةِ لِلْوَصْفِ بِواحِدٍ، والإشارَةُ إلى أنَّ المُرادَ الوَحْدَةُ في الأُلُوهِيَّةِ لا تُغَيِّرُ ذَلِكَ.
وأمّا جَعْلُهُ مِن قَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قَصْرَ إفْرادٍ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المَقْصُورُ عَلَيْهِ والوَحْدانِيَّةُ هي المَقْصُورُ فَباطِلٌ قَطْعًا لِأنَّ قَصْرَ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ كَذَلِكَ إنَّما يُخاطَبُ بِهِ مَن يَعْتَقِدُ اشْتِراكَ الصِّفَةِ بَيْنَ مَوْصُوفَيْنِ كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ، وهَذا الِاعْتِقادُ لا يُتَصَوَّرُ هُنا مِن عاقِلٍ لِبَداهَةِ اسْتِحالَةِ اشْتِراكِ مَوْصُوفَيْنِ في الوَحْدانِيَّةِ أيِ الوَحْدَةِ في الأُلُوهِيَّةِ، وما يُوهِمُ إرادَةَ هَذا القَصْرِ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مُؤَوَّلٌ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن قَصْرِ التَّعْيِينِ ولَيْسَ بِذاكَ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ ﴿ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ ﴾ الرَّجاءُ طَمَعُ حُصُولِ ما فِيهِ مَسَرَّةٌ في المُسْتَقْبَلِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الخَوْفِ وأنْشَدُوا: إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها وحالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَوامِلِ ولِقاءُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ هُنا قِيلَ مَثَلٌ لِلْوُصُولِ إلى العاقِبَةِ مِن تَلَقِّي مَلَكِ المَوْتِ والبَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُثِّلَتْ تِلْكَ الحالُ بِحالِ عَبْدٍ قَدِمَ عَلى سَيِّدِهِ بَعْدَ عَهْدٍ طَوِيلٍ وقَدِ اطَّلَعَ مَوْلاهُ عَلى ما كانَ يَأْتِي ويَذَرُ فَإمّا أنْ يَلْقاهُ بِبِشْرٍ وتَرْحِيبٍ لِما رَضِيَ مِن أفْعالِهِ أوْ بِضِدِّ ذَلِكَ لِما سَخِطَهُ مِنها، فالمَعْنى عَلى هَذا، وحَمَلَ الرَّجاءَ عَلى المَعْنى الأوَّلِ مَن كانَ يَأْمُلُ تِلْكَ الحالَ وأنْ يَلْقى فِيها الكَرامَةَ مِن رَبِّهِ تَعالى والبُشْرى (فَلْيَعْمَلْ) لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ والفَوْزِ بِهِ ﴿ عَمَلا صالِحًا ﴾ وقِيلَ هو كِنايَةٌ عَنِ البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مَن كانَ يُؤَمِّلُ حُسْنَ البَعْثِ فَلْيَعْمَلْ إلَخْ، وقِيلَ لا حَذْفَ، والمُرادُ مَن تَوَقَّعَ البَعْثَ فَلْيَعْمَلْ صالِحًا أيْ إنَّ ذَلِكَ العَمَلَ مَطْلُوبٌ مِمَّنْ يَتَوَقَّعُ البَعْثَ فَكَيْفَ مَن يَتَحَقَّقُهُ، وقِيلَ: اللِّقاءُ عَلى حَقِيقَتِهِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْضًا أيْ مَن كانَ يُؤَمِّلُ لِقاءَ ثَوابِ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ إلَخْ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ رُؤْيَتُهُ سُبْحانَهُ أيْ مَن كانَ يُؤَمِّلُ رُؤْيَتَهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ وهو راضٍ عَنْهُ فَلْيَعْمَلْ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ عَلى مَعْنى مَن خافَ سُوءَ لِقاءِ رَبِّهِ أوْ خافَ لِقاءَ جَزائِهِ تَعالى فَلْيَعْمَلْ إلَخْ، وتَفْسِيرُ الرَّجاءِ بِالطَّمَعِ أوْلى، وكَذا كَوْنُ المَرْجُوِّ الكَرامَةَ والبُشْرى، وعَلى هَذا فَإدْخالُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِحَقِّ العَبْدِ الِاسْتِمْرارُ والِاسْتِدامَةُ عَلى رَجاءِ الكَرامَةِ مِن رَبِّهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَمَنِ اسْتَمَرَّ عَلِمَ رَجاءَ كَرامَتِهِ تَعالى فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا في نَفْسِهِ لائِقًا بِذَلِكَ المَرْجُوِّ كَما فَعَلَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴿ ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا ﴾ إشْراكًا جَلِيًّا كَما فَعَلَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ ولا إشْراكًا خَفِيًّا كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرِّياءِ، ومَن يَطْلُبْ بِعَمَلِهِ دُنْيا، واقْتَصَرَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَلى تَفْسِيرِ الشِّرْكِ بِالرِّياءِ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ، وصَحَّ في الحَدِيثِ تَسْمِيَتُهُ بِالشِّرْكِ الأصْغَرِ، ويُؤَيِّدُ إرادَةَ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الأمْرِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ عَلى هَذا النَّهْيِ، فَإنَّ وجْهَهُ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ إذْ يَكُونُ الكَلامُ في قُوَّةِ قَوْلِكَ: مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا في نَفْسِهِ ولا يَراهُ بِعَمَلِهِ أحَدًا فَيُفْسِدُهُ.
وكَذا ما رُوِيَ مِن «أنَّ جُنْدَبَ بْنَ زُهَيْرٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : إنِّي أعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى فَإذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي فَقالَ لِي: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ ما شُورِكَ فِيهِ» فَنَزَلَتِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لَهُ ، نَعَمْ لا يَأْبى ذَلِكَ إرادَةَ العُمُومِ كَما لا يَخْفى، وقَدْ تَظافَرَتِ الأخْبارُ أنَّ كُلَّ عَمَلٍ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ لا يُقْبَلُ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى أنَّهُ قالَ: ( «أنا خَيْرُ الشُّرَكاءِ فَمَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأنا بَرِيءٌ مِنهُ وهو لِلَّذِي أشْرَكَ» ) .
وأخْرَجَ البَزّارُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: ( قالَ رَسُولُ اللَّهِ «تُعْرَضُ أعْمالُ بَنِي آدَمَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ في صُحُفٍ مُخَتَّمَةٍ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى ألْقُوا هَذا واقْبَلُوا هَذا فَتَقُولُ المَلائِكَةُ يا رَبِّ، واللَّهِ ما رَأيْنا مِنهُ إلّا خَيْرًا، فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: إنَّ عَمَلَهُ كانَ لِغَيْرِ وجْهِي ولا أقْبَلُ اليَوْمَ مِنَ العَمَلِ إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهِي» ) .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ يَحْيى بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبادَةَ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: ( «مَن غَزا وهو لا يَنْوِي في غَزاتِهِ إلّا عِقالًا فَلَهُ ما نَوى» ) .
وأخْرُجُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ( جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ فَقالَ: أرَأيْتَ رَجُلًا غَزا يَلْتَمِسُ الأجْرَ والذِّكْرَ ما لَهُ؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : لا شَيْءَ لَهُ، فَأعادَها ثَلاثَ مِرارٍ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إلّا ما كانَ لَهُ خالِصًا وابْتُغِيَ بِهِ وجْهَهُ» ) .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ.
واسْتَشْكَلَ كَوْنُ السُّرُورِ بِالعَمَلِ إشْراكًا فِيهِ مُحْبِطًا لَهُ مَعَ أنَّ الإتْيانَ بِهِ ابْتِداءً كانَ بِإخْلاصِ النِّيَّةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ إنِّي أعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى.
وأُجِيبُ بِما أشارَ إلَيْهِ في الأحْياءِ مِن أنَّ العَمَلَ لا يَخْلُو إذا عَمِلَ مِن أنْ يَنْعَقِدَ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ عَلى الإخْلاصِ مِن غَيْرِ شائِبَةِ رِياءٍ وهو الذَّهَبُ المُصَفّى أوْ يَنْعَقِدُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ عَلى الرِّياءِ وهو عَمَلٌ مُحْبَطٌ لا نَفْعَ فِيهِ، أوْ يَنْعَقِدُ مِن أوَّلِ أمْرِهِ عَلى الإخْلاصِ ثُمَّ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الرِّياءُ، وحِينَئِذٍ لا يَخْلُو طُرُؤُهُ عَلَيْهِ مِن أنْ يَكُونَ بَعْدَ تَمامِهِ أوْ قَبْلَهُ، والأوَّلُ غَيْرُ مُحْبِطٍ لا سِيَّما إذا لَمْ يَتَكَلَّفْ إظْهارَهُ إلّا أنَّهُ إذا ظَهَرَتْ رَغْبَةٌ وسُرُورٌ تامٌّ بِظُهُورِهِ يَخْشى عَلَيْهِ لَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ مُثابٌ عَلَيْهِ، والثّانِي وهو المُرادُ هُنا فَإنْ كانَ باعِثًا لَهُ عَلى العَمَلِ ومُؤَثِّرًا فِيهِ فَسَدَ ما قارَنَهُ وأحْبَطَهُ ثُمَّ سَرى إلى ما قَبْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في الصَّحابَةِ وغَيْرُهُما مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ الصَّغِيرِ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ جُنْدَبُ بْنُ زُهَيْرٍ إذا صَلّى أوْ صامَ أوْ تَصَدَّقَ فَذُكِرَ بِخَيْرٍ ارْتاحَ لَهُ، فَزادَ في ذَلِكَ لِمَقالَةِ النّاسِ وفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ يَرْجُو ﴾ الآيَةَ ولا شَكَّ أنَّ العَمَلَ الَّذِي يُقارِنُ ذَلِكَ مُحْبَطٌ.
وذَكَرَ بَعْضُهُمْ: قَدْ يُثابُ الرَّجُلُ عَلى الإعْجابِ إذا اطَّلَعَ عَلى عَمَلِهِ، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أعْمَلُ العَمَلَ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ فَيُعْجِبُنِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَكَ أجْرانِ أجْرُ السِّرِّ وأجْرُ العَلانِيَةِ» ) وهَذا مَحْمُولٌ عَلى ما إذا كانَ ظُهُورُ عَمَلِهِ لِأحَدٍ باعِثًا لَهُ عَلى عَمَلِ مِثْلِهِ والِاقْتِداءِ بِهِ فِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ إعْجابُهُ بِعَمَلِهِ ولا بِظُهُورِهِ بَلْ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ، ومِثْلُهُ دَفْعُ سُوءِ الظَّنِّ ولِذا قِيلَ يَنْبَغِي لِمَن يُقْتَدى بِهِ أنْ يُظْهِرَ أعْمالَهُ الحَسَنَةَ، والظّاهِرُ أنَّ النَّبِيَّ عَلِمَ حالَ كُلٍّ مِن هَذا الرَّجُلِ وجُنْدَبِ بْنِ زُهَيْرٍ فَأجابَ كُلًّا عَلى حَسَبِ حالِهِ، وما ألْطَفَ جَوابَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِجُنْدَبٍ كَما لا يَخْفى عَلى الفَطِنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتِ الآيَةُ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ تَعالى إلَهًا غَيْرَهُ ولَيْسَتْ في المُؤْمِنِينَ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ حَمَلَ الشِّرْكَ عَلى الجَلِيِّ، وأنَّهُ تَعَلَّمَ أنَّهُ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ وجْهُ تَقْدِيمِ الأمْرِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ عَلى النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ المَذْكُورِ إلّا بِتَكَلُّفٍ، فَلَعَلَّ العُمُومَ أوْلى وإنْ كانَ الشِّرْكُ أكْثَرَ شُيُوعًا في الشِّرْكِ الجَلِيِّ.
ويَدْخُلُ في العُمُومِ قِراءَةُ القُرْآنِ لِلْمَوْتى بِالأُجْرَةِ فَلا ثَوابَ فِيها لِلْمَيِّتِ ولا لِلْقارِئِ أصْلًا، وقَدْ عَمَّتِ البَلْوى بِذَلِكَ والنّاسُ عَنْهُ غافِلُونَ، وإذا نُبِّهُوا لا يَتَنَبَّهُونَ فَإنّا لِلَّهِ تَعالى وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، وقَدْ بالَغَ في العُمُومِ مَن جَعَلَ الِاسْتِعانَةَ في الطّاعاتِ كالوُضُوءِ شِرْكًا مَنهِيًّا عَنْهُ.
فَقَدْ قالَ الرّاغِبُ في المُحاضَراتِ: إنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسى الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ عِنْدَ المَأْمُونِ، فَلَمّا حَضَرَ وقْتُ الصَّلاةِ رَأى الخَدَمَ يَأْتُونَهُ بِالماءِ والطَّسْتِ، فَقالَ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوْ تَوَلَّيْتَ هَذا بِنَفْسِكَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا ﴾ ولَعَلَّ المُرادَ بِالنَّهْيِ هَذا مُطْلَقُ طَلَبِ التَّرْكِ لِيَعُمَّ الحَرامَ والمَكْرُوهَ، والظّاهِرُ أنَّ الفاءَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَصْرِ الوَحْدانِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى، ووَجْهُ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَوْنَ الإلَهِ الحَقِّ واحِدًا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ في غايَةِ العَظَمَةِ والكَمالِ، واقْتِضاءُ ذَلِكَ عَمَلُ الطّامِعِ في كَرامَتِهِ عَمَلًا صالِحًا وعَدَمُ الإشْراكِ بِعِبادَتِهِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ كَذا قِيلَ، وقِيلَ الأمْرُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ مُتَفَرِّعٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى إلَهًا والنَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ مُتَفَرِّعٌ عَلى كَوْنِ الإلَهِ واحِدًا، وجَعْلِ هَذا وجْهًا لِتَقْدِيمِ الأمْرِ عَلى النَّهْيِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: التَّفْرِيعُ عَلى مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ فَلْيُفْهَمْ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ في المَوْضِعَيْنِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ولِلْإشْعارِ بِعَلِيَّةِ العُنْوانِ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ ووُجُوبِ الِامْتِثالِ فِعْلًا وتَرْكًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ ( ولا تُشْرِكْ ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ( بِرَبِّهِ ) التِفاتًا أيْضًا مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، هَذا وعَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ( فَمَن كانَ يَرْجُو ) إلَخْ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ وفِيهِ كَلامٌ والحَقُّ خِلافُهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) قِيلَ: ذُو القَرْنَيْنِ إشارَةٌ إلى القَلْبِ، وقِيلَ: إلى الشَّيْخِ الكامِلِ ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ إشارَةٌ إلى الدَّواعِي والهَواجِسِ الوَهْمِيَّةِ والوَساوِسِ والنَّوازِعِ الخَيالِيَّةِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى القُوى والطَّبائِعِ، والأرْضُ إشارَةٌ إلى البَدَنِ، وهَكَذا فَعَلُوا في باقِي ألْفاظِ القِصَّةِ، ورامُوا التَّطْبِيقَ بَيْنَ ما في الآفاقِ وما في الأنْفُسِ ولَعَمْرِي لَقَدْ تَكَلَّفُوا غايَةَ التَّكَلُّفِ ولَمْ يَأْتُوا بِما يَشْرَحُ الخاطِرَ ويَسُرُّ النّاظِرَ، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: الإشارَةُ في القِصَّةِ إلى إرْشادِ المُلُوكِ لِاسْتِكْشافِ أحْوالِ رَعاياهم وتَأْدِيبِ مُسِيئِهِمْ والإحْسانِ إلى مُحْسِنِهِمْ وإعانَةِ ضُعَفائِهِمْ ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم وعَدَمِ الطَّمَعِ بِما في أيْدِيهِمْ، وإنْ سَمَحَتْ بِهِ أنْفُسُهم لِمَصْلَحَتِهِمْ.
وقَدْ يُقالُ: فِيها إشارَةٌ إلى اعْتِبارِ الأسْبابِ.
وقالَ الأشاعِرَةُ: الأسْبابُ في الحَقِيقَةِ مُلْغاةٌ وعَلى هَذا قَوْلُ شَيْخِهِمْ، يَجُوزُ لِأعْمى الصِّينِ أنْ يَرى بُقْعَةَ أنْدَلُسَ، ومَذْهَبُ السَّلَفِ أنَّها مُعْتَبَرَةٌ وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْها فِعْلُ اللَّهِ تَعالى عَقْلًا، وتَحْقِيقُ هَذا المَطْلَبِ في مَحَلِّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ إشارَةٌ إلى المُرائِينَ عَلى ما في أسْرارِ القُرْآنِ ومِنهُمُ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ في الخانِقاهِ لِأجْلِ نَظَرِ الخَلْقِ وصَرْفِ وُجُوهِ النّاسِ إلَيْهِمْ واصْطِيادِ أهْلِ الدُّنْيا بِشِباكِ حِيَلِهِمْ وذِكْرٍ مِن خُسْرانِهِمْ في الدُّنْيا افْتِضاحِهِمْ فِيها وإظْهارِ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةَ حالِهِمْ لِلنّاسِ.
ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ وإنْ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمِ وأمّا خُسْرانُهم في الآخِرَةِ فالطَّرْدُ عَنِ الحَضْرَةِ والعَذابُ الألِيمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ إشارَةٌ إلى جِهَةِ مُشارَكَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلنّاسِ وُجْهَةَ امْتِيازِهِ ولَوْلا تِلْكَ المُشارَكَةُ ما حَصَلَتِ الإفاضَةُ، ولَوْلا ذَلِكَ الِامْتِيازُ ما حَصَلَتِ الِاسْتِفاضَةُ.
وقَدْ أشارَ مَوْلانا جَلالُ الدِّينِ القُونَوِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: كَفَتْ بيغمبر كه أصْحابِي نُجُومُ ∗∗∗ رَهْ روانرا شَمعٌ وشَيْطانٌ رارْجُومِ هر كسى را كر نَظَرٌ بِوادِي زدور ∗∗∗ كو كرفتي ز آفتاب جرخ نُورِ كي ستاره حاجَتِي بِوادِي ذَلِيلٍ ∗∗∗ كي بدي بر نُورُ خورشيدا ودَلِيلِ ماه ميكو يد بابر وخاك في ∗∗∗ مِن بَشَرٍ مِن مِثْلِكم يُوحى إلى جون شما تاريك بودم در نهاد ∗∗∗ وحي خورشيد دم جنين نوري بداد ظلمتي دارم بِهِ نُسِبَتْ با شموس ∗∗∗ نور دارم بهر ظُلُماتِ نُفُوسُ زان ضعيفم تا تو بابي أوري ∗∗∗ كه ني مردي آفتاب انوري هَذا ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى بِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ المُكَرَّمِ المُعَظَّمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُوَفِّقَنا لِما يُرْضِيهِ ويُوَفِّقَنا عَلى أسْرارِ كِتابِهِ الكَرِيمِ ومَعانِيهِ.
قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي وذلك أن اليهود قالوا: يزعم محمد أن من أوتي الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كثيراً، ثم يزعم ويقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85] فكيف نوافق الخير الكثير مع العلم القليل؟
فنزل: قل يا محمد: لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي يكتب به، لَنَفِدَ الْبَحْرُ وتكسرت الأقلام، قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي أي لا تنفد كلمات ربي.
كما قال في آية أخرى: مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: 27] .
وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً، أي بمثل البحر.
وقرأ بعضهم: وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مِدَاداً.
وقراءة العامة مَدَداً ومعناهما واحد وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: 269] وهو قليل عند علم الله تعالى.
قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ، أي من يخاف البعث بعد الموت.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً، أي: خالصاً فيما بينه وبين الله تعالى، وَلا يُشْرِكْ أي لا يخلط ولا يرائي بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.
وقال سعيد بن جبير فَمَنْ كانَ يَرْجُوا، أي من كان يرجو ثواب ربه.
وروي عن مجاهد: أن رجلاً جاء إلى النبيّ وقال: إني أتصدق بالصدقة وألتمس بها وجه الله، وأحب أن يقال لي خيراً.
فنزل: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً.
قرأ حمزة والكسائي وابن عامر في إحدى الروايتين أن يَنفَدُ بالياء بلفظ التذكير، وقرأ الباقون: بالتاء بلفظ التأنيث، لأن الفعل إذا كان مقدماً على الاسم يجوز التأنيث والتذكير.
قال الفقيه: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن عمران قال: حدثنا أبو شهاب، قال: حدّثنا غنام بن يوسف، قال: حدثنا أبو عبد الله المديني، عن مخلد بن عبد الواحد، عن الخليل، عن علي بن زيد بن جدعان، عن زر بن حبيش، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فَهُوَ مَعْصُومٌ ثَمَانِيَةَ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ تَكُونُ، فَإنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ فِي تِلْكَ الثَّمَانِيَةِ أيَّامٍ، عَصَمَهُ الله مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَمَنْ قَرَأ الآيةَ الَّتِي فِي آخِرِهَا قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إلى الخاتِمَةِ حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ، كَانَ لَهُ نُورٌ يَتَلألأ فِي مَضْجعِهِ إلى مَكَّةَ، حَشْوُ ذلك النور ملائكة يصلون عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ مَضْجَعِهِ.
وَإنْ كَانَ مَضْجعُهُ بمكّة فتلاها، كَانَ لَهُ نُورٌ يَتَلألأ مِنْ مَضْجَعِهِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، حَشْوُ ذلكَ النُّورِ مَلائِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ مِنْ نَوْمِهِ» .
إلى غير ذلك مما ورد في فضلها من الأخبار والآثار.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي المختار وعلى آله وصحابته الأطهار، صلاة وسلاماً دائمين ما تعاقب الليل والنهار، آمين آمين آمين، والحمد للَّهِ رَبّ العالمين.
ت: ففي «البخاريِّ» من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم/ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجَنَّةِ» «١» انتهى.
وقوله تعالى: لاَ يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا «الحِوَلُ» بمعنى المتحوَّل.
قال مجاهدٌ: متحوَّلاً «٢» :
وأما قوله سبحانه: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي ...
الآية: فروي أن سبب الآية أنّ اليهود قالت للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: كَيْفَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيُّ الأُمَمِ كُلَّها وأنَّكَ أُعُطِيتَ مَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ مِنَ الْعِلْمِ، وأَنْتَ مُقَصِّرٌ، قَدْ سُئِلْتَ عَنْ الرُّوحِ، فَلَمْ تُجِبْ فيهِ؟، ونحو هذا من القول فأنزل اللَّه الآية مُعْلِمَةً باتساع معلوماتِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وأنها غير متناهية، وأن الوقوف دونها ليس ببدْعٍ، فالمعنى: لو كان البحْرُ مداداً تكتب به معلوماته تعالى، لنَفِدَ قبل أنْ يستوفيها، «وكلمات ربِّي» هي المعاني القائمة بالنَّفْس، وهي المعلوماتُ، ومعلوماتُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ لا تتناهى والبحر متناهٍ ضرورةً، وذكر الغَزَّالِيُّ في آخر «المنهاج» أن المفسِّرين يقولون في قوله تعالى: لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي، أن هذه هي الكلماتُ التي يقولُ اللَّه عزَّ وجلَّ لأهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّة باللُّطْفِ والإِكرام، مما لا تكيِّفه الأوهام، ولا يِحُيطُ به عِلْمُ مخْلوقِ، وحُقَّ أنْ يكون ذلك كذلك، وهو عطِاءُ العزيز العليم على مقتضى الفَضْل العظيم، والجود الكريمِ، أَلاَ لِمِثْلِ هذا فليعملِ العَامِلُونَ.
انتهى.
وقوله: مَدَداً، أي زيادة.
ت: وكذا فسَّره الهَرَوِيُّ ولفظه: وقوله تعالى:
وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً، أي زيادة انتهى.
وقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي: أنا بشرٌ ينتهي علْمي إلى حيثُ يوحى إليّ، ومما يوحَى إِليَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وباقي الآية بيِّن في الشرك باللَّه تعالى، وقال ابن جُبَيْر في تفسيرها لا يرائي في عمله، وقد ورد حديثٌ أنها نزلَتْ في الرياء.
ت: وروى ابن المبارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن زَيْد بن أسْلَمُ، عن أبيه، أنه كَانَ يَصِفُ أمْرَ الرياء، فيقول: ما كَانَ مِنْ نَفْسِكَ فَرَضِيَتْهُ نَفْسُكَ لها، فإِنه مِنْ نَفْسِكَ فعاتْبها، وما كان مِنْ نَفْسِك، فكرهَتْه نَفْسُك لها، فإنه من الشيطان فتعوَّذْ باللَّه منه، وكان أبو حَازِمٍ يقول ذلك «١» ، وأسند ابنُ المبارك عن عبْدِ الرحمن بنِ أبي أُمَيَّة، قال: كُلُّ ما كَرِهَه العَبْد فليس منْه «٢» انتهى، وخرَّج الترمذيُّ عن أبي سعيد بْنِ أبي فَضَالَة الأنصاريِّ، وكان من الصحابة، قال: سَمِعْتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كان أشرك في عمل عَمِلَهُ للَّهِ أحَداً، فَلْيَطْلُبْ ثَوابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّركَاءِ عَنِ الشِّرْكِ» «٣» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ انتهى، وقد خرَّج مسلم معناه.
ت: ومما جَّربته، وصحَّ من خواصِّ هذه السورة، أنَّ من أراد أن يستيقظ أيَّ وقتٍ شاء من الليل، فليقرأ عند نومه قولَهُ سبحانه: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي/ مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ ...
إلى آخر السورة، فإنه يستيقظُ بإِذن اللَّه في الوقْت الذي نَوَاهُ، ولتكُنْ قراءته عند آخر ما يَغْلِبُ عليه النُّعَاس بحيث لا يتجدَّد له عقب القراءة خواطِرُ، هذا مما لا شَكَّ فيه، وهو من عجائب القرآن المقطوعِ بها، واللَّه الموفِّق بفضله.
تنبيهٌ: رُوِّينا في «صحيح مسلم» ، عن جابر رضي اللَّه عنه قال: سَمِعْتُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «إِنَّ في اللَّيلِ لسَاعَةً لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلَ اللَّهَ خَيْراً مِنْ أَمْر الدُّنْيَا والآخِرَةِ إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» «٤» ، وذلِكَ كُلَّ لَيَلةٍ، فإِن أردتَّ أن تعرف هذه الساعة، فاقرأ عند نومك من قوله
تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ إلى آخر السورة، فإِنك تستيقظ في تلك الساعة- إن شاء اللَّه تعالى- بفضله، ويتكرَّر تَيَقُّظَكَ، ومهما استيقظْتَ، فادْعُ لي ولك، وهذا مما ألهمنيه اللَّهُ سبحانه، فاستفِدْه، وما كتبته إلاّ بَعْدَ استخارة، وإِياك أن تدعُوَ هنا على مُسْلِمٍ، ولو كان ظالماً، فإن خالفتَني، فاللَّه حَسِيبُكَ وبَيْن يديه أكونُ خصيمَكَ، وأنا أرغَبُ إِليك أنْ تشركني في دعائِكَ، إِذ أفدتُّكَ هذه الفائدةَ العظيمةَ وكُنْتُ شيخَكَ فيها، وللقرآن العظيم أسرارٌ يُطْلِعُ اللَّه عليها من يشاء مِنْ أوليائه، جَعَلَنَا اللَّه منْهم بفَضْله، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.
تم بحمد الله وحسن توفيقه الجزء الثالث من تفسير الثعالبي ويليه الجزء الرابع وأوله:
سورة مريم ولله الحمد والمنه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ التَّواضُعَ؛ لِئَلّا يُزْهى عَلى خَلْقِهِ، فَأمَرَهُ أنْ يُقِرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ آَدَمِيٌّ كَغَيْرِهِ، إلّا أنَّهُ أُكْرِمَ بِالوَحْيِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ جُنْدُبَ بْنَ زُهَيْرٍ الغامِدِيِّ قالَ لِرَسُولِ اللهِ : إنِّي أعْمَلُ العَمَلَ [ لِلَّهِ تَعالى ]، فَإذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : " إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ، ولا يَقْبَلُ ما رُوئِيَ فِيهِ "، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ طاوُوسٌ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ ، فَقالَ: إنِّي أُحِبُّ الجِهادَ [ في سَبِيلِ اللَّهِ ]، وأُحِبُّ أنْ يُرى مَكانِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ ، فَقالَ: إنِّي أتَصَدَّقُ، وأصِلُ الرَّحِمَ، ولا أصْنَعُ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، فَيُذْكَرُ ذَلِكَ مِنِّي وأُحْمَدُ عَلَيْهِ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وأُعْجَبُ بِهِ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن كانَ يَرْجُو ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَخافُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: يَأْمُلُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ ثَوابِ رَبِّهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ يَوْمُ البَعْثِ والجَزاءِ.
﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ﴾ لا يُرائِي بِهِ، ﴿ وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يُرائِي.
قالَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: هَذِهِ آَخِرُ آَيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآَنِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلا ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عنها حِوَلا ﴾ ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا ﴾ لِما فَرَغَ مِن ذِكْرِ الكَفَرَةِ والأخْسَرِينَ أعْمالًا عَقَّبَ بِذِكْرِ حالَةِ المُؤْمِنِينَ لِيَظْهَرَ التَبايُنُ، وفي هَذا بَعْثُ النُفُوسِ عَلى اتِّباعِ الحَسَنِ القَوِيمِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في "الفِرْدَوْسِ"، فَقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ أعْلى الجَنَّةِ ورَبْوَتُها، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّهُ جَبَلٌ تَنْفَجِرُ مِنهُ أنْهارُ الجَنَّةِ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: إنَّهُ سُرَّةُ الجَنَّةِ ووَسَطُها، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ يَتَفَجَّرُ مِنهُ أنْهارُ الجَنَّةِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: إنَّهُ جَنّاتُ الكُرُومِ والأعْنابِ خاصَّةً مِنَ الثِمارِ، وقالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ، واسْتَشْهَدَ قَوْمٌ لِذَلِكَ بُقُولِ أُمِّيَّةِ بْنِ أبِي الصَلْتِ: كانَتْ مَنازِلُهم إذْ ذاكَ ظاهِرَةٌ ∗∗∗ فِيها الفَرادِيسُ والفُومانُ والبَصَلُ وَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّ الفِرْدَوْسَ سُرْيانِيَّةٌ، وقِيلَ: رُومِيَّةٌ، ولَمْ يُسْمَعْ بِالفِرْدَوْسِ في كَلامِ العَرَبِ إلّا في بَيْتِ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: وإنَّ ثَوابَ اللهِ كُلَّ مُوَحِّدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ جَنانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ فِيها يُخَلَّدُ ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "إذا سَألْتُمُ اللهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ"،» وقالَتْ فَرِقْةٌ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ بِالرُومِيَّةِ.
وهَذا اقْتِضابُ القَوْلِ في "الفِرْدَوْسِ" وعُيُونُ ما قِيلَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نُزُلًا" يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ قَدَّمْناهُما قَبْلُ.
و"الحِوَلُ" بِمَعْنى: التَحَوُّلِ.
قالَ مُجاهِدٌ: مُتَحَوَّلًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لِكُلِّ دَوْلَةٍ أجْلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ثُمَّ يُتاحُ لَها حِوَلُ وكَأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وكَأنَّ واحِدَهُ حِوالَةٌ، وفي هَذا نَظَرٌ.
وقالَ الزَجّاجُ عن قَوْمٍ: هو بِمَعْنى الحِيلَةِ في الشُغْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ مُتَكَلَّفٌ.
وأُمًّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا ﴾ الآيَةُ، فَرُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ «أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِلنَّبِيِّ كَيْفَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيُّ الأُمَمِ كُلِّها ومَبْعُوثٌ إلَيْها، وأنَّكَ أُعْطِيتَ ما يَحْتاجُهُ الناسُ مِنَ العِلْمِ، وأنْتَ مُقَصِّرٌ قَدْ سُئِلْتَ في الرُوحِ ولَمْ تُجِبْ فِيهِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةً بِاتِّساعِ مَعْلُوماتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وأنَّ الوُقُوفَ دُونَها لَيْسَ بِبِدَعٍ ولا نُكُرٍ، فَعَبَّرَ عن هَذا بِتَمْثِيلِ ما يَسْتَكْثِرُونَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي ﴾ .
و"الكَلِماتُ" هي المَعانِي القائِمَةُ بِالنَفْسِ، وهي المَعْلُوماتُ، ومَعْلُوماتُ اللهِ سُبْحانُهُ لا تَتَناهى، والبَحْرُ مُتَناهٍ ضَرُورَةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَنْفَدُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عَبِيدِ: "يَنْفَدُ" بِالياءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مَصْرِفٍ: "قَبْلَ أنْ تُقْضى كَلِماتُ رَبِّي".
وقَوْلُهُ: "مِدادًا" أيْ: زِيادَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِدادًا"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ: "مِدادًا"، فالمَعْنى: لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا تُكْتَبُ بِهِ مَعْلُوماتُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَنَفِدَ قَبْلَ أنْ يَسْتَوْفِيَها، وكَذَلِكَ إلى ما شِئْتَ مِنَ العَدَدِ؛ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم لَمْ أُعْطَ إلّا ما أُوحِيَ إلَيَّ وكُشِفَ لِي، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَنْفَدُ) بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ الآيَةُ.
المَعْنى: إنَّما أنا بَشَرٌ يَنْتَهِي عِلْمِي إلى حَيْثُ يُوحى إلَيَّ، ومُهِمٌّ ما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ، وكانَ كُفْرُهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ فَلِذَلِكَ خُصِّصَ هَذا الفَصْلُ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، ثُمَّ أخَذَ في المَوْعِظَةِ والوَصايا البَيِّنَةِ الرُشْدِ.
و"يَرْجُوا" عَلى بابِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "يَرْجُو": يَخافُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا إذِ المَقْصَدُ: مِمَّنْ كانَ يُؤْمِنُ بِلِقاءِ رَبِّهِ، وكُلُّ مُؤْمِنٍ بِلِقاءِ رَبِّهِ فَلا مَحالَةَ أنَّهُ بِحالَتِي خَوْفٍ ورَجاءٍ، فَلَوْ عَبَّرَ بِالخَوْفِ كانَ المَعْنى تامًّا عَلى جِهَةِ التَخْوِيفِ والتَحْذِيرِ، وإذا عَبَّرَ بِالرَجاءِ فَعَلى جِهَةِ الإطْماعِ وبَسْطِ النُفُوسِ إلى إحْسانِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أيْ: مَن كانَ يَرْجُوا النَعِيمَ المُؤَبَّدَ مِن رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ في الشِرْكِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في تَفْسِيرِها: لا يُرائِي في عَمَلِهِ، وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ أنَّها نَزَلَتْ في الرِياءِ حِينَ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ عَمَّنْ يُجاهِدُ ويَحْمَدُهُ الناسُ.
وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: هَذِهِ آخَرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
استئناف ثان، انتقل به من التنويه بسعة علم الله تعالى وأنه لا يعجزه أن يوحي إلى رسوله بعلم كل ما يُسأل عن الإخبار به، إلى إعلامهم بأن الرسول لم يبعث للإخبار عن الحوادث الماضية والقرون الخالية، ولا أن من مقتضى الرسالة أن يحيط علم الرسول بالأشياء فيتصدى للإجابة عن أسئلة تُلقَى إليه، ولكنه بشَر عِلمه كعلم البشر أوحَى الله إليه بما شاء إبلاغه عبادهُ من التوْحيد والشريعة، ولا علم له إلاّ ما علّمه ربّه كما قال تعالى: ﴿ قل إنما أتبع ما يُوحى إليّ من ربّي ﴾ [الأعراف: 203].
فالحصر في قوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ قصر الموصوف على الصفة وهو إضافي للقلب، أي ما أنا إلاّ بشر لاَ أتجاوز البشرية إلى العلم بالمغيّبات.
وأدمج في هذا أهم ما يوحي إليه وما بعث لأجله وهو توحيد الله والسعي لما فيه السلامة عند لقاء الله تعالى.
وهذا من ردّ العجز على الصدر من قوله في أوّل السورة ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ إلى قوله ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ [الكهف: 2 5].
وجملة ﴿ يوحى إلي ﴾ مستأنفة، أو صفة ثانية ل ﴿ بشر ﴾ .
و {أنما مفتوحة الهمزة أخت (إنما) المكسورة الهمزة وهي مركبة من (أَنّ) المفتوحة الهمزة و(ما) الكَافة كما ركبت (إنما) المكسورة الهمزة فتفيد ما تفيده (أَنّ) المفتوحة من المصدرية، وما تفيده (إنما) من الحصر، والحصر المستفاد منها هنا قصر إضافي للقلب.
والمعنى: يوحي الله إليّ توحيد الإله وانحصار وصفه في صفة الوحدانية دون المشاركة.
وتفريع ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه ﴾ هو من جملة الموحى به إليه، أي يوحَى إليّ بوحدانية الإله وبإثبات البعث وبالأعمال الصالحة.
فجاء النظم بطريقة بديعة في إفادة الأصول الثلاثة، إذ جعل التوحيد أصلاً لها وفرع عليه الأصلان الآخران، وأكد الإخبار بالوحدانية بالنّهي عن الإشراك بعبادة الله تعالى، وحصل مع ذلك ردّ العجز على الصدر وهو أسلوب بديل.
19 سورة مريم اسم هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير وأكثر كتب السنّة سورة مريم.
ورويت هذه التسمية عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الطبراني والديلمي، وابن منده، وأبو نعيم، وأبو أحمد الحاكم: عن أبي بكر بن عبدالله بن أبي مريم الغساني عن أبيه عن جدّه أبي مريم قال: " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنه ولدت لي الليلة جارية، فقال: والليلة أنزلت عليّ سورة مريم فسمّها مريم ".
فكان يكنى أبا مريم، واشتهر بكنيته، واسمه نذير، ويظهر أنه أنصاري.
وابن عبّاس سمّاها سورة ﴿ كَهَيَعَصَ، وكذلك وقعت تسميتها في صحيح البخاري ﴾ في كتاب التفسير في أكثر النسخ وأصحها.
ولم يعدها جلال الدين في «الإتقان» في عداد السور المسماة باسمين، ولعله لم ير الثاني اسماً.
وهي مكية عند الجمهور.
وعن مقاتل: أن آية السجدة مدنية.
ولا يستقيم هذا القول لاتصال تلك الآية بالآيات قبلها إلا أن تكون ألحقت بها في النزول وهو بعيد.
وذكر السيوطي في «الإتقان» قولاً بأن قوله تعالى: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ [مريم: 71] الآية مدني، ولم يعزه لقائل.
وهي السورة الرابعة والأربعون في ترتيب النزول؛ نزلت بعد سورة فاطر وقبل سورة طه.
وكان نزول سورة طَه قبل إسلام عُمر بن الخطاب كما يؤخذ من قصة إسلامه فيكون نزول هذه السورة أثناء سنة أربع من البعثة مع أن السورة مكية، وليس أبو مريم هذا معدوداً في المسلمين الأولين فلا أحسب الحديث المروي عنه مقبولاً.
ووجه التسمية أنها بسطت فيها قصة مريم وابنها وأهلها قبل أن تفصّل في غيرها.
ولا يشبهها في ذلك إلا سورة آل عمران التي نزلت في المدينة.
وعدّت آياتها في عدد أهل المدينة ومكة تسعاً وتسعين.
وفي عدد أهل الشام والكوفة ثماناً وتسعين.
أغراض السورة ويظهر أنّ هذه السورة نزلت للردّ على اليهود فيما اقترفوه من القول الشنيع في مريم وابنها، فكان فيها بيان نزاهة آل عمران وقدَاستهم في الخير.
وهل يثبت الخطيّ إلا وَشيجهُ ثمّ التنويه بجمع من الأنبياء والمرسلين من أسلاف هؤلاء وقرابتهم.
والإنحاء على بعض خلفهم من ذرياتهم الذين لم يكونوا على سننهم في الخير من أهل الكتاب والمشركين وأتوا بفاحش من القول إذ نسبوا لله ولداً، وأنكر المشركون منهم البعث وأثبت النصارى ولداً لله تعالى.
والتنزيه بشأن القرآن في تبشيره ونذارته، وأن الله يسرّه بكونه عربياً ليسر تلك اللغة.
والإنذار ممّا حل بالمكذبين من الأمم من الاستيصال.
واشتملت على كرامة زكرياء إذ أجاب الله دعاءه فرزقه ولداً على الكبر وعُقْر امرأته.
وكرامة مريم بخارق العادة في حملها وقداسة ولدها، وهو إرهاص لنبوءة عيسى عليه السلام.
ومثله كلامه في المهد.
والتنزيه بإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وإسماعيل، وإدريس عليهم السلام.
ووصف الجنّة وأهلها.
وحكاية إنكار المشركين البعث بمقالة أبَيّ بن خلف والعاصي بن وائل وتبججهم على المسلمين بمقامهم ومجامعهم.
وإنذار المشركين أن أصنامهم التي اعتزوا بها سيندمون على اتخاذها.
ووعد الرسول النصر على أعدائه.
وذكر ضرب من كفرهم بنسبة الولد لله تعالى.
والتنويه بالقرآن ولملته العربية، وأنه بشير لأوليائه ونذير بهلاك معانديه كما هلكت قرون قبلهم.
وقد تكرر في هذه السورة صفة الرحمن ست عشرة مرة، وذكر اسم الرحمة أربع مرات، فأنبأ بأن من مقاصدها تحقيق وصف الله تعالى بصفة الرحمن.
والرد على المشركين الذين تقعروا بإنكار هذا الوصف كما حكى الله تعالى عنهم في قوله في سورة الفرقان (60) ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ﴾ ووقع في هذه السورة استطراد بآية ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ [مريم: 64].
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي فَمَن كانَ يَخافُ لِقاءَ رَبِّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقُطْرُبٌ.
الثّانِي: مَن كانَ يَأْمَلُ لِقاءَ رَبِّهِ.
الثّالِثُ: مَن كانَ يُصَدِّقُ بِلِقاءِ رَبِّهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَفِي لِقاءِ رَبِّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لِقاءُ ثَوابِ رَبِّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ إقْرارًا مِنهُ بِالبَعْثِ إلَيْهِ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الخالِصُ مِنَ الرِّياءِ، قالَهُ ذُو النُّونِ المِصْرِيُّ.
الثّانِي: أنْ يَلْقى اللَّهَ بِهِ فَلا يَسْتَحِي مِنهُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ.
الثّالِثُ: أنْ يَجْتَنِبَ المَعاصِيَ ويَعْمَلَ بِالطّاعاتِ.
﴿ وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشِّرْكَ بِعِبادَتِهِ الكُفْرُ، ومَعْناهُ لا يُعْبَدُ مَعَهُ غَيْرُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ الرِّياءُ، ومَعْناهُ ولا يُرائِي بِعَمَلِهِ أحَدًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: " «أخْوَفُ ما أتَخَوَّفُ عَلى أُمَّتِي الشِّرْكُ والشَّهْوَةُ الخَفِيَّةُ " قِيلَ: أتُشْرِكُ أُمَّتُكَ بَعْدَكَ؟
قالَ: " لا، أما إنَّهم لا يَعْبُدُونَ شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا حَجَرًا ولا وثَنًا ولَكِنَّهم يُراءُونَ بِعَمَلِهِمْ "، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وذَلِكَ شِرْكٌ؟
فَقالَ: " نَعَمْ " قِيلَ: وما الشَّهْوَةُ الخَفِيَّةُ؟
قالَ: " يُصْبِحُ أحَدُهم صائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ الشَّهْوَةُ مِن شَهَواتِ الدُّنْيا فَيُفْطِرَ لَها ويَتْرُكَ صَوْمَهُ» ".
وحَكى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في «جُنْدُبِ بْنِ زُهَيْرٍ العامِرِيِّ أتى رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ لَهُ: إنّا لَنَعْمَلُ العَمَلَ نُرِيدُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ فَيُثْنى بِهِ عَلَيْنا فَيُعْجِبُنا، وإنِّي لَأُصَلِّي الصَّلاةَ فَأُطَوِّلُها رَجاءَ أنْ يُثْنى بِها عَلَيَّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: أنا خَيْرُ شَرِيكٍ فَمَن أشْرَكَنِي في عَمَلٍ يَعْمَلُهُ لِي أحَدًا مِن خَلْقِي تَرَكْتُهُ وذَلِكَ الشَّرِيكَ " ونَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا ﴾ فَتَلاها عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ،» وقِيلَ إنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه ﴾ الآية.
قال: نزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله إلهاً غيره، وليست هذه في المؤمنين.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي الدنيا في الإخلاص، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم عن طاوس قال: قال رجل: يا نبي الله، إني أقف مواقف أبتغي وجه الله، وأحب أن يرى موطني.
فلم يردّ عليه شيئاً حتى نزلت هذه الآية ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي موصولاً عن طاوس عن ابن عباس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان من المسلمين من يقاتل وهو يحب أن يرى مكانه، فأنزل الله: ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه ﴾ الآية.
وأخرج ابن منده وأبو نعيم في الصحابة وابن عساكر من طريق السدي الصغير، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح فزاد في ذلك لمقالة الناس، فلامه الله فنزل في ذلك ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ .
وأخرج هناد في الزهد، عن مجاهد قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أتصدق بالصدقة وألتمس بها ما عند الله، وأحب أن يقال لي خيراً: فنزلت ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه ﴾ الآية.
وأخرج هناد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن سعيد في قوله: ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه ﴾ قال: ثواب ربه.
﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك ﴾ قال: لا يرائي ﴿ بعبادة ربه أحداً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه ﴾ قال: من كان يخشى البعث في الآخرة ﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ من خلقه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي في عمله أحداً من خلقي تركت العمل كله له ولم أقبل إلا ما كان لي خالصاً» .
ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كثير بن زياد قال: قلت للحسن قول الله: ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ قال: في المؤمن نزلت.
قلت: أشرك بالله؟
قال: لا، ولكن أشرك بذلك العمل عملاً يريد الله به والناس، فذلك يرد عليه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الواحد بن زيد قال: قلت للحسن: أخبرني عن الرياء؟
أشرك هو؟
قال: نعم يا بني، وما تقرأ ﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ .
وأخرج الطبراني عن شداد بن أوس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ببقيع واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، قال: أنا خير شريك، كل عَمل عُمل لي في دار الدنيا كان لي فيه شريك، فأنا أدعه اليوم ولا أقبل اليوم إلا خالصاً.
ثم قرأ ﴿ إلا عباد الله المخلصين ﴾ [ الصافات: 40] ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ » .
وأخرج ابن سعد وأحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي، عن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري- وكان من الصحابة-: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله أحداً، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة، «أن رجلاً قال: يا رسول الله، الرجل يجاهد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من الدنيا؟
قال: لا أجر له.
فأعظم الناس هذه فعاد الرجل، فقال: لا أجر له» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص وابن مردويه والحالكم وصححه والبيهقي، عن شداد بن أوس قال: كنا نعد الرياء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر.
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي، عن شداد بن أوس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك.
ثم قرأ ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه ﴾ الآية» .
وأخرج الطيالسي وأحمد وابن مردويه، عن شداد بن أوس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئاً فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني» .
وأخرج البزار وابن منده والبيهقي وابن عساكر، «عن عبد الرحمن بن غنم أنه قيل له: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صام رياء فقد أشرك، ومن صلى رياء فقد أشرك، ومن تصدق رياء فقد أشرك؟؟
قال: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه ﴾ فشق ذلك على القوم واشتد عليهم فقال: ألا أفرجها عنكم؟
قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: هي مثل الآية في الروم ﴿ وما آتيتم من رباً ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ﴾ [ الروم: 39] فمن عمل رياء لم يُكْتَبْ لا له ولا عليه» .
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي لمكان رجل» .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي، عن شداد بن أوس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية.
قلت: أتشرك أمتك من بعدك؟
قال: نعم، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً، ولكن يراؤون الناس بأعمالهم.
قلت: يا رسول الله، فالشهوة الخفية؟
قال: يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه ويواقع شهوته» .
وأخرج أحمد ومسلم وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه قال: «أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه، وهو الذي أشرك» .
وأخرج أحمد والبيهقي عن محمود بن لبيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر.
قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟
قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة: إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» .
وأخرج البزار والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة في صحف مختتمة، فيقول الله: ألقوا هذا واقبلوا هذا.
فتقول الملائكة: يا رب، والله ما رأينا منه إلا خيراً.
فيقول: إن عمله كان لغير وجهي ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي» .
وأخرج البزار وابن مردويه والبيهقي بسند لا بأس به، عن الضحاك بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله: أنا خير شريك، فمن أشرك معي أحداً فهو لشريكي.
يا أيها الناس، أخلصوا الأعمال لله فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا هذا لله وللرحم، فإنه للرحم وليس لله منه شيء» .
وأخرج الحاكم وصححه «عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، قال: يا عبد الله: إن قاتلت صابراً محتسباً بعثك الله صابراً محتسباً، وإن قاتلت مرائياً مكاثراً على أي حال قاتلت أو قتلت، بعثك الله على تلك الحال» .
وأخرج أحمد والدارمي والنسائي والروياني وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه، عن يحيى بن الوليد بن عبادة عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غزا وهو لا ينوي في غزاته إلا عقالاً، فله ما نوى» .
وأخرج الحاكم «عن يعلى بن منبه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعثني في سراياه، فبعثني ذات يوم وكان رجل يركب فقلت له: إرحل.
قال: ما أنا بخارج معك.
قلت: لم؟
قال: حتى تجعل لي ثلاثة دنانير.
قلت: الآن حين ودعت النبي صلى الله عليه وسلم ما أنا براجع إليه، إرحل ولك ثلاثة دنانير.
فلما رجعت من غزاتي ذكرت ذلك للنبي فقال: أعطها إياه فإنها حظه من غزاته» .
وأخرج أبو داود والنسائي والطبراني بسند جيد، عن أبي أمامة قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له.
فأعادها ثلاث مرات يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له.
ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه» .
وأخرج الطبراني بسند لا بأس به، عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما ابتغى به وجه الله عز وجل» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات، عن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يسمع يسمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عبد الله بن عمر: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قام بخطبة لا يلتمس بها إلا رياء وسمعة، أوقفه الله عز وجل يوم القيامة في موقف رياء وسمعة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمود بن لبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم وشرك السرائر.
قالوا: وما شرك السرائر؟
قال: أن يقوم أحدكم يريد صلاته جاهداً لينظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: من صلى صلاة والناس يرونه، فليصل إذا خلا مثلها، وإلا فإنما هي استهانة يستهين بها ربه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة مثله.
وأخرج البيهقي عن عمرو بن عبسة قال: إذا كان يوم القيامة، جيء بالدنيا فيميز منها ما كان لله وما كان لغير الله رمي به في نار جهنم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «أيها الناس، اتقوا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل.
فقالوا: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله!
قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفر لما لا نعلم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبادة بن الصامت قال: يجاء بالدنيا يوم القيامة فيقال: ميزوا ما كان لله فيميز، ثم يقول: ألقوا سائرها في النار.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن يسيراً من الرياء شرك، وإن من عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة، وإن الله يحب الأبرار الأخفياء الأتقياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الدجى، يخرجون من كل غبراء مظلمة» .
وأخرج البيهقي وضعفه عن أبي الدرداء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الإتقاء على العمل أشد من العمل، إن الرجل ليعمل فيكتب له عمل صالح معمول به في السر، يضعف أجره سبعين ضعفاً، فلا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس، فيكتب علانية ويمحى تضعيف أجره كله، ثم لا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس الثانية ويحب أن يذكر ويحمد عليه فيمحى من العلانية ويكتب رياء، فاتقى الله امرؤ صان دينه فإن الرياء شرك» .
وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحسن أوليائي عندي منزلة، رجل ذو حظ من صلاة...
أحسن عبادة ربه في السر وكان غامضاً في الناس لا يشار إليه بالأصابع، عجلت منيته وقل تراثه وقلت بواكيه» .
وأخرج ابن سعد وأحمد والبيهقي، عن أبي هند الداري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قام مقام رياء أو سمعة، رايا الله به يوم القيامة وسمع به» .
وأخرج البيهقي عن عمر بن النضر قال: بلغني أن في جهنم وادياً تعوّذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرةٍ أعد ذلك للمرائين من القراء.
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «تعوّذ بالله من جب الحزن، قيل من يسكنه؟
قال: المراؤون بأعمالهم» .
وأخرج البيهقي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: كل من عمل عملاً أراد به غيري فأنا منه بريء» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: الرياء يوم يجازي الله العباد بأعمالهم، يقول: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، انظروا...
هل تصيبون عندهم جزاء؟» .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن محمد بن الحنفية قال: كل ما لا يبتغى به وجه الله يضمحل.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد، عن أبي العالية قال: قال لي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: يا أبا العالية، لا تعمل لغير الله فيكلك الله عز وجل إلى عملت له.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ربيع بن خُثيم قال: ما لم يرد به وجه الله عز وجل يضمحل.
وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن، عن إسماعيل بن أبي رافع قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بسورة ملأ عظمتها ما بين السماء والأرض، شيعها سبعون ألف ملك؟
سورة الكهف، من قرأها يوم الجمعة غفر الله له بها إلى الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام من بعدها، وأعطى نوراً يبلغ السماء، ووقي من فتنة الدجال.
ومن قرأ الخمس آيات من خاتمتها حين يأخذ مضجعه من فراشه، حفظ وبعث من أي الليل شاء» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن معاوية بن أبي سفيان، أنه تلا هذه الآية ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه ﴾ الآية.
قال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي حكيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو لم ينزل على أمتي إلا خاتمة سورة الكهف لكفتهم» .
وأخرج ابن راهويه والبزار وابن مردويه والحاكم وصححه والشيرازي في الألقاب، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ في ليلة ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه ﴾ الآية، كان له نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» .
وأخرج ابن الضريس عن أبي الدرداء قال: من حفظ خاتمة الكهف، كان له نور يوم القيامة من لدن قرنه إلى قدمه.
والله أعلم بالصواب.
قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ قال ابن عباس: (علم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه) (١) ﴿ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ لا شريك له.
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية: (أن رجلاً أتى النبي - - فقال: إني لأصلي، وأتصدق، وأحب مع ذلك أن يطلع عليه الناس، فأنزل الله هذه الآية) (٢) (٣) قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾ لقاء البعث والمصير إلى الله، والرجاء يذكر بمعنى الخوف؛ لأنه يتضمن الخوف، ومنه قول الهذلي (٤) إذا لسمعته النَّحل لم يرج لسعها أي: لم يخف.
وهذا قول الكلبي، ومقاتل (٥) (٦) ﴿ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ﴾ ، و ﴿ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ .
قال ابن الأنباري: ("من" حرف شرط، والشرط يقع على ما لم يتحصل، فجرى الشرط في هذا مجرى الجحد) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ أي: خالصًا لا يرائي به.
والمفسرون والصحابة على أن هذه الآية نزلت: في النهي عن الرياء، وذكروا في تفسير هذه الآية: ما روي عن النبي - - أنه قال: "قال الله: أنا خير الشركاء، من عمل لي عملاً وأشرك فيه غيري، فأنا منه بري، وهو للذي أشرك" (٩) وهذا قول عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس (١٠) (١١) وقال كثير بن زياد (١٢) ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾ الآية، قال: في المؤمن نزلت.
قلت: مشركا بالله؟
قال: لا، ولكن أشرك في عمله، يريد الله به والناس، فذلك الذي يرد عليه) (١٣) وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ (ولا يرائي) (١٤) ونحو هذا قال مجاهد، وموسى بن عقبة (١٥) (١٦) هذا الذي ذكرنا قول الجمهور، وروى الوالبي عن ابن عباس: (أن هذه الآية أنزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، وليست في المؤمنين) (١٧) والصحيح الذي عليه الناس، وقد بين ذلك ابن عباس فيما روى عنه عطاء، وهو أنه قال: (قال الله: ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ ﴾ ، ولم يقل: ولا يشرك بربه؛ لأنه أراد العمل الذي يعمل الله، ويحب أن يحمد عليه، قال: وكذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها، كيلا يعظمه ويوقره من يصله بها) (١٨) قال الكلبي، ومقاتل: (نزلت هذه الآية في رجل يقال له: جندب بن زهير (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (١) "معالم التنزيل" 5/ 213، "زاد المسير" 5/ 302، "مجمع البيان" 5/ 770.
(٢) "جامع البيان" 16/ 40،"المحرر الوجيز" 9/ 421، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 69، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير 4/ 329، "أسباب النزول" للواحدي 308، "لباب النقول في أسباب النزول" ص 145.
(٣) في (ص): (بعلمه).
(٤) هو صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وعجزه: وخالفها في بيت نوبٍ عواسل اللسع: لما ضرب بمؤخرة، واللسع لذوات الإبر من العقارب والزنابير ونحوها والنوب: النحل وهو جمع نائب لأنها شرعى وتنوب إلى مكانها.
انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 144، "معاني القرآن" للفراء 1/ 286، "تفسير غريب القرآن" 1/ 271، "تهذب اللغة" (ناب) 4/ 3476، "اللسان" (نوب) 8/ 4569.
(٥) ذكره ابن عطية في "تفسيره" 9/ 420 بدون نسبة، و"بحر العلوم" 2/ 315، و"معالم التنزيل" 5/ 213، و"النكت والعيون" 3/ 349، "أضواء البيان" 4/ 200، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 271، و"تفسير المشكل" لمكي ص 145.
وقال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 200: الرجاء يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في الخوف أيضًا، واعلم أنهما متلازمان فمن كان يرجو ما عند الله من الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس.
(٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 286.
(٧) ذكر نحوه في "زاد المسير" 3/ 205، "مجمع البيان" 6/ 770، "روح المعاني" 16/ 53.
(٨) "جامع البيان" 16/ 39، "بحر العلوم" 2/ 315، "النكت والعيون" 3/ 350، "الدر المنثور" 4/ 460.
(٩) أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" كتاب: الزهد، باب: من أشرك في عمله غير الله 3/ 2289، وابن ماجه في سننه، كتاب: الزهد، باب: الرياء والسمعة == 2/ 1405، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 122، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 460 وعزاه لأحمد ومسلم وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(١٠) شداد بن أوس بن ثابت المنذر بن حرام، أبو علي، الأنصاري، النجاري الخزرجي، ابن أخي حسان بن ثابت، وهو من فضلاء الصحابة وعلمائهم، توفي - - سنة 64 هـ.
انظر: "حلية الأولياء" 1/ 264، "الجرح والتعديل" 4/ 328، "تهذيب التهذيب" 4/ 315، "شذرات الذهب" 1/ 64، "طبقات ابن سعد" 7/ 401.
(١١) أخرجه أحمد في "مسنده" 4/ 125، والحاكم في "المستدرك" 3/ 506 وصححه، والطبري في "تفسيره" 16/ 40، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 460 وعزاه لأحمد وابن أبي الدنيا وابن مردويه والهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 221.
(١٢) كثير بن زياد، أبو سهل البرساني الأزدي، العتكي، البصري، سكن بلخ، وكان ثقة، وهو من أكابر أصحاب الحسن، روى عن: الحسن، وعمر بن عثمان، وأبي سمية، وأبي العالية، وروى عنه: حماد بن زيد، وجعفر بن سلمان، وعمرو بن الرماح البلخي وغيرهم، وثقه العلماء وأُثنوا عليه.
انظر: "الثقات" لابن حبان 7/ 353، "الكشاف" 3/ 4، "ميزان الاعتدال" 3/ 404، "تهذيب الكمال" 24/ 112، "تهذيب التهذيب" 8/ 370.
(١٣) أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 459 وعزاه لابن أبي حاتم.
(١٤) "جامع البيان" 16/ 40، "المحرر الوجيز" 9/ 421، "النكت والعيون" 3/ 350، "زاد المسير" 5/ 203، "الدر المنثور" 4/ 459.
(١٥) موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، تابعي جليل، روى عن: أم خالد بنت سعيد بن العاص، والأعرج، وعكرمة، وعروة بن الزبير وغيرهم، وروى عنه: بكير بن الأشج، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وابن جريج وغيرهم، وكان ثقة، كثير الحديث، اشتهر بالصلاح والتقوى، توفي سنة 141 هـ بالمدينة.
انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 154، "الكاشف" 3/ 186، "ميزان الاعتدال" 4/ 214، "تهذيب التهذيب" 10/ 121.
(١٦) "جامع البيان" 16/ 40، "النكت والعيون" 3/ 350، "الدر المنثور" 4/ 457.
(١٧) "الدر المنثور" 4/ 458، "روح المعاني" 16/ 55، "فتح القدير" 3/ 455، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 297.
(١٨) "روح البيان" 5/ 309، "مجمع البيان" 5/ 770.
(١٩) جندب بن زهير الأزدي، الغامدي، أحد أصحاب النبي - -، عالم، زاهد، تقي، ورع، روى عنه عدد من التابعين منهم: أبو عثمان الهندي، والحسن البصري، وتميم بن الحارث، قتل - - في موقعة صفين وكان مع علي بن أبي طالب - - أميرًا على الرجالة.== انظر: "أسد الغابة" 1/ 303، "الإصابة" 1/ 249، "الاستيعاب" 1/ 219، "الكاشف" 1/ 132، "تهذيب التهذيب" 2/ 118، "سير أعلام النبلاء" 3/ 174.
(٢٠) "النكت والعيون" 3/ 350، "زاد المسير" 5/ 203، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 70، "تفسير مقاتل" ص 231، "أسباب نزول القرآن" للواحدي ص 307، "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 145، "جامع النقول في أسباب النزول" ص 211، وذكره ابن حجر في "الكافي الشاف" 4/ 105.
(٢١) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 72، "زاد المسير" 5/ 203، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 112، "الدر المنثور" 4/ 459، "أسباب نزول القرآن" للواحدي ص 307، "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 145، "جامع النقول في أسباب النزول" (211).
(٢٢) "جامع البيان" 16/ 40، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 348، "زاد المسير" 5/ 203، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 69، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 120، "الدر المنثور" 4/ 459، "أسباب نزول القرآن" للواحدي ص 307، "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 145، "جامع النقول في أسباب النزول" ص 211.
﴿ قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبِّى ﴾ الآية إخبار عن اتساع علم الله تعالى والكلمات هي المعاني القائمة بالنفس وهي المعلومات، فمعنى الآية لو كتب علم الله بمداد البحر لنفد البحر ولم ينفد علم الله، وكذلك لو جيء ببحر آخر مثله وذلك لأن البحر متناهٍ وعلم الله غير متناه ﴿ بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾ أي زيادة والمدد هو ما يمد به الشيء أي يكثر ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ ﴾ إن كان الرجاء هنا على بابه فالمعنى يرجو حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضا وقبول، وإن كان الرجاء بمعنى الخوف فالمعنى يخاف سوء لقاء ربه، ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ﴾ يحتمل أن يريد الشرك بالله وهو عبادة غيره فيكون راجعاً إلى قوله يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد أو يريد الرياء؛ لأنه الشرك الأصغر واللفظ يحتمل الوجهين، ولا يبعد أن يحمل على العموم في المعنيين والله أعلم.
القراءات: ﴿ فأتبع ﴾ ﴿ ثم أتبع ﴾ مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة.
﴿ حامية ﴾ الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
الباقون ﴿ حمئة ﴾ بالهمزة من غير ألف ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالنصب منوناً.
يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الآخرون ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالرفع والإضافة.
﴿ السدين ﴾ بفتح السين: ابن كثير، أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل.
الآخرون بضمها.
﴿ يفقهون ﴾ بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بفتحهما ﴿ يأجوج ومأجوج ﴾ حيث كان مهموزاً: عاصم غير الشموني ﴿ فهل نجعل ﴾ وبابه بإدغام اللام في النون: علي وهشام ﴿ خراجاً ﴾ بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون ﴿ خرجا ﴾ بسكون الراء.
﴿ سداً ﴾ بفتح السين: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم.
والباقون بضمها ﴿ مكننى ﴾ : ابن كثير: الباقون بإدغام النون في النون ﴿ ردماً ائتوني ﴾ يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف ﴿ الصدفين ﴾ بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال.
الآخرون بفتح الصاد والدال.
﴿ قال ائتوني ﴾ والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة ﴿ فما اسطاعوا ﴾ بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني ﴿ فما اصطاعوا ﴾ بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران.
﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة ﴿ أفحسب الذين ﴾ بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره ﴿ دوني أولياء ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ أن ينفد ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الوقوف: ﴿ القرنين ﴾ ط ﴿ ذكراً ﴾ ه ط ﴿ سبباً ﴾ لا ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ط ﴿ حسناً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ يسراً ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ ستراً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس.
وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك.
وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ لا ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ سدّاً ﴾ ه ﴿ ردماً ﴾ ه ﴿ الحديد ﴾ ط ﴿ انفخوا ﴾ ط ﴿ ناراً ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ قطراً ﴾ ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار ﴿ نقبا ﴾ ه ﴿ من ربي ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ دكاء ﴾ ج لذلك ﴿ حقاً ﴾ ه ط لانقطاع القصة ﴿ جمعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ عرضاً ﴾ ه لا ﴿ سمعاً ﴾ ه ﴿ أوليا ﴾ ط ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ أعمالاً ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جراً على البدل ﴿ صنعاً ﴾ ه ﴿ وزناً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ حولاً ﴾ ه ﴿ مدداً ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ أحداً ﴾ ه.
التفسير: ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه.
وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة.
يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر.
قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطا طاليس وكان على مذهبه.
فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه.
قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر.
والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعهما ومغربها.
وروي عن النبي أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها.
وقيل: كان له قرنان ضفيرتان.
وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.
وقيل: كان لتاجه قرنان.
وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس.
ويروى الروم والترك.
وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.
وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.
وقيل: لشجاعته كما سمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه.
وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي بقرنيها.
وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر.
وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره.
ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان - وهما مؤمنان - ونمرود وبختنصر - وهما كافران - واختلفوا فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.
وعن علي : سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه.
وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟
فقال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه.
قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله.
وقيل: كان نبياً لقوله : ﴿ إنا مكنا له في الأرض ﴾ والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة، ولقوله: ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي.
وقيل: كان ملكاً من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين: فقال: اللَّهم غفراً أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة.
قوله: ﴿ سأتلوا عليكم ﴾ أي سأفعل هذا إن وفقني الله وأنزل فيه وحياً.
والخطاب في ﴿ عليكم ﴾ للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه.
والسبب في اللغة هو الحبل والمراد ههنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً وصله إليه، وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً موصلاً إليه، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً أدى إليه.
ثم إنه شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلاً ﴿ فأتبع سبباً ﴾ أي سلك طريقاً أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سبباً ﴿ حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية ﴾ أي حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزاً فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي بين القراءتين: فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين.
"عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟
قلت: الله ورسوله أعلم: قال: فإنها تغرب في عين حامية" .
فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس في فلكها تدور بدوران الفلك.
وأيضاً قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريباً، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟
فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال: ﴿ وجدها تغرب ﴾ ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وأيضاً حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود.
أما قوله ﴿ ووجد عندها قوماً ﴾ فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.
قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسناً وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال ﴿ أما من ظلم ﴾ بالإصرار على الشرك ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بالقتل في الدنيا ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ في الآخرة ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ منكراً فظيعاً.
روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين.ومن قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالنصب أراد فله الفعلة ﴿ الحسنى ﴾ جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى ﴿ وسنقول له من أمرنا ﴾ أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك ﴿ يسراً ﴾ أي قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق.
ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ أي هيأ أسباباً بسفر المشرق ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ أي مكان طلوعها ﴿ وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.
وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك.
حكى صاحب الكشاف عن بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة.
فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى.
وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصة فغشى عليّ ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم.
فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم.
وللمفسرين في متعلق قوله: ﴿ كذلك ﴾ وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به.
الثاني: لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب.
الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها.
الرابع: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف.
ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى "مفعول" أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً قاله أبو عبيدة وابن الأنباري.
وانتصب ﴿ بين ﴾ على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال.
فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك.
وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع.
وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند، قال أبو الريحان البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغالإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما ﴿ وجد من دونهما ﴾ أي من ورائهما متجاوزاً عنهما قريباً ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون ﴾ بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم.
سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض الخ؟
وأجيب بأن "كاد" إثبات أو لعله فهم ما في ضميرهم بالقرائن والإشارات، أو بوحي وإلهام.
وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف.
وقيل: مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر، سمو بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، وهما من ولد يافث.
وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم.
ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر، ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراساً كأضراس السباع.
أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس.
وقيل: يأكلون لحومهم.
وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ وخراجاً أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال.
وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة.
وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ ما ملكني فيه ربي ﴾ أي جعلني فيه مكيناً ذا مكانة من المال واليسار ﴿ خير ﴾ مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان ﴿ فما آتاني الله خير مما آتاكم ﴾ ﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بآلات ورجال وصناع.
وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم "ثوب مردم رقاع فوق رقاع" وزبر الحديد قطعه.
قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة.
من قرأ ﴿ آتوني ﴾ بالمد فظاهر، ومن قرأ ﴿ ائتوني ﴾ من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض.
ثم ههنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض.
﴿ حتى إذ ساوى بين الصدفين ﴾ وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان ﴿ أفرغ عليه قطراً ﴾ أصب عليه النحاس المذاب ﴿ وقطراً ﴾ منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.
وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه.
يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنارصب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً.
وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ.
وعن رسول الله أن رجلاً أخبره به فقال: كيف رأيته؟
قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء.
قال: قد والله رأيته.
قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين صرف تأثير تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين.
﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ أي يعلوه لارتفاعه وملاسته ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مراراً، حذف منها التاء تخفيفاً في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيهاً على الأصل ورجوعاً إلى البداية.
ثم ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ هذا ﴾ السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده ﴿ فإذا جاء ﴾ أي دنا مجيء القيامة ﴿ جعله دكاً ﴾ مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك.
ومن قرأ ﴿ دكاء ﴾ بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضاً مستوية ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ وهذا آخر حكاية ذي القرنين.
ثم شرع في بقية أخبارهم فقال ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموجون ﴾ أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد.
ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس.
ثم يبعث الله نغفاً وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون.
وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه.
وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى.
ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه.
ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع ﴿ عن ذكري ﴾ أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه.
وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال ﴿ وكانوا لا يستطيعون سمعاً ﴾ وهو أبلغ من أن لو قال "وكانوا صماً" لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية.
احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا.
وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال.
ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلاً ﴿ أفحسب الذين كفروا ﴾ والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟
وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً.
والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال.
ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل "أقائم الزيدان" يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا.
قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل.
وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكماً به نحو ﴿ فبشرهم بعذاب ﴾ أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي أنهم الرهبان كقوله: ﴿ عاملة ناصبة ﴾ وروي عنه أن منهم أهل حروراء.
وعن مجاهد: أهل الكتاب.
والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص.
وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً وذلك قوله: ﴿ فلا تقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير.
وفي قوله: ﴿ فحبطت أعمالهم ﴾ إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون له عندنا وزن ومقدار.
وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرناه من أنواع الوعيد ﴿ جزاؤهم ﴾ وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف للجزاء.
والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤاً وتكذيباً، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سبباً مستقلاً للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته.
عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها.
وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية.
وعن النبي : " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلاً فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلاً فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ والحول والتحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها.
نبه على كمال حال القرآن.
والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مدداً لنفد أيضاً وهو تمييز من مثله كقولك "على التمرة مثلها زبداً".
والمدد والمداد واحد.
يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ ثم تقرأون ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ فنزلت هذه الآية.
يعنى أن ذلك خير كثيرة ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.
قالت الأشاعرة: إن كلام الله واحد.
واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله .
وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله .
وزعم الجبائي أن قوله: ﴿ قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه.
وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية.
قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر.
أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بوناً ومباينة.
ثم بين أن الموحى هو ﴿ إنما إلهكم إله واحد ﴾ .
وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: ﴿ فمن كان يرجو ﴾ أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه.
واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة ﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبتغي به إلا وجه ربه.
"يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه" .
وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية.
قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة.
والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به.
قال في الكشاف: عن رسول الله : "من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه.
ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء" وعنه : "من قرأ عند مضجعه ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴾ كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ" التأويل: لما بين للإنسان كمالاً مكنوناً وكنزاً مدفوناً يمكن له تحصيله بالتربية والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملاً في نفسه مكملاً لغيره.
﴿ فأتبع سبباً ﴾ من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني ﴿ فوجدها تغرب في عين حمئة ﴾ هي عالم القوى والطبائع والأجساد ﴿ ووجدنا عندها قوماً ﴾ هم القوى البدنية والنفوس الأرضية ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ وإما أن تتخذ فيهم حسناً ﴾ هو الرفق والمداراة ﴿ قال أما من ظلم ﴾ بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ وهو الشيخ الكامل الذي يربيه ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة.
﴿ وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ﴾ هو مقام الوصول والوصال ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ﴿ ثم أتبع ﴾ أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية ﴿ فوجدها تطلع على قوم ﴾ مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه ﴿ وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط ﴿ إن يأجوج ومأجوج ﴾ القوى والطبائع البشرية ﴿ مفسدون في الأرض ﴾ البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها ﴿ فهل نجعل لك مخرجاً ﴾ هو ترك الوجود وبذلك الموجود.
﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بهمة صارفة وعزيمة صادقة ﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوباً هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء ﴿ حتى إذا ساوى ﴾ عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من المهد إلى اللحد ﴿ قال انفخوا ﴾ بالمداومة على الأذكار والأوراد ﴿ حتى إذا جعله ناراً ﴾ بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.
ثم ذكر للمؤمنين من الثواب والجزاء بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، واختاروا فيها مقابل ما ذكر للكفرة؛ فقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ﴾ .
كأن الجنان التي وعد للمؤمنين أربعة: جنات النعيم، وجنات المأوى، وجنات عدن، وجنات الفردوس، ثم كان في [كل] واحدة منها - أعني الجنان - فيها معنى الأخرى؛ لأنه قال: ﴿ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ وهو ما يؤوي إليه، و ﴿ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ ظاهر، و ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ من المقام أو غيره، و ﴿ ٱلْفِرْدَوْسِ ﴾ سميت فردوساً؛ لأنها تكون ملتفة محفوفة بالأشجار، ففي كل واحدة منها ذلك كله.
وقوله - عز وجل - ﴿ نُزُلاً ﴾ قيل: منزلاً من النزول.
وقيل: من النزل وهو من الأنزال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ أي: تحولاً، أخبر أنهم لا يملون ولا يسأمون عن نعيمها، كما يمل أهل الدنيا عن نعيمها ويسأمون؛ لأن المسرور بها يمل عن نعمة، ويرغب في أخرى، فأخبر أن أهل الجنة لا يملون فيها، ولا يسأمون، ولهم فيها ما يشتهون، ولهم فيها ما يتخيرون.
وروي أن ابن عباس سأل كعباً عن الفردوس؛ فقال: هي جنات الأعناب بالسّريانية.
وقال بعضهم: ما ذكرنا أنها سميت: [فردوساً] لكثرة أشجارها والتفافها.
وروي عن عبادة بن الصامت عن النبي أنه قال: "الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها درجة من فوقها يكون الفردوس، منها يتفجر أنهار الجنة الأربعة فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس" وقال القتبي: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ أي: تحولاً، وكذلك قال أبو عوسجة: هو من التحول، وقال: ﴿ نُزُلاً ﴾ ، قال: هذا من الطعام والشراب، وجميع النزل: أنزال، وجمع الفردوس: فراديس.
وقال القتبي: النزل: ما يقدم للضيف، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾ .
يشبه أن يكون هذا خرج مقابل قوله: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وجواباً لما ذكر فيه تبياناً لكل شيء، وتفصيل كل شي، فقالوا: كيف يحتمل هذا المقدار أن يكون فيه تبيان كل شيء وتفصيل كل شيء؟
فقال - عز وجل - عند ذلك جواباً لقولهم: إنه لو بسط ما أودع فيه من نحو المعاني والحكمة، وشرح ذلك فكتب بما ذكر لبلغ القدر الذي ذكر وازداد.
وقال الحسن: قوله: ﴿ لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ أي: لخلق ربي، أي: لو قال ما خلق وأملى: أني خلقت كذا، وخلقت كذا، فيكتب جميع ما خلق، لبلغ القدر الذي ذكر.
ويرجع تأويله إلى ما خلق من أصناف الخلق وأجناس الأشخاص.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ لِّكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ لبيان ما خلق ربي، فهو يرجع إلى الأول، وقال: فائدة ما ذكر هو أن يعرفوا أن خلائقه وما أنشأ، لمما يخرج عن الوقوع في الأوهام، فالذي أنشأ ذلك وخلقه أحرى أن يكون خارجاً عن الوقوع في الأوهام والتصور فيها.
والثاني: يعرفوا قدرته وسلطانه، وإحاطة علمه بالخلائق، وما أنشأ فيعلموا: أن من قدر على هذا فهو على البعث الذي أنكروا أقدر، ومن أحاط علمه بما ذكر فهو على الإحاطة بأفعالهم وأقوالهم أعلم وأعرف؛ ليكونوا على الحذر أبداً في كل وقت.
ثم يحتمل قوله: ﴿ لِّكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ حججه وآياته التي أقامها على وحدانيته وربوبيته، أي: لو كتب ذلك لبلغ ذلك الذي ذكر.
وإن كان المراد من الكلمات: القرآن، فالتأويل ما ذكرنا بدءاً: أنه كان خرج على الجواب والمقابلة لقول كان منهم، [وهو] ما قاله الحسن وأبو بكر إن كان كلماته خلقه أو البيان عن خلقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾ : هذا ليس على التحديد، ولكن على التعظيم والإبلاغ، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ ﴾ دل هذا على أن قوله: ﴿ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾ ، أن ليس لذلك المدد حدّ ولا نهاية؛ ولكن ذكر على التعظيم له والإبلاغ.
وفيه دلالة أن ليس لما خلق الله من العلوم نهاية ولا غاية يدركها الخلائق، ولكن يؤخذ من كل جنس شيء، فيعمل به.
وفيه أن ليس الأمر بتعلم العلم، والمقصود منه العلم نفسه، ولكن المقصود منه العمل بما يعلم؛ إذ ليس للعلوم نهاية ولا يبلغ ذلك البشر، فدلّ أنّه كما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
أمره أن يخبرهم أنه بشر مثلهم، ثم يكون لذلك الأمر وإخباره إياهم أنه بشر مثلهم، وجوه من المعنى: أحدها: أنهم كانوا يسألونه آيات خارجة عن وسع البشر وطوقهم، فأمره أن يخبرهم أنه بشر مثلهم، لا يقدر على ما يسألونه من الآيات التي تخرج عن وسع البشر وطوقهم، وليس لأحد التحكم على الله، والتخير عليه في شيء، إنما ذلك إلى الله إن شاء أنزل وإن شاء لم ينزل، وأنا لا أملك شيئاً من ذلك.
والثاني: ذكر هذا ليعرفوا أنه إذا جاء من الآيات التي لا يحتمل وسع البشر أن يأتوا بمثلها، أنه إنما أتى بذلك من عند الله لا من ذات نفسه؛ إذ علموا أن وسع البشر لا يحتمل ذلك، فلما أتاهم بذلك إنما أتى بها من عند الله وأنه رسول على ما يقول.
والثالث: أمره أن يقول لهم هذا: إنه بشر مثلهم؛ لئلا يحملهم فرط حبّهم على أن يتخذوه إلهاً ربّاً على ما اتخذ قوم عيسى عيسى إلهاً ربّاً؛ لفرط حبّهم إيّاه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ ﴾ فإن كانت الآية في مشركي العرب - فهم ينكرون البعث ولا يرجونه لكنّه يكون ذكر لقاء ربه لهم؛ لأنهم عرفوا في أنفسهم قديم إحسان الله إليهم [و] نعمه عليهم، فأمروا أن يعملوا العمل الصالح ليستديموا بذلك الإحسان الذي كان من الله إليهم، فيحملهم العمل على التوحيد بالله والإقرار بالبعث.
وإن كانت الآية في المؤمنين، فيكون تأويله؛ ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ ﴾ ، أي: ثواب ربه ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾ ليثاب عليه؛ إذ الثواب إنما يكون للعمل الصالح دون غيره، وفيه ما ذكرنا أن المقصود من العلم العمل الصالح، والعلم مما ليس له نهاية فالأمر بطلب ما لا نهاية له ليس لنفسه ولكن للعمل به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ﴾ ، يحتمل: حقيقة الإشراك في العبادة والألوهية، على ما أشرك أولئك: أشركوا الأصنام والأوثان التي عبدوها في عبادته وألوهيته، ويحتمل: المراءاة في العمل الصالح، على ما يرائي بعض أهل التوحيد في بعض ما يعملون من الطاعة والخيرات، والله أعلم بالصواب.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قل -أيها الرسول-: إنما أنا بشر مثلكم، يُوحَى إليّ أنّ معبودكم بحق معبود واحد لا شريك له، وهو الله، فمن كان يخاف لقاء ربه فليعمل عملًا موافقًا لشرعه، مخلصًا فيه لربه، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا.
من فوائد الآيات إثبات البعث والحشر بجمع الجن والإنس في ساحات القيامة بالنفخة الثانية في الصور.
أن أشد الناس خسارة يوم القيامة هم الذين ضل سعيهم في الدنيا، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا في عبادة من سوى الله.
لا يمكن حصر كلمات الله تعالى وعلمه وحكمته وأسراره، ولو كانت البحار والمحيطات وأمثالها دون تحديد حبرًا يكتب به.