الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٥٩ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٩ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ) أي : الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم ( وجعلنا لمهلكهم موعدا ) أي : جعلناه إلى مدة معلومة ووقت [ معلوم ] معين ، لا يزيد ولا ينقص ، أي : وكذلك أنتم أيها المشركون ، احذروا أن يصيبكم ما أصابهم ، فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي ، ولستم بأعز علينا منهم ، فخافوا عذابي ونذر .
القول في تأويل قوله تعالى : وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) يقول تعالى ذكره: وتلك القرى من عاد وثمود وأصحاب الأيكة أهلكنا أهلها لما ظلموا، فكفروا بالله وآياته، ( وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ) يعني ميقاتا وأجلا حين بلغوه جاءهم عذاب فأهلكناهم به، يقول: فكذلك جعلنا لهؤلاء المشركين من قومك يا محمد الذين لا يؤمنون بك أبدا موعدا، إذا جاءهم ذلك الموعد أهلكناهم سنتنا في الذين خلوا من قبلهم من ضربائهم .
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى " ح " ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ) قال: أجلا.
حدثنا القاسم، قال: ثني الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله (لِمَهْلِكِهِمْ) فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الحجاز والعراق: " لِمُهْلَكِهِمْ" بضمّ الميم وفتح اللام على توجيه ذلك إلى أنه مصدر من أهلكوا إهلاكا ، وقرأه عاصم: " لِمَهْلَكِهِمْ" بفتح الميم واللام على توجيهه إلى المصدر من هلكوا هلاكا ومهلكا.
وأولى القراءتين بالصواب عندي في ذلك قراءة من قرأه: " لِمُهْلَكِهِمْ" بضمّ الميم وفتح اللام لإجماع الحجة من القرّاء عليه، واستدلالا بقوله: ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ ) فأن يكون المصدر من أهلكنا، إذ كان قد تقدّم قبله أولى.
وقيل: أهلكناهم، وقد قال قبل: ( وَتِلْكَ الْقُرَى ) ، لأن الهلاك إنما حلّ بأهل القرى، فعاد إلى المعنى، وأجرى الكلام عليه دون اللفظ.
وقال بعض نحويي البصرة: قال: ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ) يعني أهلها، كما قال: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ولم يجئ بلفظ القرى، ولكن أجرى اللفظ على القوم، وأجرى اللفظ في القرية عليها إلى قوله الَّتِي كُنَّا فِيهَا ، وقال: (أهْلَكْناهُمْ) ولم يقل: أهلكناها حمله على القوم، كما قال: جاءت تميم، وجعل الفعل لبني تميم، ولم يجعله لتميم، ولو فعل ذلك لقال : جاء تميم، وهذا لا يحسن في نحو هذا، لأنه قد أراد غير تميم في نحو هذا الموضع، فجعله اسما، ولم يحتمل إذا اعتل أن يحذف ما قبله كله معنى التاء من جاءت مع بني تميم، وترك الفعل على ما كان ليعلم أنه قد حذف شيئا قبل تميم ، وقال بعضهم: إنما جاز أن يقال: تلك القرى أهلكناهم، لأن القرية قامت مقام الأهل، فجاز أن ترد على الأهل مرة وعليها مرة، ولا يجوز ذلك في تميم، لأن القبيلة تعرف به وليس تميم هو القبيلة، وإنما عرفت القبيلة به، ولو كانت القبيلة قد سميت بالرجل لجرت عليه، كما تقول: وقعت في هود، تريد في سورة هود، وليس هود اسما للسورة، وإنما عرفت السورة به، فلو سميت السورة بهود لم يجر، فقلت: وقعت في هود يا هذا، فلم يجر، وكذلك لو سمى بني تميم تميما لقيل: هذه تميم قد أقبلت، فتأويل الكلام: وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا، وجعلنا لإهلاكهم موعدا.
قوله تعالى : وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا تلك في موضع رفع بالابتداء .
القرى نعت أو بدل .
وأهلكناهم في موضع الخبر محمول على المعنى ; لأن المعني أهل القرى .
ويجوز أن تكون تلك في موضع نصب على قول من قال : زيدا ضربته ; أي وتلك القرى التي قصصنا عليك نبأهم ، نحو قرى عاد وثمود ومدين وقوم لوط أهلكناهم لما ظلموا وكفروا .وجعلنا لمهلكهم موعدا أي وقتا معلوما لم تعده و " مهلك " من أهلكوا .
وقرأ عاصم مهلكهم بفتح الميم واللام وهو مصدر هلك .
وأجاز الكسائي والفراء لمهلكهم بكسر اللام وفتح الميم .
النحاس : قال الكسائي وهو أحب إلي لأنه من هلك .
الزجاج : اسم للزمان والتقدير : لوقت مهلكهم ، كما يقال : أتت الناقة على مضربها .
{ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا } أي: بظلمهم، لا بظلم منا { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا } أي: وقتا مقدرا، لا يتقدمون عنه ولا يتأخرون.
( وتلك القرى أهلكناهم ) يعني : قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ( لما ظلموا ) كفروا ( وجعلنا لمهلكهم موعدا ) أي : أجلا قرأ أبو بكر " لمهلكهم " بفتح الميم واللام ، [ وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام ، وكذلك في النمل " مهلك " أي لوقت هلاكهم ] وقرأ الآخرون بضم الميم وفتح اللام أي : لإهلاكهم .
«وتلك القرى» أي أهلها كعاد وثمود وغيرهما «أهلكناهم لما ظلموا» كفروا «وجعلنا لمهلكهم» لإهلاكهم وفي قراءة بفتح الميم أي لهلاكهم «موعدا».
وتلك القرى القريبة منكم -كقرى قوم هود وصالح ولوط وشعيب- أهلكناها حين ظلم أهلها بالكفر، وجعلنا لهلاكهم ميقاتًا وأجلا حين بلغوه جاءهم العذاب فأهلكهم الله به.
ثم بين - سبحانه - سننه فى الأمم الماضية فقال : ( وَتِلْكَ القرى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً ) .واسم الاشارة " تلك " تعود إلى القرى المهلكة بسبب كفرها وفسوقها عن أمر ربها ، كقرى قوم نوح وهود وصالح - عليهم السلام - .والقرى : جمع قرية والمراد بها أهلها الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والجحود .أى : وتلك القرى الماضية التى أصر أهلها على الكفر والفسوق والعصيان أهلكناهم بعذاب الاستئصال فى الدنيا ، بسبب هذا الكفر والظلم ، وجعلنا لوقت هلاكهم موعدا لا يتأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون .
اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار جدالهم بالباطل وصفهم بعده بالصفات الموجبة للخزي والخذلان.
الصفة الأولى: قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ ﴾ أي لا ظلم أعظم من كفر من ترد عليه الآيات والبينات فيعرض عنها وينسى ما قدمت يداه أي مع إعراضه عن التأمل في الدلائل والبينات يتناسى ما قدمت يداه من الأعمال المنكرة والمذاهب الباطلة والمراد من النسيان التشاغل والتغافل عن كفره المتقدم.
الصفة الثانية: (قوله): ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يفقهوه ﴾ وقد مر تفسير هذه الآية على الاستقصاء في سورة الأنعام، والعجب أن قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ متمسك القدرية، وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ﴾ إلى آخر الآية متمسك الجبرية وقلما نجد في القرآن آية لأحد هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر، والتجربة تكشف عن صدق قولنا.
وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه على عباده ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين ثم قال تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة ﴾ الغفور البليغ المغفرة وهو إشارة إلى دفع المضار ذو الرحمة الموصوف بالرحمة، وإنما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة لا في الرحمة، لأن المغفرة ترك الإضرار وهو تعالى قد ترك مضار لا نهاية لها مع كونه قادراً عليها، أما فعل الرحمة فهو متناه لأن ترك ما لا نهاية له ممكن، أما فعل ما لا نهاية له فمحال ويمكن أن يقال: المراد أنه يغفر كثيراً لأنه ذو الرحمة ولا حاجة به إليها فيهبها من المحتاجين كثيراً ثم استشهد بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً من غير إمهال مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ﴿ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ ﴾ وهو إما يوم القيامة، وإما في الدنيا وهو يوم بدر وسائر أيام الفتح (وقوله): ﴿ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً ﴾ (أي) منجى ولا ملجأ، يقال وأل إذا لجأ، ووأل إليه إذا لجأ إليه، ثم قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ القرى ﴾ يريد قرى الأولين من ثمود وقوم لوط وغيرهم أشار إليها ليعتبروا، وتلك مبتدأ، والقرى صفة لأن أسماء الإشارة توصف بأصناف الأجناس وأهلكناهم خبر والمعنى، وتلك أصحاب القرى أهلكناهم لما ظلموا مثل ظلم أهل مكة: ﴿ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ﴾ أي وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمهلك الإهلاك أو وقته، وقرئ لمهلكهم بفتح الميم واللام مفتوحة أو مكسورة، أي لهلاكهم أو وقت هلاكهم، والموعد وقت أو مصدر، والمراد إنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً ليكونوا إلى التوبة أقرب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتِلْكَ القرى ﴾ يريد قرى الأوّلين من ثمود وقوم لوط وغيرهم: أشار لهم إليها ليعتبروا.
﴿ تِلْكَ ﴾ مبتدأ، و ﴿ القرى ﴾ صفة: لأنّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس، و ﴿ أهلكناهم ﴾ خبر.
ويجوز أن يكون ﴿ تِلْكَ القرى ﴾ نصباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير.
والمعنى وتلك أصحاب القرى أهلكناهم ﴿ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾ مثل ظلم أهل مكة ﴿ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ﴾ وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر والمهلك الإهلاك ووقته.
وقرئ: ﴿ لمَهلكهم ﴾ بفتح الميم، واللام مفتوحة أو مكسورة، أي: لهلاكهم أو وقت هلاكهم.
والموعد: وقت، أو مصدر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتِلْكَ القُرى ﴾ يَعْنِي قُرى عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ، وتِلْكَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.
﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ أوْ مَفْعُولٌ مُضْمَرٌ مُفَسَّرٌ بِهِ، والقُرى صِفَتُهُ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في أحَدِهِما لِيَكُونَ مَرْجِعَ الضَّمائِرِ.
﴿ لَمّا ظَلَمُوا ﴾ كَقُرَيْشٍ بِالتَّكْذِيبِ والمِراءِ وأنْواعِ المَعاصِي.
﴿ وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾ لِإهْلاكِهِمْ وقْتًا لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ، فَلْيَعْتَبِرُوا بِهِمْ ولا يَغْتَرُّوا بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ لِمَهْلَكِهِمْ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ أيْ لِهَلاكِهِمْ، وحَفْصٌ بِكَسْرِ اللّامِ حَمْلًا عَلى ما شَذَّ مِن مَصادِرِ يَفْعَلُ كالمَرْجِعِ والمَحِيضِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَتِلْكَ} مبتدأ {القرى} صفة لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس والخبر {أهلكناهم} أو تلك القرى نصب بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير والمعنى وتلك اصحاب القرى والمراد قوم نوح وعاد وثمود {لَمَّا ظَلَمُواْ} مثل ظلم أهل مكة {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر والمهلك الاهلاك ووقته بفتح الميم وكسر اللام حفص وبفتحها أبو بكر أي لوقت هلاكهم أو لهلاكهم والموعد وقت أو مصدر
﴿ وتِلْكَ القُرى ﴾ أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأشْباهِهِمْ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: أهْلُ القُرى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ والإشارَةُ لِتَنْزِيلِهِمْ لِعِلْمِهِمْ بِهِمْ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ، وقَدَّرَ المُضافَ في البَحْرِ قَبْلَ ( تِلْكَ ) وكِلا الأمْرَيْنِ جائِزٌ، وتِلْكَ يُشارُ بِها لِلْمُؤَنَّثِ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ القُرى عِبارَةً عَنْ أهْلِها مَجازًا، وأيًّا ما كانَ فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و«القُرى» صِفَتُهُ، والوَصْفُ بِالجامِدِ في بابِ الإشارَةِ مَشْهُورٌ، والخَبَرُ جُمْلَةُ: ﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ «القُرى» هو الخَبَرُ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ «تِلْكَ» مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ؛ أيْ: وأهْلَكْنا تِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم ﴿ لَمّا ظَلَمُوا ﴾ أيْ: حِينَ ظُلْمِهِمْ كَما فَعَلَ مُشْرِكُو مَكَّةَ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ، وتَرْكُ المَفْعُولِ إمّا لِتَعْمِيمِ الظُّلْمِ أوْ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ أيْ: لَمّا فَعَلُوا الظُّلْمَ، و«لَمّا» عِنْدَ الجُمْهُورِ ظَرْفٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الحِينُ المُعَيَّنُ الَّذِي عَمِلُوا فِيهِ الظُّلْمَ، بَلْ زَمانٌ مُمْتَدٌّ مِنَ ابْتِداءِ الظُّلْمِ إلى آخِرِهِ.
وقالَ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: هي حَرْفٌ، ومِمّا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى حَرْفِيَّتِها هَذِهِ الآيَةُ حَيْثُ قالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ عِلَّةَ الإهْلاكِ الظُّلْمُ، والظَّرْفُ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى العِلِّيَّةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَكَ: أهْلَكْتُهُ وقْتَ الظُّلْمِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ الظُّلْمِ وإنْ لَمْ يَدُلَّ الظَّرْفُ نَفْسُهُ عَلى العِلِّيَّةِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ ظَرْفًا اسْتُعْمِلَ لِلتَّعْلِيلِ.
﴿ وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ ﴾ لِهَلاكِهِمْ ﴿ مَوْعِدًا ﴾ وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ، فَمَفْعِلُ الأوَّلُ مَصْدَرٌ والثّانِي اسْمُ زَمانٍ، والتَّعْيِينُ مِن جِهَةِ أنَّ المَوْعِدَ لا يَكُونُ إلّا مُعَيَّنًا وإلّا فاسْمُ الزَّمانِ مُبْهَمٌ، والعَكْسُ رَكِيكٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُهْلَكَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وهي قِراءَةُ حَفْصٍ في الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ عَنْهُ - أعْنِي القِراءَةَ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ - مِنَ المَصادِرِ الشّاذَّةِ كالمَرْجِعِ والمَحِيضِ، وعُلِّلَ ذَلِكَ بِأنَّ المُضارِعَ يَهْلِكُ بِكَسْرِ اللّامِ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ مَجِيءَ المَصْدَرِ المِيمِيِّ مَكْسُورًا فِيما عَيْنُ مُضارِعِهِ مَكْسُورَةٌ شاذٌّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ صُرِّحَ في القامُوسِ بِأنْ هَلَكَ جاءَ مِن بابِ ضَرَبَ ومَنَعَ وعَلِمَ فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ الشُّذُوذُ؛ فالحَقُّ أنَّهُ مَصْدَرٌ غَيْرُ شاذٍّ وهو مُضافٌ لِلْفاعِلِ؛ ولِذا فُسِّرَ بِما سَمِعْتَ، وقِيلَ: إنَّ هَلَكَ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا فَعَنْتَمِيمٍ هَلَكَنِي فُلانٌ، فَعَلى تَعْدِيَتِهِ يَكُونُ مُضافًا لِلْمَفْعُولِ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في ذَلِكَ: - ومَهْ مَهْ هالِكِ مَن تَعَرَّجا - أيْ: مُهْلِكُهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ في البَيْتِ بَلْ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ هالِكًا فِيهِ لازِمٌ وأنَّهُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والأصْلُ هالِكٍ مَن تَعَرَّجا بِجَعْلِ مَن فاعِلًا لِ «هالِكٍ»، ثُمَّ أُضْمِرَ في هالِكٍ ضَمِيرُ مَهْمَهٍ وانْتَصَبَ مَن عَلى التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ ثُمَّ أُضِيفَ مِن نَصْبٍ، والصَّحِيحُ جَوازُ اسْتِعْمالِ المَوْصُولِ في بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، وقَدْ ثَبَتَ في أشْعارِ العَرَبِ قالَ عَمْرُو بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: أسِيلاتُ أبْدانٍ دِقاقٌ خُصُورُها وثِيراتٌ ما التَفَّتْ عَلَيْها المَلاحِفُ وقَرَأ حَفْصٌ وهارُونُ وحَمّادٌ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ وهو مَصْدَرٌ أيْضًا، وجَعْلُهُ اسْمَ مَفْعُولٍ عَلى مَعْنى: وجَعَلْنا لِمَن أهْلَكْناهُ مِنهم في الدُّنْيا مَوْعِدًا نَنْتَقِمُ فِيهِ مِنهُ أشَدَّ انْتِقامٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ جَهَنَّمُ -لا يَخْفى ما فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ اسْتِشْهادٌ عَلى ما فُعِلَ بِقُرَيْشٍ مِن تَعْيِينِ المَوْعِدِ لِيَعْتَبِرُوا ولا يَغْتَرُّوا بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهُمْ، وهي تَرَجُّحُ حَمْلِ المَوْعِدِ فِيما سَبَقَ عَلى يَوْمِ بَدْرٍ فَتَدَبَّرْ.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وأخْبَرُ.
* * * «ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ» ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ أمْرٌ بِصُحْبَةِ الفُقَراءِ الَّذِينَ انْقَطَعُوا لِخِدْمَةِ مَوْلاهُمْ، وفائِدَتُها مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَعُودُ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم عُشّاقُ الحَضْرَةِ، وهو مِرْآتُها وعَرْشُ تَجَلِّيها ومَعْدِنُ أسْرارِها ومَشْرِقُ أنْوارِها، فَمَتى رَأوْهُ عاشُوا ومَتى غابَ عَنْهم كَئِبُوا وطاشُوا، وأمّا صُحْبَةُ الفُقَراءِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ فَفائِدَتُها تَعُودُ إلى مَن صَحِبَهم فَهُمُ القَوْمُ لا يَشْقى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ، وقالَ عَمْرٌو المَكِّيُّ: صُحْبَةُ الصّالِحِينَ والفُقَراءِ الصّادِقِينَ عَيْشُ أهْلِ الجَنَّةِ، يَتَقَلَّبُ مَعَهم جَلِيسُهم مِنَ الرِّضا إلى اليَقِينِ، ومِنَ اليَقِينِ إلى الرِّضا، ولِأبِي مَدْيَنَ مِن قَصِيدَتِهِ المَشْهُورَةِ الَّتِي خَمَّسَها الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ: ما لَذَّةُ العَيْشِ إلّا صُحْبَةُ الفُقَرا هُمُ السَّلاطِينُ والسّاداتُ والأُمَرا فاصْحَبْهُمُ وتَأدَّبْ في مَجالِسِهِمْ ∗∗∗ وخَلِّ حَظَّكَ مَهْما قَدَّمُوكَ ورا واسْتَغْنِمِ الوَقْتَ واحْضُرْ دائِمًا مَعَهم ∗∗∗ واعْلَمْ بِأنَّ الرِّضا يَخْتَصُّ مَن حَضَرا ولازِمِ الصَّمْتَ إلّا إنْ سُئِلْتَ فَقُلْ ∗∗∗ لا عِلْمَ عِنْدِي وكُنْ بِالجَهْلِ مُسْتَتِرا إلى أنْ قالَ: وإنْ بَدا مِنكَ عَيْبٌ فاعْتَرِفْ وأقِمِ ∗∗∗ وجْهَ اعْتِذارِكَ عَمّا فِيكَ مِنكَ جَرا وقُلْ عَبِيدُكم أوْلى بِصَفْحِكُمُ ∗∗∗ فَسامِحُوا وخُذُوا بِالرِّفْقِ يا فُقَرا هم بِالتَّفَضُّلِ أوْلى وهْوَ شِيمَتُهم ∗∗∗ فَلا تَخَفْ دَرَكًا مِنهُمُ ولا ضَرَرا وعَنى بِهَؤُلاءِ السّادَةِ الصُّوفِيَّةَ وقَدْ شاعَ إطْلاقُ الفُقَراءِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمُ الفَقْرُ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وفَقْرُهم مُقارِنٌ لِلصَّلاحِ وبِذَلِكَ يُمْدَحُ الفَقْرُ، وأمّا إذا اقْتَرَنَ بِالفَسادِ فالعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ، فَمَتى سَمِعْتَ التَّرْغِيبَ في مُجالَسَةِ الفَقِيرِ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ الفَقِيرُ الصّالِحُ، والآثارُ مُتَظافِرَةٌ في التَّرْغِيبِ في ذَلِكَ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا: تَواضَعُوا وجالِسُوا المَساكِينَ تَكُونُوا مِن كِبارِ عَبِيدِ اللَّهِ تَعالى، وتَخَرَّجُوا مِنَ الكِبْرِ، وفي الجامِعِ: الجُلُوسُ مَعَ الفُقَراءِ مِنَ التَّواضُعِ، وهو مِن أفْضَلِ الجِهادِ، وفي رِوايَةٍ: أحِبُّوا الفُقَراءَ وجالِسُوهُمْ، ومِن فَوائِدِ مُجالَسَتِهِمْ أنَّ العَبْدَ يَرى نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، ويَقْنَعُ بِاليَسِيرِ مِنَ الدُّنْيا ويَأْمَنُ في مُجالَسَتِهِمْ مِنَ المُداهَنَةِ والتَّمَلُّقِ وتَحَمُّلِ المَنِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، نَعَمْ إنَّ مُجالَسَتَهم خِلافُ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ؛ ولِذا عَظُمَ فَضْلُها، وقِيلَ: إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ ﴾ إلَخْ دُونَ: ودُمْ مَعَ الَّذِينَ...
إلَخْ إشارَةً إلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ ؛ فَإنَّ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ فُطِرَتْ عَلى أحْسَنِ فِطْرَةٍ وطُبِعَتْ عَلى أحْسَنِ طَبِيعَةٍ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ الأسْرارِ: إنَّما قِيلَ: واصْبِرْ نَفْسِكَ دُونَ: واصْبِرْ قَلْبَكَ لِأنَّ قَلْبَهُ الشَّرِيفَ كانَ مَعَ الحَقِّ فَأُمِرَ بِصُحْبَةِ الفُقَراءِ جَهْرًا بِجَهْرٍ، واسْتَخْلَصَ سُبْحانَهُ قَلْبَهُ لَهُ سِرًّا بِسِرٍّ ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ: تَطْلُبُ مُجالَسَةَ الأشْرافِ والأغْنِياءِ وأصْحابِ الدُّنْيا وهي مَذْمُومَةٌ مَعَ المَيْلِ إلَيْهِمْ والتَّواضُعِ لِغِناهم.
وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: ««مَن تَذَلَّلَ لِغَنِيٍّ لِأجْلِ غِناهُ ذَهَبَ ثُلْثا دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ تَعالى في الثُّلْثِ الآخَرِ»».
ومَضارُّ مُجالَسَتِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا تَخْفى عَلى مَن عَلِمَ فَوائِدَ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، وأدْناها ضَرَرًا تُحْمَلُ مِنهُمْ؛ فَإنَّهُ قَلَّما يَسْلَمُ الغَنِيُّ مِنَ المَنِّ عَلى جَلِيسِهِ الفَقِيرِ ولَوْ بِمُجَرَّدِ المُجالَسَةِ وهو حَمْلٌ لا يُطاقُ، ومِن نَوابِغِ الزَّمَخْشَرِيِّ: طَعْمُ الآلاءِ أحْلى مِنَ المَنِّ وهي أمَرُّ مِنَ الآلاءِ عِنْدَ المَنِّ، وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ: لَنا صاحِبٌ ما زالَ يُتْبِعُ بِرَّهُ ∗∗∗ بِمَنٍّ، وبَذْلُ المَنِّ بِالبِرِّ لا يُسْوى تَرَكْناهُ لا بُغْضًا ولا عَنْ مَلالَةٍ ∗∗∗ ولَكِنْ لِأجْلِ المَنِّ يُسْتَعْمَلُ السَّلْوى ﴿ ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ نَهْيٌ عَنْ إطاعَةِ المَحْجُوبِينَ الغافِلِينَ وكانُوا في القِصَّةِ يُرِيدُونَ طَرْدَ الفُقَراءِ وعَدَمَ مُجالَسَةِ النَّبِيِّ لَهُمْ، لَكِنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَلا يُطاعُ عِنْدَ أهْلِ الإشارَةِ الغافِلُ المَحْجُوبُ في كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ هَوى النَّفْسِ، وعَدُّوا مِن إطاعَتِهِ التَّواضُعَ لَهُ؛ فَإنَّهُ يَطْلُبُهُ حالًا وإنْ لَمْ يُفْصِحْ بِهِ مُقالًا ﴿ وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ قالُوا: فِيهِ إشارَةٌ إلى عَدَمِ كَتْمِ الحَقِّ وإنْ أدّى إلى إنْكارِ المَحْجُوبِينَ وإعْراضِ الجاهِلِينَ، وعُدَّ مِن ذَلِكَ في أسْرارِ القُرْآنِ كَشْفُ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وقالَ: إنَّ العاشِقَ الصّادِقَ لا يُبالِي تَهَتُّكَ الأسْرارِ عِنْدَ الأغْيارِ، ولا يَخافُ لَوْمَةَ لائِمٍ ولا يَكُونُ في قَيْدِ إيمانِ الخَلْقِ وإنْكارِهِمْ؛ فَإنَّ لَذَّةَ العِشْقِ بِذَلِكَ أتَمُّ؛ ألا تَرى قَوْلَ القائِلِ: ألا فاسْقِنِي خَمْرًا وقُلْ لِي هي الخَمْرُ ∗∗∗ ولا تَسْقِنِي سِرًّا إذا أمْكَنَ الجَهْرُ وبُحْ بِاسْمِ مَن أهْوى ودَعْنِي مِنَ الكُنى ∗∗∗ فَلا خَيْرَ في اللَّذّاتِ مِن دُونِها سِتْرُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ المَنصُورِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ؛ فَإنَّهم حافَظُوا عَلى كَتْمِ الأسْرارِ عَنِ الأغْيارِ وأوْصَوْا بِذَلِكَ، ويَكْفِي حُجَّةً في هَذا المَطْلَبِ ما نُسِبَ إلى زَيْنِ العابِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهُوَ: إنِّي لَأكْتُمُ مِن عِلْمِي جَواهِرَهُ ∗∗∗ كَيْلا يَرى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنا وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا أبُو حَسَنٍ ∗∗∗ إلى الحُسَيْنِ ووَصّى قَبْلَهُ الحَسَنا فَرُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ ∗∗∗ لَقِيلَ لِي أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنا ولاسْتَحَلَّ رِجالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ∗∗∗ يَرَوْنَ أقْبَحَ ما يَأْتُونَهُ حَسَنا نَعَمْ، المَغْلُوبُ وكَذا المَأْمُورُ مَعْذُورٌ، وعِنْدَ الضَّرُورَةِ يُباحُ المَحْظُورُ، وما أحْسَنَ قَوْلَ الشِّهابِ القَتِيلِ: وا رَحْمَتا لِلْعاشِقِينَ تَكَلَّفُوا ∗∗∗ سِتْرَ المَحَبَّةِ والهَوى فَضّاحُ بِالسِّرِّ إنْ باحُوا تُباحُ دِماؤُهم ∗∗∗ وكَذا دِماءُ البائِحِينَ تُباحُ وإذا هُمُ كَتَمُوا يُحَدِّثُ عَنْهُمُ ∗∗∗ عِنْدَ الوُشاةِ المَدْمَعُ السَّحّاحُ وما ذُكِرَ أوَّلًا يَكُونُ مُسْتَمْسَكًا في الذَّبِّ عَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ وأضْرابِهِ؛ فَإنَّهم لَمْ يُبالُوا في كَشْفِ الحَقائِقِ الَّتِي يَدَّعُونَها بِكَوْنِهِ سَبَبًا لِضَلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ وداعِيًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضٌ بِالآيَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى الحَقَّ ما يَكُونُ مِن جِهَتِهِ تَعالى وما جاءُوا بِهِ لَيْسَ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ لا تَشْهَدُ لَهُ آيَةٌ ولا يُصَدِّقُهُ حَدِيثٌ ولا يُؤَيِّدُهُ أثَرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ إلّا أنَّهُ لا يُسْتَنْبَطُ مِنها إلّا بِقُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ وأنْوارٍ إلَهِيَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ فَهْمِ المُنْكِرِينَ لَها مِن ذَلِكَ لِحِرْمانِهِمْ تِلْكَ القُوَّةَ واحْتِجابِهِمْ عَنْ هاتِيكَ الأنْوارِ عَدَمُ حَقِّيَّتِها فَكَمْ مِن حَقٍّ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ أفْهامُهُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَظَهَرَ مِثْلُ تِلْكَ الحَقائِقِ في الصَّدْرِ الأوَّلِ؛ فَإنَّ أرْبابَ القُوى القُدْسِيَّةِ والأنْوارِ الإلَهِيَّةِ فِيهِ كَثِيرُونَ، والحِرْصُ عَلى إظْهارِ الحَقِّ أكْثَرُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ مانِعٌ أوْ عَدَمُ مُقْتَضٍ لِإظْهارِ ما أُظْهِرَ مِنَ الحَقائِقِ، وفِيهِ نَوْعُ دَغْدَغَةٍ ولَعَلَّهُ سَيَأْتِيكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما عَسى أنْ يَنْفَعَكَ هُنا، وبِالجُمْلَةِ أمْرُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ وأضْرابِهِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فِيما قالُوا ودَوَّنُوا عِنْدِي مُشْكِلٌ لا سِيَّما أمْرُ الشَّيْخِ فَإنَّهُ أتى بِالدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ مَعَ جَلالَةِ قِدْرِهِ الَّتِي لا تُنْكَرُ، ولِذا تَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ويَكُرُّونَ، وما ألْطَفَ ما قالَهُ فِرَقُ جَنِينِ العِصابَةِ الفارُوقِيَّةِ والرّاقِي في مَراقِي التَّنَزُّلاتِ المُوصِلِيَّةِ في قَصِيدَتِهِ الَّتِي عَقَدَ إكْسِيرَها في مَدْحِ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ فَغَدا شَمْسًا في آفاقِ مَدائِحِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ وهو قَوْلُهُ: يُنْكِرُ المَرْءُ مِنهُ أمْرًا فَيَنْها ∗∗∗ هُ نَهاهُ فَيُنْكِرُ الإنْكارا تَنْثَنِي عَنْهُ ثُمَّ تُثْنِي عَلَيْهِ ∗∗∗ ألْسُنٌ تُشْبِهُ الصُّحاةَ سُكارى ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴾ قِيلَ: هي إشارَةٌ إلى أنَّهم يُحَلَّوْنَ حَقائِقَ التَّوْحِيدِ الذّاتِيِّ ومَعانِي التَّجَلِّياتِ العَيْنِيَّةِ الأحَدِيَّةِ ﴿ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِصِفاتٍ بَهِيجَةٍ حَسَنَةٍ نَضِرَةٍ مُوجِبَةٍ لِلسُّرُورِ ﴿ مِن سُنْدُسٍ ﴾ الأحْوالِ والمَواهِبِ وعُبِّرَ عَنْها بِالسُّنْدُسِ لِكَوْنِها ألْطَفَ ﴿ وإسْتَبْرَقٍ ﴾ الأخْلاقِ والمَكاسِبِ، وعُبِّرَ عَنْها بِالإسْتَبْرَقِ لِكَوْنِها أكْثَفَ ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ ﴾ قِيلَ: أيْ: أرائِكِ الأسْماءِ الإلَهِيَّةِ ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ ﴾ إلَخْ فِيهِ مِن تَسْلِيَةِ الفُقَراءِ المُتَوَكِّلِينَ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَنْبِيهِ الأغْنِياءِ المَغْرُورِينَ ما فِيهِ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: الرَّجُلانِ هُما النَّفْسُ الكافِرَةُ والقَلْبُ المُؤْمِنُ ﴿ جَعَلْنا لأحَدِهِما ﴾ وهو النَّفْسُ ﴿ جَنَّتَيْنِ ﴾ هُما الهَوى والدُّنْيا ﴿ مِن أعْنابٍ ﴾ الشَّهَواتِ ﴿ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ ﴾ حَبِّ الرِّياسَةِ ﴿ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا ﴾ مِنَ التَّمَتُّعاتِ البَهِيمِيَّةِ ﴿ وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا ﴾ مِنَ القُوى البَشَرِيَّةِ والحَواسِّ ﴿ وكانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ مِن أنْواعِ الشَّهَواتِ ﴿ وهُوَ يُحاوِرُهُ ﴾ أيْ: يُجاذِبُ النَّفْسَ ﴿ أنا أكْثَرُ مِنكَ ﴾ مالًا؛ أيْ: مَيْلًا ﴿ وأعَزُّ نَفَرًا ﴾ مِنَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ ﴿ وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ في الِاسْتِمْتاعِ بِجَنَّةِ الدُّنْيا عَلى وفْقِ الهَوى ﴿ لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها ﴾ قالَ ذَلِكَ غُرُورًا بِاللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ ﴿ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها ﴾ مِنَ العُمْرِ وحُسْنِ الِاسْتِعْدادِ.
انْتَهى.
وقَدِ التُزِمَ هَذا النَّمَطُ في أكْثَرِ الآياتِ ولا بِدْعَ فَهو شَأْنُ كَثِيرٍ مِنَ المُؤَوِّلِينَ ﴿ هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: لِلطّالِبِينَ لَهُ سُبْحانَهُ لا لِلْجَنَّةِ ﴿ وخَيْرٌ عُقْبًا ﴾ لِلْمُرِيدِينَ ﴿ والباقِياتُ الصّالِحاتُ ﴾ قِيلَ: هي المَحَبَّةُ الدّائِمَةُ والمَعْرِفَةُ الكامِلَةُ والأُنْسُ بِاللَّهِ تَعالى والإخْلاصُ في تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ والِانْفِرادُ بِهِ جَلَّ وعَلا عَنْ غَيْرِهِ؛ فَهي باقِيَةٌ لِلْمُتَّصِفِ بِها وصالِحَةٌ لا اعْوِجاجَ فِيها وهي خَيْرُ المَنازِلِ، وقَدْ تُفَسَّرُ بِما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الأعْمالِ الخالِصَةِ والنِّيّاتِ الصّادِقَةِ ﴿ ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: دَلَّ سُبْحانَهُ بِهَذا عَلى إظْهارِ جَبَرُوتِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ عِزَّتِهِ لِيَتَأهَّبَ العَبْدُ لِذَلِكَ المَوْقِفِ ويُصْلِحَ سَرِيرَتَهُ وعَلانِيَتَهُ لِخِطابِ ذَلِكَ المَشْهَدِ وجَوابِهِ ( عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا ) إخْبارٌ عَنْ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ وإنْ كانَ المُخاطَبُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ ﴾ إلَخْ بَعْضُهُمْ، ذُكِرَ أنَّهُ يُعْرَضُ كُلُّ صِنْفٍ صَفًّا، وقِيلَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ صَفٌّ، والأوْلِياءُ صَفٌّ، وسائِرُ المُؤْمِنِينَ صَفٌّ، والمُنافِقُونَ والكافِرُونَ صَفٌّ، وهم آخِرُ الصُّفُوفِ، فَيُقالُ لَهُمْ: ( قَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ) عَلى وصْفِ الفِطْرَةِ الأوَّلِيَّةِ عاجِزِينَ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ ووُضِعَ الكِتابُ ﴾ أيِ الكُتُبُ فَيُوضَعُ كِتابُ الطّاعاتِ لِلزُّهّادِ والعُبّادِ وكِتابُ الطّاعاتِ والمَعاصِي لِلْعُمُومِ وكِتابُ المَحَبَّةِ والشَّوْقِ والعِشْقِ لِلْخُصُوصِ، ولِبَعْضِهِمْ: وأوْدَعْتُ الفُؤادَ كِتابَ شَوْقٍ ∗∗∗ سَيُنْشَرُ طَيُّهُ يَوْمَ الحِسابِ ﴿ ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ﴾ قالَ أبُو حَفْصٍ: أشَدُّ آيَةٍ في القُرْآنِ عَلى قَلْبِي هَذِهِ الآيَةُ ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ ﴾ قِيلَ: أيْ: ما أشْهَدْتُهم أسْرارَ ذَلِكَ والدَّقائِقَ المُودَعَةَ فِيهِ، وإنَّما أشْهَدَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ أحِبّاءَهُ وأوْلِياءَهُ ﴿ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ لِأنَّهُ مَظْهَرُ الأسْماءِ المُخْتَلِفَةِ والعالَمُ الأصْغَرُ الَّذِي انْطَوى فِيهِ العالَمُ الأكْبَرُ، هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ، أي فلا أحد أظلم، ويقال: أشد في كفره مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ، أي وعظ بالقرآن، فَأَعْرَضَ عَنْها.
يقول: فكذب بها ولم يؤمن بها، وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ أي نسي ذنوبه التي أسلفها.
إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً، أي جعلنا أعمالهم على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ، أي لكيلا يعرفوه ولا يفهموه.
وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً، أي صمماً وثقلاً مجازاة لكفرهم.
وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى، أي إِلى الإسلام، فَلَنْ يَهْتَدُوا أي لن يؤمنوا.
إِذاً أَبَداً وَرَبُّكَ الْغَفُورُ، أي المتجاوز إن رجعوا.
ذُو الرَّحْمَةِ، أي بتأخير العذاب عنهم، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا أي لو يعاقبهم بكفرهم، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ في الدنيا، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ، أي أجلاً.
لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا، أي ملجأً يلجئون إليه ولا منجى منه.
قوله عز وجل: وَتِلْكَ الْقُرى، أي أهلها يعني: أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا، يعني: القرون الماضية حين أقاموا وثبتوا على كفرهم.
وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً، أي لهلاكهم أَجلاً يهلكون فيه.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر لِمَهْلِكِهِمْ بنصب الميم واللام، وقرأ عاصم في رواية حفص: بنصب الميم وكسر اللام، وقرأ الباقون: بضم الميم ونصب اللام، ومعنى ذلك كله واحد.
قال الزجاج: يكون للمصدر، ويجوز للوقت.
وإن كان مصدراً، فمعناه: جعلنا لوقت هلاكهم أجلا.
وإن كان للوقت فمعناه: جعلنا لوقت هلاكهم أجلا.
<div class="verse-tafsir"
الاستغاثة بهم، واختلف في قوله: مَوْبِقاً، فقال ابن عباس: معناه مهلكاً «١» ، وقال عبد اللَّه بن عمر وأنس بن مالك ومجاهد: مَوْبِقاً هو وادٍ في جهنَّم يجري بدَمٍ وصديدٍ «٢» .
قال أنس: يحجز بين أهل النار وبَيْن المؤمنين «٣» .
وقوله سبحانه: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، أي: مباشروها، وأطلق الناس أنَّ الظنَّ هنا بمعنى اليقين.
قال ع «٤» : والعبارة بالظَّنِّ لا تجيء أبداً في موضع يقينٍ تامِّ قد قَالَهُ الحَسَن «٥» بل أعظم درجاته أن يجيء، في موضع متحقِّق، لكنه لم يقع ذلك المظْنُونُ، والاَّ فمذْ يقع ويُحَسُّ لا يكادُ توجَدُ في كلامِ العربِ العبارةُ عنه بالظَّنِّ، وتأمَّل هذه الآية، وتأمَّل كلام العرب، وروي أبو سعيد الخدريّ، أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ الكَافِرَ لَيَرى جَهَنَّمَ، ويَظُنُّ أَنَّهَا مُوَاقِعَتُهُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً» «٦» ، و «المَصْرِف» : المَعْدِل والمَرَاغ، وهو مأخوذ من الانصرافِ من شيء إلى شيء.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: المُسْتَهْزِئِينَ والمُقْتَسِمِينَ وأتْباعَهُمْ، وجِدالُهم بِالباطِلِ أنَّهم ألْزَمُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِالآَياتِ عَلى أهْوائِهِمْ؛ ﴿ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ﴾ ؛ أيْ: لِيُبْطِلُوا ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ .
وقِيلَ: جِدالُهُمْ: قَوْلُهُمْ: ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا ﴾ ، ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ ، ونَحْوُ ذَلِكَ لِيُبْطِلُوا بِهِ ما جاءَ في القُرْآَنِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والجَزاءِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿ لِيُدْحِضُوا ﴾ : لِيُزِيلُوا ويَذْهَبُوا، يُقالُ: مَكانٌ دَحْضٌ؛ أيْ: مَزَلٌّ لا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ ولا حافِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّخَذُوا آياتِي ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ.
﴿ وَما أُنْذِرُوا ﴾ ؛ أيْ: خُوِّفُوا بِهِ مِنَ النّارِ والقِيامَةِ، ﴿ هُزُوًا ﴾ ؛ أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في ( البَقَرَةِ: ١١٤ ) .
و ﴿ ذُكِّرَ ﴾ بِمَعْنى: وُعِظَ.
وآَياتُ رَبِّهِ: القُرْآَنُ، وإعْراضُهُ عَنْها: تَهاوُنُهُ بِها.
﴿ وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ ؛ أيْ: ما سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِ، وقَدْ شَرَحْنا ما بَعْدَ هَذا في ( الأنْعامِ: ٢١ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى ﴾ وهو الإيمانُ والقُرْآَنُ، ﴿ فَلَنْ يَهْتَدُوا ﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْ عِلْمِهِ فِيهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ.
﴿ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ ﴾ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ، ﴿ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَوْئِلُ: المَنجى، وهو المَلْجَأُ في المَعْنى؛ لِأنَّ المَنجى مَلْجَأٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّهُ لَيُوائِلُ إلى مَوْضِعِهِ؛ أيْ: يَذْهَبُ إلى مَوْضِعِهِ، قالَ الشّاعِرُ: لا واءَلَتْ نَفْسُكَ خَلَّيْتَها لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ يُرِيدُ: لا نَجَتْ نَفْسُكَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِلْأعْشى: وقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثُمَّ ما يَئِلُ أيْ: ما يَنْجُو.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَوْئِلُ: المَلْجَأُ، يُقالُ: وآَلَ فُلانٌ إلى كَذا: إذا لَجَأ.
فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ هَذِهِ الآَيَةِ يَقْتَضِي أنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنِ الكُفّارِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهم في رَحْمَتِهِ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: [ أنَّ ] الرَّحْمَةَ هاهُنا بِمَعْنى النِّعْمَةِ، ونِعْمَةُ اللَّهِ لا يَخْلُو مِنها مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ.
فَأمّا الرَّحْمَةُ الَّتِي هي الغُفْرانُ والرِّضى، فَلَيْسَ لِلْكافِرِ فِيها نَصِيبٌ.
والثّانِي: أنَّ رَحْمَةَ اللهِ مَحْظُورَةٌ عَلى الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَأمّا في الدُّنْيا فَإنَّهم يَنالُونَ مِنها العافِيَةَ والرِّزْقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ القُرى ﴾ يُرِيدُ: الَّتِي قَصَصْنا عَلَيْكَ ذِكْرَها، والمُرادُ: أهْلُها؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ والمُرادُ: قَوْمُ هُودٍ وصالِحٍ، ولُوطٍ وشُعَيْبٍ.
قالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿ لَمّا ظَلَمُوا ﴾ مَعْناهُ: بَعْدَما ظُلِمُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، فَيَكُونُ المَعْنى: وجَعَلْنا لِإهْلاكِهِمْ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ وقْتًا، فالمَعْنى: لِوَقْتِ هَلاكِهِمْ.
وَقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وهو مَصْدَرٌ مِثْلُ الهَلاكَ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، ومَعْناهُ: لِوَقْتِ إهْلاكِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ ﴿ وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهُمُ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا ﴾ ﴿ وَتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أو أمْضِيَ حُقُبًا ﴾ لَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ حَتَّمَ بِكُفْرِهِمْ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ أبَدًا، عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الغَفُورُ ذُو الرَحْمَةِ، ويَتَحَصَّلُ لِلْكَفّارِ مِن صِفَتِهِ تَبارَكَ تَعالى بِالغُفْرانِ والرَحْمَةِ تَرْكُ المُعاجَلَةِ، ولَوْ أخَذُوا بِحَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ لَبادَرَهم بِالعَذابِ المُيَسَّرِ لَهُمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أخَّرَهم إلى مَوْعِدٍ لا يَجِدُونَ مِنهُ مَنجى، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو أجَلُ المَوْتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو يَوْمُ بَدْرٍ والحَشْرِ، و"المَوْئِلُ": المَنجى، يُقالُ: وألِ الرَجُلُ يَئِلُ إذا نَجا.
ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا وألَتْ نَفْسُكَ خَلَّيْتَها ∗∗∗ لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثُمَّ ما يَئِلُ ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى تَوَعُّدَهم بِذِكْرِ الأمْثِلَةِ مِنَ القُرى الَّتِي نَزَلَ بِها ما تَوَعَّدَ هَؤُلاءِ بِمِثْلِهِ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ القُرى ﴾ حُذِفَ مُضافٌ، تَقْدِيرُهُ: وتِلْكَ أهْلُ القُرى، و"القُرى": المُدُنُ، وهَذِهِ الإشارَةُ إلى عادٍ وثَمُودٍ ومَدِينَ وغَيْرِهِمْ، و"تِلْكَ" ابْتِداءٌ، وَ"القُرى" صِفَةٌ، و"أهْلَكْناهُمْ" خَبَرٌ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "تِلْكَ" مَنصُوبًا بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أهْلَكْناهُمْ".
وقَرَأ الجُمْهُورٌ: "لِمُهْلَكِهِمْ" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللامِ، وهو مِن: "أهْلَكَ"، ومُفْعِلٌ في مِثْلِ هَذا يَكُونُ لِزَمَنِ الشَيْءِ، ومَكانِهِ، ويَكُونُ مَصْدَرًا، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا- مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "لِمَهْلَكِهِمْ" بِفَتْحِ المِيمِ واللامِ، وقَرَأ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "لِمَهْلِكِهِمْ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللامِ، وهو مَصْدَرٌ مِن: "هَلَكَ"، وهو في مَشْهُورِ اللُغَةِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فالمَصْدَرُ -عَلى هَذا- مُضافٌ إلى الفاعِلِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى: وجَعَلْنا لِأنَّ هُلِكُوا مَوْعِدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ "هَلَكَ" يَتَعَدّى، تَقُولُ: أهْلَكْتُ الرَجُلَ وهَلَكْتُهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في ذَلِكَ: ومَهْمَهِ هالَكٍ مَن تَعَرَّجا فَعَلى هَذا يَكُونُ المَصْدَرُ في كُلِّ وجْهٍ مُضافًا إلى المَفْعُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى ﴾ الآيَةُ...
ابْتِداءُ قِصَّةٍ لَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، والمَعْنى: اذْكُرْ أوِ اتْلُ، و" مُوسى " هو مُوسى بْنُ عُمْرانَ بِمُقْتَضى الأحادِيثِ والتَوارِيخِ، وبِظاهِرِ القُرْآنِ؛ إذْ لَيْسَ في القُرْآنِ مُوسى غَيْرَ واحِدٍ، وهو ابْنُ عِمْرانَ،وَلَوْ كانَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُهُ لِبَيَّنَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها نُوفُ البَكالِي: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وهو مُوسى بْنُ مَثْنى، ويُقالُ: مُوسى ابْنُ مَنشى، وأمّا فَتاهُ فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ مُوسى بْنُ عُمْرانَ فَهو يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ إفْرايِيلَ بْنِ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ، وأمّا مَن قالَ هو مُوسى بْنُ مَثْنى فَلَيْسَ الفَتى بِيُوشَعِ بْنِ نُونِ، ولَكِنَّهُ قَوْلًا غَيْرَ صَحِيحٍ رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ.
و"الفَتى" في كَلامِ العَرَبِ: الشابُّ، ولَمّا كانَ الخِدْمَةَ -أكْثَرُ ما يَكُونُ- فِتْيانًا قِيلَ لِلْخادِمِ: فَتى عَلى جِهَةِ حُسْنِ الأدَبِ، وإنْ أسَنَّ، ونَدَبَتِ الشَرِيعَةُ إلى ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ : « "لا يَقُلْ أحَدُكم عَبْدِي ولا أُمَّتِي، ولَيَقُلْ فَتايَ وَفَتاتِي"،» فَهَذا نَدْبٌ إلى التَواضُعِ، و"الفَتى" في الآيَةِ هو الخادِمُ، ويُوشِعُ بْنُ نُونٍ يُقالُ: هو ابْنُ أُخْتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وسَبَبُ هَذِهِ القِصَّةِ فِيما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ «أنَّ مُوسى جَلَسَ يَوْمًا في مَجْلِسٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ وخَطْبٍ فَأبْلُغُ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا أعْلَمَ مِنكَ؟
قالَ: لا، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: بَلى، عَبَدْنا خِضْرٌ، فَقالَ: يا رَبِّ، دُلَّنِي عَلى السَبِيلِ إلى لُقِيِّهِ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يَسِيرَ بِطُولِ سَيْفِ البَحْرِ حَتّى يَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَإذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَإنَّهُ هُنالِكَ، وأمَرَ أنْ يَتَزَوَّدَ ويَرْتَقِبَ زَوالَهُ عنهُ، فَفَعَلَ مُوسى ذَلِكَ، وقالَ لِفَتاهُ عَلى جِهَةِ إمْضاءِ العَزِيمَةِ: لا أبْرَحُ السَيْرَ، أيْ: لا أزالُ، وإنَّما قالَ هَذِهِ المَقالَةَ وهو سائِرٌ،» ومِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: فَما بَرِحُوا حَتّى تَهادَتْ نِسَؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ بِبَطْحاءَ ذِي قارٍ عِيابَ اللَطائِمِ وذَكَرَ الطَبَرِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا ظَهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمُهُ عَلى مِصْرَ أنَزَلَ قَوْمَهُ بِمِصْرَ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ الحالُ خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَّرَ بِآلاءِ اللهِ وأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما مَرَّ بِي قَطُّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْزَلَ قَوْمَهُ بِمِصْرَ إلّا في هَذا الكَلامِ، وما أراهُ يَصِحُّ، بَلِ المُتَظاهِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ماتَ بِفَحْصِ التِيهِ قَبْلَ فَتْحِ دِيارِ الجَبّارِينَ، وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الفِقْهِ الرِحْلَةُ في طَلَبِ العِلْمِ، والتَواضُعُ لِلْعالَمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَجْمَعُ" بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، وقَرَأ الضَحاكُ: "مَجْمِعِ" بِكَسْرِ المِيمِ الثانِيَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ"، أيْنَ هُوَ؟
فَقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هو مَجْمَعُ بَحْرِ فارِسٍ وبَحْرِ الرُومِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ ذِراعٌ يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ مِن شَمالٍ إلى جَنُوبٍ في أرْضِ فارِسٍ مِن وراءِ أذْرَبِيجانَ، فالرُكْنُ الَّذِي لِاجْتِماعِ البَحْرِينِ مِمّا يَلِي بِرَّ الشامِ، هو "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ" عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ هو عِنْدَ طَنْجَةَ، وهو حَيْثُ يَجْتَمِعُ البَحْرُ المُحِيطُ والبَحْرُ الخارِجُ مِنهُ السائِرُ مِن دَبُّورٍ إلى صِبا، ورُوِيَ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ" بِإفْرِيقِيَّةَ، وهَذا يَقْرُبُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هو بَحْرُ الأنْدَلُسِ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ واحِدٌ، حَكاهُ النَقاشُ، وهَذا مِمّا يُذْكَرُ كَثِيرًا.
ويُذْكَرُ أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي أبَتْ أنْ تُضَيِّفَهُما هي الجَزِيرَةُ الخَضْراءُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ"، يُرِيدُ بَحْرًا مِلْحًا وبَحْرًا عَذْبًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا إنَّما كانَ الخِضْرُ عِنْدَ مَوْقِعِ نَهْرٍ عَظِيمٍ في البَحْرِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: البَحْرانِ إنَّما هُما كِنايَةٌ عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ والخِضْرُ ؛ لِأنَّهُما بَحْرا عِلْمٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، والأمْرُ بَيِّنٌ مَنِ الأحادِيثِ أنَّهُ إنَّما رُسِمَ لَهُ بَحْرٌ ما.
وقَوْلُهُ: ﴿ أو أمْضِيَ حُقُبًا ﴾ مَعْناهُ: أو أمْضِي عَلى وجْهِي زَمانًا، واخْتَلَفَ القُرّاءُ -فَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ: "حُقْبًا" بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حُقُبًا" بِضَمِّهِ، وهو تَثْقِيلُ "حُقْبٍ"، وجَمْعُ الحُقْبِ أحْقابٌ.
واخْتُلِفَ في الحُقْبِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرُو: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ مُجاهِدٌ: سَبْعُونَ سَنَةً، وقالَ الفَرّاءُ: "الحُقْبُ": سَنَةٌ واحِدَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الحُقْبُ أزْمانٌ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحُقْبُ" جَمْعُ حِقْبَةٍ وهي السَنَةُ.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن أزيل غرُورهم بتأخر العذاب، وأبطل ظنهم الإفلات منه ببيان أن ذلك إمهال من أثر رحمة الله بخلقه، ضرب لهم المثل في ذلك بحال أهل القرى السالفين الذين أُخر عنهم العذاب مدة ثم لم ينجوا منه بأخَرة، فالجملة معطوفة على جملة ﴿ بل لهم موعد ﴾ [الكهف: 58].
والإشارة ب تلك إلى مقدر في الذهن، وكاف الخطاب المتصلة باسم الإشارة لا يراد به مخاطب ولكنها من تمام اسم الإشارة، وتجري على ما يناسب حال المخاطب بالإشارة من واحد أو أكثر، والعرب يعرفون ديار عاد وثمود ومدين ويسمعون بقوم لوط وقوم فرعون فكانت كالحاضرة حين الإشارة.
والظلم: الشرك وتكذيب الرسل.
والمُهلك بضم الميم وفتح اللام مصدر ميمي من أهلك، أي جعلنا لإهلاكنا إياهم وقتاً معيناً في علمنا إذا جاء حلَّ بهم الهلاك.
هذه قراءة الجمهور.
وقرأه حفص عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام على أنه اسم زمان على وزن مَفعل.
وقرأه أبو بكر عن عاصم بفتح الميم وفتح اللام على أنه مصدر ميمي لِهَلَك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَرَبُّكَ الغَفُورُ ﴾ يَعْنِي لِلذُّنُوبِ وهَذا يَخْتَصُّ بِهِ أهْلُ الإيمانِ دُونَ الكَفَرَةِ.
﴿ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذُو العَفْوِ.
الثّانِي: ذُو الثَّوابِ، وهو عَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ دُونَ الكَفَرَةِ.
الثّالِثُ: ذُو النِّعْمَةِ.
الرّابِعُ: ذُو الهُدى، وهو عَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ يَعُمُّ أهْلَ الإيمانِ وأهْلَ الكُفْرِ لِأنَّهُ يُنْعِمُ في الدُّنْيا عَلى الكافِرِ كَإنْعامِهِ عَلى المُؤْمِنِ، وقَدْ أوْضَحَ هُداهُ لِلْكافِرِ كَما أوْضَحَهُ لِلْمُؤْمِنِ، وإنِ اهْتَدى بِهِ المُؤْمِنُ دُونَ الكافِرِ.
﴿ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أجَلٌ مُقَدَّرٌ يُؤَخَّرُونَ إلَيْهِ.
الثّانِي: جَزاءٌ واجِبٌ يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ.
﴿ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَلْجَأً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: مُحْرِزًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: ولِيًّا، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: مَنجى، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا وألَتْ نَفْسُهُ، أيْ لا نَجَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لا وألَتْ نَفْسُكَ خَلَّيْتَها لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ لَمّا ظَلَمُوا بِالكُفْرِ.
الثّانِي: أهْلَكْناهم بِأنْ وكَّلْناهم إلى سُوءِ تَدْبِيرِهِمْ لَمّا ظَلَمُوا بِتَرْكِ الشُّكْرِ.
﴿ وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أجَلًا يُؤَخَّرُونَ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: وقْتًا يَهْلِكُونَ فِيهِ.
وَقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها، فَهي بِالضَّمِّ مِن أهْلَكَ وبِالفَتْحِ مِن هَلَكَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأوّلين ﴾ قال: عقوبة الأولين.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد أنه قرأ ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ قال: قبائل.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ قال: فجأة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة أنه قرأ ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ أي عياناً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأعمش في قوله: ﴿ قبلاً ﴾ قال: جهاراً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ قال: مقابلهم فينظرون إليه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ونسي ما قدمت يداه ﴾ أي نسي ما سلف من الذنوب الكثيرة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بما كسبوا ﴾ يقول: بما علموا.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ بل لهم موعد ﴾ قال: الموعد يوم القيامة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لن يجدوا من دونه موئلاً ﴾ قال: ملجأ.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لن يجدوا من دونه موئلاً ﴾ قال: مجوزاً.
وفي قوله: ﴿ وجعلنا لمهلكهم موعداً ﴾ قال: أجلاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن العباس بن عزوان أسنده في قوله: ﴿ وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً ﴾ قال: قضى الله العقوبة حين عصي، ثم أخرها حتى جاء أجلها، ثم أرسلها.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ قال الزجاج: ( ﴿ وَتِلْك ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿ الْقُرَى ﴾ صفة لها، و ﴿ أَهْلَكنَاهُمْ ﴾ خبر الابتداء.
قال: وجائز أن يكون موضع ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى ﴾ نصبا، ويكون ﴿ أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ مفسرًا للناصب، ويكون المعنى: وأهلكنا تلك القرى أهلكناهم) (١) ﴿ أهلَكْنَاهُمْ ﴾ حملة على القوم والأهل) (٢) قال ابن عباس: (يريد ما أهلك بالشام واليمن لما ظلموا وأشركوا وكذبوا بالأنبياء) (٣) ﴿ وَجَعَلْنَا لِمَهلِكِهِم ﴾ والمهلك هاهنا يجوز أن يكون: مصدرًا، وأن يكون: وقتًا، والمعنى: جعلنا لإهلاكهم أو لوقت إهلاكهم، وكل فعل على أفعل.
فالمصدر واسم الزمان والمكان فيه سواء، تقول: أدخلتُه مُدْخلاً وهذا مُدْخله، أي: المكان الذي يدخل منه وقت إدخاله (٤) ﴿ لِمَهْلَكِهم ﴾ بفتح الميم واللام (٥) (٦) قال أبو علي: (ويجوز على لغة تميم أن يكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول؛ لأنهم يقولون: هلكني زيد، كأنهم جعلوه من باب رجع، ورجعته، وغاض الماء وغضته، وعلى هذا حمل بعضهم (٧) ومهمهٍ هالك من تعرَّجا قال: هو بمنزلة: مُهْلِكِ مَنْ تَعَرَّجا.
فقدل: ﴿ لِمَهْلَكِهم ﴾ ، على قول من عَدَّى: هلكت مصدر مضاف إلى المفعول به، نحو ﴿ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ﴾ .
وقرئ في رواية حفص (٨) ﴿ لِمَهْلِكِهِم ﴾ بفتح الميم وكسر اللام (٩) قال أبو إسحاق: (هذا على أن يكون مهلك اسما للزَّمان، يقال: هلك يهلك، هذا زمن مهلكه) (١٠) قال أبو علي: (ويجوز أن يكون مصدرًا، وقد جاء المصدر من باب فعل يفعل بكسر العين قال: ﴿ إِلىَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ﴾ ، والفتح في المصدر أكثر وأوسع) (١١) وقوله تعالى: ﴿ مَوْعِدًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد وقتًا) (١٢) (١٣) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 298.
(٢) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 619.
(٣) لم أقف عليه.
وهذا الإجمال في تعيين هذه القرى وأسباب هلاكها، وأنواع الهلاك الذي وقع عليها جاء مفصلاً في آيات أخرى كثيرة، كما جاء في القرآن الكريم من قصة قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم موسى.
(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 148، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 297، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 283، " إملاء ما من به الرحمن" 1/ 401.
(٥) قرأ عاصم في رواية أبي بكر: (لِمَهْلَكِهم) بفتح الميم واللام الثانية.
انظر: "السبعة" ص 393، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 156، "المبسوط في القراءات العشر" ص 236، "التبصرة" ص 249.
(٦) "الدر المصون" 7/ 515، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 283، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 444، "معاني القرآن" للفراء 2/ 148.
(٧) هذا عجز بيت للعجاج وصدره: عصرًا وحضنا عيشة المعذلجا انظر: "ديوانه" 2/ 43، "المحتسب" 1/ 92، "المقتضب" 4/ 180، "الخصائص" 2/ 210، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 156، "الدر المصون" 7/ 515.
(٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 156.
(٩) قرأ عاصم في رواية حفص: (لِمَهْلِكِهم) بكسر اللام فيهما وفتح الميم.
انظر: "الغاية في القراءات" ص 308، "العنوان في القراءات" ص 123، "حجة القراءات" ص 421، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 65.
(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 297.
(١١) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 157.
(١٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" 3/ 321 بدون نسبة.
(١٣) "جامع البيان" 15/ 270، "النكت والعيون" 3/ 321، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 469.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتِلْكَ القرى ﴾ يعني: عادا وثمود وغيرهم من المتقدمين، والمراد هنا: أهل القرى ولذلك قال: أهلكناهم وفي ضمن هذا الإخبار تهديد لكفار قريش ﴿ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً ﴾ أي وقتاً معلوماً، والمهلك هنا بضم الميم وفتح اللام اسم مصدر من أهلك، فالمصدر على هذا مضاف للفاعل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تسير الجبال ﴾ على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.
الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال.
ما أشهدناهم يزيد.
الآخرون ﴿ ما أشهدتهم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد.
الباقون على التكلم ﴿ ويوم نقول ﴾ بالنون: حمزة الباقون على الغيبة ﴿ قبلاً ﴾ بضمتين: عاصم وحمزة والكسائي.
الباقون بكسر القاف وفتح الباء.
﴿ لمهلكهم ﴾ بفتح الميم وكسر اللام: حفص ﴿ لمهلكهم ﴾ بفتحهما، يحيى وحما والمفضل.
الباقون بضم الميم وفتح اللام.
الوقوف: ﴿ بارزة ﴾ لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك ﴿ أحداً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ صفاً ﴾ ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتمونا ﴿ أول مرة ﴾ ز لأن "بل" قد يبتدأ به مع أن الكلام متحد ﴿ موعداً ﴾ ه ﴿ أحصاها ﴾ ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار "قد" ﴿ حاضراً ﴾ ه ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أمر ربه ﴾ ط ﴿ عدواً ﴾ ط ﴿ بدلاً ﴾ ه أنفسهم ص ﴿ عضداً ﴾ ه ﴿ موبقاً ﴾ ه ﴿ مصرفاً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ه ﴿ قبلاً ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ يداه ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ موئلاً ﴾ ه ﴿ موعداً ﴾ .
التفسير: لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله، وفيه رد على أغنياء المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء المسلمين والتقدير: واذكر يوم كذا عطفاً على وأضرب.
ويجوز أن ينتصب بالقول المضمر قبل ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ وفاعل التسيير هو الله إلا أنه سمي على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى، فتسييرها إما إلى العدم لقوله: ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ﴾ ، ﴿ وبست الجبال بساً، فكانت هباء منبثاً ﴾ وإما إلى موضع لا يعلمه إلا الله ﴿ وترى الأرض بارزة ﴾ لأنه لا يبقى على وجهها شيء يسترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها من الأموات لقوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت ﴾ فيكون الإسناد مجازياً أي بارزاً ما في جوفها ﴿ وحشرناهم ﴾ الضمير للخلائق المعلوم حكماً ﴿ فلم نغادر منهم أحداً ﴾ من الأوّلين والآخرين.
يقال: غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ترك الوفاء.
والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء كله.
ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحداً من خلقه غير محشور وإلا كان قدحاً في عمله وحكمته وقدرته.
قالت المشبهة: في قوله: ﴿ وعرضوا على ربك ﴾ دليل على أنه في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في قوله: ﴿ لقد جئتمونا ﴾ وأجيب بأنه شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان.
وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً.
والصف إما واحد وإما جمع كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ أي أطفالاً.
وقيل: صفاً أي قياماً وبه فسر قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف ﴾ .
وقال القفال: يشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف للصحراء وهذا قريب من الأول.
وقد مر في "الأنعام" أن وجه التشبيه في قوله ﴿ خلقناكم ﴾ أنهم يبعثون عراة لا شيء معهم، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن لن يجعل الله لهم موعداً.
أي وقتاً لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك.
﴿ ووضع الكتاب ﴾ أي جنسه وهو صحف الأعمال.
والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار.
﴿ فترى المجرمين مشفقين ﴾ خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح.
ومعنى النداء في ﴿ يا ويلتنا ﴾ قد مر في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت ﴾ وقوله: ﴿ صغيرة ولا كبيرة ﴾ صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة وضبط كل ما صدر عنهم، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار، فإذا حصر الصنفين فقد حصر الكل.
وعن الفضيل: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر.
قلت: وذلك أن تلك الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر.
وعن ابن عباس: الصغير التبسم والكبيرة القهقهة.
وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا.
وجوّز في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر.
وتمام البحث في المسألة أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله: ﴿ إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ فتذكر ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ في الصحف مثبتاً فيها أو وجدوا أجزاء ما عملوا ظاهراً على صفحات أحوالهم ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾ استدل الجبائي به على بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفال يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم.
والجواب أن الظلم إنما يتصوّر في حق من تصرف في غير ملكه قالوا: لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من غير اعتراض عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة.
وأجيب بأن تلك القضية بعد الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية.
عن رسول الله : "يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة: يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له: ما شغلك عني؟
فيقول جعلتني عبد الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبداً مثلك ثم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار.
ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال: أشغلتني بالبلاء دعا بأيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار" ثم إنه عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه.
قال جار الله: قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ كلام متسأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد فقيل: ﴿ كان من الجن ففسق ﴾ والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكاً لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة.
وقال آخرون: اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن.
ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن أوجب قال: "كان" بمعنى "صار" أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سوة البقرة.
ومعنى ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ خرج عن طاعته.
وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال: ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ .
وقال قطرب: هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره.
ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر.
والمعاصي وخالق أمر الله فقال: ﴿ أفتتخذونه ﴾ كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه ﴿ وذريته أولياء من دوني ﴾ وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد نبياً ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾ أي بئس البدل من الله.
إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته.
قال الجبائي.
في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
قال أهل التحقيق: إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد هو النخوة والعجب والترفع والتبكر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه.
فكل غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتدٍ بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه.
ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله: ﴿ ما أشهدتهم ﴾ فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما كنت متخذ المضلين ﴾ أي متخذهم ﴿ عضداً ﴾ أعواناً فوضع المضلين موضع الضمير نعياً عليهم بالإضلال.
وقيل: الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك.
وقيل: أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء.
ومن قرأ ﴿ وما كنت ﴾ بفتح التاء فالخطاب للرسول والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم، ثم عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخاً لهم وفحوى الكلام: اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ ﴿ يقول ﴾ الله لهم ﴿ نادوا ﴾ أي ادعوا من زعمتم أنهم ﴿ شركائي ﴾ فأهلتموهم للعبادة.
قال المفسرون: أراد الجن ﴿ فدعوهم ﴾ لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى ﴿ إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا ﴾ ﴿ فلم يستجيبوا لهم ﴾ ولم يدفعوا عنهم ضرراً ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ عن الحسن ﴿ موبقاً ﴾ عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم "لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفا".
وقال الفراء: البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة.
وفي الكشاف: الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم مشتركاً هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعاً.
وجوز أن يريد بالشركاء الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم.
وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان.
قوله: ﴿ فظنوا ﴾ قيل: علموا وأيقنوا: والأقرب أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً ﴾ ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ أي معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر.
ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ وقد مر تفسيره في السورة المتقدمة.
وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبداً يتعللون بالأعذار الواهية ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ يعني أن الأشياء التي يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحداً بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصومة فقوله: ﴿ أكثر شيء ﴾ كقوله ﴿ أول مرة ﴾ وقد مر في "الأنعام".
وكثرة جدل الإنسان لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية، فليس له في جانبي التصاعد والتسافل مقام معلوم.
قال أهل البرهان: قوله في سورة "بني إسرائيل": ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ﴾ وقال في هذه السورة بزيادة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن المعنى هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد إلا قولهم: "أبعث الله بشراً رسولاً، هلا بعث ملكاً" وجهلوا أن التجانس يورث التوانس.
ومعناه في هذا الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا الإتيان بسنة الأوّلين وانتظار ذلك.
وعن الزجاج: إلا طلب سنتهم وهو قولهم "إن كان هذا هو الحق" وزاد في هذه السورة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن قوم نوح أمروا بالاستغفار ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ وكذا قوم هود ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ وقوم صالح ﴿ فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ﴾ وقوم شعيب ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ﴾ فلما خوفهم سنة الأوّلين أجرى المخاطبين مجراهم.
والحاصل أنهم لا يقدمون على الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء عياناً.
ومن قرأ بضمتين أراد أنواعاً جمع قبيل.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلاً.
وقالت الأشاعرة: العلم بأنه لا يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه، فالمراد فقدان الموانع المحسوسة.
ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين أن مع هذه الأحوال ﴿ يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا ﴾ ويزيلوا ويبطلوا ﴿ به الحق ﴾ من إدحاض القدم وهو إزلاقها ﴿ واتخذوا آياتي وما أنذروا ﴾ أي الذي أنذروا من العقاب أو إنذارهم ﴿ هزواً ﴾ موضع استهزاء.
قال جار الله: جدالهم قولهم للرسل ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ \[المؤمنون: 24\] وما أشبه ذلك.
قال أهل العرفان: قوله: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ﴾ أي بالقرآن بدليل قوله: ﴿ أن يفقهوه ﴾ وبتذكير الضمير.
﴿ فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ﴾ من الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية.
وإنما قال في السجدة ﴿ ثم أعرض عنها ﴾ لأن ما في هذه السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد، أي ذكروا فأعرضوا عقب ذلك.
وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ﴾ أي ذكروا مرة بعد أخرى وزماناً بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم.
وقوله ﴿ إنا جعلنا ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" إلى قوله: ﴿ فلن يهتدوا إذا أبداً ﴾ متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلاً لأحد الفريقين إلا ومعه دليل للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله، ولعله أراد بذلك إظهار مغفرته.
ورحمته على عباده كما قال: ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾ قال المفسرون الضمير في قوله: ﴿ لو يؤاخذهم ﴾ لأهل مكة الذين أفرطوا في عداوة رسول الله .
والموعد يوم بدر.
وأقول: لا يبعد أن يكون الضمير للناس في قوله: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ﴾ والموعد القيامة، والموئل الملجأ يقال وأل إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار، والرحمة إيصال النفع، وقدرة الله تتعلق بالأول، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال.
أقول: هذا فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضاً لا يخلو عن مبالغة، وكثيراً ما ورد في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين.
وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي أيضاً نظر، لأن مقدورات الله متناهية لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك.
ثم أشار إلى قرى الأولين اعتباراً لغيرهم فقال: ﴿ وتلك القرى ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وفيه تعظيم لشأنهم أو تبعيد لزمانهم ومكانهم، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك أصحاب القرى ﴿ أهلكناهم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ تلك القرى ﴾ منصوباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير.
﴿ وجعلنا ﴾ لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكم ﴿ موعداً ﴾ وعداً أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً يمكنهم التوبة قبل ذلك.
التأويل: ﴿ ويوم نسير الجبال ﴾ وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية ﴿ وعرضوا على ربك صفاً ﴾ لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف القلوب، وكذا النفس وقواها.
﴿ ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ﴾ على هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، والكافرون والمنافقون في الصف الأخير ﴿ لا يغادر صغيرة ﴾ هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات.
﴿ ولا كبيرة ﴾ هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ﴿ ما أشهدتهم ﴾ لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ﴾ أسباب الهداية ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ إن كانوا مذنبين ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي "والله لولا الله ما اهتدينا" ﴿ أو ما يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ كقوله: "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" .
والله أعلم.
(م).
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .
أي: لم يمنع الناس أن يؤمنوا إلا التعنت والعناد؛ لأنه قد أكثر عليهم من الحجج والآيات ما لم يعاندوا ولا كابروا؛ لالتزامهم الإيمان بها والتصديق، لكن الذي منعهم عن الإيمان ما ذكرنا من عنادهم وتعنتهم.
﴿ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
وسنة الأولين: الاستئصال والإهلاك؛ فيقول: لا يؤمنون إلا في ذلك، والإيمان لا ينفعهم في ذلك الوقت؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ .
وقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً ﴾ .
أي: عياناً وجهراً.
قال أبو عبيدة: ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً ﴾ ، أي: مقابلة، وقبلا: استئنافا.
وقال مجاهد: ﴿ قُبُلاً ﴾ : فجأة، وقال: قبيلا.
قال أبو عوسجة: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: مواجهة، وكذلك قبيلا.
وقال القتبي: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: مقابلة وعيانا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ .
أي: لم نرسلهم إلا بما يوجب لهم البشارة والنذارة إنما أرسلوا للأمر والنهي ليأمروا الناس بالطاعة - طاعة الله - وينهوهم عن معاصيه؛ لهذا أرسلوا، فالبشارة لمن اتبع أمرهم وانتهى ما نهوا عنه، والنذارة لمن ارتكب ما نهوا عنه؛ فيكون البشارة للمتبعين لهم في أمرهم والنذارة للمرتكبين المنهي، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ : ما نسبوه إلى السحر والكهانة والإفك وغيره، به يجادلونه؛ وهو باطل.
أو أن يكونوا عرفوا أن ما يجادلونهم به ويحاجونهم باطل، وأن ما يدعوهم [إليه] الرسول حق وصدق ونور، لكن يعاندونه ويجادلونه، وعندهم [أنهم] على باطل، كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ...
﴾ الآية: عرفوا أنه نور لكنهم عاندوه في المجادلة والمحاجة بالباطل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ﴾ .
أي: ليبطلوا به الحق.
وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُواً ﴾ .
قال بعضهم: آياته: الشمس والقمر وغيره، ﴿ وَمَآ أُنْذِرُواْ ﴾ : ما أنذر به الرسل، هو القرآن.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُواً ﴾ : القرآن والحجج التي أقامها وما أمروا به غير القرآن، هي المواعيد - هزوا.
وقال [أصحاب] هذا التأويل: تأويل الأول باطل لا يصح؛ لأنه قال على أثره: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ ، يقول: هذا يدل أنه أراد بالآيات ما ذكرنا من الحجج والبراهين، لا ما ذكر.
وجائز أنهم إذا لم يعملوا بآياته ولم يستعملوها نسبهم إلى الهزء بها والسخرية، وإن لم يهزءوا بها، وهو ما سماهم: عميا وبكما وصما؛ لما لم ينتفعوا بهذه الحواس، ولم يستعملوها فيما جعلت له، وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك؛ فإذا كان فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ثم يحتمل مجادلتهم إياهم: ما قالوا: هذا سحر، وكهانة، وإنه إفك، وشعر، ونحوه.
أو أن يكون مجادلتهم قولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ ، وأشباه ذلك من المجادلات التي كانت بينهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ ﴾ ، أي: وعظ بالآيات التي نزلت بمكة بمكذبي الرسل من الأمم الماضية؛ فيكون تأويله، أي: لا أحد أظلم على نفسه ممن وعظ بآيات ربّه فأعرض عنها ما لو اتعظ بما وعظ كان به نجاته.
أو أن يكون تذكيره بآيات ربه، وهو ما أقام من حججه وبراهينه على توحيده ورسالة الرسول، فلم يقبلها ولم يصدقها، أي: لا أحد أظلم على نفسه ممن لم يتعظ بما ذكر من الآيات والحجج ولم يقبلها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ : يحتمل الإعراض في الآية، أي: لم يقبلها، ولم يكترث إليها، ولم ينظر فيها، أو أعرض عنها بعد ما عرفها أنها آيات وحجج؛ تعنتاً وعناداً.
وقوله: ﴿ وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ .
يحتمل؛ أي: نسي من الخيانة والشرك.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ موصولا بالأول، أي: لا أحد أظلم على نفسه ممّن وعظ، وجعل له سبيل للتخلص والنجاة مما قدمت يداه، فلم يتعظ به؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ .
إن الكفر مظلم إذا أتى به إنسان يستر على نور القلب وعلى نور كل جارحة منه، والإيمان منير ينير القلب، وينير كل جارحة منه وعضو، وهو ما ذكرنا في غير موضع: أن الإنسان إنما يبصر بنورين ظاهرين: بنور نفسه، وبنور ذلك الشيء، فإذا ذهب أحدهما، ذهب الانتفاع بالآخر، والإيمان ما ذكرنا: أنه منير، وفي القلب نور، فإذا اجتمع النوران معاً - فعند ذلك انتفع به، فجعل يفقه ويعقل الشيء بنور القلب وبنور الإيمان، وكذلك كل جارحة منه، الأذن والبصر واللسان، جعل يبصر الحق به، ويعتبر به، ويستمع الحق والصواب.
والكفر مظلم يمنع ويستر على نور الجوارح؛ فجعل لا يبصر، ولا يعتبر، ولا يستمع، ولا يتكلم بالحق، وهو ما ذكرنا: أن الإنسان إنما يبصر الشيء بنور العين وبنور الهواء؛ فإذا ذهب أحدهما صار لا يبصر شيئاً؛ فعلى ذلك ما ذكرنا.
وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه لا يخلو الكفر من أن يكون مظلماً قبيحاً ذميماً بنفسه أو بالله .
فإن قيل: صار كذلك.
قيل: لئن جاز ذا جاز حدوث الأشياء بنفسها؛ إذ لا فرق بين أن يكون الشيء مظلماً قبيحاً ذميماً بنفسه وبين أن تكون الأشياء بأنفسها على ما كانت، فإن بطل [كونه] بنفسه مظلماً قبيحاً ثبت أن الله هو الذي جعله مظلماً قبيحاً، وهو ما نقول نحن: إن الله خلق فعل الكفر من الكافر مظلماً قبيحاً، وخلق فعل الإيمان من المؤمن منيراً حسناً، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً ﴾ .
هذا في قوم مخصوصين علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، وإلا لا يحتمل في جميع الكفار؛ إذ من الكفار من قد آمن.
وقال الحسن: هو في القوم الذين جعل على قلوبهم الغطاء والطبع، إذ من قوله: إن للكفر حدا إذا بلغ الكافر ذلك الحد طبع على قلبه؛ فلا يؤمن أبداً.
وقال بعضهم: هو في قوم عادتهم العناد والمكابرة وتكذيب الآيات والحجج؛ فأخبر أنهم لا يؤمنون أبداً؛ لعنادهم، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ .
يحتمل على وجهين: أحدهما: ﴿ ٱلْغَفُورُ ﴾ حيث ستر عليهم ولم يعاقبهم وقت عصيانهم، و ﴿ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ يقبل توبتهم إذا تابوا.
والثاني: ﴿ ٱلْغَفُورُ ﴾ إذا استغفروا أو تابوا، و ﴿ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ يرحمهم ويتجاوز عنهم ما سبق لهم من الذنوب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ ﴾ في الدنيا.
﴿ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ ﴾ : قال الحسن: جعل الله لكل أمة يهلكون - لهلاكهم - موعداً وأجلا [كقوله]: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ ، وجعل موعد هذه الأمة الساعة؛ وهو قوله: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ﴾ .
قال بعض أهل العلم: أهلك الله كل أمة كذبت رسولها؛ لتتعظ الأمة التي تأتي بعدها، وجعل هلاك أمة محمد بالساعة؛ لأنه ليس بعدها أمة تتعظ به.
وقوله: ﴿ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً ﴾ .
قيل: ملجأ.
وقال القتبي: لا وئلت نفسك، أي: لا نجت، ويقال: وأل فلان إلى كذا، أي: لجأ.
وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً ﴾ .
فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يجعلون المهلك هالكاً قبل أجله، وقد أخبر لمهلكهم موعداً لا يتقدم ولا يتأخر طرفة عين.
وفي قوله: ﴿ قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ : ذكر تقديم اليد، وإن لم يكن لليد صنع في ذلك؛ لما في العرف الظاهر: أنه إنما يقدم ويؤخر باليد، وكذلك ما ذكر من الكسب: ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ؛ لأنه في الشاهد إنما يكتسب باليد ونحوه، فهو يرد على أصحاب الظواهر: أن الخطاب على مخرج الظاهر؛ حيث لم يفهم من ذكر اليد هاهنا اليد نفسها؛ ولكن فهم غير اليد.
<div class="verse-tafsir"
وتلك القرى الكافرة القريبة منكم مثل قرى قوم هود وصالح وشعيب أهلكناهم حين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، وجعلنا لإهلاكهم وقتًا محددا.
<div class="verse-tafsir" id="91.GZbno"