الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٢٥ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 151 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٥ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا خبر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم ، منذ أرقدهم الله إلى أن بعثهم وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان ، وأنه كان مقداره ثلاثمائة [ سنة ] وتسع سنين بالهلالية ، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية ، فإن تفاوت ما بين كل مائة [ سنة ] بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين ؛ فلهذا قال بعد الثلاثمائة : ( وازدادوا تسعا )
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) اختلف أهل التأويل في معنى قوله (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) فقال بعضهم: ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك، واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله : ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ) وقالوا: لو كان ذلك خبرا من الله عن قدر لبثهم في الكهف، لم يكن لقوله ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ) وجه مفهوم، وقد أعلم الله خلقه مبلغ لبثهم فيه وقدره.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) هذا قول أهل الكتاب، فردّه الله عليهم فقال: ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ).
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) قال: في حرف ابن مسعود : (وَقَالُوا: وَلَبِثُوا ) يعني أنه قال الناس، ألا ترى أنه قال : ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ) .
حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب عن مطر الورّاق، في قول الله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) قال: إنما هو شيء قالته اليهود، فردّه الله عليهم وقال: ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ).
وقال آخرون: بل ذلك خبر من الله عن مبلغ ما لبثوا في كهفهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) قال: عدد ما لبثوا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه، وزاد فيه ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) قال: وتسع سنين.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق بنحوه.
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثني الأجلح، عن الضحاك بن مزاحم، قال: نـزلت هذه الآية (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ) فقالوا: أياما أو أشهرا أو سنين؟
فأنـزل الله: ( سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) قال: بين جبلين.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عزّ ذكره: ولبث أصحاب الكهف في كهفهم رقودا إلى أن بعثهم الله، ليتساءلوا بينهم، وإلى أن أعثر عليهم من أعثر، ثلاثمائة سنين وتسع سنين، وذلك أن الله بذلك أخبر في كتابه ، وأما الذي ذكر عن ابن مسعود أنه قرأ ( وَقَالُوا وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ) وقول من قال ذلك من قول أهل الكتاب، وقد ردّ الله ذلك عليهم، فإن معناه في ذلك: إن شاء الله كان أن أهل الكتاب قالوا فيما ذُكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا ثلاثمائة سنين وتسع سنين، فردّ الله ذلك عليهم، وأخبر نبيه أن ذلك قدر لبثهم في الكهف من لدن أووا إليه أن بعثهم ليتساءلوا بينهم ، ثم قال جلّ ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: الله أعلم بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم، من بعد أن بعثهم من رقدتهم إلى يومهم هذا، لا يعلم بذلك غير الله، وغير من أعلمه الله ذلك.
فإن قال قائل: وما يدلّ على أن ذلك كذلك؟
قيل: الدالّ على ذلك أنه جلّ ثناؤه ابتدأ الخبر عن قدر لبثهم في كهفهم ابتداء، فقال: ) (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) ولم يضع دليلا على أن ذلك خبر منه عن قول قوم قالوه، وغير جائز أن يضاف خبره عن شيء إلى أنه خبر عن غيره بغير برهان، لأن ذلك لو جاز جاز في كل أخباره ، وإذا جاز ذلك في أخباره جاز في أخبار غيره أن يضاف إليه أنها أخباره، وذلك قلب أعيان الحقائق وما لا يخيل فساده.
فإن ظنّ ظانّ أن قوله: ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ) دليل على أن قوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) خبر منه عن قوم قالوه، فإن ذلك كان يجب أن يكون كذلك لو كان لا يحتمل من التأويل غيره ، فأما وهو محتمل ما قلنا من أن يكون معناه: قل الله أعلم بما لبثوا إلى يوم أنـزلنا هذه السورة، وما أشبه ذلك من المعاني فغير واجب أن يكون ذلك دليلا على أن قوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) خبر من الله عن قوم قالوه، وإذا لم يكن دليلا على ذلك، ولم يأت خبر بأن قوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) خبر من الله عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجة يجب التسليم لها، صحّ ما قلنا، وفسد ما خالفه.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) فقرأت ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) بتنوين : ثَلَاثَمِائَةٍ ، بمعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة ، وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة (ثَلاثَ مِائَةِ سِنِينَ) بإضافة ثلاثمائة إلى السنين: غير منون.
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه: (ثَلاثَ مِائَةٍ) بالتنوين (سِنِينَ) ، وذلك أن العرب إنما تضيف المئة إلى ما يفسرها إذا جاء تفسيرها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم ثلاث مئة درهم، وعندي مئة دينار، لأن المئة والألف عدد كثير، والعرب لا تفسر ذلك إلا بما كان بمعناه في كثرة العدد، والواحد يؤدّى عن الجنس، وليس ذلك للقليل من العدد، وإن كانت العرب ربما وضعت الجمع القليل موضع الكثير، وليس ذلك بالكثير، وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الجمع، فإنها تنوّن، فتقول: عندي ألفٌ دراهمُ، وعندي مئةٌ دنانير، على ما قد وصفت.
قوله تعالى : ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا هذا خبر من الله - تعالى - عن مدة لبثهم .
وفي قراءة ابن مسعود وقالوا لبثوا .
قال الطبري : إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال بعضهم : إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين ، فأخبر الله - تعالى - نبيه أن هذه المدة في كونهم نياما ، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر .
فأمر الله - تعالى - أن يرد علم ذلك إليه .
قال ابن عطية : فقوله على هذا لبثوا الأول يريد في نوم الكهف ، ولبثوا الثاني يريد بعد الإعثار إلى مدة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أو إلى وقت عدمهم بالبلاء .
مجاهد : إلى وقت نزول القرآن .
الضحاك : إلى أن ماتوا .
وقال بعضهم : إنه لما قال وازدادوا تسعا لم يدر الناس أهي ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام .
واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك ، فأمر الله - تعالى - برد العلم إليه في التسع ، فهي على هذا مبهمة .
وظاهر كلام العرب المفهوم منه أنها أعوام ، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى بيسير وقد بقيت من الحواريين بقية .
وقيل غير هذا على ما يأتي .
قال القشيري : لا يفهم من التسع تسع ليال وتسع ساعات لسبق ذكر السنين ; كما تقول : عندي مائة درهم وخمسة ; والمفهوم منه خمسة دراهم .
وقال أبو علي وازدادوا تسعا أي ازدادوا لبث تسع ; فحذف .
وقال الضحاك : لما نزلت ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة قالوا سنين أم شهور أم جمع أم أيام ; فأنزل الله - عز وجل - سنين .
وحكى النقاش ما معناه أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأيام ; فلما كان الإخبار هنا للنبي [ ص: 347 ] العربي ذكرت التسع ; إذ المفهوم عنده من السنين القمرية ، وهذه الزيادة هي ما بين الحسابين .
ونحوه ذكر الغزنوي .
أي باختلاف سني الشمس والقمر ; لأنه يتفاوت في كل ثلاث وثلاثين وثلث سنة سنة فيكون في ثلاثمائة تسع سنين .
وقرأ الجمهور ثلاثمائة سنين بتنوين مائة ونصب سنين ، على التقديم والتأخير ; أي سنين ثلاثمائة فقدم الصفة على الموصوف ، فتكون سنين على هذا بدلا أو عطف بيان .
وقيل : على التفسير والتمييز .
وسنين في موضع سنة .
وقرأ حمزة والكسائي بإضافة مائة إلى سنين ، وترك التنوين ; كأنهم جعلوا سنين بمنزلة سنة إذ المعني بهما واحد .
قال أبو علي : هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب قد تضاف إلى الجموع .
وفي مصحف عبد الله " ثلاثمائة سنة " .
وقرأ الضحاك " ثلثمائة سنون " بالواو .
وقرأ أبو عمرو بخلاف " تسعا " بفتح التاء وقرأ الجمهور بكسرها .
وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة : التقدير ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة .
لما نهاه الله عن استفتاء أهل الكتاب، في شأن أهل الكهف، لعدم علمهم بذلك، وكان الله عالم الغيب والشهادة، العالم بكل شيء، أخبره بمدة لبثهم، وأن علم ذلك عنده وحده، فإنه من غيب السماوات والأرض، وغيبها مختص به، فما أخبر به عنها على ألسنة رسله، فهو الحق اليقين، الذي لا يشك فيه، وما لا يطلع رسله عليه، فإن أحدا من الخلق، لا يعلمه.
قوله عز وجل ( ولبثوا في كهفهم ) يعني أصحاب الكهف .
قال بعضهم : هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك .
ولو كان خبرا من الله عز وجل عن قدر لبثهم لم يكن لقوله " قل الله أعلم بما لبثوا " وجه وهذا قول قتادة .
ويدل عليه قراءة ابن مسعود : " وقالوا لبثوا في كهفهم " ثم رد الله تعالى عليهم فقال : " قل الله أعلم بما لبثوا " .
وقال الآخرون : هذا إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف وهو الأصح .
[ وأما قوله : " قل الله أعلم بما لبثوا " فمعناه : أن الأمر من مدة لبثهم ] كما ذكرنا فإن نازعوك فيها فأجبهم وقل : الله أعلم بما لبثوا أي : هو أعلم منكم وقد أخبرنا بمدة لبثهم .
وقيل : إن أهل الكتاب قالوا : إن هذه المدة من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم وقال : " قل الله أعلم بما لبثوا " يعني : بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله قوله تعالى : ( ثلاث مائة سنين ) قرأ حمزة والكسائي " ثلاث مائة " بلا تنوين وقرأ الآخرون بالتنوين .
فإن قيل : لم قال : ثلاث مائة سنين [ ولم يقل سنة؟
] .
قيل : نزل قوله : " ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة " فقالوا : أياما أو شهورا أو سنين؟
فنزلت " سنين " .
قال الفراء : ومن العرب من يضع سنين في موضع سنة .
وقيل : معناه ولبثوا في كهفهم سنين ثلاث مائة .
( وازدادوا تسعا ) قال الكلبي قالت نصارى نجران أما " ثلاث مائة " فقد عرفنا وأما التسع فلا علم لنا بها فنزلت .
«ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة» بالتنوين «سنين» عطف بيان لثلاثمائة وهذه السنون الثلاثمائة عند أهل الكهف شمسية وتزيد القمرية عليها عند العرب تسع سنين وقد ذكرت في قوله «وازدادوا تسعا» أي تسع سنين فالثلاثمائة الشمسية: ثلاثمائة وتسع قمرية.
ومكث الشُّبَّان نيامًا في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين.
أى : أن أصحاب الكهف مكثوا فى كهفهم راقدين ثلاثمائة سنين ، وازدادوا فوق ذلك تسع سنين .فالآية الكريمة إخبار منه - سبحانه - عن المدة التى لبثها هؤلاء الفتية مضروبا على آذانهم .
اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال المفسرون إن القوم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاثة، قال عليه السلام أجيبكم عنها غداً ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي خمسة عشر يوماً وفي رواية أخرى أربعين يوماً، ثم نزلت هذه الآية، اعترض القاضي على هذا الكلام من وجهين: الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عالماً بأنه إذا أخبر عن أنه سيفعل الفعل الفلاني غداً فربما جاءته الوفاة قبل الغد، وربما عاقه عائق آخر عن الإقدام على ذلك الفعل غداً، وإذا كان كل هذه الأمور محتملاً، فلو لم يقل إن شاء الله ربما خرج الكلام مخالفاً لما عليه الوجود وذلك يوجب التنفير عنه، وعن كلامه عليه السلام، أما إذا قال إن شاء الله كان محترزاً عن هذا المحذور، وإذا كان كذلك كان من البعيد أن يعد بشيء ولم يقل فيه إن شاء الله.
الثاني: أن هذه الآية مشتملة على فوائد كثيرة وأحكام جمة فيبعد قصرها على هذا السبب ويمكن أن يجاب عن الأول: أنه لا نزاع أن الأولى أن يقول إن شاء الله إلا أنه ربما اتفق له أنه نسي هذا الكلام لسبب من الأسباب فكان ذلك من باب ترك الأولى والأفضل، وأن يجاب عن الثاني أن اشتماله على الفوائد الكثيرة لا يمنع من أن يكون سبب نزوله واحداً منها.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ ليس فيه بيان أنه شاء الله ماذا، وفيه قولان: الأول: التقدير: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ أن يأذن لك في ذلك القول، والمعنى أنه ليس لك أن تخبر عن نفسك أنك تفعل الفعل الفلاني إلا إذا أذن الله لك في ذلك الإخبار.
القول الثاني: أن يكون التقدير: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً ﴾ إلا أن تقول: ﴿ إِن شَاء الله ﴾ والسبب في أنه لابد من ذكر هذا القول هو أن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد، ولم يبعد أيضاً لو بقي حياً أن يعوقه عن ذلك الفعل شيء من العوائق، فإذا كان لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في ذلك الوعد، والكذب منفرد وذلك لا يليق بالأنبياء عليهم السلام، فلهذا السبب أوجب عليه أن يقول: ﴿ إِن شَاء الله ﴾ حتى أن بتقدير أن يتعذر عليه الوفاء بذلك الموعود لم يصر كاذباً فلم يحصل التنفير.
المسألة الثالثة: اعلم أن مذهب المعتزلة أن الله تعالى يريد الإيمان والطاعة من العبد والعبد يريد الكفر والمعصية لنفسه فيقع مراد العبد ولا يقع مراد الله فتكون إرادة العبد غالبة وإرادة الله تعالى مغلوبة، وأما عندنا فكل ما أراد الله تعالى فهو واقع فهو تعالى يريد الكفر من الكافر ويريد الإيمان من المؤمن وعلى هذا التقرير فإرادة الله تعالى غالبة وإرادة العبد مغلوبة إذا عرفت هذا فنقول إذا قال العبد لأفعلن كذا غداً إلا أن يشاء الله والله إنما يدفع عنه الكذب إذا كانت إرادة الله غالبة على إرادة العبد فإن على هذا القول يكون التقدير أن العبد قال أنا أفعل الفعل الفلاني إلا إذا كانت إرادة الله بخلافه فأنا على هذا التقدير لا أفعل لأن إرادة الله غالبة على إرادتي فعند قيام المانع الغالب لا أقوى على الفعل، أما بتقدير أن تكون إرادة الله تعالى مغلوبة فإنها لا تصلح عذراً في هذا الباب، لأن المغلوب لا يمنع الغالب.
إذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أنه إذا قال والله لأفعلن كذا ثم قال: إن شاء الله دافعاً للحنث فلا يكون دافعاً للحنث إلا إذا كانت إرادة الله غالبة، فلما حصل دفع الحنث بالإجماع وجب القطع بكون إرادة الله تعالى غالبة وأنه لا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله وأصحابنا أكدوا هذا الكلام في صورة معينة وهو أن الرجل إذا كان له على إنسان دين وكان ذلك المديون قادراً على أداء الدين فقال والله لأقضين هذا الدين غداً، ثم قال إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض هذا الدين لم يحنث وعلى قول المعتزلة أنه تعالى يريد منه قضاء الدين وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ إِن شَاء الله ﴾ تعليق لذلك الحكم على شرط واقع فوجب أن يحنث، ولما أجمعوا على أن لا يحنث علمنا أن ذلك إنما كان لأن الله تعالى ما شاء ذلك الفعل مع أن ذلك الفعل قد أمر الله به ورغب فيه وزجر عن الإخلال به وثبت أنه تعالى قد ينهى عن الشيء ويريده وقد يأمر بالشيء ولا يريده وهو المطلوب، فإن قيل هب أن الأمر كما ذكرتم إلا أن كثيراً من الفقهاء قالوا: إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله لم يقع الطلاق فما السبب فيه؟
قلنا السبب هو أنه لما علق وقوع الطلاق على مشيئة الله لم يقع إلا إذا عرفنا وقوع الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا أولاً حصول هذه المشيئة لكن مشيئة الله تعالى غيب فلا سبيل إلى العلم بحصولها إلا إذا علمنا أن متعلق المشيئة قد وقع وحصل وهو الطلاق فعلى هذا الطريق لا نعرف حصول المشيئة إلا إذا عرفنا وقوع الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا وقوع المشيئة فيتوقف العلم بكل واحد منها على العلم بالآخرة، وهو دور والدور باطل فلهذا السبب قالوا الطلاق غير واقع.
المسألة الرابعة: احتج القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً * أَن يَشَاء الله ﴾ قالوا: الشيء الذي سيفعله الفاعل غداً سماه الله تعالى في الحال بأنه شيء لقوله: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ ﴾ ومعلوم أن الشيء الذي سيفعله الفاعل غداً فهو معدوم في الحال، فوجب تسمية المعدوم بأنه شيء.
والجواب أن هذا الاستدلال لا يفيد إلا أن المعدوم مسمى بكونه شيئاً وعندنا أن السبب فيه أن الذي سيصير شيئاً يجوز تسميته بكونه شيئاً في الحال كما أنه قال: ﴿ أتى أَمْرُ الله ﴾ والمراد سيأتي أمر الله، أما قوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه كلام متعلق بما قبله والتقدير أنه إذا نسي أن يقول إن شاء الله فليذكره إذا تذكره وعند هذا اختلفوا فقال ابن عباس رضي الله عنهما لو لم يحصل التذكر إلا بعد مدة طويلة ثم ذكر إن شاء الله كفى في دفع الحنث وعن سعيد بن جبير بعد سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم، وعن طاوس أنه يقدر على الاستثناء في مجلسه، وعن عطاء يستثني على مقدار حلب الناقة الغزيرة، وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً، واحتج ابن عباس بقوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ لأن الظاهر أن المراد من قوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ هو الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ وقوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ ﴾ غير مختص بوقت معين بل هو يتناول كل الأوقات فوجب أن يجب عليه هذا الذكر في أي وقت حصل هذا التذكر وكل من قال وجب هذا الذكر قال: إنه إنما وجب لدفع الحنث وذلك يفيد المطلوب، واعلم أن استدلال ابن عباس رضي الله عنهما ظاهر في أن الاستثناء لا يجب أن يكون متصلاً، أما الفقهاء فقالوا إنا لو جوزنا ذلك لزم أن لا يستقر شيء من العقود، والإيمان، يحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة رحمه الله خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال أبو حنيفة رحمه الله: هذا يرجع عليك، فإنك تأخذ البيعة بالإيمان أتفرض أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟
فاستحسن المنصور كلامه ورضي به.
واعلم أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى تخصيص النص بالقياس وفيه ما فيه.
وأيضاً فلو قال إن شاء الله على سبيل الخفية بلسانه بحيث لا يسمعه أحد فهو معتبر ودافع للحنث بالإجماع مع أن المحذور الذي ذكرتم حاصل فيه.
فثبت أن الذي عولوا عليه ليس بقوي، والأولى أن يحتجوا في وجوب كون الاستثناء متصلاً بأن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد.
قال تعالى: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ وقال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ ﴾ فالآتي بالعهد يجب عليه الوفاء بمقتضاه لأجل هذه الآيات خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان متصلاً لأن الاستثناء مع المستثنى منه كالكلام الواحد بدليل أن لفظ الاستثناء وحده لا يفيد شيئاً، فهو جار مجرى نصف اللفظ الواحدة، فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة، وعلى هذا التقدير فعند ذكر الاستثناء عرفنا أنه لم يلزم شيء بخلاف ما إذا كان الاستثناء متصلاً فإنه حصل الالتزام التام بالكلام فوجب عليه الوفاء بذلك الملتزم والقول الثاني أن قوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ لا تعلق له بما قبله بل هو كلام مستأنف وعلى هذا القول ففيه وجوه: أحدها: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، والمراد منه الترغيب في الاهتمام بذكر هذه الكلمة.
وثانيها: واذكر ربك إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي.
وثالثها: حمله بعضهم على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها، وهذا القول بما فيه من الوجوه الثلاثة بعيد لأن تعلق هذا الكلام بما قبله يفيد إتمام الكلام في هذه القضية وجعله كلاماً مستأنفاً يوجب صيرورة الكلاء مبتدأ منقطعاً وذلك لا يجوز ثم قال تعالى: ﴿ وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبّى لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن ترك قوله: ﴿ أَن يَشَاء الله ﴾ ليس بحسن وذكره أحسن من تركه وقوله: ﴿ لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا ﴾ المراد منه ذكر هذه الجملة.
الثاني: إذا وعدهم بشيء وقال معه إن شاء الله فيقول عسى أن يهديني ربي لشيء أحسن وأكمل مما وعدتكم به.
والثالث: أن قوله: ﴿ لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا ﴾ إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والدلائل على صحة أني نبي من عند الله صادق القول في ادعاء النبوة ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبأ أصحاب الكهف.
وقد فعل الله ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ مِئَةٍ سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا * قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السماوات والأرض أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ فاعلم أن هذه الآية آخر الآيات المذكورة في قصة أصحاب الكهف وفي قوله: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ﴾ قولان: الأول: أن هذا حكاية كلام القوم والدليل عليه أنه تعالى قال: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ وكذا إلى أن قال: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ﴾ أي أن أولئك الأقوام قالوا ذلك ويؤكده أنه تعالى قال بعده: ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ﴾ وهذا يشبه الرد على الكلام المذكور قبله ويؤكده أيضاً ما روي في مصحف عبد الله: وقالوا ولبثوا في كهفهم.
والقول الثاني: أن قوله: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ﴾ هو كلام الله تعالى فإنه أخبر عن كمية تلك المدة، وأما قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ فهو كلام قد تقدم وقد تخلل بينه وبين هذه الآية ما يوجب انقطاع أحدهما عن الآخر وهو قوله: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآء ظاهرا ﴾ وقوله: ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السموات والأرض ﴾ لا يوجب أن ما قبله حكاية، وذلك لأنه تعالى أراد: ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السموات والأرض ﴾ فارجعوا إلى خبر الله دون ما يقوله أهل الكتاب.
المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي ثلثمائة سنين بغير تنوين والباقون بالتنوين وذلك لأن قوله: ﴿ سِنِينَ ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿ ثلثمائة ﴾ لأنه لما قال: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ﴾ لم يعرف أنها أيام أم شهور أم سنون فلما قال سنين صار هذا بياناً لقوله: ﴿ ثلثمائة ﴾ فكان هذا عطف بيان له وقيل هو على التقديم والتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.
وأما وجه قراءة حمزة فهو أن الواجب في الإضافة ثلثمائة سنة إلا أنه يجوز وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله: ﴿ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا ﴾ .
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وازدادوا تِسْعًا ﴾ ؟
المعنى وازدادوا تسع سنين فإن قالوا: لم لم يقل ثلثمائة وتسع سنين؟
وما الفائدة في قوله: ﴿ وازدادوا تِسْعًا ﴾ ؟
قلنا: قال بعضهم: كانت المدة ثلثمائة سنة من السنين الشمسية وثلثمائة وتسع سنين من القمرية، وهذا مشكل لأنه لا يصح بالحساب هذا القول، ويمكن أن يقال: لعلهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الأنبياء ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين ثم قال: ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ﴾ معناه أنه تعالى أعلم بمقدار هذه المدة من الناس الذين اختلفوا فيها، وإنما كان أولى بأن يكون عالماً به لأنه موجد للسموات والأرض ومدبر للعالم، وإذا كان كذلك كان عالماً بغيب السموات والأرض فيكون عالماً بهذه الواقعة لا محالة ثم قال تعالى: ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ وهذه كلمة تذكر في التعجب، والمعنى ما أبصره وما أسمعه، وقد بالغنا في تفسير كلمة التعجب في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ ﴾ وفيه وجوه: الأول: ما لأصحاب الكهف من دون الله من ولي فإنه هو الذي يتولى حفظهم في ذلك النوم الطويل.
الثاني: ليس لهؤلاء المختلفين في مدة لبث أهل الكهف ولي من دون الله يتولى أمرهم ويقيم لهم تدبير أنفسهم فإذا كانوا محتاجين إلى تدبير الله وحفظه فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير أعلامه.
الثالث: أن بعض القوم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب، فبين الله أنه ليس لهم من دونه ولي يمنع الله من إنزال العقاب عليهم.
ثم قال: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ والمعنى أنه تعالى لما حكم أن لبثهم هو هذا المقدار فليس لأحد أن يقول قولاً بخلافه.
والأصل أن الاثنين إذا كانا لشريكين فإن الاعتراض من كل واحد منهما على صاحبه يكثر ويصير ذلك مانعاً لكل واحد منهما من إمضاء الأمر على وفق ما يريده.
وحاصله يرجع إلى قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ فالله تعالى نفى ذلك عن نفسه بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ وقرأ ابن عامر ولا تشرك بالتاء والجزم على النهي والخطاب عطفاً على قوله: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ ﴾ أو على قوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ والمعنى ولا تسأل أحداً عما أخبرك الله به من عدة أصحاب الكهف واقتصر على حكمه وبيانه ولا تشرك أحداً في طلب معرفة تلك الواقعة وقرأ الباقون بالياء والرفع على الخبر والمعنى أنه تعالى لا يفعل ذلك.
المسألة الرابعة: اختلف الناس في زمان أصحاب الكهف وفي مكانهم، أما الزمان الذي حصلوا فيه، فقيل إنهم كانوا قبل موسى عليه السلام وإن موسى ذكرهم في التوراة، ولهذا السبب فإن اليهود سألوا عنهم، وقيل: إنهم دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبر المسيح بخبرهم ثم بعثوا في الوقت الذي بين عيسى عليه السلام وبين محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل إنهم دخلوا الكهف بعد المسيح، وحكى القفال هذا القول عن محمد بن إسحاق.
وقال قوم: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.
وأما مكان هذا الكهف، فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه ليعرف حال أصحاب الكهف إلى الروم، قال: فوجه ملك الروم معي أقواماً إلى الموضع الذي يقال إنهم فيه، قال: وإن الرجل الموكل بذلك الموضع فزعني من الدخول عليهم، قال: فدخلت ورأيت الشعور على صدورهم قال وعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة لأبدان الموتى لتصونها عن البلى مثل التلطيخ بالصبر وغيره، ثم قال القفال: والذي عندنا لا يعرف أن ذلك الموضع هو موضع أصحاب الكهف أو موضع آخر، والذي أخبر الله عنه وجب القطع به ولا عبرة بقول أهل الروم إن ذلك الموضع هو موضع أصحاب الكهف، وذكر في الكشاف عن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس لك ذلك قد منع الله من هو خير منك، فقال: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً، فقال لابن عباس: لا أنتهي حتى أعلم حالهم، فبعث أناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً فأحرقتهم، وأقول العلم بذلك الزمان وبذلك المكان ليس للعقل فيه مجال، وإنما يستفاد ذلك من نص، وذلك مفقود فثبت أنه لا سبيل إليه.
المسألة الخامسة: اعلم أن مدار القول بإثبات البعث والقيامة على أصول ثلاثة.
أحدها: أنه تعالى قادر على كل الممكنات.
والثاني: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات.
وثالثها: أن كل ما كان ممكن الحصول في بعض الأوقات كان ممكن الحصول في سائر الأوقات فإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت القول بإمكان البعث والقيامة، فكذلك هاهنا ثبت أنه تعالى عالم قادر على الكل، وثبت أن بقاء الإنسان حياً في النوم مدة يوم ممكن فكذلك بقاؤه مدة ثلثمائة سنة يجب أن يكون ممكناً بمعنى أن إله العالم يحفظه ويصونه عن الآفة.
وأما الفلاسفة فإنهم يقولون أيضاً: لا يبعد وقوع أشكال فلكية غريبة توجب في هيولي عالم الكون والفساد حصول أحوال غريبة نادرة، وأقول: هذه السور الثلاثة المتعاقبة اشتمل كل واحد منها على حصول حالة عجيبة نادرة في هذا العالم فسورة بني إسرائيل اشتملت على الإسراء بجسد محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الشام وهو حالة عجيبة، وهذه السورة اشتملت على بقاء القوم في النوم مدة ثلثمائة سنة وأزيد وهو أيضاً حالة عجيبة، وسورة مريم اشتملت على حدوث الولد لا من الأب وهو أيضاً حالة عجيبة.
والمعتمد في بيان إمكان كل هذه العجائب والغرائب المذكورة في هذه السور الثلاثة المتوالية هو الطريقة التي ذكرناها.
ومما يدل على أن هذا المعنى من الممكنات أن أبا علي بن سينا ذكر في باب الزمان من كتاب الشفاء أن أرسطاطاليس الحكيم ذكر أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف، ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثلاث مِاْئَةٍ سِنِينَ ﴾ يريد لبثهم فيه أحياء مضروباً على آذانهم هذه المدّة، وهو بيان لما أجمل في قوله ﴿ فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ فِي الكهف سِنِينَ عَدَدًا ﴾ ومعنى قوله: ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ﴾ أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدّة لبثهم، والحق ما أخبرك الله به.
وعن قتادة: أنه حكاية لكلام أهل الكتاب.
و ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ ﴾ رد عليهم.
وقال في حرف عبد الله: وقالوا لبثوا.
وسنين: عطف بيان لثلثمائة.
وقرئ ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ ، بالإضافة، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله ﴿ بالاخسرين أعمالا ﴾ [الكهف: 103] وفي قراءة أبيّ ﴿ ثلثمائة سنة ﴾ ﴿ تِسْعًا ﴾ تسع سنين؛ لأن ما قبله يدل عليه.
وقرأ الحسن ﴿ تسعاً ﴾ بالفتح، ثم ذكر اختصاصه بما غاب في السموات والأرض وخفي فيها من أحوال أهلها ومن غيرها وأنه هو وحده العالم به، وجاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات، للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حدّ ما عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها كما يدرك أكبرها حجماً وأكثفها جرماً، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر ﴿ مَّا لَهُم ﴾ الضمير لأهل السموات والأرض ﴿ مِن وَلِىٍّ ﴾ من متول لأمورهم ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ ﴾ في قضائه ﴿ أَحَدًا ﴾ منهم.
وقرأ الحسن: ولا تشرك، بالتاء والجزم على النهي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ يَعْنِي لُبْثَهم فِيهِ أحْياءً مَضْرُوبًا عَلى آذانِهِمْ، وهو بَيانٌ لِما أجْمَلَ قَبْلُ.
وقِيلَ إنَّهُ حِكايَةُ كَلامِ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ كَما اخْتَلَفُوا في عِدَّتِهِمْ فَقالَ بَعْضُهم ثَلاثَمِائَةٍ وقالَ بَعْضُهم ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ) بِالإضافَةِ عَلى وضْعِ الجَمْعِ مَوْضِعَ الواحِدِ، ويُحَسِّنُهُ ها هُنا أنَّ عَلامَةَ الجَمْعِ فِيهِ جَبْرٌ لِما حُذِفَ مِنَ الواحِدِ وأنَّ الأصْلَ في العَدَدِ إضافَتُهُ إلى الجَمْعِ ومَن لَمْ يُضِفْ أبْدَلَ السِّنِينَ مِن ثَلاثِمِائَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةِ سِنِينَ} يريد لبثهم فيه أحياء مضروباً على آذانهم هذه المدة وهو بيان لما أجمل في قوله فضربنا عل آذانهم في الكهف سنين عدداً وسنين عطف بيان لثلثمائة ثلثمائة سنين بالإضافة حمزة وعليّ على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله بالأخسرين أعمالا {وازدادوا تِسْعًا} أي تسع سنين لدلالة ما قبله عليه وتسعا مفعول به لأن زاد تقتضي مفعولين فازداد يقتضي مفعولاً واحداً
﴿ ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ﴾ أحْياءً مَضْرُوبًا عَلى آذانِهِمْ ﴿ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ كَما قالَ مُجاهِدٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ واخْتارَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، قالَ في الكَشْفِ: فَعَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ المُدَّةِ المَضْرُوبِ فِيها عَلى آذانِهِمْ هي هَذِهِ المُدَّةُ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا وقَدْ أعْلَمُ فَهو الحَقُّ الصَّحِيحُ الَّذِي لا يَحُومُ حَوْلَهُ شَكٌّ قَطُّ، وفائِدَةُ تَأْخِيرِ البَيانِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم تَنازَعُوا في ذَلِكَ أيْضًا لِذِكْرِهِ عَقِيبَ اخْتِلافِهِمْ في عِدَّةِ أشْخاصِهِمْ ولِيَكُونَ التَّذْيِيلُ بِ ﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ ﴾ مُحاكِيًا لِلتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ﴾ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ الغَيْبِ الَّذِي أُخْبِرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَكُونَ مُعْجِزًا لَهُ، ولَوْ قِيلَ: فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ سِنِينَ عَدَدًا وأتى بِهِ مُبَيَّنًا أوَّلًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الدَّلالَةُ البَتَّةَ، فَهَذِهِ عِدَّةُ فَوائِدَ، والأصْلُ الأخِيرَةُ.
انْتَهى، ويَحْتاجُ عَلى هَذا إلى بَيانِ وجْهِ العُدُولِ عَنِ المُتَبادَرِ وهو ثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعُ سِنِينَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ فَقِيلَ: هو الإشارَةُ إلى أنَّها ثَلاثُمِائَةٍ بِحِسابِ أهْلِ الكِتابِ واعْتِبارِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، ثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعٌ بِحِسابِ العَرَبِ واعْتِبارِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ.
فالتِّسْعُ مِقْدارُ التَّفاوُتِ، وقَدْ نَقَلَهُ بَعْضُهم عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ دَلالَةَ اللَّفْظِ عَلى ما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرَةٍ مَعَ أنَّهُ لا يُوافِقُ ما عَلَيْهِ الحِسابُ والمُنَجِّمُونَ كَما قالَهُ الإمامُ؛ لِأنَّ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسٌ وسِتُّونَ يَوْمًا وخَمْسُ ساعاتٍ وتِسْعٌ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً عَلى مُقْتَضى الرَّصْدِ الإيلْخانِيِّ، والسَّنَةُ القَمَرِيَّةُ ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعَةٌ وخَمْسُونَ يَوْمًا وثَمانِ ساعاتٍ وثَمانٍ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً، فَيَكُونُ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما عَشَرَةَ أيّامٍ وإحْدى وعِشْرِينَ ساعَةً ودَقِيقَةً واحِدَةً، وإذا كانَ هَذا تَفاوُتَ سَنَةٍ كانَ تَفاوُتُ مِائَةِ ألْفِ يَوْمٍ وسَبْعَةٍ وثَمانِينَ يَوْمًا وثَلاثَ عَشْرَةَ ساعَةً وأرْبَعِ دَقائِقَ وهي ثَلاثَةُ سِنِينَ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا وإحْدى عَشْرَةَ ساعَةً وسِتَّ عَشْرَةَ دَقِيقَةً فَيَكُونُ تَفاوُتُ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ تِسْعَ سِنِينَ وثَلاثًا وسَبْعِينَ يَوْمًا وتِسْعَ ساعاتٍ وثَمانِيًا وأرْبَعِينَ دَقِيقَةً؛ ولِذا قِيلَ: إنَّ رِوايَتَهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمْ تَثْبُتْ.
وبَحَثَ فِيهِ الخَفاجِيُّ بِأنَّ وجْهَ الدَّلالَةِ فِيهِ ظاهِرٌ لِأنَّ المَعْنى: لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ عَلى حِسابِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلَّمُوا قَوْمَكَ السُّؤالَ عَنْ شَأْنِهِمْ وتِسْعًا زائِدَةً عَلى حِسابِ قَوْمِكَ الَّذِينَ سَألُوكَ عَنْ ذَلِكَ، والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ يُشْعِرُ بِهِ، ودَعْوى أنَّ التَّفاوُتَ تِسْعَ سِنِينَ مَبْنِيَّةٌ عَلى التَّقْرِيبِ؛ لِأنَّ الزّائِدَ لَمْ يَبْلُغْ نِصْفَ سَنَةٍ، بَلْ ولا فَصْلًا مِن فُصُولِها فَلَمْ يُعْبَأْ بِهِ، وكَوْنُ التَّفاوُتِ تِسْعًا تَقْرِيبًا جارٍ عَلى سائِرِ الأقْوالِ في مِقْدارِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ والسَّنَةِ القَمَرِيَّةِ؛ إذِ التَّفاوُتُ في سائِرِها لا يَكادُ يَبْلُغُ رُبْعًا فَضْلًا عَنْ نِصْفٍ، وقالَ الطِّيبِيُّ في تَوْجِيهِ العُدُولِ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّهم لَمّا اسْتَكْمَلُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ قَرُبُوا مِنَ الِانْتِباهِ ثُمَّ اتُّفِقَ ما أوْجَبَ بَقاءَهم نائِمِينَ تِسْعَ سِنِينَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ: وازْدادُوا نَوْمًا؛ أيْ: قَوِيَ نَوْمُهم في تِسْعِ سِنِينَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أهْلُ الكِتابِ قَدِ اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ كَما اخْتَلَفُوا في عِدَّتِهِمْ فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَبِثُوا ﴾ إلَخْ رافِعًا لِلِاخْتِلافِ مُبَيِّنًا لِلْحَقِّ ويَكُونُ: ﴿ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ تَقْرِيرًا ودَفْعًا لِلِاحْتِمالِ نَظِيرَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ وسَيَجِيءُ بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.
وقِيلَ: إنَّهُمُ انْتَبَهُوا قَلِيلًا ثُمَّ رُدُّوا إلى حالَتِهِمُ الأُولى فَلِذا ذَكَرَ الِازْدِيادَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ المارَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونُقَلِّبُهُمْ ﴾ إلَخْ وهو فِيما أرى أقْرَبُ مِمّا تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ والقَمَرِيَّةِ.
وقالَ جَمْعٌ: إنَّ الجُمْلَةَ مِن كَلامِ أهْلِ الكِتابِ؛ فَهي مِن مَقُولِ: ﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ السّابِقِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُفَسِّرُ الآيَةَ يَرى أنَّها كَذَلِكَ فَيَهْوِي أبْعَدَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ثُمَّ تَلا: ﴿ ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ﴾ الآيَةَ.
ثُمَّ قالَ: كَمْ لَبِثَ القَوْمُ؟
قالُوا: ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ فَقالَ: لَوْ كانُوا لَبِثُوا كَذَلِكَ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى مَقالَةَ القَوْمِ فَقالَ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ وقالَ: سَيَقُولُونَ: لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا، ولَعَلَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ القَوْلُ بِأنَّ عِدَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم مَعَ أنَّهُ تَعالى عَقَّبَ القَوْلَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ﴾ ولا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ فَلِمَ دَلَّ هَذا عَلى الرَّدِّ ولَمْ يَدُلَّ ذاكَ.
نَعَمْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «قالُوا لَبِثُوا كَهْفَهُمْ» وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الخائِضِينَ في شَأْنِهِمْ إلّا أنَّ التَّعْقِيبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ كَتَعْقِيبِ القَوْلِ الثّالِثِ في العِدَّةِ بِما سَمِعْتَ في عَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى الرَّدِّ.
والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ: ﴿ وازْدادُوا ﴾ عَلى هَذا القَوْلِ لِأصْحابِ الكَهْفِ كَما أنَّهُ كَذَلِكَ عَلى القَوْلِ السّابِقِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ لِأهْلِ الكِتابِ بِخِلافِهِ عَلى الأوَّلِ، ويَظْهَرُ فِيهِ وجْهُ العُدُولِ عَنْ ثَلاثِمِائَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ لِأنَّ بَعْضَهم قالَ: لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةٍ، وبَعْضُهم قالَ: إنَّهُ أزْيَدُ بِتِسْعَةٍ اه.
ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وعَلى القَوْلَيْنِ؛ الظّاهِرُ أنَّ: ﴿ بِما لَبِثُوا ﴾ إشارَةٌ إلى المُدَّةِ السّابِقِ ذِكْرُها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ إشارَةٌ إلى المُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِمْ إلى زَمَنِ الرَّسُولِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ كانَتِ التِّسْعُ مُبْهَمَةً لا يُدْرى أنَّها سُنُونَ أمْ شُهُورٌ أمْ أيّامٌ أمْ ساعاتٌ، واخْتَلَفَ فِيً ذَلِكَ بَنُو إسْرائِيلَ فَأُمِرَ بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في التِّسْعِ فَقَطِ اه.
ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ فَإنَّهُ إذا سَبَقَ عَدَدٌ مُفَسَّرٌ وعُطِفَ عَلَيْهِ ما لَمْ يُفَسَّرْ حُمِلَ تَفْسِيرُهُ عَلى السّابِقِ؛ فَعِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ وعَشَرَةٌ ظاهِرٌ في «وعَشَرَةُ دَراهِمَ» ولَيْسَ بِمُجْمَلٍ كَما لا يَخْفى.
هَذا ونُصِبَ: ﴿ تِسْعًا ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( ازْدادُوا ) وهو مِمّا يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ زادَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وإذا بُنِيَ عَلى افْتَعَلَ تَعَدّى إلى واحِدٍ، وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ وغَيْرِهِ أنَّ زادَ قَدْ تَتَعَدّى إلى واحِدٍ يُقالُ: زِدْتُهُ كَذا فَزادَ هو وازْدادَ كَذا، ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ فَلا تَغْفُلْ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ «سِنِينَ» في القِراءَةِ بِتَنْوِينِ «مِائَةٍ» مَنصُوبٌ لَكِنِ اخْتَلَفُوا في تَوْجِيهِ ذَلِكَ فَقالَ أبُو البَقاءِ وابْنُ الحاجِبِ: هو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةَ مِن: ﴿ ثَلاثَ مِائَةٍ ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِثَلاثِمِائَةٍ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ أوْلى مِنَ البَدَلِيَّةَ لِأنَّها تَسْتَلْزِمُ أنْ لا يَكُونَ العَدَدُ مَقْصُودًا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ ﴾ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيّامًا أمْ أشْهُرًا أمْ سِنِينَ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سِنِينَ».
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الشُّذُوذُ مِن وجْهَيْنِ، وسَتَعْلَمُ وجْهَهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وبِما نُقِلَ في المُفَصَّلِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا لَبِثُوا تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، قالَ ابْنُ الحاجِبِ: ووَجَّهَهُ أنَّهُ فُهِمَ مِن لُغَتِهِمْ أنَّ مُمَيِّزَ المِائَةِ واحِدٌ مِن مِائَةٍ كَما إذا قُلْتَ: مِائَةُ رَجُلٍ، فَرَجُلٌ واحِدٌ مِنَ المِائَةِ فَلَوْ كانَ سِنِينَ تَمْيِيزًا لَكانَ واحِدًا مِن ثَلاثِمِائَةٍ، وأقَلُّ السِّنِينَ ثَلاثَةٌ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ثَلاثَمِائَةِ ثَلاثِ سِنِينَ فَيَكُونُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ.
ويُرَدُّ بِأنَّ ما ذُكِرَ مَخْصُوصٌ بِما إذا كانَ التَّمْيِيزُ مُفْرَدًا، وأمّا إذا كانَ جَمْعًا فالقَصْدُ فِيهِ كالقَصْدِ في وُقُوعِ التَّمْيِيزِ جَمْعًا في نَحْوِ: ثَلاثَةُ أثْوابٍ، مَعَ أنَّ الأصْلَ في الجَمِيعِ الجَمْعُ، وإنَّما عَدَلُوا إلى المُفْرَدِ لِعِلَّةٍ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، فَإذا اسْتُعْمِلَ التَّمْيِيزُ جَمْعًا اسْتُعْمِلَ عَلى الأصْلِ، وما قالَ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ ما اسْتُعْمِلَ جَمْعًا اسْتُعْمِلَ كَما اسْتُعْمِلَ المُفْرَدُ فَأمّا إذا اسْتُعْمِلَ الجَمْعُ عَلى أصْلِهِ في ما وُضِعَ لَهُ العَدَدُ فَلا.
انْتَهى.
وقَدْ صَرَّحَ الخَفاجِيُّ أنَّ ذَلِكَ كَتَقابُلِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ كَوْنَ «سِنِينَ» مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ «مِائَةٍ» وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى جُمْلَةِ العَدَدِ كَما في قَوْلِ عَنْتَرَةَ: فِيها اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُودًا كَخافِيَةِ الغُرابِ الأسْحَمِ حَيْثُ جُعِلَ سُودًا نَعْتًا لِ «حَلُوبَةً» وهي في المَعْنى نَعْتٌ لِجُمْلَةِ العَدَدِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشّاعِرُ اعْتَبَرَ حَلُوبَةً جَمْعًا وجَعَلَ سُودًا وصْفًا لَها، وإذا كانَ المُرادُ بِهِ الجَمْعُ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَقَعَ تَفْسِيرًا لِهَذا الضَّرْبِ مِنَ العَدَدِ مِن حَيْثُ كانَ عَلى لَفْظِ الآحادِ كَما يُقالُ: عِشْرُونَ نَفَرًا، وثَلاثُونَ قَبِيلًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وطَلْحَةُ ويَحْيى والأعْمَشُ والحَسَنُ وابْنُ أبِي لَيْلى وخَلَفٌ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: «ثَلاثَمِائَةِ سِنِينَ» بِإضافَةِ مِائَةٍ إلى سِنِينَ، وما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ يُرَدُّ هُنا أيْضًا ويُرَدُّ بِما رُدَّ بِهِ هُناكَ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ الإيرادِ بِنَصْبِ سِنِينَ عَلى التَّمْيِيزِ؛ فَإنَّ مَنشَأ اللُّزُومِ عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِهِ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا وهو مُتَحَقِّقٌ إذا جُرَّ أيْضًا وجُرَّ تَمْيِيزُ المِائَةِ بِالإضافَةِ أحَدُ الأمْرَيْنِ المَشْهُورَيْنِ فِيهِ اسْتِعْمالًا، وثانِيهِما: كَوْنُهُ مُفْرَدًا ولِكَوْنِ الإفْرادِ مَشْهُورًا في الِاسْتِعْمالِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الأصْلُ؛ فَهو أصْلٌ بِحَسْبِ الِاسْتِعْمالِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ ابْنِ الحاجِبِ: إنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ مُطْلَقًا الجَمْعُ كَما سَمِعْتَ آنِفًا؛ لِأنَّهُ أرادَ أنَّهُ الأصْلُ المَرْفُوضُ قِياسًا نَظَرًا إلى أنَّ المِائَةَ جَمْعٌ كَثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ ونَحْوِهِما كَذا في الكَشْفِ، وقَدْ يَخْرُجُ عَنِ الِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ فَيَأْتِي مُفْرَدًا مَنصُوبًا كَما في قَوْلِهِ: إذا عاشَ الفَتى مِائَتَيْنِ عامًا ∗∗∗ فَقَدْ ذَهَبَ اللَّذاذَةُ والفَتاءُ وقَدْ يَأْتِي جَمْعًا مَجْرُورًا بِالإضافَةِ كَما في الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ وحَمْزَةَ ومَن مَعَهُما لَكِنْ قالُوا: إنَّ الجَمْعَ المَذْكُورَ فِيها قَدْ أُجْرِيَ مَجْرى العارِي عَنْ عَلامَةِ الجَمْعِ لِما أنَّ العَلامَةَ فِيهِ لَيْسَتْ مُتَمَحِّضَةً لِلْجَمْعِيَّةِ لِأنَّها كالعِوَضِ عَنْ لامِ مُفْرَدِهِ المَحْذُوفَةِ حَتّى أنَّ قَوْمًا لا يُعْرِبُونَهُ بِالحُرُوفِ بَلْ يُجْرُونَهُ مَجْرى حِينٍ، ولَمْ أجِدْ فِيما عِنْدِي مِن كُتُبِ العَرَبِيَّةِ شاهِدًا مِن كَلامِ العَرَبِ لِإضافَةِ المِائَةِ إلى جَمْعٍ، وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يُورِدُونَ الآيَةَ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ شاهِدًا لِذَلِكَ وكَفى بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى شاهِدًا.
وقَرَأ أُبَيٌّ: «ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ» بِالإضافَةِ والإفْرادِ كَما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ وكَذا في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الضَّحّاكُ: «ثَلاثَمِائَةٍ سُنُونَ» بِالتَّنْوِينِ ورَفْعِ سُنُونَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي سُنُونَ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْهُ: «تِسْعًا» بِفَتْحِ التّاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، فاعْلَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ: جَمِيعُ ما غابَ فِيهِما وخَفِيَ مِن أحْوالِ أهْلِهِما فالغَيْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الغائِبِ والخَفِيُّ جُعِلَ عَيْنَهُ لِلْمُبالَغَةِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ العِلْمِيِّ؛ أيْ: لَهُ تَعالى ذَلِكَ عِلْمًا ويَلْزَمُ مِنهُ ثُبُوتُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِسائِرِ المَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ الخَفِيَّ عَلِمَ غَيْرَهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.
﴿ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ﴾ صِيغَتا تَعَجُّبٍ، والهاءُ ضَمِيرُهُ تَعالى، والكَلامُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ فَلَيْسَ التَّعَجُّبُ مِنهُ سُبْحانَهُ لِيُقالَ: لَيْسَ المُرادُ مِنهُ حَقِيقَتَهُ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ كَما قِيلَ، ولا يَمْتَنِعَ صُدُورُ التَّعَجُّبِ مِن بَعْضِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وأفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ حَقِيقَةً مِن غَيْرِهِ تَعالى.
وفِي الحَدِيثِ: ««ما أحْلَمَكَ عَمَّنْ عَصاكَ، وأقْرَبَكَ مِمَّنْ دَعاكَ، وأعْطَفَكَ عَلى مَن سَألَكَ»».
ولَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ مَن أرادَهُ، ولِابْنِ هِشامٍ رِسالَةٌ في ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ شَأْنَ بَصَرِهِ تَعالى وسَمْعِهِ عَزَّ وجَلَّ وهُما صِفَتانِ غَيْرُ راجِعَتَيْنِ إلى صِفَةِ العِلْمِ خارِجٌ عَمّا عَلَيْهِ بَصَرُ المُبْصِرِينَ وسَمْعُ السّامِعِينَ فَإنَّ اللَّطِيفَ والكَثِيفَ والصَّغِيرَ والكَبِيرَ والجَلِيَّ والخَفِيَّ والسِّرَّ والعَلَنَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ في عَدَمِ الِاحْتِجابِ عَنْ بَصَرِهِ وسَمْعِهِ تَبارَكَ وتَعالى، بَلْ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ المَعْدُومَ والمَوْجُودَ في ذَلِكَ سَواءٌ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى شَيْئِيَّةِ المَعْدُومِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْلُومٌ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ شَأْنِ بَصَرِهِ عَزَّ وجَلَّ لِما أنَّ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِن قَبِيلِ المُبْصَراتِ، والأصْلُ أبْصَرَ وأسْمَعَ والهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: صارَ ذا بَصَرٍ وصارَ ذا سَمْعٍ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ عَدَمَ تَحَقُّقِهِما لَهُ تَعالى، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وفِيهِما ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ثُمَّ حُوِّلا إلى صِيغَةِ الأمْرِ وبَرَزَ الضَّمِيرُ الفاعِلُ لِعَدَمِ لِياقَةِ صِيغَةِ الأمْرِ لِتَحَمُّلِ ضَمِيرِ الغائِبِ، وجُرَّ بِالباءِ الزّائِدَةِ فَكانَ لَهُ مَحَلّانِ الجَرُّ لِمَكانِ الباءِ والرَّفْعُ لِمَكانِ كَوْنِهِ فاعِلًا، ولِكَوْنِهِ صارَ فَضْلَةً صُورَةً أُعْطِيَ حُكْمَها فَصَحَّ حَذْفُهُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَعَ كَوْنِهِ فاعِلًا، والفاعِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عِنْدَهُمْ، ولا تَكادُ تُحْذَفُ هَذِهِ الباءُ في هَذا المَوْضِعِ إلّا إذا كانَ المُتَعَجَّبُ مِنهُ أنْ وصِلَتَها نَحْوَ: أحْسِنْ أنْ تَقُولَ، وهَذا الفِعْلُ لِكَوْنِهِ ماضِيًا مَعْنًى قِيلَ إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى فَتْحٍ مُقَدَّرٍ مَنَعَ مِن ظُهُورِهِ مَجِيئُهُ عَلى صُورَةِ الأمْرِ وهَذا مَذْهَبُ «س» في هَذا التَّرْكِيبِ، قالَ الرَّضِيُّ: وضُعِّفَ ذَلِكَ بِأنَّ الأمْرَ بِمَعْنى الماضِي مِمّا لَمْ يُعْهَدْ بَلْ جاءَ الماضِي بِمَعْنى الأمْرِ كَما في حَدِيثِ: ««اتَّقى اللَّهَ امْرُؤٌ فَعَلَ خَيْرًا يُثَبْ عَلَيْهِ»».
وبِأنْ صارَ ذا كَذا قَلِيلٌ، ولَوْ كانَ ما ذُكِرَ مِنهُ لَجازَ ألْحِمْ بِزَيْدٍ، وأشْحِمْ بِزَيْدٍ، وبِأنَّ زِيادَةَ الباءِ في الفاعِلِ قَلِيلٌ، والمُطَّرِدُ زِيادَتُها في المَفْعُولِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ الأمْرِ بِمَعْنى الماضِي مِمّا لَمْ يُعْهَدْ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ ألا تَرى أنَّ كَفى بِهِ بِمَعْنى اكْتَفِ بِهِ عِنْدَ الزَّجّاجِ، وقَصَدَ بِهَذا النَّقْلِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّهُ قُصِدَ بِهِ مَعْنًى إنْشائِيٌّ وهو التَّعَجُّبُ، ولَمْ يُقْصَدْ ذَلِكَ مِنَ الماضِي لِأنَّ الإنْشاءَ أنْسَبُ بِصِيغَةِ الأمْرِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ في الأكْثَرِ، وبِأنَّ كَثْرَةَ أفْعَلَ بِمَعْنى صارَ ذا كَذا لا تَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وجَوازُ ألْحِمْ بِزَيْدٍ عَلى مَعْنى التَّعَجُّبِ لازِمٌ ولا مَحْذُورَ فِيهِ وعَلى مَعْنًى آخَرَ غَيْرُ لازِمٍ، نَعَمْ ما ذُكِرَ مِن قِلَّةِ زِيادَةِ الباءِ في الفاعِلِ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ، والإنْصافُ أنَّ مَذْهَبَ س في هَذِهِ المَسْألَةِ لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ.
ومَذْهَبُ الأخْفَشِ وعَزاهُ الرَّضِيُّ إلى الفَرّاءِ أنَّ أفْعِلْ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أمْرٌ لَفْظًا ومَعْنًى، فَإذا قُلْتَ: أحْسِنْ بِزَيْدٍ فَقَدْ أمَرْتَ كُلَّ واحِدٍ بِأنْ يَجْعَلَ زَيْدًا حَسَنًا، ومَعْنى جَعْلِهِ كَذَلِكَ وصْفُهُ بِهِ فَكَأنَّكَ قُلْتَ: صِفْهُ بِالحُسْنِ كَيْفَ شِئْتَ، فَإنَّ فِيهِ مِنهُ كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في شَخْصٍ كَما قالَ الشّاعِرُ: لَقَدْ وجَدْتَ مَكانَ القَوْلِ ذا سِعَةٍ ∗∗∗ فَإنْ وجَدْتَ لِسانًا قائِلًا فَقُلِ وهَذا المَعْنى مُناسِبٌ لِلتَّعَجُّبِ بِخِلافِ تَقْدِيرِ س، وأيْضًا هَمْزَةُ الجَعْلِ أكْثَرُ مِن هَمْزَةِ صارَ ذا كَذا، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنهُما عَلى ما قالَ الرَّضِيُّ قِياسًا مُطَّرِدًا، واعْتُبِرَ الفاعِلُ ضَمِيرَ المَأْمُورِ وهو كُلُّ أحَدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ لِظُهُورِ الأمْرِ يُؤْمَرُ كُلُّ أحَدٍ لا عَلى التَّعْيِينِ بِوَصْفِهِ بِما ذُكِرَ، ولَمْ يُتَصَرَّفْ في أفْعِلْ عَلى هَذا المَذْهَبِ فَيُسْنَدُ إلى مُثَنًّى أوْ مَجْمُوعٍ أوْ مُؤَنَّثٍ لِما ذَكَرُوا مِن عِلَّةِ كَوْنِ فَعَلَ لِلتَّعَجُّبِ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ وهي مُشابَهَتُهُ الحُرُوفَ في الإنْشاءِ وكَوْنُ كُلِّ لَفْظٍ مِن ألْفاظِهِ صارَ عَلَمًا لِمَعْنًى مِنَ المَعانِي، وإنْ كانَ هُناكَ جُمْلَةٌ فالقِياسُ أنْ لا يُتَصَرَّفَ فِيهِ احْتِياطًا لِتَحْصِيلِ الفَهْمِ كَأسْماءِ الأعْلامِ فَلِذا لَمْ يُتَصَرَّفْ في نِعْمَ وبِئْسَ في الأمْثالِ، وسَهَّلَ ذَلِكَ هُنا انْمِحاءُ مَعْنى الأمْرِ فِيهِ كَما انْمَحى مَعْنى الجَعْلِ وصارَ لِمَحْضِ إنْشاءِ التَّعَجُّبِ ولَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعْنى الخِطابِ، والباءُ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ فَتَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: صَيِّرْهُ ذا حُسْنٍ، ثُمَّ إنَّهُ اعْتَذَرَ لِبَقاءِ أحْسِنْ في الأحْوالِ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ لِكَوْنِ الخِطابِ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ؛ أيْ: يا حُسْنُ أحْسِنْ بِزَيْدٍ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ وسَماجَةٌ، وأيْضًا نَحْنُ نَقُولُ: أحْسِنْ بِزَيْدٍ يا عَمْرُو، ولا يُخاطَبُ شَيْئانِ في حالَةٍ إلّا أنْ يَقُولَ: مَعْنى خِطابِ الحُسْنِ قَدِ انْمَحى، وثَمَرَةُ الخِلافِ بَيْنَ س وغَيْرِهِ تَظْهَرُ فِيما إذا اضْطُرَّ إلى حَذْفِ الباءِ فَعَلى مَذْهَبِ س يَلْزَمُ رَفْعُ مَجْرُورِهِ وعَلى غَيْرِهِ يَلْزَمُ نَصْبُهُ، هَذا وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أبْصِرْ بِدِينِ اللَّهِ تَعالى وأسْمِعْ بِهِ؛ أيْ: بَصُرَ بِهُدى اللَّهِ تَعالى وسَمِعَ بِهِ فَتَرْجِعُ الهاءُ إمّا عَلى الهُدى وإمّا عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ عِيسى: «أبْصَرَ بِهِ وأسْمَعَ» بِصِيغَةِ الماضِي فِيهِما، وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّ المُرادَ الإخْبارُ لا التَّعَجُّبُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّهِ تَعالى؛ أيْ: أبْصَرَ عِبادَهُ بِمَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وأسْمَعَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: «أبْصَرَ» أفْعَلَ تَفْضِيلٍ وكَذا «أسْمَعَ» وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ «لَهُ» وضَمِيرِ «بِهِ» عائِدٌ عَلى الغَيْبِ ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ التَّفْضِيلِ بَلْ عِظَمَ شَأْنِ بَصَرِهِ تَعالى وسَمْعِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَعَلَّ هَذا أقْرَبُ مِمّا ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ، وحاصِلُ المَعْنى عَلَيْهِ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَواتِ والأرْضِ بَصِيرًا بِهِ وسَمِيعًا عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأعْظَمِهِ.
﴿ ما لَهُمْ ﴾ أيْ: لِأهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِما ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ تَعالى ﴿ مِن ولِيٍّ ﴾ مَن يَتَوَلّى أُمُورَهم ﴿ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ ﴾ في قَضائِهِ تَعالى ﴿ أحَدًا ﴾ كائِنًا مَن كانَ ولا يَجْعَلُ لَهُ فِيهِ مَدْخَلًا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ لِأصْحابِ الكَهْفِ، وإضافَةُ «حُكْمِ» لِلْعَهْدِ عَلى مَعْنى ما لَهم مَن يَتَوَلّى أمْرَهم ويَحْفَظُهم غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِمْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ.
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الكُفّارِ المُشاقِّينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجَعَلَ الآيَةَ اعْتِراضًا بِتَهْدِيدٍ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مَعْنى مُؤْمِنِي أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ.
والمُرادُ أنَّهم لَنْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِهِ تَعالى ولِيًّا، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُخْتَلِفِينَ في مُدَّةِ لُبْثِ أصْحابِ الكَهْفِ؛ أيْ: لا يَتَوَلّى أمْرَهم غَيْرُ اللَّهِ تَعالى فَهم لا يَقْدِرُونَ بِغَيْرِ إقْدارِهِ سُبْحانَهُ فَكَيْفَ يَعْلَمُونَ بِغَيْرِ إعْلامِهِ عَزَّ وجَلَّ، والكُلُّ كَما تَرى، ثُمَّ لا يَخْفى عَلَيْكَ أنْ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغُ في نَفْيِ الشَّرِيكِ مِن أنْ يُقالَ: مِن ولِيٍّ ولا شَرِيكٍ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ: «ولا يُشْرِكْ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ والجَزْمِ، قالَ يَعْقُوبُ: لا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ، ووَجَّهَ بَعْضُهم بِأنَّهُ سَكَّنَ بِنِيَّةِ الوَقْفِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدٌ وحُمَيْدُ بْنُ الوَزِيرِ عَنْ يَعْقُوبَ والجَعْفِيِّ واللُّؤْلُؤِيِّ عَنْ أبِي بَكْرٍ: «ولا تُشْرِكْ» بِالتّاءِ ثالِثِ الحُرُوفِ والجَزْمِ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِكُلِّ أحَدٍ عَنِ الشِّرْكِ لا نَهْيٌ لَهُ ، ولَوْ جُعِلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَجُعِلَ تَعْرِيضًا بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ.
فَيَكُونُ مَآلُهُ إلى ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ ويُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى «لا تَقُولَنَّ» والمَعْنى: لا تَسْألْ أحَدًا عَمّا لا تَعْرِفُهُ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ ولُبْثِهِمْ واقْتَصِرْ عَلى ما يَأْتِيكَ في ذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ، أوْ لا تَسْألْ أحَدًا عَمّا أخْبَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن نَبَأِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ واقْتَصِرْ عَلى بَيانِهِ سُبْحانَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن كَثْرَةِ مُخالَفَةِ الظّاهِرِ، وإنْ كانَ أشَدَّ مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
قال تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً قالت النصارى: أمّا ثلاثمائة فقد عرفنا، وأمّا تسعا فلا علم لنا فيه، فنزل وَازْدَادُوا تِسْعاً قرأ حمزة والكسائي ثَلاثَ مِائَةٍ بكسر الهاء بغير تنوين على معنى الإضافة، وقرأ الباقون بالتنوين.
لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أي عالم بما لبثوا في رقودهم.
وقال الكلبي: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ، أي هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم.
مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ أي أصحاب الكهف.
وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً قرأ ابن عامر ولا تشرك بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء، ومعناه: أنه قد جرى ذكر علمه وقدرته، وأعلم أنه لا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا.
كما قال: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً [الجن: 26] ، ومن قرأ بالتاء يقول: لا تنسبن أحداً إلى عالم الغيب، ومعناه: أنه لا يجوز لأحد أن يحكم بين رجلين بغير حكم الله تعالى، فيما حكم أو دل عليه حكم الله، فليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ويدلُّ على هذا من الآية أنه سبحانه لَمَّا حكى قول من قال: ثلاثة، وخمسة، قَرَنَ بالقول أنه رَجْم بالغيب، ثم حكى هذه المقالة، ولم يقدَحْ فيها بشيء، وأيضاً فَيَقْوى ذلك على القول بواوِ الثمانية لأنها إِنما تكون حيث عدد الثمانية صحيحٌ.
وقوله سبحانه: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً معناه على بعض الأقوال: أي:
بظاهر ما أوحينا إِليك، وهو ردُّ علْمِ عدتهم إِلى اللَّه تعالى، وقيل: معنى الظاهر أنْ يقول: ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا يحتجّ هو على أمر مقرَّر في ذلك، وقال التِّبْرِيزِيُّ: ظاهِراً معناه: ذاهباً وأنشد: [الطويل] ...
وَتلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا «٢» ولم يبح له في هذه/ الآية أن يماري، ولكن قوله: إِلَّا مِراءً مجازٌ من حيث يماريه أهْلُ الكتاب، سمِّيت مراجعته لهم مِرَاءً، ثم قيد بأنه ظاهرٌ، ففارَقَ المراءَ الحقيقيَّ المذمومَ، و «المِرَاء» : مشتقٌّ من المِرْية، وهو الشكُّ، فكأنه المُشَاكَكَة.
ت: وفي سماع ابن القاسمِ، قال: كان سليمان بن يَسَارٍ، إِذا ارتفع الصوْتُ في مجلسه، أو كانِ مَراءً، أخذ نعليه، ثم قام.
قال ابنُ رُشْد: هذا مِنْ وَرَعه وفَضْله، و «المِرَاء» في العِلْم منهيٌّ عنه، فقد جاء أنه لا تُؤْمَنُ فتنته، ولا تفهم حِكْمته انتهى من «البيان» .
والضمير في قوله: وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ عائد على أهل الكَهْف، وفي قوله:
مِنْهُمْ عائدٌ على أهْل الكتاب.
وقوله: فَلا تُمارِ فِيهِمْ، أي: في عدّتهم.
وقوله سبحانه: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ قد تقدّم
أن هذه الآية عتاب من اللَّه تعالى لنبيِّه حيث لم يستثْنِ، والتقدير: إِلا أنْ تقولَ إِلاَّ أنْ يشاء اللَّه أو إِلاَّ أنْ تقولَ: إِن شاء اللَّه، والمعنى: إِلا أن تذكُرَ مشيئَةَ اللَّهِ.
وقوله سبحانه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قال ابن عباس «١» والحسن «٢» معناه:
إِلاشارة به إلى الاستثناء، أي: ولتستثْنِ بعد مدّة إذا نسيت، أو لا لِتَخْرُجَ من جُمْلة من لم يعلِّق فعله بمشيئة اللَّه، وقال عكرمة: واذكر ربَّك إِذا غَضِبْتَ «٣» ، وعبارة الواحِدِيِّ:
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، أي: إِذا نسيتَ الاستثناء بمشيئة اللَّه، فاذكره وقله إذا تذكّرت.
اه.
وقوله سبحانه: وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي ...
الآية: الجمهورُ أنَّ هذا دعاءٌ مأمورٌ به، والمعنى: عسى أنْ يرشدني ربِّي فيما أستقبل من أمري، والآية خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهي بعدُ تعمُّ جميع أمته.
وقال الواحديُّ: وقل عسى أن يهديني، أي: يعطيني ربي الآياتِ من الدلالاتِ على النبوَّة ما يكون أقرَبَ في الرشد، وأدلَّ من قصَّة أصحاب الكهف، ثم فعل اللَّه له ذلك حيثُ آتاه علْم غَيْوب المرسَلِينَ وخَبَرَهم.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ ...
الآية: قال قتادة وغيره:
الآية حكايةٌ عن بني إسرائيلُ «٤» ، أنهم قالوا ذلك واحتجوا بقراءة «٥» ابن مسعود وفي مُصِحفه: «وقَالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ» ، ثم أمر اللَّه نبيَّه بأن يردَّ العلْم إِليه ردَّا على مقالهم وتفنيداً لهم، وقال المحقِّقون: بل قوله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ...
الآية خبرٌ من اللَّه تعالى عن مُدَّة لبثهم، وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا، أي: فليزل اختلافكم أيها المخرِّصون، وظاهر قوله سبحانه: وَازْدَادُوا تِسْعاً أنها أعوام.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ ) مَنَوَّنًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( ثَلاثَمِائَةِ سِنِينَ ) مُضافًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: العَدَدُ المُضافُ إلى الآَحادِ قَدْ جاءَ مُضافًا إلى الجَمِيعِ، قالَ الشّاعِرُ: وما زَوَّدُونِي غَيْرَ سَحْقِ عِمامَةٍ وخَمْسَمْئِ مِنها قِسِيٌّ وزائِفُ وَفِي هَذا الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حِكايَةٌ عَمّا قالَ النّاسُ في حَقِّهِمْ، ولَيْسَ بِمِقْدارِ لُبْثِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ فَقالَ: لَوْ كانُوا لَبِثُوا ذَلِكَ، لَما قالَ: ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ ، وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ الكِتابِ.
والثّانِي: أنَّهُ مِقْدارُ ما لَبِثُوا، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والمَعْنى: لَبِثُوا هَذا القَدْرَ مِن يَوْمٍ دَخَلُوهُ إلى أنْ بَعَثَهُمُ اللَّهُ وأطْلَعَ الخَلْقَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِنِينَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ: سِنِينَ ثَلاثَمِائَةٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: أنَّها لَمْ تَكُنْ شُهُورًا ولا أيّامًا، وإنَّما كانَتْ سِنِينَ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: " سِنِينَ " بَدَلٌ من قَوْلِهِ: ﴿ ثَلاثَ مِائَةٍ ﴾ .
قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ ﴾ فَقالُوا: أيّامًا، أوْ شُهُورًا، أوْ سِنِينَ ؟
فَنَزَلَتْ: " سِنِينَ "؛ فَلِذَلِكَ قالَ: " سِنِينَ "، ولَمْ يَقُلْ: سَنَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ يَعْنِي: تِسْعَ سِنِينَ، فاسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ السِّنِينَ بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِها، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهُ أعْلَمُ بِقَدْرِ مُدَّةً لُبْثِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ المُخْتَلِفِينَ فِيها، فَقالَ: ﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ .
قالَ ابْنُ السّائِبِ: قالَتْ نَصارى نَجْرانَ: أمّا الثَّلاثَمِائَةٍ فَقَدْ عَرَفْناها، وأمّا التِّسْعُ فَلا عِلْمَ لَنا بِها، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا " ﴾ .
وقِيلَ: إنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: إنَّ لِلْفِتْيَةِ مُنْذُ دَخَلُوا الكَهْفَ إلى يَوْمِنا هَذا ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وقالَ: ﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ بَعْدَ أنْ قَبَضَ أرْواحَهم إلى يَوْمِكم هَذا، لا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ.
وقِيلَ: إنَّما زادَ التِّسْعَ؛ لِأنَّهُ تَفاوُتٌ ما بَيْنَ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ والسِّنِينَ القَمَرِيَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى مَذْهَبِ التَّعَجُّبِ، فالمَعْنى: ما أسْمَعَ اللَّهُ بِهِ وأبْصَرَ؛ أيْ: هو عالِمٌ بِقِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وغَيْرِهِمْ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، وذَكَرَ أنَّهُ إجْماعُ العُلَماءِ.
والثّانِي: أنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، فالمَعْنى: أبْصِرْ بِدِينِ اللَّهِ وأسْمِعْ؛ أيْ: أبْصِرْ بِهُدى اللَّهِ وأسْمِعْ، فَتَرْجِعُ الهاءُ إمّا عَلى الهُدى، وإمّا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَهم مِن دُونِهِ ﴾ ؛ أيْ: لَيْسَ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن دُونِ اللَّهِ مِن ناصِرٍ، ﴿ وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَحْكُمَ حاكِمٌ بِغَيْرِ ما حَكَمَ بِهِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ مِن ذاتِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ شَرِيكًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ في حُكْمِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( ولا تُشْرِكْ ) جَزْمًا بِالتّاءِ، والمَعْنى: لا تُشْرِكْ أيُّها الإنْسانُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ قالَ قَتادَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ، وغَيْرُهُما: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ﴾ الآيَةُ حِكايَةٌ عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، واحْتَجّا بِأنَّ قِراءَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وفي مُصْحَفِهِ: "وَقالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ"، وذَلِكَ عِنْدَ قَتادَةَ -عَلى غَيْرِ قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ- عَطْفٌ عَلى ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ ﴾ ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ رَدًّا عَلى مَقالِهِمْ وتَفْنِيدًا لَهُمْ، قالالطَبَرِيٌّ: "وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ وجْهٌ مَفْهُومٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أيْنَ ذَهَبَ بِهَذا القائِلِ؟
وما الوَجْهُ المَفْهُومُ البارِعُ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ خَبَرًا عن لُبْثِهِمْ، ثُمَّ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ بِخَبَرِهِ، هَذا هو الحَقُّ مِن عالَمِ الغَيْبِ، فَلْيَزُلِ اخْتِلافُكم أيُّها المُتَخَرِّصُونَ.
وقالَ المُحَقِّقُونَ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ﴾ الآيَةُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ بَعْدَ الإخْبارِ: ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ -فَقالَ الطَبَرِيٌّ: إنْ بَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفُوا فِيما مَضى لَهم مِنَ المُدَّةِ بَعْدَ الإعْثارِ عَلَيْهِمْ إلى مُدَّةِ النَبِيِّ ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ في كَوْنِهِمْ نِيامًا، وأنَّ ما بَعْدَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ لِلْبَشَرِ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَرُدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: "لَبِثُوا" الأوَّلُ يُرِيدُ: في نَوْمِ الكَهْفِ، و"لَبِثُوا" الثانِي يُرِيدُ: بَعْدَ الإعْثارِ مَوْتى إلى مُدَّةِ مُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أو إلى وقْتِ عِدَمِهِمْ بِالبِلى، عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ لَمْ تَدْرِ الناسُ أهِيَ ساعاتٌ أمْ أيّامٌ أمْ جُمَعٌ أمْ شُهُورٌ أمْ أعْوامٌ، واخْتَلَفَ بَنُو إسْرائِيلَ بِحَسْبِ ذَلِكَ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: في التِسْعِ، فَهي -عَلى هَذا- مُبْهَمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ كَلامِ العَرَبِ والمَفْهُومُ مِنهُ أنَّها أعْوامٌ، والظاهِرُ مِن أمْرِهِمْ أنَّهم قامُوا ودَخَلُوا الكَهْفَ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَسِيرٍ، وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ الحَوارِيِّينَ بَقِيَّةً.
وحَكى النَقّاشُ ما مَعْناهُ أنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ بِحِسابِ الأُمَمِ، فَلَمّا كانَ الإخْبارُ هُنا لِلنَّبِيِّ العَرَبِيِّ ذُكِرَتِ التِسْعُ؛ إذِ المَفْهُومُ عِنْدَهُ مِنَ السِنِينَ القَمَرِيَّةِ، فَهَذِهِ الزِيادَةُ هي ما بَيْنَ الحِسابَيْنِ.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ" بِتَنْوِينِ "مِائَةٍ" ونَصْبِ "سِنِينَ" عَلى البَدَلِ مِن "ثَلاثِمِائَةٍ"، أوَعَطْفِ البَيانِ، وقِيلَ: عَلى التَفْسِيرِ والتَمْيِيزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَحْيى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِإضافَةِ "مِائَةٍ" إلى "السِنِينَ" وتَرْكِ التَنْوِينِ، وكَأنَّهم جَعَلُوا "سِنِينَ" بِمَنزِلَةِ "سَنَةٍ"؛ إذِ المَعْنى بِهِما واحِدٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذْ هَذِهِ الأعْدادُ الَّتِي تُضافُ في الشُهُورِ إلى الآحادِ نَحْوَ ثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ أو ثَوْبٍ قَدْ تُضافُ إلى الجُمُوعِ، وانْحى أبُو حاتِمٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ"، وقَرَأ الضَحّاكُ: "ثَلاثَمِائَةِ سُنُونَ"، بِالواوِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "تَسْعًا" بِفَتْحِ التاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تِسْعًا" بِكَسْرِ التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ﴾ ، أيْ: ما أبْصَرَهُ وأسْمَعَهُ، قالَ قَتادَةُ: لا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللهِ تَعالى ولا أسْمَعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِباراتٌ عَنِ الإدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿ أبْصِرْ بِهِ ﴾ أيْ: بِوَحْيِهِ وإرْشادِهِ، هُداكَ وحُجَجُكَ والحَقُّ مِنَ الأُمُورِ، وأسْمِعْ بِهِ العالَمَ، فَتَكُونانِ أمْرَيْنِ لا عَلى وجْهِ التَعَجُّبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، أيْ: هَذِهِ قُدْرَتُهُ وحْدَهُ، لَمْ يُوالِهِمْ غَيْرُهُ بِتَلَطُّفٍ لَهُمْ، ولا اشْتَرَكَ مَعَهُ أحَدٌ في هَذا الحُكْمِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ مِنَ الكَفّارِ ومُشاقِّيهِ، وتَكُونُ الآيَةُ اعْتِراضًا بِتَهْدِيدٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا يُشْرَكُ في حُكْمِهِ أحَدًا" بِالياءِ مِن تَحْتِ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، عَلى جِهَةِ النَهْيِ لِلنَّبِيِّ ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "وَلا تُشْرِكْ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ﴾ .
وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَلا يُشْرِكْ" بِالياءِ مِن تَحْتِ وبِالجَزْمِ، قالَ يَعْقُوبُ: لا أعْرِفُ وجْهَهُ.
وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ ﴾ فَقَطْ، قالَ الناسُ: أهِيَ أشْهُرٌ أمْ أيّامٌ أمْ أعْوامٌ؟
فَنَزَلَتْ ﴿ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا هَلْ دامَ أهْلُ الكَهْفِ وبَقِيَتْ أشْخاصُهم مَحْفُوظَةً بَعْدَ المَوْتِ؟
فاخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في ذَلِكَ -فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ مَرَّ بِالشامِ في بَعْضِ غَزَواتِهِ مَعَ ناسٍ عَلى مَوْضِعِ الكَهْفِ وجَبَلِهِ، فَمَشى الناسُ إلَيْهِ فَوَجَدُوا عِظامًا، فَقالُوا: هَذِهِ عِظامُ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ لَهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا، أُولَئِكَ قَوْمٌ فَنُوا وعَدِمُوا مُنْذُ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَسَمِعَهُ راهِبٌ فَقالَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ أنَّ أحَدًا مِنَ العَرَبِ يَعْرِفُ هَذا، فَقِيلَ لَهُ: هَذا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّنا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: «لِيَحُجَّنَّ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ ومَعَهُ أصْحابُ الكَهْفِ فَإنَّهم لَمْ يَحُجُّوا بَعْدُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِالشامِ -عَلى ما سَمِعْتُ مِن ناسٍ كَثِيرٍ- كَهْفٌ كانَ فِيهِ مَوْتى يَزْعُمُ مُجاوِرُوهُ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ وبِناءٌ يُسَمّى الرَقِيمُ، ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وبِالأنْدَلُسِ في جِهَةِ غَرْناطَةَ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ تُسَمّى لُوشَةَ كَهْفٌ فِيهِ مَوْتى ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وأكْثَرُهم قَدِ انْجَرَدَ لَحْمُهُ، وبَعْضُهم مُتَماسِكٌ، وقَدْ مَضَتِ القُرُونُ السالِفَةُ ولَمْ نَجِدْ مِن عِلْمِ شَأْنِهِمْ إثارَةً، ويَزْعُمُ ناسٌ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، دَخَلْتُ إلَيْهِمْ فَرَأيْتُهم سَنَةَ أرْبَعٍ وخَمْسِمِائَةٍ، وهم بِهَذِهِ الحالَةِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ، وقَرِيبٌ مِنهم بِناءٌ رُومِيٌّ يُسَمّى الرَقِيمُ مِمّا يَلِي القِبْلَةَ، وآثارُ مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ رُومِيَّةٍ يُقالُ لَها مَدِينَةُ دِقْنَيُوسُ، وجَدْنا في آثارِها غَرائِبَ في قُبُورٍ ونَحْوِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما اسْتَسْهَلَتْ ذِكْرَ هَذا مَعَ بُعْدِهِ لِأنَّهُ عَجَبٌ يَتَخَلَّدُ ذِكْرُهُ ما شاءَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ ﴾ الآيَةَ.
مَن قَرَأ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالنَهْيِ عَطَفَ قَوْلَهُ: "واتْلُ" عَلَيْهِ، ومَن قَرَأ: "وَلا يُشْرِكُ" جَعَلَ هَذا أمْرًا بُدِئَ بِهِ كَلامٌ آخَرُ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْنى العِتابِ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَقِبَ العِتابِ الَّذِي كانَ عَلى تَرْكِهِ الِاسْتِثْناءَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ أجْوِبَةُ الأسْئِلَةِ، فاتْلُ وحْيَ اللهِ إلَيْكَ، أيِ: اتَّبِعْ في أعْمالِكَ، وقِيلَ: اسْرُدْ بِتِلاوَتِكَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ، لا نَقْصَ في قَوْلِهِ، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، ولَيْسَ لَكَ سِواهُ جانِبٌ تَمِيلُ إلَيْهِ وتَسْتَنِدُ.
و"المُلْتَحِدُ": الجانِبُ الَّذِي يُمالُ إلَيْهِ، ومِنهُ اللَحْدُ، كَأنَّهُ المَيْلُ في أحَدِ شِقَّيِ القَبْرِ، ومِنهُ: الإلْحادُ في الحَقِّ، وهو المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، ولا يُفْسِدُ قَوْلَهُ: ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ أمْرُ النَسْخِ؛ لِأنَّ المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ: لا مُبْدِّلَ سِواهُ فَتَبْقى الكَلِماتُ عَلى الإطْلاقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أرادَ مِنَ "الكَلِماتِ" الخَبَرَ ونَحْوَهُ مِمّا لا يُدْخِلُهُ النَسْخُ، والإجْماعُ أنِ الَّذِي لا يَتَبَدَّلُ هو الكَلامُ القائِمُ بِالذاتِ الَّذِي بِحَسْبِهِ يَجْرِي القَدَرُ، فَأمّا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها لا تُبَدَّلُ إلّا بِالتَأْوِيلِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَدَّلُوا ألْفاظَ التَوْراةِ.
<div class="verse-tafsir"
رجوع إلى بقية القصة بعد أن تخلل الاعتراض بينها بقوله: ﴿ فلا تمار فيهم ﴾ إلى قوله: ﴿ رشداً ﴾ [الكهف: 22 24].
فيجوز أن تكون جملة ولبثوا } عطفاً على مقولهم في قوله: ﴿ سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ [الكهف: 22] أي ويقولون: لبثوا في كهفهم، ليكون موقع قوله: ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ [الكهف: 26] كموقع قوله السابق ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ [الكهف: 22]، وعليْه فلا يكون هذا إخباراً عن مدة لبثهم.
وعن ابن مسعود أنه قرأ وقالوا لبثوا في كهفهم } إلى آخره، فذلك تفسير لهذا العطف.
ويجوز أن يكون العطف على القصة كلها.
والتقدير: وكذلك أعثرنا عليهم إلى آخره، وهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسعَ سنين.
وعلى اختلاف الوجهين يختلف المعنى في قوله: ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ [الكهف: 26] كما سيأتي.
ثم إن الظاهر أن القرآن أخبر بمدة لبث أهل الكهف في كهفهم، وأن المراد لبثُهم الأول قبل الإفاقة وهو المناسب لسبق الكلام على اللبث في قوله: ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ [الكهف: 19]، وقد قدمنا عند قوله تعالى: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم ﴾ [الكهف: 9] الخ...
أن مؤرخي النصارى يزعمون أن مدة نومة أهل الكهف مائتان وأربعون سنة.
وقيل: المراد لبثهم من وقت موتهم الأخير إلى زمن نزول هذه الآية.
والمعنى: أن يقدر لبثهم بثلاثمائة وتسع سنين.
فعُبّر عن هذا العدد بأنه ثلاثمائة سنة وزيادة تسع، ليعلم أن التقدير بالسنين القمرية المناسبة لتاريخ العرب والإسلام مع الإشارة إلى موافقة ذلك المقدار بالسنين الشمسية التي بها تاريخ القوم الذين منهم أهل الكهف وهم أهل بلاد الروم.
قال السهيلي في الروض الأنف}: النصارى يعرفون حديث أهل الكهف ويؤرخون به.
وأقول: واليهود الذين لَقّنوا قريشاً السؤالَ عنهم يؤرخّون الأشهر بحساب القمر ويؤرخون السنين بحساب الدورة الشمسية، فالتفاوت بين أيام السنة القمرية وأيام السنة الشمسية يحصل منه سنة قمرية كاملة في كل ثلاث وثلاثين سنة شمسيةً، فيكون التفاوت في مائة سنة شمسيةٍ بثلاث سنين زائدة قمرية.
كذا نقله ابن عطية عن النقاش المفسر.
وبهذا تظهر نكتة التعبير عن التسع السنين بالازدياد.
وهذا من علم القرآن وإعجازه العلمي الذي لم يكن لعموم العرب علم به.
وقرأ الجمهور ﴿ ثلاث مائةٍ ﴾ بالتنوين.
وانتصب ﴿ سنين ﴾ على البدلية من اسم العدد على رأي من يمنع مجيء تمييز المائة منصوباً، أو هو تمييز عند من يجيز ذلك.
وقرأه حمزة والكسائي وخلف بإضافة مائة إلى سنين على أنه تمييز للمائة.
وقد جاء تمييز المائة جمعاً، وهو نادر لكنه فصيح.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا قَوْلُ اليَهُودِ، وقِيلَ بَلْ نَصارى نَجْرانَ أنَّهم لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ قَوْلَهم وقالَ لِنَبِيِّهِ ﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهَذا العَدَدِ عَنْ مُدَّةِ بَقائِهِمْ في الكَهْفِ مِن حِينِ دَخَلُوهُ إلى ما ماتُوا فِيهِ.
﴿ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ هو ما بَيْنَ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ والسِّنِينَ القَمَرِيَّةِ.
﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما لَبِثُوا بَعْدَ مُدَّتِهِمْ إلى نُزُولِ القُرْآنِ فِيهِمْ.
الثّانِي: اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا في الكَهْفِ وهي المُدَّةُ الَّتِي ذَكَرَها عَنِ اليَهُودِ إذْ ذَكَرُوا زِيادَةً ونُقْصانًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أبْصَرُ وأسْمَعُ، أيْ أبْصَرُ بِما قالَ وأسْمَعُ لِما قالُوا.
الثّانِي: مَعْناهُ أبْصَرُهم وأسْمَعُهم، ما قالَ اللَّهُ فِيهِمْ.
﴿ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ناصِرٍ.
الثّانِي: مِن مانِعٍ.
﴿ وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولا يُشْرِكُ في عِلْمِ غَيْبِهِ أحَدًا.
الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ حُكْمِهِ فَيَصِيرُ شَرِيكًا لَهُ في حُكْمِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الخطيب في تاريخه عن حكيم بن عقال قال: سمعت عثمان بن عفان يقرأ: ﴿ ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين ﴾ منوّنة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس قال: إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك، فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض، ثم تلا ﴿ ولبثوا في كهفهم...
﴾ الآية.
ثم قال: كم لبث القوم؟
قالوا: ثلاثمائة وتسع سنين.
قال: لو كانوا لبثوا كذلك، لم يقل الله: ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ ولكنه حكى مقالة القوم فقال: ﴿ سيقولون ثَلاَثَة ﴾ إلى قوله: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ وأخبر أنهم لا يعلمون قال: سيقولون ﴿ ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في حرف ابن مسعود ﴿ وقالوا لبثوا في كهفهم ﴾ الآية.
يعني، إنما قاله الناس.
ألا ترى أنه قال: ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً ﴾ قال: هذا قول أهل الكتاب، فرد الله عليهم ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ في كهفهم ثَلاَثمائَة ﴾ قيل: يا رسول الله، أياماً، أم شهوراً، أم سنين؟
فأنزل الله: ﴿ سنين وازدادوا تسعاً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر، عن الضحاك عن ابن عباس موصولاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً ﴾ يقول: عدد ما لبثوا.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أبصر به وأسمع ﴾ قال: الله يقوله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ أبصر به وأسمع ﴾ قال: لا أحد أبصر من الله ولا أسمع تبارك وتعالى.
والله أعلم بالصواب والحمد لله وحده.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ﴾ الآية، اختلفوا في معنى هذه الآية على قولين أحدهما: أن هذا إخبار عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك (١) ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ﴾ ، ولكنه حكى مقالة القوم، فقال: سيقولون: ﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ﴾ الآية (٢) وقال قتادة: (هذا قول أهل الكتاب، فرد الله عليهم بقوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ﴾ قال: ويدل على صحة هذا قراءة ابن مسعود: قالوا لبثوا في كهفهم) (٣) (٤) (٥) القول الثاني: أن هذه الآية إخبار عن الله تعالى، أخبر عن قدر لبثهم في الكهف من يوم دخلوا إلى أن بعثهم الله وأطلع عليهم الخلق (٦) (٧) (٨) (٩) واختاره الزجاج وقال: (هو الأجود عندي) (١٠) (١١) ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ﴾ ما قاله القتبي: (وهو أنهم اختلفوا في لبثهم فقال الله: ﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ﴾ الآية، ثم قال: ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ﴾ أي.
وأنا أعلم بما لبثوا من المختلفين) (١٢) ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ﴾ (١٣) وقال كثير من أهل التفسير: (معنى قوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ﴾ أن أهل الكتاب قالوا على رسول الله - -: أن الفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين، فرد الله -عز وجل- عليهم وقال: ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ﴾ بعد أن قبض أرواحهم المرة الثانية إلى يومنا هذا لا يعلم ذلك غير الله تعالى) (١٤) هذا الذي ذكرنا تفسير الآية (١٥) ﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ ﴾ فلم يدرِ رسول الله - - أسنين، أم أشهر، أم أيام، أم ساعات، حتى نزل جبريل فقال: ﴿ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴾ (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ سِنِينَ ﴾ في موضع نصب بالفعل (١٩) (٢٠) ﴿ سِنِينَ ﴾ بدل من قوله: {ثَلَاثَ مِائَةٍ} وموضعه نصب، كما أن موضع المبدل منه كذلك وهذا كما تقول: أعطيته ألفا درهما ومائة أثوابا) (٢١) ﴿ سِنِينَ ﴾ نصبا بالتفسير للعدد، كما قال عنترة (٢٢) فيها اثنتان وأربعون حلوبةً ...
سودًا كخافية الغراب الأسحم [وهي جمع مفسرة كما يفسر الواحد) (٢٣) وقال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿ سِنِينَ ﴾ من نعت المائة، وهو راجع في المعنى إلى ثلاث، كما قال الشاعر، وأنشد البيت)] (٢٤) (٢٥) ﴿ سِنِينَ ﴾ نعت المائة راجع إلى جملة العدد، وعلى هذا يكون ﴿ سِنِينَ ﴾ في محل الجر، غير أنه يفتح النعت بالسنين؛ لأنها اسم جامد فلا يحسن النعت بها.
وقد حصل في قوله: ﴿ سِنِينَ ﴾ خمسة أوجه من الإعراب: الظرف، وعطف البيان، والبدل، والتفسير، والنصت.
هذا الذي ذكرنا وجه قراءة العامة وهو تنوين (مِائَةٍ)، وقراءة حمزة، والكسائي: "ثلاثمائةِ سنين" مضافة غير منونة (٢٦) (٢٧) قال أبو الحسن: (لا يحسن إضافة المائة إلى السنين، لا تكاد العرب تقول: مائة سنين) (٢٨) وقال صاحب النظم: (من أضاف وأظهر العدد اعتسف) (٢٩) (٣٠) قال الفراء: (مِنَ العرب من يضع السنين في موضع سنة، وهي حينئذٍ (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴾ قال أبو إسحاق: (لا يكون على معنى تسع ليال، ولا تسع ساعات؛ لأن العدد يعرف تفسيره، فإذا تقدم تفسيره استغنى بما تقدم عن إعادة ذكر التفسير، تقول: عندي مائة درهم وخمسة، فتكون الخمسة قد دل عليها ذكر الدراهم) (٣٣) وقال أبو علي: ( ﴿ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴾ أي: ازدادوا لُبث تسع، فحذف المصدر وأقيم المضاف إليه مقامه، وانتصاب تسع انتصاب المفعول به لا انتصاب الظرف، كما أن المضاف لو ظهر وأضيف إلى التسع كان كذلك) (٣٤) (١) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 458، و"جامع البيان" 15/ 230، و"معالم التنزيل" 5/ 16، و"النكت والعيون" 3/ 300.
(٢) "زاد المسير" 5/ 130، و"الدر المنثور" 4/ 395 وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٣) "جامع البيان" 15/ 230، و"معالم التنزيل" 5/ 164، و"النكت والعيون" 3/ 300، و"المحرر الوجيز" 9/ 282، و"الدر المنثور" 4/ 395.
(٤) مطر بن طهمان الوراق، أبو رجاء الخراساني السلمي، مولى علي، من أهل البصرة، روى عن: أنس، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وروى عنه: إبراهيم بن طهمان، ومعمر بن هشام، وشعبة، وغيرهم كثير، وكان من أكبر أصحاب قتادة، وثقه بعض العلماء، توفي سنة 125 هـ، وقيل غير ذلك.
انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 287، و"الكاشف" 3/ 149، و"ميزان الاعتدال" 4/ 126، و"تهذيب التهذيب" 10/ 152.
(٥) "جامع البيان" 15/ 231، و"المحرر الوجيز" 9/ 282.
(٦) "جامع البيان" 15/ 231، و"عالم التنزيل" 5/ 164، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386.
(٧) "جامع البيان" 15/ 231، و"الكشف والبيان" 3/ 389 أ.
(٨) عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، المكي، أبو هاشم، إمام تابعي مشهور، عرف بالصلاح والتقوى، وثقة العلماء، وروى لي الأربعة، ومسلم في "صحيحه"، == روى عن أبيه وغيره، عنه الأوزاعي وطائفة من التابعين، توفي -رحمه الله- سنة 113 هـ.
انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 249، و"الجرح والتعديل" 2/ 101، و"الحلية" 3/ 354، و"تهذيب التهذيب" 5/ 308، و"شذرات الذهب" 1/ 194.
(٩) "جامع البيان" 15/ 231، و"زاد المسير" 5/ 130.
(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.
(١١) "تفسير غريب القرآن" لابن قتية 1/ 266.
(١٢) "تفسير غريب القرآن" لابن قتية 1/ 267.
(١٣) "معالم التنزيل" 5/ 165، و"زاد المسير" 5/ 92، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 279.
(١٤) "جامع البيان" 15/ 231، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"المحرر الوجيز" 9/ 28، و"زاد المسير" 5/ 130.
(١٥) قال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 15/ 231: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عز ذكره، ولبث أصحاب الكهف في كهفهم رقودًا إلى أن بعثهم الله ليتساءلوا بينهم وإلى أن أعثر عليهم من أعثر ثلاثمائة سنين، وذلك لأن الله بذلك أخبر في كتابه.
وقال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 89: والظاهر من الآية إنما هو أخبار من الله لا حكاية عنهم، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، والله أعلم.
وانظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 9/ 283.
(١٦) ذكرت كتب التفسير نحوه.
انظر: "جامع البيان" 15/ 231، و"الكشف والبيان" 3/ 389 أ، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"زاد المسير" 5/ 130، و"لباب النقول في أسباب النزول" 144، و"جامع النقول في أسباب النزول" 2/ 209.
(١٧) "الكشف والبيان" 3/ 389 أ.
(١٨) ذكر نحوه بلا نسبة "المكتفى في الوقت والابتداء" 368.
(١٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 138، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 272، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.
(٢٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.
(٢١) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 141.
(٢٢) البيت لعنترة.
كَخَافِية الغُرَاب: أواخر الريش من الجناح مما يلي الظهر، وسميت بذلك لخفائها.
والأسْحم: الأسود.
والشاهد فيه قوله: (سودا) وهو حال من النكرة (حلوبة) في بعض التخريجات، وفيه دليل على مجيء صاحب الحال نكرة واستشهد به أبو حيان على نعت التمييز المفرد بالجمع مراعاة للمعنى.
انظر: "ديوانه" ص 13، و"الحيوان" 3/ 425، و"خزانة الأدب" 7/ 390، و"شرح شذور الذهب" ص 311، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 305، و"شرح القصائد العشر" 217، و"المقاصد النحوية" 4/ 487.
(٢٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 138.
(٢٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.
(٢٥) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.
(٢٦) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: (ثلاث مائةٍ سنين) منونًا.
وقرأ حمزة، والكسائي: (ثلاث مائةِ سنين) مضافًا غير منون.
انظر: "السبعة" لابن مجاهد (390)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 136، و"المبسوط" (234)، و"التبصرة" (248)، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 58، و"النشر" 2/ 310.
(٢٧) قول المؤلف -غفر الله له- هذه قراءة غير جيدة.
غير جيد؛ لأنها قراءة سبعية صحيحة ثابتة عن النبي - - فلا يجوز الطعن فيها.
قال ابن عطية في "تفسيره" 9/ 285: وهي قراءتنا معشر المغاربة ولا يقوم فيها مخالفة قانون النحاة المشار إليه بقول الخلاصة: ومائة والألف للفرد أضف.
لأن القرآن برواية أهل السبع عن رسول - - حجة على النحاة لا العكس، لا سيما وأبو علي الفارسي يرى أن قاعدة إضافة المائة إلى الفرد، أغلبية لا كلية مطردة، وبهذا يرد على من أنكر هذه القراءة.
وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 117: وقرأ حمزة والكسائي مائة بغير تنوين مضافًا إلى سنين أوقع الجمع موقع المفرد، وأنحى أبو حاتم على هذه القراءة ولا يجوز له ذلك.
(٢٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 137، و"مجمع البيان" 3/ 716.
(٢٩) ذكر نحوه الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 137 بلا نسبة.
(٣٠) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 137.
(٣١) في (ص): (مسد)، وهو تصحيف.
(٣٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 138.
(٣٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 279.
(٣٤) "الحجة للقراء السبعة" 1/ 323.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثلاث مِاْئَةٍ سِنِينَ وازدادوا تِسْعاً ﴾ في هذا قولان أحدهما: أنه حكاية عن أهل الكتاب يدل على ذلك ما في قراءة ابن مسعود: وقالوا لبثوا في كهفهم.
وهو معطوف على سيقولون ثلاثة فقوله: ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ﴾ رد عليهم في هذا العدد المحكي عنه، القول الثاني: أنه من كلام الله تعالى، وأنه بيان لما أجمل في قوله: فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ومعنى قوله: قل الله أعلم بما لبثوا على هذا أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم، وقد أخبر بمدة لبثم، فإخباره هو الحق لأنه أعلم من الناس، وكان قوله: قل الله أعلم احتجاجاً على صحة ذلك الإخبار، وانتصب سنين على البدل من ثلاثمائة أو عطف بيان، أو على التمييز وذلك على قراءة التنوين في ثلاثمائة وقرئ بغير تنوين على الإضافة ووضع الجمع موضع المفرد ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ أي ما أبصره وما أسمعه، لأن الله يدرك الخفيات كما يدرك الجليات ﴿ مَا لَهُم ﴾ الضمير لجميع الخلق أو للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ هو خبر في قراءة من قرأ بالياء، والرفع وقرئ بالتاء والجزم على النهي ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لكلماته ﴾ يحتمل أن يراد بالكلمات هنا القرآن، فالمعنى لا يبدل أحد القرآن ولا يغيره، ويحتمل أن يريد بالكلمات القضاء والقدر ﴿ مُلْتَحَداً ﴾ أي ملجا تميل إليه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.
الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.
حمزة وعلي.
الباقون بالتشديد.
﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.
الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.
وزمعة.
وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.
وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.
الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.
الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.
التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد .
قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".
وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي نعمة عليه وعلينا.
أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.
وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.
وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.
وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.
قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.
وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.
ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.
وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".
﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.
والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.
وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.
ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.
ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.
وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.
قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.
قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".
قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.
وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".
قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.
وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.
الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.
والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.
ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه سماه كذباً.
ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.
يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.
وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.
وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.
والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.
قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.
وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.
وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.
ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.
وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه ﴾ .
واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.
قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.
ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.
قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.
ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول على سبيل الامتحان فقال ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.
وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.
والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.
وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.
وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.
والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.
وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.
وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.
ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.
﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.
و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ وإما الكثرة.
قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.
وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.
وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.
واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.
وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.
وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.
وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.
فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.
والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.
﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.
وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.
وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.
وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.
وقيل هو كلام معترض إخبار من الله عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.
قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.
وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.
وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.
وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.
قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.
﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.
والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.
ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.
وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.
ثم بين الله لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.
ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.
واستبعده في التفسير الكبير.
وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.
وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.
وقيل: لهم تقلبتان في السنة.
وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.
وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.
قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله قادر على حفظهم من غير تقليب.
وأقول: لا ريب في قدرة الله ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.
والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.
قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.
عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.
وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.
وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.
قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.
وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.
وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟
فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.
والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.
والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.
وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.
والمدينة طرسوس.
قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.
عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.
وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.
وقيل: أيها أطيب وألذ.
وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.
والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.
يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.
وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.
قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.
وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.
ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.
وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.
وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.
والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟
قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.
فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.
ثم ذكر غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.
وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.
وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.
ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.
فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.
والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.
وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.
﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.
ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.
فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.
قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله من أهل الكتاب.
والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.
وكثيراً ما يقال رجم بالظن.
مكان قولهم ظن.
وقال المسلمون.
هم سبعة ثامنهم كلبهم.
قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله عن لسان جبرائيل .
والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.
يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.
وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.
واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.
وقيل ريان.
عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.
وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.
والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.
ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.
ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.
بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.
ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.
ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.
ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.
وأيضاً الله قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي ويحصل لغير النبي كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.
وقد عرفت قولهما في هذا الباب.
وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.
وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.
أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.
والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.
ثم نهى نبيه عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.
وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.
ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.
ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.
فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.
وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.
فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.
ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.
وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.
ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.
أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.
قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.
وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟
وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.
وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.
أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.
فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.
وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.
وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.
فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.
قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي حين قال بيده يا غلام من أبوك؟
فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.
وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.
ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.
فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.
فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .
ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.
ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.
ومنها قوله : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .
ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.
ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!
فقال النبي : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .
ومنها رواية أبي هريرة عن النبي : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟
قال: فلان ابن فلان.
فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟
قال: ولم تسأل عن ذلك؟
قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.
قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.
ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.
فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.
قال علي بن أبي طالب : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.
فقدم رسول ذلك الجيش.
فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.
قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.
فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.
ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.
فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.
فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.
وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.
ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.
ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله فألقوها في النار فانطفأت في الحال.
ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.
فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.
قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.
وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!
فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله ؟
فقال: لا ولكن فراسة صادقة.
وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ﴾ .
ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.
وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي فقال: أسرقت؟
قال: نعم.
فقطع يده فانصرف من عند علي فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟
قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.
فقال: قطع يدك وتمدحه.
قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.
فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله .
وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.
وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.
وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟
فقال: خل.
فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.
فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.
فلما فتحوا فإذا هي خل.
فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.
فقال: هذه والله دعوة خالد.
ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.
وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.
وروي أن النبي بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.
وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.
وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.
فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.
وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.
قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.
والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.
حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.
وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.
وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.
والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.
جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال حكاية عن الله : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.
وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.
قالوا: قال : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.
وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.
والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.
قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.
وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله : ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!
في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.
واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.
قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.
وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.
فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.
قيل: من هنا قال : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.
ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.
وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.
قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله أعلم.
قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.
فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.
فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.
وهذا نهي تأديب لنبيه لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.
قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.
واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.
وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.
ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.
وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.
وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.
وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.
وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.
قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.
وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.
وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.
واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.
وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.
فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.
عن قتادة.
أن قوله : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.
وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.
ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".
فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.
وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.
ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.
ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.
والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.
وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.
واقتصر على بيانه.
وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.
وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!
وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.
واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.
وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.
وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.
وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.
قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله أعلم.
التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .
هو التمتع من حسن الله وجماله.
﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.
ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.
وإنهم طلبوا النجاة من شر.
والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.
فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.
﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.
﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.
المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.
قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.
وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.
قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.
ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .
فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.
﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.
﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.
﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.
﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: عددهم كان سبعة والثامن الكلب؛ لأنه ذكر في الثالث والخامس ﴿ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، أي: قذفاً بالغيب وظنا، وقيل: ترجمة بالغيب، أي: بلا علم ولم يذكر في قوله: ﴿ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ ، وكذلك قال ابن عباس - - وقال: "أنا من القليل الذين استثناهم الله، وكانوا سبعة والثامن الكلب"، لعل ابن عباس قال: "أنا من القليل" ظنا واستدلالا بالذي ذكر، أو كان سماعا [سمع] من رسول الله ذلك.
وقال الحسن وأبو بكر وغيرهما: إن الله قال: ﴿ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم ﴾ ، ثم استثنى قليلا من عباده، فلا نعلم بأن أولئك القليل من الملائكة أو من البشر أو منهم؟
فلا ندري من هم؟
ولا كم عددهم؟
وبه نقول نحن، وهو ما قال: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ نهى رسوله أن يستفتي منهم أحداً؛ لما يحتمل أن يكون ذلك غير مبين في كتبهم، فلا يطلع رسوله خوف التكذيب.
ثم اختلف في وقتهم: قال [بعضهم]: كان فيما بين عيسى ومحمد.
وقال بعضهم: ذلك كان قبل بعث موسى، وهو قول الحسن وأبي بكر وهؤلاء، وهذا أشبه؛ لأنهم إنما سألوا عنهم أهل التوراة وهم اليهود، فلا يحتمل أن يكون بعد عيسى وهم لا يؤمنون بالإنجيل.
وقول أهل التأويل: كان أساميهم وعددهم [كذا، ليس لنا إلى معرفة أساميهم وعددهم] حاجة، ولو كانت لتولي الله بيان ذلك في الكتب.
وقال القتبي: ﴿ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: ظنا بالغيب، أي: يقولون بالظن.
وقيل: قذفاً بالغيب على غير استيقان، وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ﴾ إلى قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ يحتمل الخطاب بهذا لكل الناس، ليس أحد أولى به من غيره؛ فيخرج ذلك مخرج التعليم لهم في ترك المراء مع الكفرة إلا مراء ظاهراً، وكذلك في ترك الاستفتاء، وكذلك علمهم وأدبهم ألا يعدوا عدة إلا والثنيا بها ملحقة.
ويحتمل أيضاً أن يكون الخطاب به لرسول الله، لكن ليس لأنه قد كان منه ما ذكر من المراء والاستفتاء والوعد بغير ثنيا، ولكن خاطب به رسول الله ليتأدب غيره من الناس بذلك الأدب، وهو كما خاطبه بقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ونحوه من الخطاب الذي خاطبه به، فخاطبه به لا لأنه كان منه ذلك أو كان فيه ما ذكر، ولكن لما ذكرنا من الوجوه فيما تقدم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ﴾ : قال بعضهم: ذلك في أمر أصحاب الكهف، أي: لا تمار فيهم ولا تستفت فيهم منهم إلا قدر ما كان في كتبهم، فإنك لو ماريتهم بما ليس في كتابهم كذبوك، ولكن قدر ما في كتبهم؛ هذا كان على المسألة، فإن كان على غير المسألة في غير أمر أصحاب الكهف على ابتداء المحاجة والحجاج فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أي: لا تمار فيهم إلا بما هو أظهر ويعرفون ذلك ظاهراً، من نحو ما يعرفون أن الأصنام التي عبدوها لا تنفع ولا تضر ولا تبصر ولا تسمع، ونحو ذلك مما يعرفون أنها كذلك.
والثاني: لا تحاجهم بلطائف الحكمة ودقائقها، ولكن بشيء محسوس ظاهر من الآية، لا بما يلطف ويدق، على ما يحاجهم الأنبياء بآيات حسيات.
وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ دلالة ألاَّ يسع النظر في كتاب الفلاسفة إلا على جهة العرض لما فيها على كتاب الله فيؤخذ بما يوافقه ويترك الباقي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
لو كان فهم الخطاب على ظاهر ما خرج، لكان في قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ نهى عن العدة بالثنيا، فإذ لم يفهم هذا، ولكن فهموا: لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن تقول إن شاء الله، على إضمار القول؛ دل أن الخطاب ليس يحمل على ظاهر المخرج، ولكن على ما توجبه الحكمة والدليل.
ثم نهى أن [يعد] عدة ولا يستثني فيها، وقاس بعض الناس الأيمان على العدات فيقول: إذا حلف، فإنه يلزمه أن يستثني فيها، وذلك فاسد؛ لأن الأيمان تخرج على تعظيم الرب وإجلاله، فلا يجوز أن يؤمر بالثنيا فيها؛ لأن الثنيا نقض ذلك التعظيم، وكذلك ما روي: "إذا حلفتم فاحلفوا بالله ولا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت" نهى عن الحلف بغير الله؛ لما في الحلف به تعظيم لذلك الشيء، وأما العدة، فإنما هي إضافة الفعل إلى نفسه، وهو لا يملك تحقيقه؛ لذلك أمر أن يلحق الثنيا فيه؛ لئلا يلحقه الخلف في الوعد إذا لم يفعل ما وعد، وعلى ذلك ذكر عن الأنبياء أنهم إذا وعدوا استثنوا فيه؛ كقول موسى: ﴿ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً...
﴾ الآية [الكهف: 69]، ثم إذا لم يصبر لم يعاتبه بترك الصبر، ولو كان خلفا لعاتبه، كما عاتب موسى حيث قال: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ وقد ظهر من الأنبياء والرسل الأيمان والقسم، ثم لم يذكر عن أحد منهم الثنيا في ذلك؛ دل أن الثنيا في العدات لازمة وفي الأيمان لا.
وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ دلالة ألا يكون شيء إلا بمشيئة الله حيث ندبه إلى الثنيا، ثم إذا خرج على غير ما وعد لم يلحقه الخلف في الوعد؛ دل أنه قد شاء ذلك، وأنه إذا لم يشأ شيئاً لم يكن؛ لأنه لو كان شيئاً لم يشأ هو، أو شاء شيئاً فلم يكن - لم يكن لقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ معنى إذا كان ما لم يشأ هو، ولم يكن ما هو شاء؛ دل أن [ما] شاء هو كان، وما لم يشأ لم يكن.
وفيه أنه قد شاء كل طاعة وخير من العبد، فلو لم يشأ ما ليس بطاعة، لكان لا يستثني، وقد علم أنه قد شاء ذلك، فدل ثنياه على أنه قد يشاء ما ليس بطاعة إذا علم أنه يختار ذلك، وذلك على المعتزلة.
فإن قيل: إنما أمر بالثنيا في العدة؛ لما لعله سيموت قبل أن يفعل ما وعد، أو تذهب عنه القدرة فيعجز عما وعد.
قيل: إن الأوهام لا ترجع إلى ذلك، بل الإمكان مشروط فيه وإن لم يذكر؛ نحو ما لا يؤمر الإنسان بالطيران؛ لعدم الإمكان فيه موجودا فهو كالمشروط وإن لم يذكر، فعلى ذلك في العدات والأيمان وغيرها.
وجائز أن يكون المراد بهذا الخطاب غير النبي؛ وهو الأشبه؛ لما لا يحتمل أن يكون النبي يعد عدة ولا يذكر الثنيا؛ لما يعرف ألا يكون شيء إلا بمشيئة الله وإرادته، وأما غير النبي فجائز ألا يعرف ذلك؛ لذلك كان غيره أولى به يخرج منه على التعريف لهم والعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ أي: إذا ذكرته بعدما نسيت فاذكره؛ كقوله: ﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ فعلى ذلك هذا.
والثاني: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ ، أي: الثنيا في آخر الكلام إذا نسيت أوله - أعني: الثنيا - إذ المستحب أن يستثني في أول كلامه على التبرك؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ استثنوا أولا ثم وعدوا، فهو المستحب، فكأنه قال: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ ﴾ : الثنيا في آخر كلامك ﴿ إِذَا نَسِيتَ ﴾ في أوله وهو الثنيا، وهذا يرد على أصحاب الظاهر؛ لأن ظاهر الكتاب أن يخاطبهم بذكره إذا نسوا، ولا يجوز أن يخاطب أحداً في حال نسيانه، فإذا لم يفهم من هذا هذا، دل أنه لا يفهم على ما خرج ظاهره، ولكن على ما يصح ويوجب الحكمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً ﴾ .
قال بعضهم: أي: قل: عسى أن يهديني ربي لآية هي أوضح على دلالة رسالتي وآخذ مما تسألونني من أمر أصحاب الكهف؛ لأنهم كانوا: يسألونه عن خبرهم فيستدلون على رسالته وصدقه؛ فيقول: قد هداني ربي لآية على دلالة رسالتي أوضح مما تسألونني وآخذ للقلوب؛ إذ كانت له آيات حسيات على رسالته.
وقال الحسن: قوله: ﴿ وَقُلْ عَسَىٰ ﴾ وعسى من الله واجب، أي: قد هداني ربي الرشد والصواب، وأما غيره من أهل التأويل يقولون: إنه وعد لأولئك أن يخبرهم غدا عما يسألونه، وقال: عسى أن يرشدني ربي لأسرع من هذا الميعاد الذي وعدت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ ﴾ .
قال بعضهم: هو صلة قول أولئك الذين قالوا: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ...
﴾ الآية، مع قوله: إنهم لبثوا في كهفهم ما ذكرنا، فأمره أن يقول لهم: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ...
﴾ الآية.
وقال بعضهم: هو قول الله، أخبر أنهم لبثوا ما ذكر من المدة، وازدادوا تسعاً، قال بعضهم: تسع سنين، لكن ليس فيه بيان أنه أراد تسع سنين أو تسعة أشهر أو تسعة أيام، فلا ندري أراد بذلك ذا أو ذا؟
فالأمر فيه إلى الله على ما أمر رسوله أن يقول لهم: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
فإن قيل في قوله: ﴿ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ ﴾ : ألا قال: ثلائمائة سنة، كما يقال: ثلاثمائة رجل وثلاثمائة درهم ونحوه؟
قال بعض أهل الأدب: إنه لم يضف ثلاثمائة إلى سنين، ولكنه أراد إتمام الكلام بقوله: ﴿ ثَلاثَ مِاْئَةٍ ﴾ ؛ لذلك نون فيها، ثم أخبر ما تلك الثلاثمائة؟
فقال: سنين على القطع من الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ﴾ .
هو ما ذكرنا: أنه جعل علم مدة لبثهم في كهفهم إلى الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
يحتمل هذا وجوهاً ثلاثة: أحدها: له علم ما غاب عن أهل السماوات وأهل الأرض؛ كقوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
والثاني: له علم ما غيب وأسر أهل السماوات والأرض بعضهم من بعض.
والثالث: له علم غيب ما شاهد أهل السماوات وأهل الأرض؛ لأن فيما شاهدوا من الأشياء وعاينوها غيباً وسرية لم يعلموه، من نحو الشمس شاهدوها وعرفوا أنها شمس، ولكن لم يعلموا ما فيها من المعنى الذي به صلاح الأشياء ومنافعها، وكذلك القمر، وإنما شاهدوا هذه الأشياء، ولكن لم يعرفوا المعنى الذي به صارت نافعة للأشياء ومصلحتها، وكذلك السمع والبصر والعقل ونحوه من الحواس، عرفوا هذه الحواس على ظواهرها ولكن لا يعرفون المعنى الذي به يسمعون ويبصرون ويفهمون، فيقول: له علم ما غاب عنكم من هذه الأشياء التي شاهدتموها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ .
هذا كلام يتكلم على النهاية والغاية والإبلاغ من الوصف، ويقال: أكرم به من فلان، إذا كان بلغ الكرم به غايته، وكذلك يقال: أحسن به من فلان: إذا بلغ في الحسن غايته ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ هو وصف له على النهاية؛ كما يقال: ما أعلمه، وما أبصره، وما أكرمه، وما أحسنه: يعلمهم أنه يعلم ما غاب عن الخلق وما شاهدوا أبصر به من الأفعال التي يفعلون، وأسمع به من الأقوال التي يتفوهون، أي: يعلم ما غاب عنهم مما لم يفعلوا ولم يقولوا، فالذي قالوه وفعلوه أحق أن يعلم؛ يحذرهم عز وجل عن أفعالهم وأقوالهم، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ .
يحتمل: لا يشرك في ألوهيته وربوبيته أحداً.
ويحتمل: ولا يشرك في حكمه، أي: الحكم له ليس لأحد دونه حكم، إنما عليهم طلب حكم الله فيما يحكمون.
أو لا يشرك في تقديره وتدبيره الذي يدبر في خلقه أحداً.
ويحتمل: ولا يشرك في قسمته التي يقسم بين الخلق أحداً، ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ ، أي: فيما جاءت به الرسل ودعت الخلق إليه.
<div class="verse-tafsir"
ومَكَثَ أصحاب الكهف في كهفهم ثلاث مئة وتسع سنين.
<div class="verse-tafsir" id="91.nzyPV"