الآية ٢٧ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٢٧ من سورة الكهف

وَٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًۭا ٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا رسوله [ عليه الصلاة والسلام ] بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس : ( لا مبدل لكلماته ) أي : لا مغير لها ولا محرف ولا مؤول .

وقوله : ( ولن تجد من دونه ملتحدا ) [ عن مجاهد : ( ملتحدا ) قال : ملجأ .

وعن قتادة : وليا ولا مولى ] قال ابن جرير : يقول إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ، فإنه لا ملجأ لك من الله " .

كما قال تعالى : ( ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] ، وقال تعالى ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) [ القصص : 85 ] أي : سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واتبع يا محمد ما أنـزل إليك من كتاب ربك هذا، ولا تتركنّ تلاوته، واتباع ما فيه من أمر الله ونهيه، والعمل بحلاله وحرامه، فتكون من الهالكين ، وذلك أن مصير من خالفه، وترك اتباعه يوم القيامة إلى جهنم ( لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) يقول: لا مغير لما أوعد بكلماته التي أنـزلها عليك أهل معاصيه، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك.

وقوله: ( وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) يقول: وإن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك فتتبعه وتأتمّ به، فنالك وعيد الله الذي أوعد فيه المخالفين حدوده، لن تجد من دون الله موئلا تئل إليه ومعدلا تعدل عنه إليه، لأن قدرة الله محيطة بك وبجميع خلقه، لا يقدر أحد منهم على الهرب من أمر أراد به.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: (مُلْتَحَدًا) قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم في البيان عنه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان ، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: (مُلْتَحَدًا) قال: مَلْجَأ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (مُلْتَحَدًا) قال: ملجأ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) قال: موئلا.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر ، عن قتادة، في قوله: (مُلْتَحَدًا) قال: ملجأ ولا موئلا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ، في قوله: ( وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) قال: لا يجدون ملتحدا يلتحدونه، ولا يجدون من دونه ملجأ ولا أحدا يمنعهم ، والملتحد: إنما هو المفتعل من اللحد، يقال منه: لحدت إلى كذا: إذا ملت إليه ، ومنه قيل للحد: لحد، لأنه في ناحية من القبر، وليس بالشق الذي في وسطه، ومنه الإلحاد في الدين، وهو المعاندة بالعدول عنه ، والترك له.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداقوله تعالى : واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته قيل : هو من تمام قصة أصحاب الكهف ; أي اتبع القرآن فلا مبدل لكلمات الله ولا خلف فيما أخبر به من قصة أصحاب الكهف .

وقال الطبري : لا مغير لما أوعد بكلماته أهل معاصيه والمخالفين لكتابه .ولن تجد أنت .من دونه إن لم تتبع القرآن وخالفته .ملتحدا أي ملجأ وقيل موئلا وأصله الميل ومن لجأت إليه فقد ملت إليه .

قال القشيري أبو نصر عبد الرحيم : وهذا آخر قصة أصحاب الكهف .

ولما غزا معاوية غزوة المضيق نحو الروم وكان معه ابن عباس فانتهى إلى الكهف الذي فيه أصحاب الكهف ; فقال معاوية : لو كشف لنا عن هؤلاء فننظر إليهم ; فقال ابن عباس : قد منع الله من هو خير منك عن ذلك ، فقال : لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا فقال : لا أنتهي حتى أعلم علمهم ، وبعث قوما لذلك ، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم ; ذكره الثعلبي أيضا .

وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل الله أن يريه إياهم ، فقال إنك لن تراهم في دار الدنيا ولكن ابعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلغوهم رسالتك [ ص: 349 ] ويدعوهم إلى الإيمان ; فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام - : كيف أبعثهم ؟

فقال : ابسط كساءك وأجلس على طرف من أطرافه أبا بكر وعلى الطرف الآخر عمر وعلى الثالث عثمان وعلى الرابع علي بن أبي طالب ، ثم ادع الريح الرخاء المسخرة لسليمان فإن الله - تعالى - يأمرها أن تطيعك ; ففعل فحملتهم الريح إلى باب الكهف ، فقلعوا منه حجرا ، فحمل الكلب عليهم فلما رآهم حرك رأسه وبصبص بذنبه وأومأ إليهم برأسه أن ادخلوا فدخلوا الكهف فقالوا : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ; فرد الله على الفتية أرواحهم فقاموا بأجمعهم وقالوا : عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ; فقالوا لهم : معشر الفتية ، إن النبي محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ عليكم السلام ; فقالوا : وعلى محمد رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض ، وعليكم بما أبلغتم ، وقبلوا دينه وأسلموا ، ثم قالوا : أقرئوا محمدا رسول الله منا السلام ، وأخذوا مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي .

فيقال : إن المهدي يسلم عليهم فيحييهم الله ثم يرجعون إلى رقدتهم فلا يقومون حتى تقوم الساعة ، فأخبر جبريل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما كان منهم ، ثم ردتهم الريح فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كيف وجدتموهم ؟

.

فأخبروه الخبر ؟

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اللهم لا تفرق بيني وبين أصحابي وأصهاري واغفر لمن أحبني وأحب أهل بيتي وخاصتي وأصحابي .

وقيل : إن أصحاب الكهف دخلوا الكهف قبل المسيح ; فأخبر الله - تعالى - المسيح بخبرهم ثم بعثوا في الفترة بين عيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : كانوا قبل موسى - عليه السلام - وأن موسى ذكرهم في التوراة ; ولهذا سألت اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : دخلوا الكهف بعد المسيح ; فالله أعلم أي ذلك كان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

التلاوة: هي الاتباع، أي: اتبع ما أوحى الله إليك بمعرفة معانيه وفهمها، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره ونواهيه، فإنه الكتاب الجليل، الذي لا مبدل لكلماته، أي: لا تغير ولا تبدل لصدقها وعدلها، وبلوغها من الحسن فوق كل غاية { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } فلتمامها، استحال عليها التغيير والتبديل، فلو كانت ناقصة، لعرض لها ذلك أو شيء منه، وفي هذا تعظيم للقرآن، في ضمنه الترغيب على الإقبال عليه.

{ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا } أي: لن تجد من دون ربك، ملجأ تلجأ إليه، ولا معاذا تعوذ به، فإذا تعين أنه وحده الملجأ في كل الأمور، تعين أن يكون هو المألوه المرغوب إليه، في السراء والضراء، المفتقر إليه في جميع الأحوال، المسئول في جميع المطالب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( واتل ) واقرأ يا محمد ( ما أوحي إليك من كتاب ربك ) يعني القرآن واتبع ما فيه ( لا مبدل لكلماته ) قال الكلبي : لا مغير للقرآن .

وقيل : لا مغير لما أوعد بكلماته أهل معاصيه .

( ولن تجد ) أنت ( من دونه ) إن لم تتبع القرآن ( ملتحدا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : حرزا .

وقال الحسن : مدخلا .

وقال مجاهد : ملجأ .

وقيل : معدلا .

وقيل : مهربا .

وأصله من الميل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا» ملجأ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واتل -أيها الرسول- ما أوحاه الله إليك من القرآن، فإنه الكتاب الذي لا مبدِّل لكلماته لصدقها وعدلها، ولن تجد من دون ربك ملجأً تلجأ إليه، ولا معاذًا تعوذ به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الإِمام الرازى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ .

.

) اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى - عليه السلام - والخضر ، كلام واحد فى قصة واحدة وذلك أن أكابر كفار قريش احتجبوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء .

.

فنهاه الله عن طردهم لأنه مطلوب فاسد .

.

ثم إنه - سبحانه - أمره بالمواظبة على تلاوة كتابه ، وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين ، وتعنت المتعنتين .قوله - سبحانه - : ( واتل ) .

.

.

فعل أمر من التلاوة بمعنى القراءة .أى : وعليك أيها الرسول الكريم - أن تواظب وتداوم على قراءة ما أوحيناه إليك من هذا القرآن الكريم ، وأن تتبع إرشاداته وتوجيهاته ، فإن فى ذلك ما يهديك إلى الطريق الحق ، وما يغنيك عن السؤال والاستفتاء ، قال - تعالى - : ( إِنَّ الذين يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ) وصيغة الأمر فى قوله - سبحانه - : ( واتل .

.

) لإِبقاء الفعل لا لإِيجاده ، كما فى قوله - تعالى - : ( اهدنا الصراط المستقيم ) و " من " فى قوله ( مِن كِتَابِ رَبِّكَ ) بيانية .وقوله : ( لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) أى ليس فى هذا الكون أحد فى إمكانه أن يغير أو يبدل شيئا من الكلمات التى أوحاها الله - تعالى - إليك - أيها الرسول الكريم - ، لأننا قد تكفلنا بحفظ هذا الكتاب الذى أوحيناه إليك .قال - تعالى - : ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السميع العليم ) وقال - سبحانه - ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) فالجملة الكريمة وهى قوله - سبحانه - ( لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ ) نفت قدرة أحد على تبديل كلمات الله ، لأن أخبارها صدق ، وأحكامها عدل ، وإنما الذى يقدر على التغيير والتبديل هو الله - تعالى - وحده .والضمير فى ( كلماته ) يعود على الله - تعالى - ، أو على الكتاب .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ) .وأصل الملتحد : مكان الالتحاد وهو افتعال من اللحد بمعنى الميل .

ومنه اللحد فى القبر ، لأنه ميل فى الحفر .

ومنه قوله - تعالى - : ( إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ .

.

) أى : يميلون فى آياتنا .فالمراد بالملتحد : المكان الذى يميل فيه إلى ملجأ للنجاة .والمعنى : وداوم أيها الرسول الكريم على تلاوة ما أوحيناه إليك من كتابنا الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، واعلم أنك إن خالفت ذلك لن تجد غير الله - تعالى - ملجأ تلجأ إليه ، أو مأوى تأوى إليه ، لكى تنجو مما يريده بك .فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير الشديد - فى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم لكل من يقصر فى تلاوة كتاب الله ، أو يحاول التبديل فى ألفاظه ومعانيه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى والخضر كلام واحد في قصة واحدة، وذلك أن أكابر كفار قريش احتجوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن بك فاطرد من عندك هؤلاء الفقراء الذين آمنوا بك والله تعالى نهاه عن ذلك ومنعه عنه وأطنب في جملة هذه الآيات في بيان أن الذي اقترحوه والتمسوه مطلوب فاسد واقتراح باطل، ثم إنه تعالى جعل الأصل في هذا الباب شيئاً واحداً وهو أن يواظب على تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله إليه وعلى العمل به وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين وتعنت المتعنتين فقال: ﴿ واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كتاب رَبّكَ ﴾ وفي الآية مسألة وهي: أن قوله: ﴿ اتل ﴾ يتناول القراءة ويتناول الإتباع فيكون المعنى الزم قراءة الكتاب الذي أوحى إليك والزم العمل به ثم قال: ﴿ لاَ مُبَدّلَ لكلماته ﴾ أي يمتنع تطرق التغيير والتبديل إليه وهذه الآية يمكن التمسك بها في إثبات أن تخصيص النص بالقياس غير جائز لأن قوله: ﴿ اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ كتاب رَبّكَ ﴾ معناه ألزم العمل بمقتضى هذا الكتاب وذلك يقتضي وجوب العمل بمقتضى ظاهره، فإن قيل فيجب ألا يتطرق النسخ إليه قلنا هذا هو مذهب أبي مسلم الأصفهاني فليس يبعد، وأيضاً فالنسخ في الحقيقة ليس بتبديل لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالغاية فكيف يكون تبديلاً.

أما قوله: ﴿ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ اتفقوا على أن الملتحد هو الملجأ قال أهل اللغة: هو من لحد وألحد إذا مال ومنه قوله تعالى: ﴿ لّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ  ﴾ والملحد المائل عن الدين والمعنى ولن تجد من دونه ملجأ في البيان والرشاد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كانوا يقولون له: ائت بقرآن غير هذا أو بدله، فقيل له ﴿ واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ ﴾ من القرآن ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل، فلا مبدل لكمات ربك، أي: لا يقدر أحد على تبديلها وتغييرها، وإنما يقدر على ذلك هو وحده ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ ﴾ [النحل: 101] .

﴿ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ ﴾ مِنَ القُرْآنِ، ولا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ ﴾ .

﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى تَبْدِيلِها وتَغْيِيرِها غَيْرَهُ.

﴿ وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ مُلْتَجَأً عَلَيْهِ إنْ هَمَمْتَ بِهِ.

﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ ﴾ واحْبِسْها وثَبِّتْها.

﴿ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ في مَجامِعِ أوْقاتِهِمْ، أوْ في طَرَفَيِ النَّهارِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « بِالغُدْوَةِ» وفِيهِ أنَّ غُدْوَةً عَلَمٌ في الأكْثَرِ فَتَكُونُ اللّامُ فِيهِ عَلى تَأْوِيلِ التَّنْكِيرِ.

﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ رِضا اللَّهِ وطاعَتَهُ.

﴿ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ﴾ ولا يُجاوِزُهم نَظَرُكَ إلى غَيْرِهِمْ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَنْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى نَبَأٍ.

وقُرِئَ « ولا تَعْدِ عَيْنَيْكَ» « ولا تُعَدِّ» مِن أعْداهُ وعَدّاهُ.

والمُرادُ نَهْيُ الرَّسُولِ  أنْ يَزْدَرِيَ بِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ وتَعْلُوَ عَيْنُهُ عَنْ رَثاثَةِ زِيِّهِمْ طُمُوحًا إلى طَراوَةِ زِيِّ الأغْنِياءِ.

﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ حالٌ مِنَ الكافِ في المَشْهُورَةِ ومِنَ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ في غَيْرِها.

﴿ وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ ﴾ مَن جَعَلْنا قَلْبَهُ غافِلًا.

﴿ عَنْ ذِكْرِنا ﴾ كَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ في دُعائِكَ إلى طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْ مَجْلِسِكَ لِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ.

وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى هَذا الِاسْتِدْعاءِ غَفْلَةُ قَلْبِهِ عَنِ المَعْقُولاتِ وانْهِماكُهُ في المَحْسُوساتِ، حَتّى خَفِيَ عَلَيْهِ أنَّ الشَّرَفَ بِحِلْيَةِ النَّفْسِ لا بِزِينَةِ الجَسَدِ، وأنَّهُ لَوْ أطاعَهُ كانَ مِثْلَهُ في الغَباوَةِ.

والمُعْتَزِلَةُ لَمّا غاظَهم إسْنادُ الإغْفالِ إلى اللَّهِ تَعالى قالُوا: إنَّهُ مِثْلُ أجْبَنْتُهُ إذا وجَدْتُهُ كَذَلِكَ أوْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ، أوْ مِن أغْفَلَ إبِلَهُ إذا تَرَكَها بِغَيْرِ سِمَةٍ أيْ لَمْ نُسَمِّهِ بِذِكْرِنا كَقُلُوبِ الَّذِينَ كَتَبْنا في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، واحْتَجُّوا عَلى أنَّ المُرادَ لَيْسَ ظاهِرَ ما ذُكِرَ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ وجَوابُهُ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وقُرِئَ « أغْفَلْنا» بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى القَلْبِ عَلى مَعْنى حَسِبْنا قَلْبَهُ غافِلِينَ عَنْ ذِكْرِنا إيّاهُ بِالمُؤاخَذَةِ.

﴿ وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ أيْ تَقَدُّمًا عَلى الحَقِّ ونَبْذًا لَهُ وراءَ ظَهْرِهِ يُقالُ: فَرَسٌ فَرَطٌ أيْ مُتَقَدِّمٌ لِلْخَيْلِ ومِنهُ الفَرَطُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كتاب رَبّكَ} أي من القرآن ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل فإنه {لاَ مُبَدّلَ لكلماته} أي لا يقدر أحد على تبديلها أو تغييرها إنما يقدر على ذلك هو وحده {ولن تجد من دونه ملتحدا} ملجأ تعدل إليه إن هممت بذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ ﴾ ووَجْهُ الرَّبْطِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِن تَفْسِيرِها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ وكانَتْ مِنَ المُغَيَّباتِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ  ودَلَّ اشْتِمالُ القُرْآنِ عَلَيْها عَلى أنَّهُ وحْيٌ مُعْجِزٌ مِن حَيْثِيَّةِ الِاشْتِمالِ وإنْ كانَتْ جِهَةُ إعْجازِهِ غَيْرَ مُنْحَصِرَةٍ في ذَلِكَ أمَرَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِالمُواظَبَةِ عَلى دَرْسِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واتْلُ ﴾ إلَخْ وهو أمْرٌ مِنَ التِّلاوَةِ بِمَعْنى القِراءَةِ؛ أيْ: لازِمْ تِلاوَةَ ذَلِكَ عَلى أصْحابِكَ أوْ مُطْلَقًا ولا تَكْتَرِثْ بِقَوْلِ مَن يَقُولُ لَكَ: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿ اتْلُ ﴾ أمْرًا مِنَ التُّلُوِّ بِمَعْنى الِاتِّباعِ أيِ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ والزَمِ العَمَلَ بِهِ، وقِيلَ: وجْهُ الرَّبْطِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَهاهُ عَنِ المِراءِ المُتَعَمِّقِ فِيهِ وعَنِ الِاسْتِفْتاءِ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَتْلُوَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن أمْرِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اقْرَأْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن أمْرِهِمْ واسْتَغْنِ بِهِ ولا تَتَعَرَّضْ لِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ أوِ اتَّبِعْ ذَلِكَ وخُذْ بِهِ ولا تَتَعَمَّقْ في جِدالِهِمْ ولا تَسْتَفْتِ أحَدًا مِنهم فالكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ مِنَ النَّواهِي، والمُرادُ بِما أُوحِيَ إلَخْ هو الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ شَرْحَ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ واتْلُ عَلَيْهِمْ أخْبارَهُ عَنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ فالمُرادُ بِما أُوحِيَ إلَخْ ما تَضَمَّنَ هَذا الإخْبارَ، وهَذا دُونَ ما قَبْلَهُ بِكَثِيرٍ، بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّ المُرادَ بِما أُوحِيَ ما هو أعَمُّ مِمّا تَضَمَّنَ القِصَّةَ وغَيْرِهِ مِن كِتابِهِ تَعالى.

﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَبْدِيلِها وتَغْيِيرِها غَيْرُهُ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَقُدْرَتُهُ شامِلَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ يَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ انْدِفاعُ ما قِيلَ: إنَّ التَّبْدِيلَ واقِعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا بَدَّلْنا آيَةً ﴾ ، والظّاهِرُ عُمُومُ الكَلِماتِ الأخْبارِ وغَيْرِها، ومِن هُنا قالَ الطَّبَرْسِيُّ: المَعْنى: لا مُغَيِّرَ لِما أخْبَرَ بِهِ تَعالى ولا لِما أمَرَ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: لا مُبَدِّلَ لِحُكْمِ كَلِماتِهِ انْتَهى، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الخَبَرَ لا يَقْبَلُ التَّبْدِيلَ أيِ النَّسْخَ فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ الإرادَةُ حَتّى تَتَعَلَّقَ بِهِ القُدْرَةُ لِئَلّا يَلْزَمَ الكَذِبُ المُسْتَحِيلُ عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ.

ومِنهم مَن خَصَّ الكَلِماتِ بِالإخْبارِ لِأنَّ المَقامَ لِلْإخْبارِ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وعَلَيْهِ لا يُحْتاجُ إلى تَخْصِيصِ النَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ لِما سَمِعْتَ مِن حالِ الخَبَرِ، وقَوْلُ الإمامِ: إنَّ النَّسْخَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِتَبْدِيلٍ؛ لِأنَّ المَنسُوخَ ثابِتٌ في وقْتِهِ إلى وقْتِ طَرَيانِ النّاسِخِ، فالنّاسِخُ كالمُغايِرِ فَكَيْفَ يَكُونُ تَبْدِيلًا، تَوَهُّمٌ لا يُقْتَدى بِهِ.

ومِنَ النّاسِ مَن خَصَّ الكَلِماتِ بِمَواعِيدِهِ تَعالى لِعِبادِهِ المُوَحِّدِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ ولا تُبالِ بِالكَفَرَةِ المُعانِدِينَ، فَإنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِن وعْدِ المُوَحِّدِينَ ما تَضَمَّنَ ولا مُبَدِّلَ لِذَلِكَ الوَعْدِ، ومَآلُهُ: اتْلُ ولا تُبالِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُكَ وناصِرُ أصْحابِكَ وهو كَما تَرى، وإنْ كانَ أشَدَّ مُناسَبَةً لِما بَعْدُ، والضَّمِيرُ عَلى ما يَظْهَرُ مِن مَجْمَعِ البَيانِ لِلْكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلرَّبِّ تَعالى كَما هو الظّاهِرُ في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ أيْ: مَلْجَأً تَعْدِلُ إلَيْهِ عِنْدَ إلْمامِ مُلِمَّةٍ، وقالَ الإمامُ في البَيانِ والإرْشادِ: وأصْلُهُ مِنَ الِالتِحادِ بِمَعْنى المَيْلِ، وجَوَّزَ الرّاغِبُ فِيهِ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هُنا بِالمَدْخَلِ في الأرْضِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ حِينَ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ قَوْلَ خَصِيبٍ الضَّمْرِيِّ: يا لَهْفَ نَفْسِي ولَهْفٌ غَيْرُ مُجْدِيَةٍ عَنِّي وما عَنْ قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ ولا داعِيَ فِيهِ لِتَفْسِيرِهِ بِالمَدْخَلِ في الأرْضِ لِيُلْتَجَأ إلَيْهِ، ثُمَّ إذا كانَ المَعْنى بِالخِطابِ سَيِّدَ المُخاطَبِينَ  فالكَلامُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ إذْ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ خَلَّصَ أُمَّتَهُ لا تُحَدِّثُهم أنْفُسُهم بِطَلَبِ مَلْجَأٍ غَيْرِهِ تَعالى، نَسْألُهُ سُبْحانَهُ أنْ يَجْعَلَنا مِمَّنِ التَجَأ إلَيْهِ وعَوَّلَ في جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلَيْهِ فَكَفاهُ جَلَّ وعَلا ما أهَمَّهُ وكَشَفَ عَنْهُ غَياهِبَ كُلِّ غَمِّهِ.

* * * هَذا «ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ» ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مَقامَ العُبُودِيَّةِ لا يُشابِهُهُ مَقامٌ ولا يُدانِيهِ، ونَبِيُّنا  في أعْلى مَراقِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ العَبْدَ الحَقِيقِيَّ مَن كانَ حُرًّا عَنِ الكَوْنَيْنِ، ولَيْسَ ذاكَ إلّا سَيِّدُهُما  .

﴿ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ ﴿ قَيِّمًا ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ عائِدٌ عَلى ( الكِتابَ ) وجَعَلَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ عائِدًا عَلى ﴿ عَبْدِهِ ﴾ أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْحِرافًا عَنْ جَنابِهِ ومَيْلًا إلى ما سِواهُ، وجَعَلَهُ مُسْتَقِيمًا في عُبُودِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، وجُعِلَ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ أمْرَ تَكْوِينٍ ﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ﴾ وهو بَأْسُ الحِجابِ والبُعْدِ عَنِ الجَنابِ، وذَلِكَ أشَدُّ العَذابِ ﴿ كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ ﴿ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ﴾ وهي الأعْمالُ الَّتِي أُرِيدَ بِها وجْهَ اللَّهِ تَعالى لا غَيْرُ، وقِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ التَّبَرِّي مِنَ الوُجُودِ بِوُجُودِ الحَقِّ ﴿ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا ﴾ وهي رُؤْيَةُ المَوْلى ومُشاهَدَةُ الحَقِّ بِلا حِجابٍ ﴿ فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ شَفَقَتِهِ  واهْتِمامِهِ وحِرْصِهِ عَلى مُوافَقَةِ المُخالِفِينَ وانْتِظامِهِمْ في سِلْكِ المُوافِقِينَ ﴿ إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ ﴾ مِنَ الأنْهارِ والأشْجارِ والجِبالِ والمَعادِنِ والحَيَواناتِ ﴿ زِينَةً لَها ﴾ أيْ: لِأهْلِها ﴿ لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ فَيَجْعَلُ ذَلِكَ مِرْآةً لِمُشاهَدَةِ أنْوارِ جَلالِهِ وجَمالِهِ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: حُسْنُ العَمَلِ الإعْراضُ عَنِ الكُلِّ، وقالَ الجُنَيْدُ: حُسْنُ العَمَلِ اتِّخاذُ ذَلِكَ عِبْرَةً وعَدَمُ الِاشْتِغالِ بِهِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: أهْلُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعالى والمَحَبَّةِ لَهُ هم زِينَةُ الأرْضِ، وحُسْنُ العَمَلِ النَّظَرُ إلَيْهِمْ بِالحُرْمَةِ.

﴿ وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا ﴾ كِنايَةٌ عَنْ ظُهُورِ فَناءِ ذَلِكَ بِظُهُورِ الوُجُودِ الحَقّانِيِّ والقِيامَةِ الكُبْرى ﴿ أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ: أيْ: لا تَتَعَجَّبْ مِنهم فَشَأْنُكَ أعْجَبُ مِن شَأْنِهِمْ حَيْثُ أسْرى بِكَ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، وبَلَغَ بِكَ سِدْرَةَ المُنْتَهى، وكُنْتَ في القُرْبِ كَقابِ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، ثُمَّ رَدَّكَ قَبْلَ انْقِضاءِ اللَّيْلِ إلى مَضْجَعِكَ.

﴿ إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ ﴾ قِيلَ: هم فِتْيانُ المَعْرِفَةِ الَّذِينَ جُبِلُوا عَلى سَجِيَّةِ الفُتُوَّةِ، وفُتُوَّتُهم إعْراضُهم عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَأوَوْا إلى الكَهْفِ الخَلْوَةِ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَقالُوا ﴾ حِينَ اسْتَقامُوا في مَنازِلِ الأُنْسِ ومَشاهِدِ القُدْسِ وهَيَّجَهم ما ذاقُوا إلى طَلَبِ الزِّيادَةِ والتَّرَقِّي في مَراقِي السَّعادَةِ ﴿ رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾ مَعْرِفَةً كامِلَةً وتَوْحِيدًا عَزِيزًا ﴿ وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا ﴾ بِالوُصُولِ إلَيْكَ والفَناءِ فِيكَ ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ فِيهِ سُبْحانَهُ فانِينَ بِهِ تَعالى عَمّا سِواهُ ﴿ ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا ﴾ إشارَةٌ إلى رَدِّهِمْ إلى الصَّحْوِ بَعْدَ السُّكْرِ والبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، ويُقالُ أيْضًا: هو إشارَةٌ إلى الجَلْوَةِ بَعْدَ الخَلْوَةِ، وهُما قَوْلانِ مُتَقارِبانِ ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ الإيمانَ العِلْمِيَّ ﴿ وزِدْناهم هُدًى ﴾ بِأنْ أحْضَرْناهم وكاشَفْناهم ﴿ ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ سَكَّنّاها عَنِ التَّزَلْزُلِ بِما أسْكَنّا فِيها مِنَ اليَقِينِ فَلَمْ يَسْنَحْ فِيها هَواجِسُ التَّخْمِينِ ولا وساوِسُ الشَّياطِينِ، ويُقالُ أيْضًا: رَفَعْناها مِن حَضِيضِ التَّلْوِينِ إلى أوْجِ التَّمْكِينِ.

﴿ إذْ قامُوا ﴾ بِنا لَنا ﴿ فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مالِكُ أمْرِهِما ومُدَبِّرُهُما فَلا قِيامَ لَهُما إلّا بِوُجُودِهِ المُفاضِ مِن بِحارِ جُودِهِ ﴿ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا ﴾ إذْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مُحْتاجٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَلا يَصْلُحُ لِأنْ يُدْعى ﴿ لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا ﴾ كَلاما بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ مُفْرِطًا في الظُّلْمِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ المَشايِخِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلسّالِكِينَ إذا أرادُوا الذِّكْرَ وتَحَلَّقُوا لَهُ أنْ يَقُومُوا فَيَذْكُرُوا قائِمِينَ، قالَ ابْنُ الغَرْسِ: وهو اسْتِدْلالٌ ضَعِيفٌ لا يَقُومُ بِهِ المُدَّعِي عَلى ساقٍ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالقِيامِ والذِّكْرِ لَكِنْ عَلى ما يَفْعَلُهُ المُتَشَيِّخُونَ اليَوْمَ فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ولَمْ يَجِئْ في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا  بَلْ لَعَمْرِي إنَّ تِلْكَ الحِلَقَ حَبائِلُ الشَّيْطانِ وذَلِكَ القِيامُ قُعُودٌ في بُحْبُوحَةِ الخِذْلانِ.

﴿ وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ ﴾ أيْ: وإذْ خَرَجْتُمْ عَنْ صُحْبَةِ أهْلِ الهَوى وأعْرَضْتُمْ عَنِ السَّوِيِّ ﴿ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ ﴾ فاخْلُوا بِمَحْبُوبِكم ﴿ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ﴾ مَطْوِيَّ مَعْرِفَتِهِ ﴿ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا ﴾ ما تَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن أنْوارِ تَجَلِّياتِهِ ولَطائِفِ مُشاهَداتِهِ، قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: العُزْلَةُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى تُوجِبُ الوَصْلَةَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَلْ لا تَحْصُلُ الوَصْلَةُ إلّا بَعْدَ العُزْلَةِ، ألا تَرى كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَتَجَنَّبُ بِغارِ حِراءَ حَتّى جاءَهُ الوَحْيُ وهو فِيهِ ﴿ وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ﴾ لِئَلّا يَكْثُرَ الضَّوْءُ في الكَهْفِ فَيَقِلَّ مَعَهُ الحُضُورُ، فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الظُّلْمَةَ تُعِينُ عَلى الفِكْرِ وجَمْعِ الحَواسِّ، ومِن هُنا تَرى أهْلَ الخَلْوَةِ يَخْتارُونَ لِخَلْوَتِهِمْ مَكانًا قَلِيلَ الضِّياءِ ومَعَ هَذا يُغْمِضُونَ أعْيُنَهم عِنْدَ المُراقَبَةِ.

وفِي أسْرارِ القُرْآنِ: أنَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفِظَهم عَنِ الِاحْتِراقِ في السُّبُحاتِ فَجَعَلَ شَمْسَ الكِبْرِياءِ تَزّاوَرُ عَنْ كَهْفِ قُرْبِهِمْ ذاتَ يَمِينِ الأزَلِ وذاتَ شِمالِ الأبَدِ، وهم في فَجْوَةِ وِصالِ مُشاهَدَةِ الجَمالِ والجَلالِ مَحْرُوسُونَ مَحْفُوظُونَ عَنْ قَهْرِ سُلْطانِ صَرْفِ الذّاتِ الأزَلِيَّةِ الَّتِي تَتَلاشى الأكْوانُ في أوَّلِ بَوادِي إشْراقِها.

وفِي الحَدِيثِ: ««حِجابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ»».

وقِيلَ في تَأْوِيلِهِ: إنَّ شَمْسَ الرُّوحِ أوِ المَعْرِفَةِ والوِلايَةِ إذا طَلَعَتْ مِن أُفُقِ الهِدايَةِ وأشْرَقَتْ في سَماءِ الوارِداتِ وهي حالَةُ السُّكْرِ وغَلَبَةِ الوَجْدِ لا تَنْصَرِفُ في خَلْوَتِهِمْ إلى أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالعُقْبى وهو جانِبُ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ؛ أيْ: سَكَنَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ وظَهَرَتْ حالَةُ الصَّحْوِ لا تَلْتَفِتُ هِمَمُ أرْواحِهِمْ إلى أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا وهو جانِبُ الشَّمالِ بَلْ تَنْحَرِفُ عَنِ الجِهَتَيْنِ إلى المَوْلى وهم في فَراغٍ عَمّا يَشْغَلُهم عَنِ اللَّهِ تَعالى.

وذُكِرَ أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ نُورَ وِلايَتِهِمْ يَغْلِبُ نُورَ الشَّمْسِ ويَرُدُّهُ عَنِ الكَهْفِ كَما يَغْلِبُ نُورُ المُؤْمِنَ نارَ جَهَنَّمَ ولَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، وإنْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَطاءٍ.

﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ﴾ الَّذِي رُفِعَتْ عَنْهُ الحُجُبُ فَفازَ بِما فازَ ﴿ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا ﴾ لِأنَّهُ لا يَخْذُلُهُ سُبْحانَهُ إلّا لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ ومَتى فُقِدَ الِاسْتِعْدادُ تَعَذَّرَ الإرْشادُ ﴿ وتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم مَعَ الخَلْقِ بِأبْدانِهِمْ ومَعَ الحَقِّ بِأرْواحِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: هم مُقِيمُونَ في الحَضْرَةِ كالنَّوْمى لا عِلْمَ لَهم بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، أحْياءٌ مَوْتى صَرْعى مُفِيقُونَ، نَوْمى مُنْتَبِهُونَ ﴿ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ ﴾ أيْ: نَنْقُلُهم مِن عالَمٍ إلى عالَمٍ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: نُقَلِّبُهم في حالَتَيِ القَبْضِ والبَسْطِ والجَمْعِ والفَرْقِ، وقالَ آخَرُ: نُقَلِّبُهم بَيْنَ الفَناءِ والبَقاءِ والكَشْفِ والِاحْتِجابِ والتَّجَلِّي والِاسْتِتارِ، وقِيلَ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهم في التَّسْلِيمِ كالمَيِّتِ في يَدِ الغاسِلِ ﴿ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: مُجالَسَةُ الصّالِحِينَ ومُجاوَرَتُهم غَنِيمَةٌ وإنِ اخْتَلَفَ الجِنْسُ؛ ألا تَرى كَيْفَ ذَكَرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ كَلْبَ أصْحابِ الكَهْفِ مَعَهم لِمُجاوَرَتِهِ إيّاهم.

وقِيلَ: أُشِيرَ بِالآيَةِ إلى أنَّ كَلْبَ نُفُوسِهِمْ نائِمَةٌ مُعَطَّلَةٌ عَنِ الأعْمالِ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُرادَ أنَّ نُفُوسَهم صارَتْ بِحَيْثُ تُطِيعُهم جَمِيعُ الأحْوالِ وتَحْرُسُهم عَمّا يَضُرُّهم ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: لَوِ اطَّلَعْتَ مِن حَيْثُ أنْتَ عَلى ما ألْبَسْتُهم مِن لِباسِ قَهْرِ رُبُوبِيَّتِي وسَطَواتِ عَظَمَتِي ﴿ لَوَلَّيْتَ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن رُؤْيَةِ ما عَلَيْهِمْ مِن هَيْبَتِي وعَظَمَتِي ﴿ فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا ﴾ كَما فَرَّ مُوسى كَلِيمِي مِن رُؤْيَةِ عَصاهُ حِينَ قَلَبْتُها حَيَّةً وألْبَسْتُها ثَوْبًا مِن عَظَمَتِي وهَيْبَتِي، وهَذا الفِرارُ حَقِيقَةٌ مِنّا؛ لِأنَّهُ مِن عَظَمَتِنا الظّاهِرَةِ في هاتِيكَ المِرْآةِ كَذا قَرَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ ورُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ وكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ ﴾ رَدَدْناهم إلى الصَّحْوِ بَعْدَ السُّكْرِ ﴿ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْرِقِينَ لا يَعْرِفُونَ اليَوْمَ مِنَ الأمْسِ ولا يُمَيِّزُونَ القَمَرَ مِنَ الشَّمْسِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ اسْتَقَلُّوا أيّامَ الوِصالِ وهَكَذا شَأْنُ عُشّاقِ الجَمالِ فَسَنَةُ الوَصْلِ في سَنَتِهِمْ سِنَةٌ، وسِنَةُ الهَجْرِ سَنَةٌ، ويُقالُ: مَقامُ المُحِبِّ مَعَ الحَبِيبِ وإنْ طالَ قَصِيرٌ، وزَمانُ الِاجْتِماعِ وإنْ كَثُرَ يَسِيرٌ؛ إذْ لا يُقْضى مِنَ الحَبِيبِ وطَرٌ وإنْ فَنِيَ الدَّهْرُ، ومَرَّ ولا يَكادُ يَعُدُّ المُحِبُّ اللِّيالِ إذا كانَ قَرِيرَ العَيْنِ بِالوِصالِ كَما قِيلَ: أعُدُّ اللَّيالِيَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ وقَدْ عِشْتُ دَهْرًا لا أعُدُّ اللَّيالِيا ثُمَّ إنَّهم لَمّا رَجَعُوا مِنَ السُّكْرِ إلى الصَّحْوِ ومِنَ الرُّوحانِيَّةِ إلى البَشَرِيَّةِ طَلَبُوا ما يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ واسْتَعْمَلُوا حَقائِقَ الطَّرِيقَةِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ﴾ والإشارَةُ فِيهِ أوَّلًا إلى أنَّ اللّائِقَ بِطالِبِي اللَّهِ تَعالى تَرْكُ السُّؤالِ، ويُرَدُّ بِهِ عَلى المُتَشَيِّخِينَ الَّذِينَ دِينُهم ودَيْدَنُهُمُ السُّؤالُ ولَيْتَهُ كانَ مِنَ الحَلالِ.

وثانِيًا: إلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ لا يَخْتَصُّ أحَدُهم بِشَيْءٍ دُونَ صاحِبِهِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ قائِلُهُمْ: ﴿ بِوَرِقِكم هَذِهِ ﴾ فَأضافَ الوَرِقَ إلَيْهِمْ جُمْلَةً، وقَدْ كانَ فِيما يُرْوى فِيهِمُ الرّاعِي ولَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ورِقٌ.

وثالِثًا: إلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمُ اسْتِعْمالُ الوَرَعِ؛ ألا تَرى كَيْفَ طَلَبَ القائِلُ الأزْكى وهو عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ الأجَلُّ، ولِذَلِكَ قالَ ذُو النُّونِ: العارِفُ مَن لا يُطْفِئُ نُورُ مَعْرِفَتِهِ نُورَ ورَعِهِ، والعَجَبُ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَشَيِّخِينَ كانَ يَأْخُذُ مِن بَعْضِ الظَّلَمَةِ دَنانِيرَ مَقْطُوعًا بِحُرْمَتِها فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: نَعَمْ؛ هي جَمَراتٌ ولَكِنْ تُطْفِئُ حَرارَةَ جُوعِ السّالِكِينَ، ومَعَ هَذا وأمْثالِهِ لَهُ اليَوْمَ مَرْقَدٌ يَطُوفُ بِهِ مَن يَزُورُ، وتُوقَدُ عَلَيْهِ السُّرُجُ وتُنْذَرُ لَهُ النُّذُورُ، ورابِعًا إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمُ التَّواصِي بِحُسْنِ الخُلُقِ وجَمِيلِ الرِّفْقِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ قائِلُهُمْ: ﴿ ولْيَتَلَطَّفْ ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ أمَرَ بِحُسْنِ المُعامَلَةِ مَعَ مَن يَشْتَرِي مِنهُ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّهُ أمْرٌ بِاخْتِيارِ اللَّطِيفِ مِنَ الطَّعامِ لِأنَّهم لَمْ يَأْكُلُوا مُدَّةً، فالكَثِيفُ يَضُرُّ بِأجْسامِهِمْ، وقِيلَ: أرادُوا اللَّطِيفَ لِأنَّ أرْواحَهم مِن عالَمِ القُدْسِ ولا يُناسِبُها إلّا اللَّطِيفُ، وعَنْ يُوسُفَ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا اشْتَرَيْتَ لِأهْلِ المَعْرِفَةِ شَيْئًا مِنَ الطَّعامِ فَلْيَكُنْ لَطِيفًا، وإذا اشْتَرَيْتَ لِلزُّهّادِ والعُبّادِ فاشْتَرِ كُلَّ ما تَجِدُ لِأنَّهم بَعْدُ في تَذْلِيلِ أنْفُسِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: طَعامُ أهْلِ المُجاهَداتِ وأصْحابِ الرِّياضاتِ ولِباسُهُمُ الخَشِنُ مِنَ المَأْكُولاتِ والمَلْبُوساتِ، والَّذِي بَلَغَ المَعْرِفَةَ فَلا يُوافِقُهُ إلّا كُلُّ لَطِيفٍ، ويُرْوى عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أنَّهُ كانَ في آخِرِ أمْرِهِ يَلْبَسُ ناعِمًا ويَأْكُلُ لَطِيفًا.

وعِنْدِي أنَّ التِزامَ ذَلِكَ يُخِلُّ بِالكَمالِ، وما يُرْوى عَنِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ وأمْثالِهِ إنْ صَحَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا اتِّفاقِيًّا، وعَلى فَرْضِ أنَّهُ كانَ عَنِ التِزامٍ يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ وإلّا فَهو خِلافُ المَأْثُورِ عَنِ النَّبِيِّ  وعَنْ كِبارِ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَقَدْ بُيِّنَ في الكُتُبِ الصَّحِيحَةِ حالُهم في المَأْكَلِ والمَلْبَسِ ولَيْسَ فِيها ما يُؤَيِّدُ كَلامَ يُوسُفَ بْنِ الحُسَيْنِ وأضْرابِهِ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا ﴾ أيْ: مِنَ الأغْيارِ المَحْجُوبِينَ عَنْ مُطالَعَةِ الأنْوارِ والوُقُوفِ عَلى الأسْرارِ ﴿ إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ ﴾ بِأحْجارِ الإنْكارِ ﴿ أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ﴾ الَّتِي اجْتَمَعُوا عَلَيْها ولَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى بِها مِن سُلْطانٍ ﴿ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا ﴾ لِأنَّ الكُفْرَ حِينَئِذٍ يَكُونُ كالكُفْرِ الإبْلِيسِيِّ ﴿ ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ إرْشادٌ إلى مَحْضِ التَّجْرِيدِ والتَّفْرِيدِ، ويُحْكى عَنْ بَعْضِ كِبارِ الصُّوفِيَّةِ أنَّهُ أمَرَ بَعْضَ تَلامِذَتِهِ بِفِعْلِ شَيْءٍ فَقالَ: أفْعَلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ لَهُ الشَّيْخُ بِالفارِسِيَّةِ ما مَعْناهُ: يا مَجْنُونُ، فَإذًا مَن أنْتَ، والآيَةُ تَأْبى هَذا الكَلامَ غايَةَ الإباءِ، وفِيهِ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ الوَحْدَةِ أيْضًا ما فِيهِ، وقِيلَ: الآيَةُ نَهْيٌ عَنْ أنْ يُخْبِرَ  عَنِ الحَقِّ بِدُونِ إذْنِ الحَقِّ سُبْحانَهُ.

فَفِيهِ إرْشادٌ لِلْمَشايِخِ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُمُ التَّكَلُّمُ بِالحَقائِقِ بِدُونِ الإذْنِ ولَهم أماراتٌ لِلْإذْنِ يَعْرِفُونَها.

﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ ﴾ قِيلَ: أيْ: إذا نَسِيتَ الكَوْنَ بِأسْرِهِ حَتّى نَفْسَكَ فَإنَّ الذِّكْرَ لا يَصْفُو إلّا حِينَئِذٍ، وقِيلَ: إذا نَسِيتَ الذِّكْرَ، ومِن هُنا قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: حَقِيقَةُ الذِّكْرِ الفَناءُ بِالمَذْكُورِ عَنِ الذِّكْرِ، وقالَ قُدِّسَ سِرُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا ﴾ إنَّ فَوْقَ الذِّكْرِ مَنزِلَةً هي أقْرَبُ مَنزِلَةً مِنَ الذِّكْرِ وهي تَجْدِيدُ النُّعُوتِ بِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ لَكَ قَبْلَ أنْ تَذْكُرَهُ جَلَّ وعَلا.

﴿ ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ أنَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، واعْتَبَرَ السَّنَةَ الَّتِي في الآيَةِ شَهْرًا وهو زَعْمٌ لا داعِيَ إلَيْهِ إلّا ضَعْفُ الدِّينِ ومُخالَفَةُ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، وإلّا فَأيُّ ضَرَرٍ في إبْقاءِ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ وهو أمْرٌ مُمْكِنٌ أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إمْكانِ هَذا اللُّبْثِ أنَّ أبا عَلِيٍّ ابْنَ سِينا ذَكَرَ في بابِ الزَّمانِ مِنَ الشِّفاءِ أنَّ أرِسْطُو ذَكَرَ أنَّهُ عَرَضَ لِقَوْمٍ مِنَ المُتَألَّهِينَ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِحالَةِ أصْحابِ الكَهْفِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَدُلُّ التّارِيخُ عَلى أنَّهم قَبْلَ أصْحابِ الكَهْفِ.

انْتَهى.

وفِي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إلى أنَّ المُرِيدَ الَّذِي يُرَبِّيهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِلا واسِطَةِ المَشايِخِ يَصِلُ في مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ وسِنِينَ عَدِيدَةٍ والَّذِي يُرَبِّيهِ جَلَّ جَلالُهُ بِواسِطَتِهِمْ يَتِمُّ أمْرُهُ في أرْبَعِينِيّاتٍ، وقَدْ يَتِمُّ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، وأنا أقُولُ: لا حَجْرَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ أوْصَلَ جَلَّ وعَلا كَثِيرًا مِن عِبادِهِ بِلا واسِطَةٍ في سُوَيْعاتٍ ﴿ لَهُ ﴾ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ غَيْبُ السَّماواتِ ﴾ عالَمِ العُلُوِّ ﴿ والأرْضِ ﴾ عالَمِ السُّفْلِ، ولا يَخْفى أنَّ عُنْوانَ الغَيْبَةِ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى المَخْلُوقِينَ وإلّا فَلا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ بِمَعْنى أنَّهُ لا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى لِيَتَعَلَّقَ بِهِ العِلْمُ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، وإنَّ أُوِّلَ بِما أُوِّلَ لِما فِيهِ ظاهِرًا مِن مُصادَمَةِ الآياتِ.

وإلى اللَّهِ تَعالى نَشْكُو أقْوامًا ألْغَزُوا الحَقَّ وفَتَنُوا بِذَلِكَ الخَلْقَ.

﴿ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ﴾ أيْ: ما أبْصَرَهُ تَعالى وما أسْمَعَهُ؛ لِأنَّ صِفاتِهِ عَيْنُ ذاتِهِ ﴿ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ﴾ إذْ لا فِعْلَ لِأحَدٍ سِواهُ تَعالى ﴿ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا ﴾ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وعَجْزِ غَيْرِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، هَذا واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ قال تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ، يقول: اقرأ عليهم الذي أنزل إليك مِنْ كِتابِ رَبِّكَ، يعني: القرآن.

لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يقول: لا مغير لنزول القرآن ولا خلف له، ويقال: ولا ينقص منه ولا يزاد فيه.

وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً، أي لا ملجأ يمنعك منه، ويقال: مُلْتَحَداً، أي: مانعاً يمنعك ويقال: معدلاً.

وإنما سمي اللحد لحداً، لأنه في ناحية، ويقال: معناه وإن زدت فيه أو نقصت منه، لن تجد من عذابه ملجأ.

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ، يقول: واحبس نفسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ، أي يصلون لله تعالى بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، يعني: الصلوات الخمس.

قال ابن عباس: «نزلت الآية في سلمان، وصهيب، وعمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وعامر بن فهيرة، ونحوهم من الفقراء قالوا: بينا رسول الله  جالس ذات يوم، عنده سلمان على بساط منسق بالخوص أي منسوج إذ دخل عليه عيينة بن حصن الفزاري، فجعل يدفعه بمرفقه وينحيه، حتى أخرجه من البساط.

وكان على سلمان شملة قد عرق فيها فقال عيينة: إنَّ لنا شرفاً، فإذا دخلنا عليك فأخرج هذا أو اضربه، فو الله إنه ليؤذيني ريحه، أما يؤذيك ريحه؟

فإذا خرجنا من عندك، فأدخلهم وأذن لهم بالدخول إن بدا لك أن يدخلوا عليك، أو اجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً، فنزل: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ ...

الآية يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، أي يطلبون رضاه.

وقال: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ، أي لا تجاوزهم ويقال: لا تحتقرهم ولا تزدرهم.

تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا، أي ما قال عيينة بن حصن الفزاري وأمثاله وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا، أي عن القرآن، وَاتَّبَعَ هَواهُ في عبادة الأصنام.

وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً، أي ضياعاً.

وقال السدي: هلاكاً.

قال أبو عبيدة: ندماً.

وقال القتبي: أصله من العجلة والسبق.

قال المفسرون: أي سرفاً.

وقال الزجاج: تفريطا وهو العجز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ، أي: ما أَسْمَعَهُ سبحانه، وما أبْصَرَهُ، قال قتادة:

لا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللَّه، ولا أسْمَعَ «١» .

قال ع «٢» وهذه عبارةٌ عن الإِدراك، ويحتملُ أن يكون المعنى: أبْصِرْ به أي:

بوحيه وإِرشاده، هُدَاكَ، وحُجَجَكَ، والحَقَّ من الأمور، وأسْمِعْ به العَالَم، فتكون اللفظتان/ أمرين لا على وجْه التعجُّب.

وقوله سبحانه: مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ: الضمير في لَهُمْ يحتمل أنْ يرجع إِلى أهْلِ الكهْفِ، ويحتمل أنَّ يرجع إلى معاصري النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الكُفَّار، ويكون في الآية تهديدٌ لهم.

وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨)

وقوله سبحانه: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ، أي: اتبع، وقيل: اسْرُدْ بتلاوتك ما أوحِيَ إليك من كتاب ربِك، لا نَقْضَ في قوله، ولا مُبَدِّلَ لكلماته، وليس لك سواه جَانِبٌ تميلُ إِليه، وتستند، و «المُلَتَحد» الجانب الذي يَمَالُ إِليه ومنه اللَّحْد.

ت قال النوويُّ: يستحبُّ لتالي القرآن إذا كان منفرداً أنْ يكون خَتْمُهُ في الصَّلاة، ويستحبُّ أن يكون ختمه أوَل الليلِ أو أول النهار، ورُوِّينا في مسند الإمام المُجْمَعِ على حْفظِهِ وجلالته وإِتقانه وبَرَاعته أبي محمَّدٍ الدَّارِمِيِّ رحمه اللَّه تعالى، عن سَعْدِ بنِ أبي وقَّاص رَضِيَ اللَّه عنه قَالَ: إِذَا وَافَقَ خَتْمُ القُرْآنِ أوَّلَ اللَّيّلِ، صَلَّتَ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَإِنْ وَافَقَ خَتْمُهُ أَوَّلَ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يُمْسِي «٣» .

قال الدارمي: هذا حديثٌ حسنٌ وعن طلحة بن مُطَرِّفٍ، قال: مَنْ خَتَمَ القُرْآنَ أَيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنَ النَّهَار، صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ، وأيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاِئَكَةُ حَتَّى يصبح، وعن مجاهد نحوه انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ ﴾ في هَذِهِ التِّلاوَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى القِراءَةِ.

والثّانِي: بِمَعْنى الِاتِّباعِ.

فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: اقْرَإ القُرْآَنَ، وعَلى الثّانِي: اتَّبِعْهُ واعْمَلْ بِهِ.

وقَدْ شَرَحْنا في ( الأنْعامِ: ١١٥ ) مَعْنى ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ .

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والفَرّاءُ: مَلْجَأً.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْدِلًا عَنْ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

وقالَ غَيْرُهُمْ: مَوْضِعًا تَمِيلُ إلَيْهِ في الِالتِجاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهم جاؤُوا إلى رَسُولِ اللهِ  : عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وذَوُوهُمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ لَوْ أنَّكَ جَلَسْتَ في صَدْرِ المَجْلِسِ ونَحَّيْتَ هَؤُلاءِ عَنّا - يَعْنُونَ: سَلْمانَ، وأبا ذَرٍّ، وفُقَراءَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ عَلَيْهِمْ جِبابُ الصُّوفِ - جَلَسْنا إلَيْكَ وأخَذْنا عَنْكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا ﴾ ، فَقامَ رَسُولُ اللهِ  يَلْتَمِسُهُمْ، حَتّى إذا أصابَهم في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، قالَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَ رِجالٍ مِن أُمَّتِي، مَعَكُمُ المَحْيا ومَعَكُمُ المَماتُ "»، هَذا قَوْلُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ ؛ أيِ: احْبِسْها مَعَهم عَلى أداءِ الصَّلَواتِ ﴿ بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ .

وقَدْ فَسَّرْنا هَذِهِ الآَيَةَ في ( الأنْعامِ: ٥٢ ) إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ﴾ ؛ أيْ: لا تَصْرِفْ بَصَرَكَ إلى غَيْرِهِمْ مِن ذَوِي الغِنى والشَّرَفِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَرِيصًا عَلى إيمانِ الرُّؤَساءِ لِيُؤْمِنَ أتْباعُهُمْ، ولَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِزِينَةِ الدُّنْيا قَطُّ، فَأمَرَ أنْ يَجْعَلَ إقْبالَهُ عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ دَعا رَسُولَ اللهِ  إلى طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْهُ، وتَقْرِيبِ صَنادِيدِ أهْلِ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو عُيَيْنَةُ وأشْباهُهُ.

ومَعْنى ﴿ أغْفَلْنا قَلْبَهُ ﴾ : جَعَلْناهُ غافِلًا.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: ( مَن أغْفَلْنا ) بِفَتْحِ اللّامِ ورَفْعِ باءِ القَلْبِ.

﴿ عَنْ ذِكْرِنا ﴾ : عَنِ التَّوْحِيدِ والقُرْآَنِ والإسْلامِ، ﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ في الشِّرْكِ.

﴿ وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أفْرَطَ في قَوْلِهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: إنّا رُؤُوسُ مُضَرٍ، وإنْ نُسْلِمْ يُسْلِمِ النّاسُ بَعْدَنا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ضَياعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَرَفًا وتَضْيِيعًا.

والثّالِثُ: نَدَمًا، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ.

والرّابِعُ: كانَ أمْرُهُ التَّفْرِيطُ، والتَّفْرِيطُ: تَقْدِيمُ العَجْزِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ قالَ قَتادَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ، وغَيْرُهُما: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ﴾ الآيَةُ حِكايَةٌ عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، واحْتَجّا بِأنَّ قِراءَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وفي مُصْحَفِهِ: "وَقالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ"، وذَلِكَ عِنْدَ قَتادَةَ -عَلى غَيْرِ قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ- عَطْفٌ عَلى ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ  ﴾ ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ رَدًّا عَلى مَقالِهِمْ وتَفْنِيدًا لَهُمْ، قالالطَبَرِيٌّ: "وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ وجْهٌ مَفْهُومٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أيْنَ ذَهَبَ بِهَذا القائِلِ؟

وما الوَجْهُ المَفْهُومُ البارِعُ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ خَبَرًا عن لُبْثِهِمْ، ثُمَّ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ  ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ بِخَبَرِهِ، هَذا هو الحَقُّ مِن عالَمِ الغَيْبِ، فَلْيَزُلِ اخْتِلافُكم أيُّها المُتَخَرِّصُونَ.

وقالَ المُحَقِّقُونَ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ﴾ الآيَةُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ بَعْدَ الإخْبارِ: ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ -فَقالَ الطَبَرِيٌّ: إنْ بَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفُوا فِيما مَضى لَهم مِنَ المُدَّةِ بَعْدَ الإعْثارِ عَلَيْهِمْ إلى مُدَّةِ النَبِيِّ  ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ في كَوْنِهِمْ نِيامًا، وأنَّ ما بَعْدَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ لِلْبَشَرِ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَرُدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: "لَبِثُوا" الأوَّلُ يُرِيدُ: في نَوْمِ الكَهْفِ، و"لَبِثُوا" الثانِي يُرِيدُ: بَعْدَ الإعْثارِ مَوْتى إلى مُدَّةِ مُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أو إلى وقْتِ عِدَمِهِمْ بِالبِلى، عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ لَمْ تَدْرِ الناسُ أهِيَ ساعاتٌ أمْ أيّامٌ أمْ جُمَعٌ أمْ شُهُورٌ أمْ أعْوامٌ، واخْتَلَفَ بَنُو إسْرائِيلَ بِحَسْبِ ذَلِكَ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: في التِسْعِ، فَهي -عَلى هَذا- مُبْهَمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ كَلامِ العَرَبِ والمَفْهُومُ مِنهُ أنَّها أعْوامٌ، والظاهِرُ مِن أمْرِهِمْ أنَّهم قامُوا ودَخَلُوا الكَهْفَ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَسِيرٍ، وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ الحَوارِيِّينَ بَقِيَّةً.

وحَكى النَقّاشُ ما مَعْناهُ أنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ بِحِسابِ الأُمَمِ، فَلَمّا كانَ الإخْبارُ هُنا لِلنَّبِيِّ العَرَبِيِّ  ذُكِرَتِ التِسْعُ؛ إذِ المَفْهُومُ عِنْدَهُ مِنَ السِنِينَ القَمَرِيَّةِ، فَهَذِهِ الزِيادَةُ هي ما بَيْنَ الحِسابَيْنِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ" بِتَنْوِينِ "مِائَةٍ" ونَصْبِ "سِنِينَ" عَلى البَدَلِ مِن "ثَلاثِمِائَةٍ"، أوَعَطْفِ البَيانِ، وقِيلَ: عَلى التَفْسِيرِ والتَمْيِيزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَحْيى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِإضافَةِ "مِائَةٍ" إلى "السِنِينَ" وتَرْكِ التَنْوِينِ، وكَأنَّهم جَعَلُوا "سِنِينَ" بِمَنزِلَةِ "سَنَةٍ"؛ إذِ المَعْنى بِهِما واحِدٌ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذْ هَذِهِ الأعْدادُ الَّتِي تُضافُ في الشُهُورِ إلى الآحادِ نَحْوَ ثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ أو ثَوْبٍ قَدْ تُضافُ إلى الجُمُوعِ، وانْحى أبُو حاتِمٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ"، وقَرَأ الضَحّاكُ: "ثَلاثَمِائَةِ سُنُونَ"، بِالواوِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "تَسْعًا" بِفَتْحِ التاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تِسْعًا" بِكَسْرِ التاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ﴾ ، أيْ: ما أبْصَرَهُ وأسْمَعَهُ، قالَ قَتادَةُ: لا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللهِ تَعالى ولا أسْمَعُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِباراتٌ عَنِ الإدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿ أبْصِرْ بِهِ ﴾ أيْ: بِوَحْيِهِ وإرْشادِهِ، هُداكَ وحُجَجُكَ والحَقُّ مِنَ الأُمُورِ، وأسْمِعْ بِهِ العالَمَ، فَتَكُونانِ أمْرَيْنِ لا عَلى وجْهِ التَعَجُّبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، أيْ: هَذِهِ قُدْرَتُهُ وحْدَهُ، لَمْ يُوالِهِمْ غَيْرُهُ بِتَلَطُّفٍ لَهُمْ، ولا اشْتَرَكَ مَعَهُ أحَدٌ في هَذا الحُكْمِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ  مِنَ الكَفّارِ ومُشاقِّيهِ، وتَكُونُ الآيَةُ اعْتِراضًا بِتَهْدِيدٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا يُشْرَكُ في حُكْمِهِ أحَدًا" بِالياءِ مِن تَحْتِ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، عَلى جِهَةِ النَهْيِ لِلنَّبِيِّ  ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "وَلا تُشْرِكْ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ﴾ .

وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَلا يُشْرِكْ" بِالياءِ مِن تَحْتِ وبِالجَزْمِ، قالَ يَعْقُوبُ: لا أعْرِفُ وجْهَهُ.

وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ ﴾ فَقَطْ، قالَ الناسُ: أهِيَ أشْهُرٌ أمْ أيّامٌ أمْ أعْوامٌ؟

فَنَزَلَتْ ﴿ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا هَلْ دامَ أهْلُ الكَهْفِ وبَقِيَتْ أشْخاصُهم مَحْفُوظَةً بَعْدَ المَوْتِ؟

فاخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في ذَلِكَ -فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ مَرَّ بِالشامِ في بَعْضِ غَزَواتِهِ مَعَ ناسٍ عَلى مَوْضِعِ الكَهْفِ وجَبَلِهِ، فَمَشى الناسُ إلَيْهِ فَوَجَدُوا عِظامًا، فَقالُوا: هَذِهِ عِظامُ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ لَهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا، أُولَئِكَ قَوْمٌ فَنُوا وعَدِمُوا مُنْذُ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَسَمِعَهُ راهِبٌ فَقالَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ أنَّ أحَدًا مِنَ العَرَبِ يَعْرِفُ هَذا، فَقِيلَ لَهُ: هَذا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّنا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «لِيَحُجَّنَّ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ ومَعَهُ أصْحابُ الكَهْفِ فَإنَّهم لَمْ يَحُجُّوا بَعْدُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِالشامِ -عَلى ما سَمِعْتُ مِن ناسٍ كَثِيرٍ- كَهْفٌ كانَ فِيهِ مَوْتى يَزْعُمُ مُجاوِرُوهُ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ وبِناءٌ يُسَمّى الرَقِيمُ، ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وبِالأنْدَلُسِ في جِهَةِ غَرْناطَةَ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ تُسَمّى لُوشَةَ كَهْفٌ فِيهِ مَوْتى ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وأكْثَرُهم قَدِ انْجَرَدَ لَحْمُهُ، وبَعْضُهم مُتَماسِكٌ، وقَدْ مَضَتِ القُرُونُ السالِفَةُ ولَمْ نَجِدْ مِن عِلْمِ شَأْنِهِمْ إثارَةً، ويَزْعُمُ ناسٌ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، دَخَلْتُ إلَيْهِمْ فَرَأيْتُهم سَنَةَ أرْبَعٍ وخَمْسِمِائَةٍ، وهم بِهَذِهِ الحالَةِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ، وقَرِيبٌ مِنهم بِناءٌ رُومِيٌّ يُسَمّى الرَقِيمُ مِمّا يَلِي القِبْلَةَ، وآثارُ مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ رُومِيَّةٍ يُقالُ لَها مَدِينَةُ دِقْنَيُوسُ، وجَدْنا في آثارِها غَرائِبَ في قُبُورٍ ونَحْوِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما اسْتَسْهَلَتْ ذِكْرَ هَذا مَعَ بُعْدِهِ لِأنَّهُ عَجَبٌ يَتَخَلَّدُ ذِكْرُهُ ما شاءَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ ﴾ الآيَةَ.

مَن قَرَأ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالنَهْيِ عَطَفَ قَوْلَهُ: "واتْلُ" عَلَيْهِ، ومَن قَرَأ: "وَلا يُشْرِكُ" جَعَلَ هَذا أمْرًا بُدِئَ بِهِ كَلامٌ آخَرُ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْنى العِتابِ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَقِبَ العِتابِ الَّذِي كانَ عَلى تَرْكِهِ الِاسْتِثْناءَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ أجْوِبَةُ الأسْئِلَةِ، فاتْلُ وحْيَ اللهِ إلَيْكَ، أيِ: اتَّبِعْ في أعْمالِكَ، وقِيلَ: اسْرُدْ بِتِلاوَتِكَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ، لا نَقْصَ في قَوْلِهِ، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، ولَيْسَ لَكَ سِواهُ جانِبٌ تَمِيلُ إلَيْهِ وتَسْتَنِدُ.

و"المُلْتَحِدُ": الجانِبُ الَّذِي يُمالُ إلَيْهِ، ومِنهُ اللَحْدُ، كَأنَّهُ المَيْلُ في أحَدِ شِقَّيِ القَبْرِ، ومِنهُ: الإلْحادُ في الحَقِّ، وهو المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، ولا يُفْسِدُ قَوْلَهُ: ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ أمْرُ النَسْخِ؛ لِأنَّ المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ: لا مُبْدِّلَ سِواهُ فَتَبْقى الكَلِماتُ عَلى الإطْلاقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أرادَ مِنَ "الكَلِماتِ" الخَبَرَ ونَحْوَهُ مِمّا لا يُدْخِلُهُ النَسْخُ، والإجْماعُ أنِ الَّذِي لا يَتَبَدَّلُ هو الكَلامُ القائِمُ بِالذاتِ الَّذِي بِحَسْبِهِ يَجْرِي القَدَرُ، فَأمّا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها لا تُبَدَّلُ إلّا بِالتَأْوِيلِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَدَّلُوا ألْفاظَ التَوْراةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ [الكهف: 26] بما فيها من قوله: ﴿ ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحداً ﴾ [الكهف: 26].

والمقصود من هذا الرد على المشركين إذ كانوا أيامئذٍ لا يُبَيّن لهم شيء إلا وانتقلوا إلى طلب شيء آخر فسألوا عن أهل الكهف وعن ذي القرنين، وطلبوا من النبي أن يجعل بعض القرآن للثناء عليهم، ونحو ذلك، كما تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً ﴾ في سورة الإسراء (73).

” والمعنى: لا تَعبأ بهم إن كرهوا تلاوة بعضضِ ما أوحي إليك واتلُ جميع ما أوحي إليك فإنه لا مبدِّل له.

فلما وعدهم الجواب عن الروح وعن أهل الكهف وأبرَّ اللّهُ وعدَه إياهم قطعاً لمعذرتهم ببيان إحدى المسألتين ذيل ذلك بأن أمر نبيئه أن يقرأ القرآن كما أنزل عليه وأنه لا مبدِّل لكلمات الله، ولكي لا يُطمعهم الإجابة عن بعض ما سألوه بالطمع في أن يجيبهم عن كل ما طلبوه.

وأصل النفي ب (لا) النافية للجنس أنه نفي وجود اسمه.

والمراد هنا نفي الإذن في أن يبدل أحد كلمات الله.

والتبديل: التغيير بالزيادة والنقص، أي بإخفاء بعضه بترك تلاوة ما لا يرضون بسماعه من إبطال شركهم وضلالهم.

وهذا يؤذن بأنهم طعنوا في بعض ما اشتملت عليهم القصة في القرآن كما أشار إليه قوله: ﴿ سيقولون ثلاثة ﴾ [الكهف: 22] وقوله: ﴿ ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين ﴾ [الكهف: 25].

وقد تقدم نظير هذا عند قوله تعالى: ﴿ ولا مبدل لكلمات الله ﴾ في سورة الأنعام (34).

فالأمر في قوله: ﴿ واتل ﴾ كناية عن الاستمرار.

و ﴿ ما أوحي ﴾ مفيد للعموم، أي كل ما أوحي إليك.

ومفهوم الموصول أن ما لم يوح إليه لا يتلوه، وهو ما اقترحوا أن يقوله في الثناء عليهم وإعطائهم شطراً من التصويب.

والتلاوة: القراءة.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ﴾ في سورة البقرة (102) وقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ في الأنفال (2).

والملتحد: اسم مكان ميمي يجيء على زنة اسم المفعول من فِعله.

والملتحد: مكان الالتحاد، والالتحاد: الميل إلى جانب.

وجاء بصيغة الافتعال لأن أصله تكلف الميل.

ويفهم من صيغة التكلف أنه مفر من مكروه يتكلف الخائف أن يأوي إليه، فلذلك كان الملتَحد بمعنى الملجأ.

والمعنى: لن تجد شيئاً يُنجيك من عقابه.

والمقصود من هذا تأييسهم مما طمعوا فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَلْجَأً، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ: لا تُحْفِيا يا أخانا مِن مَوَدَّتِنا فَما لَنا عَنْكَ في الأقْوامِ مُلْتَحِدُ الثّانِي: مَهْرَبًا، قالَهُ قُطْرُبٌ، قالَ الشّاعِرُ: يا لَهْفَ نَفْسِي ولَهْفٌ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحِدُ الثّالِثُ: مَعْدِلًا، قالَهُ الأخْفَشُ.

الرّابِعُ: ولِيًّا، قالَهُ قَتادَةُ.

وَمَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُونَ تَعْظِيمَهُ.

الثّانِي: يُرِيدُونَ طاعَتَهُ.

قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ  بِالمَدِينَةِ فَلَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ قالَ: « (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِن أُمَّتِي مَن أُمِرْتُ أنْ أصْبِرَ مَعَهُمْ)» .

﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَدْعُونَهُ رَغْبَةً ورَهْبَةً.

الثّانِي: أنَّهُمُ المُحافِظُونَ عَلى صَلاةِ الجَماعَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّها الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا رابِعًا: أنْ يُرِيدَ الدُّعاءَ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ لِيَسْتَفْتِحُوا يَوْمَهم بِالدُّعاءِ رَغْبَةً في التَّوْفِيقِ، ويَخْتِمُوهُ بِالدُّعاءِ طَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ.

﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِدُعائِهِمْ.

الثّانِي: بِعَمَلِ نَهارِهِمْ.

وَخَصَّ النَّهارَ بِذَلِكَ دُونَ اللَّيْلِ لِأنَّ عَمَلَ النَّهارِ إذا كانَ لِلَّهِ تَعالى فَعَمَلُ اللَّيْلِ أوْلى أنْ يَكُونَ لَهُ.

﴿ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولا تَتَجاوَزْهم بِالنَّظَرِ إلى غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الدُّنْيا طَلَبًا لِزِينَتِها، حَكاهُ اليَزِيدِيُّ.

الثّانِي: ما حَكاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ «أنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ قالَ لِلنَّبِيِّ  قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ: لَقَدْ آذانِي رِيحُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وأصْحابِهِ فاجْعَلْ لَنا مَجْلِسًا مِنكَ لا يُجامِعُونا فِيهِ، واجْعَلْ لَهم مَجْلِسًا لا نُجامِعُهم فِيهِ، فَنَزَلَتْ.

﴿ وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ » قَوْلُهُ ﴿ أغْفَلْنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَعَلْناهُ غافِلًا عَنْ ذِكْرِنا.

الثّانِي: وجَدْناهُ غافِلًا عَنْ ذِكْرِنا.

وَفي هَذِهِ الغَفْلَةِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها إبْطالُ الوَقْتِ بِالبَطالَةِ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّها طُولُ الأمَلِ.

الثّالِثُ: أنَّها ما يُورِثُ الغَفْلَةَ.

﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في شَهَواتِهِ وأفْعالِهِ.

الثّانِي: في سُؤالِهِ وطَلَبِهِ التَّمْيِيزَ عَنْ غَيْرِهِ.

﴿ وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ضِيقًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: مَتْرُوكًا، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: نَدَمًا قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الرّابِعُ: سَرَفًا وإفْراطًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الخامِسُ: سَرِيعًا.

قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

يُقالُ أفْرَطَ إذا أسْرَفَ وفَرَّطَ إذا قَصَّرَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ملتحداً ﴾ قال: ملجأ.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ ولن تجد من دونه ملتحداً ﴾ ما الملتحد؟

قال: المدخل في الأرض، قال فيه خصيب الضمري: يا لهف نفسي ولهف غير محدثه ** عليّ وما عن قضاء الله ملتحد وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان، عن سلمان قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، فقالوا: يا رسول الله، لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم- يعنون سلمان، وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصفوف- جالسناك أو حادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله: ﴿ واتل ما أوحي إليك من كتاب رَبك ﴾ إلى قوله: ﴿ أعتدنا للظالمين ناراً ﴾ يهددهم بالنار.

وأخرج أبو الشيخ عن سلمان قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا والممات» .

وأخرج عبد بن حميد عن سلمان قال: نزلت هذه الآية فيّ وفي رجل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم- ومعي شن خوص- فوضع مرفقه في صدري فقال: تَنَحَّ.

حتى ألقاني على البساط، ثم قال: يا محمد، إنا ليمنعنا كثيراً من أمرك هذا وضرباؤه، أن ترى لي قدماً وسواداً، فلو نَحّيْتَهُمْ إذا دخلنا عليك، فإذا خرجنا أذنت لهم إذا شئت.

فلما خرج أنزل الله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه، «عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله، فيهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم» .

وأخرج البزار عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: «جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقرأ سورة الحجر وسورة الكهف، فسكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عمر بن ذر، عن أبيه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى نفر من أصحابه- منهم عبد الله بن رواحة- يذكرهم بالله، فلما رآه عبدالله سكت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكّر أصحابك.

فقال: يا رسول الله، أنت أحق.

فقال: أما إنكم الملأ الذين أمرني أن أصبر نفسي معهم، ثم تلا ﴿ واصبر نفسك ﴾ الآية» .

وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه من طريق عمر بن ذر: حدثني مجاهد عن ابن عباس قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن رواحة وهو يذكر أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنكم للملأ الذين أمرني الله أن أصبر نفسي معهم.

ثم تلا ﴿ واصبر نفسك ﴾ الآية.

قال: إنه ما جلس عدتكم إلا جلس معه عدتهم جليسهم من الملائكة، إن سبّحوا الله سبحوه، وإن حَمَدوا الله حمدوه، وإن كبّروا الله كبروه...

يصعدون إلى الرب وهو أعلم فيقولون: ربنا، إن عبادك سبحوك فسبحنا، وكبروك فكبرنا، وحمدوك فحمدنا.

فيقول ربنا: يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم.

فيقولون: فيهم فلان الخطاء.

فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» .

وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قاصّ يقص، فأمسك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قصّ، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وأبو نصر السجزي في الإبانة، «عن أبي سعيد قال: أتى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ناس من ضعفة المسلمين، ورجل يقرأ علينا القرآن ويدعو لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم، ثم قال: بشر فقراء المسلمين بالنور التام يوم القيامة، يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، مقدار خمسمائة عام.

هؤلاء في الجنة يتنعمون وهؤلاء يحاسبون» .

وأخرج أحمد في الزهد، عن ثابت قال: «كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمر النبي فكفوا فقال: ما كنتم تقولون؟

قلنا: نذكر الله.

قال: فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها.

ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» .

وأخرج أحمد عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم منادٍ من السماء أن: قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن نافع قال: أخبرني عبد الله بن عمر في هذه الآية ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ﴾ أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده في قوله: ﴿ واصبر نفسَكَ ﴾ الآية.

قال: نزلت في صلاة الصبح وصلاة العصر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدالله بن عبدالله بن عدي بن الخيار في هذه الآية قال: هم الذين يقرأون القرآن.

وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ قال: نزلت في أمية بن خلف، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ يعني، من ختمنا على قلبه، يعني التوحيد ﴿ واتبع هواه ﴾ يعني الشرك ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ يعني فرطا في أمر الله وجهالة بالله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم حار وعنده سلمان عليه جبة من صوف، فثار منه ريح العرق في الصوف، فقال عيينة: يا محمد، إذا نحن أتيناك فأخرج هذا وضرباءه من عندك؛ لا يؤذونا؛ فإذا خرجنا فأنت وهم أعلم.

فأنزل الله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: «حدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تصدى لأمية بن خلف وهو ساه غافل عما يقال له، فأنزل الله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قَلبَه ﴾ الآية.

فرجع إلى أصحابه وخلى عن أمية، فوجد سلمان يذكرهم فقال: الحمد لله الذي لم أفارق الدنيا حتى أراني أقواماً من أمتي أمرني أن أصبر نفسي معهم» .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مغيرة، عن إبراهيم في قوله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: هم أهل الذكر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق منصور، عن إبراهيم في قوله: ﴿ واصبر نفسَكَ ﴾ الآية.

قال: لا تطردهم عن الذكر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي جعفر في الآية قال: أمر أن يصبر نفسه مع أصحابه يعلمهم القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مع الذين يدعون ربهم ﴾ قال: يعبدون ربهم.

وقوله: ﴿ ولا تعد عيناك عنهم ﴾ يقول: لا تتعداهم إلى غيرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هاشم في الآية قال: كانوا يتفاضلون في الحلال والحرام.

وأخرج الحكيم الترمذي، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: المفاضلة في الحلال والحرام.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن إبراهيم ومجاهد ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: الصلوات الخمس.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: نزلت ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ في عيينة بن حصن؛ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي، فاجعل لنا مجلساً معك لا يجامعنا فيه، واجعل لهم مجلساً منك لا نجامعهم فيه.

فنزلت.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ قال: ضياعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ قال: الحق هو القرآن.

وأخرج حنيش في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ يقول: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر، وهو قوله: ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ﴾ [ التكوير: 29] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ قال: هذا تهديد ووعيد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن رباح بن زياد قال: سألت عمر بن حبيب عن قوله: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ قال: حدثني داود بن نافع أن مجاهداً كان يقول: فليس بمعجزي وعيد من الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أحاط بهم سرادقها ﴾ قال: حائط من نار.

وأخرج أحمد والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السرادق النار أربعة جدر كافة، كل جدار منها أربعون سنة» .

وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه، وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن البحر من جهنم ثم تلا ﴿ ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن قتادة أن الأحنف بن قيس كان لا ينام في السرادق ويقول: لم يذكر السرادق إلا لأهل النار.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ بماء كالمهل ﴾ ، قال: كعكر الزيت، فإذا أقرب إليه سقطت فروة وجهه فيه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ يقول: أسود كعكر الزيت.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية قال: سئل ابن عباس عن المهل قال: ماء غليظ كدردي الزيت.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: كدردي الزيت.

وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: المهل، دردي الزيت.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: المهل، دردي الزيت.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن المهل فدعا بذهب وفضة، فإذا به قلما ذاب.

قال: هذا أشبه شيء بالمهل الذي هو شراب أهل النار، ولونه لون السماء، غير أن شراب أهل النار أشد حراً من هذا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: القيح والدم أسود كعكر الزيت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: أسود، وهي سوداء وأهلها سود.

وأخرج ابن المنذر عن خصيف قال: المهل، النحاس إذا أذيب فهو أشد حراً من النار.

وأخرج عبد بن حميد عن الحكم في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: مثل الفضة إذا أذيبت.

وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: أشد ما يكون حراً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: هل تدرون ما المهل؟

مهل الزيت: يعني آخره.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وساءت مرتفقاً ﴾ قال: مجتمعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وساءت مرتفقاً ﴾ قال: منزلاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وساءت مرتفقاً ﴾ قال: عليها مرتفقون على الحميم حين يشربون، والإرتفاق هو المتكأ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ قال المفسرون: (معناه: أَتبع القرآن) (١) وقوله تعالى: ﴿ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ قال ابن عباس: (يريد لمواعيده) (٢) وإلي هذا أشار الزجاج فقال: (أي ما أخبر الله به، وما أخبر به فلا مبدل له) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ قال مجاهد: (ملجأ) (٥) (٦) (٧) وقال الزجاج: (أي لن تجد معدلا عن أمره ونهيه) (٨) ﴿ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ  ﴾ .

وقال ابن زيد في هذه الآية: (لا تجدون من دونه ملجأ ولا أحدا يمنعكم) (٩) (١) "جامع البيان" 15/ 233، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"المحرر الوجيز" 10/ 392، و"زاد المسير" 5/ 93.

(٢) "معالم التنزيل" 5/ 165، و"روح المعاني" 15/ 257.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 280.

ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة الأنعام: == 115: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ (٤) "الكشف والبيان" 3/ 389/ ب، و"معالم التنزيل" 3/ 158.

(٥) "جامع البيان" 15/ 233، و"معالم التنزيل" 5/ 166، و"النكت والعيون" 3/ 301، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 90.

(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 398.

(٧) "مجاز القرآن" 1/ 398.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 280.

(٩) "جامع البيان" 15/ 154.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثلاث مِاْئَةٍ سِنِينَ وازدادوا تِسْعاً ﴾ في هذا قولان أحدهما: أنه حكاية عن أهل الكتاب يدل على ذلك ما في قراءة ابن مسعود: وقالوا لبثوا في كهفهم.

وهو معطوف على سيقولون ثلاثة فقوله: ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ﴾ رد عليهم في هذا العدد المحكي عنه، القول الثاني: أنه من كلام الله تعالى، وأنه بيان لما أجمل في قوله: فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ومعنى قوله: قل الله أعلم بما لبثوا على هذا أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم، وقد أخبر بمدة لبثم، فإخباره هو الحق لأنه أعلم من الناس، وكان قوله: قل الله أعلم احتجاجاً على صحة ذلك الإخبار، وانتصب سنين على البدل من ثلاثمائة أو عطف بيان، أو على التمييز وذلك على قراءة التنوين في ثلاثمائة وقرئ بغير تنوين على الإضافة ووضع الجمع موضع المفرد ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ أي ما أبصره وما أسمعه، لأن الله يدرك الخفيات كما يدرك الجليات ﴿ مَا لَهُم ﴾ الضمير لجميع الخلق أو للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ هو خبر في قراءة من قرأ بالياء، والرفع وقرئ بالتاء والجزم على النهي ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لكلماته ﴾ يحتمل أن يراد بالكلمات هنا القرآن، فالمعنى لا يبدل أحد القرآن ولا يغيره، ويحتمل أن يريد بالكلمات القضاء والقدر ﴿ مُلْتَحَداً ﴾ أي ملجا تميل إليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس ﴿ له ثمر ﴾ وكذا ﴿ بثمره ﴾ بفتح الثاء والميم: يزيد.

وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم.

الباقون بضم الثاء والميم جميعاً ﴿ منها ﴾ على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون على التثنية ﴿ لكن ﴾ بالتشديد من غير ألف في الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل.

الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف ﴿ بربي أحد ﴾ مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ أن ترني ﴾ فتح الياء: السرانديبي عن قنبل ﴿ غوراً ﴾ بضم الغين وكذلك في ﴿ الملك ﴾ البرجمي الباقون بفتحها.

﴿ ولم يكن له ﴾ بياء الغيبة ﴿ الولاية ﴾ بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو ﴿ لله الحق ﴾ بالرفع: أبو عمرو وعلي.

الآخرون بالجر ﴿ عقباً ﴾ بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون بضمها ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ من كتاب ربك ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ عنهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً محذوف الألف لدلالة حال العتاب.

﴿ فرطاً ﴾ ه ﴿ فليكفر ﴾ لا لأن الأمر للتهديد بدليل ﴿ إنا أعتدنا ﴾ فلو فصل صار مطلقاً ﴿ ناراً ﴾ ، لأن ما بعده صفة ﴿ سرادقها ﴾ ط ﴿ الوجوه ﴾ ط ﴿ الشراب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ج ه لاحتمال كون ﴿ أولئك ﴾ مع ما بعده خبر ﴿ إن الذين ﴾ وقوله: ﴿ إنا لا نضيف ﴾ جملة معترضة ﴿ الأرائك ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ زرعاً ﴾ ه، ط ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ نهراً ﴾ ه ط ﴿ ثمر ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ نفراً ﴾ ، ج ﴿ لنفسه ﴾ ج لاتحاد العامل بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ه ط ﴿ قائمة ﴾ لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث ﴿ منقلباً ﴾ ه ﴿ رجلاً ﴾ ، ه ط لتمام الاستفهام ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ لا لاتمام المقول ﴿ إلا بالله ﴾ ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له ﴿ وولداً ﴾ ه، ج لاحتمال كون ما بعده جواباً للشرط ﴿ زلقاً ﴾ ه ﴿ طلباً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ منتصرا ﴾ ، ط وقيل: يوقف على ﴿ هنالك ﴾ والأوجه أن يبتدأ بـ ﴿ هنالك ﴾ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره ﴿ الحق ﴾ ط على القراءتين ﴿ عقباً ﴾ ه ﴿ الرياح ﴾ ط ﴿ مقتدراً ﴾ ه ﴿ زينة الحياة الدنيا ﴾ ج مفصلاً بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين ﴿ أملاً ﴾ .

التفسير: لما أجب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه  أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه، واحتمل أن يكون ﴿ اتل ﴾ أمراً من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: ﴿ من كتاب ربك ﴾ بيان للذي أوحي إليه.

ثم بين سبب اللزوم فقال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: ﴿ ولن تجد من دونه ملتحداً ﴾ أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضاً: وأصل اللحد الميل كما مر في قوله: ﴿ يلحدون في أسمائه  ﴾ نهى رسول الله  في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين  ﴾ الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله: ﴿ ولا تعد عيناك ﴾ قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعاً كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم.

ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه ﴾ قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشي لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين.

وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه غافلاً بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: ﴿ واتبع هواه ﴾ بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل" فاتبع" بالفاء.

ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية، فقد يكون الإنسان غافلاً عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفاً متحيراً ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ أي متجاوزاً عن حد الاعتدال من قولهم "فرس فرط" إذا كان متقدماً للخيل، ويلزم منه أن يكون نابذاً للحق وراء ظهره.

وأنت إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلباً لمرضاته فأقبلوا على الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى.

وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازاً من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه.

ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلاً ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء.

وقال في الكشاف: الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره.

وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه.

فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه  لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين.

ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: ﴿ إنا أعتدنا ﴾ أي أعددنا وهيأنا ﴿ للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت  للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج.

وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم.

وقيل: هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله ﴿ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب  ﴾ وقوله: ﴿ يغاثوا بماء ﴾ وارد على سبيل التهكم كقولهم "عتابك السيف".

والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش.

وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت.

وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران.

وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: ﴿ تسقى من عين آنية  ﴾ وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم ﴿ أفيضوا علينا من الماء  ﴾ ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ عن النبي  " "هو - يعني المهل - كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه" وهذا معنى قوله: ﴿ يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾ ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها ﴿ وساءت ﴾ أي النار ﴿ مرتفقاً ﴾ متكئاً لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه.

قال جار الله: هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة ﴿ وحسنت مرتفقاً ﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين.

وقال قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعاً لأولئك الرفقاء.

ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية فإن جعلت ﴿ إنا لا نضيّع ﴾ اعتراضاً فظاهر وإن جعلته خبراً و ﴿ أولئك ﴾ خبراً آخر أو كلاماً مستأنفاً للأجر أو بياناً لمبهم فمعنى العموم في ﴿ من أحسن ﴾ يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير ﴿ من أحسن عملاً ﴾ منهم.

وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي "التوبة" و "الرعد".

ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي والباس الستر.

ولم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ للتعظيم وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن.

و"من" في ﴿ من أساور ﴾ للابتداء وفي ﴿ من ذهب ﴾ للتبيين.

وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: ﴿ وحلوا أساور من فضة  ﴾ وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج ﴿ ولؤلؤاً  ﴾ وجمع في لباس الستر بين السندس - وهو مارق من الديباج - وبين الاستبرق - وهو الغليظ منه - جمعاً بين النوعين والاستبرق عند بعضهم معرب استبره.

قيل: إنما لم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرماً وجوداً ونسب اللبس إليهم تنبيهاً على أنهم استوجبوه بعملهم، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم.

والأرائك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة.

ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب الله مثلاً للطائفتين تنبيهاً على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيراً والفقير غنياً إنما الفخر بالأعمال الصالحات.

والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر- اسمه فطروس - والآخر مؤمن - اسمه يهوذا - وقيل: هما المذكوران في سورة "والصافات" في قوله: ﴿ قال قائل منهم إني كان لي قرين  ﴾ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضاً بألف فقال المؤمن: اللَّهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به.

ثم بنى أخوه داراً بألف فقال: اللَّهم إن أخي بنى داراً بألف وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به.

ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللَّهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور.

ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف فقال: اللَّهم إني إشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به.

ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله.

وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله  ، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد.

أما قوله: ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه جعلنا النخيل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن.

﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ فهما جامعتان للأقوات والفواكه.

وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنعفة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل.

﴿ وآتت ﴾ محمول على لفظ ﴿ كلتا ﴾ لأن لفظه مفرد.

ولو قيل: "آتتا".

على المعنى لجاز.

والظلم أصله النقصان وهو المراد ههنا.

﴿ وفجرنا ﴾ من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار ﴿ وكان له ثمر ﴾ قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون.

وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر.

وقال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكناً من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء.

والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع.

والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه.

وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الإناث.

ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله  ﴿ ودخل جنته ﴾ فقال جار الله: معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما.

قلت: لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنةواحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ وإنما وصفه بقوله: ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان واضعاً للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج  ﴾ عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلاً ﴿ ما أظن أن تبيد ﴾ أي تهلك ﴿ هذه ﴾ الجنة ﴿ أبداً ﴾ وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل العقلية والحسية على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلاً ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ثم أقسم على أنه إن رد إلى ره فرضاً وتقديراً وكما يزعم صاحبه أن له رباً وأنه سيرد إليه وجد خيراً من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلاً وإنما تكون استحقاقاً وكرامة.

﴿ منقلباً ﴾ نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من هذه لكونها فانية حساً أو في اعتقادكم.

قال بعض العلماء: الرد يتضمن كراهة المردود إليه فلهذا قال: ﴿ ولئن رددت ﴾ أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد أبداً إلى ربي، ولما لم يسبق مثل هذا المعنى في "حم" قال هناك: ﴿ ولئن رجعت إلى ربي  ﴾ ، قوله: ﴿ أكفرت ﴾ زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث.

وأقول: يحتمل أن يكون كافراً بالله أيضاً بل مشركاً لقوله بعد ذلك: ﴿ يا ليتني لم أشرك بربي أحداً ﴾ ولقول أخيه معرضاً به ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾ وليس في قوله: ﴿ ولئن رددت إلى ربي ﴾ دلالة على أنه كان عارفاً بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه.

وقوله: ﴿ خلقك من تراب ﴾ أي خلق أصلك وهو إشارة إلى مادته البعيدة.

وقوله: ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى مادته القريبة.

ومعنى ﴿ سوّاك رجلاً ﴾ عدلك وكلك حال كونك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون ﴿ رجلاً ﴾ تمييزاً.

ولعل السر في تخصيص الله  في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون دليلاً على وجود الصانع أولاً، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان أقرب الاستدلالات، وفيه أيضاً إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على الإبداء أقدر على الإعادة، وفيه أنه خلقه فقيراً لا غنياً علم منه أنه خلقه للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار، ثم استدرك لقوله ﴿ أكفرت ﴾ كأنه قال لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد.

وأصل ﴿ لكنا ﴾ "لكن أنا" حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها، ثم استثقل اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية وضمير الغائب للشأن، والجملة بعده خبر للشأن، والمجموع خبر "أنا" والراجع ياء الضمير وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي.

قال أهل العربية: إثبات ألف "أنا" في الوصل ضعيف، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف الهمزة ﴿ ولولا ﴾ للتخفيض وفعله.

قلت: ﴿ وإذ دخلت ﴾ ظرف وقع في البين توسعاً.

وقوله: ﴿ ما شاء الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان.

استدل أهل السنة بالآية في أنه لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته.

وأجاب الكعبي بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد.

والجواب أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل "السماء فوقنا".

وأجاب القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده قوله ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة الله، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة ذلك البستان لعلها حصلت بالظلم والعدوان، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.

عن عروه بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من يشاء، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج.

ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: ﴿ إن ترن أنا أقل ﴾ فـ"أنا" فصل و ﴿ أقل ﴾ مفعول ثان ﴿ مالاً وولداً ﴾ نصب على التمييز ﴿ فعسى ربي أن يؤتيني ﴾ في الدنيا أو في الآخرة جنة ﴿ خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً ﴾ هو مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقداراً وقع في حساب الله وهو الحكم بتخريبها.

وعن الزجاج: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك.

وقيل: هو جمع حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق.

﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ أرضاً بيضاء يزلق عليها زلقاً لملاستها.

وزلقاً وغوراً كلاهما بالمصدر كقولهم "فلان زور وصوم".

ثم أخبر  عن تحقيق ما قدر المؤمن فقال: ﴿ وأحيط بثمره ﴾ وهو عبارة عن إهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدوّ بالشخص كقوله: ﴿ إلا أن يحاط بكم  ﴾ ، ﴿ فأصبح يقلب كفيه ﴾ أي يندم ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ لأن النادم يفعل كذلك غالباً كما قد يعض أنامله.

﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ أي سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير.

وقوله: ﴿ يا ليتني لم أشرك ﴾ تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله بل كان عابد صنم، ومن ذهب إلى أنه جعل كافراً لإنكاره البعث فسره بأن الكافر لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكأنه أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساوياً لخلقه في هذا الباب وهو نوع من الإشراك.

وليس هذا الكلام منه ندماً على الشرك ورغبة في التوحيد المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعاً في دوام ذلك عليه، فلهذا لم يصر ندمه مقبولاً ووصفه بعد ذلك بقوله: ﴿ ولم يكن له فئة ﴾ طائفة ﴿ ينصرونه من دون الله ﴾ لأنه وحده قادر على نصرة العباد.

﴿ وما كان منتصراً ﴾ ممتنعاً بقوته عن انتقام الله.

ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل ﴿ هنالك ﴾ أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو ﴿ الولاية لله الحق ﴾ والولاية بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، أو المراد في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول الكافر ﴿ يا ليتني ﴾ إنما صدر عنه إلجاءً واضطراراً وجزعاً ومما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها.

وقيل: ﴿ هنالك ﴾ إِشارة إلى الآخرة كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله  ﴾ ﴿ عقباً ﴾ بضم القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط.

ثم ضرب مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال ﴿ واضرب لهم ﴾ الآية.

وقد مر مثله في أوائل "يونس" ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ﴾ ومعنى ﴿ فاختلط به ﴾ التف بسببه.

وقيل: معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من الجانبين.

والهشيم ما تهشم وتحطم، والذر والتطيير والإذهاب.

تقول: ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً.

﴿ وكان الله على كل شيء مقتدراً ﴾ من تكونيه أوّلاً وتنميته وسطاً وإذهابه آخراً.

ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد إلى أن تتكامل، ثم تنتهي إلى الزوال والفناء، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به.

وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات ﴾ هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها ﴿ خير عند ربك ثواباً ﴾ أي تعلق ثواب وخير أملاً لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم مأمول.

وقيل: هن الصلوات الخمس.

وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

ففي التسبيح تنزيه له عن كل مالاً ينبغي، وفي الحمد إقرار له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في الإمكان متصفاً بالوصفين إلا هو، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجلّ من أن يعظم.

وقيل: الطيب من القول.

والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قاله قتادة.

التأويل: ﴿ واتل ﴾ على نفسك ﴿ وما أوحي إليك من كتاب ﴾ كتبه ﴿ ربك ﴾ في الأزل ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ إلى الأبد مع الذين ﴿ يدعون ربهم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفى في غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى وطلب الدنيا.

﴿ ولا تعد ﴾ عينا همتك ﴿ عنهم ﴾ فإنك إن لم تراقب أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة ﴿ ولا تطع من أغفلنا ﴾ يعني: النفس ناراً هي نار القهر والغضب ﴿ أحاط بهم سرادقها ﴾ يعني سرادق العزة ﴿ بماء كالمهل ﴾ كل ما هو لأهل اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه  جعل لأهل القهر سبباً لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم الأرواح، وفسدت استعداداتهم فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة ﴿ يحلون فيها من أساور ﴾ والتحلية بالأساور إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليهم وقوله: ﴿ من ذهب ﴾ رمز إلى أنها ملكات مستحسنة معتدلة راسخة ﴿ يلبسون ثياباً ﴾ فيه أن أنوار العبادات تلوح عليهم وتشتمل بهم.

وقوله: ﴿ خضراً ﴾ إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة و ﴿ من سندس ﴾ إشارة إلى ما لطف من الرياضات ﴿ واستبرق ﴾ إلى ما شق منها ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من المشاهدات ﴿ مثلاً رجلين ﴾ هما النفس الكافرة والقلب المؤمن.

﴿ جعلنا لأحدهما ﴾ وهو النفس ﴿ جنتين ﴾ هما الهوى والدنيا ﴿ من أعناب ﴾ الشهوات ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ حب الرياسة ﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ من التمتعات البهيمية ﴿ وفجرنا خلالهما نهراً ﴾ من القوى البشرية والحواس.

﴿ وكان له ثمر ﴾ من أنواع الشهوات ﴿ وهو يحاوره ﴾ يجاذب النفس والقلب ﴿ أنا أكثر منك مالاً ﴾ أي ميلاً ﴿ وأعز نفراً ﴾ من أوصاف المذمومات ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ لأنه غر بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم، هلا قلت ﴿ ما شاء الله ﴾ أي أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ من العمر وحسن الاستعداد ﴿ كما أنزلناه ﴾ هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد ﴿ فاختلط ﴾ الروح بالأخلاق الذميمة ﴿ فأصبح هشيماً ﴾ تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية ﴿ تذروه ﴾ رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شجرة طيبة.

﴿ والباقيات الصالحات ﴾ أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ .

يحتمل: ﴿ كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ : اللوح المحفوظ، أي: بلغ ما أوحي إليك من اللوح الذي عند الله من متلو [وغير متلو]؛ كقوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  ﴾ وهو جميع ما أنزل إليه من المتلو وغير المتلو.

ويحتمل: ﴿ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ : الكتاب الذي أنزل عليه، وهو القرآن، أي: اتل عليهم ذلك الكتاب، فإن كان هذا ففيه أن القرآن مما يتقرب بتلاوته.

ثم في قوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ ﴾ فريضة ضيعناها؛ وذلك أنه أمر رسوله بتبليغ رسالته وما أنزل إليه، ثم معلوم أن من كان في أقصى الدنيا وأبعد أطرافها لم يقدر رسوله أن يتولى التبليغ بنفسه وكذلك بعد وفاته لا يجوز أن يتولى بتبليغه، فكان ذلك القيام يلزم المسلمين وأئمتهم بتبليغه فضيعوا ذلك؛ ولهذا ما رخص - والله أعلم - بدخول المسلمين دار الحرب للتجارة، ودخول أولئك دار الإسلام للتجارة أيضاً؛ لينتهي إليهم خبر هذا الدين؛ حيث علم أنه يكون أئمة في آخر الزمان لا يهتمون لدينه ولا يتولون بتبليغ ما أمروا بتبليغه، ويضيعون أمره، فيلزمهم حجة الله، وإلا ما الحاجة في تلك التجارة والأموال التي يتجرون فيها؟!

ولكن ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ : قال بعضهم: لا مبدل لسنته؛ إذ سنته في المكذبين الإهلاك، والمصدقين النجاة، هذا سنته وإن أمكن تعجيلها وتأخيرها، فأما نفس سنته فهي لا تبدل ولا تحول؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً  ﴾ و ﴿ تَبْدِيلاً  ﴾ .

وقال الحسن في قوله: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ : ما وعد وأوعد لهم في الدنيا، فذلك في الآخرة لا يبدل ولا يحول؛ إذ وعد للمؤمنين الجنة، وللكافرين العذاب، فذلك لا يبدل.

وقال بعضهم: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ وهي القرآن لا يتبدل، ولا يغير، ولا يزداد، ولا ينقص؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ لحججه وبراهينه التي جعل لدينه وأقام له ذلك، يلزم الإسلام ودينه، إلا من قصر عليه في العبادة، أو كان المقام عليه الحجة معناداً مكابراً.

وأما من لم يكن هذين المعنيين يسلم لا محالة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ .

هذا الخطاب وإن كان في الظاهر لرسول الله، فهو يخرج مخرج التنبيه على ما ذكرنا في غير آي من القرآن.

وقوله: ﴿ مُلْتَحَداً ﴾ قال بعضهم: مدخلا؛ ولذلك سمي اللحد: لحداً؛ لما يدخل فيه.

وقال بعضهم: ملجأ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ .

يحتمل: واصبر نفسك بالغداة والعشي مع الذين يدعون ربهم، فيكون في الأمر بالجلوس لهم بالغدوات والعشيات؛ للتذكير وتعليم العلم، على ما تعارف الناس الجلوس للناس لذلك في هذين الوقتين؛ إذ ذانك الوقتان خاليان عن الأشغال التي تشغلهم عن ذلك [ذكر] الغداة والعشي لما لم يجعل عليهم بعد صلاة الغداة صلاة، وكذلك بعد العصر؛ للذكر الذي ذكرنا وتعليم ما يحتاجون في ليلهم ونهارهم.

أو أن يكون ذلك كناية عن صلاة الفجر والعصر؛ لما جاء لهما من فضل وعيد لم يجئ في غيرهما من الصلوات؛ نحو ما ذكر: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً  ﴾ ، وما روي في العصر من الوعيد: "من فاته العصر فكأنما وتر أهله وماله" ، ونحوه أمر بصبر نفسه على حفظ هذين؛ لما ذكرنا مع من ذكر.

أو أن يكون لا على إرادة غداة أو عشي، ولكن بالكون مع أتباعه في كل وقت والصبر معهم.

وقال أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن رؤساء كفار مكة سألوه أن يطرد أتباعه من عنده ويتخذ لهم مجلساً، فنزل قوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ...

﴾ الآية [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ...

﴾ الآية.

وقالوا في قوله: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ في أصحاب الكهف، يقول: وأخبرهم ما سألوك مما أوحينا إليك من أخبار أصحاب الكهف ولا تزيد ولا تنقص عليه.

فإن كان في أمرهم نزل هذا فرسول الله كان لا يخبرهم إلا ما أوحي إليه وأنزل عليه من أمرهم، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ .

قيل: لا تتعد عنهم إلى غيرهم.

وقيل: لا تصرف ولا ترفع عينيك عنهم تجاوزهم إلى غيرهم.

﴿ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إن كان على تأويل أهل التأويل أنهم سألوه أن يتخذ لهم مجلساً دون أولئك، فيكون تأويل قوله: ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: تريد أولئك الذين يطلبون منك مجلساً على حدة يريدون بذلك زينة الحياة الدنيا لا يريدون بذلك وجه الله.

والثاني: لو فعلت ما سألوك كان فعل ذلك [كفعل] من يريد زينة الحياة الدنيا؛ لأن المجلس الذي يحضره الأشراف والرؤساء إنما يراد به زينة الحياة الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ .

تأويل الآية على قولنا ظاهر، نحن نقول على ما نطق ظاهر الآية: من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، أي: من خلقنا ظلمة الكفر بكفرهم في قلوبهم، أو خذلناهم بكفرهم الذي فعلوا.

وأما المعتزلة فإنهم قد تحيروا فيه وتاهوا وأكثروا التأويلات فيها، حتى أن منهم من صرف القراءة عن وجهها فقال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا ﴾ بنصب اللام، و ﴿ قَلْبَهُ ﴾ برفع الباء، معناه: أن من أغفل قلبه عن ذكرنا على قول المعتزلة، على صرف الفعل إلى القلب، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ  ﴾ ؛ ليصح على مذهبهم ويستقيم.

ومنهم من قال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ ، أي: لا تطع من وجدنا قلبه غافلا، وقال: ذلك مستقيم في اللغة؛ يقال: قاتلناهم فيما أجبَنَّاهم، أي: ما وجدناهم جبناء، ويقال: فسألناهم فما أبخلناهم، أي: ما وجدناهم بخلاء، ونحوه من الكلام، وهو تأويل الجبائي فيما أظن.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ ، أي: من خلينا بينه وبين ما يفعل وهو كما يقال لمن خلى عبده حتى أفسده كثيراً من الناس يقال: سلطت عبدك على الناس، وهو لم يسلطه عليهم، لكنه يقال له؛ لما قدر على منعه عن ذلك والحيلولة بينه وبين ما فعل أضيف ذلك إليه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ أي: خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، وهو تأويل جعفر بن حرب.

وقال بعضهم: أضاف ذلك إلى نفسه للأسباب التي أعطاهم من السعة والغناء والشرف في الدنيا، فتلك الأسباب التي أعطاهم هي التي حملتهم على ذلك؛ فأضيف إليه ذلك لذلك، وهو ما قال: ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً  ﴾ وهو تأويل أبي بكر الأصم.

وقال الحسن: ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ أي: خذلناهم وطبعنا على قلوبهم، وهو يقول: إن للكفر حدّاً إذا بلغ ذلك الحد يخذله ويطبع على قلبه؛ فلا يؤمن أبداً.

فيقال: خذله في أول حال الكفر أو بعد ذلك بأوقات وزمان.

فإن قال: في أول حال كفره فهو قولنا.

وإن قال: لا في أول حاله، ولكن بعد زمان، فهو كافر موفق ومؤمن مخذول على قوله، فنعوذ بالله مما قال.

ثم الجواب للأول ما ذكرنا من صرف التنزيل عن وجهه وظاهره، فلو جاز لهم ذلك، [لجاز] لغيرهم صرف جميع الآيات عن ظاهر التنزيل، وذلك بعيد محال.

وأما تأويل الجبائي، أي: ما وجدناهم كذا، فإنما يسوغ له هذا إذا كان جميع حروف (أفعل) يخرج على ما يقوله في اللغة، فأمّا أن يقال في بعض، فإن ذلك غير مستقيم.

وبعد فإنه لو كان كما ذكر لكان يقول: (ولا تطع من أغفلته عن ذكرنا)، أي: وجدته غافلا عن ذكرنا؛ لأنه نهى عن أن يطيع من وجده غافلا، فهو لا يعلم من وجده الله غافلا، إنما يعلم من وجده بنفسه غافلا.

فأما إذا كان ما ذكرنا لم يكن للنهي عما ذكر معنى؛ فدل أن تأويله فاسد وخيال، وأن إضافته إليه لمعنى يكون من الله.

وأما جواب جعفر بن حرب أنه على التخلية والتسليط، فهو إنما يقال: سلطت عبدك على كذا على الذم لا على المدح؛ فلا يجوز أن يقال ذلك في الله على الذم ويضاف إليه أيضاً ذلك.

وكذلك يقال لأبي بكر حيث قال: إنما أضاف ذلك إليه للأسباب التي ذكر أنه أعطاهم، يقال له: ذلك يضاف على الذم: إنك أعطيت كذا حتى فعل كذا، فأما أن يقال على المدح فلا؛ فيبطل قوله وتأويله؛ فدل إضافة ذلك إلى نفسه أنه كان منه في ذلك معنى يستقيم إضافته إليه، وهو ما ذكرنا من خلق الظلمة في قلوبهم بكفرهم الذي اختاروا وخذلانه إياهم لما اختاروا وآثروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فُرُطاً ﴾ أي: ضياعاً وهلاكاً.

وقال بعضهم: ﴿ فُرُطاً ﴾ أي: خسرانا وخساراً.

وقال أبو عوسجة: هو من التفريط.

وقال غيره: أفرط في القول كما قال: (إنا رءوس من مضر إن نسلم يسلم الناس بعدنا) على ما ذكر في بعض القصة.

وقال أبو عبيدة: فرطاً، أي: ندماً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .

كأنه على الإضمار، أي: قل: قد جئتكم بالحق من ربكم.

أو يقول: قل لهم: قد تعلمون أني قد جئتكم من الآيات والحجج على ما أدعوكم إليه ما لا يحتمل بليتي ويخرج عن وسعي وطاقتي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ .

ثم يحتمل هذا وجوهاً: أحدها: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ فإنه إنما يعمل لنفسه ليس يعمل لأحد سواه؛ كقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ...

﴾ الآية [الإسراء: 7]؛ فعلى ذلك يقول، والله أعلم.

والثاني: يقول: إني بلغت الرسالة إليكم فلا أكرهكم أنا على الإسلام ولا أحد سواي، فمن شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر، فإنه إنما يؤمن باختياره ومشيئته، ومن كفر فإنما يكفر باختياره ومشيئته لا يكره على ذلك.

والثالث: أن الإيمان والكفر قد بين الله لهما العواقب ما عاقبة من اختار الإيمان وما عاقبة من اختار الكفر، وهو ما قال: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا...

﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال للمؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...

﴾ الآية.

يقول: قد بين لكل واحد منهما عاقبة، فمن شاء اكتسب لنفسه في العاقبة الجنان وما فيها من النعيم، ومن شاء اكتسب ما ذكر في العاقبة من النار وأنواع العذاب، فذلك كله يخرج على الوعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ ﴾ وقت دخولهم النار أو هو في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على إرادة حقيقة السرادق.

والثاني: على التمثيل، أي: يحيط بهم النار فلا يقدرون على الخروج منها على ما يمنع السرادق من الخروج في الدنيا ودفع الحرّ والبرد، فإن كان على حقيقة السرادق فهو - والله أعلم - على ما جعل الله لهم من أنواع ما كانوا يتفاخرون في الدنيا من اللباس والطعام والشراب وغير ذلك يجعل لهم في الآخرة من ذلك النوع من النار، وهو ما ذكر: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ  ﴾ ، وما قال: ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ  ﴾ والشراب ما ذكر من الصديد والغسلين، وغير ذلك من النوع الذي كانوا يتفاخرون به في الدنيا ويمنعهم عن الإيمان جعل لهم في الآخرة من ذلك النوع من النار وبه يعاقبهم، فعلى ذلك جائز أن يكونوا يتفاخرون به في الدنيا بالسرادق إذا خرجوا في السفر، فيعاقبهم الله في النار بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ ﴾ .

يحتمل استغاثتهم هو ما ذكر في الآية ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ  ﴾ فيغاثون ﴿ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ ﴾ ، ويحتمل: أن يطلبوا في النار الماء بعدما طعموا فيها منها فيغاثون بالمهل.

ثم المهل: قال عامتهم: المهل: هو دردي الزيت أو العصير، لكنهم اختلفوا في معنى التشبيه به: قال بعضهم: يشبه به لغلظه؛ لأن الشيء الغليظ يكون ألصق وآخذ من غيره.

وقال بعضهم: شبهه به لسواده.

وقال الحسن وأبو بكر: تشبيهه به؛ لكثرة تلونه من الحمرة والصفرة والسواد ونحوه لشدته، وهو ما ذكر: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ  ﴾ شبهه كالمهل لتلونه؛ لشدة ذلك اليوم وهوله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ ﴾ ذلك الشراب، ﴿ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ أي: ساءت النار مرتفقا، اختلف فيه: قال بعضهم: المرتفق: المتكأ.

وقال بعضهم: المجتمع، أي: بئس الاجتماع.

وقال بعضهم: مجلساً.

وقال بعضهم: بئس المنزل النار قرناؤهم فيها الكفار والشياطين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ .

قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير كأنه قال: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم قال: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

وقال بعضهم: ليس على التقديم والتأخير، ولكن على ما ذكر أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم بين ما لهم فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال أبو عوسجة: السرادق: البناء الذي يبنى من الكرابيس يشبه الدار والحجرة، ﴿ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ ، أي: متكأ ومنزلا.

وقال القتبي: السرادق: الحجرة التي تكون حول الفسطاط، قال: وهو الدخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الظل ذو الثلاث الشعب، و ﴿ كَٱلْمُهْلِ ﴾ دردي الزيت، ويقال: ما أذيب من النحاس والرصاص، و ﴿ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ ، أي: مجلسا وأصل الارتفاق: الاتكاء على المرفق.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴾ .

يذكر ثواب المؤمنين الذين تركوا شهواتهم في الدنيا لها.

﴿ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ﴾ .

قالوا: الإستبرق: الديباج الغليظ، والسندس: وهو الرقيق والغليظ منه لا يلبس، لكنه كأنه جمع بين ما يلبس وبين ما يبسط، فذكر اللبس لما يلبس، كما يقال: أطعمت فلاناً طعاماً وشراباً والشراب لا يطعم.

وقيل: إن الإستبرق هو الرقيق من الديباج بلغة قوم، فإن كان ما ذكر فكأنه إنما ذكر ذلك لأولئك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : السرر في الحجال، والأريكة: السرير في الحجلة.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : السرر عليها حجال.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : الوسادة.

﴿ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ قيل: منزلا.

وأصل هذا: أنه وعد لهم في الآخرة ما كانت أنفسهم ترغب فيه في الدنيا ليتركوا ذلك في الدنيا للموعود في الآخرة، وكذلك حذرهم في الآخرة بأشياء تنفر [منها] أنفسهم وطباعهم في الدنيا؛ ليحذروا ما يستوجبون الموعود في الآخرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واقرأ -أيها الرسول- واعمل بما أوحى الله به إليك من القرآن، فلا مبدل لكلماته؛ لأنها صدق كلها وعدل كلها، ولن تجد من دونه سبحانه ملجًا تلجأ إليه، ولا معاذًا تعوذ به سواه.

من فوائد الآيات اتخاذ المساجد على القبور، والصلاة فيها، والبناء عليها؛ غير جائز في شرعنا.

في القصة إقامة الحجة على قدرة الله على الحشر وبعث الأجساد من القبور والحساب.

دلَّت الآيات على أن المراء والجدال المحمود هو الجدال بالتي هي أحسن.

السُّنَّة والأدب الشرعيان يقتضيان تعليق الأمور المستقبلية بمشيئة الله تعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.DjBm6"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله